← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 6707

سفر نامه

ناصر خسرو

Полный текст (129 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فِي كل حَيّ مِنْهُمَا وَفِي وسط سوق مصر جَامع يُسمى بَاب الْجَوَامِع شيده عَمْرو بن الْعَاصِ أَيَّام إمارته على مصر من قبل عمر بن الْخطاب وَهَذَا الْمَسْجِد قَائِم على أَرْبَعمِائَة عَمُود فِي الرخام والجدار الَّذِي عَلَيْهِ الْمِحْرَاب مغطى كُله بألواح الرخام الْأَبْيَض الَّتِي كتب الْقُرْآن عَلَيْهَا بِخَط جميل ويحيط بِالْمَسْجِدِ من جهاته الْأَرْبَع الْأَسْوَاق وَعَلَيْهَا تفتح أبوابه وَيُقِيم بِهَذَا الْمَسْجِد المدرسون والمقرئون وَهُوَ مَكَان اجْتِمَاع سكان الْمَدِينَة الْكَبِيرَة وَلَا يقل من من فِيهِ فِي أَي وَقت عَن خَمْسَة آلَاف من طلاب الْعلم والغرباء وَالْكتاب الَّذين يحررون الصكوك والعقود وَغَيرهَا وَقد اشْترى الْحَاكِم بِأَمْر الله هَذَا الْمَسْجِد من أَبنَاء عَمْرو بن الْعَاصِ وَكَانُوا قد ذَهَبُوا اليه وَقَالُوا نَحن فُقَرَاء معوزون وَقد بنى جدنا هَذَا الْمَسْجِد فاذا اذن السُّلْطَان نهدمه ونبيع أحجاره ولبناته فَاشْتَرَاهُ الْحَاكِم بِمِائَة آلف دِينَار وَأشْهد على ذَلِك كل أهل مصر ثمَّ أَدخل عَلَيْهِ عمارات كَثِيرَة عَظِيمَة مِنْهَا ثريا فضية لَهَا سِتَّة عشر جانبا كل جَانب مِنْهَا ذِرَاع وَنصف فَصَارَت دائرتها اربعا وَعشْرين ذِرَاعا ويوقدون فِي ليَالِي المواسم أَكثر من سبعماية قنديل وَيُقَال ان وزن هَذِه الثريا خَمْسَة وَعِشْرُونَ قِنْطَارًا فضَّة كل قِنْطَار مائَة رَطْل وكل رَطْل أَرْبَعَة وَأَرْبَعُونَ وَمِائَة دِرْهَم وَيُقَال انه حِين تمّ صنعها لم يَتَّسِع لَهَا بَاب من أَبْوَاب الْمَسْجِد لكبرها فخلعوا بَابا وأدخلوها مِنْهُ ثمَّ أعادوا الْبَاب مَكَانَهُ ويفرش هَذَا الْمَسْجِد بِعشر طَبَقَات من الْحَصِير الْجَمِيل الملون بَعْضهَا فَوق بعض ويضاء كل لَيْلَة بِأَكْثَرَ من مائَة قنديل وَفِي هَذَا الْمَسْجِد مجْلِس قَاضِي الْقُضَاة

стр. 72

وعَلى الْجَانِب الشمالي لِلْمَسْجِدِ سوق يُسمى سوق الْقَنَادِيل لَا يعرف سوق مثله فِي أَي بلد وَفِيه كل مَا فِي الْعَالم من طرائف وَرَأَيْت هُنَاكَ الأدوات الَّتِي تصنع من الذبل كالأوعية والأمشاط ومقابض السكاكين وَغَيرهَا وَرَأَيْت كَذَلِك معلمين مهرَة ينحتون بلورا غَايَة فِي الْجمال وهم يحضرونه من الْمغرب وَقيل انه ظهر حَدِيثا عِنْد بَحر القلزم بلور ألطف وَأكْثر شفافية من بلور الْمغرب وَرَأَيْت أَنْيَاب الْفِيل أحضرت من زنجبار وَكَانَ وزن كثير مِنْهَا يزِيد على مِائَتي من كَمَا أحضر جلد الْبَقر من الْحَبَشَة يشبه جلد النمر ويعملون مِنْهُ النِّعَال وَقد جلبوا من الْحَبَشَة طائرا أليفا كَبِيرا بِهِ نقط بَيْضَاء وعَلى رَأسه تَاج مثل الطاووس وتنتج مصر عسلا وسكرا كثيرا وَفِي الْيَوْم الثَّالِث من شهر دي الْقَدِيم (ديسمبر يناير) من السّنة الفارسية سِتّ عشرَة وَأَرْبَعمِائَة رَأَيْت فِي يَوْم وَاحِد هَذِه الْفَوَاكِه والرياحين الْورْد الاحمر والنيلوفر والنرجس والترنج والنارنج والليمون والمركب والتفاح والياسمين وَالريحَان الملكي والسفرجل وَالرُّمَّان والكمثري والبطيخ والعطر والموز وَالزَّيْتُون والبليج (الإهليلج) وَالرّطب وَالْعِنَب وقصب السكر والباذنجان والقرع واللفت والكرنب والفول الْأَخْضَر وَالْخيَار والقثاء والبصل والثوم والجزر والبنجر وكل من يفكر كَيفَ تَجْتَمِع هَذِه الْأَشْيَاء الَّتِي بَعْضهَا خريفي وَبَعضهَا ربيعي وَبَعضهَا صَيْفِي وَبَعضهَا شتوي لَا يصدق هَذَا وَلَكِن لَيْسَ لي قصد فِيمَا ذكرت وَلم أكتب الا مَا رَأَيْت وَأما مَا سمعته ثمَّ كتبته فَلَيْسَتْ عهدته على فولاية مصر عَظِيمَة الاتساع بهَا كل أَنْوَاع الجو من الْبَارِد والحار وتجلب كل الحاجيات لمدينة مصر من جَمِيع الْبِلَاد وَيُبَاع بَعْضهَا فِي الْأَسْوَاق ويصنعون بِمصْر الفخار من كل نوع وَهُوَ لطيف وشفاف بِحَيْثُ إِذا وضعت يدك عَلَيْهِ من الْخَارِج ظَهرت من الدَّاخِل وتصنع مِنْهُ الكؤوس

стр. 73

والأقداح والأطباق وَغَيرهَا وهم يلونونها بِحَيْثُ تشبه البوقلمون فتظهر مُخْتَلف فِي كل جِهَة تكون بهَا ويصنعون بِمصْر قَوَارِير كالزبرجد فِي الصفاء والرقة ويبيعونها بِالْوَزْنِ وَسمعت من بزاز ثِقَة أَن وزن الدِّرْهَم الْوَاحِد من الْخَيط يشترى بِثَلَاثَة دَنَانِير مغربية وَهِي تَسَاوِي ثَلَاثَة دَنَانِير وَنصف نيسابورية وَقد سَأَلت فِي نيسابور بكم يشْتَرونَ أَجود الْخَيط فَقَالُوا إِن الْخَيط الَّذِي لَا نَظِير لَهُ يشترى الدِّرْهَم مِنْهُ بِخَمْسَة دَرَاهِم ومدينة مصر ممتدة على شاطئ النّيل الَّذِي بنيت عَلَيْهِ الْقُصُور والمناظر الْكَثِيرَة بِحَيْثُ إِذا احتاجوا إِلَى المَاء رَفَعُوهُ بالحبال من النّيل أما مَاء الْمَدِينَة فيحضره السقاءون من النّيل أَيْضا يحملهُ بَعضهم على الْإِبِل وَبَعْضهمْ على كتفه وَرَأَيْت قدورا من النّحاس الدِّمَشْقِي كل وَاحِد مِنْهَا يسع ثَلَاثِينَ منا وَكَانَت من الطلاوة بِحَيْثُ تظنها من ذهب وَقد حكوا لي أَن امْرَأَة تملك خَمْسَة آلَاف قدر وَأَنَّهَا تؤجر الْوَاحِد مِنْهَا بدرهم فِي الشَّهْر وَيَنْبَغِي أَن يردهَا الْمُسْتَأْجر سليمَة وأمام مصر جَزِيرَة وسط النّيل كَانَ عَلَيْهَا مَدِينَة فِي وَقت مَا والجزيرة غربي الْمَدِينَة وَبهَا مَسْجِد جُمُعَة وَحَدَائِق وَهِي صَخْرَة وسط النَّهر تقسمه قسمَيْنِ كل مِنْهُمَا فِي اتساع جيحون وَلَكِن أَكثر هدوءا وبطأ فِي جَرَيَانه وَثَبت بَين الجزيرة وَالْمَدينَة جسر من سِتّ وَثَلَاثِينَ سفينة وَيَقَع جُزْء من مَدِينَة مصر على جَانب النّيل الآخر ويسمونه الجيزلا وَبهَا مَسْجِد لصَلَاة الْجُمُعَة وَلَكِن لَيْسَ لَهَا جسر وَلذَا يعبر النَّاس بالزوار أَو بالمعابر وَهِي كَثِيرَة فِي مصر أَكثر مِمَّا فِي بَغْدَاد أَو الْبَصْرَة

стр. 74

وتجار مصر يصدقون فِي كل مَا يبيعونه وَإِذا كذب أحدهم على مُشْتَر فَإِنَّهُ يوضع على جمل وَيُعْطى جرسا بِيَدِهِ وَيَطوف بِهِ فِي الْمَدِينَة وَهُوَ يدق الجرس وينادي قَائِلا قد كذبت وَهَا أَنا أعاقب وكل من يَقُول الْكَذِب فَجَزَاؤُهُ الْعقَاب وَيُعْطِي التُّجَّار فِي مصر من بقالين وعطارين وبائعي خردوات الأوعية اللَّازِمَة لما يبيعون من زجاج أَو خزف أَو ورق حَتَّى لَا يحْتَاج المُشْتَرِي أَن يحمل مَعَه وعَاء ويستخرجون من بذور الفجل واللفت زيتا للمصابيح يسمونه الزَّيْت الْحَار والسمسم هُنَاكَ قَلِيل وزيته عَزِيز وزيت الزَّيْتُون رخيص والفستق أغْلى من اللوز وَلَا تزيد الْعشْرَة أمنان من اللوز المقشور على دِينَار وَاحِد ويركب أهل السُّوق وَأَصْحَاب الدكاكين الْحمر المسرجة فِي ذهابهم وإيابهم من الْبيُوت الى السُّوق وَفِي كل حَيّ على رَأس الشوارع حمر كَثِيرَة عَلَيْهَا برادع مزينة يركبهَا من يُرِيد نَظِير أجر زهيد وَقيل إِنَّه يُوجد خَمْسُونَ ألف بَهِيمَة مسرجة تزين كل يَوْم وتكرى وَلَا يركب الْخَيل إِلَّا الْجند والعسكر فَلَا يركبهَا التُّجَّار أَو القرويون أَو أَصْحَاب الْحَرْف وَالْعُلَمَاء وَرَأَيْت كثيرا من الْحمر البلق كالخيل بل أجمل وَكَانَ أهل مَدِينَة مصر فِي غنى عَظِيم حِين كنت هُنَاكَ وَفِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة (١٠٤٧) ولد للسُّلْطَان ولد فَأمر النَّاس بِإِقَامَة الأفراح فزينت الْمَدِينَة والأسواق زِينَة لَو وصفتها لما اعْتقد بعض النَّاس صِحَة مَا أَقُول وَلما صدقوني فقد كَانَت دكاكين البزازين والصرافين وَغَيرهم مَمْلُوءَة بِالذَّهَب والجواهر والنقد والأمتعة الْمُخْتَلفَة والملابس المذهبة والمقصبة بِحَيْثُ لَا يُوجد فِيهَا متسع لمن يُرِيد أَن يجلس وَكَانَ النَّاس جَمِيعًا يثقون بالسلطان فَلَا يَخْشونَ الجواسيس وَلَا الغمازين معتمدين على أَن السُّلْطَان لَا يظلم أحد وَلَا يطْمع فِي مَال أحد وَرَأَيْت أَمْوَالًا يملكهَا بعض المصرين لَو ذكرتها أَو وصفتها لما صدقني النَّاس فِي فَارس فَإِنِّي

стр. 75

لَا أَسْتَطِيع أَن أحدد أَمْوَالهم أَو أحصرها أما الْأَمْن الَّذِي رَأَيْته هُنَاكَ فَإِنِّي لم أره فِي بلد من قبل وَقد رَأَيْت هُنَاكَ نَصْرَانِيّا من سراة مصر قيل إِن سفنه وأمواله وأملاكه لَا يُمكن أَن تعد وَحدث فِي سنه مَا أَن كَانَ النّيل نَاقِصا وَكَانَت الْغلَّة عزيزة فَأرْسل الْوَزير إِلَى هَذَا النَّصْرَانِي وَقَالَ لَيست السّنة رخاء وَالسُّلْطَان مُشفق على الرّعية فاعط مَا اسْتَطَعْت من الْغلَّة إِمَّا نَقْدا وَإِمَّا قرضا قَالَ النَّصْرَانِي أسعد الله السُّلْطَان والوزير إِن لدي من الْغلَّة مَا يمكنني من إطْعَام أهل مصر الْخبز سِتّ سنوات وَلَا شكّ ان سكان مصر فِي ذَلِك الْوَقْت كَانُوا كثرين فَإِن سكان نيسابور خمسهم مَعَ الْإِسْرَاف فِي التَّقْدِير وكل من يَسْتَطِيع الحكم يدْرك كم يَنْبَغِي أَن يكون لهَذَا الثري لتبلغ غَلَّته هَذَا الْمِقْدَار وَأي سَلام كَانَت فِيهِ الرّعية وَأي عدل كَانَ للسُّلْطَان بِحَيْثُ تكون أَحْوَال النَّاس على هَذَا الْوَضع وَأَمْوَالهمْ بِهَذَا الْقدر لم يكن السُّلْطَان يظلم أَو يجور على أحد وَلَا كَانَ أحد من الرّعية يخفي أَو يُنكر شَيْئا مِمَّا يملك وَرَأَيْت هُنَاكَ خَانا يُسمى دَار الْوَزير لَا يُبَاع فِيهِ سوى الْقصب وَفِي الدّور الْأَسْفَل مِنْهُ يجلسن الخياطون وَفِي الْأَعْلَى الرفاءون وَسَأَلت الْقيم عَن أُجْرَة هَذَا الخان الْكَبِير فَقَالَ كَانَت سنة عشْرين ألف دِينَار مغربي وَلَكِن جانبا مِنْهُ قد تخرب وَهُوَ يعمر الْآن فَيحصل مِنْهُ كل شهر ألف دِينَار يَعْنِي إثني عشر ألف دِينَار فِي السّنة وَقيل إِن فِي هَذِه الْمَدِينَة مِائَتي خَان أكبر مِنْهُ أَو مثله وصف مائدة السُّلْطَان يُقيم السُّلْطَان مأدبة فِي كل من الْعِيدَيْنِ وَيَأْذَن بالاستقبال فِي قصره

стр. 76

للخواص والعوام وتنصب مائدة الْخَواص فِي حَضرته ومائدة الْعَوام فِي سرايات أُخْرَى وَقد سَمِعت كثيرا عَن هَذِه المآدب فرغبت فِي رؤيتها رَأْي الْعين فَذَهَبت عِنْد أحد كتاب السُّلْطَان وَكنت قد صاحبته فتوطدت الصداقة بَيْننَا وَقلت لَهُ رَأَيْت مجَالِس مُلُوك وسلاطين الْعَجم مثل السُّلْطَان مَحْمُود الغزنوي وَابْنه السُّلْطَان مَسْعُود وَقد كَانَا ملكَيْنِ عظيمين ذَوي نعْمَة وجلال وَأُرِيد أَن أرى مجَالِس أَمِير الْمُؤمنِينَ فَنقل رغبتي إِلَى الْمُوكل بالستار الْمُسَمّى صَاحب السّتْر وَقد تفضل هَذَا فسمح لي بالذهاب فِي آخر رَمَضَان سنة أَرْبَعِينَ وَأَرْبَعمِائَة (٧ مارس ١٠٤٩) وَكَانَ الْمجْلس قد أعد لليوم الثَّانِي وَهُوَ يَوْم الْعِيد حَيْثُ يحضر السُّلْطَان بعد الصَّلَاة فيجلس فِي صدر الْمَائِدَة حِين دخلت من بَاب السراي رَأَيْت عمارات وصفف وإيوانات إِن أصفها يطلّ الْكتاب كَانَ هُنَاكَ اثْنَا عشر جنَاحا أبنيتها مربعة وَكلهَا مُتَّصِلَة بَعْضهَا بِبَعْض وَكلما دخلت جنَاحا مِنْهَا وجدته أحسن من سابقه ومساحة كل وَاحِد مِنْهَا مائَة ذِرَاع فِي مائَة عدا وَاحِدًا مِنْهَا كَانَت مساحته سِتِّينَ ذِرَاعا فِي سِتِّينَ كَانَ بِهَذَا الْأَخير تخت يشغل عرضه بِتَمَامِهِ وعلوه أَربع أَذْرع وَهُوَ مغطى بِالذَّهَب من جهاته الثَّلَاث وَعَلِيهِ صور المصطاد والميدان وَغَيرهمَا كَمَا أَن عَلَيْهِ كِتَابَة جميلَة وكل مَا فِي هَذَا الْحرم من الْفرش والطرح من الديباج الرُّومِي والبوقلمون نسجت على قدر كل مَوضِع تشغله وحول التخت درابزين من الذَّهَب المشبك يفوق حد الْوَصْف وَمن خلف التخت بِجَانِب الْحَائِط دَرَجَات من الْفضة وَبلغ هَذَا التخت من العظمة أَنِّي لَو قصرت هَذَا الْكتاب كُله على وَصفه مَا استوفيت الْكَلَام وَمَا كفى

стр. 77

وَقيل إِن راتب السكر فِي ذَلِك الْيَوْم الَّذِي تنصب فِيهِ مائدة السُّلْطَان خَمْسُونَ ألف من وَقد رَأَيْت على الْمَائِدَة شَجَرَة أعدت للزِّينَة تشبه شَجَرَة الترنج كل غصونها وأوراقها وثمارها مصنوعة من السكر وَعَلَيْهَا ألف صُورَة وتمثال مصنوعة كلهَا من السكر أَيْضا ومطبخ السُّلْطَان خَارج الْقصر وَيعْمل فِيهِ دَائِما خَمْسُونَ غُلَاما ويصل الْقصر بالمطبخ طَرِيق تَحت الأَرْض وَجَرت الْعَادة فِي مصر أَن يحمل إِلَى دَار الشَّرَاب السُّلْطَانِيَّة (شرابخانة) كل يَوْم أَرْبَعَة عشر حملا من الثَّلج وَكَانَ لمعظم الْأُمَرَاء والخواص راتب من هَذَا الثَّلج وَيصرف مِنْهُ لمن يَطْلُبهُ من مرضى الْمَدِينَة وَكَذَلِكَ كل من يطْلب من أَهلهَا مشروبا أَو دَوَاء من الْحرم السلطاني فَإِنَّهُ يعطاه كَمَا أَن هُنَاكَ زيوتا أُخْرَى كزيت البلسان وَغَيره كَانَ للنَّاس كَافَّة أَن يطلبوها فَلَا تمنع عَنْهُم سيرة سُلْطَان مصر بلغ أَمن المصريين واطمئنانهم إِلَى حد أَن البزازين وتجار الْجَوَاهِر والصيارفة لَا يغلقون أَبْوَاب دكاكينهم بل يسدلون عَلَيْهَا الستائر وَلم يكن أحد يَجْرُؤ على مد يَده إِلَى شَيْء مِنْهَا يحْكى أَنه كَانَ بِمصْر يَهُودِيّ وافر الثراء يتجر بالجواهر وَكَانَ مقربا من السُّلْطَان الَّذِي كَانَ يعْتَمد عَلَيْهِ فِي شِرَاء مَا يُرِيد من الْجَوَاهِر الْكَرِيمَة وَذَات يَوْم اعْتدى عَلَيْهِ الْجنُود وقتلوه فَلَمَّا ارتكبوا هَذَا الجرم خَشوا بَطش السُّلْطَان فَركب عشرُون ألف فَارس مِنْهُم وَخَرجُوا إِلَى الميدان وَهَكَذَا خرج الْجَيْش إِلَى الصَّحرَاء وَخَافَ أهل الْمَدِينَة مغبة هَذِه المظاهرة إِذْ ظلّ الْجَيْش فِي الصَّحرَاء حَتَّى منتصف النَّهَار فَخرج إِلَيْهِم خَادِم الْقصر ووقف بِبَاب السراي وَقَالَ إِن السُّلْطَان يسْأَل إِذا كُنْتُم مُطِيعِينَ أم لَا فصاحوا صَيْحَة وَاحِدَة نَحن عبيد مطيعون ولكننا أَذْنَبْنَا فَقَالَ الْخَادِم يَأْمُركُمْ السُّلْطَان بِأَن تعودوا فعادوا فِي الْحَال

стр. 78

وَاسم هَذَا الْيَهُودِيّ الْمَقْتُول أَبُو سعيد وَكَانَ لَهُ ابْن وَأَخ وَقيل إِنَّه لَا يعرف مدى غناهُ إِلَّا الله فقد كَانَ على سقف دَاره ثَلَاثمِائَة جرة من الْفضة زرع فِي كل مِنْهَا شَجَرَة كَأَنَّهَا حديقة وَكلهَا أَشجَار مثمرة وَقد كتب أَخُوهُ لما ملكه من الْفَزع رِسَالَة للسُّلْطَان يَقُول فِيهَا إِنِّي أقدم للخزانة مِائَتي ألف دِينَار مغربي حَالا فَأمر السُّلْطَان بِعرْض الرسَالَة على النَّاس وتمزيقها على الْمَلأ وَقَالَ كونُوا آمِنين وعودوا إِلَى بُيُوتكُمْ فَلَيْسَ لأحد شَأْن بكم ولسنا بحاجة لمَال أحد واستمالهم إِلَيْهِ وَكَانَ لكل مَسْجِد فِي جَمِيع المدن والقرى الَّتِي نزلت بهَا من الشَّام إِلَى القيروان نفقات يقدمهَا وَكيل السُّلْطَان من زَيْت السرج والحصير والبوريا وسجاجيد الصَّلَاة ورواتب القوام والفراشين والمؤذنين وَغَيرهم وَكتب وَالِي الشَّام فِي بعض السنين إِلَى السُّلْطَان بِأَن الزَّيْت قَلِيل ثمَّ اسْتَأْذن فِي أَن يصرف للمساجد الزَّيْت الْحَار الْمُسْتَخْرج من بذور الفجل واللفت فَأُجِيب إِنَّك مَأْمُور لَا وَزِير وَلَيْسَ من الْجَائِز أَن تغير أَو تبدل فِي شَيْء يتَعَلَّق بِبَيْت الله ويتقاضى قَاضِي الْقُضَاة ألفي دِينَار مغربي فِي الشَّهْر ومرتب كل قَاض على قدر مرتبته ذَلِك حَتَّى لَا يطْمع الْقُضَاة فِي أَمْوَال النَّاس أَو يظلمونهم وَالْعَادَة فِي مصر أَن يقْرَأ مرسوم السُّلْطَان فِي الْمَسَاجِد فِي منتصف رَجَب وَهُوَ يَا معشر الْمُسلمين حل موسم الْحَج وسيجهز ركب السُّلْطَان كالمعتاد وسيكون مَعَه الْجنُود وَالْخَيْل وَالْجمال والزاد وينادى بذلك فِي شهر رَمَضَان

стр. 79

أَيْضا وَيبدأ النَّاس فِي السّفر ابْتِدَاء من أول ذِي الْقعدَة وينزلون فِي مَوضِع معِين ثمَّ يَسِيرُونَ فِي منتصف هَذَا الشَّهْر ويبلغ خرج الْجَيْش الَّذِي يرافق السُّلْطَان ألف دِينَار مغربي فِي الْيَوْم هَذَا عدا عشْرين دِينَارا مرتبَة لكل رجل فِيهِ ويبلغون مَكَّة فِي خَمْسَة وَعشْرين يَوْمًا ويمكثون بهَا عشرَة أَيَّام ثمَّ يعودون إِلَى مصر فِي خَمْسَة وَعشْرين يَوْمًا ونفقاتهم فِي الشَّهْرَيْنِ سِتُّونَ ألف دِينَار مغربي عدا التعهدات والصلات والمشاهرات وَثمن الْجمال الَّتِي تنْفق فِي الطَّرِيق وَقد قرى على النَّاس سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة المرسوم التَّالِي من سجل السُّلْطَان يَقُول أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنه لَيْسَ من الْخَيْر أَن يُسَافر الْحجَّاج للحجاز هَذَا الْعَام فَإِن بِهِ قحطا وضيقا وَقد هلك بِهِ خلق كَثِيرُونَ وَأَنِّي أَقُول هَذَا شَفَقَة بِالْمُسْلِمين فَلم يُسَافر الْحجَّاج وَكَانَ السُّلْطَان يُرْسل الْكسْوَة للكعبة كالمعتاد لِأَنَّهُ يرسلها مرَّتَيْنِ كل سنة فَلَمَّا سَافَرت الْكسْوَة مَعَ وَفد السُّلْطَان عَن طَرِيق القلزم سَافَرت مَعَهم فَخرجت من مصر أول ذِي الْقعدَة وَبَلغت القلزم فِي الثَّامِن مِنْهُ وَمن هُنَاكَ أقلعت السَّفِينَة فَبَلغنَا بعد خَمْسَة عشر يَوْمًا مَدِينَة تسمى الْجَار فِي الثَّانِي وَالْعِشْرين من ذِي الْقعدَة وقمنا من هُنَاكَ فَبَلغنَا مَدِينَة الرَّسُول ﷺ بعد أَرْبَعَة أَيَّام الْمَدِينَة وَالْمَدينَة بلد على حافة الصَّحرَاء أرْضهَا رطبَة وملحة يجْرِي بهَا مَاء قَلِيل وَهِي كَثِيرَة النّخل والقبلة هُنَاكَ نَاحيَة الْجنُوب وَمَسْجِد الرَّسُول ﵊ قدر الْمَسْجِد الْحَرَام ومقامه ﵊ بِجَانِب الْمِنْبَر يسَار الْمُصَلِّين وَهُوَ متوجهون نَاحيَة الْقبْلَة فحين يذكر الْخَطِيب وَهُوَ فَوق

стр. 80

الْمِنْبَر النَّبِي ﵇ وَيُصلي عَلَيْهِ يلْتَفت نَاحيَة الْيَمين وَيُشِير إِلَى الْمقَام الشريف وَهَذَا الْمقَام مخمس ترْتَفع حوائطه من بَين أعمدة الْمَسْجِد ويحيط بِهِ خَمْسَة أعمدة وَكَانَ فِي آخِره حَظِيرَة أحيطت بسياج حَتَّى لَا يدخلهَا أحد وأسدل على الْجُزْء المكشوف مِنْهَا شبكة حَتَّى لَا تدْخلهَا الطُّيُور وَبَين قبر الرَّسُول والمنبر مَسَافَة من الرخام تشبه الساحة وَتسَمى الرَّوْضَة وَيُقَال إِنَّهَا رَوْضَة من رياض الْجنَّة كَمَا قَالَ رَسُول الله ﵊ مَا بَين قَبْرِي ومنبري رَوْضَة من رياض الْجنَّة وَيَقُول الشِّيعَة إِن هُنَاكَ قبر فَاطِمَة الزهراء ﵍ وللمسجد بَاب وَاحِد وخارج الْمَدِينَة نَاحيَة الْجنُوب صحراء بهَا مَقْبرَة فِيهَا قبر (أَمِير الْمُؤمنِينَ) حَمْزَة بن عبد المطلب ﵁ يسمونها قُبُور الشُّهَدَاء وَقد أَقَمْنَا يَوْمَيْنِ بِالْمَدِينَةِ ثمَّ غادرناها لضيق الْوَقْت فسرنا شرقا وعَلى منزلين مِنْهَا جبل ومضيق يشبه الْوَادي يُسمى الْجحْفَة وَهُنَاكَ مِيقَات حجاج الْمغرب وَالشَّام ومصر والميقات هُوَ الْموضع الَّذِي يحرم مِنْهُ الْحجَّاج وَيُقَال إِن الْحجَّاج نزلُوا هُنَاكَ فِي سنة مَا وَكَانُوا كثيرين فَنزل عَلَيْهِم السَّيْل فَجْأَة فأهلكهم لذَلِك سمي هَذَا الْمَكَان الحجفة وَبَين مَكَّة وَالْمَدينَة مائَة فَرسَخ من الصخر قَطعْنَاهَا فِي ثَمَانِيَة أَيَّام وَقد بلغنَا مَكَّة فِي يَوْم الْأَحَد السَّادِس من ذِي الْحجَّة ونزلنا عِنْد بَاب الصَّفَا وَكَانَ بِمَكَّة قحط فَكَانَت الْأَرْبَعَة أمنان من الْخبز بِدِينَار نيسابوري وَقد هَاجر مِنْهَا المجاورون وَلم يفد عَلَيْهَا حَاج من أَي بلد وَقد أدينا فَرِيضَة الْحَج لله الْحق يَوْم الْأَرْبَعَاء فِي عَرَفَات ولبثنا بِمَكَّة يَوْمَيْنِ قد خرج من الْحجاز خلق كثير مِمَّا أَصَابَهُم من الْجُوع والفقر وَتَفَرَّقُوا فِي الْبِلَاد

стр. 81

وَلَا أذكر مَنَاسِك الْحَج وَوصف مَكَّة الْآن سأذكر ذَلِك عِنْد ذكر آخر نوبَة لِلْحَجِّ حِين بقيت سِتَّة أشهر بِمَكَّة مجاورا وسأشرح مَا رَأَيْت ثمَّ توجهنا نَاحيَة مصر فبلغناها بعد خَمْسَة وَسبعين يَوْمًا وَقد هَاجر إِلَيْهَا من الْحجاز فِي هَذَا الْعَام خَمْسَة وَثَلَاثُونَ ألف آدَمِيّ فكساهم السُّلْطَان وأجرى عَلَيْهِم الرزق سنة كَامِلَة وَقد كَانُوا جَمِيعًا جائعين عرايا وَلما أمْطرت السَّمَاء فِي بِلَادهمْ وَكثر فِيهَا الطَّعَام كساهم السُّلْطَان صَغِيرهمْ وَكَبِيرهمْ وأغدق عَلَيْهِم الصلات ثمَّ رحلهم إِلَى الْحجاز وَفِي شهر رَجَب سنة أَرْبَعِينَ وَأَرْبَعمِائَة (ديسمبر سنة ١٠٤٨) قرأوا على النَّاس مرّة أُخْرَى مِثَالا للسُّلْطَان بِأَن فِي الْحجاز قحطا وَلَيْسَ من الْخَيْر أَن يُسَافر الْحجَّاج فلينفقوا المَال على أنفسهم وليفعلوا مَا أَمر الله بِهِ وَفِي هَذِه السّنة أَيْضا لم يُسَافر الْحجَّاج وَلَكِن السُّلْطَان لم يقصر الْبَتَّةَ فِي إرْسَال مَا كَانَ يُرْسِلهُ كل سنة من الْكسْوَة وأجور الخدم والحاشية وأمراء مَكَّة وَالْمَدينَة وصلَة أَمِير مَكَّة وَقد كَانَت ثَلَاثَة آلَاف دِينَار فِي الشَّهْر وَكَانَت ترسل اليه الْخُيُول وَالْخلْع مرَّتَيْنِ فِي السّنة وعهد بِهَذَا فِي هَذِه السّنة إِلَى رجل اسْمه القَاضِي عبد الله من قُضَاة الشَّام وَقد ذهبت مَعَه من طَرِيق القلزم وَقد بلغت السَّفِينَة الْجَار فِي الْخَامِس وَالْعِشْرين من ذِي الْقعدَة وَكَانَ موعد الْحَج قد قرب كثيرا وَكَانَ الْجمل يُؤجر بِخَمْسَة دَنَانِير فذهبنا مُسْرِعين بلغت مَكَّة فِي الثَّامِن من ذِي الْحجَّة وَأديت فَرِيضَة الْحَج بعون الله وَقد حدث أَن قافلة عَظِيمَة أَتَت لِلْحَجِّ من بِلَاد الْمغرب وَفِي أثْنَاء عودة حجاجها عِنْد بَاب الْمَدِينَة المنورة طلب الْعَرَب الخفارة مِنْهُم فَقَامَتْ الْحَرْب بَينهم وَقتل من المغاربة أَكثر من ألفي رجل وَلم يعد كثير مِنْهُم إِلَى الْمغرب وَفِي هَذِه الْحجَّة أَيْضا قَامَ جمَاعَة من أهل خُرَاسَان عَن

стр. 82

طَرِيق الشَّام ومصر فبلغوا الْمَدِينَة فِي سفينة وَقد بَقِي عَلَيْهِم أَن يقطعوا مائَة فَرسَخ وَأَرْبَعَة حَتَّى عَرَفَات وهم فِي السَّادِس من ذِي الْحجَّة فَقَالُوا إِن كلا منا يدْفع أَرْبَعِينَ دِينَارا لمن يرحلنا إِلَى مَكَّة فِي هَذِه الْأَيَّام الثَّلَاثَة الْبَاقِيَة لنلحق الْحَج فجَاء الْأَعْرَاب وأوصلوهم إِلَى عَرَفَات فِي يَوْمَيْنِ وَنصف يَوْم وَأخذُوا أُجُورهم ذَهَبا وَكَانُوا قد شدوهم إِلَى جمال سريعة وَأتوا بهم من الْمَدِينَة إِلَى عَرَفَات وَقد هلك اثْنَان مِنْهُم وَكَانُوا مُوثقِينَ على الْجمال وَكَانَ أَرْبَعَة مِنْهُم نصف أموات وَقد بلغُوا عَرَفَات وَنحن هُنَاكَ سَاعَة صَلَاة الْعَصْر وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ الْوُقُوف أَو الْكَلَام قَالُوا إِنَّا توسلنا كثيرا فِي الطَّرِيق أَن يَأْخُذ هَؤُلَاءِ الْأَعْرَاب الذَّهَب الَّذِي اشترطنا وَأَن يتركونا فَإِنَّهُ لَا طَاقَة لنا على مُوَاصلَة السّفر وَلَكنهُمْ لم يسمعوا لنا وساقونا على هَذَا النَّحْو وَمهما يكن فقد حج هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة وعادوا عَن طَرِيق الشَّام وَبعد أَن أكملت الْحَج تَوَجَّهت نَحْو مصر فقد كَانَت لي بهَا كتب وَلم يكن فِي نيتي أَن أَعُود اليها وَقد صَحِبت أَمِير مَكَّة إِلَى مصر هَذَا الْعَام فقد كَانَ لَهُ رسم على السُّلْطَان يعطاه كل سنة لِقَرَابَتِهِ من أَبنَاء الْحُسَيْن بن عَليّ صلوَات الله عَلَيْهِمَا فركبت السَّفِينَة مَعَه حَتَّى مَدِينَة القلزم وَمن هُنَاكَ سرنا إِلَى مصر فِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة (١٠٤٩) وَأَنا بِمصْر جَاءَ الْخَبَر أَن ملك حلب قد شقّ عَصا الطَّاعَة على السُّلْطَان وَكَانَ تَابعا لَهُ وَكَانَ آباؤه ملوكا على حلب وَكَانَ للسُّلْطَان خَادِم اسْمه عُمْدَة الدولة هُوَ أَمِير المطالبين وَكَانَ عَظِيم الجاه وَالْمَال وَيُسمى مطالبا من يبْحَث عَن تلال مصر عَن الْكُنُوز والدفائن وَيَأْتِي لهَذَا الْأَمر رجال من الْمغرب وأديار مصر وَالشَّام ويتحمل

стр. 83

كل مِنْهُم المشاق وَينْفق المَال الْكثير فِي تلال مصر ومحاجرها وَكَثِيرًا مَا لَا يَجدونَ الدفائن والكنوز وَكَثِيرًا مَا يُنْفقُونَ المَال وَلَا يَهْتَدُونَ إِلَى شَيْء مِنْهَا فَإِنَّهُم يَقُولُونَ إِن أَمْوَال فِرْعَوْن مدفونة فِي هَذِه الْمَوَاضِع وَيَأْخُذ السُّلْطَان خمس مَا يكشفه المطالب وَالْبَاقِي لَهُ قصارى القَوْل ان السُّلْطَان بعث هَذَا الْخَادِم إِلَى حلب وأمده بِقُوَّة ليَشُد أزره وَأَعْطَاهُ كل مَا يَنْبَغِي للملوك من الدهاليز والسرر فَلَمَّا بلغ حلب وَقَاتل وَقتل وَكَانَت أَمْوَاله من الْكَثْرَة بِحَيْثُ استغرق نقلهَا من خزائنه إِلَى خَزَائِن السُّلْطَان شَهْرَيْن وَكَانَ من جُمْلَتهَا ثَلَاثمِائَة جَارِيَة أكثرهن كالبدور وَبَعض سراريه وَقد أَمر السُّلْطَان بِأَن يكن مخيرات فَمن رغبن فِي الزواج مِنْهُنَّ زوجهن وَمن لم يردن أعدن إِلَى بُيُوتهنَّ وصرفت اليهن أموالهن كَامِلَة فَلم تجبر وَاحِدَة مِنْهُنَّ على شَيْء وَلما قتل عُمْدَة الدولة خَافَ ملك حلب أَن يُرْسل لَهُ السُّلْطَان جَيْشًا فبادر بإرسال ابْنه وَهُوَ فِي السَّابِعَة من عمره مَعَ زوجه ومعهما كثير من التحف والهدايا للسُّلْطَان وَذَلِكَ ليعتذرا عَمَّا فعل فَلَمَّا جَاءَا مكثا مَا يقرب من شَهْرَيْن خَارج مصر وَلم يُؤذن لَهما بِالدُّخُولِ وَلم تقبل تحفهما إِلَى أَن شفع لَهما الْأَئِمَّة والقضاة عِنْد السُّلْطَان وتوسلوا اليه أَن يقابلهما فَفعل ثمَّ رجعا بالتشريف وَالْخلْع وَمن جملَة مَا رَأَيْت فِي مصر أَنه إِذا أَرَادَ أحدهم غرس حديقة يَسْتَطِيع ذَلِك فِي أَي فصل من فُصُول السّنة فَإِنَّهُ يحصل دَائِما على الشّجر الَّذِي يُرِيد

стр. 84

فيزرعه مثمرا أَو بِغَيْر ثَمَر وَهُنَاكَ تجار لذَلِك يقدمُونَ كل مَا يطْلب مِنْهُم فقد زرعوا الْأَشْجَار فِي أصص ووضعوها فَوق الأسطح وَكثير من سقوف بُيُوتهم حدائق أَكْثَرهَا مثمر من النارنج والترنج وَالرُّمَّان والتفاح والسفرجل والورد وَالريحَان والزهر فَإِذا اشْترى أحدهم شَجرا حمل الحمالون الأصص بِالشَّجَرِ بعد شدها على لوح من خشب ونقلوها إِلَى حَيْثُ يَشَاء ثمَّ يحْفر الزراع الأَرْض لغرس الشّجر إِمَّا بِكَسْر الأصص أَو بِنَزْع الشّجر مِنْهَا من غير أَن يضار الشّجر بِهَذَا وَلم أر هَذَا النظام فِي أَي مَكَان آخر كَمَا أَنِّي لم أسمع بِهِ وَالْحق أَنه نظام جميل جدا العودة الى خُرَاسَان عَن طَرِيق الصَّعِيد الْأَعْلَى وبلاد الْعَرَب وَالْعراق والآن أَعُود إِلَى وطني من مصر عَن طَرِيق مَكَّة حرسها الله تَعَالَى من الْآفَات أَقُول أدّيت صَلَاة الْعِيد فِي الْقَاهِرَة وغادرت مصر فِي سفينة يَوْم الثُّلَاثَاء الرَّابِع عشر من ذِي الْحجَّة سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة (١٠ ابريل ١٠٥٠) واتجهنا نَحْو الصَّعِيد الْأَعْلَى وَهُوَ ولَايَة مصرية فِي الْجنُوب يَأْتِي مِنْهَا مَاء النّيل إِلَى مصر وَأكْثر رغدها مِنْهُ وَهُنَاكَ على ضفتي النّيل كثير من المدن والقرى يطول وصفهَا وَقد بلغنَا مَدِينَة تسمى أسيوط يزرع فِيهَا الأفيون وَهُوَ الخشخاش وحبه أسود حِين تنمو الشَّجَرَة تكسر ويربط كيس فِي مَوضِع الْكسر فَيخرج مِنْهُ عصير يشبه اللَّبن فيجمعونه ويحفظونه وَهُوَ الأفيون وبذور هَذَا الخشخاش صَغِيرَة مثل الكمون وينسجون فِي أسيوط عمائم من صوف

стр. 85

الخراف لَا مثيل لَهَا فِي الْعَالم وَالصُّوف الدَّقِيق الَّذِي يصدر إِلَى بِلَاد الْعَجم والمسمى الصُّوف الْمصْرِيّ كُله من الصَّعِيد الْأَعْلَى لأَنهم لَا ينتجون الصُّوف بِمَدِينَة مصر نَفسهَا وَقد رَأَيْت فِي أسيوط فوطة من صوف الْغنم لم أر مثلهَا فِي لهاور أَو ملتان وَهِي من الرقة بِحَيْثُ تحسبها حَرِيرًا وَمن هُنَاكَ بلغنَا مَدِينَة تسمى قوص رَأَيْت فِيهَا أبنية عَظِيمَة من الْحِجَارَة تبْعَث على الْعجب فِي نفس من يَرَاهَا وَهِي مَدِينَة قديمَة محاطة بسور من الْحجر وَأكْثر أبنيتها من الْحِجَارَة الْكَبِيرَة الَّتِي يزن الْوَاحِد مِنْهَا عشْرين أَو ثَلَاثِينَ ألف من والعجيب أَنه لَيْسَ على مَسَافَة عشرَة أَو خَمْسَة عشر فرسخا مِنْهَا جبل أَو محجر فَمن أَيْن وَكَيف نقلوا هَذِه الْحِجَارَة وَمن قوص بلغت مَدِينَة تسمى إخميم وَهِي مَدِينَة وَاسِعَة عامرة رجالها أشداء لَهَا سور حُصَيْن وَبهَا نخل وبساتين كَثِيرَة وَقد أَقمت بهَا عشْرين يَوْمًا وَفِي هَذِه الْجِهَة طَرِيقَانِ أَحدهمَا صحراوي لَا مَاء فِيهِ وَالثَّانِي طَرِيق النّيل وَقد ترددنا أَي الطَّرِيقَيْنِ نسلك وأخيرا سرنا فِي طَرِيق النّيل وبلغنا مَدِينَة أسوان عِنْد الْجَانِب الجنوبي من أسوان جبل يخرج من وَسطه النّيل وَيُقَال إِن السفن لَا تَسْتَطِيع الْمُضِيّ فِي النّيل وَرَاء هَذَا الْجَبَل لِأَن المَاء هُنَاكَ ينحدر من شلالات عَظِيمَة وعَلى مَسَافَة أَرْبَعَة فراسخ من هَذِه الْمَدِينَة طَرِيق ولَايَة النّوبَة وَهِي ولَايَة أَهلهَا جَمِيعًا نَصَارَى وَيُرْسل مُلُوكهَا من قديم الْهَدَايَا لسلطان مصر وَبَين البلدين عهود ومواثيق فَلَا يذهب جَيش السُّلْطَان هُنَاكَ وَلَا يُؤْذِي أَهلهَا ومدينة أسوان مُحصنَة جدا بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيع أحد أَن يقصدها من النّوبَة وَبهَا جَيش دَائِم للمحافظة عَلَيْهَا وعَلى ولايتها ويقابل الْمَدِينَة جَزِيرَة وسط النّيل كَأَنَّهَا حديقة فِيهَا نخل وزيتون وأشجار أُخْرَى

стр. 86

وَزرع كثير ويروى زَرعهَا بالسواقي وَقد لَبِثت بهَا وَاحِدًا وَعشْرين يَوْمًا وَكَانَ أمامنا حَتَّى شاطئ الْبَحْر صحراء فسيحة طولهَا أَكثر من مِائَتي فَرسَخ وَكَانَ حينذاك الْمَوْسِم الَّذِي يعود فِيهِ الْحجَّاج على الْجمال فانتظرناهم لنستأجرها وَنَذْهَب بهَا وَهِي رَاجِعَة وَكنت عرفت وَأَنا فِي أسوان رجلا تقيا صَالحا يعرف شَيْئا من علم الْمنطق اسْمه عبد الله مُحَمَّد بن فليج وَقد عاونني فِي اكتراء الْجمل وَاخْتِيَار الرفيق وَغير ذَلِك وَقد اسْتَأْجَرت جملا بِدِينَار وَنصف دِينَار ورحلت عَن هَذَا الْبَلَد فِي الْخَامِس من ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة (٢٩ يوليو ١٠٥٠) وَكَانَ الطَّرِيق يتَّجه نَحْو الْجنُوب بعد ثَمَانِيَة فراسخ من رحلتنا بلغنَا جِهَة تسمى ضيقَة وَهِي وَاد فِي الصَّحرَاء على جانبيه حائطان من الْجبَال وسعته مائَة ذِرَاع وَقد حفر فِيهِ بِئْر يخرج مِنْهُ مَاء كثير وَلكنه لَيْسَ عذبا وَبعد أَن تركنَا ضيقَة سرنا خَمْسَة أَيَّام فِي صحراء لَا مَاء فِيهَا وَكَانَ مَعَ كل منا قربَة مَاء ثمَّ بلغنَا منزلا يُسمى الْحَوْض وَهُوَ جبل حجري فِيهِ عينان يتفجر مِنْهُمَا مَاء عذب يسْتَقرّ فِي حُفْرَة وَلم يكن بُد من أَن يذهب رجل إِلَى حَيْثُ العينان ليحضر المَاء لشرب الْإِبِل الَّتِي مضى عَلَيْهَا سَبْعَة أَيَّام لم تشرب فِيهَا وَلم تَأْكُل إِذْ أَن عَلفهَا قد نفد كُله وَكَانَت تستريح مرّة فِي الْأَرْبَع وَعشْرين سَاعَة وَذَلِكَ من الْوَقْت الَّذِي تشتد فِيهِ حرارة الشَّمْس حَتَّى صَلَاة الْعَصْر وتسير بَقِيَّة الْوَقْت والمنازل الَّتِي ينزلون بهَا مَعْلُومَة فَلَيْسَ مُمكنا النُّزُول فِي أَي مَكَان لتعذر وجود مَا توقد بِهِ النَّار أما فِي هَذِه الْمنَازل فَإِنَّهُم يَجدونَ بعر الْإِبِل فيتخذونه وقودا يطبخون عَلَيْهِ مَا تيَسّر وَكَأن الْإِبِل تعلم أَنَّهَا إِن أَبْطَأت مَاتَت عطشا فَهِيَ تسير غير محتاجة لِأَن يَسُوقهَا أحد متجهة من تِلْقَاء نَفسهَا نَاحيَة الْمشرق فِي هَذِه الصحارى حَيْثُ لَا أثر أَو عَلامَة تدل على الطَّرِيق وَهُنَاكَ أمكنة يقل فِيهَا المَاء مَسَافَة خَمْسَة عشر فرسخا وَيكون ملحا وأمكنة لَا يُوجد فِيهَا مَاء قطّ مَسَافَة ثَلَاثِينَ أَو أَرْبَعِينَ فرسخا

стр. 87

وَفِي الْعشْرين من ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة أغسطس ١٠٥٠ بلغنَا مَدِينَة عيذاب وَمن أسوان حَتَّى عيذاب الَّتِي بلغناها بعد خَمْسَة عشر يَوْمًا مِائَتَا فَرسَخ بالتحديد ومدينة عيذاب هَذِه تقع على شاطئ الْبَحْر وَبهَا مَسْجِد جُمُعَة وسكانها خَمْسمِائَة وَهِي تَابِعَة لسلطان مصر وفيهَا تحصل المكوس على مَا فِي السفن الوافدة من الْحَبَشَة وزنجبار واليمن وَمِنْهَا تنقل البضائع على الْإِبِل إِلَى أسوان فِي هَذِه الصَّحرَاء الَّتِي اجتزناها وَمن هُنَاكَ تنقل بالسفن إِلَى مصر فِي النّيل وعَلى يَمِين عيذاب نَاحيَة الْقبْلَة جبل من خَلفه صحراء عَظِيمَة بهَا مراع وَاسِعَة وَخلق كَثِيرُونَ يسمون البجة وهم قوم لَا دين لَهُم وَلَا مِلَّة لَا يُؤمنُونَ بِنَبِي أَو إِمَام وَذَلِكَ لبعدهم عَن الْعمرَان وهم يسكنون الصَّحرَاء طولهَا أَكثر من ألف فَرسَخ وعرضها ثَلَاثمِائَة فَرسَخ وَلَيْسَ فِي هَذِه الْمسَافَة الشاسعة سوى مدينتين صغيرتين تسمى الأولى بَحر النعام وَالثَّانيَِة عيذاب وتمتد هَذِه الصَّحرَاء من مصر إِلَى الْحَبَشَة وَذَلِكَ من الشمَال إِلَى الْجنُوب وعرضها من بِلَاد النّوبَة حَتَّى بَحر القلزم وَذَلِكَ من الغرب إِلَى الشرق وَيُقِيم بهَا البجة وهم لَيْسُوا أشرار فهم لَا يسرقون وَلَا يغيرون بل يشتغلون بتربية ماشيتهم وَيسْرق الْمُسلمُونَ وَغَيرهم أَبْنَاءَهُم ويحملونهم إِلَى المدن الإسلامية ليبيعوهم فِيهَا وبحر القلزم هَذَا خليج يتَفَرَّع من الْمُحِيط عِنْد ولَايَة عدن ويسير شمالا حَتَّى مَدِينَة القلزم الصَّغِيرَة وَيُسمى هَذَا الْبَحْر بِكُل مَدِينَة تقع عَلَيْهِ فَمرَّة يُسمى القلزم وَمرَّة عيذاب وَمرَّة بَحر النعام وَقيل إِن بِهِ أَكثر من ثَلَاثمِائَة جَزِيرَة تَأتي السفن مِنْهَا محملة بالزيت والكشك وَقيل إِن هُنَاكَ بقرًا وخرافا كَثِيرَة وَالنَّاس هُنَاكَ مُسلمُونَ بَعضهم تَابع لمصر وَبَعْضهمْ لليمن وَلَيْسَ

стр. 88

فِي مَدِينَة عيذاب الصَّغِيرَة غير مَاء الْمَطَر فَلَا بِئْر فِيهَا وَلَا عين فَإِذا لم تمطر السَّمَاء أحضر البجة المَاء وباعوه وَقد بَقينَا هُنَاكَ ثَلَاثَة أشهر وَكُنَّا نشتري قربَة المَاء بدرهم أَو بِدِرْهَمَيْنِ وَسبب بقائنا هَذِه الْمدَّة أَن السَّفِينَة لم تقلع إِذْ كَانَت الرّيح شمالية وَكَانَ يَنْبَغِي لرحلتنا ريح الْجنُوب وحينما رَآنِي النَّاس طلبُوا إِلَيّ أَن أكون خطيبهم فَلم أردهم وخطبت لَهُم تِلْكَ الْمدَّة حَتَّى أَتَى الْمَوْسِم ثمَّ سَارَتْ السَّفِينَة شمالا إِلَى أَن بلغنَا جدة وَيُقَال إِن الْجمال النجيبة لَا تُوجد فِي مَكَان آخر غير هَذِه الصَّحرَاء وَهِي تنقل مِنْهَا إِلَى مصر والحجاز وَقد حكى لي رجل أعْتَمد على قَوْله من مَدِينَة عيذاب قَالَ كنت فِي سفينة محملة بالجمال لأمير مَكَّة فَمَاتَ جمل مِنْهَا فَرَمَوْهُ فِي الْبَحْر فابتلعنه سَمَكَة فِي الْحَال وَلم يبْق خَارج فمها غير رجله فَجَاءَت سَمَكَة أُخْرَى وابتلعت هَذِه السَّمَكَة بالجمل وَلم يظْهر عَلَيْهَا أَي أثر من ذَلِك وَيُسمى هَذَا السّمك بالقرش وَرَأَيْت فِي هَذِه الْمَدِينَة جلد سمك يسمونه فِي خُرَاسَان الشَّفق ويظنون انه نوع من الضَّب وَلَكِنِّي رَأَيْت فِي عيذاب أَنه سمك وَله كل مَا للسمك من زعانف حينما كنت فِي أسوان كَانَ لي صديق ذكرت اسْمه قبلا وَهُوَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن فليج فَلَمَّا ذهبت من هُنَاكَ إِلَى عيذاب كتب من إخلاصه لي لوَكِيله بهَا كتابا يَقُول فِيهِ إعط ناصرا مَا يُرِيد وَهُوَ يعطيك صكا لِلْحسابِ فَلَمَّا بقيت بهَا ثَلَاثَة أشهر وأنفقت مَا معي اضطررت أَن أعطي هَذِه الورقة للْوَكِيل فأكرمني وَقَالَ إِن لَهُ وَالله لدي أَشْيَاء كَثِيرَة وَإِنِّي معطيك مَا تُرِيدُ واعطني صكا بِهِ فتعجبت من حسن صنع هَذَا الرجل مُحَمَّد ابْن فليج الَّذِي أظهر كل هَذِه الطّيبَة بِغَيْر سَابِقَة مني اليه وَلَو كنت رجلا دنيئا واستحللت لنَفْسي أَن آخذ لأخذت بِهَذِهِ الورقة أَشْيَاء كَثِيرَة وَقد أخذت

стр. 89

مِنْهُ مائَة من من الدَّقِيق وَهُوَ مِقْدَار كَبِير هُنَاكَ وأعطيته صكا بِهِ أرْسلهُ إِلَى أسوان وَقبل رحيلي من عيذاب ورد خطاب من مُحَمَّد فليج لوَكِيله يَقُول فِيهِ أعْط ناصرا كل مَا يُرِيد مهما تكن قِيمَته مِمَّا لي عنْدك وَإِذا أَرَادَ فأعطه من مَالك وَأَنا أُعْطِيك عوضا عَنهُ فقد قَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ على بن أبي طَالب صلوَات الله عَلَيْهِ الْمُؤمن لَا يكون محتشما وَلَا مغتنما وَقد كتبت هَذَا الْخَبَر حَتَّى يعرف الْقَارئ أَن الرجل يعْتَمد على الرجل وان الْكَرم فِي كل مَكَان وَأَن أَهله كَانُوا وسيكونون دَائِما وصف بِلَاد الْعَرَب جدة وَجدّة مَدِينَة كَبِيرَة لَهَا سور حُصَيْن تقع على شاطئ الْبَحْر وَبهَا خَمْسَة آلَاف رجل وَهِي شمال الْبَحْر (الْأَحْمَر) وفيهَا أسواق جميلَة وقبلة مَسْجِدهَا الْجَامِع نَاحيَة الْمشرق وَلَيْسَ بخارجها عمارات أبدا عدا الْمَسْجِد الْمَعْرُوف بِمَسْجِد رَسُول الله ﷺ وَلها بوابتان إِحْدَاهمَا شرقية تُؤدِّي إِلَى مَكَّة وَالثَّانيَِة غربية تُؤدِّي إِلَى الْبَحْر ويبلغ السائر من جدة جنوبا على شاطئ الْبَحْر الْيمن ومدينة صعدة والمسافة إِلَى هُنَاكَ خَمْسُونَ فرسخا وَإِذا سَار شمالا بلغ الْجَار وَهِي تَابِعَة للحجاز وَلَيْسَ فِي جدة شجر وَلَا زرع وكل مَا يلْزمهَا يحضرونه اليها من الْقرى وَبَينهَا وَبَين مَكَّة إثنا عشر فرسخا وأمير جدة تَابع لأمير مَكَّة تَاج الْمَعَالِي بن أبي الْفتُوح الَّذِي هُوَ أَمِير الْمَدِينَة أَيْضا وَقد ذهبت إِلَى أَمِير جدة فَأكْرم وفادتي وأعفاني مِمَّا كَانَ يجب عَليّ

стр. 90

من المكس وَلم يَطْلُبهُ وَهَكَذَا خرجت من البوابة فِي سَلام وَقد كتب إِلَى مَكَّة يَقُول عني هَذَا رجل عَالم فَلَا يجوز أَن يُؤْخَذ مِنْهُ وَفِي يَوْم الْجُمُعَة بعد صَلَاة الْعَصْر قُمْت من جدة فبلغت بَاب مَكَّة يَوْم الْأَحَد سلخ جُمَادَى الثَّانِي وَكَانَ قد حضر إِلَى مَكَّة للْعُمْرَة خلق كَثِيرُونَ من نواحي الْحجاز واليمن فِي أول رَجَب وَهُوَ موسم عَظِيم مثل عيد رَمَضَان وهم يحْضرُون وَقت الْحَج وَلِأَن طريقهم قريب وَسَهل يأْتونَ إِلَى مَكَّة ثَلَاث مَرَّات كل سنة وصف مَكَّة تقع مَكَّة بَين جبال عالية وَلَا ترى من بعيد من أَي جَانب يقصدها السائر وَأقرب جبل مِنْهَا هُوَ جبل أبي قبيس وَهُوَ مستدير كالقبة لَو رمي سهم من أَسْفَله لبلغ قمته وَهُوَ شَرْقي مَكَّة فترى الشَّمْس من دَاخل الْمَسْجِد الْحَرَام وَهِي تشرق من فَوْقه فِي شهر دي (ديسمبر) وَقد نصب على قمته برج من الْحجر يُقَال إِن إِبْرَاهِيم ﵇ رَفعه عَلَيْهِ وتشغل هَذِه الْمَدِينَة الْوَادي الَّذِي بَين الْجبَال وَالَّذِي لَا تزيد مساحته عَن رمية سَهْمَيْنِ فِي مثلهَا وَالْمَسْجِد الْحَرَام وسط هَذَا الْوَادي وَمن حوله مَكَّة والشوارع والأسواق وحيثما وجدت ثغرة بَين الْجبَال سدت بسور قوي وضعت عَلَيْهِ بوابة وَلَيْسَ بِمَكَّة شجر أبدا إِلَّا عِنْد بَاب الغربي لِلْمَسْجِدِ الْحَرَام الْمُسَمّى بَاب إِبْرَاهِيم حَيْثُ يُوجد كثير من الشّجر الْكَبِير الَّذِي يرْتَفع على حافة الْبِئْر وَعند الْجَانِب الشَّرْقِي لِلْمَسْجِدِ سوق تمتد من الْجنُوب إِلَى الشمَال وَفِي

стр. 91

أَولهَا نَاحيَة الْجنُوب جبل أبي قبيس الَّذِي تقع الصَّفَا على سفحه وتبدو على هَذَا السفح دَرَجَات كَبِيرَة من الْحِجَارَة المستوية الَّتِي يصعد الْحجَّاج عَلَيْهَا وَيدعونَ رَبهم والمروة فِي نِهَايَة السُّوق شمَالي الْجَبَل وَهِي أقل ارتفاعا فِي وسط مَكَّة وَقد شيدت عَلَيْهَا منَازِل كَثِيرَة وَمَا يُسمى السَّعْي بَين الصَّفَا والمروة هُوَ الْمَسْعَى فِي هَذِه السُّوق من أَولهَا لآخرها ويجد من يرغب الْعمرَة وَهُوَ آتٍ من بعيد أبراجا ومساجد على مَسَافَة نصف فَرسَخ حول مَكَّة فَيحرم مِنْهَا للْعُمْرَة وَالْإِحْرَام هُوَ نزع الملابس المخيطة من على الْجَسَد وَشد الْمحرم وَسطه بإزار ولف جسده بإزار أَو وشاح آخر وصياحه بِصَوْت عَال أَن لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك ثمَّ يسير نَحْو مَكَّة فَإِذا أَرَادَ حَاج أَن يعْتَمر وَهُوَ بِمَكَّة فَإِنَّهُ يذهب إِلَى تِلْكَ الأبراج ويرتدي ثوب الْإِحْرَام ويهتف لبيْك وَيدخل مَكَّة بنية الْعمرَة فحين يبلغ مَكَّة يدْخل الْمَسْجِد الْحَرَام ويسير نَحْو الْكَعْبَة ثمَّ يطوف نَاحيَة الْيَمين بِحَيْثُ تكون هَذِه على يسَاره وَيتَوَجَّهُ إِلَى الرُّكْن الَّذِي بِهِ الْحجر الْأسود فيقبله ثمَّ يمْضِي وَيسْتَمر فِي الطّواف حَتَّى يعود إِلَى الْحجر الْأسود مرّة أُخْرَى فيقبله وَبِهَذَا يكون قد أتم طوفة وَاحِدَة وعَلى هَذَا النَّحْو يطوف سبع مَرَّات ثَلَاثًا مِنْهَا بِسُرْعَة وأربعا على مهل وَبعد إتْمَام الطّواف يتَوَجَّه نَحْو مقَام إِبْرَاهِيم ﵇ وَهُوَ أَمَام الْكَعْبَة فيقف خَلفه بِحَيْثُ يكون الْمقَام بَينه وَبَين الْكَعْبَة وَهُنَاكَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ هما صَلَاة الطّواف ثمَّ يذهب إِلَى حَيْثُ بِئْر زَمْزَم فيشرب من مَائِهَا أَو يمسح بهَا وَجهه ثمَّ يخرج من الْمَسْجِد الْحَرَام من بَاب الصَّفَا الَّذِي سمي كَذَلِك لِأَن جبل الصَّفَا يَقع خَارجه فيصعد على عتبات الصَّفَا موليا وَجهه شطر مَكَّة وَيَدْعُو بِالدُّعَاءِ الْمَعْلُوم ثمَّ ينزل وَيتَّجه نَاحيَة الْمَرْوَة مارا بِالسوقِ الَّتِي يسير فِيهَا من الْجنُوب إِلَى الشمَال وَعَلِيهِ أَن ينظر إِلَى أَبْوَاب الْحَرَام حِين يمر بهَا وَأَن يحث الخطى فِي الْمسَافَة الَّتِي سعاها الرَّسُول ﵊ مسرعا وَالَّتِي أَمر النَّاس باجتيازها مُسْرِعين وَهِي خَمْسُونَ خطْوَة وعَلى طرفِي هَذَا الْموضع (الَّذِي يسَار فِيهِ بِسُرْعَة) أَربع منارات على الْجَانِبَيْنِ فَإِذا بلغ الْحَاج الْآتِي من

стр. 92

الصَّفَا مَا بَين المنارتين الْأَوليين أسْرع حَتَّى يصل إِلَى مَا بَين المنارتين الثانيتين ثمَّ يسير الهوينى حَتَّى يبلغ الْمَرْوَة فيصعد عتباتها وَيَدْعُو ذَلِك الدُّعَاء الْمَعْلُوم وَهَكَذَا يُكَرر هَذَا السَّعْي فِي السُّوق بِحَيْثُ يسْعَى من الصَّفَا إِلَى الْمَرْوَة أَربع مَرَّات وَمن الْمَرْوَة إِلَى الصَّفَا ثَلَاث مَرَّات فَيكون قد سعى فِي هَذِه السُّوق سبع مَرَّات وعندما ينزل الْحَاج من جبل الْمَرْوَة يجد سوقا فِيهَا عشرُون دكانا متقابلة يشغلها جَمِيعًا حجامون لحلق شعر الرَّأْس وَحين يتم الْحَاج شَعَائِر الْعمرَة وَيخرج من الْمَسْجِد الْحَرَام يدْخل السُّوق الْكَبِيرَة الَّتِي تقع نَاحيَة الشرق والمسماة سوق العطارين وَهِي سوق جميلَة البنايات وَكلهَا عطارون وبمكة حمامان بلاطهما من الْحجر الْأَخْضَر السنان وقدرت أَن سكانها القاطنين بهَا لَا يزِيدُونَ على أَلفَيْنِ وَالْبَاقِي ويقربون من الْخَمْسمِائَةِ من الغرباء والمجاورين وَفِي ذَلِك الْوَقْت كَانَ بِمَكَّة قحط فَكَانَ السِّتَّة عشر منا من الْقَمْح بِدِينَار مغربي وَقد هَاجر مِنْهَا كَثِيرُونَ وَقد كَانَ لأهالي كل مَدِينَة من خُرَاسَان وَمَا وَرَاء النَّهر وَالْعراق وَغَيرهَا منَازِل بِمَكَّة وَلَكِن أغلبها كَانَ خرابا وقتذاك وَقد بنى بهَا خلفاء بَغْدَاد عمارات كَثِيرَة وأبنية جميلَة وَكَانَ بَعْضهَا وَأَنا هُنَاكَ خربا وَالْبَعْض الآخر اشْتَرَاهُ النَّاس (أصبح ملكا خَاصّا) وَمَاء آبار مَكَّة مالح وَمر لَا يساغ شربه وَلَكِن بهَا كثيرا من الأحواض والمصانع الْكَبِيرَة بلغت تكاليف الْوَاحِد مِنْهَا أَكثر من عشرَة آلَاف دِينَار وَهِي تملأ من مَاء الأمطار الَّذِي يتدفق من الأودية وَكَانَت فارغة وَنحن هُنَاكَ وَقد أنشأ ابْن أحد أُمَرَاء عدن مجْرى للْمَاء تَحت الأَرْض وَأنْفق عَلَيْهِ أَمْوَالًا كَثِيرَة يسقى مِنْهُ مَا على حافتيه من شجر فِي عَرَفَات وَقد حبس هَذَا المَاء هُنَاكَ حَيْثُ غرست الحدائق فَلَا يصل (قرب) مَكَّة مِنْهُ إِلَّا الْقَلِيل لِأَن الْقَنَاة لَا تبلغها وَهَذَا الْقَلِيل يجمع فِي حَوْض خَارج مَكَّة فَيَأْخُذ مِنْهُ

стр. 93

السقاءون ويذهبون بِهِ إِلَيْهَا ويبيعونه وعَلى مَسَافَة نصف فَرسَخ من طَرِيق برقة بِئْر يُسمى بِئْر الزَّاهِد عِنْده مَسْجِد جميل وَمَاء هَذَا الْبِئْر عذب ويحمله السقاءون إِلَى مَكَّة لبيعه وجو مَكَّة حَار جدا وَفِي آخر بِهن الْقَدِيم (يناير فبراير) رَأَيْت بهَا الْخِيَار والأترنج والباذنجان وَكَانَت كلهَا طازجة هَذِه هِيَ الْمرة الرَّابِعَة الَّتِي أَزور بهَا مَكَّة وَقد مكثت بهَا مجاورا من غرَّة رَجَب ٤٤ (١٠ نوفمبر ١٠٥٠) إِلَى الْعشْرين من ذِي الْحجَّة (٣ مايو ١٠٥١) وَقد أثمر بهَا الْعِنَب فِي الْخَامِس عشر من فروردين (مارس أبريل) فأحضر من السوَاد إِلَى مَكَّة وَبيع فِي السُّوق وَكَانَ الْبِطِّيخ كثيرا فِي أول اردبهشت (ابريل مايو) وَكَانَت الْفَاكِهَة متوفرة طول الشتَاء فَلم تَنْقَطِع قطّ وصف بِلَاد الْعَرَب واليمن وَحين يسير الْمُسَافِر مرحلة وَاحِدَة جنوبي مَكَّة يبلغ ولَايَة الْيمن الَّتِي تمتد حَتَّى شاطئ الْبَحْر والحجاز واليمن متجاوران ولغتهما الْعَرَبيَّة وَفِي الِاصْطِلَاح يُقَال لليمن حمير وللحجاز الْعَرَب ويحيط الْبَحْر البلدين من ثَلَاث جِهَات فهما شبه جَزِيرَة يحدها شرقا بَحر الْبَصْرَة وغربا بَحر القلزم الَّذِي تقدم أَنه خليج وجنوبا الْبَحْر الْمُحِيط وَطول شبه الجزيرة هَذِه الَّتِي هِيَ الْيمن والحجاز من الْكُوفَة إِلَى عدن أَي من الشمَال إِلَى الْجنُوب خَمْسمِائَة فَرسَخ

стр. 94

وعرضها من عمان إِلَى الْجَار أَي من الشرق إِلَى الغرب أَرْبَعمِائَة فَرسَخ وبلاد الْعَرَب من الْكُوفَة إِلَى مَكَّة وبلاد الْيمن من مَكَّة إِلَى عدن وبلاد الْعَرَب قَليلَة الخصب ويسكن أَهلهَا الصَّحرَاء ويملكون الدَّوَابّ والمواشي ويقيمون فِي الْخيام وبلاد حمير (الْيمن) ثَلَاثَة أَقسَام قسم مِنْهَا يُسمى تهَامَة وَهُوَ يَمْتَد على سَاحل القلزم الَّذِي هُوَ غربي تهَامَة وَبِه كثير من المدن وَالْخصب مثل صعدة وزبيد وَصَنْعَاء وَغَيرهَا وَهَذِه المدن مشيدة فِي الصَّحرَاء وأمير هَذَا الْقسم عبد حبشِي من أَبنَاء شاددل وَالْقسم الثَّانِي من حمير جبلي يُسمى نجدا وَبِه أَمَاكِن مقفرة وَأُخْرَى شَدِيدَة الْبرد كَمَا أَن بِهِ أَوديَة ضيقَة وقلاعا محكمَة وَالْقسم الثَّالِث نَاحيَة الْمشرق وَبِه مدن كَثِيرَة مِنْهَا نَجْرَان وعثر وبيشة وَغَيرهَا وَبِهَذَا الْقسم طوائف كَثِيرَة لكل مِنْهَا ملك أَو رَئِيس فَلَيْسَ لَهُ حَاكم وَاحِد فَإِن سكانه عتاة وأغلبهم لصوص وسفاكو دِمَاء وهم كَثِيرُونَ وَمن كل جنس ومساحة هَذَا الْقسم مِائَتَا فَرسَخ فِي مائَة وَخمسين وَفِي الْيمن قصر غمدان بِمَدِينَة اسْمهَا صنعاء وَقد بَقِي من أطلال

стр. 95

كَالتَّلِّ فِي وَسطهَا وَيُقَال هُنَاكَ إِن رب هَذَا الْقصر كَانَ ملكا على الْعَالم كُله كَمَا يُقَال إِن بِهَذَا التل كنوزا ودفائن كَثِيرَة وَلَكِن أحدا لَا يَجْرُؤ على مد يَده اليها سُلْطَانا كَانَ أَو من الرّعية ويصنعون بِصَنْعَاء العقيق وَهُوَ حِجَارَة تقطع من الْجَبَل وتسوى على النَّار فِي بواتق محاطة بالرمل ثمَّ تعرض هَكَذَا وسط الرمل لحرارة الشَّمْس وَبعد هَذَا يصقلونها بعجلة وَقد رَأَيْت فِي مصر سَيْفا أحضر للسُّلْطَان من الْيمن مقبضه قِطْعَة وَاحِدَة من العقيق الْأَحْمَر كَأَنَّهُ ياقوت وصف الْمَسْجِد الْحَرَام والكعبة قُلْنَا إِن الْكَعْبَة تقوم وسط الْمَسْجِد الْحَرَام وَإِن الْمَسْجِد الْحَرَام يقوم وسط مَكَّة وَالْمَسْجِد ممتد طولا من الشرق إِلَى الغرب وعرضا من الشمَال إِلَى الْجنُوب وسوره لَيْسَ قَائِم الزوايا بل أَرْكَانه مقوسة تميل إِلَى الاستدارة وَذَلِكَ حَتَّى تكون وُجُوه جَمِيع الْمُصَلِّين شطر الْكَعْبَة فِي أَي جِهَة كَانُوا يصلونَ بِالْمَسْجِدِ وأقصى طول لِلْمَسْجِدِ من بَاب إِبْرَاهِيم إِلَى بَاب بني هَاشم أَربع وَعِشْرُونَ وَأَرْبَعمِائَة ذِرَاع وَعرضه من بَاب الندوة وَهُوَ جِهَة الشمَال حَتَّى بَاب الصَّفَا وَهُوَ جِهَة الْجنُوب وأقصى اتساعه أَربع وثلاثمائة ذِرَاع وبسبب استدارته تبدو ساحة الْمَسْجِد أضيق فِي جِهَة وأوسع فِي جِهَة أُخْرَى وَحَوله ثَلَاثَة أروقة رفعت أسقفها على أعمدة من الرخام ووسط هَذِه الأروقة مربع وعَلى طول السّقف من نَاحيَة ساحة الْمَسْجِد خَمْسَة وَأَرْبَعُونَ طاقا وعَلى عرضه ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ وَعدد الأعمدة الرخامية الَّتِي فِيهِ أَرْبَعَة وَثَمَانُونَ وَأَرْبَعمِائَة عَمُود قيل إِنَّهَا كلهَا أرْسلت من الشَّام عَن طَرِيق الْبَحْر بِأَمْر خلفاء بَغْدَاد وَقيل أَنه حِين بلغت هَذِه الْعمد مَكَّة بلغ ثمن الحبال الَّتِي شدت بهَا إِلَى السفن والعجلات وَالَّتِي قطعت قطعا سِتِّينَ ألف دِينَار مغربي وَمن

стр. 96

هَذِه الْعمد عَمُود من الرخام الْأَحْمَر وضع عِنْد بَاب الندوة قيل إِنَّه اشْترى بوزنه ذَهَبا وَيقدر وَزنه بِثَلَاثَة آلَاف من وللمسجد الْحَرَام ثَمَانِيَة عشر بَابا عَلَيْهَا طيقان مقامة على عمد من الرخام وضعت بِحَيْثُ لَا تعوق فتح الْأَبْوَاب وعَلى الْجَانِب الشَّرْقِي أَرْبَعَة أَبْوَاب هِيَ من الرُّكْن الشمالي بَاب النَّبِي وَبِه ثَلَاثَة طيقان مقفلة وعَلى هَذَا الْجَانِب نَفسه عِنْد الطّرف الجنوبي (للباب الأول) بَاب آخر يُسمى بَاب النَّبِي أَيْضا وَبَين هذَيْن الْبَابَيْنِ أَكثر من مائَة ذِرَاع وَلِهَذَا الْبَاب طاقان وَفِي خَارجه سوق العطارين وَقد كَانَ منزل النَّبِي ﵇ فِي هَذِه السُّوق وَكَانَ يدْخل من هَذَا الْبَاب للصَّلَاة فِي الْمَسْجِد فَإِذا جَاوز السائر هَذَا الْبَاب وجد على السُّور الشَّرْقِي أَيْضا بَاب عَليّ ﵇ وَهُوَ الْبَاب الَّذِي كَانَ يدْخل مِنْهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ ﵇ للصَّلَاة بِالْمَسْجِدِ وَله ثَلَاثَة طيقان فَإِذا جاوزه يجد عَن ركن الْمَسْجِد مَنَارَة أُخْرَى يبْدَأ مِنْهَا السَّعْي وَهِي غير المنارة الَّتِي بِبَاب بني هَاشم وَمن عِنْدهَا يَنْبَغِي الْإِسْرَاع فِي السَّعْي وَهِي إِحْدَى المنارات الْأَرْبَع الْمَذْكُورَة (المنارات الْأَرْبَع فِي طرق السَّعْي) وعَلى الْحَائِط الجنوبي الَّذِي هُوَ طول الْمَسْجِد سَبْعَة أَبْوَاب أَولهَا على الرُّكْن المقوس واسْمه بَاب الدقاقين وَله طاقان وغربيه بِقَلِيل بَاب آخر ذُو طاقين يُقَال لَهُ بَاب الفسانين وَبعده بِقَلِيل بَاب الصَّفَا وَله خَمْسَة طيقان أكبرها الطاق الْأَوْسَط وعَلى كل من جانبيه طاقان صغيران وَكَانَ رَسُول الله ﵇ يخرج من هَذَا الْبَاب وَيذْهب إِلَى الصَّفَا وَيَدْعُو وَعتبَة

стр. 97

الطاق الْأَوْسَط مكونة من حجر أَبيض كَبِير وَكَانَ بهَا حجر أسود وَطئه الرَّسُول ﵇ بقدمه فارتسم نقش الْقدَم الْمُبَارك عَلَيْهِ وَقد نزع هَذَا الْجُزْء من الْحجر الْأسود وَركب فِي الْحجر الْأَبْيَض بِحَيْثُ تكون أَطْرَاف اصابع الْقدَم دَاخل الْمَسْجِد وَيَضَع بعض الْحجَّاج وُجُوههم على هَذَا الْحجر وَبَعْضهمْ يضعون أَقْدَامهم تبركا وَأعرف أَن الْأَفْضَل أَن أَضَع وَجْهي وَبعد هَذَا الْبَاب بِقَلِيل نَاحيَة الْمغرب بَاب السطوى وَله طاقان ثمَّ من بعده بِقَلِيل بَاب التمارين وَله طاقان ثمَّ بَاب المعامل وَله طاقان ويقابله بَيت أبي جهل وَهُوَ الْآن مرحاض وعَلى الْحَائِط الغربي وَهِي عرض الْمَسْجِد ثَلَاثَة أَبْوَاب الأول عِنْد الرُّكْن الجنوبي واسْمه بَاب عُرْوَة وَله طاقان وَفِي الْوسط بَاب إِبْرَاهِيم وَله ثَلَاثَة طيقا وعَلى الْحَائِط الشمالي وَهِي طول الْمَسْجِد أَرْبَعَة أَبْوَاب فَفِي الرُّكْن الغربي بَاب الْوَسِيط وَله طاق وَاحِد وَمن بعده نَاحيَة الْمشرق بَاب العجلة وَله طاق وَاحِد وَمن بعده فِي الْوسط بَاب الندوة وَله طاقان ثمَّ بَاب الْمُشَاورَة وَله طاق وَاحِد وَعند زَاوِيَة الْمَسْجِد فِي الشمَال الشَّرْقِي بَاب يُسمى بَاب بني شيبَة والكعبة فِي وسط ساحة الْمَسْجِد وَهِي مستطيل طوله من الشمَال إِلَى

стр. 98

الْجنُوب ثَلَاثُونَ ذِرَاعا وَعرضه من الشرق إِلَى الغرب سِتّ عشرَة ذِرَاعا وبابها شَرْقي بِحَيْثُ يكون الرُّكْن الْعِرَاقِيّ على يَمِين الدَّاخِل وركن الْحجر الْأسود على يسَاره وَيُسمى ركنها الجنوبي الغربي بالركن الْيَمَانِيّ وركنها الشمالي الغربي بالركن الشَّامي وَالْحجر الْأسود مركب على زَاوِيَة الْحَائِط فِي حجر كَبِير بِحَيْثُ إِذا وقف رجل طَوِيل الْقَامَة يكون مُقَابلا لصدره وَطول هَذَا الْحجر شبر أَرْبَعَة أَصَابِع وَعرضه ثَمَانِيَة أَصَابِع وَهُوَ مستدير الشكل وَبَينه وَبَين بَاب الْكَعْبَة أَربع أَذْرع وَيُسمى مَا بَينهمَا الْمُلْتَزم ويرتفع بَاب الْكَعْبَة عَن الأَرْض أَربع أَذْرع بِحَيْثُ إِذا وقف رجل مديد الْقَامَة على الأَرْض يصل إِلَى عتبته وَقد صنع سلم من الْخشب يضعونه وَقت الْحَاجة أَمَام الْبَاب فيصعد عَلَيْهِ النَّاس ويدخلون الْكَعْبَة ويسع عرض هَذَا السّلم عشرَة رجال يصعدون وينزلون بَعضهم بِجَانِب بعض وَأَرْض الْكَعْبَة عالية بِهَذَا الْمِقْدَار وصف بَاب الْكَعْبَة وَهُوَ بَاب من خشب الساج لَهُ مصراعان ارتفاعه سِتّ أَذْرع وَنصف

стр. 99

ذِرَاع وَعرض كل من مصراعيه ذِرَاع وَثَلَاثَة أَربَاع الذِّرَاع فعرضهما مَعًا ثَلَاث أَذْرع وَنصف وعَلى صدر الْبَاب وَأَعلاهُ كِتَابَة كَمَا أَن عَلَيْهِ دوائر زخرفية من فضَّة وكتابات منقوشة بِالذَّهَب وَالْفِضَّة وَقد كتبت عَلَيْهِ هَذِه الْآيَة حَتَّى آخرهَا ﴿إِن أول بَيت وضع للنَّاس للَّذي ببكة مُبَارَكًا وَهدى للْعَالمين﴾ وَله حلقتان كبيرتان من الْفضة أرسلتا من غزنين وَقد ركبتا فِي مصراعيه بِحَيْثُ لَا تصل إِلَيْهِمَا يَد إِنْسَان وَمن تحتهَا حلقتان أخريان من الْفضة أَصْغَر حجما وموضوعتان بِحَيْثُ تصل الْيَد إِلَيْهِمَا وَفِيهِمَا قفل كَبِير من الْفضة أَيْضا يقفل بِهِ الْبَاب وَلَا يفتح مَا لم ينْزع القفل وصف الْكَعْبَة من الدَّاخِل يبلغ سمك حائطها سِتَّة أشبار وأرضها مغطاة بالرخام الْأَبْيَض وَبِالْكَعْبَةِ ثَلَاث خلوات صَغِيرَة كَأَنَّهَا دكاكين إِحْدَاهَا تقَابل الْبَاب والأخريان على الْجَانِب الشمالي والأعمدة الَّتِي بِالْكَعْبَةِ وَالَّتِي أقيم عَلَيْهَا السّقف كلهَا من خشب الساج المربع إِلَّا عمودا وَاحِدًا مدورا وَفِي الْجَانِب الشمالي قِطْعَة مستطيلة من الرخام الْأَحْمَر يُقَال إِن الرَّسُول ﵊ كَانَ يُصَلِّي عَلَيْهَا ويجتهد كل من يعرف ذَلِك أَن يُصَلِّي هُنَاكَ وَقد غطيت حَوَائِط الْكَعْبَة بألواح الرخام الملون وعَلى الْجَانِب الغربي مِنْهَا سِتَّة محاريب من الْفضة ألصقت بِالْحَائِطِ بمسامير ويبلغ ارْتِفَاع كل مِنْهَا قامة الرجل وَهِي مزينة بنقوش كَثِيرَة من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَهِي مُرْتَفعَة عَن الأَرْض وحوائط الْكَعْبَة الْأَرْبَعَة حَتَّى أَرْبَعَة أَذْرع من الأَرْض خَالِيَة من النقوش وَأما بعد ذَلِك إِلَى السّقف فمزينة بالرخام المنقوش والموشى أغلبه بِالذَّهَب

стр. 100

وَفَوق كل من الخلوات الثَّلَاث الَّتِي ذكرتها وَالَّتِي تُوجد إِحْدَاهَا فِي الرُّكْن الْعِرَاقِيّ وَالْأُخْرَى فِي الرُّكْن الشَّامي وَالثَّالِثَة فِي الرُّكْن الْيَمَانِيّ فَوق كل ركن مِنْهَا لوحان من الْخشب مثبتان على الْحَائِط بمسامير من فضَّة وَهِي أَلْوَاح من خشب سفينة نوح ﵇ طول كل مِنْهَا خمس أَذْرع وَعرضه ذِرَاع وَاحِد وَقد أسدل على الْخلْوَة الَّتِي خلف الْحجر الْأسود ستار من الديباج الْأَحْمَر وَحين يدْخل السائر فِي الْكَعْبَة يجد على الْيَد الْيُمْنَى زَاوِيَة مربعة بِمِقْدَار ثَلَاث أَذْرع فِي مثلهَا وَهُنَاكَ سلم يُؤَدِّي إِلَى سطح الْكَعْبَة عَلَيْهِ بَاب من الْفضة لَهُ مصراع وَاحِد يُسمى بَاب الرَّحْمَة وَعَلِيهِ قفل من الْفضة فَإِذا صَار فَوق سطح الْكَعْبَة يجد بَابا آخر مثل الْبَاب السَّابِق منقوش بِالْفِضَّةِ على وجهيه وَقد غطى سقف الْكَعْبَة بالخشب المغطى بالحرير الَّذِي يَحْجُبهُ عَن الأنظار وعَلى حَائِط الْكَعْبَة الأمامي فَوق الْعمد الخشبية كِتَابَة ذهبية فِيهَا اسْم الْعَزِيز بِاللَّه سُلْطَان مصر الَّذِي استولى على مَكَّة من الْخُلَفَاء العباسين وعَلى الْحَائِط أَرْبَعَة أَلْوَاح أُخْرَى كَبِيرَة من الْفضة متقابلة ومثبتة بمسامير من فضَّة وعَلى كل لوح مِنْهَا اسْم السُّلْطَان الَّذِي أرْسلهُ من سلاطين مصر وَكَانَ كل مِنْهُم يُرْسل لوحا فِي عَهده وَبَين الأعمدة ثَلَاثَة قناديل فضية معلقَة وبلاط سطح الْكَعْبَة من الرخام اليمني الَّذِي يلمع كَأَنَّهُ البلور وَفِي أَرْكَانهَا أَربع روازن على كل مِنْهَا لوح من الزّجاج لينفذ مِنْهُ النُّور ولمنع تسرب الْمَطَر والميزاب فِي وسط الْحَائِط الشمالي وَطوله ثَلَاث أَذْرع وَكله مَطْلِي بِالذَّهَب وَالْكِسْوَة الَّتِي تغطى بهَا الْكَعْبَة بَيْضَاء وَقد طرزت فِي موضِعين عرض كل مِنْهَا ذِرَاع وَبَينهمَا عشر أَذْرع تَقْرِيبًا وَمن فَوْقهمَا وتحتهما عشر أَذْرع أَيْضا بِحَيْثُ يَنْقَسِم ارْتِفَاع الْكَعْبَة إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام كل مِنْهَا عشر أَذْرع بِوَاسِطَة طرازي الْكسْوَة وعَلى جَوَانِب هَذِه الْكسْوَة الْأَرْبَعَة نسجت محاريب

стр. 101

ملونة مزينة بخيوط من ذهب وعَلى كل نَاحيَة ثَلَاثَة محاريب محراب كَبِير فِي الْوسط ومحرابان صغيران على جانبيه فعلى النواحي الْأَرْبَعَة إثنا عشر محرابا وخارج الْكَعْبَة حَائِط علوه ذِرَاع وَنصف وتتصل نهايتهاه بركني الْكَعْبَة لِأَن هَذَا الْحَائِط مقوس كَنِصْف الدائرة وَهُوَ يبعد من منتصفه عَن الْكَعْبَة مِقْدَار خمس عشرَة ذِرَاعا وَأَرْض هَذَا الْموضع مبلطة بالرخام الملون المنقوش وَيُسمى الْحجر وَبِه يصب مَاء الْمِيزَاب الَّذِي فَوق الْكَعْبَة وَقد وضع تَحْتَهُ قِطْعَة من الْحجر الْأَخْضَر على شكل محراب يسْقط عَلَيْهَا المَاء وَهِي كَبِيرَة بِحَيْثُ يَسْتَطِيع رجل أَن يُصَلِّي عَلَيْهَا ومقام إِبْرَاهِيم ﵇ شَرْقي الْكَعْبَة وَهُوَ الْحجر الَّذِي بِهِ آثَار قدمي إِبْرَاهِيم ﵇ وَهُوَ مركب فِي حجر آخر وَعَلِيهِ غلاف مربع من الْخشب بارتفاع قامة الرجل وَهُوَ فِي غَايَة الدقة وَوضعت عَلَيْهِ أَلْوَاح من الْفضة وَقد أحكم ربط الغلاف بِالْحَائِطِ بسلاسل من الْجَانِبَيْنِ وَعَلِيهِ قفلان وَذَلِكَ حَتَّى لَا يَسْتَطِيع أحد أَن يلمس الْحجر وَبَين الْكَعْبَة ومقام إِبْرَاهِيم ثَلَاثُونَ ذِرَاعا بِئْر زَمْزَم بِئْر زَمْزَم شَرْقي الْكَعْبَة حذاء ركن الْحجر الْأسود وَبَين زَمْزَم والكعبة سِتّ وَأَرْبَعُونَ ذِرَاعا وسعة الْبِئْر ثَلَاث أَذْرع وَنصف فِي مثلهَا

стр. 102

وماؤها ملح وَلكنه يستساغ وَقد بنوا عِنْد فوهتها خرزة من الرخام الْأَبْيَض ارتفاعه ذراعان وَفِي جَوَانِب حجرَة زَمْزَم الْأَرْبَعَة أحواض يصب فِيهَا المَاء وَيتَوَضَّأ النَّاس بِهِ وأرضها من الْخشب المشبك ليسيل المَاء الَّذِي يراق بهَا وبابها نَاحيَة الْمشرق وأمام الْبِئْر نَاحيَة الْمشرق بِنَاء آخر مربع عَلَيْهِ قبَّة يُسمى سِقَايَة الْحَاج وضع بِهِ أزيار يشرب مِنْهَا الْحجَّاج وَبعد هَذَا الْبناء نَاحيَة الشرق بِنَاء آخر مستطيل عَلَيْهِ ثَلَاث قباب يُسمى خزانَة الزَّيْت بِهِ الشمع وَالزَّيْت والقناديل وحول الْكَعْبَة أعمدة يتَّصل بَعْضهَا بِالْبَعْضِ بِوَاسِطَة عروق من الْخشب عَلَيْهَا زخارف ونقوش من الْفضة ومعلق بهَا الْحلق والكلابات حَتَّى يوضع الشمع فِي هَذِه وتدلى المصابيح من تِلْكَ بِاللَّيْلِ وَيُسمى هَذَا الْموضع المشاعل ويفصله عَن الْكَعْبَة خَمْسُونَ وَمِائَة ذِرَاع وَهِي مَسَافَة الطّواف فجملة المباني الَّتِي بِسَاحَة الْمَسْجِد الْحَرَام عدا الْكَعْبَة المعظمة شرفها الله تَعَالَى ثَلَاثَة هِيَ بَيت زَمْزَم وسقاية الْحَاج وخزانة الزَّيْت

стр. 103

وَتَحْت السّقف الْمُحِيط بِالْمَسْجِدِ بِجَانِب الْحَائِط صناديق من جَمِيع مدن الْمغرب ومصر وَالشَّام وَالروم والعراقين وخراسان وَمَا وَرَاء النَّهر وَغَيرهَا وعَلى مَسَافَة أَرْبَعَة فراسخ شمَالي مَكَّة نَاحيَة تسمى برقة بهَا أَمِير مَكَّة مَعَ جَيش خَاص بِهِ وَهُنَاكَ مَاء جَار وأشجار ومساحتها فرسخان طولا فِي مثلهمَا عرضا فِي هَذِه السّنة كنت بِمَكَّة مجاورا مُنْذُ أول رَجَب وعادتهم أَن يفتحوا بَاب الْكَعْبَة كل يَوْم فِي هَذَا الشَّهْر مُنْذُ شروق الشَّمْس وصف فتح بَاب الْكَعْبَة امتازت قَبيلَة من الْعَرَب تسمى بني شيبَة بِحِفْظ مِفْتَاح بَاب الْكَعْبَة وهم خدمها وَكَانَ لَهُم خلع ومشاهرات من سُلْطَان مصر وَلَهُم رَئِيس بِيَدِهِ الْمِفْتَاح وَحين يَجِيء يصاحبه خَمْسَة أَو سِتَّة أَفْرَاد وَحين يصلونَ يَنْضَم اليهم عشرَة من الْحجَّاج فيرفعون السّلم الَّذِي قدمنَا وَصفه ويضعونه أَمَام الْبَاب فيصعد هَذَا الشَّيْخ وَيقف على العتبة ويصعد بعده رجلَانِ ويرفعان الستار والديباج الْأَصْفَر يمسك كل مِنْهُمَا طرفا مِنْهُ بِحَيْثُ يحجب الشَّيْخ وَهُوَ يفتح الْبَاب يفتح الشَّيْخ القفل وينزعه من الْحلق بَيْنَمَا الْحجَّاج وقُوف أَمَام الْكَعْبَة فحين يفتح الْبَاب يرفعون أَيْديهم بِالدُّعَاءِ فَيعرف كل من يسمع صوتهم بِمَكَّة أَن بَاب الْكَعْبَة قد فتح فيرفع النَّاس جَمِيعًا أَصْوَاتهم عالية وَيدعونَ رَبهم وتحدث جلجلة عَظِيمَة بِالْبَلَدِ ثمَّ يدْخل الشَّيْخ بَيْنَمَا الرّجلَانِ يمسكان الستار وَيُصلي رَكْعَتَيْنِ ثمَّ يعود فَيفتح الْبَاب على مصراعيه وَيقف على العتبة وَيقْرَأ الْخطْبَة عَلَيْهِم بِصَوْت مُرْتَفع وَيُصلي على رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَوَات وَالسَّلَام وعَلى أهل بَيته ثمَّ يقف الشَّيْخ وَأَصْحَابه على جَانِبي بَاب الْكَعْبَة بَيْنَمَا يَأْخُذ الْحجَّاج فِي الصعُود وَدخُول الْكَعْبَة فَيصَلي كل مِنْهُم

стр. 104

رَكْعَتَيْنِ ثمَّ يخرج ويدوم ذَلِك إِلَى قرب منتصف النَّهَار وَيُوَلُّونَ وُجُوههم أثْنَاء صلَاتهم بِالْكَعْبَةِ نَحْو الْبَاب مَعَ جَوَاز التَّوَجُّه نَحْو الجوانب الْأُخْرَى وَقد أحصيت النَّاس فِي وَقت كَانَت الْكَعْبَة ممتلئة فِيهِ حَتَّى لم يكن بهَا مَكَان لداخل فَكَانُوا عشْرين وَسَبْعمائة رجل وَعَامة حجاج الْيمن يشبهون الهنود فَكل مِنْهُم يتشح بفوطه وشعورهم متدلية ولحاهم مضفرة وَفِي وسط كل مِنْهُم حَرْبَة قطيفية كَالَّتِي يتمنطق بهَا الهنود وَيُقَال إِن أصل الهنود من الْيمن وَأَن قتالة أَصْلهَا كتارة (الحربة) ثمَّ عربت وبفتح بَاب الْكَعْبَة أَيَّام الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس وَالْجُمُعَة من أشهر شعْبَان ورمضان وشوال فَإِذا جَاءَ ذُو الْقعدَة أغلق الْبَاب عمْرَة الْجِعِرَّانَة على أَرْبَعَة فراسخ من شمال مَكَّة مَكَان يُسمى الْجِعِرَّانَة كَانَ بِهِ النَّبِي ﵇ مَعَ جَيْشه فِي السَّادِس عشر من ذِي الْقعدَة فَأحْرم مِنْهُ وَجَاء إِلَى مَكَّة وأعتمر وَهُنَاكَ بئران بِئْر الرَّسُول وبئر عَليّ بن أبي طَالب صلوَات الله عَلَيْهِمَا وَمَاء البئرين عذب جدا وَبَينهمَا عشر أَذْرع وَقد اتَّخذت هَذِه الْعمرَة النَّبَوِيَّة سنة تُؤدِّي فِي هَذَا الْمَوْسِم وَقرب البئرين صَخْرَة كَبِيرَة فِيهَا فجوات كَأَنَّهَا كؤوس يُقَال إِن النَّبِي ﵇ عجن الدَّقِيق فِيهَا بيدَيْهِ وَالَّذين يزورون هَذَا الْمَكَان يعجنون الدَّقِيق بِأَيْدِيهِم بِمَاء هذَيْن البئرين ويتخذون من الْأَشْجَار الْكَثِيرَة هُنَاكَ وقودا للخبز الَّذِي يرسلونه إِلَى الأقطار تبركا وَهُنَاكَ أَيْضا صَخْرَة كَبِيرَة مُرْتَفعَة يُقَال إِن بِلَالًا الحبشي كَانَ يقف عَلَيْهَا وَيُؤذن للصَّلَاة ويصعد عَلَيْهَا الزائرون ويؤذنون وَحين كنت بالجعرانة كَانَ بهَا نَاس كَثِيرُونَ وَكَانَ بهَا أَكثر من ألف جمل بالعمارات مِمَّا يبين كَثْرَة الزائرين الآخرين

стр. 105

وَمن مصر إِلَى مَكَّة عَن الطَّرِيق الَّذِي سرت فِيهِ هَذِه الْمرة ثَلَاثمِائَة فَرسَخ وَمن مَكَّة إِلَى الْيمن إثنا عشر فرسخا وَتَقَع صحراء عَرَفَات بَين جبال صَغِيرَة كالتلال ومساحتها فرسخان فِي مثلهمَا وَكَانَ بهَا مَسْجِد بِنَاء إِبْرَاهِيم ﵇ لم يبْق مِنْهُ هَذِه السَّاعَة غير مِنْبَر خرب من الطوب النيئ يصعد عَلَيْهِ الْخَطِيب فِي صَلَاة الظّهْر ويخطب ثمَّ يُؤذنُونَ للصَّلَاة ثمَّ يصلونَ جمَاعَة رَكْعَتَيْنِ سنة الْمُسَافِرين ثمَّ يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَيصلونَ جمَاعَة رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ثمَّ يجلس الْخَطِيب على جمل وَيتَّجه شرقا وَالنَّاس وَرَاءه وعَلى بعد فَرسَخ جبل حجري صَغِير يُسمى جبل الرَّحْمَة هُنَاكَ يقفون وَيدعونَ حَتَّى وَقت الْغُرُوب وَقد أوصل ابْن شاد دلّ الَّذِي كَانَ أَمِيرا لعدن المَاء إِلَى جبل الرَّحْمَة من مَكَان بعيد وَأنْفق فِي ذَلِك مَالا طائلا وَيحمل المَاء من هَذَا الْجَبَل إِلَى صحراء عَرَفَات حَيْثُ عملت أحواض تملأ مَاء أَيَّام الْحَج حَتَّى يَتَيَسَّر المَاء للحجيج وَقد بنى هَذَا الْأَمِير فَوق جبل الرَّحْمَة طاقا مربعًا كَبِيرا يضعون فَوق قُبَّته كثيرا من الْقَنَادِيل والشموع لَيْلَة عَرَفَة ويومه فَيرى نورها من مَسَافَة فرسخين وَقيل إِن أَمِير مَكَّة أَخذ ألف دِينَار من ابْن شادن دلّ ليجيز لَهُ إِقَامَة هَذَا الطاق فِي التَّاسِع من ذِي الْحجَّة سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة (٢٧ ابريل ١٠٥١) قضيت الْحجَّة الرَّابِعَة بعون الله وَلما غَابَتْ الشَّمْس عَاد الْحجَّاج والخطيب من عَرَفَات وَسَارُوا فرسخا إِلَى الْمشعر الْحَرَام ويسمونه الْمزْدَلِفَة وَهُنَاكَ بِنَاء جميل كالمقصورة يُصَلِّي فِيهِ النَّاس وَيَأْخُذُونَ مِنْهُ حِجَارَة الرَّجْم الَّتِي يَرْمُونَهَا بمنى وَالْعَادَة أَن يقْضِي الْحجَّاج هَذِه اللَّيْلَة وَهِي لَيْلَة الْعِيد هُنَاكَ حَيْثُ يصلونَ الْفجْر وَعند طُلُوع الشَّمْس يتوجهون إِلَى منى حَيْثُ يضحون وَهُنَاكَ مَسْجِد كَبِير يُسمى مَسْجِد الْخيف وَلَيْسَ من الْمَفْرُوض إِلْقَاء خطْبَة وَصَلَاة

стр. 106

الْعِيد بمنى فِي ذَلِك الْيَوْم وَلم يَأْمر بهما الْمُصْطَفى ﵇ وَيكون الْحجَّاج بمنى فِي الْعَاشِر من ذِي الْحجَّة وَهُنَاكَ يرْمونَ الْحِجَارَة وَشرح ذَلِك مَذْكُور فِي مَنَاسِك الْحَج وَفِي الثَّانِي عشر من ذِي الْحجَّة يُغَادر منى من عزم على العودة لبلاده وَيذْهب إِلَى مَكَّة أَهلهَا الى الحسا عَن طَرِيق الطَّائِف ومطار والثريا وجزع وسربا وفلج واليمامة بعد اتمام الْحَج اسْتَأْجَرت جملا من أَعْرَابِي لأذهب إِلَى الحسا وَقيل إِنَّهُم يبلغونها من مَكَّة فِي ثَلَاثَة عشر يَوْمًا وَقد ودعت بَيت الله يَوْم الْجُمُعَة تَاسِع عشر ذِي الْحجَّة سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة (٧ مايو ١٠٥١) الْمُوَافق أول خرداد الْقَدِيم (مايو يونيو) وَقد وجدنَا مرجا بعد سَبْعَة فراسخ من مَكَّة عِنْده جبل وَلما بلغناه وجدنَا سهلا وقرى وبئرا اسْمهَا بِئْر الْحُسَيْن بن سَلامَة وَكَانَ الجو بَارِدًا وَقد سرنا نَاحيَة الْمشرق بلغنَا الطَّائِف يَوْم الِاثْنَيْنِ الثَّانِي وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة وَمن مَكَّة إِلَى هُنَاكَ إثنا عشر فرسخا والطائف نَاحيَة على رَأس جبل وَكَانَ الجو بَارِدًا فِي شهر خرداد (مايو يونيو) حَتَّى لزم الْجُلُوس فِي الشَّمْس بَيْنَمَا يكثر الْبِطِّيخ بِمَكَّة فِي هَذَا الْوَقْت وقصبة الطَّائِف هَذِه مَدِينَة صَغِيرَة بهَا حصن مُحكم وسوق وجامع صغيران وَبهَا مَاء جَار وأشجار رمان وتين كَثِيرَة وبجوارها قبر عبد الله بن عَبَّاس ﵁ وَقد بنى خلفاء بَغْدَاد هُنَاكَ مَسْجِدا كَبِيرا يَقع الْقَبْر فِي زاويته على يَمِين الْمِحْرَاب والمنبر وَبنى النَّاس هُنَاكَ بُيُوتًا يسكنونها سرنا من الطَّائِف واجتزنا جبالا وأراضي صخرية وَكُنَّا نجد حَيْثُمَا سرنا قلاعا مُحصنَة وقرى وَقد أروني وسط الصخور قلعة خربة قيل إِنَّهَا كَانَت بَيت ليلى وقصتهم فِي هَذَا عَجِيبَة وَمن هُنَاكَ بلغنَا قلعة تسمى مطار

стр. 107

وَبَينهَا وَبَين الطَّائِف إثنا عشر فرسخا ثمَّ بلغنَا نَاحيَة تسمى الثريا بهَا نخيل كثير وتزرع أرْضهَا بمياه الْآبَار والسواقي قَالُوا وَلَيْسَ لهَذِهِ النَّاحِيَة حَاكم أَو سُلْطَان فَإِن على كل جِهَة رَئِيسا اَوْ سيدا مُسْتقِلّا ويعيش النَّاس على السّرقَة وَالْقَتْل وهم فِي حَرْب دَائِم بَعضهم مَعَ بعض وَمن الطَّائِف إِلَى هُنَاكَ خَمْسَة وَعِشْرُونَ فرسخا وَبعد ذَلِك مَرَرْنَا بقلعة تسمى جزع وعَلى مساحة نصف فَرسَخ مِنْهَا أَربع قلاع نزلنَا عِنْد أكبرها وَتسَمى حصن بني نسير وَهُنَاكَ قَلِيل من النخيل وَبَيت الْعَرَبِيّ الَّذِي استأجرنا حمله فِي الْجزع هَذِه ولبثنا هُنَاكَ خَمْسَة عشر يَوْمًا إِذْ لم يكن مَعنا خفير يهدينا الطَّرِيق وَلكُل قوم من عرب هَذَا الْمَكَان ارْض محددة ترعى بهَا ماشيتهم وَلَا يَسْتَطِيع أَجْنَبِي أَن يدخلهَا فهم يمسكون كل من يدْخل بِغَيْر خفير ويجردونه مِمَّا مَعَه فَيلْزم اسْتِصْحَاب خفير من كل جمَاعَة حَتَّى يَتَيَسَّر الْمُرُور من أَرضهم فَهُوَ وقاية للْمُسَافِر ويسمونه أَيْضا مرشد الطَّرِيق (قلاوز) وَقد اتّفق أَن جَاءَ إِلَى الْجزع رَئِيس الْأَعْرَاب الَّذين كَانُوا فِي طريقنا وهم بَنو سَواد واسْمه أَبُو غَانِم عبس بن

стр. 108

الْبَعِير فاتخذناه خفيرا وذهبنا مَعَه وقابلنا قومه فظنوا أَنهم لقوا صيدا إِذْ أَن كل أَجْنَبِي يرونه يُسمى صيدا فَلَمَّا رَأَوْا رئيسهم مَعنا أسقط فِي أَيْديهم وَلَوْلَا ذَلِك لأهلكونا وَفِي الْجُمْلَة لبثنا مَعَهم زَمنا إِذْ لم يكن مَعنا خفير يصحبنا ثمَّ أَخذنَا من هُنَاكَ خفيرين أجر كل مِنْهُمَا عشرَة دَنَانِير ليسيرا بِنَا بَين قوم آخَرين وَقد كَانَ من هَؤُلَاءِ الْعَرَب شُيُوخ فِي السّبْعين من عمرهم قَالُوا لي إِنَّهُم لم يَذُوقُوا شَيْئا غير لبن الْإِبِل طوال حياتهم إِذْ لَيْسَ فِي هَذِه الصَّحرَاء غير علف فَاسد تَأْكُله الْجمال وَكَانُوا يظنون ان الْعَالم هَكَذَا وظللت أتحول من قوم إِلَى قوم وَأَجد فِي كل مَكَان خطرا وخوفا إِلَّا أَن الله ﵎ سلمنَا مِنْهَا وبلغنا مَكَانا فِي وسط أَرض ملؤُهَا الصخور يُسمى سربا رَأَيْت بِهِ جبالا كل مِنْهَا كالقبة لم أر مثلهَا فِي أَي ولَايَة وَهِي من الِارْتفَاع بِحَيْثُ لَا يصل اليها السهْم وملساء وصلبة بِحَيْثُ لَا يظْهر عَلَيْهَا شقّ أَو التواء وَقد سرنا من هُنَاكَ فَكَانَ زملاؤنا فِي الطَّرِيق كلما رَأَوْا ضبا قَتَلُوهُ وأكلوه وَكَانُوا يحلبون لبن الْجمال حَيْثُ وجد الْأَعْرَاب وَلم أكن أَسْتَطِيع أكل الضَّب أَو شرب لبن الْجمال وَفِي كل جِهَة فِي الطَّرِيق بهَا شجر بِهِ ثَمَر فِي حجم حَبَّة السلَّة كنت أقنع بِأَكْل حبات مِنْهَا وَبعد معاناة مشاق ومتاعب كَثِيرَة بلغنَا فلج فِي الثَّالِث وَالْعِشْرين من صفر (٤٣٣ ١٠٥١) فلج وَمن مَكَّة اليها ثَمَانُون وَمِائَة فَرسَخ وَتَقَع فلج هَذِه وسط الصَّحرَاء وَهِي نَاحيَة كَبِيرَة وَلكنهَا خربَتْ بالتعصب وَكَانَ الْعمرَان حِين زرناها قاصرا على نصف فَرسَخ فِي ميل عرضا وَفِي هَذِه الْمسَافَة أَربع عشرَة قلعة

стр. 109

للصوص والمفسدين والجهلة وَهِي مقسمة بَين فريقين بَينهمَا خُصُومَة وعداوة دائمة وَقد قَالُوا نَحن من أَصْحَاب الرسيم الَّذين ذكرُوا فِي الْقُرْآن الْكَرِيم وَهُنَاكَ أَربع قنوات يسقى مِنْهَا النخيل أما زرعهم فَفِي أَرض عالية يرفع اليها مُعظم المَاء من الْآبَار وهم يستخدمون فِي زراعتهم الْجمال لَا الثيران وَلم أرها هُنَاكَ وزراعتهم قَليلَة واجر الرجل فِي الْيَوْم عشرَة سيرات من غلَّة يخبزها أرغفة وَلَا يَأْكُلُون إِلَّا قَلِيلا من صَلَاة الْمغرب حَتَّى صَلَاة الْمغرب التالية كَمَا فِي رَمَضَان ويأكلون التَّمْر أثْنَاء النَّهَار وَقد رَأَيْت هُنَاكَ تَمرا طيبا جدا أحسن مِمَّا فِي الْبَصْرَة وَغَيرهَا والسكان هُنَاكَ فُقَرَاء جدا وبؤساء وَمَعَ فَقرهمْ فَإِنَّهُم كل يَوْم فِي حَرْب وعداء وَسَفك دِمَاء وَهُنَاكَ تمر يسمونه ميدون تزن الْوَاحِدَة مِنْهُ عشرَة دَرَاهِم وَلَا يزِيدُونَ وزن النَّوَى بِهِ عَن دانق وَنصف وَيُقَال انه لَا يفْسد وَلَو بَقِي عشْرين سنة ومعاملتهم بِالذَّهَب النيشابوري وَقد لَبِثت بفلج هَذِه أَرْبَعَة أشهر فِي حَالَة لَيْسَ أصعب مِنْهَا لم يكن معي من شؤون الدُّنْيَا سوى سلتين من الْكتب وَالنَّاس جِيَاع وعراة وجهلاء ويلتزمون حمل الترس وَالسيف إِذا ذَهَبُوا للصَّلَاة وَلَا يشْتَرونَ الْكتب وَكَانَ هُنَاكَ مَسْجِدا نزلنَا فِيهِ وَكَانَ معي قَلِيل من اللونين القرمزي واللازورد فَكتبت على حَائِط الْمَسْجِد بَيت شعر وَوضعت فِي وَسطه ورق الشّجر فرأوه وتعجبوا وَتجمع أهل القلعة كلهَا ليتفرجوا عَلَيْهِ وَقَالُوا لي إِذا تنقش محراب هَذَا الْمَسْجِد نعطيك مائَة من تَمرا وَمِائَة من تَمرا عِنْدهم شَيْء كثير فقد أَتَى وَأَنا هُنَاكَ جَيش من الْعَرَب وَطلب مِنْهُم خَمْسمِائَة من تَمرا فَلم يقبلُوا وحاربوا وَقتل من أهل القلعة عشرَة رجال وقلعت ألف نَخْلَة وَلم يعطوهم عشرَة أمنان تَمرا وَقد نقشت الْمِحْرَاب كَمَا اتَّفقُوا معي وَكَانَ لنا فِي الْمِائَة من من التَّمْر عون كَبِير إِذْ لم يكن ميسورا أَن نجد

стр. 110

غذَاء وَلم يكن لدينا أمل فِي الْحَيَاة وَلم نَكُنْ نستطيع أَن نتصور خروجنا من هَذِه الْبَادِيَة إِذْ كَانَ يَنْبَغِي لِلْخُرُوجِ مِنْهَا عَن أَي طَرِيق اجتياز مِائَتي فَرسَخ من الصَّحرَاء كلهَا مخاوف ومهالك وَلم أر فِي الْأَشْهر الْأَرْبَعَة الَّتِي أقمتها بفلج خَمْسَة أمنان من الْقَمْح فِي أَي مَكَان وأخيرا أَتَت قافلة من الْيَمَامَة لأخذ الْأَدِيم وَحمله إِلَى الحسا فَإِنَّهُ يحصر من الْيمن إِلَى فلج حَيْثُ يُبَاع للتجار قَالَ لي أَعْرَابِي أَنا أحملك إِلَى الْبَصْرَة وَلم يكن معي شَيْء قطّ لأعطيه أجرا والمسافة مِائَتَا فَرسَخ وَأُجْرَة الْجمل دِينَار وَيُبَاع الْجمل الْعَظِيم هُنَاكَ بدينارين أَو ثَلَاثَة وَلَكِنِّي رحلت نَسِيئَة إِذْ لم يكن معي نقود فَقَالَ الْأَعرَابِي أحملك إِلَى الْبَصْرَة على أَن تَأْجُرنِي ثَلَاثِينَ دِينَارا فَقبلت مُضْطَرّا وَلم أكن قد رَأَيْت الْبَصْرَة قطّ فَوضع هَؤُلَاءِ الْأَعْرَاب كتبي على جمل أركبوا عَلَيْهِ أخي وسرت أَنا رَاجِلا وتوجهنا فِي اتجاه مطلع بَنَات النعش (الدب الْأَكْبَر) كَانَ الطَّرِيق مستويا لَا جبال فِيهِ وَلَا مرتفعات وَكَانَ مَاء الْمَطَر متجمعا حَيْثُمَا كَانَت الأَرْض أَشد صلابة وَمَضَت لَيَال وَأَيَّام وَلم يبد فِي أَي جِهَة أثر الطَّرِيق إِلَّا أَنهم كَانُوا يَسِيرُونَ بالغريزة (بِالسَّمْعِ) وَمن العجيب أَنهم كَانُوا يبلغون فجاة بِئْر مَاء مَعَ عدم وجود أَي عَلامَة الْيَمَامَة وبالاختصار بلغنَا الْيَمَامَة بعد مسيرَة أَرْبَعَة أَيَّام بلياليها وباليمامة حصن كَبِير قديم وَالْمَدينَة والسوق حَيْثُ صناع من كل نوع يقعان خَارج الْحصن وَبهَا مَسْجِد جميل وأمراؤها علويون مُنْذُ الْقَدِيم وَلم ينتزع
следующие страницы →