Полный текст (230 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
وَبِه أستعين
سنة خمس وَسبعين وَخَمْسمِائة
فِيهَا غلت الأسعار جدا بالعراق وَاشْتَدَّ الْمحل وَكثر الجدب وَكَانَت الغلات كَثِيرَة والحبوب مَوْجُودَة غير أَن النَّاس رفعوا أَيْديهم عَن البيع وَسبب ذَلِك أَن ظهير الدّين أَبَا بكر [مَنْصُور] بن الْعَطَّار صَاحب المخزن كَانَ قد تحكم فِي دولة الْخَلِيفَة تحكما زَائِدا وَاسْتولى على جَمِيع الْمُعَامَلَات الواسطية وَضمن الْبِلَاد سائرها وَمنع البيع من خَزَائِن الغلات والحبوب فاشتدت بغضته فِي قُلُوب النَّاس وخاصة أَرْبَاب دولة الْخَلِيفَة وَكَانُوا يَقُولُونَ سَبَب غلو الأسعار مَنعه لبيع الغلات
وفيهَا كثر الوباء حَتَّى مَاتَ من الْخلق مَا لَا يُحْصى كَثْرَة
стр. 2
وفيهَا بسطت يَد الشريف يَمِين الدّين الْهَاشِمِي مشرف الدِّيوَان الْعَزِيز فِي الدولة وَوَقعت المشاحنة بَينه وَبَين ظهير الدّين بن الْعَطَّار
وفيهَا مرض المستضىء بِأَمْر الله وَاشْتَدَّ بِهِ الْمَرَض وَكَثُرت الأراجيف بِمَوْتِهِ وَلم يتَحَقَّق النَّاس ذَلِك وَكَانَت الْأَسْوَاق تغلق فِي أَكثر الْأَوْقَات لَا يَجْسُر أحد أَن يَبِيع وَيَشْتَرِي فَكَانَت وَفَاته أول لَيْلَة من ذِي الْقعدَة من السّنة وَكَانَت خِلَافَته تسع سِنِين وَسِتَّة أشهر وأحدا وَعشْرين يَوْمًا
أَوْلَاده أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد النَّاصِر لدين الله وَأَبُو مَنْصُور
وزيره رَئِيس الرؤساء
(٢ ا) خلَافَة النَّاصِر لدين الله
أَمِير الْمُؤمنِينَ صلوَات الله عَلَيْهِ وَذكر مُخْتَصر من إيالته ومحاسن سيرته وَذكر مَا تجدّد فِي أَيَّامه للبيت الأيوبي من الفتوحات والغزوات وَغير ذَلِك وَالشَّام ومصر واليمن ذكرته مفصلا أختم بِهِ كتابي هَذَا الموسوم بِكِتَاب الْمِضْمَار وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَان وَهُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل
هُوَ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد النَّاصِر لدين الله أَمِير الْمُؤمنِينَ ثَبت الله
стр. 3
دَعوته بن الإِمَام أبي مُحَمَّد الْحسن المستضىء بِأَمْر الله بن الإِمَام أبي المظفر يُوسُف المستنجد بِاللَّه بن الإِمَام أبي عبد الله مُحَمَّد المقتفى لأمر الله بن الإِمَام أبي الْعَبَّاس أَحْمد المستظهر بِاللَّه بن الإِمَام أبي الْقَاسِم عبد الله المقتدى بِاللَّه بن مُحَمَّد ذخيرة الدّين وَلَيْسَ بِإِمَام بن الإِمَام أبي جَعْفَر عبد الله الْقَائِم بن الإِمَام أبي الْعَبَّاس أَحْمد الْقَادِر بِاللَّه بن الإِمَام جَعْفَر المقتدر ابْن الإِمَام أبي الْعَبَّاس المعتضد بن مُحَمَّد الْمُوفق وَلَيْسَ بِإِمَام بن الإِمَام أبي الْفضل جَعْفَر المتَوَكل بن الإِمَام أبي أسحق مُحَمَّد المعتصم بن هَارُون الرشيد بن مُحَمَّد الْمهْدي بن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله ابْن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب بن هَاشم بُويِعَ لَهُ يَوْم الْأَحَد مستهل ذِي الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة صَبِيحَة الْيَوْم الْمَذْكُور وَتَوَلَّى عقد الْبيعَة ذُو الرياستين مجد الدّين أَبُو الْفضل هبة الله بن عَليّ بن هبة الله بن الصاحب أستاذ الدَّار وظهير الدّين أَبُو بكر مَنْصُور بن الْعَطَّار صَاحب المخزن وَحضر فِي الْبيعَة الْعلية ضِيَاء الدّين الشهرزوري أتفق ذَلِك أَوَان وُصُوله برسالة الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين وخطب لَهُ بِمَدِينَة السَّلَام بِبَغْدَاد وَنَثَرت الدَّنَانِير على المنابر بجوامعها وسيرت الْكتب مَعَ الرُّسُل إِلَى الْبِلَاد الإسلامية فَأرْسل صدر الدّين عبد الرَّحِيم بن إِسْمَعِيل ابْن إِسْمَعِيل
стр. 4
ابْن أبي سعد شيخ الشُّيُوخ النَّيْسَابُورِي إِلَى أتابك بهلوان مُحَمَّد ابْن أيلدكز بهمذان فَبَثَّ الدعْوَة الهادية فِي تِلْكَ الْبِلَاد من أصفهان وَجَمِيع بِلَاد خُرَاسَان وأذربيجان وسيرت رسل الْخلَافَة أَيْضا إِلَى الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب فَأَقَامَ الدعْوَة الهادية الإمامية فِي جَمِيع الْبِلَاد والثغور وَالشَّام والديار المصرية وَحضر شعراء الدِّيوَان الْعَزِيز على جاري الْعَادة لتهنئة مَوْلَانَا الإِمَام النَّاصِر لدين الله أَمِير الْمُؤمنِينَ عِنْد جُلُوسه فِي الْخلَافَة فِي ذِي الْقعدَة فَأَنْشد كل مِنْهُم كَلمته فَمن ذَلِك الْأَجَل أَمِين الدولة مُحَمَّد بن عبد الله سبط التعاويذي وَكَانَ من أفاضل الشُّعَرَاء المقدمين ذكرتها بِتَمَامِهَا لاستحسانها وَهِي
(طَاف يسْعَى بهَا على الْجلاس ... كقضيب الأراكة المياس)
(بدر تمّ غازلت من لحظه لَيْلَة ... نادمته غزال الكناس)
(ذللته لي المدام فأمسى ... لين الْعَطف بعد طول شماس)
(بَات يجلو عَليّ رَوْضَة حسن ... بت مِنْهَا مَا بَين ورد وآس)
(أمزج الكأس من جناه وَكم ليله ... صد مزجت بالدمع كامي)
(لَا يبت ذَلِك الحبيب بِمَا بت (م)
أعاني من لوعة وأقاسي)
стр. 5
(قلقي من وشاحه وبقلبي ... مَا بخلخاله من الوسواس)
(أَي برح لَو كَانَ لي مسعد فِيهِ ... وجرح لَو كَانَ لي مِنْهُ آسى)
(من تناسى عهد الشَّبَاب فَإِنِّي ... لحميد من عَهده غير ناسي)
(أخلق الدَّهْر جدتي وغدت منكوبة ... بعد مرّة أمراسى)
(يَا نَهَار المشيب من لي وهيهات ... بلَيْل الشبيبة الديماسي)
(حَال بيني وَبَين لهوى وإطرابي ... دهر أحَال صبغة رَأْسِي)
(ورأي الغانيات شيبي فأعرضن ... وقلن الشَّبَاب خير لباسي)
(كَيفَ لَا يفضل السوَاد وَقد أضحى ... شعارا على بني الْعَبَّاس)
(أُمَنَاء الله الْكِرَام وَأهل الْجُود ... والحلم والتقى والباس)
(عُلَمَاء الدّين الحنيف وأعلام ... الْهدى والضراغم الأشواس)
(أيد الله دينه بجبال ... منهمو شمخ الْجبَال رواسي)
(واصطفاهم من كل أغلب مشبوب ... الذراعين للعدي فراس)
стр. 6
(فهمو الآمرون بِالْعَدْلِ والحاكمون ... النَّاس بالقسطاس)
(وَلَقَد زينت الْخلَافَة مِنْهُم ... بِإِمَام الْهدى أبي الْعَبَّاس)
(ملك جلّ قدسه عَن مِثَال ... وتعالت آلاؤه عَن قِيَاس)
(هاشمي لَهُ زئير ينسى ... الْأسود الزئير فِي الأخياس)
(وسماح يُغني الْبِلَاد إِذا الأنواء ... ضنت بصوبة الرجاس)
(جمع الْأَمْن فِي إيالته مَا ... بَين ذِئْب الغضا وظبي الكناس)
(وعنى خاضعا لعزته كل ... أبي القياد صَعب المراس)
(بَث فِي الأَرْض رأفة بدلت وحشه ... سارى الظلام بالإيناس)
(غادرت جفوة اللَّيَالِي صفوا ... وألانت قلب الزَّمَان القاسي)
(بيد النَّاصِر الإِمَام استجابت ... بعد مطل مِنْهَا وَطول شماس)
(رد تدبيرها إِلَيْهِ فأضحى ... ملكهَا وَهُوَ ثَابت الأساس)
стр. 7
(يَا لَهَا بيعَة أَجدت من الْإِسْلَام ... بالي رسومه الأدراس)
(ولى الله أمرهَا فَلهُ الْمِنَّة ... فِيهَا عَلَيْهِ لَا للنَّاس)
(جمعتنَا على خَليفَة حق ... نبوي الأعراق والأغراس)
(فِي مقَام ذلت لهيبته الْأَعْنَاق ... ذل النقاد للهرماس)
(زَالَ فِيهِ الْحجاب عَن ملك عَار ... من الْعَار للتقى لِبَاس)
(ورأينا برد النَّبِي على منْكب ... طود من الْأَئِمَّة رَأْسِي)
(ماليا هَدْيه مَوَاقِف من نور ... جلال يضىء كالنبراس)
(فَلهُ فِي الرّقاب عهد وَلَاء ... مُحكم العقد محصد الأمراس)
(يَا مبيد العدى وَيَا طارد الْمحل ... نداه وَقَاتل الإفلاس)
(حجَّة الله أَنْت وَالسَّبَب الْمَمْدُود ... مَا بَينه وَبَين النَّاس)
(أَنْت أَحييت رمة الْعدْل والجود ... وأنشرتها من الأرماس)
(جدت قبل السُّؤَال عفوا وكأي ... من يَد لَا تدر بالأبساس)
стр. 8
(وأرحت الزَّوْرَاء من جور مزور ... عَن الْخَيْر فَاجر مكاس)
(أنفًا لِلْإِسْلَامِ مِنْهُ وَمن أشياعه ... عصبَة الْخَنَا الأرجاس)
(رد فِي نَحره انتقامك مَا فو قه ... من سهامه الأنكاس)
(دنست بُرْهَة بأفعاله الدُّنْيَا ... فطهرتها من الأدناس)
(بك عاذت من شَرّ شَيْطَانه الوسواس ... فِيهَا بمكرة الخناس)
(واشتكت داءها العضال فألفتك ... لأدوائها الطَّبِيب الآسي)
(فابق للدّين ناصرا وارم بالإرغام ... جد الْأَعْدَاء والأتعاس)
(واستمعها عذراء شَرط التهاني ... واقتراح الندمان والجلاس)
(حملت من أُرِيح مدحك نشرا ... هِيَ مِنْهُ مسكية الأنفاس)
(مدحا فِيك لي ستبقى على الدَّهْر ... بَقَاء التَّنْزِيل فِي الأطراس)
(مَا أميطت راحه يراع وَمَا خطت ... يَمِين رقشا على قرطاس)
وَبعد الْبيعَة الشَّرِيفَة بأيام برز الْأَمر الشريف ببسط يَد مجد الدّين ابْن الصاحب وَحكم فِي الدولة ونفذت أوامره فِي جَمِيع أَرْبَاب الدولة
стр. 9
وَتقدم إِلَيْهِ بِبيع الغلات والحبوب على النَّاس فَفتح الخزائن وَأطلق البيع فِيهَا وَأمر أَن يعْطى الأجناد أَرْزَاقهم من الْحِنْطَة وَالشعِير والحبوب فَفعل ذَلِك فرخصت الأسعار وَكَثُرت الْخيرَات وَفرج الله عَن النَّاس مَا كَانُوا فِيهِ من الْقَحْط وَالْمحل وَشدَّة الْجُوع ببركة قدومه وإيالته الميمونة وأنفذ إِلَى الْبِلَاد الواسطية السفن الْكِبَار مَمْلُوءَة طَعَاما من سَائِر الْحُبُوب وتلا ذَلِك تَوَاتر الأمطار والمدود وَكَثْرَة الخصب وَانْقَضَت سنو الجدب عِنْد ولَايَته وَكَانَ النَّاس يسمون أَيَّامه العيسوبية لذهاب مَا كَانُوا فِيهِ من شدَّة الْقَحْط بمدا أَيَّامه الزاهرة زيدت شرفا
ذكر وقْعَة ظهير الدّين بن الْعَطَّار وَقَتله
وَكَانَ هَلَاكه يَوْم الْخَامِس من ذِي الْقعدَة
ذكر السَّبَب فِي ذَلِك
كَانَ خَالص الْخَادِم من خَواص الحضرة الشَّرِيفَة فبرز الْأَمر العالي أَن يُوقع لَهُ بلحف الْجَبَل والبندنجين وَمَا يجْرِي مَعهَا فنفذ أستاذ الدَّار أَبُو الْفضل بن الصاحب إِلَيْهِ يَأْمُرهُ بالتوقيع لخالص الْخَادِم كَمَا أَمر أَمِير
стр. 10
الْمُؤمنِينَ فاستعظم ذَلِك وَلم يمتثل المراسم النَّبَوِيَّة فَكَانَ فِي جَوَاب ذَلِك التَّقَدُّم بِالْقَبْضِ على ابْن الْعَطَّار وَنَقله إِلَى التَّاج الْعَتِيق فعذب بأنواع الْعَذَاب وَمَات بعد أَيَّام فَحمل لَيْلًا إِلَى دَار أُخْته فَجَعَلته فِي تَابُوت وأرادت إِخْرَاجه خُفْيَة لِئَلَّا يعلم بِهِ أحد فَجعل أستاذ الدَّار على إِخْرَاجه عينا من حَيْثُ لَا يعلم بِهِ وَنبهَ الأعوام على إِخْرَاجه وأوقف جماعته على بَاب النوبي ينتظرون خُرُوجه وَكَانَ النَّاس يبغضونه لما كَانَ يَبْدُو مِنْهُ فِي سنى الْمحل من منع البيع الْعَام على النَّاس والضمانات الْجَارِيَة فِي أَيَّامه وَمَا كَانَ يجْرِي مِنْهُ فِي حق الأجناد والمماليك فَلَمَّا خرج تَابُوت ابْن الْعَطَّار وَلَيْسَ وَرَاءه أحد يؤبه لَهُ وَوصل خَارج بَاب النوبى من دَار الْخَلِيفَة أَشَارَ بعض من كَانَ الْعين على خُرُوجه إِلَى الْعَوام والمماليك هَذَا تَابُوت ابْن الْعَطَّار فتكاثرت الْعَوام على أَخذه وَألقى من رُءُوس الحمالين وَكسر وَأخرج من التابوت ومزقت أَكْفَانه وربطوا فِي إِحْدَى رجلَيْهِ حبلا من لِيف وَجعلُوا يسحبونه فِي الْأَسْوَاق والدروب بِمَدِينَة السَّلَام وَكَانُوا ينادون عَلَيْهِ وَفعل بِهِ كَمَا فعل بِابْن القرايا المشد حَتَّى إِن من النَّاس من قطع خِنْصره وَأذنه وَكَانَ ذَلِك فِي الْخَامِس عشر من ذِي الْقعدَة كَمَا ذكرنَا
استدعاء فَخر الدولة بن الْمطلب بَين يَدي النَّاصِر لدين الله ليستوزر وَذَلِكَ فِي الشَّهْر الْمَذْكُور من السّنة
كَانَ فَخر الدولة بن الْمطلب رجلا عَالما زاهدا ورعا كثير الْمَعْرُوف مَشْهُورا بالصلاح والتقى فَلَمَّا كَانَت الْأَيَّام المستنجدية سقى الله عهودها
стр. 11
الرضْوَان دَعَاهُ ليستوزره فَامْتنعَ وَطلب الْإِقَالَة فَلم يفعل مَا امْر وقصته مَشْهُورَة بذلك فَلَمَّا كَانَت الْأَيَّام المستضية طُولِبَ بِمَا طُولِبَ بِهِ من قبل فَسَأَلَ أَن لَا يُكَلف ذَلِك فَلَمَّا أنعم الله تَعَالَى على عباده بِالْأَيَّامِ الناصرة لدين الله أَمر بإحضار فَخر الدولة بن الْمطلب فَحَضَرَ بَين يَدي السدة الشَّرِيفَة النَّبَوِيَّة وخدم فَلَمَّا اسْتَقل بِهِ الْمَكَان تقدم إِلَيْهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ بِأَن يكون لَهُ وزيرا ومشيرا لمكانته من الدّين وَالْعلم وَالْبَيْت فَلَمَّا سمع كَلَامه قبل الأَرْض وخدم وَقَالَ
يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَمْلُوك رجل شيخ وَمَا يجوز أَن يفتح لَهُ كتابا بعد الْعَصْر فَقَالَ لَهُ بهاء الدّين صندل الْخَادِم أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ لَيْسَ لَك فِي إجَابَتِي مصلحَة لأننى لَو قبلت هَذِه الْولَايَة مَا كنت أقرك على مَا بِيَدِك من الإقطاع والولايات بل كنت أجريك على قَاعِدَة بِلَال وأزيل عَنْك هَذِه الثِّيَاب وأمنعك من الرّكُوب وَبَين يَديك سيوف مَشْهُورَة فَضَحِك أَمِير الْمُؤمنِينَ من قَوْله وَقَالَ لَهُ تُشِير عَليّ بِمن يصلح فَقَالَ هَذَا أصلح من عنْدك وَأَشَارَ إِلَى مجد الدّين بن الصاحب وَهُوَ إِذْ ذَاك أستاذ الدَّار العزيزة فَضَاقَ صدر أستاذ الدَّار من قَول فَخر الدولة وَلم يُعجبهُ ذَلِك فَقَالَ لَهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ
لم لَا يرضيك قَوْله وَهِي أرفع دَرَجَة فَقَالَ
يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا أبيع حضوري فِي هَذِه الْخدمَة بالدنيا وَمَا فِيهَا وَسَأَلَ أَن يقر على خدمته وَهِي أستاذية الدَّار فأقره على ذَلِك وَكَانَ أعظم النَّاس مكانة عِنْده إِلَى أَن قتل
стр. 12
ثمَّ قَالَ لَهُ
شَرّ علينا بِمن نوليه فَقَالَ فَخر الدولة
إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن يول سُلَيْمَان بن جاووش نَائِب وزارة فرأيه أعلا فأحضر سُلَيْمَان بن جاووش وَكَانَ يلقب بحسام الدّين إِلَى التَّاج الشريف وَمن كَانَ يخْتَص بالديوان الْعَزِيز من أَرْبَاب الدولة والأجناد ليقضوا شهر المستضئ بِاللَّه رَحْمَة الله عَلَيْهِ ورضوانه
وَكَانَ على حسام الدّين بن جاووش قلنسوة فَخلع عَلَيْهِ جُبَّة وعمامة بَيْضَاء وخلع على أَرْبَاب الدولة كَافَّة فِي ذَلِك الْيَوْم وَركب ورتب نَائِب وزارة فبقى يَنُوب فِي الدِّيوَان الْعَزِيز شهرا فَوجدَ عَلَيْهِ أستاذ الدَّار ابْن الصاحب لكَونه كَانَ يقف فِي تقدماته فَعَزله ورتب عوضه ابْن البُخَارِيّ وَذَلِكَ فِي محرم سنة سِتّ وَسبعين وسنذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وفيهَا أقطع آل تنبه الشطرنجي واسطا وَأعْطى قيطرمش شحنكية بَغْدَاد أجمع
وفيهَا صرف ابْن طَلْحَة من حجبة الْبَاب الشريف ورتب عوضه قوام الدّين بن زِيَادَة
وفيهَا رتب ابْن شبيب صَاحب مخزن ورتب زين الدّين مشرف مخزن أَيْضا ورتب ابْن جَعْفَر صَاحب بَاب الْمَرَاتِب وَأقر أَبُو عَليّ بن الْوَكِيل
стр. 13
على عمله صَاحب ديوَان وَأقر أَمِين الدّين مهيمنا على إشراف الدِّيوَان الْعَزِيز
وفيهَا خلع التشريفات الجميلة على آل تنبه الشطرنجي وقيطرمش شحنة بَغْدَاد وَسيف الدّين طغلو شحنة الْخَواص وميزوا على جمَاعَة المماليك والأمراء
ذكر مَا تجدّد للسُّلْطَان
بِالشَّام ومصر فِي هَذِه السّنة من الْأَحْوَال والغزوات
وَدخلت هَذِه السّنة وَالسُّلْطَان نَازل على تل القَاضِي ببانياس وَعَسْكَره الْمَنْصُور فِي كل يَوْم يُصْبِحُونَ بلد الْعَدو ويشنون الغارات وينقلون مَا يجدونه من الغلات وَكَانَ الْعَام كثير الجدب حَتَّى لم يبْق بِتِلْكَ الْبِلَاد لَهُم إِلَّا الْيَسِير
وَكَانَ الْمُقدم على الْعَسْكَر عز الدّين فرخشاه بن شاهناه بن أَيُّوب ابْن أخي السُّلْطَان وَكَانَ مخيمه على بعد من السرادق السلطاني قدامه فجَاء إِلَى السُّلْطَان وَمَعَهُ جمَاعَة من الْأُمَرَاء وَقد أَجمعُوا رَأْيهمْ على أَن يُغيرُوا على
стр. 14
بلد الْعَدو فِي ليلتهم بكرَة غدهم ويرحلون عَن ذَلِك الْمَكَان فصوب لَهُم السُّلْطَان رَأْيهمْ وَقَالَ
نعم الرَّأْي الَّذِي رَأَيْتُمُوهُ والرأي أَن تنهضوا فِي هَذِه اللَّيْلَة وتزمعوا على دُخُول بلد الفرنج فتجمعون مَا تخلف فِي موَاضعهَا المتفرقة وَإِذا عدتم سَالِمين إِن شَاءَ الله تَعَالَى رحلنا صوب الْبِقَاع
ذكر وقْعَة مرج عُيُون
وَكَانَت يَوْم الْأَحَد ثامن محرم وَلما نَهَضَ المسملون لَيْلَة الْيَوْم الْمَذْكُور أصبح السُّلْطَان بكرَة يَوْمه رَاكِبًا وَمَعَهُ صمصام الدّين أجك وَإِلَى بانياس فِي موكب خَفِيف وَجمع كثير ووقف على الطَّرِيق فَوجدَ فِي تِلْكَ الغياض سروحا من الأبقار والأغنام جافلة وقصده فِي تِلْكَ الْحَال رَاع فَأخْبرهُ أَنه شَاهد عَسْكَر الْكَافِر قد عبروا بِالْقربِ على قصد العلاقة فاستبعد السُّلْطَان ذَلِك وَقَالَ
لَو كَانَ ذَلِك صَحِيحا لجانا الجاسوس فَبينا هُوَ كَذَلِك إِذْ جَاءَهُ من أَوَائِل الْعَسْكَر من أخبرهُ بِصِحَّة الْخَبَر فَرجع إِلَى المخيم وَقت الظّهْر وَكَانَ فِي اسطبله خُيُول شَتَّى عتاق وَغير عتاق فبذلها لخواصه وَقَالَ
اركبوا وأدركو الْعَدو وَصَاح بعسكره وحلقته فَسَار فيهمَا موفقا بالنصر فَأَشْرَف على الْقَوْم وهم فِي ألف رمح وَعشرَة آلَاف
стр. 15
مقَاتل مَا بَين فَارس وراجل وَكَانَ فِي جُمْلَتهمْ بادين بن بارزان فبرز فِي مقدمتهم وحملوا حَملَة وَاحِدَة كالجبل الْعَظِيم وكادوا أَن يظفروا وَطعن فِيهَا صمصام الدّين أجك فَثَبت السُّلْطَان أمامهم وردهم إِلَى ورائهم فَوَلوا الأدبار منهزمين فركبهم السَّيْف فأسروا من كَانَ لَهُ أجل حُصَيْن وَدخل اللَّيْل وَنَجَا ملكهم هَارِبا فَذكر أَنه حمله أحدهم على ظَهره وسرى بِهِ تَحت اللَّيْل وَرجع السُّلْطَان إِلَى مخيمه وَقد مضى من اللَّيْل أَكْثَره ثمَّ أذن بِتَقْدِيم الْأُسَارَى فَأول من قدم مِنْهُم
بادين بن بارزان ثمَّ قدم أود مقدم الداوية الْكَبِير وَكَانَ مَشْهُورا شجاعا شَدِيد الْبَأْس وأحضر ابْن القومصية وأخو صَاحب جبيل وَكَانَ كثير النهوض إِلَى ثغور الْإِسْلَام وأحضر جمَاعَة من مقدميهم الأكابر وقيدوا بالقيود الثقال ثمَّ عرض المأسورين فَكَانُوا مِائَتَيْنِ ونيفا وَسبعين من الفرسان المقدمين سوى من أسره آسره وَكَانَ فِي خيمته وَلم يسمع بِهِ وَسوى من لم يذكر من الأتباع ثمَّ نقل الْأُسَارَى إِلَى دمشق فاعتقلوا
فَأَما ابْن بارزان فَإِنَّهُ بعد سنة بذل فِي نَفسه مائَة وَخمسين
стр. 16
ألف دِينَار وَإِطْلَاق ألف أَسِير من الْمُسلمين فَكَانَ الْفَقِيه ضِيَاء الدّين عِيسَى مأسورا عِنْدهم من نوبَة الرملة فالتزم أَن يُؤَدِّي من قطيعته الْمَذْكُورَة القطيعة الَّتِي عرف بهَا فكاكه وَأما هُوَ ابْن القومصية فَإِنَّهُ افتكته أمه بِخَمْسَة وَخمسين ألف دِينَار صورية وَأما أود مقدم الداوية فَإِنَّهُ مَاتَ فِي سجنه فطلبت جيفته فَأَخَذُوهَا بِإِطْلَاق أَسِير وَطَالَ أسر البَاقِينَ فَمنهمْ من هلك فِي الْأسر وَمِنْهُم من خرج بقطيعة وأمان وَكَانَت لعز الدّين فرخشاه فِي هَذِه النّوبَة الْيَد الْبَيْضَاء وَالْبَلَاء الْمَذْكُور
ذكر سَبَب غيبَة وَالِدي الْملك المظفر
سقى الله عهوده الرضْوَان عَن هَذِه النّوبَة
وَذَلِكَ أَن سُلْطَان الرّوم السلاجقة قلج أرسلان أرسل فِي طلب حصن رعبان يدعى أَنه من بِلَاده وَإِنَّمَا أَخذه مِنْهُ نور الدّين بِغَيْر أَمر
стр. 17
وَأَن وَلَده الْملك الصَّالح قد أنعم بِهِ عَلَيْهِ فَأبى ذَلِك الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين فَجهز قلج أرسلان عسكرا وَنزل على حصاره فندب السُّلْطَان الْملك المظفر إِلَى لقائهم بِجَمَاعَة يسيرَة وَكَانَ جُمْلَتهمْ ثَمَانِي مائَة فَارس وَكَانَ عَسْكَر قلج أرسلان نيفا وَعشْرين ألف فَارس مجتمعة على النهب والغارة فَسَار بِمن مَعَه من الْعدة الْيَسِيرَة الْمَذْكُورَة حَتَّى أشرف على عَسْكَر قلج أرسلان لَيْلًا وَقد تلاحق بِهِ من أَصْحَابه نَحْو من مِائَتَيْنِ وَالْبَاقُونَ فِي إثرهم لم يتَّفق اجْتِمَاعهم جملَة وَاحِدَة لِأَن طريقهم كَانَت وعرة لم يَسِيرُوا معظمها إِلَّا رجالة فَلَمَّا أشرف عَلَيْهِم ضربت كوساته وبوقاته فركض بِمن مَعَه وخالط الْقَوْم وَذَلِكَ فِي سوق الربض وَكَانَ لعسكر قلج أرسلان من فرسانهم ثَلَاثَة آلَاف فِي حِصَار الْحصن فحين وَقع الصَّالح تحادروا عَلَيْهِ وضايقوه وَمن مَعَه فَأَشَارَ إِلَى غُلَامه بِأَن يُعْطِيهِ قنطاريته فَنَاوَلَهُ إِيَّاهَا فَحمل عَلَيْهِم وَقَالَ إِنَّا الْملك المظفر ثمَّ طعن فَارِسًا فأرداه وَحمل أَصْحَابه فِي إثره فكسروا فُرْسَانًا فَلَمَّا نظر الْقَوْم إِلَى ذَلِك انْهَزمُوا من بَين يَدَيْهِ عَن آخِرهم وَوَقع الصَّالح بهم فَجعل يتبع بَعضهم بَعْضًا وَتركُوا خيامهم بِمَا فِيهَا من أثقالهم وَمِنْهُم من أَصَابَهُ بذلك واسر من مقدميهم بذلك جمَاعَة فَلَمَّا أصبح خلع عَلَيْهِم وَأعْطِي كل وَاحِد مِنْهُم فرسا يحملهُ وسير النجب من هُنَاكَ إِلَى السُّلْطَان والكتب تخبره بِمَا رزقه الله من النَّصْر وَالظفر بعسكر قلج أرسلان وَوَافَقَ ذَلِك مَا من الله تَعَالَى بِهِ على السُّلْطَان من ظفره
стр. 18
بالإفرنج فِي مرج عُيُون وسارت بذلك البشائر إِلَى بِلَاد الْإِسْلَام وسيرت كَلِمَات الشُّعَرَاء إِلَيْهِ من أقاصي الْبِلَاد وأدانيها فَمن ذَلِك كلمة أَمِين الدولة أبي الْفَتْح مُحَمَّد بن عبد الله التعاويذي الْبَغْدَادِيّ وَهُوَ من شعراء الدِّيوَان الْعَزِيز بِمَدِينَة السَّلَام سَيرهَا إِلَيْهِ فِي السّنة الْمَذْكُورَة إِلَى دمشق وَهِي
(إِن كَانَ دينك فِي الصبابة ديني ... فقف الْمطِي برملتي بيرين)
(والثم ثرى لَو شارفت فِي هضبه ... أَيدي الركاب لثمته بجفوني)
(وَأنْشد فُؤَادِي فِي الظباء معرضًا ... فبغير غزلان الصريم جنوني)
(ونشيدتي بَين الْخيام وَإِنَّمَا ... غالطت عَنْهَا بالظباء الْعين)
(لَوْلَا العدى لم أكن عَن ألحاظها ... وقدودها بحوازن وغصون)
(لله مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ قبابهم ... يَوْم النَّوَى من لُؤْلُؤ مَكْنُون)
(من كل تائهة على أترابها ... بالْحسنِ غانية عَن التحسين)
(خود ترى قمر السَّمَاء إِذا بَدَت ... مَا بَين سالفة لَهَا وجبين)
(غادين مَا لمعت بروق ثغورهم ... إِلَّا استهلت بالدموع شؤوني)
(إِن ينكروا نفس الصِّبَا فَلِأَنَّهَا ... مرت بِزَفْرَةٍ قلبِي المحزون)
стр. 19
(وَإِذا الركائب فِي الحبال تلفتت ... فحنينها لتلفتي وحنيني)
(يَا سلم إِن ضَاعَت عهودي عنْدكُمْ ... فَأَنا الَّذِي اسْتوْدعت غير أَمِين)
(أَو عدت مغبونا فَمَا أَنا فِي الْهوى ... لكمو بِأول عاشق مغبون)
(رفقا فقد عسف الْفِرَاق بِمُطلق ... العبرات فِي أسر الغرام رهين)
(مَالِي وَوصل الغانيات أرومه ... وَلَقَد بخلن عَليّ بالماعون)
(وعلام أَشْكُو والدماء مطاحة ... بلحاظهن إِذْ الْجمال ديوني)
(هَيْهَات مَا للبيض فِي ود امْرِئ ... أرب وَقد أربي على الْخمسين)
(وَمن البلية أَن تكون مطالبي ... جدوى بخيل أَو وَفَاء خؤون)
(لَيْت الضنين على الْمُحب بوصله ... لقن السماحة من صَلَاح الدّين)
(ملك إِذا علقت يَد بزمامه ... علقت بحيل فِي الْحفاظ متين)
(قاد الْجِيَاد معاقلا وَإِن اكْتفى ... بمعاقل من رَأْيه وحصون)
(وَأعد للأعداء كل مهند ... ومثقف ومضاعف موصون)
стр. 20
(سهرت جفون عداهُ خيفة ماجد ... خلقت صوارمه بِغَيْر جفون)
(لَو أَن لليث الهزبر سطاه لم ... يلجأ إِلَى غَابَ لَهُ وعرين)
(وَالْبَحْر لَو مزجت بِهِ أخلاقه ... لغدت مياه الْبَحْر غير أجون)
(وَالْأَرْض لَو شيبت بِطيب ثناه لم ... تنْبت سوى الخيري والنسرين)
(والدهر لَو أعداه حسن طباعه ... ماشين من أبنائه بضنين)
(قسما لقد فضل ابْن أَيُّوب الحيا ... بسماح كف بالنضار هتون)
(مخلوقة من سؤدد وندى وَقد ... خلق الْأَنَام سلالة من طين)
(يَا من إِذا نزل الْوُفُود بِبَابِهِ ... نزلُوا بجم من نداه معِين)
(أضحت دمشق وَقد حللت بجوها ... مأوى الطريد وموئل الْمِسْكِين)
(وغدت بعدلك وَهِي أكْرم منزل ... تلقى الرّحال بِهِ وَخير قطين)
(يثنى عَلَيْك المعدمون بهَا كَمَا ... تثنى الرياض على الساحب الجون)
(لَك عفة فِي قدرَة وتواضع ... فِي عزة وشراسة فِي لين)
стр. 21
(قسمت يَمِينك فِي الورى الأرزاق والآجال ... بَين منى وَبَين منون)
(وأريتنا بجميل صنعك مَا روى الراوون ... عَن أُمَم خلت وقرون)
(وضمنت أَن تحيى لنا أيامهم ... بالمكرمات فَكنت خير ضمين)
(كَاد الأعادي أَن يصيبك كيدها ... لَو لم تكدك برأيها المأفون)
(تخفى عداوتها وَرَاء بشاشة ... فتشف عَن نظر لَهَا مشفون)
(دفنت حبائل مكْرها فرددتها ... تذوي بغيظ صدورها المدفون)
(وَعلمت مَا أخفوا كَأَن قُلُوبهم ... أفضت إِلَيْك بسرها المخزون)
(كمنوا وَكم لَك من كمين سَعَادَة ... فِي الْغَيْب يظْهر من وَرَاء كمين)
(فهوت نُجُوم سعودهم وَقضى لَهُم ... بالنحس طَائِر جدك الميمون)
(فتمل دولتك الَّتِي حكمت لَهَا ... الأقدار بالتأييد والتمكين)
стр. 22
وَمِنْهَا بعد أَبْيَات يذكر فِيهَا حَاله ويصف من كَلمته
(وأقصد حمى ملك عَزِيز جَاره ... سامي الذؤابة شامخ الْعرنِين)
(واهد الثَّنَاء إِلَى أغر فسيح أقطار ... المحامد بالثناء قمين)
ذكر النُّزُول على بَيت الأحزان
وَذَلِكَ فِي شهر ربيع الآخر من السّنة
وَلما أحكم الفرنج خذلهم الله بِنَاء بَيت الأحزان فكر السُّلْطَان فِي نَفسه وَنَدم على مَا فرط فِي تَركهم فِي مبدأ الْأَمر فراسل الفرنج على أَن يهدموا الْحصن فَإِن ضَرَره يكون على الْإِسْلَام فَقَالُوا لَا سَبِيل إِلَى هَدمه فراجعهم على أَن يشرعوا فِي هَدمه
وَإِلَّا سرت إِلَيْكُم بعساكر الْإِسْلَام فَلَمَّا تحققوا عزمه وَعَلمُوا أَن لَا بُد لَهُ من ذَلِك قَالُوا
إِن كَانَ لَا بُد من ذَلِك فَأَعْطِنَا مَا غرمنا عَلَيْهِ من الْأَمْوَال فَإنَّا قد غرمنا عَلَيْهِ مَالا كَبِيرا فبذل لَهُم أَولا سِتِّينَ ألف فَلم يقبلُوا فَبلغ مَعَهم إِلَى أَن بذل لَهُم
стр. 23
مائَة ألف دِينَار فَلَمَّا سمعُوا ذَلِك داخلهم الطمع
وَكَانَ سَبَب ذَلِك الداوية فَإِنَّهُم كَانُوا يمدون من بالحصن بالأموال والنفقات وَجَمِيع مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فَلَمَّا رأى السُّلْطَان ذَلِك جمع الْأُمَرَاء من أَصْحَابه وأولي الرَّأْي والمشورة وعرفهم مَا ذكره الفرنج من امتناعهم وطمعهم وَهل يزيدهم مَالا فَقَالُوا الصَّوَاب أَن تعطيهم رضاهم من المَال ويهدم الْحصن فَقَالَ لَهُم مَا أفعل شَيْئا وَلَا أبرم أمرا إِلَّا بمشاورة ابْن أخي الْملك المظفر عمر وَكَانَ المظفر فِي حماة قد شرع فِي إصْلَاح قلعتها وتحصينها فَأرْسل السُّلْطَان إِلَيْهِ جمَاعَة من الْأُمَرَاء إِلَى حماة ليحضروا عِنْده ويستنيروا بِهِ ويأخذوا رَأْيه ويعرفوه مَا يكون عَلَيْهِ الْعَمَل فَلَمَّا وصل المنفذون إِلَى حماة حَضَرُوا بَين يَدَيْهِ وسلموا غليه كتاب السُّلْطَان وشاوروه فِيمَا أرْسلُوا بِهِ فَقَالَ
مَا آرى هَذَا رَأيا صَالحا ثمَّ كتب إِلَى السُّلْطَان كتابا يذكر فِيهِ إِن هَذَا الرَّأْي الَّذِي قد أزمعت عَلَيْهِ لَيْسَ بِشَيْء وَإِن الله تَعَالَى يَسْأَلك عَن إعطائهم هَذَا المَال وَأَنه قَادر على الْمسير إِلَيْهِم
والرأي أَن نصرف هَذَا المَال إِلَى الأجناد ونرغبهم فِي الْجِهَاد وتسير بعساكرك وتنزل عَلَيْهِ وَالله تَعَالَى فِي معونتك ونصرتك ثمَّ خلع على الْجَمَاعَة الَّذين جَاءُوا إِلَيْهِ وَأمرهمْ بالسير إِلَى السُّلْطَان فَلَمَّا وصلوا إِلَيْهِ سلمُوا إِلَيْهِ الْكتاب وعرفوه مَا قَالَ لَهُم شفاها فَقَالَ
هَذَا هُوَ الرَّأْي السديد ثمَّ أحضر الْأَمْوَال وأرسلها إِلَى سَائِر التركمان والأجناد فِي الْبِلَاد
стр. 24
وأنفذ التخوت وَالْخلْع والتشريفات وَالْخَيْل إِلَيْهِم حَتَّى جَاءُوا إِلَى سَائِر التركمان الَّذين هم غربي الْفُرَات وشرقيها وسلموا الْأَمْوَال إِلَيْهِم وَالْخلْع وَمَا عدا ذَلِك ورغبوهم فِي الْجِهَاد فسارعوا إِلَى أَمر السُّلْطَان وَجَاء مِنْهُم خلق كثير وَكتب إِلَى سَائِر الْأَطْرَاف والأمكنة فَاجْتمع عِنْده من الْأُمَرَاء والأجناد والتركمان أُلُوف كَثِيرَة وَسَار وَالِدي الْملك المظفر من حماة بجماعته مُتَوَجها إِلَى دمشق فَكَانَ وُصُوله إِلَيْهَا فِي أول يَوْم من شهر ربيع الآخر فسر السُّلْطَان بقدومه وَخرج لتلقيه وَأعد التركمان مَا احتاجوا إِلَيْهِ من الدَّقِيق وَغَيره وَجَمِيع مَا احتاجوا إِلَيْهِ ثمَّ أَمر النَّاس بالرحيل فَخرج فِي جَيش كالبحر الزاخر وَكَانَ خُرُوجه من دمشق يَوْم الْخَمِيس خَامِس شهر ربيع الآخر ونزوله على الْحصن يَوْم الثُّلَاثَاء حادي عشرَة قَرِيبا مِنْهُ وَكَانَ جَمِيع من حوله قد احتمى فِيهِ وغلقوا بَابه
ثمَّ إِن السُّلْطَان ركب بكرَة إِلَى ضيَاع صفد وَكَانَت قلعة صفد يَوْمئِذٍ للداوية فَأمر بِقطع كرومها وَحمل مَا هُنَاكَ من الأخشاب لعمل المنجنيقات وَعَاد إِلَى المخيم بعد الظّهْر وَخرج بعد الْعَصْر وَجمع الْأُمَرَاء وعارض برأيهم رَأْيه فَقَالَ لَهُ عز الدّين جاولي الْأَسدي
تَأذن لنا فِي الزَّحْف قبل الِاشْتِغَال بِنصب المجانيق حَتَّى نذوق قِتَالهمْ ونستعرض أَحْوَالهم فَرُبمَا تلوح لنا مِنْهُم فرْصَة فَقَالَ السُّلْطَان استخيروا الله وافعلوا مَا بدا لكم فَمشى النَّاس إِلَى الزَّحْف ودنوا من الباسورة
стр. 25
فتخاذل من كَانَ بهَا من الفرنج وانهزموا ودخلوا الْحصن وَأَغْلقُوا الْأَبْوَاب وأحاط النَّاس بِالْحَائِطِ وَملك وَالِدي الْملك المظفر الباسورة بِرِجَالِهِ وَبَاتُوا طوال اللَّيْل يَحْرُسُونَ والفرنج على شرافات الْحصن يرْمونَ بسهامهم ويتبعونها بشهب النيرَان وأصحابنا على الْحفاظ فَخرج جمَاعَة وَالسُّلْطَان يمدهُمْ وينجدهم وَكَانَ بعض المماليك قد سمع من وَرَاء الْبَاب صَوت الْحِجَارَة فَعلم أَن الفرنج يبيتُونَ خلف الْبَاب وَأَنَّهُمْ قد أوقدوا خلف كل بَاب نَارا ليحموا بهَا أنفسهم فَعلم حِينَئِذٍ ضعفهم فجَاء الْمَمْلُوك وَأعلم وَالِدي فتيقن وَالِدي أَخذ الْموضع وَأعلم السُّلْطَان بذلك فَبَاتَ النَّاس تِلْكَ اللَّيْلَة فِي أَشد جِهَاد
ثمَّ إِن السُّلْطَان فرق الْبناء على الْأُمَرَاء فَأخذ عمى عز الدّين فرخشاه الْجَانِب القبلي وَجمع عَلَيْهِ النقابين والحجارين وَجَاء الجاندارية وَرَاء
стр. 26
الجفاتي وَأخذ السُّلْطَان النقب فِي الْجَانِب الشمالي وأنهض إِلَيْهِ الحجارين
وَأخذ نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن شيركوه بِقُرْبِهِ نقبا ورتب السُّلْطَان الرُّمَاة على الخَنْدَق يمْنَعُونَ الفرنج من إِخْرَاج رُءُوسهم من وَرَاء ستائر السُّور فكم من جريح وطريح حَتَّى اسْتَقر النقابون فِي مواضعهم فَمَا زَالَت المعاول تعْمل والصخور تتخلخل حَتَّى استقامت النقوب فَمَا انْقَضى يَوْم الْأَحَد حَتَّى تمّ النقب السلطاني وعلق وحشى الْحَطب لَيْلَة الِاثْنَيْنِ وأحرق فَظن أَنه يتضعضع وَكَانَ النقب فِي طول ثَلَاثِينَ ذِرَاعا وَفِي عرض ثَلَاثَة أَذْرع وَكَانَ عرض السُّور تِسْعَة أَذْرع فَأصْبح النَّاس يَوْم الِاثْنَيْنِ والسور على حَاله لم يتضعضع فأشفقوا لذَلِك وَضعف يقينهم إِذْ لَا سَبِيل لَهُم إِلَّا تعميق النقب وتوسيعه للنيران الملتهبة فِيهِ فَأخْرج السُّلْطَان صرة فِيهَا ثَلَاثمِائَة دِينَار مصرية وَتركهَا على يَد عز الدّين جاولي وَقَالَ
من أَتَانَا بقربة من المَاء أعْطى دِينَارا وَكَانَ المَاء بِقُرْبِهِ فَرَأَيْت النَّاس يتسابقون بِالْقربِ والأوعية حَتَّى أطفؤوها وَبرد مَا كَانَ فِي النقب مِنْهَا فَعَاد النقابون وعمقوه وعلقوه وحشوه واستظهروا فِيهِ يومي الثُّلَاثَاء وَالْأَرْبِعَاء ثمَّ أحرقوه
وَوصل فِي ذَلِك الْيَوْم أَن الفرنج قد اجْتَمعُوا بطبرية بِجمع كثيف
стр. 27
وعالم كثير فماج النَّاس وأسرعوا من الضّيَاع فَلَمَّا أَصْبَحْنَا يَوْم الْخَمِيس الرَّابِع وَالْعِشْرين من الشَّهْر الْمَذْكُور وَقد تَعَالَى النَّهَار وَإِذا بالجدار قد انقض فتباشر النَّاس وضجوا بِالتَّكْبِيرِ والتهليل وتسابق النَّاس إِلَى الثلمة يركب بَعضهم بَعْضًا وَكَانَ الفرنج قد جمعُوا من وَرَاء ذَلِك الْجِدَار الْوَاقِع حطبا فَلَمَّا سقط رموا بِهِ نَارا ليحموا بهَا أنفسهم فَلَمَّا أَن سقط الْجِدَار دخلت الرّيح من تِلْكَ الثلمة عَادَتْ النَّار عَلَيْهِم وأحرقت الْبيُوت الدانية مِنْهَا فَاجْتمعُوا إِلَى الْجَانِب الْبعيد مِنْهَا وصاحوا
الْأمان وتسلق النَّاس الْجِدَار وأطلقوا أَيْديهم بِمن فِي الْحصن فَقتلُوا وأسروا وقيدوا وَجلسَ السُّلْطَان وأحضر عِنْده الأساري فَمن كَانَ مِنْهُم مُرْتَدا أَو راميا أَمر بِضَرْب عُنُقه وَكَانَ فِي الْحصن من الْمُسلمين فِي الْأسر نَحْو من مائَة أَسِير قد جمعوهم للعمارة وَقطع الْحِجَارَة واستبشر السُّلْطَان بِمَا من الله تَعَالَى عَلَيْهِ من النَّصْر وَفَرح النَّاس
وَاتفقَ لسعادته أَن رَسُول القومص كَانَ عِنْده فِي تِلْكَ السَّاعَة وَهُوَ يعاين مَا يجْرِي على أهل مِلَّته من الْبلَاء والهلاك وَكَانَ الْحر شَدِيدا فأنتنت أشلاء الْقَتْلَى فَأمر السُّلْطَان بتسيير البَاقِينَ من الأسرى إِلَى دمشق وَمُبشرا للنَّاس بِمَا أتاح الله تَعَالَى للْمُسلمين من الْفَتْح وَالظفر وَأقَام فِي مخيمه والأموات قد جافت وَقَالَ
لَا أَبْرَح من مَكَاني حَتَّى أهدم الْموضع فَقَسمهُ أذرعا على الْأُمَرَاء وَلم يزل مَكَانَهُ حَتَّى كمل خرابه وَكَانَ قد حفر الفرنج فِي أَعلَى التل جبا وَاسِعًا وَبَنوهُ بِالْحِجَارَةِ وأحكموه حَتَّى نبع معينه فَأمر السُّلْطَان بهدمه وطمه وَرجع إِلَى دمشق مؤيدا منصورا
стр. 28
وَكَانَ الْمقَام على الْحصن فِي أَيَّام فَتحه وَبعدهَا أَرْبَعَة عشر يَوْمًا وَحين دخل النَّاس إِلَى دمشق مرض أَكثر النَّاس مِمَّا أَصَابَهُم من نَتن ذَلِك الْموضع وَمَات جمَاعَة من الْأُمَرَاء
وَلما اسْتَقر السُّلْطَان بِدِمَشْق أَتَتْهُ التهنئة من النَّاس من كل مَكَان بِفَتْح الْحصن الْمَذْكُور وَمَا رزقه الله تَعَالَى من النَّصْر وَالظفر بالعدو وامتدحه جمَاعَة من الشُّعَرَاء فَكَانَ من جُمْلَتهمْ أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد الساعاتي الْخُرَاسَانِي من أهل دمشق امتدحه بِهَذِهِ القصيدة
(بحدك أعطاف القنا تتعطف ... وطرف الأعادي دون مجدك يطرف)
(شهَاب هدى فِي ظلمَة الشَّك ثاقب ... وَسيف إِذا مَا هزك الله مرهف)
(وقفت على حصن الْمَخَاض وَإنَّهُ ... لموقف حق لَا يوازيه موقف)
(فَلم يبد وَجه الأَرْض بل حَال دونه ... رجال كآساد الشرى وَهِي تزحف)
стр. 29
(وجرداء سلهوب وردع مضاعف ... وأبيض هندي ولدن مثقف)
(وَمَا رجعت أعلامك الصفر سَاعَة ... إِلَى أَن غَدَتْ أكبادها السود ترجف)
(كبا من أعاليه صَلِيب وبيعة ... وشاد بِهِ دين حنيف ومصحف)
وَمِنْهَا
(أيسكن أوطان النَّبِيين عصبَة ... تمين لَدَى أيمانها وَهِي تحلف)
(نصحتكموا والنصح فِي الدّين وَاجِب ... ذَروا بَيت يَعْقُوب فقد جَاءَ يُوسُف
ذكر غَارة عز الدّين فرخشاه على صفد
وَذَلِكَ فِي ذِي الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة
كَانَ عمي عز الدّين فرخشاه ذَا رَأْي سديد وفعال حميدة وَلما أَرَادَ الله تَعَالَى أَن يذل أهل صفد بغارته تِلْكَ جمع من رجال بانياس وَمَا حولهَا من الْأَعْمَال من جرت عَادَته بِالْحَرْبِ فَصبح صفد صباح الْأَرْبَعَاء ثامن عشر الشَّهْر فسبى وسلب وغنم غنيمَة كَبِيرَة وتوغل عَلَيْهِم فِي الربض فَأحرق مِنْهُ مَوَاضِع شَتَّى وَكَانَ قد أعجلهم عَن الالتجاء إِلَى القلعة فَأسر مِنْهُم جمَاعَة أثخن فيهم الْجراح وَعَاد منصورا إِلَى المخيم السلطاني
стр. 30
فصل من كتاب عَن السُّلْطَان إِلَى الرَّسُول بِبَغْدَاد فِي الْمَعْنى ورأينا أَن البدار إِلَى الْحُلُول بدارهم وإحلال الخزي بهم فِي تعجل دمارهم فرْصَة لفريضة الْجِهَاد منتهزة وعدة من الله تَعَالَى فِي قهر عداته منتجزة وغنيمة لِلْإِسْلَامِ محرزة ونصرة فِي أقرب أمد بأنجح أمل بعون الله موجزة لَا سِيمَا والصوارم قد قلقت فِي أغمادها واللهاذم قد علقت عرى اجتهادها فِي جهادها والعزائم قد رمضت مضَارب مظانها والسوابق قد ضمرت فِي مضمارها شوقا إِلَى إخرابها وَالْبيض والسمر قد اهتزت أعطافها إِلَى الانتشاء من طلاء الطلى والارتعاء فِي اكلاء الكلا والاكتساء من النجيع القاني محمر الْحلَل والحلى وألسنة الأسنة قد خطبت عقائل المعاقل وخطبت على أَعْوَاد العوامل الذوابل وطيور السِّهَام المبرية المريشة إِلَى أوكارها من الْمقل نازعة نازية والأقدار بِمَا تجْرِي بِهِ من نصْرَة الْإِسْلَام زاهية والمنايا بأماني المغرورين من أهل الشّرك هازية وهممنا الْعَالِيَة بدين الدّين متقاضية وَإِلَى حَاكم الْقَضَاء فِي اقتضائه مقاضية وَهَذِه سنة قد هبت فِيهَا النُّصْرَة من سنتها ومحت سَيِّئَة اللَّيَالِي بحسناتها وَبَلغت نعم الله تَعَالَى فِيهَا مُنْتَهى منتها وأظهرت فرْصَة الانتهاز لَهَا آيَة مكنتها وَمِمَّا يبرهن على هَذَا القَوْل ويبهر الْأَنَام بشكر هَذَا الطول مُقَدّمَة فِي النَّصْر يدل على أَن نتائجها الْفتُوح الْأَبْكَار وباكورة فِي الظفر سمح بهَا الْقدر تبشر بِأَن جرت بمساعفتنا الأقدار وَذَلِكَ أَن والدنا عز الدّين فرخشاه أَحْيَاهُ الله تَعَالَى وأبقاه نَهَضَ من الْعَسْكَر بِرَأْس المَاء فِي الْحَاضِرين بعسكرنا عِنْده واستصحب رِجَاله بانياس مَعَه وأغار على صفد بكرَة الْأَرْبَعَاء ثامن عشر ذِي الْقعدَة عِنْد سلخ الصَّباح فسَاء صباح الْمُنْذرين وَكَانُوا فِي مساكنهم غارين وبحصانتها مغترين فَأذن إقدامه بِشَتٍّ شملها وَدخل الْمَدِينَة على حِين غَفلَة من أَهلهَا وَسَقَى عطاش الْبيض وظماء الظبى من ورد وريدهم وَرَوَاهَا
стр. 31
وأحرق أرباضها فدمدم عَلَيْهِم رَبهم بذنبهم فسواها وأعجلهم عَن الالتجاء إِلَى القلعة والاحتماء بالتلعة فسفح ذَلِك السفح دِمَاءَهُمْ وسبى ذَرَارِيهمْ وَنِسَائِهِمْ وسَاق أغنامهم وأبقارهم وَخرب عَلَيْهِم بل أحرق دِيَارهمْ وأشعل تِلْكَ الْأَمَاكِن نَارا وأدركتها دَعْوَة نوح ﴿رب لَا تذر على الأَرْض من الْكَافرين ديارًا﴾ فَأَعَادَ عَلَيْهِم لَيْلًا ثَانِيًا بمثارين من نقع ودخان وَأقَام فِيهَا المأتم بنكايتين من أسر وإثخان وَعَاد إِلَى المخيم مشكور الخيم موفور النعم ظَاهر الرَّايَة باهر الْآيَة غَانِم الْجند غَالب الْجد كريم الظفر حميد الْأَثر وَقد كف كف الْكفْر وهد ركن النكر وسفرت وُجُوه الْإِسْلَام بِهَذِهِ الْبُشْرَى بشرا وَطَابَتْ قُلُوب الْمُؤمنِينَ وَطَابَتْ أرجاء الرَّجَاء بأرج نجاحهم بشرا فَهَذِهِ صفة صفد عِنْد النهضة إِلَيْهَا والإشراف عَلَيْهَا فَكيف وَالسُّيُوف قد طَابَ ريها من طبرية وعاينت هِيَ وَأَخَوَاتهَا منا البلية والقدس ينْتَظر إقدامنا ويستشرف اعتزامنا ونأمل من الله أَن ينجز ميعاد نَصره وَيفتح لنا الْبَلَد الْمَوْعُود بحصره فَحِينَئِذٍ نهيئ سلك السَّاحِل وتتبدد عقوده ونستلخص من أَيدي الْمُشْركين بعون الله تَعَالَى حُقُوقه وحدوده
وفيهَا توجه أَبُو يَعْقُوب يُوسُف بن عبد الْمُؤمن بِنَفسِهِ إِلَى بِلَاد إفريقية فَفتح قفصة وَحمل واليها على بن الْمعز بن المعتز ومسعود بن زِمَام أَمِير الْعَرَب وَرجع إِلَى المهدية
стр. 32
وَاقعَة شرف الدّين قراقوش المظفري
وَفِي هَذِه السّنة كَانَ خُرُوج شرف الدّين قراقوش إِلَى نَاحيَة طرابلس وحد نفوسة وَوصل إِلَى السويقة فِي الْيَوْم الرَّابِع من صفر من السّنة الْمَذْكُورَة وتلقاه أُمَرَاء ذُبَاب حميد بن جَارِيَة وَكَانَ عظيمهم وَرَئِيسهمْ المطاع وشكر بن ثاقب وَبدر بن هَدِيَّة وَفرج بن مُنَبّه وَعلي بن طلحاب وثائر بن روق وحبوس بن جماز وَجَمِيع بن مُوسَى ومناس بن عَمْرو وعريف بن سِنَان وَجَمَاعَة من مقدميهم يطول بذكرهم الْكتاب وَأَقَامُوا وإياه بالسويقة عشرَة أَيَّام يستحضرون الْقَبَائِل من ذُبَاب ويستحلفونهم على الْخدمَة والنصح وَسَار وإياهم حَتَّى نزل بر ليطن وَهِي قُصُور حَسَنَة على مرحلة من السويقة فِي وطاة كَثِيرَة الزَّيْتُون وعيون المَاء ورحل مِنْهَا فَنزل الطابية وَأقَام بهَا يَوْمَيْنِ ورحل عَنْهَا فَنزل لبدة وَأقَام بهَا ثَلَاثَة أَيَّام ورحل عَنْهَا فَنزل مسلاتة وَهِي جبل إِلَى نَاحيَة نفوسة فَأَقَامَ بهَا يَوْمًا وَاحِدًا وَنزل مِنْهَا إِلَى الوطا الَّذِي لبلاط طرابلس وانهالت عَلَيْهِ دباب من كل مَكَان حَتَّى صَار فِي خَمْسَة ألف مِنْهُم وَمَعَهُ من أَصْحَابه أَرْبَعمِائَة فَارس أتراك وأكراد وأكادش
стр. 33
وَكَانَ نَاصِر الدّين قد جمع زغب وانحاز إِلَى جبل نفوسة إِلَى نَاحيَة مَا عرمس وَترك شَرق جبل نفوسة خوفًا من شرف الدّين وَلم يزل شرف الدّين مُقيما بِتِلْكَ النواحي أَرْبَعَة عشر يَوْمًا وَتقدم إِلَى وَاد يُقَال لَهُ محسن فَنزل فِيهِ وقلعة أم الْعِزّ مطلة عَلَيْهِ فَأَقَامَ بِهِ يَوْمَيْنِ ثمَّ ارتحل بعجلة حميد بن جَارِيَة ولزه كثيرا فِي المصاف
وَبعد أَن جرى بَينه وَبَين حميد كَلَام كثير من جملَته أَن قَالَ لَهُ شرف الدّين
يَا أَمِير إِنَّمَا قصدي أَن أستفسد جمَاعَة من الأتراك الَّذين عِنْد إِبْرَاهِيم ويقل أَصْحَابه ونقوى عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ يَا شرف الدّين أَنا سُلْطَان إِن أَنْت أَقمت وَلم تتقدم علمت أَنَّك وَصَاحِبك متعاملان علينا وتريد أَن تصالحه وتصالح زغب وتكونون كلكُمْ علينا يدا وَاحِدَة فَقَالَ لَهُ شرف الدّين أرحل لأجل هَذَا الْكَلَام غير أَنَّك سترى أَصْحَابك وَقد تفللوا عَنْك وعادوا عَلَيْك وعلينا إِن جرى لنا أيسر سَبَب
وَكَانَ شرف الدّين خَائفًا من أَصْحَاب المبارز لِئَلَّا يخامروا فَأَرَادَ أَن يتَوَقَّف حَتَّى يستفسد من أَصْحَاب إِبْرَاهِيم جمَاعَة تكون خيرا لَهُ مِنْهُم وَمَا يبْقى عَلَيْهِ بَأْس وَالَّذِي خافه وَقع فِيهِ لأجل استعجال حميد لَهُ فَسَار بدباب ليلته وَنزل إِبْرَاهِيم وَاديا يُقَال لَهُ أرقطين وَأصْبح شرف الدّين بجمعه مُقَابلا لَهُ فَركب العسكران وَوَقع المصاف وحملت دباب على زغب فتأخرت قَلِيلا ووقف إِبْرَاهِيم وَكَانَ فِي القلبوقوفا جيدا وَكَانَ عَالما بإقدام شرف الدّين وَأَنه إِذا حمل لَا يرد رَأس فرسه فألبس تشاهيره لغلام لَهُ وأركبه فرسا كَانَ لَهُ أَشهب وَتَركه وَاقِفًا فِي مَوْضِعه
стр. 34
وحاد عَن وسط الطّلب الَّذِي لَهُ
قَالَ شرف الدّين عِنْدَمَا وقف طلب إِبْرَاهِيم وَسَأَلَ عَن حليته وإيش ملبوسه وَعَن فرسه الَّذِي هُوَ رَاكِبه فعرفوه بذلك فَقَالَ لمن يَثِق بِهِ لَا بُد لي من إِبْرَاهِيم فَحمل وَتَبعهُ من أَصْحَابه أَرْبَعُونَ فَارِسًا إِلَى أَن أخرق طلب إِبْرَاهِيم وزعزعه عَن مَكَانَهُ الَّذِي كَانَ فِيهِ وَلحق صَاحب الحصان الْأَشْهب الَّذِي عَلَيْهِ تشاهير إِبْرَاهِيم فطعنه فأرداه عَن فرسه وَهُوَ يظنّ أَنه إِبْرَاهِيم فَلَمَّا وَقع قَالَ لَهُ
زنهار يَا خوند فَقَالَ لَهُ
مَا أَنْت إِبْرَاهِيم فَقَالَ
لَا فبصق عَلَيْهِ وَقَالَ
شه عَلَيْك وانحرف
وَكَانَ أَصْحَاب المبارز سَبْعَة نفر قد طلبُوا التقفيز ومنعهم حُضُور شرف الدّين مَعَهم فِي الطّلب فَلَمَّا حمل وخلا لَهُم الْموضع قفزوا الْجمع وَمن مَعَهم مرّة وَاحِدَة وَكَانُوا يزِيدُونَ على مائَة فَارس وصاحوا
نَاصِر الدّين يَا مَنْصُور وصاروا قَرِيبا من طلبه فَردُّوا رُؤُوس خيولهم إِلَى نَاحيَة الْقِتَال فتراجع أَصْحَاب إِبْرَاهِيم وهم دباب وَقد قفزوا فظنوا أَن الْجَمِيع يَفْعَلُونَ كَمَا فعل أُولَئِكَ فانتشرت دباب وهم فِي خَمْسَة ألف فَارس وطلبتها زعب فَقلعت مِنْهُم جمَاعَة ووصلوا إِلَى أثقال شرف الدّين فانتهبوها وانتهبت مَعَهم أَيْضا دباب مَا قدرت عَلَيْهِ
وَلما رَأَتْ الأتراك مَا فعلته دباب خَافُوا الْقَتْل فقوم قفزوا وَقوم أخذُوا وَصَارَت الكسرة على شرف الدّين وَعَاد فَلم يجد ثقلا وَلَا شَيْئا
стр. 35
وَكَانَ لَهُ من الأثقال شَيْء عَظِيم وَلَقَد حَدثنِي من أَثِق بِهِ أَن شرف الدّين حلف لَهُ بِاللَّه تَعَالَى أَن الَّذِي كَانَ تَحت ثقله لنَفسِهِ ألفا وثلاثمائة جمل وَأما الأتراك فللواحد أَرْبَعُونَ جملا وَثَلَاثُونَ جملا وَأَقل وَأكْثر
وَأما شرف الدّين فَإِنَّهُ رَجَعَ إِلَى نَاحيَة محسن وَمَعَهُ مائَة وَأَرْبَعُونَ فَارِسًا من أَصْحَابه فَحسب كل مِنْهُم عَلَيْهِ درعه ولامة حربه وفرسه وَلم يبْق لوَاحِد مِنْهُم شَيْء يلْبسهُ وَلَا يَأْكُلهُ وَبَقِي حميد مَعَه مازال فَقَالَ لَهُ
يَا أَبَا عَسْكَر كَيفَ رَأَيْت حَدِيثي وَمَا فعله أَصْحَابك وقبيلتك غدروا بِنَا وَأخذُوا مَا لنا ودوابنا وَقد حضرت لنصرتهم وَلم يقدر أَن يَقُول لَهُ أَكثر من هَذَا فَقَالَ لَهُ حميد
لقد غدر الملاعين وَالله تَعَالَى ينْتَقم مِنْهُم ولابد من دَائِرَة تَدور عَلَيْهِم وَكَانَ حميد شجاعا بطلا فَارِسًا متكلما ممولا وَبَات بمحسن فأحضر لَهُ حميد وَمن كَانَ فِيهِ من الْعَرَب من دباب مَا أكلُوا ورد عَلَيْهِ إِنْسَان خيمة كَانَت لبَعض أَصْحَابه أَخذهَا فِي جملَة مَا أَخذه نضربوها لَهُ وَأصْبح راحلا طَالبا طرابلس الْمَدِينَة نَفسهَا وَقد ثاب إِلَيْهِ فِي اللَّيْل من أَصْحَابه قريب من أَرْبَعِينَ فَارِسًا وَصَارَ أَصْحَابه يتواصلون إِلَيْهِ مِنْهُم من أطلقهُ إِبْرَاهِيم وَمِنْهُم من كَانَ منحازا فوصل إِلَيْهِ وَنزل على تاجرة بلد قريب من مَدِينَة طرابلس فتحهَا وَأَخذهَا فنهب مِنْهَا أَمْوَالًا عَظِيمَة
فَلَمَّا رَأَتْ زعب أَن أَصْحَاب إِبْرَاهِيم لَا يبْقى مِنْهُم أحد أشاروا عَلَيْهِ بِأَن ينفذ إِلَى شرف الدّين ويصالحه وَيُعْطِيه شَرْقي نفوسه وَيَأْخُذ غربية فَعلم
стр. 36
أَن فِي ذَلِك الْمصلحَة فنفذ إِلَيْهِ وراسله فِي الْمُصَالحَة وَلم تزل المراسلة بَينهمَا إِلَى أَن اسْتَقر أَن يَأْخُذ شرف الدّين مقرة وعربان وقلعة أم الْعِزّ ويفرن وسماح وَيكون من سماح إِلَى غربي نفوسة لإِبْرَاهِيم وَمهما فتح كَانَ بَينهمَا فاختلفا على ذَلِك وأطلع شرف الدّين نِسَاءَهُ إِلَى قلعة أم الْعِزّ وَبقيت قلعة تيركب لإِبْرَاهِيم وَصَارَ شرف الدّين فِي الوطا يَأْخُذ الْبِلَاد أَخذ دواره وزواغة ولمايه وسيرة فِي كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ بِلَاد كَبِيرَة وَأقَام بَاقِي سنته فِي بِلَاد طرابلس وَأمنت دباب من غَارة إِبْرَاهِيم فَصَارَت فِي كل وَقت تسرق أَصْحَاب شرف الدّين وَمن لقوه من الأتراك مُنْفَردا قَتَلُوهُ وَعلم شرف الدّين غدرهم ونحسهم
وَكَانَت زغب قد غربت بعد أَن قَالَت لإِبْرَاهِيم
من الرَّأْي أَن تغرب مَعنا فَإِن شرف الدّين فِي قُوَّة وَهُوَ قَلِيل الْغدر مَا يَأْخُذ لَك شَيْئا من بلادك وتملك فِي الغرب مَوَاضِع وَتَأْخُذ أَمْوَالًا إِلَى أَن يتَبَيَّن شرف الدّين نحس دباب وغدرهم فَيَعُود إِلَى مصالحتك والاتفاق أَنْت وَهُوَ وَنحن وَنخرج دباب من الْبِلَاد فَأبى عَلَيْهِم فَمَضَوْا بعد أَن وَدعوهُ وداع من لَا يعود يلتقى
فَلَمَّا أحس شرف الدّين كَمَا ذكرُوا بغدر دباب ونحسهم وانهم قد أمنُوا من زغب وَإِبْرَاهِيم عزم على التَّغْرِيب إِلَى دمر وقطماطة وزريقا وَقَابِس وَمَا إِلَى تِلْكَ الْبِلَاد وَتوجه إِلَى دمر وَذَلِكَ فِي مُسْتَقْبل سنة سِتّ وَسبعين وَسَنذكر قصَّته فِي مَكَانهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 37
وفيهَا عزل سُلَيْمَان بن جاووش عَن نِيَابَة الوزارة وَسبب ذَلِك أَن أستاذ الدَّار أَبَا الْفضل كَانَ يكرههُ فَحسن للخليفة عَزله وَقَالَ
إِن هَذَا رجل قد كبر وَعجز عَن التَّدْبِير للدولة فَتقدم إِلَيْهِ يسْتَبْدل بِهِ من شَاءَ فَتقدم أستاذ الدَّار إِلَى مقرب الدّين بن بختيار بإحضار أبي المظفر هبة الله بن مُحَمَّد بن البُخَارِيّ فَأحْضرهُ لَيْلًا إِلَى دَار الْخَلِيفَة فبقى فِي الدَّار ثَلَاثَة أَيَّام وَلَا يعلم أحد ثمَّ أنفذ فِي الْيَوْم الثَّالِث فَأمر بعزل سُلَيْمَان بن جاووش فعزل من الدِّيوَان الْعَزِيز وَركب ابْن البُخَارِيّ فَجَلَسَ فِي الدِّيوَان نَائِب وزارة وأفردت لَهُ الدَّار الَّتِي كَانَت لِابْنِ هُبَيْرَة فِي المطبق فَكَانَ لَا يخرج عَن أوَامِر أستاذ الدَّار وَلَا ينْفَرد بِأَمْر دونه
وفيهَا تراخت الأسعار جدا وَكَثُرت الأمطار وأخصبت الْبِلَاد ونمت الزروع
وفيهَا أَمر الْخَلِيفَة بِالْخلْعِ والتشريفات على الْأُمَرَاء وأرباب الدولة وضاعف أرزاق المماليك وَغَيرهم
وفيهَا أَمر بِإِخْرَاج السرادق الشريف وَكَانَ سرادقا عَظِيما لم يعْمل مثله وَكَانَ من الأطلس الْمُخْتَلف الألوان وَأمر أَن يضْرب السرادق عِنْد الكشك الْجَدِيد قَرِيبا من الميدان وَأَن يخرج الْأُمَرَاء والمماليك وأرباب الدولة خيامهم فَتضْرب هُنَاكَ وَتقدم إِلَى أَرْبَاب الدولة أَن يتأهبوا للرُّكُوب فِي الْخدمَة الشَّرِيفَة وَأَن يحضروا إِلَى بَاب النَّصْر وَركب النَّاس لامتثال الْأَمر وَذَلِكَ فِي أول شهر ربيع الأول من السّنة وحضروا إِلَى بَاب النَّصْر فَفتح لَهُم وَخرج الخدم وتقدموا إِلَى الْأُمَرَاء وأرباب الدولة بِالدُّخُولِ إِلَى الْحرم وَأَن يكون مقامهم فِي
بُسْتَان الْأَرْبَعين فَدَخَلُوا وَكَانَ فِي جُمْلَتهمْ
стр. 38
الْأَمِير قَاسم بن مهنا الْعلوِي الْحُسَيْنِي أَمِير مَدِينَة الرَّسُول صلوَات الله عَلَيْهِ وَسَلَامه فَخرج الْخَلِيفَة وَعَلِيهِ جُبَّة بَيْضَاء وطيلسان أَبيض وَبَين يَدَيْهِ أستاذ الدَّار أَبُو الْفضل بن الصاحب والخدم وَبَين يَدَيْهِ عَن يَمِينه وَعَن شِمَاله فَقَامَ النَّاس وقبلوا الأَرْض وخدموا ودعوا وَكَانَ أَوَّلهمْ خدمَة جلال الدّين أَبُو المظفر بن البُخَارِيّ نَائِب الوزارة فَتقدم وَقبل الأَرْض ثمَّ قبل الركاب الشريف ثمَّ تلاه الْأُمَرَاء وأرباب الدولة فخدموا ودعوا والخليفة لَا يرد على وَاحِد مِنْهُم جَهرا وَلَا يسمع مِنْهُ منطقا حَتَّى تقدم الْأَمِير قَاسم أَمِير الْمَدِينَة فَقبل الأَرْض ثمَّ قبل الركاب الشريف ثمَّ دَعَا وَأحسن وأبلغ فِي دُعَائِهِ فَوقف لَهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ ورد ﵇ جَهرا وَرفع يَده فوضعها عَلَيْهِ وَأحسن لَهُ الْبُشْرَى ثمَّ مضى رَاكِبًا وَالنَّاس بَين يَدَيْهِ مشَاة حَتَّى خرج من بَاب النَّصْر فَأَشَارَ إِلَى أستاذ الدَّار أبي الْفضل بالركوب فَركب ثمَّ ركب بعده نَائِب الوزارة ثمَّ الْأُمَرَاء وأرباب الدولة وَسَار فَخرج إِلَى ظَاهر بَغْدَاد إِلَى أَن وصل إِلَى الميدان الَّذِي فِيهِ الكشك فَدخل إِلَيْهِ وَلم يدْخل مَعَه إِلَّا أستاذ الدَّار ابْن الصاحب ثمَّ دخل إِلَى الكشك فبقى فِيهِ ذَلِك الْيَوْم وَبَات فِيهِ
فَلَمَّا أصبح ركب فِي الميدان وَجعل يسير فِيهِ ثمَّ أذن للنَّاس من الْأُمَرَاء وأرباب الدولة بِالدُّخُولِ إِلَى الميدان فَدَخَلُوا فَكَانَ أستاذ الدَّار عَن يَمِينه وَابْن البُخَارِيّ عَن شِمَاله
ثمَّ إِنَّه خرج فِي يَوْمه ذَلِك إِلَى الصَّيْد وَمَعَهُ جمَاعَة الْأُمَرَاء والمماليك وَلم يخرج مَعَه من أَرْبَاب الدولة سوى أستاذ الدَّار ابْن الصاحب وَكَانَ فِي كل يَوْم يتصيد وَيرجع إِلَى الكشك فَلم يزل ذَلِك إِلَى يَوْم الْجُمُعَة فَتوجه إِلَى جَامع الرصافة لصَلَاة الْجُمُعَة وَكَانَ يَوْمًا مشهودا فَلَمَّا قضى صَلَاة الْجُمُعَة وَكَانَ الْخَطِيب يَوْمئِذٍ أَبُو الْفرج بن المنصوري أَمر أَن تهَيَّأ لَهُ
стр. 39
سمارية خَفِيفَة فَنزل بهَا وَسَار فِي دجلة والأمراء فِي السماريات بَين يَدَيْهِ يَسِيرُونَ فِي خدمته وَكَانَ الْخَلِيفَة جَالِسا فِي صدر السمارية فِي قبَّة سَوْدَاء وأستاذ الدَّار قَائِم بَين يَدَيْهِ وَكَذَلِكَ جمَاعَة
ثمَّ أَفَاضَ من كرمه على جَمِيع من كَانَ من اصحاب ابْن قرا أرسلان مَا لم ينْحَصر من مركوب وكراع وَثيَاب ومتاع وَغير ذَلِك وَعمل وَالِدي الْملك المظفر لِابْنِ قَرَأَ أرسلان دَعْوَة جميلَة أَيْضا وَحمل لَهُ عشرَة آلَاف دِينَار ثمَّ عمل نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن شيركوه ابْن عَم السُّلْطَان صَلَاح الدّين لَهُ دَعْوَة عَامَّة وأفاض عَلَيْهِ مَالا جزيلا وَكَذَلِكَ عمى عز الدّين فرخشاه عمل لَهُ دَعْوَة وأوسع لَهُ الْعَطاء وَلمن كَانَ مَعَه وَلم يزل السُّلْطَان هُنَاكَ فِي تِلْكَ الْأَيَّام يبْذل الْجُود فِي اقتناء المحامد إِلَى أَن وصلت رسل قلج أرسلان بِالطَّاعَةِ والإذعان لما أَرَادَهُ السُّلْطَان من أَمر نور الدّين بن قَرَأَ أرسلان وَكَانَ المنفذ من جَانِبه الْأَمِير اخْتِيَار الدّين حسن بن عفراس وَكَانَ كَبِيرا مقدما عِنْد ملك الرّوم وَكتب لَهُ السُّلْطَان عهدا أكد فِيهِ الشَّرَائِط بالِاتِّفَاقِ فِيمَا بَينهمَا وَانْصَرف هُوَ وَأَصْحَابه بالتحف وَالْخلْع والتشريفات الجميلة وَعَاد كل مِنْهُم إِلَى جِهَته
стр. 40
ذكر دُخُول السُّلْطَان
إِلَى بلد الأرمن ونزوله على حصن العانقر وفتحه
وَلما انْفَصل الْأَمر بَينه وَبَين قلج أرسلان توجه إِلَى بلد الأرمن لاستئصاله وَذَلِكَ أَن متملك الأرمن ابْن لاون استمال قوما من التركمان ليكونوا فِي مرَاعِي بَلَده وأمنهم على ذَلِك فَلَمَّا استقروا لم يشعروا بِهِ إِلَّا وَقد صبحهمْ بغدره فأسرهم واستحوذ على أَمْوَالهم وَكَانَت شكاية الْمُسلمين قد كثرت عَلَيْهِ من سوء أَفعاله بهم فَرَأى السُّلْطَان الأولى دُخُول ولَايَته فَسَار إِلَيْهِ بعساكره المنصورة وخيم على النَّهر الْأسود وأباحهم بِلَاد الأرمن وَكَانَ بِقُرْبِهِ حصن القابوس وعَلى ذَلِك الْجَبَل قلعة شامخة وَهِي من الْحُصُون الحصينة والمعاقل المنيعة وَكَانَ الأرمني قد أَمر أَهلهَا بالنزوح عَنْهَا وأضرمها نَارا فبادر النَّاس إِلَى إِخْرَاج غلاتها وإبراز مودعاتها فَانْتَفع الْعَسْكَر بالزاد والعلف وَأمرهمْ السُّلْطَان بهدم الْحصن وتخريبه فخربوه فَمَا برح حَتَّى صَار عاليه سافله وَعفى آثاره وَأقَام على عزم الدُّخُول إِلَى بِلَادهمْ وأذعن ابْن لاون
следующие страницы →