Полный текст (230 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
على وَالِدي الْملك المظفر رضوَان الله عَلَيْهِ وَشرح لَهُ جَمِيع مَا ذكره عماد الدّين فَمضى وَالِدي إِلَى السُّلْطَان وَشرح لَهُ مَا ذكره طمان فَقَالَ لَهُ صَلَاح الدّين إِن هَذِه الْمَوَاضِع الَّتِي ذكرهَا عماد الدّين قد جعلناها لَك مَعَ مَا قطع للفرات من الشرق من بِلَاد الجزيرة وأنعمنا بهَا عَلَيْك وَلَا سَبِيل إِلَى أَخذهَا مِنْك فَقَالَ المظفر تَقِيّ الدّين عمر يَا مَوْلَانَا إمض هَذَا الْأَمر فَإِنَّمَا غرضنا صَلَاح الْبَيْت فَقَالَ السُّلْطَان إِذا رضيت بِأخذ هَذِه الْمَوَاضِع مِنْك نعوضك عَنْهَا حلب وقلعتها وأعمالها
ثمَّ أحضر لسلطان الْأَمِير طمان وَكتب لَهُ خطه الْكَرِيم بالمواضع الْمَذْكُورَة وَحلف لَهُ على ذَلِك ثمَّ مضى من عِنْده تَمام ليلته فَسلم خطه إِلَى عماد الدّين وعرفه إنعام السُّلْطَان فِي حَقه فطابت نَفسه بذلك وَأمر بِفَتْح أَبْوَاب حلب ففتحت فَعرف الْأُمَرَاء بذلك والمقدمون مِنْهُم ذَلِك فَمنهمْ من خجل وَمِنْهُم من نَدم فَأرْسل السُّلْطَان إِلَيْهِم وَطيب نُفُوسهم وبذل لَهُم من إحسانه مَا استرقهم بِهِ
وَكَانَ تَسْلِيم حلب يَوْم السبت ثامن عشر صفر من سنة تسع وَسبعين وسأذكر نُكْتَة عَجِيبَة تدل على ذكر منقبة للسُّلْطَان ومكرمة نطق بهَا سر الْغَيْب الْمكنون على لِسَان القَاضِي مُحي الدّين بن الزكي قَاضِي دمشق وَذَلِكَ أَنه مدح السُّلْطَان بِأَبْيَات مِنْهَا
(وفتحكم حَلبًا بِالسَّيْفِ فِي صفر ... مُبشر بفتوح الْقُدس فِي رَجَب)
стр. 142
فَوَافَقَ فتح حلب كَمَا ذكره فِي صفر من سنة تسع وَسبعين كَمَا ذَكرْنَاهُ وَفتح الْقُدس فِي رَجَب من سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ
ذكر وَفَاة تَاج الْمُلُوك بوري ﵁
كَانَ السُّلْطَان قد عين يَوْمًا لضيافة عماد الدّين زنكي بن مودود وَأعد لَهُ من الألطاف والهدايا والتحف أَشْيَاء كَثِيرَة وَكَانَ ذَلِك فِي المخيم قبل انْتِقَاله إِلَى حلب واستقراره بالقلعة فَمد السماط واستدعى بعماد الدّين فَجَلَسَ إِلَى جنب السُّلْطَان فَبينا النَّاس فِي أسر سرُور إِذْ جَاءَهُ بعض حجابه فَأسر إِلَيْهِ بنعي أَخِيه تَاج الْمُلُوك فَمَا تضعضع لذَلِك وَلم يتَغَيَّر بشره وبشاشته وطلاقة وَجهه وَأمر سرا بتجهيزه وَدَفنه وَأعْطى تِلْكَ الضِّيَافَة حَقّهَا فَانْظُر إِلَى حلم هَذَا السُّلْطَان وَحسن صبره على بلائه واختبار الله تَعَالَى إِيَّاه
وَأما عماد الدّين زنكي بن مودود فَإِنَّهُ أَخذ خطّ السُّلْطَان بالمواضع الْمَذْكُورَة بعد عَهده وميثاقه وَخرج بعد وداعه مُتَوَجها إِلَى سنجار وَأقر مظفر الدّين بن عَليّ كوجك على مَا بِيَدِهِ من حران والرها
ذكر دُخُول السُّلْطَان إِلَى حلب ومقامه فِي قلعتها
كَانَ دُخُول السُّلْطَان إِلَى قلعة حلب يَوْم تَسْلِيمهَا إِلَيْهِ وَذَلِكَ يَوْم السبت ثامن عشر صفر وَحين اسْتَقر بهَا أَفَاضَ الْعدْل وَرفع الضرائب وَأسْقط المكوس وَتمّ لَهُ حِينَئِذٍ ملك الشَّام وَكتب إِلَى الْأَطْرَاف والجوانب لِاجْتِمَاع العساكر إِلَى الْجِهَاد وعول فِي الحكم وَالْقَضَاء بحلب على القَاضِي محيي الدّين
стр. 143
أبي الْمَعَالِي مُحَمَّد بن الزكي عَليّ الْقرشِي قَاضِي دمشق فَقضى وَحكم ورتب لَهُ فِيهَا نَائِبا القَاضِي زين الدّين نبأ بن الْفضل بن سُلَيْمَان الْمَعْرُوف بِابْن البانياسي
ذكر فتح حارم وَسبب تَسْلِيم حصنها
وَلما فتح السُّلْطَان حلب وَاسْتولى على مَا حولهَا من الْحُصُون والمعاقل والأعمال بقيت قلعة حارم مَعَ أحد المماليك النورية فَجعل السُّلْطَان يراسله وَهُوَ يشْتَرط عَلَيْهِ ويغالي فِي سومه وَكَانَ نقيبها حِينَئِذٍ مستوليا عَلَيْهَا وَمَعَهُ جمَاعَة فَخرج مَمْلُوك نور الدّين عَنْهَا كَمَا جرت عَادَته رَاكِبًا فغلق نقيبها دونه الْبَاب وشنع عَلَيْهِ بمصالحة الفرنج وأعلن من فِيهَا باسم السُّلْطَان فَبلغ السُّلْطَان ذَلِك فَركب من وقته وَسَار إِلَى حارم فتسلمها وَحضر النَّقِيب الَّذِي كَانَ بهَا وجماعته ليطلبوا من السُّلْطَان أَن ينعم عَلَيْهِم عوضا عَمَّا فعلوا
وَكَانَ بدر الدّين حسن بن الداية حَاضرا عَن السُّلْطَان فَقَالَ
يَا مَوْلَانَا هَؤُلَاءِ الْقَوْم فعلوا فِي حَقي كَذَا وَكَذَا وخربوا بَيْتِي ونقلوا عني
стр. 144
كل كَلَام قَبِيح وَقد علمت مَا فعلوا فِي حق هـ ذَا الْمِسْكِين وَأَغْلقُوا دونه بَاب القلعة وشنعوا عَنهُ مَا ذَكرُوهُ من مصالحة الفرنج وَلم يكن كَذَلِك فَإِن رآي مَوْلَانَا السُّلْطَان استخدامهم على هَذَا الشَّرْط فليستحفظ بهم فَضَحِك السُّلْطَان وَأمر بطردهم وَسلمهَا إِلَى أحد خواصه
وَأما حَدِيث صَاحب أنطاكية فَإِن السُّلْطَان حِين تسلم حارم اضْطربَ أمره وَوَافَقَ ذَلِك أَوَان انْقِضَاء الْهُدْنَة فَجَاءَت رسله بالخضوع والضراعة إِلَى السُّلْطَان وسير مَعَهم من أُسَارَى الْمُسلمين جمَاعَة كَبِيرَة إِلَيْهِ وانخذل الفرنج فِي جَانب الْقُدس خوفًا مِنْهُ وَبَدَأَ السُّلْطَان فِي تَقْرِير الْأَمَاكِن والقلاع وترتيب أحوالها
ذكر القلاع وَمن رتب فِيهَا
أما قلعة حلب فَإِنَّهُ جعل فِيهَا سيف الدّين يازكوج واليا وَولى الدِّيوَان العميد نَاصح الدّين إِسْمَاعِيل بن العميد
وَأما عين تَابَ فَإِنَّهُ أبقاها على صَاحبهَا وأنعم على بدر الدّين دلورم الياروقي بتل خَالِد مُضَافا إِلَى تل بَاشر قَضَاء لحق مسابقته إِلَى الْخدمَة
وَأما عزاز فَإِن عماد الدّين زنكي كَانَ قد أخربها لتتوفر قوته على حفظ حلب فَإِنَّهُ أقطعها للأمير علم الدّين سُلَيْمَان بن جندر وَشرع
стр. 145
صَلَاح الدّين فِي إِظْهَار الْعدْل وَإِزَالَة الْمَظَالِم وَكتب المناشير لأهل حلب بِرَفْع الضرائب والمكوس وجاءته كتب الْأَطْرَاف والجوانب بالتهنئة لَهُ بِفَتْح حلب
ذكر فُصُول مختصرة من كبت أصدرها السُّلْطَان إِلَى الْأَمْصَار والجوانب مبشرا بِفَتْح حلب وتملكها
فصل من كتاب إِلَى خطلبا وَإِلَى زبيد يذكر فِيهِ فتح حلب من إنْشَاء الْعِمَاد الْكَاتِب الْأَصْفَهَانِي
وَأما أحوالنا فقد تناسقت فِي النَّصْر وتناسبت فِي حمد الله تَعَالَى وَالشُّكْر وَقد سبقت المكاتبات إِلَيْك فِي شرح مَا شَاءَ الله من الْفتُوح وَسَببه وقربه لنا من الْأُمُور وهذبه فبلاد الجزيرة قد اسْتَقَرَّتْ فِي خدمتنا عساكرها ودانت لطاعتنا أكابرها وَأمر فِيهَا أمراؤنا وَولى بهَا أولياؤنا وَأصْبح ربضها إرضاء أَصْحَابنَا وانصرفت نوابها بِتَصَرُّف نوابنا وعنى ذَوُو عنادها وساد ذَوُو سدادها ومجدنا كرامها وَأَكْرمنَا أمجادها وروضنا بآلائنا مواحلها فَمَا ضرها أخلفها الحيا أم جادها وديار بكر لما قصر آمد أمدها وطالت يَد أيدنا بالطول فِي معاهدة تعهدها وَفتحت سوداؤها واخضرت ببركات أقدامنا فِي الْإِقْدَام غبراؤها بعد مَا اغبرت من مثار النَّقْع عِنْد نزولنا عَلَيْهَا خضراؤها وسكنت دهماؤها وانكشفت غماؤها وَصحت سماؤها وَصحت أسماؤها ووطئ بِسَاط الْخدمَة مُلُوكهَا الصَّيْد وَأقر بالعبودية لنا أحرارها الصناديد وَجِئْنَا إِلَى حلب فأسرجت لنا وألجمت شهباؤها وزينت لتزف علينا حسناؤها وأقامت بِعُذْر خفرها فِي تمنعها عذاؤها ودانت لأرضنا
стр. 146
فِي أرجائها سماؤها وَتحقّق فِي عرفنَا رجاؤها وأرجت بعرفنا أرجاؤها وَظهر حَقّهَا وخفى باطلها وتروض مَا حلهَا وتحلى عاطلها وعقل جاهلها وغنم عاقلها وانتظمت فِي سلك الممالك حصونها ومعاقلها وانضمت إِلَيْنَا عساكرها واستفاضت بِنَا مفاخرها وأطاعت عواصي عواصمها وامتلأت المغاني بمغانمها وَظَهَرت الْمَعَالِي فِي معالمها وَلم يبْق إِلَّا التوفر فِي الْجِهَاد من سَائِر الْجِهَات وانحاز غزات الله فِي النَّصْر على العداة وَالسَّعْي فِي تملك الْقُدس وافتتاحه وَتَحْصِيل مُرَاد الْإِسْلَام وَالنُّزُول على اقتراحه
فصل من كتاب آخر
وَلما تسلمنا حلب وتسنمنا قلعتها وفرعنا شهباءها وسكنا دهماءها وباكرناها بالإيلاف فألفيناها على الْبكارَة واجتلينا عروسها أفقية الإنارة روضية النضارة وزفت إِلَيْنَا حسناء لم يغلها الْمهْر وعقيلة أَلا نها لنا الدَّهْر فقر بِنَا سَرِير السرُور وصفى لأَهْلهَا حبير الحبور وتأصلت فِيهَا أروقة الْأُمُور وتوالت النعم من الله فِي وُفُود الوقور وتبلج صبح الْيُسْر وَوجه الْبشر بالإسفار والسفور وغض الظُّلم طرفه وكف العسف كَفه وَقبض الجوريده وأوضح الْعدْل جده وَحط الْحَظ لثامه وَأخذ الْأَمر نظامه وَوجد الشَّرْع أَحْكَامه وانجابت الظلماء وطلعت الشموس وانفرجت الغماء وَطَابَتْ النُّفُوس وأسقطت الْمَظَالِم وأطلقت المكوس واهتزت الأعطاف من سكر الشُّكْر حِين طافت من ألطاف الله على الْأمة الكئوس
فصل من كتاب آخر
صدرت الْمُكَاتبَة مبشرة بِمَا من الله بِهِ من الْفَتْح الْعَزِيز والنصر الْوَجِيز والنجح الحريز والموهبة الواهبة قُوَّة الِاسْتِظْهَار والعارفة الْمعرفَة زِيَادَة الاستنصار وَالنعْمَة الَّتِي جلت النعماء فَجلت وحلت فِي مذاق
стр. 147
الشُّكْر وحلت وعلت بإعلاء كلمة الدّين فأنهلت وعلت وطالت يَدهَا بالطول وبأياديها أطلت وَذَلِكَ فتح حلب الَّذِي در حلبه ونجح طلبه وَبلغ أمد الفلح غَلبه ووضح لحب هَذِه الدولة الْقَاهِرَة لحبه فَإِنَّهُ قد سكنت الدهماء مذ سكنت الشَّهْبَاء ونشرت بهَا بالْأَمْس أُخْتهَا السَّوْدَاء لما كَانَ لنا فِي فتحهَا الْيَد الْبَيْضَاء فاخضرت الغبراء وآلت أَلا نعبر بعْدهَا إِلَّا فِي سَبِيل الله الحضراء وتلاها فتح حارم الَّذِي انجلت بِهِ الداهية الْحَمْرَاء وعلت بالعواصم لقمع بني الْأَصْفَر رايتنا الصَّفْرَاء واهتزت طَربا إِلَى الْجِهَاد فِي أَيدي شائميها ومعتقليها الْبَيْضَاء والسمراء فقد زَالَ الشغب وأسفر عَن الرَّاحَة التَّعَب وخمد اللهب وَأخذت الْغُزَاة الأهب وشفت غيمة الرَّأْي بالمدى حلب وَقد اتّحدت كلمة الْإِسْلَام وعساكره وصدقت زواجره وربحت بالتنقل فِي الْأَسْفَار متاجره وَالْحَمْد لله الَّذِي ضاعف المنن وأضعف عَن شكرها المنن وَشَمل بالألفة الشمل وَأفضل بظهورنا وَأظْهر الْفضل
فصل من كتاب عَن السُّلْطَان إِلَى بعض أمرائه بإنشاء الْفَاضِل
صدر إِلَيْك هَذَا الْكتاب والأوامر بحلب نَافِذَة والرايات بأطواق قلعتها آخذة وَجَاء أهل الْمَدِينَة يستبشرون وَقد بلغُوا مَا كَانُوا يؤملون وأمنوا مَا كَانُوا يحذرون وَالْحَمْد لله على هَذَا الْمصير وعَلى مَا من بِهِ من هَذَا الطول الطَّوِيل فِي الزَّمَان الْقصير وَنحن نستنصر بِاللَّه مَوْلَانَا فَنعم الْمولى وَنعم النصير
فصل من كتاب آخر من إنشائه
إِن الله سُبْحَانَهُ يَسُوق مقاديره إِلَى مواقيتها ويؤلف من قُلُوب أهل طَاعَته على طواغي الْكفْر وطواغيتها وَيتم مَا سبق فِي مَشِيئَته من جمع كلمة هَذِه الْملَّة وتأليف مشيئتها وَمن ذَلِك مَا أنعم الله تَعَالَى بِهِ من فتح
стр. 148
مَدِينَة حلب سلما سفر فِيهَا وَجه الْإِسْلَام ورقى قلعتها سلما بِمَشِيئَة الله تَعَالَى إِلَى دَار السَّلَام
ذكر وُرُود بِشَارَة إِلَى السُّلْطَان وَهُوَ بحلب وَردت عَلَيْهِ من مصر تبشره بظفر أَخِيه الْملك الْعَادِل أبي بكر بطائفتين من الفرنج بحريّة وبرية
اتّفق وُرُود هَذِه الْبشَارَة من مصر إِلَى السُّلْطَان عِنْد فتح حلب تبشره بظفر الأسطول البحري وظفره ببطسة من الفرنج وَذَلِكَ أَنه نَهَضَ مغيرا فَعَاد بعد تِسْعَة أَيَّام وَقد ظفر ببطسة من الفرنج فِيهَا ثَلَاثمِائَة وَخَمْسَة وَسَبْعُونَ علجا من الفرنج فأسروهم جَمِيعًا وَأتوا بهم إِلَى مصر وَكَانَ ذَلِك فِي الْيَوْم الْخَامِس عشر من محرم من السّنة الْمَذْكُورَة
وَأما الظفر الثَّانِي الْبري وَذَلِكَ أَن عصبَة من الفرنج الَّذين كَانُوا بالداروم وَكَانُوا لَا يزالون ينهضون إِلَى أَمَاكِن بعيدَة ومواضع شاسعة يرومون غَفلَة من بهَا لأمنهم وبعدهم عَن ديار الشّرك فَنَهَضت مِنْهُم طَائِفَة مُغيرَة فاتصل خبرهم بِالْملكِ الْعَادِل سيف الدّين أبي بكر أَيْضا فأنهض إِلَيْهِم جمَاعَة من أبطال الْمُسلمين وَجَمَاعَة من أَصْحَابه وَقدم عَلَيْهِم سعد الدّين كمشبه وَعلم الدّين قَيْصر وسيرهم نحوهم فتوافى الْفَرِيقَانِ إِلَى مَاء يعرف بالعسيلة سبق الفرنج إِلَيْهِ فملكوه فَلَمَّا أقبل الْمُسلمُونَ وَقد اشْتَدَّ بهم الْعَطش ترجل الفرنج وآووا إِلَى جبل هُنَاكَ يعتصمون بِهِ فَحمل الْمُسلمُونَ عَلَيْهِم جملَة وَاحِدَة فَقَتَلُوهُمْ عَن آخِرهم وَلم ينج مِنْهُم إِلَّا رجلَانِ وَرجع
стр. 149
الْمُسلمُونَ برءوس عدوهم إِلَى مصر وَكَانَ ذَلِك فِي الْيَوْم الرَّابِع وَالْعِشْرين من محرم من السّنة الْمَذْكُورَة
ذكر رحيل السُّلْطَان من حلب إِلَى دمشق
وَلما رتب السُّلْطَان أُمُور حلب وأعمالهم وَذَلِكَ بعد مهادنة صَاحب أنطاكية ودخوله تَحت أوَامِر السُّلْطَان وضراعته لذَلِك أَمر عساكره بالرحيل وَكَانَ فِي جمع جم وعسكر كثيف واستصحب مَعَه عَسَاكِر الجزيرة وحلب فَكَانَ أول منزلَة نزلها بحاضر قنسرين حَتَّى تكاملت العساكر ثمَّ رَحل إِلَى تل السُّلْطَان وَمِنْه إِلَى الجهاب
ثمَّ رَحل النَّاس مُتَفَرّقين مِنْهُم على طَرِيق المعشرية وَمِنْهُم على طَرِيق يمْنَع
وَلما وصلنا إِلَى حماة أَمر وَالِدي الْملك المظفر بإحضار سماط لضيافة السُّلْطَان واسبغ من إحسانه على جمَاعَة من الْأُمَرَاء والأجناد ورتبنا أَحْوَال حماة ورحلنا مِنْهَا فنزلنا الرستن ثمَّ رحلنا إِلَى حمص فَضرب السُّلْطَان مخيمه على عاصيها ورحل مِنْهَا فَنزل الزِّرَاعَة ثمَّ إِلَى اللبوة ورحلنا مِنْهَا فنزلنا بعلبك ثمَّ رحلنا مِنْهَا متوجهين إِلَى دمشق فنزلنا قَرِيبا مِنْهَا ثمَّ توجهنا إِلَيْهَا وَخرج أَهلهَا للقائنا ودخلنا إِلَى دمشق وَقد استبشر النَّاس لقدومنا فَلم يلبث السُّلْطَان بِدِمَشْق سوى يَوْمَيْنِ وَأمر النَّاس بِالْخرُوجِ إِلَى الْجِهَاد لغزاة بيسان
стр. 150
ذكر غزَاة بيسان
كَانَ سَبَب رحيل السُّلْطَان من دمشق اغتناما لمن كَانَ مَعَه من العساكر فَسَار بعساكره مجدا فِي سيره منزلا منزلا إِلَى أَن قطع الْأُرْدُن وَكَانَ عبورنا فِي مخاضة الحسينية وَذَلِكَ يَوْم الْخَمِيس تَاسِع جمادي الْآخِرَة فَلَمَّا وصلنا إِلَى بيسان وجدناها وَقد أخلاها أَهلهَا وَخَرجُوا مِنْهَا خوفًا منا وَكَانَ قد تقدّمت مقدمتنا فَوَقَعت على خيل وَرجل من الفرنج وَكَانَ مقدمهم ابْن هنفري فأوقعوا بهم فَقتلُوا راجلهم وأسروا جمَاعَة من فرسانهم وفر ابْن هنفري
وَوصل الْخَبَر بِأَن الفرنج الملاعين قد جمعُوا فرسانهم وَأَنَّهُمْ ناهضون إِلَيْنَا فَبينا نَحن كَذَلِك وَإِذا جموعهم قد أَقبلت وَكَانُوا فِي ألف وَخَمْسمِائة رمح وَمثله تركبلي وَخَمْسَة عشر ألف راجل بِالْعدَدِ الْكَامِلَة فَلَمَّا قربوا منا رجفوا كالأسود الضواري فنبذنا إِلَيْهِم الجاليشية فجالت أمامهم وعبينا الأطلاب
فَلَمَّا رآى الفرنج عَسَاكِر الْإِسْلَام داخلهم الرعب وأخلدوا إِلَى الأَرْض والتجأوا إِلَى الْجَبَل وجعلوه ظهْرهمْ وخندقوا حوله خَنْدَقًا وَأَقَامُوا على ذَلِك
стр. 151
خَمْسَة أَيَّام آخرهَا يَوْم الْأَرْبَعَاء خَامِس عشر جمادي الْآخِرَة فِي أضيق حَال يتوقعون نزُول الْهَلَاك بهم وَنحن نتوقع فِي كل يَوْم مِنْهُم الحملة الَّتِي هِيَ عَادَتهم والمغيرون من أَصْحَابنَا فِي كل يَوْم يشنون الْغَارة فِي بِلَادهمْ فيغنمون ويسبون وَيقْتلُونَ وَيَأْسِرُونَ فَلَمَّا رأيناهم لَا يبرحون وَلَا يحملون رحلنا عَنْهُم فَاشْتَدَّ راجلهم لكَي يحملوا فَرجع عَلَيْهِم وَكَانَ ذَلِك يَوْم الْخَمِيس سادس عشر الشَّهْر الْمَذْكُور فَمَا صدقُوا حَتَّى خَرجُوا من موضعهم منهزمين على أَعْقَابهم يتبع بَعضهم بَعْضًا ورجعنا ظافرين بغنائمهم وَمن أسر مِنْهُم وَشرع السُّلْطَان من وقته ذَلِك فِي غزَاة الكرك
ذكر غزَاة الكرك
وَلما رَجَعَ السُّلْطَان من غزَاة بيسان منصورا غانما جعل طَرِيقه إِلَى جِهَة بَاب من أَعمال الشراة وَنزل بأذرعات وَاسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ أَهلهَا الْمُسلمُونَ فَأَمنَهُمْ وَكَانَ ساكنو تِلْكَ الديار مُسلمين من قديم الزَّمَان وتربى أَوْلَادهم مَعَ الفرنج
ثمَّ خيمنا على الْبَريَّة وَضَاقَتْ تِلْكَ الأودية بالعساكر ثمَّ نزلنَا على حِصَار الكرك وَأمر السُّلْطَان بِنصب المجانيق فَنصبت فرمينا من بهَا بِالْحِجَارَةِ وَطَالَ ذَلِك ثمَّ تحول السطان إِلَى الربض فَنزل بدار الرئيس وحرض النَّاس على الْجِهَاد وَكَانَ غَرَضه بالانتقال إِلَى هُنَا ليقرب من
стр. 152
المنجنيقات المنصوبة ليشاهد مواقع النكاية فِي القلعة ورتب السُّلْطَان مَعَ ذَلِك نوبَة الرُّمَاة فَمَا كَانَ أحد يقدر أَن يخرج رَأسه من بَين الشراريف فَبينا نَحن كَذَلِك إِذْ وصل الْخَبَر باجتماع الفرنج فِي الْموضع الْمَعْرُوف بالواله فَقَالَ السُّلْطَان هَذَا حصر يطول وَقد ضايقنا الْحصن وَمن فِيهِ وسلبنا أَعماله وَهَذِه نوبَة لَا يخْشَى فَوَاتهَا وَمَا نزال بعون الله تَعَالَى نعاود هَذَا الْحصن ونزوره حَتَّى يسر الله فَتحه والآن فَإِن الفرنج قد تحاشدوا واجتمعوا فَلَا يفرق جمعهم إِلَّا جَمعنَا وَبَقِي الْحصار دَائِما إِلَى انْقِضَاء شهر الله الأصب رَجَب وَالسُّلْطَان مَعَ ذَلِك مشتغل بعمارة الْبِلَاد وتدبير الممالك وَذَلِكَ عِنْد وُرُوده إِلَى الكرك استدعى أَخَاهُ الْملك الْعَادِل سيف الدّين أَبَا بكر من مصر ليعول عَلَيْهِ بِولَايَة حلب ويقلد وَالِدي الْملك المظفر ابْن أَخِيه ولَايَة الْبِلَاد المصرية
ذكر ولَايَة وَالِدي الْملك المظفر رضوَان الله عَلَيْهِ مصر وأعمالها وتقليده إِيَّاهَا
وَلما وصل الْملك الْعَادِل من مصر إِلَى الكرك طلب من السُّلْطَان ولَايَة حلب وأعمالها وَقد سبق وعد السُّلْطَان بهَا لوالدي فأنعم السُّلْطَان لِأَخِيهِ بحلب وأعمالها وأنعم لوالدي ابْن أَخِيه بِولَايَة الديار المصرية وَحكمه فِيهَا وَالَّذِي أعْطى وَالِدي الْملك المظفر ﵀ بِمصْر فَمن ذَلِك الْبحيرَة جَمِيعهَا بِمصْر وَهِي بِأَرْبَع مائَة ألف دِينَار والفيوم وَهُوَ بثلاثمائة ألف دِينَار وقاي وقايات وبوش وَهِي بسبعين ألف دِينَار
стр. 153
ثمَّ عوض عَن بوش بسمنود والواحات وَهِي بستين ألف دِينَار وفوة والمزاحمتين وَهِي بِأَرْبَعِينَ ألف دِينَار وحوف رمسيس وَهُوَ بِثَلَاثِينَ ألف دِينَار وَكَانَ لَهُ فِي كل شهر على الْإسْكَنْدَريَّة ألف وَخمْس مائَة دِينَار وَحكمه على جَمِيع مصر وَالْولَايَة بأسرها وَصَرفه فِيهَا تصرف الْملاك وَكتب لَهُ بذلك تقليدا وَذَلِكَ فِي شعْبَان من السّنة
وَهَذِه نُسْخَة المنشور
الْحَمد لله المتعالي جَلَاله المتوالي أفضاله الْقَدِيم كَمَا لَهُ العديم مِثَاله نحمده على إحسانه الْعَظِيم نواله العميم اتِّصَاله ونسأله أَن يُصَلِّي على سيدنَا نبيه مُحَمَّد الْمُصْطَفى الفصيح مقاله الفسيح فِي الشَّرْع مجاله الشَّفِيع المقبول فِي الْأمة سُؤَاله وعَلى آله وَصَحبه الَّذين هم نُجُوم الْهدى وأنصار الْحق وَرِجَاله أما بعد فَإنَّا مُنْذُ استودعنا الله ملك بِلَاده واسترعانا أَمر عباده وَمكن لنا فِي الأَرْض وَبسط أَيْدِينَا بالبسط وَالْقَبْض وأقدرنا فِي ممالكه على العقد والحل والإبرام والنقض وملكنا زِمَام الزَّمَان بِالْأَمر وَالنَّهْي ونهج لنا وبنا سبل ارشاد وَعفى طرق الغي وناط الْهدى بتوفيقنا وأماط الضَّلَالَة عَن ملكنا فَهُوَ للإحكام وَهِي للوهى وأعز بنصرنا الْإِسْلَام وأداله وأذل الْكفْر وأزاله وَثَبت الْحق ومكنه وَنفى الْبَاطِل وأزاله نفترض أَدَاء شكر نعْمَته وَإِن كُنَّا معترفين بالقصور عَن أَدَائِهِ وَنرعى لَهُ فِي بِلَاده وعباده حق مَا خصنا بِهِ من عُمُوم استرعائه فَلَا يسترعيها من
стр. 154
الْوُلَاة إِلَّا أولاهم برعاية الرّعية وَأكْرمهمْ للتقوى الَّتِي تقوى بهَا المكارم وتوقي المكاره وأحكمهم فِي الرَّأْي الَّذِي يَصح وَيصِح بِهِ فِي الْأُمُور الْمُحكم والمتشابه وأقومهم على سنتنا على إِقَامَة فروض الْعدْل وسننه وأعرضهم بِحَق إنعامنا فِي تقبل منحه وتقلد مننه وأطولهم فِي الطول باعا وأفضلهم اتساقا فِي المنائح واتساعا واسماهم فِي بقاع العلى ارتفاعا وأولاهم لأبكار المحامد والمفاخر افتراعا وأجلاهم فِي مَشَارِق السَّعَادَة طلوعا وأجلهم على واجباتها اطلاعا وأبذلهم فِي الْجِهَاد اجْتِهَادًا وَأَكْثَرهم فِي سداد الثغور الإسلامية سدادا حَتَّى تعود الْولَايَة بإيالته منتظمة الْعُقُود والمملكة ببهجته مبتسمة السُّعُود والسياسة بنضرة نظره مورقة الْعود والمصالح بصوب صَوَابه مصوبة الْمعَاهد ونصل النَّصْر بمضاء مضاربه مغمودا فِي مفارق الْأَعْدَاء مفارقا للغمود وتمحو أيامنا الْبيض بتوليته سيئات اللَّيَالِي السود وَلما كَانَ ولدنَا الْأَجَل الْملك المظفر تَقِيّ الدّين أدام الله علوه وضاعف رفعته وسموه ذَا الْمجد الشامخ وَالْجد الباذخ والرأي الرَّاجِح الراسخ وَالْعدْل المجير الْمُجيب استصراخ الصَّارِخ والإصابة الَّتِي تقصر عَنْهَا خطى الخطوب الخاطية وَالْقُدْرَة المتوالية الَّتِي لَدَيْهَا العظائم ذَوَات الأقدار المتواطية والشيمة الزكية الذكية الَّتِي تضوع نشرها المتأرج وتوضح نشرها المتبلج وشيم عَارض كرمها المتوج ورجى بَحر سماحها المتموج والمناقب الَّتِي أشرقت زواهرها فِي سَمَاء السمو وَأَلْقَتْ أزهارها فِي رياض النمو وتليت آيَات مدائحها بِلِسَان الْعَدو وجليت عرائس محاسنها فِي مطالع الْعُلُوّ والبسالة الَّتِي فرق جموع الْأَعْدَاء بأسها الشَّديد وثلم حد الْكفْر حَدهَا الْحَدِيد وَأَعْلَى جد الْإِسْلَام جدها الْجَدِيد وهد ركن الْمُنكر ركن عرفهَا المشيد وَهُوَ مقتد بسنتنا العادلة فِي إحْيَاء سنة الْعدْل وتقوية بنية الْفضل وَرفع منار الشَّرْع الْمُنِير وَأَعْلَى معالم الْمجد الأثيل الْأَثِير وخفض جنَاح الرَّحْمَة للصَّغِير وَالْكَبِير وإسعاف الْعَافِي وإعانة العاني وإغاثة المستجير وقلدناه ولَايَة الممالك والبلاد والثغور والديار المصرية وعذقناها
стр. 155
بكفايته وأوليناها النظام بولايته حليناها بحلية إيالته وعولنا عَلَيْهِ سياسة مملكتها وحماية حوزتها والذب عَن بيضتها وفوضنا إِلَى نظره أمورها وجلونا فِي آفَاق تدبيراته الْمُوَافقَة الموفقة الموفقة نورها
وأمرنا كَافَّة الْأُمَرَاء والنواب والعساكر المنصورة المصرية على اخْتِلَاف طبقاتهم وتفاوت درجاتهم بامتثال أمره والانقياد لحكمه وَالتَّصَرُّف على رسمه والحضور إِذا طَلَبهمْ والهبوب إِذا ندبهم فَإنَّا عضدنا بِهِ سلطاننا وأمضينا سَيْفه إِذا اقتضته حُدُود الله تَعَالَى فِي الْآجَال وأطلقنا قلمه فِي الأرزاق الَّتِي يجيزها الله تَعَالَى لكافة الْأَوْلِيَاء وَالرِّجَال وفوضنا إِلَيْهِ هَذِه الْبِلَاد تفويضا مَاضِيَة أَحْكَامه متسق نظامه مَوْصُولَة بِمَشِيئَة الله تَعَالَى أَيَّامه ووليناه إِيَّاه تَوْلِيَة من قد عرف قِيَامه بِحَق الْولَايَة وانتهاءه فِي مصَالح الْإِسْلَام إِلَى الْغَايَة وانتظام خلاله الْكَرِيمَة بِشُرُوط الْكِفَايَة وَالْكَفَالَة وإضاءئه فِي قَضَاء الْفَضَائِل بالْحسنِ وَالْحُسْنَى من الْحِلْية وَالْحَالة وتوفره على الْجِهَاد فِي سَبِيل الله بحرا وَبرا بتجهيز أساطيله وكتائبه واعتماد كل مَا يدل مِنْهُ على مزِيد الشُّكْر فِي استمداد مزِيد مواهبه وقيامه بِتَوْفِيق الله الْمعد لَهُ وكشفه بِالرَّأْيِ الثاقب مهمات الخطوب المشكلة وَبسط الْيَد وَالْقَوْل فِي العارفة والعاطفة للأولياء بِالنَّبلِ واللين وانتضاء سَيْفه وَسَوْطه فِي السطو على الْأَعْدَاء لاقْتِضَاء دين الدّين حَتَّى تعلو كلمة الْإِسْلَام وَتثبت وَحَتَّى تنْبت عروق الْكفْر من أَرض الله وتنبت وَحَتَّى تكْتب المذلة على العداة فتكبت وَحَتَّى تجمع الْقُلُوب والألسنة على محبته وشكره وتتفق الكافة على الائتمار لطاعة أمره وَنحن نسْأَل الله تَعَالَى أَن يوفقه ويسدده وَأَن يعضدنا بِهِ ويعضده ويؤيدنا بِحسن تَدْبيره وَيُؤَيِّدهُ والمستقر لَهُ من إقطاعه مَا أثبت فِي الدِّيوَان ذكره وَبَين فِي هَذَا المنشور قدره وَهُوَ مَا سبق ذكره فليتول نعْمَة الله تَعَالَى بالشكر الَّذِي يرتبطها وَبسط الْيَد الَّذِي ينشر عَلَيْهِ ويبسطها ونشاط الهمة الَّذِي يطلقهَا من عقال التَّوَقُّف وينشطها مستمسكا
стр. 156
من التَّقْوَى بأوثق عُرْوَة عاقدا بهَا من حب بذل الحباء أصدق حبوة فائزا من النَّصْر بالنجح فِي مغازيه ومساعيه بأوفق خطْوَة ساميا من الْعِزّ وَالْجَلالَة والمهابة على أسمق ذرْوَة مؤيدا من الله بالتسديد فِي صرف كل حطب وتصريف كل خطْوَة
ثمَّ توجهنا إِلَى مصر بالعسكر الْمصْرِيّ وَذَلِكَ فِي شعْبَان بِمُقْتَضى المنشور فَسَار فِيهَا أحسن سيرة محمودة وَأقَام فِيهَا منار الْعدْل بأتم سياسة
ذكر ولَايَة الْملك الْعَادِل سيف الدّين حلب قلعتها وأعمالها
وَكتب لَهُ أَيْضا منشور وَذَلِكَ فِي شعْبَان من السّنة ونسخته
الْحَمد لله ذِي السُّلْطَان القاهر وَالْإِحْسَان الظَّاهِر والامتنان الوافر والبرهان الباهر نحمده على إنعامه المتضاعف المتظاهر وإفضاله المتوافد المتوافر حمدا يُؤذن بالمزيد للشاكر ونسأله أَن يُصَلِّي على سيدنَا نبيه مُحَمَّد الْمُصْطَفى ذِي الشَّرْع الطَّاهِر والنور الزَّاهِر وَآله الأكارم الأكابر ذَوي المفاخر والمآثر ونسلم تَسْلِيمًا كثيرا أما بعد فَإِن لله عندنَا نعما إِن نعدها لَا نحصيها ومننا قد جمع الله لنا بشمولها الدَّائِم شَمل أعمها وأخصها ومواهب وَاضِحَة الْمذَاهب فِي التواصل والتناصر ومنائح متظاهرة العوادي والروائح فِي التوافد والتوافر وأيادى مَلَأت الْأَيْدِي والآمال نجاة ونجاحا وعوارف عمرت منا وَمن أوليائنا الصُّدُور والقلوب انشراحا وارتياحا وَلَقَد أَتَانَا من الْملك مَا قَامَت لنا بِالْحَقِّ حجَّته ووضحت فِي نهج السَّعَادَة بنجح الْإِرَادَة محجته وأيدنا عَلَيْهِ بالنصر الْمَاضِي النصل والعز الْجَامِع
стр. 157
الشمل حَتَّى أذلّ لنا رِقَاب الْأَعْدَاء ومهد لنا وبنا أَسبَاب الْوَلَاء وملكنا قياد الْعباد وكف عَنَّا وبنا عنان ذَوي العناد وَجعل سُيُوفنَا وأقلامنا للأقاليم أقاليد وَفرق جموع الْكفْر ببأسنا أشتاتا عناديد بالفتوح الْأَبْكَار بصوارمنا الذُّكُور افتضاضها واقتضاؤها والحتوف نَحْو الْكفَّار بعزائمنا الْمُصِيبَة الْمضَارب فِي ضرب الْهَام وَطعن النحور انتهاضها وانتهاؤها وثغور الْإِسْلَام عَن ثنايا الثَّنَاء علينا ضاحكة الثغور وأوامرنا فِي إعلاء أَعْلَام الدّين منتظمة الْأُمُور وَالْجهَاد من جَمِيع جِهَات ممالكنا برا وبحرا متسق الجموع والتوحيد لقمع أهل التَّثْلِيث ثَابت الْأُصُول نامي الْفُرُوع وَالْحَمْد لله عودا بعد بداء على مَا وَالَاهُ من نعمه وأولاه وَأَعَادَهُ من منحه بَعْدَمَا أبداه ﴿رب أوزعني أَن أشكر نِعْمَتك الَّتِي أَنْعَمت عَليّ وعَلى وَالِدي وَأَن أعمل صَالحا ترضاه﴾ وَمن جملَة نعم الله سُبْحَانَهُ وأجملها وقوعا وأجلاها فِي الْجَلالَة طلوعا وأجدرها منا بالإخلاص وَالْحَمْد وَأَشْرَفهَا لنا فِي مطالع السعد وأوجبها لفرض الشُّكْر وأحراها بدوام الإشاعة والنشر أَنه شدّ أزرنا بأخينا الْملك الْعَادِل سيف الدّين نَاصِر الْإِسْلَام أبي بكر أدام الله علوه ورفعته وسموه وَنعمته وَبسط يَده وأيد بسطته ذِي الباع الطَّوِيل والطول الجزيل والصدر الرحيب والرأي الرَّاجِح الْمُصِيب وَالْجد المنيف الْمُنِير والأناة والحزم والثبات وَالْقَبُول الَّذِي وفر لَهُ فِي الْقُلُوب مواد المودات والجود الَّذِي ينهل جوده بإسعاف العافين من سَمَاء السماح والعاطفة الَّتِي تلْحق الراجين جنَاح النجاح والعارفة الفارعة والمعرفة الصادعة والهمة الصادقة والمهابة الرائعة الرائقة والسياسة الجامعة الْمَانِعَة والبسالة الَّتِي زلزل الْكفْر بأسها وتقوضت بهَا قَوَاعِد الْبِدْعَة وأساسها وَالتَّدْبِير الْمُوَافق فِي حفظ الممالك ونظم عقودها وَالنَّظَر الصائب الصَّادِق فِي تَرْتِيب الْمصَالح وصون حُقُوقهَا
стр. 158
وحدودها وَالْعدْل الَّذِي أوضح سنته وَأقَام بَين الرّعية فروضه وسننه والسيرة الَّتِي تحلى التواريخ بأيا من أَيَّامهَا وَترد بهَا الدولة مرامي مرامها والاعتقاد الَّذِي أنارت آفاقه من التَّوْفِيق بأنوار الخلوص وتوفر حَظه من عُمُوم تأييد الله إِيَّاه على الْخُصُوص فالملك بإيالته مُحكم الْقَوَاعِد مبرم المعاقد مستهل العهاد آهل الْمعَاهد والدولة بإدالته شَدِيدَة السواعد سديدة المساعد صَافِيَة الْمَوَارِد صَادِقَة المواعد وَالدّين بنصرته سامي الْقدر عالي الْأَمر نامي النشر وَالْإِسْلَام مِنْهُ بناصره زاه وَالْكفْر من بأسه بقامعه واه وَالْقدر بِقَضَاء الله تَعَالَى على مُوَافقَة أمره آمُر ناه وَالشَّرْع بمحافظته على أَحْكَامه وملاحظته أَسبَاب نظامه مفاخر مُبَاهٍ فَهُوَ الشَّقِيق الشفيق الَّذِي لإيثارنا يُؤثر ولرضانا يقْصد وعَلى مرادنا يجْرِي وَهُوَ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى عَن مُوسَى ﵇ ﴿وَاجعَل لي وزيرا من أَهلِي هَارُون أخي﴾ ﴿اشْدُد بِهِ أزري وأشركه فِي أَمْرِي﴾ وَالْحَمْد لله الَّذِي عضدنا بمساعدته وأسعدنا بمعاهدته وأظهرنا بنجدته وأنجدنا بمظاهرته وأظفرنا بموافقته ووفقنا لمظافرته
وَلما أنعم الله تَعَالَى علينا فِي هَذِه السّنة بالفتوح المستفاضة والممالك المستضافة وَحكم لنا فِي توسيع دَائِرَة المملكة بِالزِّيَادَةِ والأناقة وَفتح لنا الْبِلَاد وَملك من كل مَا رمناه القياد جرينا على أحسن الشيم فِي إحْيَاء سنة الْكَرم فَمَا فتحنا معقلا إِلَّا ويدنا لَهُ مالكة واهبة والحازم من يكون ذَا هبة للدنيا فَإِنَّهَا ذاهبه وَقد جعلنَا لأخينا الْملك الْعَادِل من الممالك الَّتِي تملكناها والبلاد الَّتِي فتحناها والمعاقل الَّتِي استضفناها أَو فِي نصيب وَأصْبح النجح منا لداعي رجائه أسْرع مُجيب ورأيناه أَحَق من كل بعيد وَقَرِيب وقلدناه أُمُور الْبِلَاد والمعاقل والثغور وفوضنا إِلَيْهِ فِيهَا جَمِيع الْأُمُور فبيده الْحل وَالْعقد والبسط وَالْقَبْض وَإِلَيْهِ
стр. 159
الْولَايَة والعزل والإبرام والنقض وَله القَوْل الثَّابِت وَالْأَمر النَّافِذ وَإِلَى فَضله يرجع العابد وَبعد لَهُ يلوذ العائذ وَنحن نرغب الله فِي أَن يوفقه وَيُؤَيِّدهُ ويسدده وسبيل الْأُمَرَاء والولاة والنواب والأعيان والرعية وَالْأَصْحَاب الانقياد لأَمره المطاع ومقابلة مراسمه بالامتثال والاتباع وَالرُّجُوع إِلَى بَابه والجري على حكم نوابه والنهوض إِلَى الْغَزَوَات فِي خدمَة ركابه والوفود فِي حَالَة الضراء إِلَى المربع المريع والمنبع المنيع من جنابه فَإِنَّهُ فسيح لأولياء بالآلاء وللأعداء بالأعداء ولديه كشف الغماء بالنعماء وَفِي مهاب المحاب مِنْهُ يضوع أرج الرَّجَاء وَمن شيمته الِاقْتِدَاء بسنتنا فِي بسط الْعدْل وَالْإِحْسَان وَقبض أَيدي الظُّلم والعدوان وإسداء الْمَعْرُوف وإيعاد الملهوف وإعلاء معالم الْمَعَالِي وتكثير حَسَنَات أَيَّامه لتكفير سيئات اللَّيَالِي والمجاهدة فِي سَبِيل الله رابط الجأش لتأليف الإيلاف من جيوش الرِّبَاط وَعمارَة الْبِلَاد بِحسن سيرته الَّتِي لم تزل مُسْتَقِيمَة على الْحُدُود فِي الْإِسْقَاط ومشايعة الشَّرِيعَة المطهرة فِي جَمِيع أَحْوَاله أخذا بِالِاحْتِيَاطِ مؤيدا بالنصر من الله والتأييد والتمكين حَتَّى تنسى فِي تِلْكَ الثغور غزوات سيف الدولة غزوات سيف الدّين ويحقق لجَمِيع الْمُسلمين قمع الْمُرْتَدين ويعلى كلمة الْإِسْلَام بِمَا يوليه من النَّصْر الظَّاهِر وَالْفَتْح الْمُبين
وَكتب لَهُ فِي آخر المنشور تَفْصِيل مَا أنعم عَلَيْهِ بِهِ من حلب ومعاقلها
ئم توجه إِلَى حلب فِي شهر رَمَضَان من السّنة
ذكر الرحيل من الكرك إِلَى دمشق
وَلما رأى السُّلْطَان أَن أَمر الكرك يطول وَأَن شهر الصّيام قد أظلهُ وَأَن الْعَسْكَر قد تَعب وَلَيْسَ مَعَه من آلَات الْحَرْب مَا يَكْفِي انْصَرف
стр. 160
بعسكره رَاجعا إِلَى دمشق فَدَخلَهَا بعد أَيَّام واستبشر النَّاس بقدومه
ذكر وُصُول صدر الدّين شيخ الشُّيُوخ وشهاب الدّين بشير من الدِّيوَان الْعَزِيز ووصول محيي الدّين أَبُو حَامِد مُحَمَّد بن القَاضِي كَمَال الدّين بن الشهرزوري مَعَهُمَا رَسُولا عَن صَاحب الْموصل
وَذَلِكَ فِي ذِي الْقعدَة
ذكر السَّبَب فِي ذَلِك
وَلما عرف صَاحب الْموصل مَا تسنى للسُّلْطَان من فتح آمد وحلب وَغير ذَلِك من الْبِلَاد خَافَ على نَفسه وبلاده وَمَال إِلَى الاستعطاف فاستدعى من الدِّيوَان الْعَزِيز إرْسَال شيخ الشُّيُوخ للشفاعة إِلَى السُّلْطَان فوصل وَمَعَهُ بشير الْخَادِم وَندب صَاحب الْموصل مَعَهُمَا القَاضِي محيي الدّين أَبَا حَامِد مُحَمَّد بن مُحَمَّد الشهرزوري وَكَانَ قدومهم إِلَى السُّلْطَان فِي دمشق وَلما علم بقدومهم اسْتَقْبَلَهُمْ بالإكرام والإجلال والاحترام فَلَمَّا قرب بَعضهم من بعض نزل ونزلوا لَهُ ثمَّ ركبُوا جَمِيعًا فَأنْزل شيخ الشُّيُوخ بالرباط على المنيبع وَأنزل القَاضِي محيي الدّين فِي جوسق بُسْتَان الخلخال وَنزل شهَاب الدّين بشير جوسق صَاحب بصرى على الميدان
ثمَّ أحضر السُّلْطَان شيخ الشُّيُوخ وَجرى بَينه وَبَينه أَحَادِيث شَتَّى فِي معنى صَاحب الْموصل واستخلاف السُّلْطَان على موصله وَمرَاده فَجرى من ابْن الشَّهْر زورى كَلَام فِيهِ اشتطاط وَاشْترط أَشْيَاء وَكَانَ السُّلْطَان فاتر الْعَزْم فِي الْعود إِلَى الْموصل فهاجه على الْمسير إِلَيْهَا ثمَّ أَمر لَهُم بالإكرام والتشريفات والنفقات والعطايا السّنيَّة ورحلوا فنزلوا على الْقصير فراجع
стр. 161
نَفسه الشَّرِيفَة وَقَالَ قد استحيينا من مسير شيخ الشُّيُوخ إِلَيْنَا مرّة بعد أُخْرَى ولابد من رِضَاء المواقف الشَّرِيفَة المقدسة فَركب فِي خَواص عسكره وأتى الْقصير فَنزل فِي خيمة صدر الدّين شيخ الشُّيُوخ ثمَّ كشف لَهُ عَن حَاله وَمَا جَاءَ بِهِ وَأَنه قد أَتَى ليحوز مراضي الدِّيوَان الْعَزِيز وَيكْتب نُسْخَة الْيَمين فِي الصُّلْح ففرح بذلك شيخ الشُّيُوخ فَرحا عَظِيما وَأرْسل إِلَى محيي الدّين بن الشَّهْر زوري يُعلمهُ بِالْأَمر ووصول السُّلْطَان لإِصْلَاح ذَات الْبَين بِجَوَاب الرسَالَة الإمامية
فَلَمَّا رأى محيي الدّين بن الشهرزوري تواضع السُّلْطَان ترفع وَقَالَ أَنا بعد مَا جرى من الْحَال لَا رَغْبَة لي فِي الْحُضُور ولعلكم اعتقدتم أَنه لَيْسَ لنا مظَاهر وَلَا مؤازر وَأَشَارَ إِلَى سُلْطَان الْعَجم وبهلوان
فَلَمَّا سمع السُّلْطَان ذَلِك تَبَسم وَقَامَ بعد وداع صدر الدّين وَرجع إِلَى دمشق فَكَانَ بهَا بَقِيَّة ذِي الْقعدَة وَذي الْحجَّة وَكَانَ قد عزم على الْجِهَاد والمسير إِلَى حِصَار الكرك عِنْد دُخُول سنة ثَمَانِينَ
ووصلنا كتاب السُّلْطَان إِلَى مصر بتحريض وَالِدي الْملك المظفر وحثه على إِنْفَاذ العساكر المصرية للْجِهَاد وَذَلِكَ فِي الْعشْر الآخر من ذِي الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة
فصل من مصدرة
قد تقدّمت الْمُكَاتبَة إِلَى مجْلِس الْملك المظفر لازالت أَيَّامه بِالْملكِ وَالظفر منعوتة وَصَلَاة صلَاته بِالْحَمْد وَالْإِخْلَاص موقوتة وولاة ولائه مرموقة وعداة آلائه ممقوتة ومنايا مناوئية مَكْتُوبَة وشناة شانه مكبوتة وعرفناه مَا شَمل من نعم الله وفاض واستنار من لألاء آلائه واستفاض وَأَن الله أغاث بغيوث رَحمته وبغوث نعْمَته حَتَّى سَالَتْ أَوديتهَا وسفكت دِمَاء المحول بسيوف البوارق فَلَا يُقَال قودها أَوديتهَا فدم الْحَرْب مطلول وَسيف البارق مسلول
стр. 162
وَمِنْهَا
وَقد كاتبنا أُمَرَاء الْأَطْرَاف باستعدادهم لاستدعائهم وان يحزموا بِجمع العساكر أوامرهم لامرائهم فَمَا مِنْهُم إِلَّا من يسابق إِلَى تَلْبِيَة النداء ويسارع إِلَى إِجَابَة الدُّعَاء ويعشق وَلَا عشق لِقَاء الْأَحِبَّة لِقَاء الْأَعْدَاء وهم الْآن ينتظرون شتات شَمل الشتَاء وَإِذا رَأَوْا آذار مُقبلا أَقبلُوا فَإِنَّهُم مذ شاهدوا ضرع الْعَارِض حافلا احتفلوا وَأَجْمعُوا أَمرهم قبل الِاجْتِمَاع بأمرنا فعلوا بِمَا فعلوا وَالله يمد الْإِسْلَام بفتوح تفوح أرجاؤها بأريج الْعِزّ وَيُسمى للمجاهد فِي سَبيله مَا وعدهم من درج الْفَوْز وَقد عزمنا مَعَ خُرُوج شباط على الْمسير إِلَى حلب لِأَن هُنَاكَ العساكر يقرب اجتماعها والغنائم يتَحَقَّق اتساعها والمشاورات الصائبة يتدانى استماعها والهيبة فِي النُّفُوس تفخم والصيت فِي الْآفَاق يعظم
ذكر وقْعَة قراقوش الملكي المظفري فِي هَذِه السّنة
وفيهَا سَار شرف الدّين من جبل نفوسة إِلَى قابس فِي يَوْمَيْنِ وليلتين وَذَلِكَ مسيرَة ثَمَانِيَة أَيَّام واعتقد أَنه بقابض قابس أَو يهجمها فَلَمَّا وَصلهَا لم يقدر على ذَلِك وَأخذ الْقَصْد الَّذِي لَهَا على السَّاحِل وَفِيه يَبِيع الرّوم ويشترون واخذ مِنْهُ أَشْيَاء كَثِيرَة من أَمْتعَة وَفِضة وغلة وَغير ذَلِك وَأقَام عَلَيْهَا على قَرْيَة من قراها سَبْعَة أَيَّام وَوَصله فِي الْيَوْم الثَّامِن الثّقل الَّذِي لَهُ ورحل من الْقصر الْمَذْكُور وَنزل على قلعة حسن فَأَقَامَ عَلَيْهَا شهرا يدبر الْحِيلَة فِي أَخذهَا إِلَى أَن كَانَ فِي بعض اللَّيَالِي ساهرا
стр. 163
فأحضر خواصه وَمن يُشِير عَلَيْهِ وَقَالَ
قد رَأَيْت أَن أعمل لهَذِهِ القلعة اللَّيْلَة عملا أَرْجُو أَن آخذها بِمَشِيئَة الله تَعَالَى فَقَالُوا
وَمَا ذَلِك الْعَمَل الَّذِي يكون فَقَالَ
إِن هَؤُلَاءِ ينزلون فِي كل يَوْم يُقَاتلُون أَسْفَل الوطاء وَأُرِيد أَن أكمن اللَّيْلَة ثَلَاثمِائَة فَارس من خلف هَذَا الْمِنْشَار واكون فِي الصُّبْح رجعا نَحْو الْقِتَال وَيكون بيني وَبَين الكمين إِشَارَة من دق كوس أَو ضرب بوق فَإِذا رجعت وَنزل الْقَوْم يُقَاتلُون استجررناهم وانكسرنا قدامهم فيطمعوا فِينَا فَإِذا بعدوا عَن الْموضع وهم لَا يَشْعُرُونَ أَن خَلفهم كمينا ضربنا حِينَئِذٍ البوقات دفْعَة وَاحِدَة فيركض أَصْحَابنَا من موضعهم فَلَا يكون لَهُم عمل إِلَّا أَنهم إِذا وصلوا إِلَى رَأس الْمِنْشَار الَّذِي يتَّصل بعقبة المطلع ترجلوا عَن خيلهم وطلعوا إِلَى القلعة لَا يبْقى فِيهَا من يقاتلهم وَإِذا رأى الْمُقَاتلَة ذَلِك انخذلوا فَإِذا رجعُوا منهزمين ركبنَا أكتافهم وَقَاتلهمْ أُولَئِكَ الَّذين صعدوا الطَّرِيق ومنعوهم من الطُّلُوع قتلناهم عَن آخِرهم أَو أَكْثَرهم وملكنا القلعة ثمَّ قَالَ يروح فلَان وَفُلَان حَتَّى عد ثَلَاثمِائَة وَأمرهمْ أَن يكمنوا بِحَيْثُ قَالَ
فَلَمَّا أصبح ركب وزحف فَكَانَ مَا اعتقده من نزُول أهل القلعة وقتالهم فِي الوطاء واستجرهم وانكسر لَهُم فَلَمَّا أبعدوا ضرب الكوسات والبوقات فَأقبل الكمين من مَوْضِعه فَسبق إِلَى الطَّرِيق إِلَى القلعة وَأَقْبل الْمُقَاتِلُونَ فوجدوا الطَّرِيق قد ملكت عَلَيْهِم فانخذلوا وَوَقع فيهم السَّيْف فَملك أُولَئِكَ القلعة وَمَا احتاجوا إِلَى مساعد فَكَانَ عدَّة من قتل فِي ذَلِك الْيَوْم أَلفَيْنِ وثمان مائَة رجل من البربر وَترك البَاقِينَ واحتوى على القلعة وَمَا فِيهَا وغنم مِنْهَا أَمْوَالًا عَظِيمَة جمة فرقها على أَصْحَابه وَوجد فِيهَا
стр. 164
من الغلات شَيْئا عَظِيما وَكَانَ عِنْدهم بنفوسه غلاء فَأعْطى الأجناد مِنْهَا مَا أَقَامَ بهم بَقِيَّة سنتهمْ ورحل عَنْهَا وَنزل على قلعة يُقَال لَهَا أم أدوت وَهِي لَا يطْمع فِي قتالها فَأَقَامَ عَلَيْهَا أَيَّامًا وراسل أَهلهَا وَقَالَ لَهُم
أُعْطِيكُم الْأمان على أَنفسكُم وَأَمْوَالكُمْ وأعطيكم من الضّيَاع مَا تُرِيدُونَ فَأَبَوا عَلَيْهِ وَلم يُعِيدُوا عَلَيْهِ جَوَابا فَأَقَامَ أَيَّامًا لَا يكلمهم وَلَا يراسلهم فأرسلوا إِلَيْهِ إننا نَفْعل مَا أمرتنا بِهِ وَأَعْطِنَا الْأمان على أَنْفُسنَا وَأَمْوَالنَا وَأَعْطِنَا مَا نريده من الضّيَاع كَمَا بذلت لنا فَقَالَ
قد كَانَ ذَلِك وَأما الْآن فَمَا عِنْدِي لكم أَمَان إِلَّا على أَنفسكُم وَأَمْوَالكُمْ دون عَطاء ضيَاع فأمسكوا عَنهُ أَيَّامًا مَا أجابوه ثمَّ طلبُوا مِنْهُ الْأمان على الْأَنْفس وَالْأَمْوَال لَا غير ثمَّ لم يشْعر بهم إِلَّا وَقد نزلُوا إِلَيْهِ بأجمعهم بكرَة يَوْم من غير أَمَان وَلَا كَلَام فَعجب من عُقُولهمْ وَقَالَ
كَيفَ نزلتم فَقَالُوا
أَبيت أَن تُعْطِينَا الْأمان إِلَّا على أَنْفُسنَا وَمَا نَحن كفار نَخَاف الْأسر وَقد نزلنَا فَقَالَ
مَا منعكم أَن تقبلُوا مَا أَعطيتكُم إِيَّاه أَولا وَثَانِيا فَقَالُوا سعادتك فَإنَّا تجلدنا فِي الأول ورجونا رحيلك وَمَا كَانَ عندنَا مَاء يكفينا فَلَمَّا امتنعنا واقمنا أَيَّامًا وَمَا رحلت رجونا أَنَّك تُعْطِينَا مَا تُعْطِينَا فِي الأول فَلَمَّا امْتنعت مِنْهُ طمعنا فِي الرحيل أَيْضا مثل الدفعة الأولى فَلَمَّا لم ترحل طلبنا الْأمان الثَّانِي فأبيت فَلم يبْق إِلَّا النُّزُول عِنْد فرَاغ المَاء فَأخذ القلعة وَمَا فِيهَا وَمَا كَانَ فِيهَا حَاصِل مثل قلعة حسن وَجعل بهَا نَائِبا وَلم تزل فِي يَده إِلَى أَن أَخذهَا من نَائِبه المايرقي وَأَخذهَا المايرقي بالعطش أَيْضا إِلَّا أَن المايرقي مَا رتب فِيهَا أحدا بل تَركهَا لأَهْلهَا الْأَوَّلين
رَجعْنَا إِلَى الحَدِيث
ثمَّ رَحل شرف الدّين قراقوش عَنْهَا وَعَاد إِلَى نفوسه وَهَذِه
стр. 165
القلعة بِالْقربِ من جِهَة مطماطة وَمن نفزاوة فَأَما الْحَمَامَة فَإِن الَّذِي يكون نازلا عَلَيْهَا يُشَاهد بساتين الْحَمَامَة وَأما نفزاوة فبينها وَبَين القلعة جبل يُسمى اللَّوْح
ونفزاوة بَين بِلَاد كَثِيرَة يكون فِيهَا مَا يزِيد على أَربع عشرَة مَدِينَة وَلها نَحْو من مِائَتي ضَيْعَة وَكلهَا نخيل وزروع على الْعُيُون وَكَانَ فِيهَا مَدِينَة تسمى طرة وَإِلَى جَانبهَا مَدِينَة تسمى بيامن وَلها مقدم يُقَال لَهُ سيد النَّاس وَله أَخ يُقَال لَهُ الْمَنْصُور وَكَانَ بَينه وَبَين أهل بشتري مَدِينَة عَظِيمَة من مَدَائِن نفزاوة عَدَاوَة
وَلما سمع بِقُوَّة شرف الدّين وتدويخه الْبِلَاد الَّتِي إِلَى جَانِبه أَرَادَ أَن يَجْعَل عِنْده يدا ويبلغ غَرَضه من أهل بشتري بيد شرف الدّين فكاتبه وراسله وَحلف أَن يسلم إِلَيْهِ طرة وبلمن وَمَا لَهما من ضيَاع ويعينه على ملك مَا فِي نفزاوة
فَلَمَّا تحقق شرف الدّين مِنْهُ ذَلِك علم أَنه يملك ذَلِك إِذا دخل سيد النَّاس فِي طَاعَته وَكَانَ الحَدِيث بَينهمَا فِي أَيَّام الرّبيع وَكَانَ شرف الدّين ذَلِك الْوَقْت نازلا بالسَّاحل سَاحل طرابلس وَكَانَ قد وصل إِلَيْهِ من الديار المصرية جمَاعَة فيهم شُجَاع الدّين بن شكل وَقد فَرح بهم وَزَاد عسكره فَصَارَ نَحوا من ثَمَانِي مائَة فَارس من الأتراك والأكراد فَأعْطى ابْن شكل شُجَاع الدّين قصورا مَا بَين كِنْدَة والسويقة يكون فِيهِ أَرْبَعُونَ ضَيْعَة جعل لَهُ خَاصّا ولمماليكه مَعَه ثَمَانِيَة وَدخل الْموضع يكون قَرِيبا من أَرْبَعِينَ ألف
стр. 166
دِينَار مأمونية وَقَالَ إِذا فتح الله الْبِلَاد وملكناها أُعْطِيك مَا هُوَ أَكثر من هَذَا وَأعظم هَذَا بعد أَن خلع عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ خمسين جملا وَعشرَة من الْخَيل وَثَمَانِية ألف دِينَار
وَسَار شُجَاع الدّين بن شكل مَعَه فاستغل الْموضع الَّذِي أعطَاهُ وَزَاد فِي استغلاله بحرابه ومصادره أَهله ومطالبتهم بِمَا لَا يقدرُونَ عَلَيْهِ فَرفع ذَلِك إِلَى شرف الدّين فَقَالَ هَذَا الْموضع قد أَعْطيته لَهُ فَلَا أنكده عَلَيْهِ إِن شَاءَ أَن يعمره وَإِن شَاءَ أَن يخربه
وَلم يزل شرف الدّين فِي تِلْكَ الخطة إِلَى آخر السّنة الْمَذْكُورَة
سنة ثَمَانِينَ وَخمْس مائَة
فِيهَا تقدم الْخَلِيفَة إِلَى دَاوُد صَاحب الدِّيوَان أَن يخرج إِلَى الْكُوفَة ويعد نخيلها ويحقق عدده ويستوفى الْخراج من أَهلهَا وَيعْتَبر معاملاتها فَتوجه دَاوُد وَأقَام بهَا مُدَّة يسيرَة فَخرج أَهلهَا من بَين يَدَيْهِ وَجَاء جمَاعَة مِنْهُم إِلَى بَغْدَاد يستغيثون من يَده ويلازمون الْخَطِيب كل يَوْم جُمُعَة ويبالغون فِي الاستغاثة وَكثر ذَلِك مِنْهُم فبرز الْأَمر بإحضار صَاحب الدِّيوَان وَكَانَ قد نقل إِلَى أستاذ الدَّار ونائب الوزارة ابْن البُخَارِيّ أَن شيخ الشُّيُوخ يعرض على الْخَلِيفَة مكتوبات سرا فنسب ذَلِك إِلَيْهِ فَأخذ كل مِنْهُمَا يقبح فعله
وَأما صَاحب الدِّيوَان فَإِنَّهُ حمل إِلَى ديوَان الزِّمَام فَجَلَسَ فِي الخزانة
стр. 167
الَّتِي فِي دهليز بَيت الخيش وَنفذ إِلَيْهِ ابْن البُخَارِيّ وطالبه بِأَلف دِينَار
وَكَانَت بنت الْعَطَّار أُخْت ظهير الدّين زَوْجَة صَاحب الدِّيوَان واعتقد أستاذ الدَّار أَنه قد حصل لَهُ مِنْهَا شَيْء فنفذ إِلَيْهِ وضيق عَلَيْهِ فَكتب شيخ الشُّيُوخ إِلَى الْخَلِيفَة ثَبت الله دَعوته قصَّة يذكر فِيهَا أَن
هَذَا دَاوُد كَانَ عِنْدِي فِي رباطي على قَاعِدَة الصُّوفِيَّة تقدم باستخدامه فِي الدِّيوَان الْعَزِيز وَقد اسْتغنى عَنهُ وَقد صرف وَقد وكل بِهِ فِي الدِّيوَان الْعَزِيز والمملوك يسْأَل مَالك الرّقّ أَن ينعم عَلَيْهِ بِهِ ويتقدم بِاسْتِيفَاء مَا قرر عَلَيْهِ من مَالِي فَتقدم الْخَلِيفَة بِأَن يسلم دَاوُد إِلَى شيخ الشُّيُوخ فَسلم إِلَيْهِ فأسكنه فِي دَار قريب من رباطه فَكَانَ لَا يزَال ملازما للرباط لَيْلًا وَنَهَارًا وَلَا يخرج مِنْهُ خوفًا من أستاذ الدَّار
وفيهَا بذل أَبُو السُّعُود بن جَعْفَر ألفا وَخَمْسمِائة دِينَار على أَن يكون حَاجِب الْحجاب فَأذن لَهُ فِي ذَلِك وَكَانَ حَاجِب الْحجاب يَوْمئِذٍ بهاء الدّين أَبُو الْفَتْح ابْن الدارنج وَكَانَ ابْن البُخَارِيّ يتعصب لِابْنِ الدارنج فَسَأَلَ أَن يرتب ابْن الدارنج عَارض الْجَيْش الْمَنْصُور على أَن يُؤْخَذ مِنْهُ قَرْيَة للديوان الْمَعْمُور ألف وَخَمْسمِائة دِينَار فَأذن لَهُ فِي ذَلِك قريب ابْن جَعْفَر حَاجِب الْحجاب وَابْن الدارنج عَارض الْجَيْش وَكَانَ ذَلِك على غير اخْتِيَار ابْن البُخَارِيّ لِأَنَّهُ كَانَ يبغض ابْن جَعْفَر لِأَنَّهُ كَانَ مُفْسِدا كثير الشَّرّ فَلَمَّا اسْتَقل بالحجبة تقدم إِلَيْهِ أَن يكْتب فِي كل يَوْم مطالعة إِلَى أستاذ الدَّار بِجَمِيعِ مَا يجْرِي فِي الْمجْلس من قَلِيل وَكثير فَكَانَ حَاجِب حجاب وَصَاحب خبر وَكَانَ أستاذ الدَّار قد تغير على ابْن البُخَارِيّ النَّائِب لكَونه كَانَ يسمع عَنهُ أَنه يَخْلُو بِابْن الْكَرْخِي ويحدثه وَأَنه يذكر لَهُ أَشْيَاء يَقُولهَا للخليفة وَكَانَ ابْن الْكَرْخِي يَقُول للخليفة لَيْسَ لَك نَائِب وزارة مثله وَلَكِن مَاله حكم وَإِنَّمَا هُوَ غُلَام بَين يَدي أستاذ الدَّار وَلَو كشف عَن بَاطِنه رؤى قلبه قد دود من شدَّة مَا هُوَ عَلَيْهِ وَلَو مكنته كنت ترى الْعجب
стр. 168
وَكَانَ ذَلِك ينْقل إِلَى أستاذ الدَّار ابْن الصاحب من حَضْرَة الْخَلِيفَة وأستاذ الدَّار لَا يشْعر أحدا أَنه يعلم ذَلِك
وفيهَا مَاتَ الشَّيْخ يُونُس وَكَانَ ابْنه نَائِب أستاذ الدَّار فِي ديوَان الْأَبْنِيَة المعمورة وَكَانَ مَوته فِي الدَّار الَّتِي بِرَأْس درب الدَّوَابّ وَاجْتمعَ لَهُ النَّاس لأجل وَلَده وَفتح لَهُ جَامع الْقصر وَحضر أَرْبَاب الدولة للصَّلَاة على جنَازَته وَحمل إِلَى قبر سلمَان الْفَارِسِي بِالْمَدَائِنِ فدفنوه هُنَاكَ على حُذَيْفَة بن الْيَمَان وَذكر ابْن يُونُس أَن لَهُم بحذيفة وصلَة نسب وَبنى عَلَيْهِ قبَّة حَسَنَة
وفيهَا دخل الْخَلِيفَة ثَبت الله دَعوته الْمدرسَة النظامية لَيْلَة سبع وَعشْرين من رَمَضَان وَكَانَت لَيْلَة الختمة فَرَأى الْمدرسَة شعثة وَرَأى الإيوان الَّذِي بهَا شعثا وأرضها كَثِيرَة التُّرَاب غير مطبقة فَلَمَّا خرج مِنْهَا تقدم إِلَى أستاذ الدَّار ابْن الصاحب أَن يعمر النظامية من ديوَان الْأَبْنِيَة الْمَعْمُور وَيُطلق لَهَا جَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فَتقدم إِلَى ابْن يُونُس أَن يتَوَلَّى عمارتها وإصلاحا فنفذ إِلَيْهَا الصناع وَجَمِيع الْآلَات وَجَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من حصر وَغَيره ورتب فِيهَا جمَاعَة من غلْمَان ديوَان الْأَبْنِيَة يحثون على الْعَمَل فغرم عَلَيْهَا مبلغ كَبِير
وفيهَا خلع آل تنبه الشطرنجي أَمِير وَاسِط على جَمِيع عسكره كل وَاحِد قبَاء لونين فَكَانَت قبيحة فِي أعين النَّاس فَكَانَ أهل بَغْدَاد يعيبون عَلَيْهِ ذَلِك ويقبحونه وَكَانَ مفرطا فِي الشّرْب ذَا سيرة قبيحة وَكَانَ شرب ذَات لَيْلَة فَبلغ الْخَلِيفَة ثَبت الله دَعوته مَا هُوَ عَلَيْهِ من الْفُحْش والبطالة فَقَالَ لِابْنِ يحيى وَلأبي الْعِزّ ولنجاح الشرابي وَابْن الْكَرْخِي قومُوا بِنَا نمضى إِلَى عِنْد الشطرنجي نَنْظُر مَا هُوَ عَلَيْهِ من سوء حَاله وتدبيره وَكَانَ
стр. 169
الشطرنجي فِي دَار حَسَنَة فِي درب الدَّوَابّ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَهُوَ يشرب فَقَامَ وخدمه وَجلسَ بَين يَدَيْهِ فَأخذ مِنْهُ غَفلَة وضربه بِالسَّيْفِ فَقَامَ إِلَيْهِ وَقبض عَلَيْهِ وَأَرَادَ أَن يهلكه وَكَانَ الشطرنجي أقوى مِنْهُ فَقَامَ أقش مَمْلُوك الشطرنجي وساعد أَمِير الْمُؤمنِينَ صلوَات الله عَلَيْهِ وخلصه مِنْهُ فَضَربهُ ضَرْبَة أُخْرَى فَقتله فِي وسط الدَّرْب وَتقدم إِلَى بعض الخدم أَن يُؤْخَذ ويرمى من سَاعَته فِي دجلة وبقى الدَّم فِي مَوضِع قَتله فَكَانَ أهل بَغْدَاد فِي صَبِيحَة ذَلِك الْيَوْم يأْتونَ سرا إِلَى بَاب الشرطنجي وَيَنْظُرُونَ مَوضِع قَتله
وَجَاء جمَاعَة من الجباة إِلَى بَاب النوبي نصف اللَّيْل فَقَامَ المستخدم الْمُوكل بِهِ وَقَالَ
مَا الْخَبَر فَقَالُوا خُذ هَذِه الرقعة وَسلمهَا إِلَى أستاذ الدَّار فَأخذ الرقعة وَحملهَا إِلَى أستاذ الدَّار فَوقف عَلَيْهَا فَضرب بِإِحْدَى يَدَيْهِ على الْأُخْرَى وَقَالَ لَا حول وَلَا قُوَّة وانزعج واستعظم النَّاس هَذِه الْحَال وصاروا يخَافُونَ الْخَلِيفَة وحصلت لَهُ الهيبة فِي قُلُوب النَّاس
وَلما أصبح الْخَلِيفَة تقدم إِلَى أئتاذ الدَّار بِالْقَبْضِ على جَمِيع أَصْحَاب الشطرنجي وأسبابه وَأخذ جَمِيع مَا كَانَ فِي دَاره وَأمر بإحضار أقش مَمْلُوك آل تنبه الشطرنجي فَأعْطى خمس مائَة دِينَار وخلع عَلَيْهِ ورسم أَن تكون هَذِه جَارِيَة عَلَيْهِ مستمرة فِي كل سنة يَأْخُذهَا من الدِّيوَان
ثمَّ برز الْأَمر بِأَن تُعْطى وَاسِط وأعمالها وبلادها لمجاهد الدّين خَالص الْخَادِم وَأَن يكون فِيهَا على مَا كَانَ آل تنبه الشطرنجي فَوَقع بهَا لَهُ وَكَانَ لآل تنبه أَخ مَمْلُوك يُقَال لَهُ آق سنقر من جملَة مماليك الْخَلِيفَة وَكَانَ مستحسنا فَتقدم الْخَلِيفَة بِأَن يخلع عَلَيْهِ وَأَن يُعْطي الدَّار الَّتِي فِي درب نصير وَكَانَت
стр. 170
تعرف بفلك الدّين أَمِير الْبَصْرَة وَكَانَت دَارا جميلَة وَتقدم إِلَيْهِ أَن يكون ملازما للبدرية وَأَن لَا يمْضِي إِلَى مَوضِع إِلَّا بِإِذن
وفيهَا رتب ابْن يُونُس وَكيل الْبَاب الشريف عوضا عَن أَبِيه وَكَانَت لَهُ مطالعة تعرض بَين يَدي الدواة الشَّرِيفَة
وفيهَا رتب ابْن حمدون مشرفا فِي ديوَان الْأَبْنِيَة
وفيهَا كثر قَول ابْن يُونُس فِي أستاذ الدَّار ابْن الصاحب وَكَذَلِكَ عز الدّين الشرابي وَجَمَاعَة مِمَّن تحضر الْخدمَة الشَّرِيفَة وَكَانُوا يرَوْنَ أَن مَتى أستاذ الدَّار رَجَعَ رَجَعَ الْأَمر إِلَيْهِم وَكَانَ الْخَلِيفَة شَدِيد الْخَوْف من أستاذ الدَّار وَكَانَ قد أثر فِي نَفسه قَول أُولَئِكَ الَّذين ذَكَرْنَاهُمْ وَكَانَ يرى نَفسه أَنه محجوز عَلَيْهِ وَكَانَ لَا يَجْسُر أحد أَن يتظاهر إِلَّا بمتابعة أستاذ الدَّار
وفيهَا خرج الْخَلِيفَة وَمَعَهُ جمَاعَة مِنْهُم أَبُو الْحسن بن الْكَرْخِي وَأَبُو الْعِزّ وَمُحَمّد بن يحيى وَعلي بَين أبي الْكَتَائِب والمقرب عَليّ بن ذُبَابَة الْفراش وَيحيى القواس إِلَى قَرْيَة تعرف بِالْحَسَنَة من أَعمال طَرِيق خُرَاسَان فَنزل فِي دَار رئيسها ابْن سرخاب وَكَانَ أَيْضا ينزل فِي نَاحيَة توهرت فِي دَار رئيسها ابْن معالي وَكَانَ ابْن معالي حِينَئِذٍ نَاظرا فِي طَرِيق خُرَاسَان فَخرج بِتِلْكَ الْجَمَاعَة الْمَذْكُورَة لرمي الطير بالبندق وَتقدم إِلَى الْجَمَاعَة أَن يرموا لَهُ وَإِن كَانَ هُوَ
стр. 171
أصل هَذَا الْأَمر وَمن أَقْوَال رُمَاة البندق أَن بزر جمهر وَزِير كسْرَى أنو شرْوَان كَانَ لَهُ أصل فِي هَذَا الْأَمر وميل عَظِيم لَهُ وتكلف النَّاس ذَلِك وَصَارَ لَهُم فِيهِ قَول مضبوط مَحْفُوظ واحتراز من الْكَذِب فصرع أستاذ الدَّار أَبُو الْفضل بن الصاحب فِي ذَلِك الْمقَام طيرا وَرمى للخليفة وَتَابعه جمَاعَة من الْأُمَرَاء وَغَيرهم من النَّاس
وفيهَا حضر أَمِير الْمُؤمنِينَ النَّاصِر لدين الله أَمِير الْمُؤمنِينَ صلوَات الله عَلَيْهِ فِي بُسْتَان تَاج الدّين بن رَئِيس الرؤساء الَّذِي هُوَ ملاصق للبيمارستان العضدي فَاسْتَحْسَنَهُ فَتقدم إِلَى أستاذ الدَّار بِأَن يَشْتَرِيهِ من أَوْلَاد تَاج الدّين فنفذ أستاذ الدَّار إِلَيْهِم وعرفهم الْحَال وأحضر إِلَيْهِم الشُّهُود وَاشْترى مِنْهُم الْموضع بثلاثمائة دِينَار فَكَانَ أَوْلَاد تَاج الدّين يرَوْنَ هَذِه الْوَاقِعَة أَنَّهَا من أستاذ الدَّار وَكَانَ فِي الْموضع دَار مستحسنة فَأمر الْخَلِيفَة بهدمها وَأمر بعمارة دَار أحسن مِنْهَا فعمرت على أحسن مَا تكون من الْعِمَارَة
وَكَانَ الْخَلِيفَة يخرج بعض الْأَوْقَات إِلَى ذَلِك الْبُسْتَان للتفرج والتنزه لِأَن الْموضع كَانَ على شاطئ دجلة
وفيهَا توفيت أم أبي الْفضل بن الصاحب أستاذ الدَّار العزيزة وَكَانَ يَوْم مَوتهَا يَوْمًا مشهودا وَحضر لموتها جَمِيع أَرْبَاب الدولة وَأَرَادَ أَن يُخرجهَا أستاذ الدَّار لَيْلًا فَلم يُمكن من ذَلِك وَأمر بإخراجها نَهَارا وبرز
стр. 172
الْإِذْن بالتقدم إِلَى أَرْبَاب الدولة بِحُضُور جنازتها والمضي خلفهَا فَحَضَرَ جَمِيع أَرْبَاب الدولة وأكابر بَغْدَاد وَنفذ ابْن البُخَارِيّ نَائِب الوزارة وَسَأَلَ أَن يُؤذن لَهُ بالحضور فَلم يُؤذن لَهُ فِي ذَلِك وَحضر جَمِيع الْأُمَرَاء والمماليك الْخَواص وَحضر جمَاعَة الْقُرَّاء إِلَى الدِّيوَان الْعَزِيز وَصلى عَلَيْهَا الشَّيْخ أَبُو طَالب بن الْخلّ وَجَمِيع من فِي الدَّار وَأَرَادُوا أَن يخرجُوا التابوت من الدَّار فَلم يقدروا على إِخْرَاجه من كبره فنقض حَائِط الإيوان مِمَّا يَلِي الْبَاب وَأخرج مِنْهُ التابوت وَركب أستاذ الدَّار وأرباب الدولة مشَاة بَين يَدَيْهِ وَجَمِيع النَّاس
وَكَانَ فِي ركابه حُدُود من خَمْسمِائَة سيف مَشْهُورَة إِلَى أَن أشرف على دجلة فَنزل فِي سمارية خَفِيفَة وَعَلَيْهَا قبَّة سَوْدَاء ومشدة فِي رَأس الْقبَّة وَركب بعض النَّاس فِي السفن وَبَعْضهمْ على الطَّرِيق وَكَانَ يَوْمًا لم يذكر لأحد بِمثلِهِ فَسَارُوا فِي دجلة إِلَى مشرعة مشْهد بَاب التِّبْن وَهُوَ مشْهد مُوسَى بن جَعْفَر على ساكنه أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام ومشي ومشي النَّاس بَين يَدي أستاذ الدَّار من مشرعة المشهد إِلَى الحفرة وَكَانَ شمس الدّين الركاب سلار بَين يَدَيْهِ قَابِضا على عنان المركوب ثمَّ حملت الْجِنَازَة إِلَى قبر مُوسَى بن جَعْفَر ودفنت فِي الحضرة
وَكَانَ الْخَلِيفَة هُوَ وَجَمَاعَة من المماليك الْخَاص فِي دَار للشرابي مشرفة على شاطئ دجلة وَكَانَ عِنْد مدرسة السُّلْطَان مَسْعُود يُشَاهد تِلْكَ الْأَحْوَال سائرها وَرجع أستاذ الدَّار إِلَى دَار الْخلَافَة وَأمر النَّاس أَن لَا يَأْتِي مِنْهُم أحد للعزاء
وَلما رَجَعَ أستاذ الدَّار إِلَى منزله أرسل إِلَيْهِ الْخَلِيفَة بأطباق من طَعَام
стр. 173
وانفذ لَهُ خلعة وتشريفا جميلا وَقَالَ لَهُ اركب حَتَّى تمْضِي إِلَى الصَّيْد وَلَا تجْلِس للعزاء
وفيهَا توفّي نَاصِر الدّين بن شيخ الشُّيُوخ وَكَانَ شَابًّا جميلا مستحسنا وَكَانَ أكبر بنيه وَذَلِكَ فِي شهر رَمَضَان من السّنة
ذكر مكرمَة شيخ الشُّيُوخ
كَانَ شيخ الشُّيُوخ جَالِسا على الطَّبَق مَعَ الصُّوفِيَّة وَقت الْإِفْطَار فَجَاءَهُ بعض الصُّوفِيَّة وساره فِي أُذُنه على الطَّعَام فَسجدَ سَجْدَة طَوِيلَة ثمَّ رفع رَأسه وَأكل مَعَ الصُّوفِيَّة إِلَى أَن استوفوا الطَّعَام على جاري عَادَتهم ثمَّ تقدم إِلَى خَادِم الصُّوفِيَّة بإحضار حلوى فأحضرت فَلَمَّا علم أَن النَّاس قد قضوا حَاجتهم من الطَّعَام والحلوى قَالَ
عَن إذنكم فَإِن وَلَدي قد مَاتَ فَلَمَّا كَانَ صَبِيحَة ذَلِك الْيَوْم شرع فِي تَجْهِيزه وغسله وتكفينه وَهُوَ جَالس فِي وسط النَّاس يتحدث على جاري عَادَته ويضحك مَعَ النَّاس وتعجب النَّاس من صبره وَحسن طَرِيقَته
وَتقدم الْخَلِيفَة إِلَى أستاذ الدَّار بإنفاذ جَمِيع الْقُرَّاء إِلَى رِبَاط شيخ الشُّيُوخ لحضور موت وَلَده وَأَن يمضوا مَعَ الْأُمَرَاء والمماليك الْخَاص وَكَانَ يَوْمًا مشهودا
وفيهَا تقدم الْخَلِيفَة بعمارة دَار الْفلك وَكَانَ الْفلك رجلا ضريرا معنى وَكَانَ قد مَاتَ فِي أَيَّام الدولة المستضيئة سقى الله عهودها الرضْوَان وَكَانَ يلقب بالفلك وَكَانَ مِمَّن يحاضر الإِمَام المستضئ بِأَمْر الله فَلَمَّا مَاتَ لم يكن لَهُ وَارِث إِلَّا بَيت المَال فَأمر الْخَلِيفَة صلوَات الله عَلَيْهِ فِي أَيَّامه بعمارة دَار الْفلك الضَّرِير فوطئت أرْضهَا ودكت وَأمر بِحُضُور ابْن العويلة وأستاذ الدَّار
стр. 174
إِلَى هَذِه الدَّار الْمَذْكُورَة وَقَالَ أُرِيد أَن تقسم هَذِه الدَّار وَأَنا حَاضر فإنني قد كرهت عدَّة دور لأجل قسمتهَا فَقَسمهَا مُتَقَدم البنائين وأستاذ الدَّار فَأبْطل مَا قسموه جَمِيعًا وَأخذ ورقة بَيَاض كَبِيرَة وَخط فِيهَا صُورَة الدَّار وَتقدم إِلَى أستاذ الدَّار أَن لَا يُمكن أحدا من عمَارَة إِلَى أَن يفرغ من هَذِه الدَّار فَجمع إِلَيْهَا جَمِيع الصناع والأمانين والنجارين فَلم يتَخَلَّف أحد من الصناع بِبَغْدَاد إِلَّا وَحضر إِلَيْهَا وَتقدم الْخَلِيفَة أَن يحضر الْحَاجِب ابْن مُسَافر وَيُؤمر بِأَن يزوق بَيت الخيش الَّذِي يَلِي الشط صُورَة جمَاعَة يذكرُونَ فأحضر ابْن مُسَافر إِلَى دَار الْفلك وَقيل لَهُ أَن يصور صُورَة مَمْلُوك أحضروه عِنْده فقله على الْحَائِط مثله من غير أَن ينقصهُ شَيْئا فَلَمَّا حضر الْخَلِيفَة ورآي تِلْكَ الصُّورَة أَعْجَبته صَنعته فَأمره بِأَن يلازم الْمَكَان فَقَالَ ابْن مُسَافر أُرِيد أَن يكون معي غُلَام مَعَه زبدية الأصباغ ويناولني مَا أُرِيد فَقَالُوا لَهُ إختر من أردْت فَقَالَ أُرِيد معتوق النَّقِيب وَكَانَ من نقباء الدِّيوَان الْعَزِيز فنفذ إِلَى معتوق وأحضر وَكَانَ طوال النَّهَار على الْخشب رَاكِبًا وَكَانَ الْخَلِيفَة يدْخل ويضحك عَليّ ابْن مُسَافر ورفيقه النَّقِيب فَلَمَّا فرغت الدَّار أَمر الْخَلِيفَة أَن يخلع على ابْن مُسَافر وعَلى معتوق رَفِيقه ورسم أَن يرتب ابْن مُسَافر حَاجِب منْطقَة وَزَادُوا معتوقا فِي معيشته
وَأمر الْخَلِيفَة الفراشين بِغسْل دَار الْفلك وَأَن ينْقل إِلَيْهَا من ال فرش جَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الْآنِية وَغير ذَلِك ورتب فِيهَا مُحَمَّد بن جِلْدك فراشا وَمَعَهُ جمَاعَة من الفراشين وزخرفت الدَّار بِالذَّهَب وَالْفِضَّة حَتَّى ذكر أَنه لم يعمر مثلهَا وَكَانَ الْخَلِيفَة إِذا أَرَادَ أَن يصعد إِلَيْهَا من دجلة وقف النَّاس يرقبون صُعُوده فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ لِأَن بَين دَار الْفلك ودجلة خطوَات فَتقدم فَأمر بِأَن يعمر حائطان مشرفان من بَاب دَار الْفلك إِلَى شاطئ دجلة فَيكون مثل الدَّرْب وَيجْعَل فِيهَا طَرِيق للْمُسلمين بِحَيْثُ إِذا صعد
стр. 175
لَا يبصره أحد ورتب فِي الدَّار جمَاعَة كَثِيرَة لحفظها وَجعل لهَذِهِ الدَّار حُرْمَة كَحُرْمَةِ التَّاج الشريف
وفيهَا تقدم الْخَلِيفَة بِأَن يعمر للشَّيْخ عبد الْجَبَّار مُتَقَدم الفتيان صومعة تَحت بَغْدَاد يكون دائرها سور داير فعمرت وانتقل إِلَيْهَا الشَّيْخ عبد الْجَبَّار وَصَارَ الْخَلِيفَة يكثر التَّرَدُّد إِلَى عِنْده والْحَدِيث فِي الفتوة وَمَعْرِفَة الفتيان وَكَانَ النَّاس يمضون إِلَى الشَّيْخ عبد الْجَبَّار ويزورونه ويخدمونه ويتقربون إِلَيْهِ الْأَجَل الْخَلِيفَة ثَبت الله دَعوته وَكَانَ الْخَلِيفَة إِذا أَتَى إِلَى عبد الْجَبَّار رأى عِنْده الْعقَاب نسيبه وَهُوَ ملازمه فَصَارَ الْعقَاب يتحدث مَعَ الْخَلِيفَة ويحضر عِنْده وَيَأْتِي إِلَيْهِ
وَكَانَ بِبَغْدَاد رجل يُقَال لَهُ دَاوُد بن سَمُرَة مُتَقَدم فتيَان جمَاعَة فَأَرَادَ الْخَلِيفَة أَن يحضر عِنْده وَيسمع كَلَامه عِنْده وَمَال إِلَى كَلَامه وَقرب لَدَيْهِ وَصَارَ الْخَلِيفَة ينفذ إِلَيْهِ يحضر عِنْده فِي البدرية ويتبسط مَعَه وَكَانَ عبد الْجَبَّار لَا يسره ذَلِك وَلَا يشتهيه وَكَذَلِكَ الْعقَاب وَعبد الْجَبَّار أَيْضا مَا كَانَ يسرهم ذَلِك والخليفة لَا يعلم حَقِيقَة ذَلِك وَكلما جَاءَ دَاوُد بن سَمُرَة كثر عِنْد الْخَلِيفَة وَزَاد مَوْضِعه وَصَارَ خَلفه حُدُود عشرَة ألف رجل ينسبون إِلَيْهِ وَخَافَ مِنْهُ عبد الْجَبَّار وجماعته
وَفِي هَذِه السّنة سَأَلت أم الْخَلِيفَة أَن يُؤذن لَهَا فِي زِيَارَة مشْهد سر من رأى على ساكنه السَّلَام ومشهد صندوديا فَتقدم الْخَلِيفَة إِلَى المخزن الْمَعْمُور أَن يعْمل لَهَا مَا تحْتَاج من الْإِقَامَة وَتقدم إِلَى ابْن يُونُس الْوَكِيل بِبَاب الْحُجْرَة الشَّرِيفَة أَن يكون على عزم السّفر وَأَن يتسلم جَمِيع مَا عمل للسَّفر وَأَن يتَقَدَّم إِلَى جَمِيع الْعَسْكَر والمماليك أَن يَكُونُوا فِي الْخدمَة وَأَن يُنَادي فِي جَمِيع الْعَسْكَر أَن الْخَلِيفَة فِي الصُّحْبَة للزيارة فأخرجت الخيم وَالْمُضَارب والنوتيات وَخرج الْخَلِيفَة وَأمه إِلَى الزِّيَارَة وَكَانَ يركب
стр. 176
ويتصيد والعسكر فِي خدمته وَهُوَ غير متظاهر وَكَانَ الْأَمِير عماد الدّين طغرل مَعَه وَكَانَ الْخَلِيفَة يفرق كل يَوْم على الْأُمَرَاء صناديق الحلاوات وأصناف المأكل والفاكهة وَابْن يُونُس يتَوَلَّى ذَلِك جَمِيعه وَكَانَ على ابْن أبي الْكَتَائِب ويوسف بن عنبر وَأَبُو الْعِزّ وَمُحَمّد بن يحيى وَأَبُو الْحسن ابْن الْكَرْخِي والطاهر شرف الدّين أَبُو الْفضل بن الطَّاهِر نقيب الطالبيين وَكَانَ الْخَلِيفَة يدْخل للزيارة هُوَ وَأمه وَلَا يُمكن أحد من الدُّخُول إِلَى الزِّيَارَة إِلَّا بعد خروجهما وَأنْفق من الْأَمْوَال حدودا من عشْرين ألف دِينَار وَكَانَ سعود الْخَادِم مُتَوَلِّي دجيل فَكَانَ ينفذ فِي كل يَوْم إِلَى الْعَسْكَر إِقَامَة من شعير وتبن وأغنام وأبقار وَغير ذَلِك أَشْيَاء كَثِيرَة وَكَانَ جَمِيع من كَانَ عِنْد الْخَلِيفَة مَنْسُوبا إِلَى أستاذ الدَّار ابْن الصاحب يذكر جَمِيع مَا يجْرِي يَوْمًا فيوما وَسَاعَة بساعة وَعَاد الْخَلِيفَة دَامَ ظله من تِلْكَ الزِّيَارَة وَمن مَعَه من الْأَصْحَاب والأمراء فِي السفن إِلَى تَحت التَّاج من بَاب الْبُشْرَى وَكَانَ جمَاعَة من المماليك والأمراء يذمون ابْن يُونُس ويقبحون ذكره لكَونه كَانَ الْخَلِيفَة يَأْمُرهُ أَن يُعْطي النَّاس فَكَانَ يُعْطي قَلِيلا حَتَّى إِنَّه رد من صناديق الْحَلْوَى والأطعمة كثيرا فَعلم الْخَلِيفَة بذلك فَأنْكر عَلَيْهِ وَفرق جَمِيع ذَلِك على دور الْأُمَرَاء والمماليك وأرباب الدولة وَكَانَ الْخَلِيفَة قد تقدم إِلَى أستاذ الدَّار أَن يعمر مشْهد سر من رأى وَأَن يشيده وَينفذ إِلَيْهِ فرشا وبسطا وَجَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَكَذَلِكَ أَيْضا فعل بمشهد صدوديا وَأَن يعْطى جَمِيع المجاورين بِهَذَيْنِ المشهدين ثَلَاثَة ألف دِينَار وَأعْطى مشْهد مُوسَى بن جَعْفَر على ساكنه السَّلَام ألف دِينَار لعمارته وَخمْس مائَة دِينَار تفرق على ساكنيه
وفيهَا عمرت أم الْخَلِيفَة مَسْجِدا بمشرعة السقائين على شاطئ دجلة
стр. 177
بمشرعة الحطابين وغرمت عَلَيْهِ جملَة كَبِيرَة وَقَالَت لَا يُصَلِّي فِيهِ إِلَّا رجل حنبلي فأحضر إِلَيْهَا من بَاب الأزج مقرئ جيد فَأمرت بِهِ أَن يحمل إِلَى بَاب الْحُجْرَة وَأَن يخلع عَلَيْهِ فَفعل بِهِ ذَلِك وَجعل إِمَامًا لذَلِك الْمَسْجِد
وفيهَا تقدّمت أم الْخَلِيفَة بعمارة مشْهد لرجل يُقَال لَهُ الشَّيْخ عَليّ بن الهيتي ورباطا هُنَاكَ فَعمل لَهُ قبَّة عَجِيبَة الْبناء وَكَانَ هَذَا الشَّيْخ عَليّ بن الهيتي رجلا صَالحا يَحْكِي عَن عماد الدّين بن رَئِيس الرؤساء أَنه خرج من بَغْدَاد وَتوجه إِلَى نَاحيَة زويدان لتلقي الْحَاج وَكَانَ مَعَه ابْن يُوسُف الدِّمَشْقِي الْوَاعِظ فَقَالَ ابْن يُوسُف لعماد الدّين ابْن الْوَزير إِن الشَّيْخ عَليّ الهيتي كَبِير السن فِي عشر التسعين فَقَالَ عماد الدّين لَا يعقل بل يكون لَهُ سبعين أَو فِي عشر السّبْعين ثمَّ خَاضُوا فِي حَدِيث غَيره إِلَى أَن وصل الوزيران وجاءا إِلَى الشَّيْخ عَليّ بن الهيتي وَهُوَ يُصَلِّي الْعَصْر وَقد سبق الْعِمَاد بِرَكْعَة وَاحِدَة فَلَمَّا دخل مَعَه فِي الصَّلَاة وَفرغ من صلَاته تقدم عماد الدّين ليَأْخُذ يَده ويصافحه فَلَمَّا ترك يَده فِي يَده قَالَ لَهُ أَنْت على الصَّحِيح فِي عشر السّبْعين نَحن قَالَ الْعِمَاد
فَقبلت يَده وَعلمنَا أَنه صَاحب كرامات
ثمَّ إِن أم الْخَلِيفَة لما أكملت بُنيان تِلْكَ الْقبَّة أوقفت عَلَيْهَا قَرْيَة جميلَة يكون ارتفاعها خَمْسمِائَة دِينَار وحملت إِلَيْهَا جَمِيع مَا تحْتَاج إِلَيْهِ من فرش وقناديل من جُمْلَتهَا قنديلان أَحدهمَا فضَّة وَالْآخر ذهب ثمَّ عملت على قَبره لما مَاتَ صندوقا من الساج وغرمت عَلَيْهِ جملَة كَبِيرَة وكتبت اسْمهَا على داير الصندوق هَذَا مَا أوقفته بَحر درة أَمِير الْمُؤمنِينَ
وفيهَا تقدم الْخَلِيفَة إِلَى أستاذ الدَّار أَن يعمر لَهُ دَارا فِي نَاحيَة حسناباذ
стр. 178
من مُعَاملَة نهر ملك وَتقدم إِلَيْهِ بِأَن يعجل فِي عَملهَا فَجمع إِلَيْهَا جمَاعَة من الصناع وَحشر إِلَيْهَا أَرْبَاب الصَّنَائِع ففرغت فِي مُدَّة يسيرَة وَكَانَ يخرج وَمَعَهُ جمَاعَة لرمي البندق ويلبس ثِيَاب الرُّمَاة يَرْمِي مَعَ جمَاعَة مِنْهُم لَيْلًا وبكرة وَعَشِيَّة وَكَانَ يجد الْمَشَقَّة فِي ذَلِك ويلبس قميصين من قطن أَزْرَق وَيفْعل ذَلِك بِيَدِهِ أَيَّام الرَّمْي
وفيهَا أحضر جمَاعَة من قباض الْحمام مثل ابْن الدوامي وَابْن جَابر صَاحب المخزن وَابْن رزين وَغَيرهم من المعروفين بلعب الْحمام وَأمرهمْ أَن يقبضوا مِنْهُ فَفَعَلُوا ذَلِك وَتقدم إِلَى أَصْحَابه أَن يعمروا مبارح ودورا للحمام وَكثر ذَلِك وَصَارَ كل من يُرِيد الْقرب من الْخَلِيفَة يتَقرَّب إِلَيْهِ بِأَن يقبض مِنْهُ الْحمام ولأصحاب الْحمام فِي ذَلِك قَول مَحْفُوظ إِذا حلف أحدهم يَقُول أَصْحَاب الْحمام لزمَه ذَلِك فَلَا يكذب أبدا لقَوْله فِي الفتوة وَرمي البندق
ثَلَاث خِصَال لَا يقدر أحد أَن يكذب بهَا
وفيهَا تقدم عِنْده شمس الدّين عَليّ بن أبي الْكَتَائِب الْمَعْرُوف بالخواجا وَكَانَ يخْدم الْأُمَرَاء وَكبر أمره عِنْد الْخَلِيفَة والأمراء وقربه وَأَدْنَاهُ وَجعل حَدِيث الْأُمَرَاء مَعَه وَكَانَ رجلا كيسا بغداديا دمثا يتمسخر للخليفة ويتطاول حِين يبسطه وَكَانَ الْمَذْكُور حسن المحاضرة كريم الطَّبْع وَحسن حَاله وزادت مَنْزِلَته وتضاعفت حرمته وَكَانَ مسموع القَوْل عِنْد الْخَلِيفَة عَظِيم الْقدر عِنْد أَرْبَاب دولته وَكَانَ إِذا سَأَلَ الْخَلِيفَة بِأَيّ أَمر أَجَابَهُ حَتَّى إِنَّه كَانَ يسْأَله فِي إِطْلَاق من وَجب عَلَيْهِ قتل أَو صَاحب جِنَايَة ويشفع فِيهِ فيشفعه
стр. 179
وفيهَا صعد رجل شَاب على سطح ابْن البُخَارِيّ اسْمه مُحَمَّد الْفراش وَقد انحل حَبل البرادة وَكَانَت طَوِيلَة ملساء فَجعل يُكَلف نَفسه الصعُود لتِلْك الْخَشَبَة وصعدها وَعمل الْحَبل فِي البكرة وَنزل وَكَانَ فِي تِلْكَ السَّاعَة أستاذ الدَّار ابْن الصاحب على سطح دَاره فشاهد هَذِه الْحَال من الْفراش وَبعد أَيَّام نزل إِلَى الدِّيوَان من فتح خزانَة المَال الَّتِي للخليفة وَأخذ خرقَة فِيهَا سبع مائَة دِينَار فَتقدم بِأخذ الخازن والفراشين الَّذين للديوان وعرضهم على الضَّرْب وَكَانَ الخازن رجلا شَيخا كَبِيرا مَا عرف لَهُ وَلَا سمع عَنهُ إِلَّا الْخَيْر وَكَانَ قَرِيبا لأستاذ الدَّار ابْن الصاحب وطولب الخازن بِالذَّهَب وصعب ذَلِك على أستاذ الدَّار كَيفَ تجْرِي مثل هَذِه الْوَاقِعَة فِي ديوَان الْخَلِيفَة فِي أَيَّام ولَايَته فأحضر غلْمَان الدِّيوَان وسألهم عَن هَذِه الْحَال فَقَالُوا لَهُ الَّذِي قد فعل هَذَا قد أَخذ حبلا وشده فِي كَنِيسَة الدِّيوَان وَنزل وَفتح المخزن وَأخذ الذَّهَب وَرجع فَصَعدَ بالحبل فَقَالَ أستاذ الدَّار إِنَّنِي كنت من أَيَّام على سطح دَاري رَأَيْت على سطح ابْن البُخَارِيّ صَبيا فراشا قد صعد فِي حَبل وَتعلق بِهِ وَترك الْحَبل فِي البكرة الَّتِي فِي خَشَبَة البرادة أريده السَّاعَة فنفذ إِلَى ابْن البُخَارِيّ فَسَأَلَ عَن ذَلِك الصَّبِي فَقيل إِنَّه هُوَ مُحَمَّد الْفراش فنفذه إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ أستاذ الدَّار أَيْن الذَّهَب الَّذِي أَخَذته من الدِّيوَان فَأنْكر فَتقدم بضربه فَضرب ودام عَلَيْهِ الضَّرْب فاعترف بسرقته فنفذ مَعَ جمَاعَة من الغلمان فأحضر الذَّهَب وَقد نقص مِنْهُ عشرُون دِينَارا واستؤذن الْخَلِيفَة فِي قطعه فَتقدم أَن يحمل إِلَى حبس اللُّصُوص وَلَا تقطع يَده فَهَذَا مَال من بَيت مَال الْمُسلمين وَله فِيهِ حق بل يحبس فنفذ إِلَى الْحَبْس فَأَقَامَ فِيهِ عشرَة أشهر ثمَّ نقب الْحَبْس وَكسر الْقَيْد الَّذِي فِي رجله وَحسن لجَماعَة من الْعَرَب والمحتسبين أَن يهربوا مَعَه وَعلم بذلك
стр. 180
السجان قبل أَن يتم لَهُم أَمرهم فأحضر شُهُودًا وأوقفهم على نقب الْحَبْس وأحضر إِلَيْهِم الْعَرَب وَقد كسرت الْقُيُود من أَرجُلهم فَاعْتَرفُوا بِمَا عمل مُحَمَّد الْفراش وَكَتَبُوا بذلك مطالعة وَرفعت إِلَى الْعرض الْأَشْرَف فبرز الْخط الشريف بِقطع يَده وَرجله فَإِن مثل هَذَا لَا يَأْتِي على الْمُسلمين مِنْهُ خير فَقطعت يَده وَرجله وَحمل إِلَى البيمار ستان العضدي
وَأما خَازِن الدِّيوَان فَإِنَّهُ كَانَ يلقب بالسديد واسْمه الْأَعَز فَأحْضرهُ أستاذ الدَّار وخلع عَلَيْهِ وَاعْتذر إِلَيْهِ وَأَعَادَهُ إِلَى خدمته وَتقدم الْخَلِيفَة بِأَن يكون الذَّهَب فِي الخزانة فِي صناديق عَلَيْهَا أقفال جِيَاد ويحرس الْمَكَان وَتقدم بِأَن تعلى حيطان الدِّيوَان وَيمْنَع كل طَرِيق إِلَيْهِ وَأَن يعْمل لَهُ سياج من شوك فَفعل ذَلِك فَصَارَ الدِّيوَان لَا سَبِيل لأحد عَلَيْهِ من جِهَة من الْجِهَات ورتب لَهُ الحراس
وفيهَا زَاد إِبْرَاهِيم بن إِبْرَاهِيم على أَمِير الْحَاج طاشتكين مائَة ألف دِينَار فِي ضَمَان الْحلَّة والبلاد السيفية وَمَا ينْسب إلهيا فَتقدم الْخَلِيفَة بإحضار قَاضِي الْقُضَاة وإحضار أَمِير الْحَاج وَأَن يجمع بَينه وَبَين إِبْرَاهِيم بن إِبْرَاهِيم وَأَن يكون من جَانب أستاذ الدَّار ابْن يُونُس الْوَكِيل فَحَضَرَ الْجَمِيع وَأَشَارَ ابْن البُخَارِيّ إِلَى إِبْرَاهِيم بالْكلَام فَقَالَ إِن هَذِه الْحلَّة فِيهَا زِيَادَة على الْمبلغ الَّذِي على هَذَا الْأَمر مائَة ألف دِينَار وَأَنا أضمن الْموضع بِهَذَا وَكَانَ وزيره حِينَئِذٍ المقرب ابْن بختيار فَقَالَ اذكر لنا وُجُوه الزِّيَادَة فَأخذ يذكر وأمير الْحَاج يُنكر وأستاذ الدَّار كَبِير التعصب لأمير الْحَاج وطولع الْخَلِيفَة بِالْحَال فَكتب إِن الْمصلحَة فِي ذَاك أَن تقرر على أَمِير الْحَاج أَن يحمل فِي كل سنة شَيْئا وَيقطع الحَدِيث وَلَا يعين عَلَيْهِ فإننا قد كسرناه فأحضر أَمِير الْحَاج ووزيره ابْن بختيار وَأخذ خطهما بِمَا تقرر على أَمِير الْحَاج وَتقدم إِلَى ابْن إِبْرَاهِيم بالانصراف وكف لِسَانه
следующие страницы →