Полный текст (230 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
ويتصيد والعسكر فِي خدمته وَهُوَ غير متظاهر وَكَانَ الْأَمِير عماد الدّين طغرل مَعَه وَكَانَ الْخَلِيفَة يفرق كل يَوْم على الْأُمَرَاء صناديق الحلاوات وأصناف المأكل والفاكهة وَابْن يُونُس يتَوَلَّى ذَلِك جَمِيعه وَكَانَ على ابْن أبي الْكَتَائِب ويوسف بن عنبر وَأَبُو الْعِزّ وَمُحَمّد بن يحيى وَأَبُو الْحسن ابْن الْكَرْخِي والطاهر شرف الدّين أَبُو الْفضل بن الطَّاهِر نقيب الطالبيين وَكَانَ الْخَلِيفَة يدْخل للزيارة هُوَ وَأمه وَلَا يُمكن أحد من الدُّخُول إِلَى الزِّيَارَة إِلَّا بعد خروجهما وَأنْفق من الْأَمْوَال حدودا من عشْرين ألف دِينَار وَكَانَ سعود الْخَادِم مُتَوَلِّي دجيل فَكَانَ ينفذ فِي كل يَوْم إِلَى الْعَسْكَر إِقَامَة من شعير وتبن وأغنام وأبقار وَغير ذَلِك أَشْيَاء كَثِيرَة وَكَانَ جَمِيع من كَانَ عِنْد الْخَلِيفَة مَنْسُوبا إِلَى أستاذ الدَّار ابْن الصاحب يذكر جَمِيع مَا يجْرِي يَوْمًا فيوما وَسَاعَة بساعة وَعَاد الْخَلِيفَة دَامَ ظله من تِلْكَ الزِّيَارَة وَمن مَعَه من الْأَصْحَاب والأمراء فِي السفن إِلَى تَحت التَّاج من بَاب الْبُشْرَى وَكَانَ جمَاعَة من المماليك والأمراء يذمون ابْن يُونُس ويقبحون ذكره لكَونه كَانَ الْخَلِيفَة يَأْمُرهُ أَن يُعْطي النَّاس فَكَانَ يُعْطي قَلِيلا حَتَّى إِنَّه رد من صناديق الْحَلْوَى والأطعمة كثيرا فَعلم الْخَلِيفَة بذلك فَأنْكر عَلَيْهِ وَفرق جَمِيع ذَلِك على دور الْأُمَرَاء والمماليك وأرباب الدولة وَكَانَ الْخَلِيفَة قد تقدم إِلَى أستاذ الدَّار أَن يعمر مشْهد سر من رأى وَأَن يشيده وَينفذ إِلَيْهِ فرشا وبسطا وَجَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَكَذَلِكَ أَيْضا فعل بمشهد صدوديا وَأَن يعْطى جَمِيع المجاورين بِهَذَيْنِ المشهدين ثَلَاثَة ألف دِينَار وَأعْطى مشْهد مُوسَى بن جَعْفَر على ساكنه السَّلَام ألف دِينَار لعمارته وَخمْس مائَة دِينَار تفرق على ساكنيه
وفيهَا عمرت أم الْخَلِيفَة مَسْجِدا بمشرعة السقائين على شاطئ دجلة
стр. 177
بمشرعة الحطابين وغرمت عَلَيْهِ جملَة كَبِيرَة وَقَالَت لَا يُصَلِّي فِيهِ إِلَّا رجل حنبلي فأحضر إِلَيْهَا من بَاب الأزج مقرئ جيد فَأمرت بِهِ أَن يحمل إِلَى بَاب الْحُجْرَة وَأَن يخلع عَلَيْهِ فَفعل بِهِ ذَلِك وَجعل إِمَامًا لذَلِك الْمَسْجِد
وفيهَا تقدّمت أم الْخَلِيفَة بعمارة مشْهد لرجل يُقَال لَهُ الشَّيْخ عَليّ بن الهيتي ورباطا هُنَاكَ فَعمل لَهُ قبَّة عَجِيبَة الْبناء وَكَانَ هَذَا الشَّيْخ عَليّ بن الهيتي رجلا صَالحا يَحْكِي عَن عماد الدّين بن رَئِيس الرؤساء أَنه خرج من بَغْدَاد وَتوجه إِلَى نَاحيَة زويدان لتلقي الْحَاج وَكَانَ مَعَه ابْن يُوسُف الدِّمَشْقِي الْوَاعِظ فَقَالَ ابْن يُوسُف لعماد الدّين ابْن الْوَزير إِن الشَّيْخ عَليّ الهيتي كَبِير السن فِي عشر التسعين فَقَالَ عماد الدّين لَا يعقل بل يكون لَهُ سبعين أَو فِي عشر السّبْعين ثمَّ خَاضُوا فِي حَدِيث غَيره إِلَى أَن وصل الوزيران وجاءا إِلَى الشَّيْخ عَليّ بن الهيتي وَهُوَ يُصَلِّي الْعَصْر وَقد سبق الْعِمَاد بِرَكْعَة وَاحِدَة فَلَمَّا دخل مَعَه فِي الصَّلَاة وَفرغ من صلَاته تقدم عماد الدّين ليَأْخُذ يَده ويصافحه فَلَمَّا ترك يَده فِي يَده قَالَ لَهُ أَنْت على الصَّحِيح فِي عشر السّبْعين نَحن قَالَ الْعِمَاد
فَقبلت يَده وَعلمنَا أَنه صَاحب كرامات
ثمَّ إِن أم الْخَلِيفَة لما أكملت بُنيان تِلْكَ الْقبَّة أوقفت عَلَيْهَا قَرْيَة جميلَة يكون ارتفاعها خَمْسمِائَة دِينَار وحملت إِلَيْهَا جَمِيع مَا تحْتَاج إِلَيْهِ من فرش وقناديل من جُمْلَتهَا قنديلان أَحدهمَا فضَّة وَالْآخر ذهب ثمَّ عملت على قَبره لما مَاتَ صندوقا من الساج وغرمت عَلَيْهِ جملَة كَبِيرَة وكتبت اسْمهَا على داير الصندوق هَذَا مَا أوقفته بَحر درة أَمِير الْمُؤمنِينَ
وفيهَا تقدم الْخَلِيفَة إِلَى أستاذ الدَّار أَن يعمر لَهُ دَارا فِي نَاحيَة حسناباذ
стр. 178
من مُعَاملَة نهر ملك وَتقدم إِلَيْهِ بِأَن يعجل فِي عَملهَا فَجمع إِلَيْهَا جمَاعَة من الصناع وَحشر إِلَيْهَا أَرْبَاب الصَّنَائِع ففرغت فِي مُدَّة يسيرَة وَكَانَ يخرج وَمَعَهُ جمَاعَة لرمي البندق ويلبس ثِيَاب الرُّمَاة يَرْمِي مَعَ جمَاعَة مِنْهُم لَيْلًا وبكرة وَعَشِيَّة وَكَانَ يجد الْمَشَقَّة فِي ذَلِك ويلبس قميصين من قطن أَزْرَق وَيفْعل ذَلِك بِيَدِهِ أَيَّام الرَّمْي
وفيهَا أحضر جمَاعَة من قباض الْحمام مثل ابْن الدوامي وَابْن جَابر صَاحب المخزن وَابْن رزين وَغَيرهم من المعروفين بلعب الْحمام وَأمرهمْ أَن يقبضوا مِنْهُ فَفَعَلُوا ذَلِك وَتقدم إِلَى أَصْحَابه أَن يعمروا مبارح ودورا للحمام وَكثر ذَلِك وَصَارَ كل من يُرِيد الْقرب من الْخَلِيفَة يتَقرَّب إِلَيْهِ بِأَن يقبض مِنْهُ الْحمام ولأصحاب الْحمام فِي ذَلِك قَول مَحْفُوظ إِذا حلف أحدهم يَقُول أَصْحَاب الْحمام لزمَه ذَلِك فَلَا يكذب أبدا لقَوْله فِي الفتوة وَرمي البندق
ثَلَاث خِصَال لَا يقدر أحد أَن يكذب بهَا
وفيهَا تقدم عِنْده شمس الدّين عَليّ بن أبي الْكَتَائِب الْمَعْرُوف بالخواجا وَكَانَ يخْدم الْأُمَرَاء وَكبر أمره عِنْد الْخَلِيفَة والأمراء وقربه وَأَدْنَاهُ وَجعل حَدِيث الْأُمَرَاء مَعَه وَكَانَ رجلا كيسا بغداديا دمثا يتمسخر للخليفة ويتطاول حِين يبسطه وَكَانَ الْمَذْكُور حسن المحاضرة كريم الطَّبْع وَحسن حَاله وزادت مَنْزِلَته وتضاعفت حرمته وَكَانَ مسموع القَوْل عِنْد الْخَلِيفَة عَظِيم الْقدر عِنْد أَرْبَاب دولته وَكَانَ إِذا سَأَلَ الْخَلِيفَة بِأَيّ أَمر أَجَابَهُ حَتَّى إِنَّه كَانَ يسْأَله فِي إِطْلَاق من وَجب عَلَيْهِ قتل أَو صَاحب جِنَايَة ويشفع فِيهِ فيشفعه
стр. 179
وفيهَا صعد رجل شَاب على سطح ابْن البُخَارِيّ اسْمه مُحَمَّد الْفراش وَقد انحل حَبل البرادة وَكَانَت طَوِيلَة ملساء فَجعل يُكَلف نَفسه الصعُود لتِلْك الْخَشَبَة وصعدها وَعمل الْحَبل فِي البكرة وَنزل وَكَانَ فِي تِلْكَ السَّاعَة أستاذ الدَّار ابْن الصاحب على سطح دَاره فشاهد هَذِه الْحَال من الْفراش وَبعد أَيَّام نزل إِلَى الدِّيوَان من فتح خزانَة المَال الَّتِي للخليفة وَأخذ خرقَة فِيهَا سبع مائَة دِينَار فَتقدم بِأخذ الخازن والفراشين الَّذين للديوان وعرضهم على الضَّرْب وَكَانَ الخازن رجلا شَيخا كَبِيرا مَا عرف لَهُ وَلَا سمع عَنهُ إِلَّا الْخَيْر وَكَانَ قَرِيبا لأستاذ الدَّار ابْن الصاحب وطولب الخازن بِالذَّهَب وصعب ذَلِك على أستاذ الدَّار كَيفَ تجْرِي مثل هَذِه الْوَاقِعَة فِي ديوَان الْخَلِيفَة فِي أَيَّام ولَايَته فأحضر غلْمَان الدِّيوَان وسألهم عَن هَذِه الْحَال فَقَالُوا لَهُ الَّذِي قد فعل هَذَا قد أَخذ حبلا وشده فِي كَنِيسَة الدِّيوَان وَنزل وَفتح المخزن وَأخذ الذَّهَب وَرجع فَصَعدَ بالحبل فَقَالَ أستاذ الدَّار إِنَّنِي كنت من أَيَّام على سطح دَاري رَأَيْت على سطح ابْن البُخَارِيّ صَبيا فراشا قد صعد فِي حَبل وَتعلق بِهِ وَترك الْحَبل فِي البكرة الَّتِي فِي خَشَبَة البرادة أريده السَّاعَة فنفذ إِلَى ابْن البُخَارِيّ فَسَأَلَ عَن ذَلِك الصَّبِي فَقيل إِنَّه هُوَ مُحَمَّد الْفراش فنفذه إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ أستاذ الدَّار أَيْن الذَّهَب الَّذِي أَخَذته من الدِّيوَان فَأنْكر فَتقدم بضربه فَضرب ودام عَلَيْهِ الضَّرْب فاعترف بسرقته فنفذ مَعَ جمَاعَة من الغلمان فأحضر الذَّهَب وَقد نقص مِنْهُ عشرُون دِينَارا واستؤذن الْخَلِيفَة فِي قطعه فَتقدم أَن يحمل إِلَى حبس اللُّصُوص وَلَا تقطع يَده فَهَذَا مَال من بَيت مَال الْمُسلمين وَله فِيهِ حق بل يحبس فنفذ إِلَى الْحَبْس فَأَقَامَ فِيهِ عشرَة أشهر ثمَّ نقب الْحَبْس وَكسر الْقَيْد الَّذِي فِي رجله وَحسن لجَماعَة من الْعَرَب والمحتسبين أَن يهربوا مَعَه وَعلم بذلك
стр. 180
السجان قبل أَن يتم لَهُم أَمرهم فأحضر شُهُودًا وأوقفهم على نقب الْحَبْس وأحضر إِلَيْهِم الْعَرَب وَقد كسرت الْقُيُود من أَرجُلهم فَاعْتَرفُوا بِمَا عمل مُحَمَّد الْفراش وَكَتَبُوا بذلك مطالعة وَرفعت إِلَى الْعرض الْأَشْرَف فبرز الْخط الشريف بِقطع يَده وَرجله فَإِن مثل هَذَا لَا يَأْتِي على الْمُسلمين مِنْهُ خير فَقطعت يَده وَرجله وَحمل إِلَى البيمار ستان العضدي
وَأما خَازِن الدِّيوَان فَإِنَّهُ كَانَ يلقب بالسديد واسْمه الْأَعَز فَأحْضرهُ أستاذ الدَّار وخلع عَلَيْهِ وَاعْتذر إِلَيْهِ وَأَعَادَهُ إِلَى خدمته وَتقدم الْخَلِيفَة بِأَن يكون الذَّهَب فِي الخزانة فِي صناديق عَلَيْهَا أقفال جِيَاد ويحرس الْمَكَان وَتقدم بِأَن تعلى حيطان الدِّيوَان وَيمْنَع كل طَرِيق إِلَيْهِ وَأَن يعْمل لَهُ سياج من شوك فَفعل ذَلِك فَصَارَ الدِّيوَان لَا سَبِيل لأحد عَلَيْهِ من جِهَة من الْجِهَات ورتب لَهُ الحراس
وفيهَا زَاد إِبْرَاهِيم بن إِبْرَاهِيم على أَمِير الْحَاج طاشتكين مائَة ألف دِينَار فِي ضَمَان الْحلَّة والبلاد السيفية وَمَا ينْسب إلهيا فَتقدم الْخَلِيفَة بإحضار قَاضِي الْقُضَاة وإحضار أَمِير الْحَاج وَأَن يجمع بَينه وَبَين إِبْرَاهِيم بن إِبْرَاهِيم وَأَن يكون من جَانب أستاذ الدَّار ابْن يُونُس الْوَكِيل فَحَضَرَ الْجَمِيع وَأَشَارَ ابْن البُخَارِيّ إِلَى إِبْرَاهِيم بالْكلَام فَقَالَ إِن هَذِه الْحلَّة فِيهَا زِيَادَة على الْمبلغ الَّذِي على هَذَا الْأَمر مائَة ألف دِينَار وَأَنا أضمن الْموضع بِهَذَا وَكَانَ وزيره حِينَئِذٍ المقرب ابْن بختيار فَقَالَ اذكر لنا وُجُوه الزِّيَادَة فَأخذ يذكر وأمير الْحَاج يُنكر وأستاذ الدَّار كَبِير التعصب لأمير الْحَاج وطولع الْخَلِيفَة بِالْحَال فَكتب إِن الْمصلحَة فِي ذَاك أَن تقرر على أَمِير الْحَاج أَن يحمل فِي كل سنة شَيْئا وَيقطع الحَدِيث وَلَا يعين عَلَيْهِ فإننا قد كسرناه فأحضر أَمِير الْحَاج ووزيره ابْن بختيار وَأخذ خطهما بِمَا تقرر على أَمِير الْحَاج وَتقدم إِلَى ابْن إِبْرَاهِيم بالانصراف وكف لِسَانه
стр. 181
وفيهَا عجز ابْن البُخَارِيّ عَن الرّكُوب ليَوْم الْعِيد إِلَى الدِّيوَان لِأَنَّهُ كَانَ بِهِ مرض قد أعجزه وأثقله وَكَانَ يُكَلف نَفسه الْجُلُوس فِي الدِّيوَان لأجل المنصب وَقد ذكر أَن سَبَب ذَلِك الْمَرَض من جِهَة زَوجته وَأَنَّهَا أسقته سما فتطاول مَرضه لذَلِك فَاسْتَأْذن الْخَلِيفَة أَن يَجْعَل فِي محفة وَيحمل إِلَى صفة الزَّيْتُون فَجَلَسَ فِي مَوْضِعه وَكَانَ قد تناهى بِهِ الْمَرَض وَعجز عَن الْحَرَكَة فَحَضَرَ أَرْبَاب الدولة وَأنْشد الشُّعَرَاء مدحهم وَكَانَ عِنْده شغل من شدَّة مَرضه
وفيهَا وضع أستاذ الدَّار من نقل إِلَى الْخَلِيفَة أَن أَبَا الْحسن بن الْكَرْخِي يسمج وَيَقُول عَنهُ أَشْيَاء وَيذكر جَمِيع مَا يكون فِيهِ من أَحْوَال تجْرِي فِي خلْوَة أَو مجْلِس ويتحدث بذلك فِي الْأَسْوَاق وَأَن الدَّلِيل على صِحَة مَا نقل عَنهُ أَن الخطير الْبَزَّاز قد حكى عَنهُ جَمِيع ذَلِك فَتقدم الْخَلِيفَة بإحضار الخطير الْبَزَّاز وَسمع كَلَامه فَتقدم الْخَلِيفَة بِمَنْع ابْن الْكَرْخِي من الدُّخُول إِلَيْهِ ثمَّ تقدم أستاذ الدَّار إِلَى كل من أَخذ مِنْهُ ابْن الْكَرْخِي هَدِيَّة أَو قرضا أَو شَيْئا أَن يُطَالِبهُ بِهِ إِلَى أَن استوعب مَاله وَابْن الْكَرْخِي يعْتَقد أَن ذَلِك يُرْضِي الْخَلِيفَة وَتقدم بِقطع معيشته من الدِّيوَان ومعيشة أَبِيه أَيْضا وَكَانَ أَبوهُ حَاجِب منْطقَة وحاجب مِنْبَر فَكتب عَمْرو الْعلي بن النشال الْهَاشِمِي وَكَانَ هَذَا الْمَذْكُور يخْدم الْخَلِيفَة لما كَانَ أَمِيرا فَلَمَّا ولى الْخلَافَة تقدم بِأَن يرتب حاجبا صَغِيرا فرتب وَكَانَ النَّاس يستعظمون ذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ يَبِيع الْحَطب وَكتب رقْعَة يسْأَل فِيهَا أَن يرتب حَاجِب منْطقَة وحاجب مِنْبَر مَوضِع ابْن الْكَرْخِي الشَّيْخ الملقب بولِي الدّين فَوَقع الْخَلِيفَة عَلَيْهَا بِالْإِذْنِ وَعرضت على ابْن البُخَارِيّ فنفذ إِلَى أستاذ الدَّار وَقَالَ
إِن النَّاس يستعظمون ذَلِك وَكَون هَذَا فِي الدِّيوَان حَاجِب صَغِير فاستقبح قَوْله فَقَالَ إِن الْخَلِيفَة قد تقدم بذلك وَلَا يسيئه بَيْعه الْحَطب مَعَ أَنه من الأسرة الهاشمية فَلَا تقل فِي هَذَا شَيْئا أَلْبَتَّة ثمَّ أحضر ابْن النشال وَأَجْلسهُ بَين يَدَيْهِ وَصَارَ مَوضِع ابْن الْكَرْخِي وَعلم
стр. 182
النَّاس أَن الْخَلِيفَة قد تعصب لهَذَا ثمَّ تقدم إِلَى هَذَا الْمَذْكُور أَن يكْتب مطالعة تشْتَمل على أَحْوَال الدِّيوَان سرا بِحَيْثُ لَا يعلم أحد وَكبر عِنْد النَّاس بِهَذِهِ الْحَال
وفيهَا ورد ضِيَاء الدّين ابْن الشهرزوري إِلَى بَغْدَاد رَسُولا من عِنْد صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب وَكَانَ ابْن البُخَارِيّ قد تناهى بِهِ الْمَرَض وَعمل فِيهِ السم حَتَّى تساقطت أَظْفَاره ومعظم شعره وَبَقِي كالفرخ وَتقدم بِإِخْرَاج الموكب للقاء ابْن الشهرزوري فَلَمَّا كَانَ بعد ثَلَاثَة أَيَّام من قدومه تقدم إِلَى ابْن البُخَارِيّ أَن يجلس لَهُ وَيسمع كَلَامه وَرَأى أَنه لَا يقدر على ذَلِك لشدَّة الْمَرَض فَتقدم أَن يعْمل لَهُ طراحة ومسند فِي بَاب حجرَة صَغِيرَة وَلها دهليز إِلَى النِّسَاء وَجعل على الْبَاب سترا وَجلسَ وَالنِّسَاء عِنْده إِلَى أَن حضر الرَّسُول وَحضر خَالص الْخَادِم ومشرف الدِّيوَان أَبُو غَالب بن الْخلال وَكَانَ يَوْمئِذٍ يَنُوب عَن كَاتب الْإِنْشَاء وَحضر المقربون وَالنَّاس وَلم يتَخَلَّف أحد مِمَّن جرت عَادَته أَن يحضر وَتقدم إِلَى المماليك الْخَواص أَن يحضروا حَتَّى يكثر الْجمع بهم فَحَضَرُوا وأحضر ابْن الشهرزوري وَمَا كَانَ صحبته من التحف وأزالوا السّتْر الَّذِي كَانَ ابْن البُخَارِيّ علقه فَقَامَ النَّاس لقدومه وخدموه وَتقدم إِلَيْهِ أَن يذكر مَا عِنْده فَقَامَ وخطب خطْبَة حَسَنَة بليغة وَأخذ يذكر فتوح صَلَاح الدّين وجهاده وَمَا هُوَ عَلَيْهِ من المرابطة للْكفَّار وَأَنه مَمْلُوك مخلص وَأَن مَا لهَذِهِ الدولة الْقَاهِرَة مثله وَلَا من يجْرِي مجْرَاه وَلَا من يماثله فِي الْعُبُودِيَّة وَبَالغ فِي ذَلِك ثمَّ جلس فَالْتَفت إِلَيْهِ ابْن البُخَارِيّ وَقَالَ لَهُ يَا أَبَا الْقَاسِم إِذا رجعت إِلَى يُوسُف بن أَيُّوب فَقل لَهُ يقْرَأ قَوْله تَعَالَى ﴿قل لَا تمنوا عَليّ إسلامكم بل﴾
стр. 183
الله يمن عَلَيْكُم أَن هدَاكُمْ للْإيمَان) الْمِنَّة للخليفة ثَبت الله دَعوته فِي تقبل مثله وَهَذِه الْبِلَاد الْمَفْتُوحَة بسعادة هَذِه الْأَيَّام وَبِحسن التَّعَبُّد لَهَا وبشمول أنعمه عَلَيْهِ فَيَنْبَغِي لَهُ أَن يعلم ذَلِك ويتحققه فَعجب النَّاس من جَوَابه ثمَّ أحضرت التحف وَكَانَ فِيهَا شَيْء من دهن البلسان وحقة جَوْهَر وَثيَاب مصرية ومقايير مذهبَة وخركاه وَشَيْء من الْعدة الَّتِي قد أخذت من الفرنج فَتقدم لي ابْن الْخلال أَن يكْتب إِلَى الْعرض الْأَشْرَف بشرح الْحَال الَّتِي جرت وَذكر عَن ابْن الشَّهْر زورى مَا أَفَاضَ من الْأَدْعِيَة الصَّالِحَة عَن مرسله وَأَنه قد صَحبه كَذَا وَكَذَا وَأخذ المطالعة ابْن البُخَارِيّ وَكتب عَلَيْهَا أَنه يسْأَل قبُول ذَلِك وَنفذ المطالعة ثمَّ أسبل عَلَيْهِ السّتْر وَلم يزل النَّاس على طبقاتهم حَتَّى رَجَعَ الْجَواب من الْخَلِيفَة وَكَانَ مَضْمُون مَا كتبه
وقف على مَا أنهاه من حُضُور رَسُول صَلَاح الدّين كثر الله فِي الْأَوْلِيَاء مثله وَمَا ذكره من حَال نصرته وَذَلِكَ بِنَا وبآرائنا وهمتنا وَمَا نفذ فقد شرف بقبوله ثمَّ تقدم إِلَى الرَّسُول بالانكفاء إِلَى الْموضع الَّذِي أعد لَهُ وَكَانَ قد أنزل بدار بالخاتونية البرانية وَكَانَ النَّاس يتعجبون من كَلَام ابْن البُخَارِيّ وَحسن ذهنه ودرايته وَهُوَ مشارف للْمَوْت
وفيهَا مَاتَ ابْن البُخَارِيّ نَائِب الوزارة وَذَلِكَ بعد أَيَّام من قدوم ابْن الشَّهْر زورى
وَلما توفّي ابْن البُخَارِيّ نفذ أستاذ الدَّار إِلَى دَاره فاستولى على مَا فِيهَا من قَلِيل وَكثير وَختم عَلَيْهِ وَغير ذَلِك من خيل ودواب وَأمر بتجهيزه فَغسل وكفن وَحمل إِلَى جَامع الْقصر وَصلى عَلَيْهِ وَلم يتَخَلَّف عَنهُ أحد من أَرْبَاب الدولة وَحمل إِلَى مَقَابِر عِنْد قبر أَحْمد بن حَنْبَل رَضِي الله عَنهُ
стр. 184
وَتقدم أستاذ الدَّار أَن يمْضِي جَمِيع أَرْبَاب الدولة إِلَى مَكَان دَفنه وَحمل جَمِيع مَا كَانَ خَلفه من مَال وخيل ورقيق إِلَى المخزن الْمَعْمُور وَكَانَ ابْن البُخَارِيّ قد وهب لبَعض مماليكه بعض أملاكه فَأخذت مِنْهُم الْكتب وَأخذت الْأَمْلَاك وَكَانَ أستاذ الدَّار قد حزن عَلَيْهِ فَلَمَّا مَاتَ احتوى على مَا كَانَ لَهُ من مطالعات يطالعه بهَا وَلَا يَشْتَهِي أَن يظْهر عَلَيْهَا أحد وَكَانَ أستاذ الدَّار يعْمل أَشْيَاء وَلَا يحب أَن يطلع عَلَيْهَا الْخَلِيفَة وَكَانَ أستاذ الدَّار يطْلب من ابْن البُخَارِيّ مَا كَانَ يكاتبه بِهِ من مطالعة وَغَيرهَا فَيَقُول ذَلِك قد غسلته ويتركه عِنْده لوقت حَاجته فَلَمَّا مَاتَ رأى تِلْكَ اللَّيْلَة الخطوط وَلم يغسلهَا فَعلم أَنه كَانَ يُرِيد قَتله ففرح حِينَئِذٍ بِمَوْتِهِ
وفيهَا أنعم الْخَلِيفَة على مُحَمَّد بن يحيى بِجَمِيعِ الأَرْض والبستان المجاور لمحلة قطفتا والأرحاء على نهر عِيسَى فعمر جَمِيع الْبُسْتَان وَعمر فِيهِ دَارا حَسَنَة وَعمر ملاصق الْبُسْتَان خانات وَعمر أَيْضا دَارا حَسَنَة لبيع الْغَزل وَصَارَ هُنَاكَ سوق حسن لم يعرف من قبل وَسَأَلَ الْخَلِيفَة أَن يعْمل هُنَاكَ نَهرا وَيجْرِي فِيهِ المَاء إِلَى الْبُسْتَان الْمَذْكُور إِلَى الْخَانَات من محوله يزدجرد فَأذن لَهُ فِي ذَلِك فَلَمَّا وصل المَاء إِلَى الْمَوَاضِع رغب النَّاس فِي ذَلِك الْموضع وَصَارَت محلّة من محَال بَغْدَاد فِيهَا البيع وَالشِّرَاء ومحط القوافل وَجعل مُحَمَّد بن يحيى الْفراش يحمل إِلَى الْبُسْتَان من سَائِر الْأَشْجَار ويغرس فِيهِ فأينع وأثمر وَوصف للخليفة فَمضى إِلَيْهِ وَأقَام فِيهِ يَوْمًا وَلَيْلَة فَرَآهُ موضعا حسنا نزها وَكَانَت أَكثر فُرْجَة أهل بَغْدَاد على نهر عِيسَى وَكَانَ الخيفة كثير الترداد إِلَى ذَلِك الْموضع وَكَانَ فِي تِلْكَ الدَّار الَّتِي فِي الْبُسْتَان روشن حسن الْبناء فَكَانَ الْخَلِيفَة يجلس فِيهِ
стр. 185
وَكَانَ بهاء الدّين أرغش من المماليك المستنجدية قد كبر عِنْده فَكَانَ يقربهُ الْخَلِيفَة ويتحدث مَعَه وَكَانَ الشرابي يحسده على ذَلِك وَلَا يحب قربه من الْخَلِيفَة
وَلما حسن الْموضع وراق للخليفة تقدم إِلَى مُحَمَّد بن يحيى بزرع الجزيرة الْمُجَاورَة لَهُ مبقلة وخضرا فَصَارَ ذَلِك الْموضع من أنزه الْمَوَاضِع وَصَارَ ذَلِك الخليفه الْموضع محروسا بعد أَن كَانَ طَرِيقا وَكَانَ أهل بَغْدَاد يخرجُون فِي كل يَوْم للفرجة مِمَّن جرت لَهُ عَادَة من الرِّجَال وَالنِّسَاء وَكَانَ يخرج جمَاعَة من الْمُحدثين المتمسخرين إِلَى ذَلِك الْموضع والخليفة قَاعد فِي شباك يتفرج على الْعَوام
وَكَانَ لأهل بَغْدَاد عَادَة إِلَى الْيَوْم فُرْجَة بعد أُسْبُوع من الْعِيد يخرجُون إِلَى الفرجة والتنزه وَيَقُولُونَ ندفن الْعِيد وَيخرج رُؤَسَاء الْمحَال والمقدمون مِنْهُم ويحضرون شخصا يتمسخرون عَلَيْهِ ويكفنونه كالميت ويبكون عَلَيْهِ فَإِذا طابوا ولعبوا سَاعَة من يومهم ذَلِك قَامَ ذَلِك الشَّخْص الَّذِي كفن كَهَيئَةِ الْمَيِّت ويجعلونه مضحكة فَأمر الْخَلِيفَة أَن يدْفن الْعِيد عِنْد بُسْتَان ابْن يحيى وَأَشَارَ إِلَيْهِ بذلك
فَلَمَّا كَانَ بعد الْعِيد تقدم ابْن يحيى إِلَى رُؤَسَاء الْعَوام ومتقدمي المجال أَن يخرجُوا لدفن الْعِيد فِي ذَلِك الْموضع الْمَذْكُور فَخرج خلق لَا يُحْصى عَددهمْ إِلَّا الله من الرِّجَال وَالنِّسَاء والأطفال والخليفة ينظر إِلَى الْعَوام وفعالهم فقد أَتَوا بشخص مِنْهُم كَهَيئَةِ الْمَيِّت قد كفن وَحمل فِيمَا بَينهم فقوم مِنْهُم يَبْكُونَ ويصرخون وَقوم يعزون وَقوم يندبون ويعملون عزية للعيد فَإِذا ضجروا نزل النَّاس قُدَّام بَين يَدي السّتْر فيلقون الْمَيِّت فِي المَاء
стр. 186
فَيبقى فِيهِ سَاعَة والخليفة يضْحك عَلَيْهِم فَينزل مُتَقَدم الفراشين وَمَعَهُ مائَة دِينَار إمامية فَيَقُول لمقدم الْعَوام هَذِه الْمِائَة دِينَار لأجل الْمَيِّت فَحِينَئِذٍ يقوم الْمَيِّت المكفن من المَاء فيتصارخ النَّاس لذَلِك وَيضْحَكُونَ وَيدعونَ للخليفة وَكَانَ فِي ذَلِك الْيَوْم على سطح تِلْكَ الدَّار جمَاعَة من المماليك الْخَواص مثل سنجر وَإيَاس الرُّومِي وبرنبا العلائي وَيَاقُوت وقيطرس وَجَمَاعَة من المماليك
فَلَمَّا انْقَضى دفن الْعِيد وَخَرجُوا بأسرهم وَتَحْت كل وَاحِد مِنْهُم حصان عَلَيْهِ سرج بِذَهَب وتخت وطوق وسر فَسَار وَعَلَيْهِم ملابس الزركش وَالثيَاب الطلس فَكَانُوا يركبون يَوْم يكون من الْحِلْية وَالثيَاب فَكَانَ أهل بَغْدَاد يرجعُونَ من فرجتهم يتفرجون على المماليك وَيَقُولُونَ
نَحن كُنَّا نتفرج على الْمَيِّت فَلم لَا نتفرج على هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَة الَّذين قد خَرجُوا
ذكر مَا تجدّد للْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين فِي هَذِه السّنة من الْغَزَوَات والفتوحات
وَلما دخلت هَذِه السّنة شرع السُّلْطَان بمكاتبة الجوانب والأطراف والحث على وُصُول عَسَاكِر الْإِسْلَام إِلَى دمشق ليتوجه مِنْهَا إِلَى غزَاة الكرك فَلم تزل العساكر تتواصل من الْبِلَاد الشامية وبلاد الجزيرة وديار بكر فَلَمَّا تكاملت عدَّة العساكر سَار بهَا مُتَوَجها إِلَى الكرك فَكَانَ نُزُوله على نَاحيَة أدر من أَعمالهَا خَامِس شهر ربيع الآخر وَوصل كتاب السُّلْطَان إِلَى وَالِدي الْملك المظفر سقى الله عهوده الرضْوَان وَكَانَ نَائِبه بِمصْر بوصوله إِلَيْهِ بالعساكر المصرية فشرع فِي تجهيز العساكر فحين تكاملت خرج إِلَيْهَا مُتَوَجها إِلَى الكرك فَأَشْرَف بعد أَيَّام على أَعمالهَا وتلقاه السُّلْطَان بعساكره ونزلوا جَمِيعًا قبالة الْحصن على الْوَادي وَوَقع التضافر على مضايقة
стр. 187
أهل الشّرك وَعبر السُّلْطَان إِلَى الربض فَنزل فِي دَار الرئيس وَنصب عَلَيْهَا تِسْعَة من المنجنيقات الْكِبَار ورتب عَلَيْهَا جمَاعَة من الرِّجَال والأبطال يضمها صفا وَاحِدًا قُدَّام الْبَاب فَلم يزل يرميهم بِالْحِجَارَةِ حَتَّى أزعج من بالحصن وَلم يبْق بَينه وَبينهمْ مَانع إِلَّا الخَنْدَق الْوَاسِع العميق فَأَشَارَ السُّلْطَان بطمه وَكَانَ ذَلِك من الْأُمُور الصعاب فَأمر السُّلْطَان بِضَرْب اللَّبن وَجمع الأخشاب وَبِنَاء الْحِيطَان مُقَابلَة الربض إِلَى الخَنْدَق وتسقيفها وتأليف ستائرها وَلما تمّ ذَلِك توافدت رجال الْعَسْكَر وغلمانه على نقل مَا يرْمى فِي الخَنْدَق وتبادر النَّاس إِلَى طمه بِالتُّرَابِ فتمادى ذَلِك على تتَابع الْأَيَّام والليالي وَاسْتمرّ الْمقَام بِنَا وَطَابَتْ نفوسنا على ذَلِك
فَبينا نَحن مقيمون فِي حصارهم إِذْ وصلنا الْخَبَر باجتماع الفرنج وتحاشدهم فِي الْموضع الْمَعْرُوف بالواله وَكُنَّا قد ضايقنا الكرك أَشد مضايقة فَلم ير بدا من النهوض إِلَيْهِم وَكَانَت الطَّرِيق إِلَيْهِم ضيقَة وعرة فصابرهم أَيَّامًا فَلم يقدر على الْوُصُول إِلَيْهِم فَلَمَّا طَال ذَلِك قَالَ السُّلْطَان
الرَّأْي أَن نرحل عَنْهُم ونبعد عَن جهتهم لَعَلَّهُم يخرجُون من الضّيق إِلَى السعَة فنرجع عَلَيْهِم ونظفر بهم فَرَحل عَنْهُم وَأقَام على فراسخ يسيرَة وَترك هُنَاكَ الْأَمِير عز الدّين جاولي مطلعا فِي أَحْوَالهم فَلَمَّا رَحل عَن الْموضع رجعُوا الْقَهْقَرِي لَيْلًا وسلكوا فِي المضايق من جبل إِلَى جبل وَأتوا إِلَى الكرك فتأسف السُّلْطَان عِنْد فَوت الْغَرَض مِنْهُم وعزم على الرحيل إِلَى نابلس فَرَحل نَحْوهَا فسبى وسلب وغنم وَأقَام عَلَيْهَا يَوْمًا وَاحِدًا حَتَّى
стр. 188
استخرج الْعَسْكَر الْغَنَائِم وَكَانَ النَّاس قد تفَرقُوا فِي الشعاب والأودية فَلَمَّا تَكَامل جمعهم رَحل بهم فَنزل على سبسطية وفيهَا مشْهد زَكَرِيَّا ﵇ وَقد اتَّخذهُ الفرنج كَنِيسَة وأودعوها أَمْتعَة كَثِيرَة وَكَانَ فِيهَا جمَاعَة من الرهبان والقسوس ففدوها بِأسَارَى من الْمُسلمين وطلبوا الْأمان ثمَّ رَحل من هُنَاكَ فَكَانَ اجْتِمَاع العساكر على الفوار وَوَصله الْخَبَر بوصول رسل دَار الْخلَافَة إِلَى دمشق فَسَار بعساكره مُتَوَجها إِلَيْهَا محفوفا بالنصر وَالظفر فَلَمَّا دَخلهَا اجْتمع برسولي دَار الْخلَافَة وهما صدر الدّين شيخ الشُّيُوخ وَبشير الْخَادِم فأفاضا عَلَيْهِ الْخلْع النَّبَوِيَّة وَكَانَ قد وَصله مَعَ الرسولين الْمَذْكُورين قصيدة امتدحه بهَا الْأَجَل الْعَالم جمال الْكتاب أَمِين الدولة أَبُو الْفَتْح مُحَمَّد بن عبيد الله بن عبد الله سبط التعاويذي الْكَاتِب الْبَغْدَادِيّ وَكَانَ من أفاضل الشُّعَرَاء بدار الْخلَافَة فأنفذها إِلَيْهِ يهنيه بِالْخلْعِ النَّبَوِيَّة وَهِي
(حتام أرضي فِي هَوَاك وتغضب ... وَإِلَى مَتى تجني عَليّ وتعتب)
(مَا كَانَ لي لَوْلَا ملا لَك ذلة ... لما مللت زعمت أَنِّي مذنب)
(خُذ فِي أفانين الصدود فَإِن لي ... قلبا على العلات لَا يتقلب)
(أتظنني أضمرت بعْدك سلوة ... هَيْهَات عطفك من سلوى أقرب)
(لي فِيك نَار جوانح مَا تنطفي ... حرقا وَمَاء مدامع مَا ينضب)
стр. 189
(أنسيت أَيَّامًا لنا ولياليا ... للهو فِيهَا والبطالة ملعب)
(أَيَّام لَا الواشي يعد ضَلَالَة ... ولهى عَلَيْك وَلَا العزول يؤنب)
(قد كنت تنصفني الْمَوَدَّة رَاكِبًا ... فِي الْحبّ من أخطاره مَا أركب)
(فاليوم أقنع أَن يمر بمضجعي ... فِي النّوم طيف خيالك المتأوب)
(مَا خلت أوراق الصبى تذوي نضارتها ... وَلَا أَن الشبيبة تسلب)
(حَتَّى انجلى ليل الغواية واهتدى ... سارى الدجى وانجاب ذَاك الغيهب)
(وتنافر الْبيض الحسان فَأَعْرَضت ... عني سعاد وأنكرتني زَيْنَب)
(قَالَت وريعت من بَيَاض مفارقي ... وشحوب لوني بَان مِنْك الأطيب)
(إِن تنكري سقمي فخصرك ناحل ... أَو تنكري شيبى فثغرك أشنب)
(يَا طَالبا بعد المشيب غضارة ... من عيشه ذهب الزَّمَان الْمَذْهَب)
стр. 190
(أتروم بعد الْأَرْبَعين تعدها ... وصل الدمى هَيْهَات عز الْمطلب)
(وَمن الشَّقَاء وَقد ثناك طلابه ... نفعا فتطلبه ونورك أشيب)
(لَوْلَا الْهوى العذري يَا دَار الْهوى ... مَا هاج لي طَربا وميض خلب)
(كلا وَلَا استجذبت أخلاف الحيا ... وندى صَلَاح الدّين هام صيب)
(ملك ترفع عَن ضريب قدره ... فإليه أكباد الرَّوَاحِل تضرب)
(أردى لَهُ الْأَعْدَاء جد غَالب ... وَحمى الممالك مِنْهُ لَيْث أغلب)
(يُرْجَى ويرهب بأسه والماجد المفضاه ... من يُرْجَى نداه ويرهب)
(ثَبت إِذا غشى الوغى والزاغبية ... شرع والأعوجية شذب)
(مخضرة أكنافه لوفوده ... وَالْعَام محمر الذوائب أَشهب)
(أَرض بروض المكرمات أريضة ... وثرى بنوار الْفَضَائِل معشب)
(صب بتشييد المآثر مُتْعب ... فِيهَا وَمن شاد المآثر يتعب)
(حملت بِهِ بعد العقام فأنجبت ... أم العلى مَا كل أم تنجب)
стр. 191
(ملكت سجاياه الْقُلُوب محبَّة ... إِن الْكَرِيم إِلَى الْقُلُوب محبب)
(كف يكف الحادثات وراحة ... ترتاح للجدوى وقلب قلب)
(وندى يهش إِلَى العفاة تكرما ... ومواهب بالطارقين ترحب)
(وغرامه كالنار شَاب ضرامها ... خلق أرق من الزلَال وَأطيب)
(يغريه بِالْعَفو الجناة كَأَنَّمَا ال ... جاني إِلَيْهِ بِذَنبِهِ يتَقرَّب)
(فَيرى لَهُم حَقًا عَلَيْهِ وَلم يكن ... ليبين فضل الْعَفو لَوْلَا المذنب)
(يَا طالبي شأو ابْن أَيُّوب قفوا ... أنضادكم مَا كل شأو يطْلب)
(لَا تقتفوا لأبي المظفر فِي الندى ... أثرا وَلَا تسمو إِلَيْهِ فتتعبوا)
(بك يَا صَلَاح الدّين يُوسُف أكثب ... النائي ورف المقشعر المجدب)
(ذللت أَخْلَاق الزَّمَان لأَهله ... فأطاع وَهُوَ الخالع المتغضب)
(واقمت سوقا للمدائح مربحا ... فإليه أعلاق الْفَضَائِل تجلب)
(ونهضت لِلْإِسْلَامِ نهضة صَادِق العزمات ... ترأب من يناه وتشعب)
стр. 192
(وغضبت الدّين الحنيف وَلم تزل ... فِي الله ترْضى مُنْذُ كنت وتغضب)
(غادرت أهل البغى بَين مجندل ... لَقِي الْحمام وخائف يترقب)
(أَو هارب ضَاقَتْ عَلَيْهِ برحبها الأَرْض ... الفضاء وَأَيْنَ مِنْك الْمَهْرَب)
(فَأصْبح بِلَاد الرّوم مِنْك بغارة ... للنصر فِيهَا رائد لَا يكذب)
(وأنكح صوارمك الشغور يزورها ... فِي كل يَوْم من جيوشك مقتب)
(وارم الْكَنَائِس من سطاك بمارج ... متأجج نيرانه تتلهب)
(وارفع بهَا للْمُسلمين منابرا ... باسم الْخَلِيفَة ثمَّ بِاسْمِك يخْطب)
(واسق الْجِيَاد من الخليج فورده ... يدنو عَلَيْك إِذا عزمت وَيقرب)
(ملحت موارده وَأقسم أَنَّهَا ... من نيل مصر فِي مذاقك أعذب)
(واقرع بحي على الْفَلاح مسامعا ... تصبو إِذا ذكر الصَّلِيب فتطرب)
(لَا تبْق زنارا يشد بهَا على ... علج وَلَا ناقوس دير يضْرب)
(واصمد لِحَرْب الْمُشْركين مهذبا ... بِالسَّيْفِ من بسواه لَا يتهذب)
стр. 193
(واحسم بِحَدّ ظباك دَاء حسمه ... ودواؤه بعد التفاقم يصعب)
(حَتَّى يرى للمشرفية مطعم ... بِالْفَتْكِ من تِلْكَ الدِّمَاء ومشرب)
(فالعذل لَيْسَ يناجع أَو ينثني ... وغرار نصلك بالنجيع مخضب)
(لَا تعفون إِذا ظَفرت بمجرم ... مِنْهُم فَرب جريمة لَا توهب)
(فلتشكرنك أمة يحنو على ... ضعفائها حدبا كَمَا يحنو الْأَب)
(واخلع قُلُوب الناكبين بلبسها ... خلعا إِلَى شرف الْخلَافَة تنْسب)
(فرجية وشي يكَاد شعاعها الذ ... هبي بالأبصار حسنا يذهب)
(وعمامة مَا تَاج كسْرَى مئلها ... فِي الْفَخر وَهِي بتاج كسْرَى تعصب)
(ومهند طبعته قحطان وأهدته ... إِلَى مصر قَدِيما يعرب)
(مسى عتادا للخلائف بَينهم ... متوارثا يوصى بِهِ لِابْنِ أَب)
(يغري بجوهره وَمَاء صقاله ... ومضاء عزمك فَهُوَ قَاض معضب)
(حضب النضار وَإنَّهُ يَوْم العدا ... عَمَّا قَلِيل فِي يَديك سيخضب)
стр. 194
(وَتحل مِنْهَا طوق ملك رَأْيه ... عِنْد الْمُلُوك مُعظم ومرحب)
(فَالله طوق جبرئيل كَرَامَة ... لم يؤتها ملك سواهُ مقرب)
(ورع العدى مِنْهَا بأدهم رَابِع ... يعنو لغرته الصَّباح الْأَشْهب)
(سلب الدجى جلبابه فَهَلا لَهُ ... ونجومه مرج عَلَيْهِ ومركب)
(وأفاك يصحب فِي القياد وَلم يكن ... لَو لم ترضه يَد الْخَلِيفَة يصحب)
(وبراية سَوْدَاء قلب الشّرك مذ ... عقدت لملكك مستطار يرعب)
(فَكَأَنَّهَا أسداف ليل مظلم ... وَسنَان عاملها عَلَيْك كَوْكَب)
(فأفض ملابسها عَلَيْك عَظِيمَة ... لَا تسترد ونعمة لَا تسلب) والبس شعارا مَا يملك مثله ... لسوى الْأَئِمَّة من قُرَيْش منْكب)
(مِمَّا تخيره الْخَلِيفَة منحسة ... لَك فاصطفاه لِقَاء مَا تستوجب)
(النَّاصِر النَّبَوِيّ محتده وَمن ... عيص الرَّسُول بعيصه متأشب)
(من يستظل من الخطوب بظله ... ونبيت فِي نعمائه نتقلب)
стр. 195
(ناء عَن الْأَبْصَار دَان جوده ... لعفاته فَهُوَ الْبعيد المكثب)
(إِن يمس عَن نظر الْعُيُون محجبا ... فَلهُ جزيل مواهب لَا تحجب)
(دنتك مِنْهُ فراسة نبوية ... تملي عَلَيْهِ الْحق وَهُوَ مغيب)
(رِضَاهُ خير من ارْتَضَاهُ لملكه ... يقظان يسهر فِي رِضَاهُ ويدأب)
(ورآك أسرعهم إِلَى الْأَعْدَاء إقداما ... وَغَيْرك محجم متهيب)
(فاسحب ثِيَاب سَعَادَة فضلا لسابغها ... على ظهر المجرة يسحب)
(وتمل مَا خولته من دولة ... غراء طالع سعدها لَا يغرب)
(فِي نعْمَة أَيَّامهَا لَا تَنْقَضِي ... وسعادة سلطانها لَا يغلب)
وفيهَا امتدحنا الْكَمَال المغربي التنوخي بقصيدة مطْلعهَا
(قسما برقة خَدّه المتورد ... ورشاقة فِي قده المتأود)
(إِنِّي لأهواه وَلست بِحَائِل ... عَن حبه إِن صد أَو لم يصدد)
стр. 196
(كم لَيْلَة قد بتها أرعى السهى ... جزعا لفرقته بمقلة أرمد)
(قضيتها مَا بَين نوم نافر ... وزفير مهجور وقلب مكمد)
(كلفا بمعتدل القوام كَأَنَّهُ ... بدر بدا فِي جنح ليل أسود)
(لم أنس أَيَّام السرُور وطيبها ... بَين الصريم وَبَين برقة ثهمد)
(وَالرَّوْض قد أبدى بَدَائِع نوره ... من أَزْرَق ومفضض ومورد)
(وَالْمَاء يَبْدُو كالصوارم ساريا ... فيعيده مر الصِّبَا كالمبرد)
(وَالطير بَين مسجع ومرجع ... ومغرد ومعدد ومردد)
(يَدْعُو لنعمة نَاصِر الدّين الَّذِي ... فاق الْبَريَّة بالدوام السرمد)
(والواهب الْبَدْر الَّذِي إنعامه ... بَين الْبَريَّة ظَاهر لم يجْحَد)
(يعطيك معتذرا وَيسْأل خاضعا ... فِي أَن تعود إِلَى التماسك فِي غَد)
(فرضابه يمْضِي ببذل مواهب ... وَأَدَاء مَفْرُوض وَورد مورد)
(وَإِذا خشيت من الزَّمَان سجية ... تردى فَلَا تعلق بِغَيْر مُحَمَّد)
стр. 197
(الْعَادِل الْملك الْهمام الْمَاجِد النّدب ... الكمي الْبَاذِل المتودد)
(من معشر أحسابهم لم تَنْقَطِع ... عَنَّا وجمرة عزمهم لم تخمد)
(لَا بره عَنَّا بمنقطع وَلَا ... زند الندى فِي راحتيه بمصلد)
(مَا أمه فِي جنح ليل مُدْلِج ... إِلَّا هداه بنوره المتوقد)
(فذراه كالبيت العيق يحجه ... من كل فج كل ركب مجتدى)
(زر مجده تزر المكارم والعلا ... وَترى الندى يَغْشَاهُ من وَجه لَدَى)
(فَإِذا بلغت إِلَيْهِ عمك جوده ... ونواله أقصدت أم لم تقصد)
(يَا أوحد الدُّنْيَا أَتَيْتُك قَاصِدا ... مستعديا من جور دهر أنكد)
(أخنى عَليّ بصرفه وَبَنوهُ قد ... حافوا عَليّ وَقد تخاذل مسعدي)
(فَخطبت من جدوى يَديك ببغيتي ... وَأمنت من صرف الزَّمَان الأنكد)
(فَاسْلَمْ وسد أبدا وَدم فِي نعْمَة ... ومقرونة بسعادة لم تنفذ)
стр. 198
رَجعْنَا إِلَى إتْمَام الحَدِيث
فَلَمَّا اسْتَقر السُّلْطَان بِدِمَشْق أَيَّامًا أَمر السُّلْطَان وَالِدي الْملك المظفر بِالرُّجُوعِ إِلَى مصر بالعساكر المصرية وَكنت يَوْمئِذٍ نَائِبه بِمصْر وبلادها إِلَى أَن رَجَعَ إِلَيْهَا وَكَانَ خُرُوجه من دمشق فِي الْيَوْم الْخَامِس عشر من شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة
وَأما السُّلْطَان فَإِنَّهُ حِين اجْتمع برسولي الْخلَافَة بِدِمَشْق وهما شيخ الشُّيُوخ وَبشير الْخَادِم أنعم عَلَيْهِمَا إنعاما جزيلا وتلقاهما بالبشر على جاري عَادَته وَطَالَ مقامهما فمرضا مَرضا شَدِيدا وسألا الِانْصِرَاف فأشفق عَلَيْهِمَا وَأَشَارَ عَلَيْهِمَا بالقعود إِلَى أَن يخف مرضهما فبقيا على ذَلِك أَيَّامًا ثمَّ سألاه أَن يَأْذَن لَهما بالانصراف فَأذن لَهما وودعهما وأصحبهما الْأَمِير حسام الدّين طمان وَكَانَ مقدم عَسْكَر سنجار وَأمره بمرافقتهما والرفق بهما فِي السّير فَسَارُوا جَمِيعًا على طَرِيق الرحبة وَكَانَ الزَّمَان قيظا شَدِيدا فَاشْتَدَّ ببشير الْمَرَض فَمَاتَ قبل وُصُوله
وَأما شيخ الشُّيُوخ فَمَاتَ حِين وَصلهَا وَدفن هُنَاكَ وَكَانَت وَفَاته فِي شعْبَان من السّنة
وَأما السُّلْطَان فَإِنَّهُ أَقَامَ بِدِمَشْق حَتَّى دخل فصل الشتَاء وَأمر بِضَرْب مضاربه إِلَى جِهَة بعلبك وَكَانَ يركب فِي كل يَوْم إِلَى الصَّيْد وَيرجع فَأَقَامَ على ذَلِك أَيَّامًا حَتَّى اجْتمع إِلَيْهِ العساكر ثمَّ رَحل إِلَى بعلبك فوصلها بعد يَوْم وَلَيْلَة وخيم على ظَاهرهَا وَذَلِكَ فِي الْيَوْم الْعشْرين من ذِي الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة ورحل مِنْهَا إِلَى جِهَة حمص بهَا بعد أَيَّام فَبَقيَ بهَا أَيَّامًا ثمَّ سَار إِلَى حماة فَأَقَامَ بهَا بَاقِي ذِي الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة
стр. 199
وَدخلت سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَهُوَ مخيم بحماة وسأذكر الْأَحْوَال بهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وفيهَا جَازَ أَبُو يَعْقُوب بن عبد الْمُؤمن الْبَحْر إِلَى الأندلس فِي جمع كَبِير وَقصد غربي بلادها فحاصر مَدِينَة شنترين شهرا كَامِلا فَأَصَابَهُ مرض فَمَاتَ وَذَلِكَ فِي شهر ربيع الأول من السّنة الْمَذْكُورَة وَحمل فِي تَابُوت إِلَى أشبيلية فَكَانَت مُدَّة ولَايَته اثْنَتَيْنِ وَعشْرين سنة وأشهرا وَخلف أَوْلَادًا جمَاعَة
ذكر ولَايَة أبي يُوسُف يَعْقُوب بن يُوسُف بن عبد الْمُؤمن
وَلما مَاتَ السَّيِّد أَبُو يَعْقُوب اجْتمع الموحدون وَأَوْلَاد عبد الْمُؤمن على تَقْدِيم ابْنه أبي يُوسُف يَعْقُوب وَذَلِكَ أَنه مَاتَ من غير وَصِيَّة لأحد من بنيه فَبَايعُوهُ وَعقد لَهُ الْولَايَة وَدعوهُ بأمير الْمُؤمنِينَ وقدموه الْأَمر من حِين موت أَبِيه فَقَامَ بذلك وَوضع ميزَان الْقسْط وَبسط أَحْكَام الْعدْل على حَقِيقَة النّظر فِي الْأُمُور والورع فِي الدّين وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَإِقَامَة حُدُود الله فِي أَهله وعشيرته الْأَقْرَبين كَمَا أَقَامَهَا على سَائِر الْبلدَانِ فاستقامت الْأُمُور ببركاته وَظَهَرت
стр. 200
الْفتُوح الْعَظِيمَة ببركاته وعزماته وَبَدَأَ فِي النّظر بِأُمُور الأندلس فثقف ثغورها وَظَهَرت رِجَاله فِي قواعدها وَأثبت الْمُقَاتلَة فِي مراكزها وَجرى ذَلِك كُله فِي شَهْرَيْن من أول ولَايَته ثمَّ عَاد إِلَى مراكش وَأقَام بهَا
ذكرى وَاقعَة شرف الدّين قراقوش المظفري فِي هَذِه السّنة
وَلما سَار شرف الدّين قراقوش إِلَى بِلَاد إفريقية وَنزل على الْحمام وَأقَام عَلَيْهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا يقاتلها وَهدم فِيهَا ثغرة سدها أَصْحَابهَا بِالنَّخْلِ وأحرق مَا سدوا بِهِ وَقَاتلهمْ فَلم يقدر مِنْهُم على شَيْء ورحل عَنْهَا وهرب مِنْهُ ابْن شكل وَصَارَ إِلَى عرب يُقَال لَهُم عَوْف عِنْد مقدم مَعَهم يُقَال لَهُ جنَاح بن عقيل وَكَانَ الأكراد قد أفسدوا عقله وَقَالُوا لَهُ إِذا صرت عِنْده لحقناك وَتَكون سُلْطَانا لنا وتملك الْبِلَاد فَلَمَّا مضى لم يلْحقهُ من الأكراد أحد وَبَقِي عِنْد الْعَرَب مَعَه قريب من عشْرين رجلا لَا غير وَوصل سيد النَّاس وَأَخُوهُ الْمَنْصُور إِلَى شرف الدّين قراقوش ودخلوا فِي طَاعَته وحالفهما وحلفا لَهُ وأعطاهما عطايا جزيلة ولدخولهم فِي طَاعَته فَرح أهل بشترى وانقادوا خوفًا من أَن يحصرهم بِأَهْل بِلَادهمْ وَولى عَلَيْهِم رجلا يُقَال لَهُ حراج كَانَ يخْدم عِنْد وَالِدي الْملك المظفر بديار مصر وَوصل إِلَيْهِ فِي الْجَمَاعَة الَّتِي وصل فِيهَا ابْن شكل وَسَار عَنهُ وَتَوَلَّى بفزارة وَكَانَت ولَايَته فِيهَا ولَايَة ضَعِيفَة
ورحل شرف الدّين عَن الْحمام وَدخل إِلَى إفريقية وَنزل بِجَزِيرَة باشو
стр. 201
من أَعمال تونس وَهِي من أحسن الْأَعْمَال يكون فِيهَا ألف ضَيْعَة وَثَلَاث جِهَات مِنْهَا غيط بهَا الْبَحْر ووجهة وَاحِدَة مِنْهَا إِلَى الْجَبَل وَمَا رآى النَّاس أحسن مِنْهَا عملا فَأَقَامَ بهَا مُدَّة ثَلَاثَة أشهر يستغل الْبِلَاد وينهبون النَّاس مَا يقدرُونَ عَلَيْهِ ورحل عَنْهَا إِلَى الْجَبَل يستغله فَجَاءَت عَوْف مَعَ ابْن شكل وَجَاءَت إِلَى مَوضِع يُقَال لَهُ سردانية قريب من القيروان وَسمع بهم شرف الدّين فَركب إِلَيْهِم وَنزل إِلَيْهِم وسير قبله جمَاعَة من زغب بِقدر خَمْسمِائَة فَارس وَمن أَصْحَابه مِائَتي فَارس فالقوا مَعَهم وكسروهم قبل وُصُول شرف الدّين وَنزل فِي مَوْضِعه على قصر يُقَال لَهُ قصر أبي نصر وَكَانَ يحاصره فَأَخذه وَلم يجد فِيهِ طائلا ورحل وَخرج من غفريقية وَعَاد إِلَى النُّزُول على الحامة ووصلت مَشَايِخ عَوْف وأمراؤهم قَرِيبا مِنْهُ ونفذوا إِلَيْهِ يستأذنونه فِي الْحُضُور إِلَيْهِ فَأَمرهمْ فَحَضَرُوا وَلما سلمُوا عَلَيْهِ وَقَامُوا قيَاما بَين يَدَيْهِ شفعوا لَهُ فِي ابْن شكل فَقبل شفاعتهم وَاسْتقر بهم الْمجْلس فَقَامُوا ثَانِيَة فشفعوا فِي حميد بن جَارِيَة وذباب وَأَن يستخدمهم ويعيدهم إِلَى بِلَادهمْ ويصالحهم فَفعل
وأحضروا فِي ذَلِك الْيَوْم حميد بن جَارِيَة وحالف بَينه وَبَين زغب وعَوْف وَكَثُرت الْعَرَب مَعَه فطلبوا أَن يدخلُوا مَعَه إِلَى إفريقية إِلَى تونس وَغَيرهَا من الْبِلَاد الَّتِي مَا وَطئهَا ليكتالوا مِنْهَا فَفعل ورحل عَائِدًا إِلَى إفريقية فغنم النَّاس أَكثر من الدفعتين الْأَوليين وَوصل إِلَى تونس ووقف بإزائها ورحل إِلَيْهَا فقفز ابْن شكل وَدخل ولحقه وَقت التقفيز رجل من أَصْحَاب شرف الدّين كَانَ قَدِيما يخْدم وَالِدي الْملك المظفر يُقَال لَهُ حمدَان القواس واعتقد كل من رَآهُ أَنه قفز مَعَه فَلَمَّا أدْركهُ عِنْد الرجالة أَخذ شربوشه وثنى
стр. 202
فرسه رَاجعا وَضرب بنشاب الجرخ فَمَا أَصَابَهُ شَيْء وَعَاد شرف الدّين وَقت الْعشَاء من ذَلِك الْيَوْم عَن تونس وَنزل بِموضع يُقَال لَهُ قصر نعامه وَأصْبح فَرَحل عَنهُ وأدركه الشتَاء فَخرج من إفريقية وَسَار يطْلب النُّزُول على الحامة فوصلها فِي سِتَّة أَيَّام وَيَوْم السَّابِع وَقت الصُّبْح كَانَ الْعَسْكَر على أسوارها فوجدوا كل من بهَا قد ارتحل وَنزل الْجَمِيع الْجَبَل بقلعة لَهُم على رَأس جبل كَانَت تكون خَالِيَة وَافق أَن مقدميها بني ثمال كَانُوا بعد فِي المهدية فَأخذُوا وَكَانُوا ثَلَاثَة عَليّ وحسين ومفرح فَلَمَّا أخذُوا وأحضروا إِلَيْهِ قَالَ قد أمكن الله تَعَالَى مِنْكُم وَأما أهل الحامة فَمَا لَهُم عِنْدِي ذَنْب ثمَّ أَمر من سَار إِلَى القلعة ونادى من بهَا أَلا إِن المقدمين قد أخذُوا وَأَنْتُم إِن نزلتم إِلَى بلدكم فَأنْتم آمنون بِأَمَان الله تَعَالَى وأمان رَسُوله لَا نَأْخُذ مِنْكُم شَيْئا بل نجريكم على الْعَادة فِي أَيَّام من تقدم من أَخذ الْخراج والأعشار فَلَمَّا تحققوا ذَلِك نزل الْجَمِيع وعادوا إِلَى الحامة وعمرت أحسن عمَارَة
وَأَرَادَ قتل أَوْلَاد ثمال فَحَضَرَ سيد النَّاس مقدم طره وشفع فِي نُفُوسهم بِشَرْط أَن يؤدوا قطيعة على رقابهم مائَة ألف دِينَار مأمونية فَقبل شَفَاعَته وعجلوا من ذَلِك ثَلَاثِينَ ألفا وضمنهم سيد النَّاس بِمَا بَقِي عَلَيْهِم وَأَخذهم وانكفأ إِلَى طرة وَأقَام شرف الدّين تَحت الحامة قَرِيبا مِنْهَا واضطرب أهل قابس بِأخذ الحامة لِأَنَّهَا قريبَة مِنْهَا وَخرج إِلَيْهِ عَليّ بن عِيسَى بن شكاب وَهُوَ من كبار مَشَايِخ قابس اتهمه الموحدون بِأَنَّهُ يُكَاتب قراقوش وَكَانَ بهَا فَقِيه كَبِير يُقَال لَهُ ابْن نزار قَتله أهل قابس لاعتقادهم أَنه كَاتب قراقوش فثارت عَلَيْهِ الْعَوام وحصروه فِي دَاره وَقتل بهَا
стр. 203
سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة
وفيهَا خلا ديوَان الزِّمَام بِبَغْدَاد من نَائِب وزارة وَكَانَ الْخَلِيفَة قد فوض الْأُمُور بأسرها إِلَى أستاذ الدَّار ابْن الصاحب وَجعل الِاخْتِيَار إِلَيْهِ فِيمَن يرتب ويعزل فَاسْتَأْذن ابْن الصاحب الْخَلِيفَة ثَبت الله دَعوته بِأَن يرتب عز الدّين صَدَقَة بن صَدَقَة نَائِب وزارة وَكَانَ حاجبا بِبَاب النوبى فَأذن لَهُ الْخَلِيفَة فِي ذَلِك فَأحْضرهُ إِلَى دَاره وخلع عَلَيْهِ خلعة شريفة وأحضر حَاجِب الْحجاب ابْن جَعْفَر وحجاب الدِّيوَان بأسرهم وكل من يتَعَلَّق بالديوان الْعَزِيز من الْكتاب وَغَيرهم وَقَالَ لَهُم إِن الْخَلِيفَة قد رسم أَن يكون هَذَا وَأَشَارَ إِلَى عز الدّين بن صَدَقَة نَائِب وزارة بالديوان الْعَزِيز أُسْوَة بِمن تقدمه فكونوا بَين يَدَيْهِ وَفِي خدمته فَقَالُوا
السّمع وَالطَّاعَة ثمَّ تقدم بِأَن يدْخل مركوبه إِلَى الدَّار فَأدْخل وَخرج من عِنْد أستاذ الدَّار وَقَامَ لَهُ أستاذ الدَّار كل الْقيام وَركب من الدَّار على الصّفة وخوطب بِجلَال الدّين وَخرج النَّاس بَين يَدَيْهِ إِلَى بَاب الدِّيوَان فَلَمَّا أَرَادَ النُّزُول عضده ابْن جَعْفَر حَاجِب الْحجاب وَدخل وَجلسَ فِي حجرَة الصَّلَاة وأحضر الْكتاب والخازن وَاعْتبر أَحْوَال الدِّيوَان سَاعَة ثمَّ ركب وَجَمَاعَة من الْأُمَرَاء بَين يَدَيْهِ إِلَى دَاره الَّتِي فِي الْقرْيَة بدار الْخَلِيفَة فِي درب الْبُسْتَان وَنزل بهَا وَتقدم إِلَيْهِ أستاذ الدَّار أَن لَا تعْمل شَيْئا إِلَّا بأمرنا وَإِن كتبت شَيْئا أكتبه إِلَيْنَا فَقَالَ السّمع وَالطَّاعَة وَحضر جمَاعَة من أَرْبَاب الدولة دَار الْمَذْكُور يهنئونه بِالْولَايَةِ وَأنْشد الشُّعَرَاء وَحضر الْعلمَاء وانعكف النَّاس عَلَيْهِ
وَفِي ذَلِك الْيَوْم تقدم إِلَى ابْن عبد الله بن الْوَكِيل أَن يكون بَين يَدَيْهِ حَاجِب الْمجْلس وخلع عَلَيْهِ وَصَارَ حَدِيث النَّاس مَعَه واستقل أمره أُسْوَة من تقدمه وَكَانَ النَّاس يفضلونه فِي الاحترام وَالْإِكْرَام على من تقدمه لِأَنَّهُ كَانَ من بَيت الوزارة وَسَأَلَ بعد أَيَّام من ولَايَته أَن ينْقل إِلَى
стр. 204
الدَّار الَّتِي كَانَ فِيهَا ابْن البُخَارِيّ دَار المطبق وَهِي الَّتِي كَانَ فِيهَا عون الدّين الْوَزير ابْن هُبَيْرَة فَأذن لَهُ فِي ذَلِك فانتقل إِلَيْهَا وَتقدم لَهُ بالإقطاع الَّذِي كَانَ لِابْنِ البُخَارِيّ وَهِي جللتا وَمَا يجْرِي مَعهَا من أَعمال طَرِيق خُرَاسَان وَحَاصِل هَذَا الإقطاع فِي كل سنة عشرَة ألف دِينَار إمامية وَنفذ نوابه إِلَى الإقطاع وَتصرف فِيهِ وَحكم فِي الدِّيوَان وَبسط يَده وَلسَانه وَكَانَ أستاذ الدَّار ابْن الصاحب كل سَاعَة يتَقَدَّم إِلَيْهِ بِمَا يعْمل تَارَة ينفذ إِلَيْهِ الْحَاجِب أَبَا الرِّضَا وَتارَة أَبَا الشجاع وَتارَة مملان وَمَا كَانَ يتَجَاوَز مَا يتَقَدَّم بِهِ إِلَيْهِ وَكَانَ عَادَة الْوَزير أَو النواب الَّذين يسكنون هَذِه الدَّار لَا يركبون إِلَى صَلَاة الْجُمُعَة بل يمضون إِلَى الصَّلَاة مشَاة اقْتِدَاء بعون الدّين بن هُبَيْرَة الْوَزير رَحمَه الله تَعَالَى لِأَن حَائِط الْجَامِع حَائِط هَذِه الدَّار من بَاب الْمَقْصُور الشَّرِيفَة من دَار الْخلَافَة الَّتِي بَابهَا فِي المطبق وَهِي بِجَامِع الْقصر وَينزل الْوَزير والنائب إِذا ركبا ببابها خطوَات قريبَة فَقَالَ جلال الدّين بن صَدَقَة مَا أُرِيد أَن أَمْشِي وَلَا أخرج إِلَّا رَاكِبًا وَكَانَ فِيهِ تيه عَظِيم وتهور وَمن تقدم عمل بِنَفسِهِ مَا أَرَادَ وَقدم الْفرس يَوْم الْجُمُعَة وَركب من دخل الدَّار وَخرج إِلَى الصَّلَاة فَعلم النَّاس أَن هَذِه الْحَال تدل على جَهله وَقلة عقله وَكَانَ حَاجِب الْحجاب يعضده عِنْد ركُوبه وَعند نُزُوله ويطالع بِجَمِيعِ حركاته وَمَا يتَكَلَّم بِهِ أَو يتَقَدَّم بِهِ أَو يُطلقهُ أَو يُخرجهُ وَيذكر ذَلِك كل يَوْم بمطالعة ويعرضها على أستاذ الدَّار فَإِن رأى فِيهَا مَا يستحسنه عرضه وَإِن رأى مَا يكرههُ لَا يعرضه فَعلم بِهَذِهِ الْحَال أستاذ الدَّار
وفيهَا رتب ابْن عون الدّين بن هُبَيْرَة حاجبا بِبَاب النوبى الشريف وَكَانَ أستاذ الدَّار يرى فِي حَقه ويقر بِهِ وَكَانَ قد ربى مَعَه فِي الْمكتب وَكَانَ أستاذ الدَّار لَا يزَال يصف دينه ويسدد رَأْيه وخلع عَلَيْهِ خلعة جميلَة
стр. 205
وخلع عَلَيْهِ أَيْضا أستاذ الدَّار تَشْرِيفًا جميلا وَكَانَ نَائِب الْبَاب ابْن الظهري وَصَاحب الْخبز بِالْبَابِ ابْن الْحَلَال وقاضي الْبَاب ابْن الصّباغ قَاضِي الرّبع وَكتب مَا كتب حَاجِب الْبَاب ابْن الظهيري رقْعَة إِلَى الْعرض الْأَشْرَف أنب ينعم عَلَيْهِ بالتشريف على عَادَة أَمْثَاله فَخرج الْأَمر بإحضاره إِلَى الدِّيوَان الْعَزِيز وتشريفه فأحضر وَشرف بخلعة سَوْدَاء وعمامة سَوْدَاء وَسيف مَذْهَب وَفرس
وفيهَا كتب صفي الدّين بن عمَارَة رقْعَة إِلَى الْخَلِيفَة يذكر فِيهَا
أَن أَرْبَاب الْأَمْلَاك بِنَاحِيَة بعقوبا وناحية بوهرز قد أخذُوا جملَة كَبِيرَة من أَمْوَال الْوَقْف أَجلهم الله تَعَالَى وَلَو تقدم بِاعْتِبَار ذَلِك وَتَحْقِيق مَا قد صَار إِلَى الْمَذْكُورين لحصل لَهُ من المَال مبلغ كَبِير فأنفذ الْخَلِيفَة الرقعة إِلَى أستاذ الدَّار وَتقدم إِلَيْهِ بِأَن ينفذ مَعَ ابْن عمَارَة جمَاعَة لاعْتِبَار هَذِه الْأَحْوَال فَتقدم أستاذ الدَّار إِلَى نَائِب الوزارة جلال الدّين بن صَدَقَة بِأَن يتَوَلَّى ذَلِك ويدبره فأحضر الْمُحْتَسب ابْن الرطبى وَمَعَهُ عدل من عدُول الحضرة وَتقدم إِلَى ابْن عمَارَة بِأَن يخرج ويحقق ذَلِك فَخرج وَكَانَ ابْن صَدَقَة قد عرض الرقعة على الْخَلِيفَة دَامَ ظله وَقد حسن لَهُ هَذِه الْحَال فَمضى ابْن عمَارَة وَمسح الْأَمْلَاك بناحيتي بعقوبا وبوهرز فَحَضَرَ إِلَى الدِّيوَان خلق كَبِير من الناحيتين واستغاثوا يَوْم الْجُمُعَة قُدَّام الْخَطِيب بِجَامِع الْقصر
стр. 206
الشريف وأنهى ذَلِك إِلَى الْخَلِيفَة من جَانب أستاذ الدَّار وَكَانَ ابْن صَدَقَة يمْنَع من يتألم فَتقدم الْخَلِيفَة بإحضار ابْن عمَارَة إِلَى الدِّيوَان وإحضار قَاضِي الْقُضَاة ابْن الدَّامغَانِي والمحتسب ابْن الرطبى وَأمر بإحضار أَرْبَاب الْأَمْلَاك وَيَنْظُرُونَ تكييف هَذِه الْحَال ويطالعونه بحقيقتها فَحَضَرَ الْجَمَاعَة وَجلسَ صَدَقَة بن صَدَقَة فِي بَيت الْجَيْش الْكَبِير وَسمع مَا ذكره ابْن عمَارَة من زِيَادَة الْأَمْلَاك وَتقدم إِلَى الْملاك بإحضار كتب أملاكهم واعتبارها وَطَالَ الحَدِيث فِي ذَلِك وَكَانَ الْمُجْمل على أهل بعقوبا وَأهل بوهرز من الذَّهَب مائَة ألف دِينَار إمامية وارباب الْأَمْلَاك لَا يعترفون بِشَيْء من ذَلِك فَوَقع الْخَلِيفَة بتقليد ذَلِك قَاضِي الْقُضَاة فَإِن ثَبت عِنْده شَيْء يحكم بِهِ وَإِن لم يثبت عِنْده شَيْء فَلَا حَاجَة لنا بأموال الرّعية فَقَالَ قَاضِي الْقُضَاة مَا ثَبت عِنْدِي إِلَّا حجج الْملاك فَحسب فَقَالَ ابْن عمَارَة وَصدقَة بن صَدَقَة
يُؤَخر هَذَا إِلَى أَن يحضر من يشْهد بِهِ لبيت المَال وَمَا قد أَخذ
(سَعَادَة لَو أحَاط الحارمي بهَا ... لعاد فِيهَا ادَّعَاهُ وَهُوَ حزنان)
(فاسعد بهَا دولة غراء مَا ادرعت ... بِمِثْلِهَا حمير قدما وساسان)
(واسلم تدوم لنا النعمى فَإنَّك مَا ... سلمت فِي جذل فالدهر جذلان)
(لَا زلت بدر سَمَاء يستضئ بِهِ ... ويهتدي مظلم منا وحيران)
стр. 207
(وَلَا سعى لَك صرف الدَّهْر فِي حرم ... وَلَا رآى وَجه من يرجوك حرمَان)
وفها كتب جلال الدّين صَدَقَة بن صَدَقَة نَائِب الوزارة مطالعة إِلَى الْخَلِيفَة يكثر القَوْل فِيهَا فِي حق أستاذ الدَّار بن الصاحب وَأَن الدِّيوَان يحكم فِيهِ بِرَأْيهِ وَالْأَمْوَال تجبى إِلَيْهِ وَمَا يقدر أحد يتسوفى لبيت المَال مِنْهُ شَيْئا فَوقف الْخَلِيفَة على المطالعة وَكتب عَلَيْهَا إِلَى ابْن صَدَقَة يصدقهُ فِيمَا ذكره فتيقن ابْن صَدَقَة وَظن فِي نَفسه أَن الْخَلِيفَة قد تغير على أستاذ الدَّار وَأَنه يقبل القَوْل فِيهِ وَكَانَ ابْن صَدَقَة ضَعِيف الرَّأْي قَلِيل التَّصَوُّر اعْتقد أَن الْخَلِيفَة هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ لهَذِهِ الْولَايَة وَأَن أستاذ الدَّار لم يكن لَهُ فِي ترتيبه شَيْء فَصَارَ إِذا تقدم أستاذ الدَّار بِأَمْر يتَعَرَّض هُوَ لإبطاله وَيَقُول لَا أفعل هَذَا الْأَمر إِلَّا بتقدم الْخَلِيفَة وأستاذ الدَّار لَا يعلم كَيفَ هَذَا الْأَمر فَلَمَّا حضر عِنْد الْخَلِيفَة قَالَ إِنَّه قد جنح أمرنَا فِي الدِّيوَان وَصَارَ هَذَا النَّائِب إِذا تقدم إِلَيْهِ بِأَمْر يَقُول لَا أَفعلهُ فَقَالَ لَهُ الْخَلِيفَة كَأَنَّك مَا علمت أَنه كتب إِلَيّ مطالعة يذكر فِيهَا كَذَا وَكَذَا فِي حَقك وَهَذَا مَا يجِئ مِنْهُ خير إِن شِئْت أَن تصرفه فاصرفه ورتب غَيره من شِئْت فَذَاك إِلَيْك وَكَانَ هَذَا جَمِيعه من غير طِينَة نفس الْخَلِيفَة لِأَنَّهُ قد تغير على أستاذ الدَّار وَلَا يظْهر لَهُ ذَلِك من شدَّة خَوفه مِنْهُ فَخرج أستاذ الدَّار من عِنْد الْخَلِيفَة وَنفذ الْحَاجِب مملان إِلَى الدِّيوَان بِأَمْر فَقَالَ نَائِب الوزارة ابْن صَدَقَة مَا هَذَا ديوَان الْأَبْنِيَة هَذَا ديوَان الْخَلِيفَة مَا يقدر أحد يتَقَدَّم فِيهِ بِأَمْر إِلَّا بِأَمْر الْخَلِيفَة فَرجع الْحَاجِب مملان وَحكى مَا جرى من ابْن صَدَقَة لأستاذ الدَّار فَعظم ذَلِك عَلَيْهِ وشاع ذَلِك فِي بَغْدَاد وَقَالَ النَّاس هَذَا دَلِيل على تغير الْخَلِيفَة على أستاذ الدَّار وَكثر القَوْل فِي ذَلِك وَكَثُرت معاداة ابْن صَدَقَة لأستاذ الدَّار ومباينته لَهُ فَكتب أستاذ الدَّار
стр. 208
إِلَى الْخَلِيفَة أَسمَاء جمَاعَة لكَي يخْتَار مِنْهُم شخصا لنيابة الدِّيوَان مِنْهُم عَارض الْجَيْش ابْن الدرانج وَشرف الدّين بن الْخلال وحاجب الْبَاب ابْن هُبَيْرَة وَنجم الدّين بن الثَّقَفِيّ وَذكر أَن هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَة كلا مِنْهُم يصلح أَن يكون نَائِب وزارة ومدح ابْن هُبَيْرَة حَاجِب الْبَاب وَذكر أَنه كَانَ يَنُوب فِي الدِّيوَان عَن أَبِيه وَبَالغ فِي القَوْل فبرز خطّ الْخَلِيفَة يَقُول
إِن ابْن الدرانج عَارض الْجَيْش أصلح من هَؤُلَاءِ وَبعد هَذَا فَالْحَدِيث مَعَك والرأي إِلَيْك فِي تَرْتِيب من شِئْت فَلَيْسَ لنا فِي هَذَا حَدِيث فنفذ إِلَى ابْن الدارنج وتحدث مَعَه وعرفه الْحَال وَقَالَ
إِذا ركب نَائِب الوزارة إِلَى الدِّيوَان عرفوني حَتَّى أنفذ إِلَيْهِ أعزله ليَكُون ذَلِك أَكثر فِي الشناعة عَلَيْهِ وَكسر الْحُرْمَة فَحملت دَوَاة ابْن صَدَقَة إِلَى الدِّيوَان وَجَاء من أخبر بركوبه فَتقدم أستاذ الدَّار إِلَى الْحَاجِب أبي الرِّضَا أَن يَأْخُذ مَعَه جمَاعَة من الْحجاب وَجَمَاعَة من أَصْحَابه من ديوَان الْأَبْنِيَة ويمضي إِلَيْهِ وَيَقُول لنائب الوزارة ابْن صَدَقَة
قد استغني عَنْك فَالْزَمْ بَيْتك فَمضى الْحَاجِب إِلَى الدِّيوَان فَلم يجده فَرجع إِلَى دَاره فَدخل عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ
إلزم بَيْتك فقد استغني عَنْك
ثمَّ تقدم إِلَى الْحَاجِب أَن يحضر مَعَه جَمِيع النواب بالديوان الْعَزِيز ويحضرون إِلَى الدِّيوَان فَفعل ذَلِك ثمَّ رَجَعَ الْحَاجِب أَبُو الرِّضَا إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ
قد تقدم إِلَيْك أَن تحضر جَمِيع مَا يكون عنْدك من خطوطه وَلَا يبْقى عنْدك مِنْهَا شَيْء فَفعل ذَلِك وَحلف بِالنعْمَةِ الشَّرِيفَة أَنه لم يبْق عِنْده شَيْء وَكثر القَوْل من النَّاس أَن أستاذ الدَّار قد تحكم فِي دَار الْخلَافَة بِحَيْثُ لَو أَرَادَ أَن يعْزل الْخَلِيفَة لفعل وَكثر خوف النَّاس من أستاذ الدَّار فَكَانَ الْأُمَرَاء وأرباب الدولة يَتَرَدَّدُونَ إِلَى خدمته خوفًا مِنْهُ
стр. 209
وَكَانَ جمَاعَة من النَّاس يَقُولُونَ إِن الْخَلِيفَة يُرِيد قتل أستاذ الدَّار وَأَن هَذَا جَمِيعه اسْتِدْرَاج لَهُ
ثمَّ إِن أستاذ الدَّار أحضر بهاء الدّين عَارض الْجَيْش إِلَى دَاره وَأدْخلهُ إِلَيْهِ خلْوَة ثمَّ أذن للنَّاس بِالدُّخُولِ إِلَيْهِ فَلم يبْق من أَرْبَاب الدولة أحد وَأذن لجَمِيع النَّاس ذَلِك الْيَوْم بِالدُّخُولِ عَلَيْهِ فَدَخَلُوا فَلَمَّا اسْتَقر بهم الْمجْلس الْتفت أستاذ الدَّار إِلَى عَارض الْجَيْش وَقَالَ لَهُ
ادْع للخليفة وَأعلم أَنه عين عَلَيْك فِي نِيَابَة الدِّيوَان الْعَزِيز وَأخرج من ذمَّته مظالم الْعباد وفوضها إِلَيْك فَيجب أَن تنظر لنَفسك وتبصر أَيْن تضع قدمك فَلَا تمكن من ظلم أحد ولتكن سيرتك حَسَنَة ليحسن الذّكر وَيكثر الدُّعَاء لهَذِهِ الْأَيَّام الزاهرة فَبكى عَارض الْجَيْش بكاء شَدِيدا إِلَى أَن تعجب النَّاس من ذَلِك ثمَّ الْتفت أستاذ الدَّار إِلَى حَاجِب الْحجاب وَالْكتاب وحاشية الدِّيوَان وَقَالَ لَهُم
قد رسم أَن مرجع أَمركُم إِلَى هَذَا وَهُوَ المستخدم لكم وَلَا يُخَالِفهُ أحد فِي أَمر من الْأُمُور فَقَالُوا
السّمع وَالطَّاعَة ثمَّ قَالَ لَهُ
انْعمْ باسم الله فَقَامَ ليخرج من عِنْده فَقَامَ لَهُ أستاذ الدَّار على قَدَمَيْهِ
ثمَّ تقدم أستاذ الدّرّ أَن يدْخل مركوبه إِلَى وسط الدَّار ويركب من مَوضِع جرت عَادَة النواب فَحلف ابْن الدارنج أَنه لَا يركب إِلَّا خَارج الدَّار فَلم يُمكن من ذَلِك وَركب على طرف الإيوان الَّذِي يَلِي الْبَاب وَخرج وَالنَّاس بَين يَدَيْهِ والمماليك والأمراء والحجاب وَالْكتاب وَغَيرهم من النَّاس وَجلسَ فِي حجرَة الصَّلَاة وَكتب مطالعة تشْتَمل على حُضُوره فِي الدِّيوَان وشكره الأنعم الشَّرِيفَة وَنفذ المطالعة إِلَى بَاب الْحُجْرَة وَخرج الْجَواب إِلَيْهِ بِأَن يطيب نَفسه ويشرح صَدره واستقل بالنيابة
стр. 210
ذكر مَا تجدّد للْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين فِي هَذِه السّنة بِمصْر وَالشَّام من الفتوحات والغزوات
وَدخلت هَذِه السّنة وَالسُّلْطَان مخيم بحماه معول على قصد الْموصل فَلَمَّا دخلت أَيَّام من الْمحرم سَار بعساكره مُتَوَجها إِلَى حلب فَلَمَّا قرب من تل السُّلْطَان خرج للقائه أَخُوهُ الْملك الْعَادِل سيف الدّين وَمَعَهُ عَسْكَر حلب وَكَانَ صَاحبهَا فَاسْتَبْشَرَ السُّلْطَان بلقائه ثمَّ سَار من تل السُّلْطَان فَنزل بِظَاهِر حلب فَأَقَامَ أَيَّامًا حَتَّى اتَّصَلت بِهِ العساكر وَسَار مِنْهَا مُتَوَجها إِلَى الْفُرَات فَنزل بمَكَان يعرف برسا تَحت ألبيرة على فرسخين مِنْهَا فَلم يزل هُنَاكَ ثَلَاثَة أَيَّام حَتَّى تَكَامل عبور جَمِيع الْعَسْكَر ثمَّ رَحل مُتَوَجها إِلَى حران فَلَمَّا وَصلهَا ضرب خيمة فِي ظَاهرهَا وَكَانَ بهَا مظفر الدّين كوكبوري وَكَانَ قد وصل رَسُوله ابْن ماهان إِلَى السُّلْطَان قبل عبوره الْفُرَات يحثه على العبور والوصول إِلَى حران وَقَالَ إِن مظفر الدّين قد كتب خطه بِخَمْسِينَ ألف دِينَار يَوْم الْوُصُول إِلَى حران تكون برسم النَّفَقَات وَكتب خطه للسُّلْطَان بذلك
فَلَمَّا وصل السُّلْطَان إِلَى حران بَقِي بهَا أَيَّامًا ومظفر الدّين لَا تجْرِي مِنْهُ حَرَكَة بِمَا بذله رَسُوله وَالسُّلْطَان من كرمه لَا يندبه إِلَى ذَلِك
فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام أنفذ إِلَيْهِ قَاضِي الْعَسْكَر شمس الدّين بن الْفراش والعماد الْكَاتِب الْأَصْفَهَانِي وَقَالَ لَهما امضيا إِلَى مظفر الدّين واكشفا عَن أمره وأخبراه بِمَا أخبر عَنهُ رَسُوله من المَال الَّذِي بذله فمضيا إِلَيْهِ فَلَمَّا بصر بهما كَأَنَّهُ علم بِمَا جَاءَا بِهِ فَقَامَ قبل أَن يقعدا وَجَاء بالمصحف الْكَرِيم وَحلف بِهِ أَنه لم يبْذل شَيْئا مِمَّا ذكر عَنهُ وَأَن رَسُوله كذب عَلَيْهِ فِيمَا ذكره فَرَجَعَا إِلَى السُّلْطَان وأخبراه بالقصة فَسكت عَن بَيَانه مطرقا
فَلَمَّا أصبح ركب إِلَى الميدان سَاعَة استصحب مَعَه مظفر الدّين
стр. 211
إِلَى سرادقه على الْعَادة ثمَّ أَمر بِهِ فَنقل إِلَى خيمة ووكل بِهِ فِيهَا وَمنعه من أَصْحَابه فهاج الْعَسْكَر وَاجْتمعَ الْأُمَرَاء عِنْد السُّلْطَان وَتَكَلَّمُوا وَقَالُوا لَهُ
إِن هَذَا لَا تأمنه وَلَا تخلى سَبيله والرأي أَن تنقله إِلَى قلعة حلب فتسجنه بهَا فَلَمَّا انْصَرف الْأُمَرَاء من عِنْده تقدم إِلَيْهِ الْفَقِيه عِيسَى وقاضي الْعَسْكَر وذكراه الصفح وَالْإِحْسَان فَقَالَ للفقيه عِيسَى إمض إِلَيْهِ وَطيب نَفسه وَسكن روعه فَمضى إِلَيْهِ وعرفه ذَلِك فَقَالَ السُّلْطَان مَالك رقي وَأَنا أخرج لَهُ مِمَّا معي من الْبِلَاد وأكون بَين يَدَيْهِ برسم الْخدمَة كَأحد المماليك فَقَالَ لَهُ بل تسلم إِلَيْهِ قلعتي الرها وحران فَقَالَ
السّمع وَالطَّاعَة فَرجع إِلَى السُّلْطَان وعرفه الْحَال فَأمر لَهُ بتشريف جميل يَلِيق بِهِ واستدعى بِهِ فَقبل الأَرْض بَين يَدَيْهِ وتسلمت مِنْهُ القلعتان ثمَّ أعيدتا إِلَيْهِ فِي آخر السّنة وَأقَام السُّلْطَان بحران شهر صفر وَتوجه مِنْهَا إِلَى رَأس عين فِي مستهل شهر ربيع الأول فَنزل بهَا يَوْمًا وَاحِدًا ثمَّ رَحل مِنْهَا إِلَى دَارا فَنزل بهَا فَتَلقاهُ صَاحبهَا وَوصل فِي تِلْكَ الْحَال عماد الدّين أَبُو بكر بن قرا أرسلان بعساكر ديار بكر وآمد عوضا عَن أَخِيه نور الدّين وَكَانَ قد تَأَخّر لمَرض عرض لَهُ فشكره السُّلْطَان وأجزل لَهُ الْعَطاء ثمَّ رَحل السُّلْطَان إِلَى نَصِيبين وَسَار مِنْهَا إِلَى بَين النهرين فَضرب مخيمه هُنَاكَ وَوصل إِلَيْهِ معز الدّين سنجر شاه بن غَازِي بن مودود بن زنكي حَاجِب الجزيرة فَاسْتَبْشَرَ السُّلْطَان بقدومه ووفر لَهُ من إحسانه وَسَار بعساكره إِلَى طَرِيق الدولعية قَاصِدا
стр. 212
إِلَى دجلة فَنزل على بلد من شاطئ دجلة فِي آخر شهر ربيع الأول وَوَصله الْخَبَر بوفاة نور الدّين بن قرا أرسلان صَاحب آمد يَوْم الأثنين رَابِع عشر من الشَّهْر الْمَذْكُور فَأمر أَخَاهُ بِالرُّجُوعِ إِلَى تِلْكَ الْبِلَاد وَأمره بترتيب أمورها ثمَّ رَحل مِنْهَا فَضرب مخيمه على الإسماعيليات وأقطع الْبِلَاد الأجناد وسير الْأَمِير سيف الدّين عَليّ بن أَحْمد المشطوب الهكاري وَمَعَهُ جمَاعَة من الْأُمَرَاء إِلَى الْعقر وأعماله
وَأمر السُّلْطَان بِعَمَل جسر فنصب وَعبر مظفر الدّين بن عَليّ صَاحب حران وخيم بالجانب الغربي وَمَعَهُ جمَاعَة من الْأُمَرَاء وَجَاء أَخُوهُ زين الدّين من إربل بعسكره وجماعته وَأمر النَّاس بترك الْقِتَال وَتَأْخِير الزَّحْف وَأرْسل القَاضِي ضِيَاء الدّين الشهرزوري برسالته إِلَى الدِّيوَان الْعَزِيز فِي إنهاء الْأَحْوَال وَشرح الْأَسْبَاب الْمُقْتَضِيَة لنهوضه لخدمة المواقف المقدسة الناصرة لدين الله وَأَن المواصلة كاتبوا البهلوان بِضَرْب الدِّرْهَم وَالدِّينَار باسم السُّلْطَان السلجوقي ليظهروا بنصره وَأَنَّهُمْ بعد ذَلِك راسلوا الفرنج يغرونهم بِقصد الثغور وكشف مَا اعتادوه من الظُّلم وَيذكر أَيْضا مَا افتعلوه من مبايعة ابْن أخيهم سنجر شاه بن غَازِي وَابْن زين الدّين صَاحب أربل وَمَا ضيعوا من محافظته وَأَنَّهُمْ لم يرعوا حَقه وَلَا حق أَبِيه الَّذِي حفظ بَيتهمْ وَأَشْيَاء كَثِيرَة لم نذكرها
стр. 213
فصل
من كتاب عَن السُّلْطَان إِلَى مجد الدّين بن الصاحب أستاذ الدَّار الأمامية فِي وَجه مَا شَرحه من الْحَال
قد أحَاط الْعلم الْكَرِيم بِأَن التَّوَجُّه لم يكن فِي هَذِه السّنة من دمشق إِلَى حلب إِلَّا للْجِهَاد فِي سَبِيل الله فَإِنَّهُ غَايَة الأرب وَذَلِكَ بنية غزَاة أنطاكية فَإِن غزَاة الفرنج من جَانب دمشق إِنَّمَا تستقيم أَسبَابهَا وتستتب آرابها إِذا كَانَت عَسَاكِر مصر حَاضِرَة وَالْأَيْدِي بقوتها متظاهرة وَكَانَت العساكر المصرية قد طَالَتْ بِالشَّام إِقَامَتهَا وتوفرت فِي مُلَازمَة الْخدمَة فِي البيدارات عرامتها فَرَأى إراحتها واستجمامها وعادت إِلَى مصر لتستجد استعدادها واهتمامها وَوصل إِلَى حلب لقربها من الْبِلَاد الإسلامية لِتجمع العساكر مِنْهَا لغزاة أنطاكية وطمع أَيْضا فِي وُصُول الْعَسْكَر الْموصِلِي للإنجاد والمساعدة من سَائِر الْجِهَات على الْجِهَاد والاستظهار مِنْهَا بتوافر الأمداد فَإِن رسل المواصلة مَا زَالُوا مترددين وللخديعة بالْقَوْل والكتب مجددين وهم فِي أثْنَاء ذَلِك يراسلون الجوانب ويكاتبون الْأَجَانِب ويرتقبون النوائب وَتذهب بمعاودتهم الْأَوْقَات وتحدث دون قصدهم الحادثات فهادن أنطاكية هدنة آذَنت بغبطة الْإِسْلَام وخلص من طَال إساره من ذَوي الْإِقْدَام وَرِجَال الشَّام وَرَأى أَن المواصلة لَا ينزلون عَن المحتمين بِهِ وَلَا يرفعون أَيْديهم عَن المعتصمين بِسَبَبِهِ وَمِنْهُم صَاحب الجزيرة وَصَاحب إربل وَمن بتكريت والحديثة وَغَيرهَا وَأَنَّهُمْ لَا يقفون فِي الْمَكْر والخديعة عِنْد أمد وَأَن رسلهم متناوبة إِلَى كل أحد فَسَار على أَنه يلْحق الْبِلَاد قبل هجوم الْحر ويصل إِلَيْهَا فِي وَقت إِمْكَان الْحصْر فَمَا وصل إِلَيْهَا إِلَّا وَالْحر قد اشْتَدَّ استعاره والقيظ قد تأججت ناره وَرَأى الْوَقْت يعسر فِي تَقْدِيم آلَات الْحصار ويخشى عَلَيْهَا مَعَ نَار الهجير من قبُول النَّار فَإِنَّهُ
стр. 214
استصحب منجنيقات ودبابات وأخشابا لعمل البرج مهيبات ووقد الظهيرة يُؤثر فِيهَا ويشق أَيْضا لبس الدروع على مستلميها فَلم يبْق إِلَّا الْمقَام بنية المطاولة والمصابرة والتمهل إِلَى أَن يطيب الزَّمَان ويتيسر إِمْكَان المحاصرة فتوطن عزمه على التوطن وَأقَام بنية التثبت وَقُوَّة التَّمَكُّن وأقطع الْبِلَاد والولايات وَولى الإقطاعات وخيمت العساكر المنصورة بشرقي الْموصل وغربيها فضيقت خناقها وملأت بنجوم الأسنة أفاقها وتصرفت فِي أَعمالهَا وَتَفَرَّقَتْ فِي سهولها وجبالها
وَمِنْه
ورأينا أَن مقامنا بِغَيْر شغل فأفكرنا فِي أَمر يقوم مقَام الْحصار سهل وَهُوَ أَنا وجدنَا المَاء فِي أَوَان نقصانه وَأَنه إِذا سد وحول فَهَذَا زمَان إِمْكَانه فَرَكبْنَا وشاهدنا مَوضِع التَّحْوِيل وأيقنا من الله تَعَالَى بنجح التأميل وَذكر المهندسون أهل الْخِبْرَة أَنه يسهل تَحْويل دجلة الْموصل عَنْهَا بِحَيْثُ يبعد مستقى المَاء مِنْهَا فَحِينَئِذٍ يضْطَر أَهلهَا إِلَى تَسْلِيمهَا بِغَيْر قتال وَلَا حُصُول ضَرَر فِي تضييق وَلَا نزال واستدعى لذَلِك الْآلَات واشتغل بِجمع صناع وَرِجَال
وأصدر أَيْضا كتابا إِلَى الدِّيوَان الْعَزِيز بِمُقْتَضى ذَلِك
رَجعْنَا إِلَى إتْمَام الحَدِيث
стр. 215
وَلم يزل السُّلْطَان محاصرا للموصل مواظبا على مضايقتها إِلَى أَن أَتَاهُ الْخَبَر بوفاة شاه أرمن صَاحب خلاط يَوْم السبت الْعشْرين من شهر ربيع الآخر وَكَانَت وَفَاته يَوْم الْخَمِيس الرَّابِع مِنْهُ فَحِينَئِذٍ ترددت الآراء وَكَثُرت المشورات وأتى إِلَيْهِ الْأُمَرَاء وذووا الرَّأْي مِنْهُم من أَشَارَ عَلَيْهِ بِالْمَسِيرِ إِلَى تِلْكَ الديار وَمِنْهُم من قَالَ لَهُ تجمع بَين الْأَمريْنِ فَتتْرك بعض الْعَسْكَر بِقدر مَا تضايق بِهِ الْبَلَد من الْجَانِبَيْنِ وتعجل بِالْمَسِيرِ لأخذ تِلْكَ الخطة فَلَمَّا أصبح وَردت عَلَيْهِ كتب أَوْلِيَاء الدولة بخلاط وَتلك الولايات وبد لَيْسَ
وَوصل من أُمَرَاء خلاط عماد الدّين ملك وحرض السُّلْطَان على الْمسير إِلَى تِلْكَ الديار وَقَالَ
هَذِه الْموصل ملك مَا يخْشَى فَوَاتهَا فَبَقيَ السُّلْطَان مفكرا فِي أمرهَا فِي يَوْمه وَلَيْلَته فَلَمَّا أصبح عزم على الرحيل عَن الْموصل ثمَّ أَمر الرَّسُول بِالْمَسِيرِ إِلَى بلد خلاط وَأمر أمراءه بالتأهب وعرفهم مَا عزم عَلَيْهِ من قصد تِلْكَ الخطة ثمَّ أرسل إِلَى زين الدّين بن عَليّ كوجك صَاحب إربل بِالرُّجُوعِ إِلَيْهَا وَجعل فِي معونته الْأَمِير سيف الدّين عَليّ بن أَحْمد المشطوب
ذكر رحيل السُّلْطَان من الْموصل إِلَى ديار بكر ومسير نَاصِر الدّين مُحَمَّد ابْن شيركوه ومظفر الدّين بن عَليّ كوجك فِي الْمُقدمَة إِلَى خلاط وَذكر وُصُول بهلوان بن أيدكز إِلَى الْمغرب
فِيهَا كَانَ رحيل السُّلْطَان عَن الْموصل بعساكره فِي أَوَاخِر شهر ربيع
следующие страницы →