Полный текст (230 стр.). Показаны 211–230 · переход к 216.
стр. 211
إِلَى سرادقه على الْعَادة ثمَّ أَمر بِهِ فَنقل إِلَى خيمة ووكل بِهِ فِيهَا وَمنعه من أَصْحَابه فهاج الْعَسْكَر وَاجْتمعَ الْأُمَرَاء عِنْد السُّلْطَان وَتَكَلَّمُوا وَقَالُوا لَهُ
إِن هَذَا لَا تأمنه وَلَا تخلى سَبيله والرأي أَن تنقله إِلَى قلعة حلب فتسجنه بهَا فَلَمَّا انْصَرف الْأُمَرَاء من عِنْده تقدم إِلَيْهِ الْفَقِيه عِيسَى وقاضي الْعَسْكَر وذكراه الصفح وَالْإِحْسَان فَقَالَ للفقيه عِيسَى إمض إِلَيْهِ وَطيب نَفسه وَسكن روعه فَمضى إِلَيْهِ وعرفه ذَلِك فَقَالَ السُّلْطَان مَالك رقي وَأَنا أخرج لَهُ مِمَّا معي من الْبِلَاد وأكون بَين يَدَيْهِ برسم الْخدمَة كَأحد المماليك فَقَالَ لَهُ بل تسلم إِلَيْهِ قلعتي الرها وحران فَقَالَ
السّمع وَالطَّاعَة فَرجع إِلَى السُّلْطَان وعرفه الْحَال فَأمر لَهُ بتشريف جميل يَلِيق بِهِ واستدعى بِهِ فَقبل الأَرْض بَين يَدَيْهِ وتسلمت مِنْهُ القلعتان ثمَّ أعيدتا إِلَيْهِ فِي آخر السّنة وَأقَام السُّلْطَان بحران شهر صفر وَتوجه مِنْهَا إِلَى رَأس عين فِي مستهل شهر ربيع الأول فَنزل بهَا يَوْمًا وَاحِدًا ثمَّ رَحل مِنْهَا إِلَى دَارا فَنزل بهَا فَتَلقاهُ صَاحبهَا وَوصل فِي تِلْكَ الْحَال عماد الدّين أَبُو بكر بن قرا أرسلان بعساكر ديار بكر وآمد عوضا عَن أَخِيه نور الدّين وَكَانَ قد تَأَخّر لمَرض عرض لَهُ فشكره السُّلْطَان وأجزل لَهُ الْعَطاء ثمَّ رَحل السُّلْطَان إِلَى نَصِيبين وَسَار مِنْهَا إِلَى بَين النهرين فَضرب مخيمه هُنَاكَ وَوصل إِلَيْهِ معز الدّين سنجر شاه بن غَازِي بن مودود بن زنكي حَاجِب الجزيرة فَاسْتَبْشَرَ السُّلْطَان بقدومه ووفر لَهُ من إحسانه وَسَار بعساكره إِلَى طَرِيق الدولعية قَاصِدا
стр. 212
إِلَى دجلة فَنزل على بلد من شاطئ دجلة فِي آخر شهر ربيع الأول وَوَصله الْخَبَر بوفاة نور الدّين بن قرا أرسلان صَاحب آمد يَوْم الأثنين رَابِع عشر من الشَّهْر الْمَذْكُور فَأمر أَخَاهُ بِالرُّجُوعِ إِلَى تِلْكَ الْبِلَاد وَأمره بترتيب أمورها ثمَّ رَحل مِنْهَا فَضرب مخيمه على الإسماعيليات وأقطع الْبِلَاد الأجناد وسير الْأَمِير سيف الدّين عَليّ بن أَحْمد المشطوب الهكاري وَمَعَهُ جمَاعَة من الْأُمَرَاء إِلَى الْعقر وأعماله
وَأمر السُّلْطَان بِعَمَل جسر فنصب وَعبر مظفر الدّين بن عَليّ صَاحب حران وخيم بالجانب الغربي وَمَعَهُ جمَاعَة من الْأُمَرَاء وَجَاء أَخُوهُ زين الدّين من إربل بعسكره وجماعته وَأمر النَّاس بترك الْقِتَال وَتَأْخِير الزَّحْف وَأرْسل القَاضِي ضِيَاء الدّين الشهرزوري برسالته إِلَى الدِّيوَان الْعَزِيز فِي إنهاء الْأَحْوَال وَشرح الْأَسْبَاب الْمُقْتَضِيَة لنهوضه لخدمة المواقف المقدسة الناصرة لدين الله وَأَن المواصلة كاتبوا البهلوان بِضَرْب الدِّرْهَم وَالدِّينَار باسم السُّلْطَان السلجوقي ليظهروا بنصره وَأَنَّهُمْ بعد ذَلِك راسلوا الفرنج يغرونهم بِقصد الثغور وكشف مَا اعتادوه من الظُّلم وَيذكر أَيْضا مَا افتعلوه من مبايعة ابْن أخيهم سنجر شاه بن غَازِي وَابْن زين الدّين صَاحب أربل وَمَا ضيعوا من محافظته وَأَنَّهُمْ لم يرعوا حَقه وَلَا حق أَبِيه الَّذِي حفظ بَيتهمْ وَأَشْيَاء كَثِيرَة لم نذكرها
стр. 213
فصل
من كتاب عَن السُّلْطَان إِلَى مجد الدّين بن الصاحب أستاذ الدَّار الأمامية فِي وَجه مَا شَرحه من الْحَال
قد أحَاط الْعلم الْكَرِيم بِأَن التَّوَجُّه لم يكن فِي هَذِه السّنة من دمشق إِلَى حلب إِلَّا للْجِهَاد فِي سَبِيل الله فَإِنَّهُ غَايَة الأرب وَذَلِكَ بنية غزَاة أنطاكية فَإِن غزَاة الفرنج من جَانب دمشق إِنَّمَا تستقيم أَسبَابهَا وتستتب آرابها إِذا كَانَت عَسَاكِر مصر حَاضِرَة وَالْأَيْدِي بقوتها متظاهرة وَكَانَت العساكر المصرية قد طَالَتْ بِالشَّام إِقَامَتهَا وتوفرت فِي مُلَازمَة الْخدمَة فِي البيدارات عرامتها فَرَأى إراحتها واستجمامها وعادت إِلَى مصر لتستجد استعدادها واهتمامها وَوصل إِلَى حلب لقربها من الْبِلَاد الإسلامية لِتجمع العساكر مِنْهَا لغزاة أنطاكية وطمع أَيْضا فِي وُصُول الْعَسْكَر الْموصِلِي للإنجاد والمساعدة من سَائِر الْجِهَات على الْجِهَاد والاستظهار مِنْهَا بتوافر الأمداد فَإِن رسل المواصلة مَا زَالُوا مترددين وللخديعة بالْقَوْل والكتب مجددين وهم فِي أثْنَاء ذَلِك يراسلون الجوانب ويكاتبون الْأَجَانِب ويرتقبون النوائب وَتذهب بمعاودتهم الْأَوْقَات وتحدث دون قصدهم الحادثات فهادن أنطاكية هدنة آذَنت بغبطة الْإِسْلَام وخلص من طَال إساره من ذَوي الْإِقْدَام وَرِجَال الشَّام وَرَأى أَن المواصلة لَا ينزلون عَن المحتمين بِهِ وَلَا يرفعون أَيْديهم عَن المعتصمين بِسَبَبِهِ وَمِنْهُم صَاحب الجزيرة وَصَاحب إربل وَمن بتكريت والحديثة وَغَيرهَا وَأَنَّهُمْ لَا يقفون فِي الْمَكْر والخديعة عِنْد أمد وَأَن رسلهم متناوبة إِلَى كل أحد فَسَار على أَنه يلْحق الْبِلَاد قبل هجوم الْحر ويصل إِلَيْهَا فِي وَقت إِمْكَان الْحصْر فَمَا وصل إِلَيْهَا إِلَّا وَالْحر قد اشْتَدَّ استعاره والقيظ قد تأججت ناره وَرَأى الْوَقْت يعسر فِي تَقْدِيم آلَات الْحصار ويخشى عَلَيْهَا مَعَ نَار الهجير من قبُول النَّار فَإِنَّهُ
стр. 214
استصحب منجنيقات ودبابات وأخشابا لعمل البرج مهيبات ووقد الظهيرة يُؤثر فِيهَا ويشق أَيْضا لبس الدروع على مستلميها فَلم يبْق إِلَّا الْمقَام بنية المطاولة والمصابرة والتمهل إِلَى أَن يطيب الزَّمَان ويتيسر إِمْكَان المحاصرة فتوطن عزمه على التوطن وَأقَام بنية التثبت وَقُوَّة التَّمَكُّن وأقطع الْبِلَاد والولايات وَولى الإقطاعات وخيمت العساكر المنصورة بشرقي الْموصل وغربيها فضيقت خناقها وملأت بنجوم الأسنة أفاقها وتصرفت فِي أَعمالهَا وَتَفَرَّقَتْ فِي سهولها وجبالها
وَمِنْه
ورأينا أَن مقامنا بِغَيْر شغل فأفكرنا فِي أَمر يقوم مقَام الْحصار سهل وَهُوَ أَنا وجدنَا المَاء فِي أَوَان نقصانه وَأَنه إِذا سد وحول فَهَذَا زمَان إِمْكَانه فَرَكبْنَا وشاهدنا مَوضِع التَّحْوِيل وأيقنا من الله تَعَالَى بنجح التأميل وَذكر المهندسون أهل الْخِبْرَة أَنه يسهل تَحْويل دجلة الْموصل عَنْهَا بِحَيْثُ يبعد مستقى المَاء مِنْهَا فَحِينَئِذٍ يضْطَر أَهلهَا إِلَى تَسْلِيمهَا بِغَيْر قتال وَلَا حُصُول ضَرَر فِي تضييق وَلَا نزال واستدعى لذَلِك الْآلَات واشتغل بِجمع صناع وَرِجَال
وأصدر أَيْضا كتابا إِلَى الدِّيوَان الْعَزِيز بِمُقْتَضى ذَلِك
رَجعْنَا إِلَى إتْمَام الحَدِيث
стр. 215
وَلم يزل السُّلْطَان محاصرا للموصل مواظبا على مضايقتها إِلَى أَن أَتَاهُ الْخَبَر بوفاة شاه أرمن صَاحب خلاط يَوْم السبت الْعشْرين من شهر ربيع الآخر وَكَانَت وَفَاته يَوْم الْخَمِيس الرَّابِع مِنْهُ فَحِينَئِذٍ ترددت الآراء وَكَثُرت المشورات وأتى إِلَيْهِ الْأُمَرَاء وذووا الرَّأْي مِنْهُم من أَشَارَ عَلَيْهِ بِالْمَسِيرِ إِلَى تِلْكَ الديار وَمِنْهُم من قَالَ لَهُ تجمع بَين الْأَمريْنِ فَتتْرك بعض الْعَسْكَر بِقدر مَا تضايق بِهِ الْبَلَد من الْجَانِبَيْنِ وتعجل بِالْمَسِيرِ لأخذ تِلْكَ الخطة فَلَمَّا أصبح وَردت عَلَيْهِ كتب أَوْلِيَاء الدولة بخلاط وَتلك الولايات وبد لَيْسَ
وَوصل من أُمَرَاء خلاط عماد الدّين ملك وحرض السُّلْطَان على الْمسير إِلَى تِلْكَ الديار وَقَالَ
هَذِه الْموصل ملك مَا يخْشَى فَوَاتهَا فَبَقيَ السُّلْطَان مفكرا فِي أمرهَا فِي يَوْمه وَلَيْلَته فَلَمَّا أصبح عزم على الرحيل عَن الْموصل ثمَّ أَمر الرَّسُول بِالْمَسِيرِ إِلَى بلد خلاط وَأمر أمراءه بالتأهب وعرفهم مَا عزم عَلَيْهِ من قصد تِلْكَ الخطة ثمَّ أرسل إِلَى زين الدّين بن عَليّ كوجك صَاحب إربل بِالرُّجُوعِ إِلَيْهَا وَجعل فِي معونته الْأَمِير سيف الدّين عَليّ بن أَحْمد المشطوب
ذكر رحيل السُّلْطَان من الْموصل إِلَى ديار بكر ومسير نَاصِر الدّين مُحَمَّد ابْن شيركوه ومظفر الدّين بن عَليّ كوجك فِي الْمُقدمَة إِلَى خلاط وَذكر وُصُول بهلوان بن أيدكز إِلَى الْمغرب
فِيهَا كَانَ رحيل السُّلْطَان عَن الْموصل بعساكره فِي أَوَاخِر شهر ربيع
стр. 216
الآخر من السّنة وَتقدم إِلَى ابْن عَمه نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن شير كوه بِأَن يتَقَدَّم إِلَى خلاط وأردفه بمظفر الدّين بن زين الدّين صَاحب حران وَمن تابعهما فَلَمَّا وصلوا إِلَى خلاط وجدوا سيف الدّين بكتمر أحد مماليك شاه أرمن قد دَخلهَا وَحمى معلقها فَوقف نَاصِر الدّين وَمن مَعَه دونهَا وَجَاء شمس الدّين بهلوان أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن أيدكز فِي عَسَاكِر الشرق وَنزل بِقرب خلاط أَيْضا وَكَانَ وَزِير خلاط مجد الدّين أَبُو الْمُوفق بن رَشِيق يُكَاتب السُّلْطَان صَلَاح الدّين مرّة ويكاتب البهلوان أُخْرَى وَيكْتب إِلَى نَاصِر الدّين بن شيركوه بِالْإِقَامَةِ
وَأما السُّلْطَان فَإِنَّهُ سَار مُتَوَجها إِلَى ديار بكر فخاف جَمِيع متملكيها من قدومه إِلَيْهِم
فَأَما النظام البقش متولى ماردين فَإِنَّهُ احْتَرز وتحصن وَأما صَاحب آمد فَإِنَّهُ خَافَ على نَفسه من السُّلْطَان أَن يَأْخُذهَا بعد موت أَبِيه نور الدّين مُحَمَّد بن قرا أرسلان وَأَشَارَ على السُّلْطَان جمَاعَة من الْأُمَرَاء بِأخذ آمد وَقَالُوا لَهُ إِنَّمَا أَنْت وهبتها لنُور الدّين وَلَا حرج عَلَيْك فِي أَخذهَا من وَلَده مَعَ كَونه طفْلا وَأَنه قد امْتنع أَن يَأْتِي إِلَى الْخدمَة فَقَالَ هَذَا أَمر لَا يفوت استدراكه وَنحن نتقدم بإيفاد من نثق بِهِ إِلَيْهِم ونتأمل مَا هم عَلَيْهِ ونبني الْأَمر على الْيَقِين فندب إِلَيْهِم القَاضِي الدّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الْفراش فحين دخل إِلَى آمد وجدهم على جادة الْعَزْم على الْوُصُول إِلَى الْخدمَة فتركهم وأتى إِلَى السُّلْطَان فخبره بوصول قطب الدّين سُلَيْمَان ولد نور الدّين مُحَمَّد بن قرا أرسلان وَكَانَ
стр. 217
وُصُول السُّلْطَان إِلَى ميافارقين فِي الْعشْر الأول من جمادي الأول فَرَأى أَهلهَا مفارقين لطاعته واتاه كتاب نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن شيركوه يَسْتَأْذِنهُ بالوصول إِلَيْهِ فَأذن لَهُ بذلك وَقَالَ
الرَّأْي أَن نبتدى بحصار ميا فراقين وَفتحهَا وشاور أَصْحَابه وأمراءه فِي ذَلِك فَقَالُوا لَهُ
الرَّأْي مَا ترَاهُ
ذكر حِصَار ميافارقين
وَلما علم النظام البقش بمسير السُّلْطَان إِلَى تِلْكَ الْجِهَة ندب من أَصْحَابه الْأَمِير أَسد الدّين برتقش وَأمره بِالْمَسِيرِ إِلَى ميافاراقين فَلَمَّا وَصلهَا بذل بَدْء فِي الْأَمْوَال وَفرق على الرِّجَال وَنصب المنجنيقات والعرادات وملأ الأبراج بالأجناد وأرعد وأبرق وأنف واستكبر فَلَمَّا عاين السُّلْطَان ذَلِك أَمر عساكره بالاستعداد وَنصب المناجيق فَنصبت وَأمر النَّاس بِالْقِتَالِ والزحف وَطَالَ الْقِتَال عَلَيْهَا صباحا وَمَسَاء وَخرج جمَاعَة مِنْهُم وأحرقوا منجنيق السُّلْطَان فَقتل من الْفرْقَتَيْنِ جمَاعَة كَبِيرَة وَقتل يُوسُف المنجنيقي وَكَانَ مقداما شجاعا وَكَانَ فِي كل يَوْم تشتد الْحَرْب وَيكثر النزال وَكَانَت الْأُمُور لَا تزداد إِلَّا شدَّة وَطَالَ الْحصار ودام
وَكَانَت خاتون بنت قرا أرسلان زَوْجَة قطب الدّين صَاحب ماردين حِينَئِذٍ بميافارقين وَكَانَت تحرض النَّاس على الْقِتَال وَكَانَت ذَات يتامى وَلها حَالَة حَسَنَة مَعْرُوفَة بالصلاح والتقى فَلَمَّا لج الْحصار وَطَالَ الْأَمر وَتَمَادَى راسل السُّلْطَان الْأَمِير الْمَذْكُور بميافارقين يستلينه ويستكشف
стр. 218
نهج الْجَواب من جَانِبه ويرغبه تَارَة ويستعطفه تَارَة ثمَّ يتوعده تَارَة ويتهدده أُخْرَى فَذكر أَنه يقْضِي حق من وَجب عَلَيْهِ حَقه يَعْنِي بذلك صَاحبه وَذكر
أَن قطب الدّين مذ درج إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى لم تزل الخاتون مالكة الْأَمر وَنحن لَهَا مطيعون
فراسل السُّلْطَان حِينَئِذٍ خاتون مرّة أُخْرَى وَهِي لَا ترجع إِلَيْهِ جَوَابا يشفيه ثمَّ أَنه قَالَ لَهَا
إِنَّا لَا بنرح هَاهُنَا حَتَّى نفتح ميافارقين وَإِنَّا نَحن أولى بِحِفْظ بَيْتك ورعاية حَقك وَهَذِه الْبَلدة إِذا دخلناها فَلَا خُرُوج لنا عَن رضاك ونصاهرك فِي إِحْدَى عقائلك وَلم يزل بهَا حَتَّى طابت نَفسهَا بِمَا بذله السُّلْطَان لَهَا
وراسل السُّلْطَان عِنْد ذَلِك الْأَمِير الْأسد برتقش وَقَالَ لَهُ دع اللجاج والمجانبة فَإِن خاتون قد مَالَتْ إِلَى جانبا فَلَمَّا بلغه أَن خاتون قد وَافَقت السُّلْطَان على مُرَاده لانت عريكته وضرع إِلَى رَأْي السُّلْطَان وَاسْتقر أَن يَنْقَطِع إِلَى خدمته وَأَن يكون فِي جملَة من شملته سوابغ نعْمَته وَأَن يَخُصُّهُ بجنلجور وأعماله وَأَن يُقرر مَعَ خاتون أَن يبْقى مَا كَانَ عَلَيْهَا باسمها من الْمَوَاضِع وَاسم خدامها وَسَأَلت أَن يفرد لَهَا حصن الهتاخ وخطب السُّلْطَان إِلَيْهَا إِحْدَى بناتها لِابْنِهِ الْملك الْمعز فتح الدّين اسحق والتمست مِنْهُ مَا قَرَّرَهُ على يَمِينه فسارع إِلَى مرادها
стр. 219
ذكر ميافارقين وَفتحهَا
وَلما كَانَ يَوْم الْأَرْبَعَاء آخر يَوْم من جمادي الأولى تقدم السُّلْطَان إِلَى القَاضِي نجم الدّين بن عصرون والعماد الْكَاتِب الْأَصْفَهَانِي بِالدُّخُولِ إِلَى ميافارقين لعقد النِّكَاح على ابْنة قطب الدّين لوَلَده اسحق وَكَانَ وَكيل السُّلْطَان لِابْنِهِ الْعِمَاد الْكَاتِب ووكيل ابْنة قطب الدّين القَاضِي نجم الدّين ابْن عصرون لتقرير الْمهْر وَتَسْلِيم النَّقْد وَجلسَ السُّلْطَان فِي سرادقه للهناء وَخرج إِلَيْهِ الْأَعْيَان من الْبَلَد وَنفذ إِلَى خاتون هَدَايَا وتحفا برسم المخطوبة وأنعم على الْأَمِير أَسد الدّين بجنلجور وشرفه تَشْرِيفًا جميلا
وَوصل عِنْد ذَلِك قطب الدّين سكمان بن مُحَمَّد بن قرا أرسلان وَأمر السُّلْطَان الْأُمَرَاء بلقائه ثمَّ خرج من بعدهمْ فَتَلقاهُ بالإكرام وَلم يزل عِنْده مكرما ثمَّ شرفه وَأمره بِالرُّجُوعِ إِلَى آمد موفور الْحَظ من جَانِبه وفوض السُّلْطَان ولَايَة تِلْكَ الْأَمَاكِن والبلاد إِلَى مَمْلُوكه حسام الدّين سنقر الخلاطي
ذكر رحيل السُّلْطَان من ميافارقين ونزوله على شاطئ قرامان
ورحل السُّلْطَان من ميافارقين وَنزل على الْموضع الْمَذْكُور وراسل البهلوان وَكَانَ السَّبَب فِي وُصُوله مراسلة سيف الدّين بكتمر لَهُ وتخويفه من السُّلْطَان وَأَنه مَتى أَخذ خلاط وَاسْتولى على ممالكها قصد جَمِيع بِلَاد الْعَجم وَحمل إِلَيْهِ مَعَ ابْنَته زَوْجَة شاه أرمن مَالا جزيلا وَندب السُّلْطَان الْفَقِيه عِيسَى إِلَى مجد الدّين بن رَشِيق الْوَزير بخلاط فَتكلم مَعَه فأحال الْحَال على البهلوان وأنكم لَو استعجلتم قبل وُصُوله إِلَى الْبِلَاد لنلتم المُرَاد
стр. 220
ثمَّ إِن الْفَقِيه عِيسَى ندب شخصا من أَصْحَابه للتجسس على عَسْكَر البهلوان وتصفح الْأَحْوَال فَلَمَّا توَسط عسكره نذروا بِهِ فَادّعى أَنه رَسُول من صَاحبه الْفَقِيه عِيسَى رَسُول السُّلْطَان فطلبوا مِنْهُ حِينَئِذٍ وُصُول الْفَقِيه عِيسَى إِلَيْهِم فكاتبه بذلك فَأرْسل الْفَقِيه عِيسَى كِتَابه إِلَى السُّلْطَان يعرفهُ صُورَة الْحَال فَكتب السُّلْطَان إِلَى البهلوان بإرسال الْفَقِيه عِيسَى إِلَيْهِ فَتوجه الْفَقِيه عِيسَى حِينَئِذٍ إِلَى البهلوان فَأكْرمه إِكْرَاما عَظِيما فشرع الْفَقِيه عِيسَى بالصلاح وَفتح أَبْوَاب الاستعطاف والاستمالة فِيمَا بَين الفئتين وَرجع وَفِي صحبته رَسُول البهلوان إِلَى السُّلْطَان فأكرمهم وأجزل لَهُم من عطائه وَرَجَعُوا موفوري الْحَظ من جَانِبه وَرَأى أَن الْأَمر يَتَطَاوَل فَأَخَّرَهُ إِلَى حِين انتهاز فرْصَة الْإِمْكَان
ذكر وُصُول رسل السُّلْطَان إِلَيْنَا إِلَى مصر والبشارة لنا بِفَتْح ميافارقين
وَلما فتح السُّلْطَان ميافارقين واستلوى على ممالكها أرسل نجابين بكتابه إِلَى وَالِدي الْملك الظفر وَكَانَ حِينَئِذٍ صَاحب مصر والمستولى على ممالكها يخبرنا بِمَا من الله تَعَالَى عَلَيْهِ من فتح ميافارقين فشرعنا حِينَئِذٍ بتزيين البلدين الْقَاهِرَة ومصر وَأَرْسَلْنَا رسلنَا إِلَى جَمِيع الْبِلَاد المصرية بذلك وَضربت البشائر فِي جَمِيع الْأَمَاكِن وسررنا بِمَا من الله تَعَالَى عَلَيْهِ من النَّصْر وَالظفر وخلع على المبشرين لَهُ بذلك ووفر عطيتهم وشرفهم
ذكر رحيل السُّلْطَان من شاطئ قرامان وتوجهه إِلَى الْموصل
وَذَلِكَ فِي شهر رَجَب من السّنة الْمَذْكُورَة فَكَانَ وُصُوله إِلَى نَصِيبين فَنزل بهَا أَيَّامًا حَتَّى تَكَامل وُصُول العساكر إِلَيْهِ وَذَلِكَ فِي آخر الشَّهْر
стр. 221
الْمَذْكُور ثمَّ رَحل من نَصِيبين فَنزل على شاطئ دجلة بِكفْر زمار بِقرب الْموصل وَذَلِكَ بعد أَرْبَعَة أَيَّام من شعْبَان فَحِينَئِذٍ ضَاقَتْ على صَاحب الْموصل الأَرْض بِمَا رَحبَتْ وغلقت أَبْوَاب الْموصل وأحاطت بهَا العساكر واضطرب أَهلهَا اضطرابا شَدِيدا وَكَانَ السُّلْطَان يركب فِي بعض الْأَيَّام ويشرف على الْبَلَد وَينظر مقاصده وَكَانَ يَأْتِيهِ مُنْذُ نزل على مَا حكى لي فِي الرسَالَة من الْموصل قوم بعد قوم فَبينا هُوَ على ذَلِك من حصارهم والتضييق عَلَيْهِم إِذْ أَقبلت عَلَيْهِ النِّسَاء الأتابكيات فخضعن لَهُ فِي القَوْل وسألنه عاطفته فأنزلهن خير منزل وأكرمهن غَايَة الْإِكْرَام وأجابهن إِلَى مارمنه مِنْهُ وَقبل شفاعتهن وَقَالَ لَهُنَّ لابد من قَاعِدَة نَبْنِي عَلَيْهَا وتتألف عَلَيْهَا الْقُلُوب وتطمئن إِلَيْهَا الْأَنْفس فاستقر الْأَمر أَن يكون عماد الدّين زنكي صَاحب سنجار أَخُو صَاحب الْموصل وَسِيطًا فِي الْبَين وَحكما فِيمَا يعود بمصلحة الْجَانِبَيْنِ وسير السُّلْطَان رَسُوله إِلَى صَاحب سنجار فِي إيفاد رَسُوله فأنفذ وزيره شمس الدّين بن الْكَافِي وَكَانَ من قبل قد سبق القَوْل فِي تَسْلِيم بِلَاد شهرزور وقلاعها وحصونها وضياعها وَكَذَلِكَ مَا وَرَاء الزابين من البوازيج والرستاق وبلد القراملية وَبنى قفجاق فَدخل
стр. 222
شمس الدّين بن الْكَافِي وشمس الدّين قَاضِي الْعَسْكَر لأخذ الْعَهْد من صَاحب الْموصل على مَا ذَكرْنَاهُ واستقرت الْقَوَاعِد على ذَلِك وَضربت الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم باسمه وخطب لَهُ على المنابر بِجَمِيعِ تِلْكَ الممالك
نُسْخَة
كتاب كتبه السُّلْطَان إِلَى أَخِيه سيف الْإِسْلَام ملك الْيمن يذكر فِيهِ فتح ميافارقين وَعوده إِلَى الْموصل وَمَا جرى من الصُّلْح وَذَلِكَ بإنشاء الْعِمَاد الْكَاتِب الْأَصْفَهَانِي
كتَابنَا وَنعم الله تَعَالَى مَنُوط بمزيد الشُّكْر عندنَا مزيدها محوط من السديد وَأمّهَا وفريدها حَال من الِاغْتِبَاط مِنْهَا جيدها حَال فِي مَحل الارتباط لنا أنيسها وشرودها والنصر مَاض نصله وَالْخَيْر وَاضِحَة سبله والملوك وَقد دَانَتْ لنا رقابها ولانت صعابها وذلت لعزتنا أعزتها وتوفرت للتناهي فِي الْعُبُودِيَّة لنا هزتها فرسلهم على الْأَبْوَاب العزيزة للذلة خاضعة عارضة للاستكانة ضارعة والممالك لمملكتنا خاطبة وَفِي عدلنا راغبة ولطلوع سني إحساننا بكشف ظلم الظُّلم عَنْهَا طالبة وَالْوُجُوه سافرة وَالْأَيْدِي ظافرة ولاشك فِي إحاطة علمه بعبورنا الْفُرَات فِي صفر سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ لإِصْلَاح ديار بكر والموصل وفوزنا فِي كل وجهة بالنصر العذب المنهل وَأَنا أَقَمْنَا أشهرا على بِلَاد الْموصل وتصرفنا فِيهَا وأنعمنا على الأجناد بأعمالها ونواحيها فاتفق اختلال أَمر ديار بكر لمَوْت مُلُوكهَا وتبدد سلوكها فقصدناها وقررنا أمورها وأعدنا إِلَى مطالعها من سياستنا نورها وفتحنا ميافارقين وَهِي أم بلادها ومقلد نجادها ومركز محيطها ونقطة بسيطها فملكنا بهَا من ديار بكر رق مُلُوكهَا وأطلقنا بهَا شمس المهابة بعد دلوكها وأخمدنا الْفِتَن وَقد وقدت وَنَبَّهنَا السّنَن وَقد رقدت وأحيينا الْعدْل
стр. 223
وَقد دثر وأنعشنا الْفضل وَقد عثر وَدخل الشتَاء فخرجنا من تِلْكَ الديار بعد ضم شتاتها ونظم مصالحها وَصرف آفاتها وَأذن حَيا رَحْمَتنَا رفاتها وَلأَجل اعتصام الْأَطْرَاف بِنَا واستمساكهم بسببنا وَمِنْهُم صَاحب الجزيرة معز الدّين سنجر شاه بن أخي صَاحب الْموصل وزين الدّين بن زين الدّين عَليّ كوجك صَاحب إربل رَأينَا أَن نُقِيم فِي بِلَاد الْموصل لنشتو بهَا إِلَى الرّبيع ونستجد حِينَئِذٍ فِي فتح الْبِلَاد حسن الصَّنِيع وَلما تحقق صَاحب الْموصل هَذَا الْعَزْم وخشى هَذَا السهْم ضَاقَتْ عَلَيْهِ الأَرْض بِمَا رَحبَتْ وضافته الهموم الَّتِي وجفت لَهَا الْقُلُوب وَوَجَبَت فَألْقى سلاحه وَطلب بِالصُّلْحِ صَلَاحه وخفض بضراعته جنَاحه وَحفظ على أَهله فِينَا نجاحه وَلم يزل لنا مذعنا وَكَانَ حلمنا لمأمن روعه لما أَتَى مُؤمنا مُؤمنا وَنزل لنا عَن جَمِيع مَا وَرَاء الزاب من الْبِلَاد والقلاع والحصون والضياع وشهزور ومعاقلها وعمالها وَولَايَة بني قفجاق وَولَايَة القرايلي والبوازيج وعانة وقررنا عَلَيْهِ الْموصل وأعمالها على أَنه يكون بحكمنا وَينفذ عسكره إِلَى خدمتنا وَتَكون الْخطْبَة وَالسِّكَّة باسمنا وسمتنا وَأَن يُطلق الْمَظَالِم وَلَا يرتكب فِيهَا المآثم وَقد حصلت لنا من صَاحب الْموصل وَمن جَمِيع من بالجزيرة وديار بكر الطَّاعَة وَالسِّكَّة وَالْخطْبَة وَصَارَت فِي كل خطة لدولتنا الْخطْبَة وتمت فِينَا الرَّغْبَة ونمت لنا الْمحبَّة وعمت الهيبة والرهبة وَمَا سمت لكل ذِي رُتْبَة سامية إِلَّا بالانخفاض لأمرنا الرُّتْبَة والدولة ناضرة والحدائق ناظرة الأحداق منيفة الإشراف منيرة الْإِشْرَاق متعالية السناء سنية الْعَلَاء وبنعمة الْأَوْلِيَاء مُتَوَالِيَة النعماء سامية الهمة هامية السَّمَاء نامية الصِّحَّة صَحِيحَة الْأَسْمَاء والعوارف إِلَى ذَوي الشُّكْر منا فوارع والصنائع فِي ذري الابتهاج بِنَا نصائع والعزائم إِلَى الْجِهَاد فِي سَبِيل الله نوازع وَقد زَالَت الْعَوَائِق وَارْتَفَعت الْمَوَانِع ونحجت الآمال ورجحت وَتمكن ساعد الْقدر وساعد إِمْكَان الْقُدْرَة
стр. 224
رَجعْنَا إِلَى إتْمَام الحَدِيث
وَلما تسلم السُّلْطَان الْبِلَاد الْمَذْكُورَة ولاها جمَاعَة من أَصْحَابه ومماليكه وأمرائه فَأَما شهرزور فَإِنَّهُ أرسل إِلَيْهَا مَمْلُوكه مُجَاهِد الدّين أياز وَندب للنَّظَر فِي تِلْكَ الْأَعْمَال شمس الدّين بن الْفراش وأقطع البوازيج لبَعض خواصه ووقف ضَيْعَة تعرف بباقيلا على وَرَثَة شيخ الشُّيُوخ بِبَغْدَاد
ثمَّ رَحل السُّلْطَان من الْموصل فِي شَوَّال مُتَوَجها إِلَى نَصِيبين فَكَانَ فِيهَا ثامن الشَّهْر الْمَذْكُور وَأقَام بهَا أَيَّامًا ثمَّ رَحل مِنْهَا إِلَى حران فِي الْعشْر الآخر من شَوَّال فَكَانَ وُصُوله إِلَيْهَا فِي آخِره وَلم يزل السُّلْطَان بحران إِلَى آخر السّنة وَكَانَ قد ألم بِهِ مرض شَدِيد مُدَّة مقامة فِي حران وَطَالَ ذَلِك بِهِ وَكَثُرت الأرجيف عَنهُ فِي تِلْكَ المرضة
ذكر شَيْء من مَكَارِم أخلاقه ﵁
ذكر بعض أَصْحَابنَا أَن السُّلْطَان لما اشْتَدَّ بِهِ الْمَرَض بحران وَكَانَ قد أَتَاهُ جمَاعَة كَبِيرَة من سَائِر بِلَاد الْإِسْلَام طلبا لإنعامه عَلَيْهِم على جاري عَادَته وَحسن سجيته قَالَ فاستغاث النَّاس وَمن هُنَاكَ من القاصدين لَهُ والسائلين فَسمع ضجة النَّاس فَقَالَ مَا هَذِه الضجة فَقيل لَهُ هَؤُلَاءِ الوافدون عَلَيْك قد اجْتَمعُوا على بابك متأسفون على مَا بك قَالَ فَأمرنِي بكتب أسمائهم فَكَانُوا خلقا كثيرا فَأعْطى كلامنهم على قدره وَمَا قسم الله تَعَالَى على يَده فَكَانَ مَالا كثيرا وسارت الْأَخْبَار بمرضه
فَأَما أَخُوهُ الْملك الْعَادِل سيف الدّين أَبُو بكر فَإِنَّهُ سمع بحلب مرض أَخِيه فَسَار إِلَى حران يقطع لمنازل فوصلها بعد أَيَّام فَأَقَامَ بهَا عِنْد السُّلْطَان
стр. 225
لضبط الْأُمُور وسياسة الْجُمْهُور وَالْجُلُوس فِي نوبتيه لتولي مصَالح الرّعية ووظائف السماط وَالْعَمَل فِي كل مُهِمّ وتنفيذ مَا يخرج من المراسيم السُّلْطَانِيَّة وَسَمَاع مراسلة الجوانب وَغير ذَلِك
واتصلت بِنَا الْأَخْبَار إِلَى مصر والكتب من عِنْده بمرضه وَكَانَ وَالِدي الْملك المظفر حِينَئِذٍ بهَا ومتوليا على ممالكها ثمَّ تَوَاتَرَتْ إِلَيْنَا كتبه بعافيته وركوبه فَسُرِرْنَا بِمَا من الله بِهِ تَعَالَى على الْإِسْلَام وَأَهله بعافيته
ذكر من توفّي فِي هَذِه السّنة من الأماثل وَغَيرهم مِمَّن نذكرهُ
فِيهَا توفيت عصمَة الدّين ابْنة معِين الدّين أنر وَكَانَت فِي عصمَة نور الدّين مَحْمُود بن زنكي فَلَمَّا توفّي وَخَلفه السُّلْطَان بِالشَّام فِي حفظ الْبِلَاد ونصرة الْإِسْلَام تزوج بهَا فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَخَمْسمِائة وَكَانَت من النِّسَاء العفائف ذَات مَعْرُوف وَصدقَة وَصَلَاح
وفيهَا توفّي سعد الدّين مَسْعُود بن أنر ﵁
وفيهَا توفّي عز الدّين جاولي وَكَانَ من أكَابِر الْأُمَرَاء
وفيهَا قتل قوام الدّين أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن سماقة وَزِير قرا أرسلان قتل بآمد قَتله مماليك مخدومه وَذَلِكَ أَنه كَانَ قد تمكن وَاسْتولى على مَا كَانَ
стр. 226
بصدده وَكَانَ أحد الْأُمَرَاء الْكِبَار وَيعرف بالصلاح فَبلغ أَنه قد تولى الْأَمر مَعَه وَكِلَاهُمَا مستشعر من صَاحبه فَسبق الْوَزير إِلَى قَبضه وحبسه واستقل فِي التَّدْبِير فَلَمَّا سمع الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين بِهَذِهِ الْوَاقِعَة من الْوَزير وَمَا حدث مِنْهُ فِي حق الْأَمِير الْمَذْكُور قَالَ يَوْمًا فِي مَجْلِسه
لقد تعرض هَذَا للخطر وكأنى بِهِ وَقد ذهبت نَفسه فَكَأَنَّهُ نطق بِمَا كَانَ فِي الْقدر المحتوم فَلم تكن إِلَّا أَيَّام قَلَائِل إِلَّا وَالْخَبَر ورد بقتْله
ذكر السَّبَب فِي قَتله
وَذَلِكَ أَن جمَاعَة من المماليك المفردين تَآمَرُوا على قَتله فجَاء أحدهم إِلَيْهِ وَهُوَ جَالس فِي ديوانه وَعِنْده جمَاعَة من الأماثل والأكابر وَغَيرهم فَقَالَ لَهُ
الْملك يَدْعُوك وَحدك ليسألك عَن حَدِيث عنْدك فَقَامَ وَدخل الدهليز فثاروا عَلَيْهِ وقتلوه ثمَّ أخرجُوا الصّلاح من الْحَبْس فَلَمَّا تمكن قبض وَبسط وشرد أَصْحَاب الْوَزير وَقتل مِنْهُم من أدْركهُ ثمَّ إِنَّه قتل أُولَئِكَ القاتلين إِلَى أَن أدْرك الْأَمِير رشده
وفيهَا توفى الْأَمِير نَاصِر الدّين بن شيركوه بحمص فِي تَاسِع ذِي الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة
وفيهَا توفى الْفَقِيه مهذب الدّين عبد الله بن أسعد الموصلى بحمص وسأذكر مَا تجدّد من الْأُمُور السُّلْطَانِيَّة فى سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وفيهَا تجهز أَبُو يَعْقُوب بعسكر زهاء على عشْرين ألفا وَجمع جموعا
стр. 227
كَثِيرَة لقصد عَليّ بن اسحق وَرجع مكسورا
وَاقعَة قراقوش المظفري
وَفِي هَذِه السّنة وصل إِلَى نواحي قشطيلة أَبُو الْحسن على صَاحب مايرقه لِأَنَّهُ كَانَ خرج إِلَى بجاية وملكها وَكسر السَّيِّد أَبَا عَليّ بن عبد الْمُؤمن وَأخذ مِنْهُ أَمْوَالًا عَظِيمَة وَسَار إِلَى مرعية فملكها وَعَاد من فوره رَاجعا إِلَى نَاحيَة الْمشرق وَجعل بجاية وَرَاء ظَهره وَترك بهَا أَخَاهُ أَبَا زكري وَنزل هُوَ على قسطنطينة الْهَوَاء محاصرا لَهَا فَأَقَامَ عَلَيْهَا أَرْبَعَة أشهر فوصل إِلَى بجاية عَسْكَر الْمُوَحِّدين تقدمهم السَّيِّد أَبُو زيد عمر بن عبد الْمُؤمن فَلم يقدر أَبُو زكري على الْإِقَامَة ببجاية فلحق أَخَاهُ إِلَى قسطنطينة وَسَار إِلَيْهِمَا أَبُو زيد فحبسه فَانْهَزَمُوا بَين يَدَيْهِ إِلَى قلعة ابْن حَمَّاد فَأَخَذُوهَا ونهبوها فلحقهم فَانْهَزَمُوا إِلَى بلره أخذوها أَيْضا ونهبوها فسارع إِلَيْهِم أَبُو زيد فَدَخَلُوا نفطة وكدكين من عمل قشطيلة وسمعوا بشرف الدّين أَنه على الحامة فنفذوا إِلَيْهَا رَسُولا وَقَالُوا إننا قوم من بني الْعَبَّاس ونريد دولتهم وَنحن نُرِيد أَن نَكُون وَإِيَّاك مُجْتَمعين فنفذ إِلَيْهِم شرف الدّين بهاء الدّين ساروج وَمَعَهُ سِتُّونَ فَارِسًا من أجناده وشطار عسكره فَلَقِيَهُمْ على حامة البهاليل
стр. 228
يحاصرونها وَقد كَانُوا نزلُوا على توزر فَمَا قدرُوا عَلَيْهَا وَلَا على نفطة وكدكين فَلَمَّا وصلت الأتراك إِلَيْهِم رجعُوا إِلَى الحامة الْمَذْكُورَة فَأَخَذُوهَا عنْوَة وَقتلُوا فِيهَا ألفا وَسَبْعمائة رجل ونهبوها وَكَانَت من الْبِلَاد الْحَسَنَة الطّيبَة الْكَثِيرَة الْبَسَاتِين والفواكه وانعقد الصُّلْح فتقررت الْقَاعِدَة على أَن تكون الْبِلَاد بَينهمَا نِصْفَيْنِ يكون لشرف الدّين من الْبِلَاد نوبَة وَمن نوبَة إِلَى الغرب للما يرقى وَمهما فتحوه كَانَ قسْمَة بَينهمَا وَاتَّفَقُوا على ذَلِك وتحالفوا وتجمعوا وَلم يزَالُوا بَقِيَّة سنتهمْ يرحلون وينزلون من مَوضِع إِلَى مَوضِع ويتمادون وَأَصْحَاب المايرقي يقلون وَأَصْحَاب شرف الدّين يكثرون لِأَن الميارقة مَا كَانَ لَهُم مدد من خليفهم وَأَصْحَاب شرف الدّين لَهُم الإقطاعات تصل إِلَيْهِم من جبل نفوسة ومطماطة وبلاد نفزاوة وَغَيرهَا
وَدخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وسأذكر واقعته فِيهَا فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى
سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة
فِيهَا نقل إِلَى الْخَلِيفَة أَن حَاجِب الْبَاب يعشق امْرَأَة مغنية يُقَال لَهَا خطليشة الظفرية وَكَانَت مستحسنة وَأَنه يمْضِي إِلَيْهَا إِلَى الْجَانِب الغربي من بَغْدَاد فَلم يصدق ذَلِك
وَكَانَ أستاذ الدَّار ابْن الصاحب يثنى على الْمَذْكُور والخليفة يتَمَنَّى لَهُ
стр. 229
عَثْرَة حَتَّى يُؤْذِيه وَكَانَ يفعل ذَلِك لبغضه لأستاذ الدَّار فَتقدم إِلَى جمَاعَة من الحماة أَن يترقبوا من ابْن هُبَيْرَة تِلْكَ الْحَالة الْمَذْكُورَة ويعلمونه بِصِحَّتِهَا وَكَانَ الْخَلِيفَة يكثر الْجُلُوس فى بُسْتَان مُحَمَّد بن يحيى الْفراش بالشارع على نهر عِيسَى وَكَانَ حَاجِب الْبَاب لَهُ بُسْتَان على نهر عِيسَى وَقد عمر فِيهِ دَارا حَسَنَة وَكَانَ يمْضِي إِلَيْهِ وَالنَّاس بَين يَدَيْهِ والخليفة يبصره وَينفذ من يعْتَبر حَاله وَكَانَ ابْن هُبَيْرَة قد منع النَّاس من شرب الْخمر وَأمر بِالْمَعْرُوفِ وَنهى عَن الْمُنكر وَبَالغ فِي الِاحْتِيَاط وَإِظْهَار الدّين
فَبينا الْخَلِيفَة ذَات يَوْم فِي بُسْتَان محمدبن يحيى ينظر إِلَى خَارج الْبُسْتَان من الدَّار الَّتِي هُوَ فِيهَا وَإِذا بخطليشة الظفرية قد أَقبلت إِلَى بُسْتَان حَاجِب الْبَاب ابْن هُبَيْرَة فَدخلت إِلَيْهِ ثمَّ بعد سَاعَة أقبل حَاجِب الْبَاب وَقُدَامَة غلمانه وَالسُّيُوف مَشْهُورَة بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه وَهُوَ لَا يعلم أَن الْخَلِيفَة فِي بُسْتَان ابْن يحيى الْفراش فَقَالَ الْخَلِيفَة هَذَا يَوْم ابْن هُبَيْرَة ثمَّ إِنَّه أَشَارَ إِلَى عَليّ بن أبي الْكَتَائِب وَقَالَ لَهُ نصبر سَاعَة وَتَأْخُذ مَعَك جمَاعَة من المماليك وتمضي وتكبس الْبُسْتَان وتنزل من حيطانه وتترك عِمَامَة ابْن هُبَيْرَة فِي عُنُقه وتقرن هَذِه القحبة إِلَى جَانِبه وتمضي بهما فِي السُّوق من أَوله إِلَى آخِره وتشهرهما فِي الْبَلَد وَبعد ذَلِك تتركهما فِي الخان الَّذِي فِي البدرية إِلَى ان أجئ إِلَى دَار الْخلَافَة وَأدبر بِأَيّ قتلة أَقتلهُ فقد أَمْرَضَنِي هَذَا الْكَلْب وأفعاله القبيحة لِأَنَّهُ يَأْمر النَّاس بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَفْعَله وينهاهم عَن الْمُنكر ويأتيه
فَبينا الْخَلِيفَة يُوصي ابْن أبي الْكَتَائِب بِمَا يَفْعَله وَإِذا جَمِيع من كَانَ مَعَ حَاجِب الْبَاب قد رجعُوا وَمَعَهُمْ فرسه وَلم يبْق عِنْده سوى الْمُغنيَة خطليشة فَمضى ابْن أبي الْكَتَائِب وَمَعَهُ جمَاعَة من المماليك والأتراك الصّبيان وهم لَا يعْرفُونَ من هُوَ حَاجِب الْبَاب وَلَا غَيره وَأتوا جيمعا إِلَى بُسْتَان ابْن هُبَيْرَة فوجدوا الْبَاب مغلقا فَأمر ابْن أبي الْكَتَائِب
стр. 230
المماليك أَن يصعدوا من الْحَائِط فَصَعِدُوا وفتحوا الْبَاب فَدخل ابْن أبي الْكَتَائِب فَوجدَ ابْن هُبَيْرَة مُتكئا على مخدة والمغنية إِلَى جَانِبه عَلَيْهَا قَمِيص تحتاني بِغَيْر سَرَاوِيل فَأَخَذُوهُ وَإِيَّاهَا وَخَرجُوا بهما من الْبُسْتَان وضربوهما ضربا شَدِيدا حَتَّى أشرفا على الْهَلَاك وَصَارَ الْخَلِيفَة يبصرهم
ثمَّ إِنَّهُم عبروا بهما إِلَى الْجَانِب الشَّرْقِي وهما على تِلْكَ الْحَال فطوف بهما فِي نهر مُعلى فِي السُّوق وَالضَّرْب يأخذهما إِلَى أَن وصلوا إِلَى بَاب البدرية فأدخلا إِلَيْهَا إِلَى الخان وَجعل ابْن هُبَيْرَة فِي أحد الْبيُوت وَفِي رجله سلسلة وَجعلت الْمُغنيَة فِي بَيت آخر مُقَابِله
وَرجع ابْن أبي الْكَتَائِب والمماليك إِلَى الْخَلِيفَة وَهُوَ فِي بُسْتَان مُحَمَّد بن يحيى الْفراش فعرفوه بذلك
وَأما أستاذ الدَّار فَإِنَّهُ أخبر بِحَال ابْن هُبَيْرَة فَضَاقَ صَدره وَكثر خَوفه واستشعاره
وَكَانَ