Полный текст (418 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
أَقُول وَقد أبهم موضعهَا وَلم يبين أَي جسر أهوَ الجسر الْأَبْيَض أم غَيره وَالَّذِي يظْهر أَنَّهَا بِالْقربِ من البدرية وَقد مر بَيَانهَا وَلَقَد وقفت عِنْد البدرية أسأَل أطلالها عَنْهَا وَعَن الشبلية فَوجدت بستانا يُسَمِّيه الْعَامَّة بالشبلي وببستان الشبلية وَهُوَ على طَرِيق عين الكرش بِالْقربِ من جسر نهر ثورا فَدخلت الْبُسْتَان فَإِذا فِي جَانِبه بِنَاء لَهُ أَرْبَعَة جدران قَائِمَة وَبهَا قنطرتا إيوانين وبجانب هَذَا الْبناء قبَّة تحتهَا قبر فناداني ذَلِك الْبناء المتداعي للسقوط تِلْكَ آثَار الْمدرسَة الَّتِي تبحث عَنْهَا وَقد حَال الْحَال وتغيرت الرسوم وَلم يبْق إِلَّا مَا نشاهده ولربما بعد مُدَّة لَا ترى شَيْئا مِمَّا ترَاهُ الْآن فَقلت عَلَيْك يَا شبلية السَّلَام عدد مَا سكنك من طلاب الْعُلُوم وَمن أوقاف هَذِه الْمدرسَة قَرْيَة بَيت نَائِم بأواخر الغوطة
تَرْجَمَة واقفها
أوقفها شبْل الدولة كافور الحسامي الرُّومِي نِسْبَة إِلَى حسام الدّين عمر بن لاجين ولد سِتّ الشَّام وَهُوَ الَّذِي كَانَ مستحثا على عمَارَة الشامية البرانية لمولاته سِتّ الشَّام
قَالَ ابْن كثير وَهُوَ الَّذِي بنى الشبلية الْحَنَفِيَّة والخانقاه على الصُّوفِيَّة إِلَى جَانبهَا وَكَانَ محلهَا منزله ووقف الْقَنَاة والمصنع والساباط وَفتح للنَّاس طَرِيقا من عِنْد الْمقْبرَة الَّتِي هِيَ غربي الشامية البرانية إِلَى عين الكرش وَلم يكن للنَّاس قبله طَرِيق إِلَى الْجَبَل من هُنَاكَ وَإِنَّمَا كَانُوا يسلكون إِلَيْهِ من عِنْد مَسْجِد الصفي بالعقيبة توفّي سنة ثَلَاث وَعشْرين وسِتمِائَة وَدفن فِي تربته الَّتِي أَنْشَأَهَا
ودرس بِهَذِهِ الْمدرسَة صفي الدّين السنجاري ثمَّ بعده اثْنَا عشر مدرسا آخِرهم شمس الدّين ابْن الرضي وَمِنْهُم سعيد بن عَليّ بن سعيد البصروي الْحَنَفِيّ قَالَ الذَّهَبِيّ هُوَ مدرس الشبلية أحد أَئِمَّة الْمَذْهَب وَكَانَ دينا ورعا نحويا شَاعِرًا توفّي سنة أَربع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَقد قَارب السِّتين قَالَ أبن كثير لَهُ تصانيف مفيدة ونظم حسن مِنْهُ
(قل لمن يحذر أَن تُدْرِكهُ ... نكبات الدَّهْر مَا يُغني الحذر)
(أذهب الْحزن اعتقادي انه ... كل شَيْء بِقَضَاء وَقدر)
стр. 177
وَقَالَ الصَّفَدِي كَانَ إِمَامًا مفتيا مدرسا بَصيرًا بِالْمذهبِ جيد الْعَرَبيَّة متين الدّيانَة شَدِيد الْوَرع عرض عَلَيْهِ الْقَضَاء أَو ذكر لَهُ فَامْتنعَ وَمن شعره قَوْله
(استجر دمعك مَا اسْتَطَعْت معينا ... فعساه يمحو مَا جنيت سنينا)
(أنسيت أَيَّام البطالة والهوى ... أَيَّام كنت لذِي الضلال قرينا)
ثمَّ إِن الصَّفَدِي روى لَهُ قصيدة طَوِيلَة فِي هَذَا الْمَعْنى
الشبلية الجوانية
قَالَ ابْن شَدَّاد هِيَ مُقَابل الأكزية الشَّافِعِيَّة انْتهى
قلت قد تقدم فِيمَا مر أَن الأكزية غربي الطّيبَة والتنكزية وشرقي تربة أم الصَّالح وخلاصة القَوْل فِي أمرهَا أَنَّهَا كَانَت فِي الْجِدَار القبلي من الطَّرِيق الْمَار أَمَام المحكمة الْكُبْرَى الْمُسَمَّاة بمحكمة الْبَاب والمار أَمَام المحكمة سائرا إِلَى الْجِهَة الغربية تكون عَن يسَاره وَقد انطمست الْآن معالمها وعفت آثارها وأمست دورا للسُّكْنَى وَلم يبْق من آثارها سوى حِجَارَة من جدارها الشمالي تنشد قَول قعنب الْفَزارِيّ بِصَوْت ضَعِيف
(فَمن يلق خيرا يحمد النَّاس أمره ... وَمن يغو لَا يعْدم على الغي لائما)
فيجيبها مختلسها بقول المتلمس
(وَمَا كنت إِلَّا مثل قَاطع كَفه ... بكف لَهُ أُخْرَى فاصبح اجذما)
وَالَّذِي أَنْشَأَهَا شبْل الدولة المعظمي صَاحب الْمدرسَة الَّتِي قبلهَا ودرس بهَا أبن النجاد ثمَّ خَمْسَة مدرسين بعده
حرف الصَّاد
الْمدرسَة الصادرية
هِيَ دَاخل دمشق بِبَاب الْبَرِيد على بَاب الْجَامِع الْأمَوِي الغربي قَالَه فِي تَنْبِيه الطَّالِب وَقَالَ وَهِي أول مدرسة أنشئت بِدِمَشْق سنة إِحْدَى وَتِسْعين وثلاثمائة
стр. 178
وَفِي بعض نسخ التَّنْبِيه ومختصره إِبْدَال الثلاثمائة بأربعمائة وَهُوَ خطأ من النَّاسِخ
أَقُول هَذِه الْمدرسَة من جملَة مَا اندرس من الْمدَارِس وَاسْمهَا مَشْهُور مَعْلُوم وَلم يبْق من أطلالها إِلَّا بعض من صحنها وَبِه بركَة المَاء وَفِي جَانبهَا بِئْر من المَاء وَفِي الْجَانِب القبلي تربة فِي حجرَة صَغِيرَة وَالْبَاقِي قد اختطفته يَد المختلسين فَصَارَ دورا للسُّكْنَى ومحلها يُقَال لَهُ الصادرية وآثارها الْبَاقِيَة تنشد قَول ذِي الرمة
(إِذا غير النأي المحبين لم يكد ... رسيس الْهوى من حب مية يبرح)
تَرْجَمَة واقفها
لم أر لمنشئها تَرْجَمَة فِي تَارِيخ الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر وَالَّذِي رَأَيْته فِي غَيره كَلِمَات يسيرَة وَهِي أَنْشَأَهَا شُجَاع الدولة صادر بن عبد الله وَهِي أول مدرسة أنشئت بِدِمَشْق سنة إِحْدَى وَتِسْعين وثلاثمائة ودرس بهَا عَليّ بن زنكي الكاساني ثمَّ أَبُو الْحسن الْبَلْخِي صَاحب الْمدرسَة البلخية لصيقها ثمَّ بعدهمَا اثْنَا عشر مدرسا مِنْهُم رشيد الدّين الغزنوي وبرهان الدّين الغزنوي انْتهى وَعَسَى أَن نظفر بِأَكْثَرَ من هَذَا الْبَيَان فنثبته هُنَا وَمن جملَة من درس بهَا مُحَمَّد بن أسعد بن الْحَكِيم الْعِرَاقِيّ الْوَاعِظ كَانَ لَهُ الْقبُول التَّام فِي الْوَعْظ بِدِمَشْق وروى المقامات عَن الحريري وصنف لَهَا شرحا وصنف تَفْسِيرا لِلْقُرْآنِ الْكَرِيم وَتُوفِّي سنة سبع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة عَن نَيف وَثَمَانِينَ سنة قَالَه الذَّهَبِيّ
قَالَ الْأَسدي فِي تَرْجَمته بنى لَهُ الْأَمِير معِين الدّين أنر مدرسة وترجمه الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر بِنَحْوِ مَا تقدم
حرف الطَّاء
الْمدرسَة الطرخانية
كَانَت قبلي الْمدرسَة الباذرائية وَقد عفت رسومها ومحيت أطلالها وأخنى عَلَيْهَا الزَّمَان وأمست دورا للسُّكْنَى تنْتَقل من يَد إِلَى يَد
قَالَ ابْن شَدَّاد كَانَ محلهَا يعرف بدار طرخان فاشتراها سنقر الْموصِلِي وَجعلهَا
стр. 179
مدرسة لأَصْحَاب أبي حنيفَة وَكَانَ إنشاؤها لأجل الْبُرْهَان عَليّ الْبَلْخِي سنة خمس وَعشْرين وَخَمْسمِائة وَهُوَ أول من درس بهَا ثمَّ من بعده أحد عشر مدرسا آخِرهم شهَاب الدّين بن فَزَارَة وَتقدم بعض الْكَلَام على الْبُرْهَان الْبَلْخِي فِي الْمدرسَة البلخية وَمن أفاضل مدرسي هَذِه الْمدرسَة إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن احْمَد بن غَازِي بن مُحَمَّد القَاضِي الشَّيْبَانِيّ المارداني الدِّمَشْقِي الْحَنَفِيّ الْمَعْرُوف بِابْن فلوس ولد ببصرى سنة أَربع وَأَرْبَعين واشتغل بالفقه وَسمع الحَدِيث وناب بالحكم بِالْمَدْرَسَةِ الطرخانية بجيرون ودرس بهَا وَكَانَ شَيخا دينا لطيفا قَالَه الْأَسدي وَقَالَ بعث إِلَيْهِ الْملك الْمُعظم يَأْمُرهُ بِإِبَاحَة الأنبذة قَالَ ابْن كثير أمره بِإِبَاحَة نَبِيذ التَّمْر وَمَاء الرُّمَّان فَأبى وَقَالَ لَا أفتح على أَبى حنيفَة هَذَا الْبَاب وَأَنا على مَذْهَب مُحَمَّد فِي تَحْرِيمهَا وَقد صَحَّ عَن أبي حنيفَة أَنه مَا شربهَا قطّ وَحَدِيث ابْن مَسْعُود لَا يَصح وَمَا رُوِيَ فِيهِ عَن غَيره لَا يثبت فَغَضب الْملك الْمُعظم وَأخرجه من الطرخانية وَأَعْطَاهَا للزين مُحَمَّد ابْن الْبَقَّال فَلم يتأثر وَأقَام فِي بَيته وَأَقْبل على التحديث وَالْفَتْوَى والإفادة إِلَى أَن توفّي سنة ثَلَاثِينَ وسِتمِائَة
تَرْجَمَة واقفها
تقدم أَن الَّذِي أَنْشَأَهَا سنقر الْموصِلِي
الْمدرسَة الطومانية
كَانَت تجاه دَار الحَدِيث الأشرفية بِدِمَشْق غربي الشريفية والفقاعية وَقد اندرست واندرست مَعهَا الشريفية وأجابتهما الفقاعية فَذهب الْكل أدراج الرِّيَاح وَأمسى مخازن وحوانيت ودورا للسُّكْنَى
قَالَ فِي تَنْبِيه الطَّالِب لم أَقف على تَرْجَمَة واقفها ووقفها نصف قَرْيَة قصيفة غربي المعوفس وقبلي أهه من اللجاه وجوانب جوارها جراب وَقد احْتَرَقَ بَعْضهَا ف بعض الْفِتَن وَلَعَلَّ واقفها طومان النوري بن ملاعب بن ملاعب بن عبد الله الْأنْصَارِيّ الخزرجي الْأَمِير الْكَبِير صَاحب الرقة
стр. 180
قَالَ الْأَسدي كَانَ شجاعا جوادا محبا للخير كتير الصَّدقَات مائلا إِلَى الْعلمَاء وَالْفُقَهَاء وَبنى بحلب مدرسة للحنفية توفّي سنة خمس وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وَقد جَاوَزت سنه الْمِائَة وَدفن قبل العاصية فِي صور وقبره يزار وَقد بنى الخان الْمَعْرُوف بطرِيق حلب هَذَا كَلَام التَّنْبِيه وَلَا يَخْلُو التَّعْرِيف بوقفها عَن تَحْرِيف لم يظْهر لي تحريره أثْنَاء الْكِتَابَة لِكَثْرَة مَا فِي النُّسْخَة الَّتِي اطَّلَعت عَلَيْهَا من الاغلاظ وَلَكِن الْأَمر سهل لِأَنَّهُ تَعْرِيف عَن شَيْء قد تلاشى واندرس
حرف الظَّاء
الْمدرسَة الظَّاهِرِيَّة الجوانية البيبرسية
قد تقدم ذكر محلهَا وَأَنَّهَا هِيَ الظَّاهِرِيَّة الجوانية بِعَينهَا وَلما كَانَت على الْفَرِيقَيْنِ الشَّافِعِيَّة وَالْحَنَفِيَّة كرر ذكرهَا هُنَا
وَقد درس بهَا صدر الدّين الْأَذْرَعِيّ صَاحب الْجَامِع الصَّغِير ثمَّ بعده سِتَّة مدرسين مِنْهُم ركن الدّين السَّمرقَنْدِي وَكَانَ شيخ الْحَنَفِيَّة فِي زَمَنه سَطَا عَلَيْهِ بعض أعدائه فخنقه وألقاه فِي بركتها وَأخذ مَاله وَبعد التدقيق عَن الْفَاعِل علم أَنه بوابها عَليّ الحوراني فصلب على بَابهَا
وَترْجم صَاحب التَّنْبِيه الْأَذْرَعِيّ فَقَالَ هُوَ سُلَيْمَان ابْن أبي الْعِزّ بن وهب ابْن عَطاء أَبُو الربيعالحنفي الْأَذْرَعِيّ صَاحب الْجَامِع الصَّغِير شيخ الْحَنَفِيَّة فِي زَمَنه وعالمهم شرقا وغربا أَقَامَ يدرس مُدَّة فِي دمشق ويفتي ثمَّ انْتقل إِلَى الديار المصرية ولد سنة أَربع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة وتفقه على الْجمال الحصيري وَولي قَضَاء الْقَاهِرَة أَيَّام الظَّاهِر بيبرس تَوْلِيَة عَامَّة حَيْثُ حلت ركاب السُّلْطَان وَكَانَ يُحِبهُ ويعظمه وَلَا يُفَارِقهُ فِي غَزَوَاته ثمَّ استعفاه من قَضَاء الْقَاهِرَة وَعَاد إِلَى دمشق فَأَقَامَ بهَا مُدَّة يدرس بالظاهرية وَلما مَاتَ ابْن العديم عرض عَلَيْهِ منصبه فَقبل وباشره ثَلَاثَة اشهر وَمَات لَيْلَة الْجُمُعَة سادس شعْبَان سنة سبع وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وَدفن بِالْقربِ من الْجَامِع الأفرم وَمن لطيف شعره مَا قَالَه فِي مَمْلُوك تزوج إِحْدَى جواري الْملك الْمُعظم
стр. 181
(يَا صَاحِبي قفا لي وانظرا عجبا ... أَتَى بِهِ الدَّهْر فِينَا من عجائبه)
(الْبَدْر اصبح فَوق الشَّمْس منزلَة ... وَمَا الْعُلُوّ عَلَيْهَا من مراتبه)
(أضحى يماثلها حسنا يشاركها ... كفوا وَسَار إِلَيْهَا فِي مواكبه)
(وأشكل الْفرق لَوْلَا وشي نمنمة ... بصدغه واخضرار فَوق شَاربه)
وَيُوجد بَين مَا تقدم من سنة ميلاده وَبَين مَا حَكَاهُ ابْن كثير خلاف وَاضح فانه قَالَ ولد سنة خمس وَسبعين وَلَعَلَّ السّبْعين تَصْحِيف وَأَنَّهَا سِتُّونَ أَو أَحدهمَا مصحف وَحكى ابْن كثير فِي تَرْجَمته أَن السُّلْطَان بيبرس لما أَرَادَ أَن يُوقع الحيطة على أَمْلَاك النَّاس أَرَادَ من الاذرعي أَن يحكم بِمُقْتَضى مذْهبه فَغَضب من ذَلِك وَقَالَ هَذِه الْأَمْلَاك بيد أَرْبَابهَا وَلَا يحل لمُسلم أَن يتَعَرَّض لَهَا ثمَّ نَهَضَ من الْمجْلس وَذهب فَغَضب السُّلْطَان من ذَلِك غَضبا شَدِيدا ثمَّ سكن غَضَبه وَكَانَ يثني عَلَيْهِ بعد ذَلِك ويمدحه وَيَقُول لَا تثبتوا كتابا إِلَّا عِنْده ثمَّ قَالَ ابْن كثير وَكَانَ المترجم من الْعلمَاء الأخيار كثير التَّوَاضُع قَلِيل الرَّغْبَة فِي الدُّنْيَا
الجوبري
ترْجم الصّلاح الصَّفَدِي الجوبري مدرس الظَّاهِرِيَّة الْحَنَفِيَّة فَقَالَ هُوَ مُحَمَّد ابْن عُثْمَان ابْن أبي الْحسن الجوبري الدِّمَشْقِي قَاضِي الْقُضَاة شيخ الْمَذْهَب ولد سنة ثَلَاث وَخمسين وسِتمِائَة وتفقه وبرع وَحفظ الْهِدَايَة وَأفْتى ودرس وتميز مَعَ الْوَقار والسمت الْحسن وَحسن الْهَدْي والفتوة والهيبة وانطلاق الْعبارَة وَولي الْقَضَاء وَكَانَ صَارِمًا بِهِ توفّي سنة ثَمَان وَعشْرين وَسَبْعمائة
حرف الْعين
الْمدرسَة العذراوية
تقدم الْكَلَام عَلَيْهَا وَذكرت هُنَا لِأَنَّهَا على الْفَرِيقَيْنِ الشَّافِعِيَّة وَالْحَنَفِيَّة وَعلم من مدرسي الْحَنَفِيَّة بهَا ثَمَانِيَة آخِرهم جلال الدّين الدَّارمِيّ الرَّازِيّ
стр. 182
الْمدرسَة العزيزية
هِيَ بجوار المعظمية بالصالحية وَسَيَأْتِي الْكَلَام على مَا انتابها وَمَا وصلت إِلَيْهِ فِي زمننا عِنْد الْكَلَام على أُخْتهَا المعظمية
وَحكى فِي تَنْبِيه الطَّالِب أَن المعظمية أنشئت سنة إِحْدَى وَعشْرين وسِتمِائَة والعزيزية سنة خمس وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة ودرس بهَا صدر الدّين ابْن برهَان الدّين مَسْعُود ثمَّ أَخُوهُ مجد الدّين ثمَّ كَمَال الدّين السنجاري ثمَّ ظهر كتاب وَقفهَا وَفِيه أَن مدرسها يكون مدرس المعظمية فاشتغل بهَا شمس الدّين الْأَذْرَعِيّ ودرس بهَا شمس الدّين بن عَزِيز ثمَّ بدر الدّين الْحُسَيْنِي ثمَّ الْأَذْرَعِيّ أَيْضا
تَرْجَمَة واقفها
أَنْشَأَهَا الْملك الْعَزِيز عُثْمَان ابْن الْملك الْعَادِل شَقِيق الْملك الْمُعظم وَكَانَ صَاحب بانياس وَتلك الْحُصُون الَّتِي هُنَاكَ وَهُوَ الَّذِي بنى قلعة الصبيبة بَين بانياس وتبنين وهونين وَكَانَ مَوته بالناعمة وَهِي بُسْتَان لَهُ بَيت بِبَيْت لهيا وَيظْهر من تَارِيخ الْأَسدي أَن قَرْيَة الكتيبة وقف على هَذِه الْمدرسَة وَالْكَلَام على بسط تَرْجَمته فِي الْقسم السياسي من هَذَا الْكتاب
الْمدرسَة العزية البرانية
كَانَت فَوق عين الوراقة بالشرف الْأَعْلَى شمَالي ميدان الْقصر خَارج دمشق قَالَه النعيمي
أَقُول أما عين الوراقة فَهِيَ مَشْهُورَة الْآن والميدان هُوَ المرج الْأَخْضَر غربي التكية وموضعها كَانَ قصر الْملك الظَّاهِر بيبرس وَأما الْمدرسَة فقد وقفت على رسومها وأطلالها وخاطبتها فأجابتني بقول أحد أدباء بَغْدَاد من معاصرينا فِي رثاء الْمدرسَة المستنصرية بدار السَّلَام
стр. 183
(بَكَيْت بهَا عهدا مضى فِي عراصها ... كَرِيمًا فليت الْعَهْد لم يَك مَاضِيا)
(بَكَيْت بهَا المدفون فِي حجراتها ... من الْعلم حَتَّى بل دمعي ردائيا)
ومعالمها المندرسة الْآن فِي أول زقاق الصخر بِالْقربِ من الْمَكَان الَّذِي بني محلا لمجمع الأضواء الكهربائية جنوبي الطَّرِيق وَقد بَقِي مِنْهَا بَابهَا ومكتوب على أسكفته كِتَابَة قاربت الانطماس وَهِي على حجرين والأعلى مِنْهُمَا مَكْتُوب عَلَيْهِ
لَا اله إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿وَمَا تقدمُوا لأنفسكم من خير تَجِدُوهُ عِنْد الله﴾ آيَة ٢ / ١١٠ وتاريخه سنة سِتّ وَعشْرين وسِتمِائَة
والأسفل مِنْهُمَا مَكْتُوب عَلَيْهِ
أوقف هَذِه الْمدرسَة الْمُبَارَكَة وأبدها وحبسها الْأَمِير الْكَبِير الْغَازِي الْمُجَاهِد أَبُو الْفضل عز الدّين ايبك على الْفُقَهَاء والمتفقهة من أَصْحَاب الإِمَام الْأَعْظَم سراج الْأمة أبي حنيفَة ﵁ وعَلى المقرئين والمحدثين والمستمعين تقبل الله مِنْهُ وَهَذَا الْبَاب قريب الاندراس وَلما دَخَلتهَا رَأَيْت ثمار الْعُلُوم الَّتِي كَانَت تجتنى مِنْهَا قد بدلت بثمرات الْأَشْجَار وَجعلت أمكنة حجراتها ومسجدها وساحتها بستانا وَلما تتبعت آثَار جدرانها لم أجد شَيْئا بَاقِيا مِنْهَا سوى أساس الْجِدَار الشمالي وَقد أقيم عَلَيْهِ دك الْبُسْتَان وَالْبَاب مسدود ولاح بخاطري أَن أعلم مساحة أرْضهَا فَرَأَيْت طولهَا من الشرق إِلَى الغرب نَحوا من سِتِّينَ خطْوَة وَالْعرض مِقْدَار النّصْف من ذَلِك وَهِي تشرف على وَاد عميق وجدارها الجنوبي مؤسس من أَسْفَل ذَلِك الْوَادي وَقد بَقِي سالما إِلَى مَا يسامت أرْضهَا وَفِي الزاوية الجنوبية مِنْهَا قبَّة عَظِيمَة قَائِمَة فِي الْهَوَاء صبرت على مر الرِّيَاح وكر الْقُرُون فَلم تُؤثر بهَا الْحَوَادِث شَيْئا ومساحة داخلها سبع خطوَات فِي سبع وَفِي وَسطهَا قبر عز الدّين وارتفاعه عَن الأَرْض نَحْو ذراعين وللقبة شباكان مطلان على ميدان الْقصر وَكلهَا مَبْنِيّ بِالْحجرِ الْأَصْفَر وَهَذِه الْمدرسَة كَانَت فِي أَيَّام سعودها نزهة للأبصار وملعبا للنسيم اللَّطِيف العليل تهدي لساكنها أبهج المناظر الدمشقية يقون لِسَان حَالهَا عجبا لمن يسكنني وَلم تتفجر من فُؤَاده ينابيع الْحِكْمَة وَالْعلم فسبحان الْبَاقِي
стр. 184
تَرْجَمَة واقفها
تقدم أَن الَّذِي بناها الْأَمِير عز الدّين أيبك أستاذ دَار المعظمي الْمَعْرُوف بِصَاحِب صرخد سنة سِتّ وَعشْرين وسِتمِائَة وَكَانَ من الْعُقَلَاء الأمجاد
وَقَالَ ابْن كثير استنابه الْملك الْمُعظم على صرخد فَظهر مِنْهُ نهضة وكفاءة ووقف القريتين البرانية والجوانية ثمَّ إِن الْملك الصَّالح أَيُّوب أَخذ مِنْهُ صرخد وعوضه عَنْهَا فَأَقَامَ بِدِمَشْق على خير وتقى ثمَّ تنَاوله الوشاة بألسنتهم واتهموه بِأَنَّهُ يُكَاتب الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل فاحتيط على جَمِيع أَمْوَاله وحواصله فَأخذ مِنْهُ الْقَهْر كل مَأْخَذ فَمَرض وَسقط على الأَرْض وَقَالَ هَذَا آخر عهدي وَكَانَ قد فر إِلَى مصر فِي مبدأ التُّهْمَة وَمَات بهَا سنة سِتّ وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَدفن بِبَاب النَّصْر بهَا ثمَّ نقل إِلَى دمشق وَدفن فِي تربته الَّتِي أَنْشَأَهَا بمدرسته كَمَا أَفَادَ ابْن كثير وَصَاحب مرْآة الزَّمَان
ودرس بِهَذِهِ الْمدرسَة الشَّمْس ابْن فلوس ثمَّ بعده نَحْو أحد عشر مدرسا آخِرهم شهَاب الدّين ابْن الفصيح وَكَانَ بهَا دَار حَدِيث وَليهَا ابْن المظفر وَغَيره
ابْن الفصيح
قَالَ عبد الْحَيّ اللكنوي فِي الْفَوَائِد البهية فِي طَبَقَات الْحَنَفِيَّة مَا نَصه احْمَد ابْن عَليّ بن احْمَد فَخر الدّين أَبُو طَالب الهمذاني الْمَعْرُوف بالفصيح كَانَ إِمَامًا عَلامَة جَامعا للعلوم الْعَقْلِيَّة والنقلية انْتَهَت إِلَيْهِ رئاسة الْمَذْهَب فِي زَمَانه وَكَانَ مدرسا بمشهد أبي حنيفَة أَخذ عَن الْحسن السفناقي صَاحب النِّهَايَة عَن حَافظ الدّين الْكَبِير مُحَمَّد البُخَارِيّ عَن الْكرْدِي عَن صَاحب الْهِدَايَة ودرس بِبَغْدَاد ودمشق وَأفْتى وصنف نظم الْكَنْز وَالْجَامِع والسراجية فِي الْفَرَائِض والمنار فِي الْأُصُول وَكَانَت وَفَاته بِدِمَشْق سنة خمس وَخمسين وَسَبْعمائة ومولده سنة ثَمَانِينَ وسِتمِائَة وتفقه عَلَيْهِ ابْن وهبان انْتهى
وَذكره الذَّهَبِيّ فِي مُعْجَمه الْمُخْتَص وَقَالَ هُوَ الإِمَام الْفَقِيه النَّحْوِيّ تفقه وبرع وَأفْتى وَتخرج وَأفَاد وأقرأ الْعَرَبيَّة بالمستنصرية
стр. 185
الْمدرسَة العزية الجوانية
لم أدر موضعهَا وَلَكِن قَالَ ابْن شَدَّاد هِيَ بالكشك وَيعرف مَكَانهَا من قبل بدار ابْن منقذ أَنْشَأَهَا الْأَمِير عز الدّين أيبك الْمُتَقَدّم ذكره وَقَالَ ابْن كثير هِيَ بدرب ابْن منقذ
وَقَالَ العلموي درس بهَا الْمجد قَاضِي الطّور وَبعده نَحْو من أحد عشر مدرسا آخِرهم شمس الدّين أبن الْجَوْزِيّ ثمَّ وَلَده دَاوُد هَذَا مَا اتَّصل بِي من خَبَرهَا وَالظَّاهِر انه أَصَابَهَا مَا أصَاب الَّتِي قبلهَا من انطماس الْأَثر وَالله اعْلَم
الْمدرسَة العزية أَيْضا
كَانَت بِجَامِع دمشق وَقد أوقفها عز الدّين الْمُتَقَدّم وَكَانَ قد بنى مدرسة فِي مَدِينَة الْقُدس وَشرط فِي كتاب وَقفهَا أَنه مَتى كَانَ الْقُدس بيد الْكفَّار كَانَ حَاصِل الْمدرسَة عَائِدًا إِلَى الْمدرسَة الَّتِي بالجامع فان عَاد إِلَى الْمُسلمين عَاد حَاصِل وقف مدرسة الْقُدس إِلَيْهَا وَلما كَانَت مَدِينَة الْقُدس بيد الإفرنج درس بِالْمَدْرَسَةِ العزية هَذِه ابْن قَاضِي الطّور وَبعده مدرسون ثَلَاثَة وَلما فتح بَيت الْمُقَدّس تعطلت وَعَاد مَا كَانَ يصرف عَلَيْهَا إِلَى الْمدرسَة المقدسية وَمن هُنَا يعلم أَنَّهَا كَانَت مدرسة مُؤَقَّتَة وحلقة نائبة عَن غَيرهَا وَلم تكن مدرسة مُسْتَقلَّة
الْمدرسَة العلمية
كَانَت شَرْقي جبل الصالحية وَغَرْبِيٌّ الميطورية وَقد تناولتها أَيدي الْجفَاء وَحل بهَا وبالميطورية الخراب فَكَانَ كل مِنْهُمَا نسيا منسيا وَهِي من أبنية الْأَمِير علم الدّين سنجر المعظمي فِي سنة ثَمَان وَعشْرين وسِتمِائَة ودرس بهَا الصَّدْر أَبُو الدلالات ثمَّ سِتَّة مدرسين آخِرهم شرف الدّين الواني كَذَا نسب بناءها إِلَى علم الدّين جمَاعَة مِنْهُم عز الدّين الْحلَبِي المؤرخ الْمَشْهُور
الْمدرسَة الفتحية
قَالَ ابْن شَدَّاد وَصَاحب التَّنْبِيه هِيَ برحبة خَالِد أَنْشَأَهَا الْملك الْغَالِب فتح
стр. 186
الدّين صَاحب بارين نسيب صَاحب حماه فِي السّنة الَّتِي توفّي بهَا وَجعل لَهَا أوقافا فِي الديار المصرية وَأَنْشَأَ مدرسة ثَانِيَة وَقد مر ذكرهَا فِي مدارس الشَّافِعِيَّة
قَالَ الصَّفَدِي فِي تَارِيخه وَذكر أَبُو الْحُسَيْن الرَّازِيّ أَن الدَّار وَالْحمام المعروفين بِخَالِد فِي رحبة خَالِد هُوَ خَالِد بن أَسد
وَقَالَ ابْن عَسَاكِر يشبه أَن يكون نِسْبَة إِلَى خَالِد بن عبد الله بن خَالِد بن أسيد بِفَتْح الْهمزَة وَكسر السِّين لِأَنَّهُ كَانَ بِدِمَشْق مَعَ عبد الْملك وَهُوَ من أهل دمشق وداره بهَا وَهِي الدَّار الْكَبِيرَة الَّتِي فِي مربعة الْقَبْر بِقرب الْقدَم بدار الشريف الزيدي وَإِلَيْهِ ينْسب الْحمام الَّذِي هُوَ مُقَابل قنطرة سِنَان بِبَاب توما وَهُوَ الَّذِي قتل جعيد ابْن دِرْهَم وَكَانَ جوادا سخيا ممدحا فصيحا إِلَّا انه كَانَ رجل سوء كَانَ يَقع فِي عَليّ ﵁ ويذم بِئْر زَمْزَم وَكَانَ نَحوا من الْحجَّاج مَاتَ سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَة بعد أَن عصرت قدماه ثمَّ ساقاه حَتَّى انقصفتا ثمَّ صلب فَمَاتَ حِينَئِذٍ
وَقَالَ ابْن عَسَاكِر أَيْضا خَالِد بن أسيد بن أبي الْعيص بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف بن قصي الْقرشِي الْأمَوِي لَهُ صُحْبَة قيل هُوَ الَّذِي نسبت إِلَيْهِ رحبة خَالِد بِدِمَشْق اهـ
وأيا مَا كَانَ فان نِسْبَة تِلْكَ الرحبة لم تتَحَقَّق لرجل بِعَيْنِه
قَالَ العلموي ودرس بالفتحية الْمَذْكُورَة بهاء الدّين بن عَبَّاس ثمَّ ثَلَاثَة أنفس بعده وَمن شعره
(إِذا شِئْت أَن تُعْطِي الْأُمُور حُقُوقهَا ... وتوقع حكم الْعدْل أحسن موقعه)
(فَلَا تصنع الْمَعْرُوف مَعَ غير أَهله ... فظلمك وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه)
أَقُول وَلَقَد خَفِي عَليّ مَكَانهَا وَسَأَلت عَن رحبة خَالِد كثيرا من أهل دمشق فَلم يُخْبِرنِي بهَا أحد لتطاول الزَّمَان وانطماس الْآثَار ولعلي إِن عثرت على محلهَا الْحَقْهُ ببحثها
وَلنَا مدرسة ثَالِثَة اسْمهَا الفتحية وَهِي حَدِيثَة الْعَهْد وَهِي مَشْهُورَة بمحلة القيمرية حَسَنَة الْبناء ذَات حجرات وغرف وَمَسْجِد حسن وَيظْهر لمن تأملها أَنه كَانَ لَهَا مطبخ يتَنَاوَل مِنْهُ المجاورون بهَا طعامهم الْمُخَصّص لَهُم من وَقفهَا إِعَانَة على طلب
стр. 187
الْعلم لَكِن الناظرين على وَقفهَا اختلسوا أوقافها وَمنعُوا الطّلبَة من حَقهم وَبَاعُوا جانبا مِنْهَا فَلم تسلم هِيَ وَلَا غَيرهَا من الْمدَارِس من تعديات المختلسين للأوقاف بِحَيْثُ أصبح ذَلِك الْفِعْل سنة متبعة عِنْد الْمُتَأَخِّرين من الدماشقة وَعند قضاتهم وَلَقَد تأملتها فَرَأَيْت مَكْتُوبًا على أُسْكُفَّة بَابهَا مَا صورته
(قد وفْق الله من حباه ... فِي كل مَا يرتضي مُرَاده)
(بناه لكسب الْعُلُوم دَارا ... وَمَسْجِد أشيد للآفاده)
(فجَاء تَارِيخه بِبَيْت ... قد أحكمته يَد الاجاده)
(لله مَا قد بنى وَأَحْيَا ... من مَسْجِد الْفَتْح للعباده)
وتاريخ الْبناء سنة سِتّ وَخمسين وَمِائَة بعد الْألف ومكتوب أَيْضا على اسكفة بَاب الْمَسْجِد
(من كَانَ لِلْخَيْرَاتِ أَهلا نجا ... وَالله كَاف من إِلَيْهِ التجا)
(حسن بِهِ الظَّن تنَلْ بره ... فَهُوَ ولي النعم المرتجى)
(يَا نَاظر اترك على الْعين الَّذِي ... وفْق للمعروف لَهَا الحجى)
(قد أَتَوا أرخ طَالب الدعا ... الْوَاقِف الْفَتْح بِبَاب الرجا)
تَرْجَمَة واقفها
قَالَ الْمرَادِي فِي تَارِيخه سلك الدُّرَر مَا ملخصه فتحي بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد ابْن مَحْمُود الْحَنَفِيّ القلاقنسي الأَصْل الدِّمَشْقِي المولد الدفتري الصَّدْر الْكَبِير كَانَ بِدِمَشْق صدر أعيانها اشْتهر بمحاسن الشيم والشهامة والجرأة والإقدام وَكَانَ ذَا نباهة وذكاء وثروة وَصَارَ دفتريا بِدِمَشْق مُدَّة سنوات وَتَوَلَّى تَوْلِيَة وقفي السليمانية وتصدر بِدِمَشْق مُدبر الْأُمُور وَالْمَلَأ وَالْجُمْهُور وَكَانَ ذَا خدم وَأَتْبَاع واتساع دَائِرَة يصطحب من الْعلمَاء والأفاضل شرذمة إجلاء وَمن الأدباء زمرا وَكَانَ عِنْده فِئَة من الْكتاب المتقنين لِلْخُطُوطِ وَمن أَرْبَاب المعارف والمويسيقي والألحان وَمن المضحكين وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَت دَاره متنزه الرواح ومنتدى الأفراح وامتدحه الشُّعَرَاء من
стр. 188
الْبِلَاد واشتهر صيته فِي الْآفَاق وَقد جمع مدائحه أحد ندمائه الشَّيْخ سعيد السمان فِي كتاب سَمَّاهُ الرَّوْض النافح فِيمَا ورد على الْفَتْح من المدائح
قَالَ الْمرَادِي إِن المترجم كَانَ ظلمه عَاما وَأَتْبَاعه مَشْهُورُونَ بِالْفَسَادِ والفسوق وَشرب الْخمر وهتك الْمُحرمَات وَهُوَ أَيْضا متجاهر بالمظالم لَا يُبَالِي وَلَا يتَجَنَّب الأذي والتعدي وَمن آثاره فِي دمشق الْمدرسَة الَّتِي فِي محلّة القيمرية وَالْحمام فِي محلّة ميدان الْحَصَى وتجديد منارتي السليمانية وَغير ذَلِك ثمَّ أورد لَهُ الْمرَادِي نظما كثيرا مِنْهُ
(بدا مثل بدر ثمَّ يبسم عَن در ... غزال وَمِنْه الْفرق كَالْكَوْكَبِ الدُّرِّي)
(بقد كخوط البان رنحه الصِّبَا ... فاذرى اعتدالا بالمثقفة السمر)
(أغن كَأَن الله أبدع حسنه ... ليستلب الْأَرْوَاح بِالنّظرِ الشزر)
(سقى الله دهرا مر لي بوصاله ... وَلم يلو جيد الود عني إِلَى الهجر)
(فكم بَات يسقيني المدام عَشِيَّة ... ويمزجها من رِيقه العاطر النشر)
(إِلَى أَن بِهِ شط المزار وَقد محى ... سطور الْأَمَانِي بَيْننَا حَادث الدَّهْر)
(وسرت قُلُوب الحاسدين وطالما ... لعبن بهَا عِنْد الدنو على الْجَمْر)
وَله فِي الشيب
(لَا تغضبن لشيب مِنْك حل على ... مسك العذار فان الشيب آثَار)
(أما ترى الْغُصْن مذ لاحت أزاهره ... زَادَت نضارة ذَاك الْغُصْن أنوار)
وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول دعبل
(لَا يرعك المشيب أَن زار وَهنا ... فَهُوَ للمرء حلية ووقار)
(إِنَّمَا تحسن الرياض إِذا مَا ... ضحِكت فِي خلالها النوار)
وللمترجم فِي طول النَّهَار فِي الصّيام
(ولرب يَوْم صمته فَكَأَنَّهُ ... يَوْم الْمعَاد وَلَيْسَ مِنْهُ مهرب)
(وقفت بِهِ شمس النَّهَار وَلم تغب ... فَكَأَنَّمَا قد سد عَنْهَا الْمغرب)
وَله
(واغيد قد أمال السكر قامته ... وَاللَّيْل محتبك بالأنجم الزهر)
(دنا الي وكأس الراح فِي يَده ... ممزوجة بلماه الطّيب الْعطر)
(وَقَالَ خُذ وارتشف مَاء الْحَيَاة وَلَا ... تبْق للائمك اللاحي سوى الكدر)
стр. 189
وَلما كَانَ المترجم ذَا يَد طولى وعلو قدر يتَصَدَّى للاستطالة فِي أَقْوَاله وأفعاله كثر أعداؤه وَلما توفّي الْوَزير سُلَيْمَان باشا الْعظم وَالِي الشَّام وأمير الْحَج وَجَاء الْأَمر من قبل الدولة بضبط أَمْوَاله ومتروكاته نسب المترجم إِلَى أُمُور فِي ذَلِك الْوَقْت فَخرج مِنْهَا بتولية أسعد باشا الْعظم واليا على دمشق ثمَّ إِن المترجم كَانَ منتميا إِلَى أوجاق البرلية وَكَانُوا على غَايَة من الاستبداد والشقاء وَالْفساد إِلَى أَن كتب أسعد باشا بأفعالهم إِلَى الآستانة فجَاء الْأَمر بِقَتْلِهِم كلهم واستئصالهم فَقتلُوا إِلَّا أَن أسعد باشا أخْفى المترجم عِنْده مُدَّة ثمَّ جرت أُمُور إِلَى أَن ورد الْأَمر بقتْله أَيْضا فجيء بِهِ إِلَى سَرَايَا دمشقوخنق فِي احدى جهاتها وَقطع رَأسه وَأرْسل للدولة وطيف بجثته فِي دمشق ثَلَاثَة أَيَّام فِي شوارعها وأزقتها مَكْشُوف الْبدن عُريَانا وضبطت الدولة أملاكه فَكَانَ شَيْئا كثيرا وَكَانَ ذَلِك خَامِس عشر جُمَادَى الثَّانِيَة سنة تسع وَخمسين وَمِائَة وَألف وَدفن بتربة الشَّيْخ أرسلان
الْمدرسَة الفرخشاهية
تعرف بعز الدّين فرخشاه وَالَّتِي أوقفتها والدته خطلخير خاتون بنت إِبْرَاهِيم ابْن عبد الله وَهِي زَوْجَة شاهنشاه بن أَيُّوب أخي صَلَاح الدّين
قَالَ ابْن كثير هِيَ بالشرف الشمالي الْأَعْلَى والى جَانبهَا التربة ألامجدية لوَلَده وَهِي على الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة وَقَالَ ألاسدي أَنَّهَا على الْحَنَفِيَّة فَقَط اهـ
لَكِن صَاحب تَنْبِيه الطَّالِب وَغَيره لم يذكرُوا من درس بهَا من الشَّافِعِيَّة وَلم يتَقَدَّم لَهَا ذكر فِي مدارسهم وَهَذَا الْخلاف لَا طائل تَحْتَهُ بعد مَا صَارَت بستانا وَلَقَد وقفت على مَا بَقِي من آثارها فَقَرَأت كِتَابَة فِي حَائِط قبتها الشَّرْقِي فَوق الشباك فَإِذا هِيَ بعد الْبَسْمَلَة
أَمر بإنشاء هَذِه التربة الْمُبَارَكَة الفقيرة إِلَى الله تَعَالَى خاتون وَالِدَة الْملك الْمَنْصُور معز الدُّنْيَا وَالدّين فرخشاه بن شاهنشاه بن أَيُّوب الملكي الناصري وَتُوفِّي مستهل جُمَادَى الأولى سنة تسع وَسبعين وَخَمْسمِائة
ثمَّ دخلت الْقبَّة فَإِذا لَهَا بَاب صَغِير من الْجَانِب الغربي وَهِي متسعة وَقد سقط
стр. 190
أَعْلَاهَا وَبنى بهَا أَصْحَاب الْبُسْتَان الَّذِي كَانَ مدرسة إسطبلا صَغِيرا وحجرة وَجعلُوا فَوْقهمَا غرفتين وجدران تِلْكَ الْقبَّة الْأَرْبَعَة فِي غَايَة المتانة مَبْنِيَّة بِالْحِجَارَةِ الضخمة وَفِي جدارها القبلي بَاب يتَوَصَّل مِنْهُ إِلَى قبَّة ثَانِيَة أَصْغَر مِنْهَا وَهِي على حَالهَا لم يتَغَيَّر شَيْء من بنائها وَهِي التربة الأمجدية وَبهَا قبر مَبْنِيّ بِالْحِجَارَةِ الْكَبِيرَة وارتفاعه عَن الأَرْض أَكثر من ذِرَاع وَلها بَاب فِي الْجَانِب الغربي وأمام القبتين الْآن من الْجَانِب الغربي بركَة صَغِيرَة يمر مِنْهَا المَاء وَأما الْمدرسَة فَهِيَ الْآن بُسْتَان وَلم يبْق من آثارها سوى أساس جدارها الَّذِي كَانَ محيطا بهَا وَقد جعل أساسا لَدُكَّ الْبُسْتَان ولسوف تذْهب تِلْكَ الْآثَار أَيْضا فَلم يبْق لَهَا ذكر إِلَّا فِي القرطاس
تَرْجَمَة واقفها
قَالَ شاهنشاه فِي تَارِيخه وَفِي سنة ثَمَان وَسبعين وَخَمْسمِائة توفّي عز الدّين فرخشاه بن شاهنشاه بن أَيُّوب صَاحب بعلبك وَكَانَ يَنُوب عَن صَلَاح الدّين بِدِمَشْق وَهُوَ ثقته من بَين أَهله وَكَانَ شجاعا كَرِيمًا فَاضلا وَله شعر جيد وَوصل خبر مَوته إِلَى صَلَاح الدّين وَهُوَ بِبِلَاد الجزيرة فَأرْسل إِلَى دمشق شمس الدّين بن مُحَمَّد الْمُقدم ليَكُون بهَا وَأقر بعلبك على بهْرَام شاه بن فرخشاه الْمَذْكُور انْتهى
وَحكي فِي الروضتين عَن ابْن أبي طي أَنه قَالَ كَانَ فرخشاه من أكْرم النَّاس وأطهرهم أَخْلَاقًا وأسدهم رَأيا وأشجعهم قلبا وَمِمَّا يحْكى من كرمه أَنه دخل الْحمام يَوْمًا فَرَأى رجلا قد قعد بِهِ الزَّمَان وَكَانَ يعرفهُ من أهل الْيَسَار وَشَاهد عَلَيْهِ ثيابًا رثَّة يبين مِنْهَا بعض جسده فاستدعى بِجَمِيعِ مَا يحْتَاج الرجل إِلَى لبسه وَأمر لَهُ بِغُلَام وَبغلة مسرجة وبألف دِينَار وَقَالَ لبَعض غلمانه أجعَل هَذَا كُله فِي مَوضِع ثِيَاب الرجل وَخذ ثِيَابه وَاجعَل هَذَا الْغُلَام وَالْبَغْلَة لَهُ فَفعل وَلما اغْتسل الرجل وَخرج رأى مَوضِع ثِيَابه تِلْكَ الثِّيَاب فَسَأَلَ الحمامي عَن ثِيَابه فَقَالَ تبدلت بِتِلْكَ الثِّيَاب فَتقدم إِلَيْهِ الْغُلَام وَأخْبرهُ بِجَمِيعِ مَا صنع عز الدّين مَعَه وَأخْبرهُ بِأَنَّهُ قد صنع لَهُ معيشة عشْرين دِينَارا فِي كل شهر فَلبس الثِّيَاب وَخرج من الْحمام غَنِيا
وَكَانَ فرخشاه مُضَافا إِلَى شجاعته كَونه عَالما متفننا كثير الْأَدَب مطبوع النّظم والنثر فَمن شعره قَوْله
стр. 191
(أَنا فِي أسر السقام ... من هوى هَذَا الْغُلَام)
(رشا ترشق عَيناهُ ... فُؤَادِي بِالسِّهَامِ)
(كلما أرشفني فَاه ... على حر الاوام)
(دقَّتْ مِنْهُ الشهد بالثلج ... الْمُصَفّى فِي المدام)
وَكَانَ المترجم يصحب الشَّيْخ أبي الْيمن الْكِنْدِيّ وامتدحه الشُّعَرَاء بقصائد غراء ذكر بَعْضهَا صَاحب الروضتين وَذكرهَا هُنَا يخرجنا عَمَّا قصدناه من الِاخْتِصَار
وَقد درس فِي هَذِه الْمدرسَة من الْحَنَفِيَّة عماد الدّين ابْن الْفَخر ثمَّ سَبْعَة مدرسين آخِرهم شمس الدّين بن الصفي وَمِمَّنْ لَهُ أثر يذكر مِنْهُم
ابْن الحريري
هُوَ مُحَمَّد بن عُثْمَان بن أبي الْحسن بن عبد الْوَهَّاب الْأنْصَارِيّ الْمَعْرُوف بِابْن الحريري ولد فِي دمشق سنة ثَلَاث وَخمسين وسِتمِائَة كَذَا قَالَه نجم الدّين الطرسوسي فِي شَرحه على منظومته وتفقه على جمَاعَة وَشرح الْهِدَايَة وعلق فَوَائِد فقهية ودرس بعدة مدارس وَولي الْقَضَاء وَتُوفِّي بِمصْر سنة ثَمَان وَعشْرين وَسَبْعمائة
وَقَالَ صَاحب الْفَوَائِد البهية فِي تراجم الْحَنَفِيَّة كَانَ المترجم عَالما فَاضلا فَقِيها عَارِفًا بِالْمذهبِ انْتَهَت إِلَيْهِ الرِّئَاسَة فِي زَمَانه وَتَوَلَّى قَضَاء دمشق انْتهى
حرف الْقَاف
الْمدرسَة القجماسية
قَالَ فِي التَّنْبِيه هِيَ دَاخل بَاب النَّصْر وَدَار السَّعَادَة انْتهى
أَقُول أما بَاب النَّصْر فقد كَانَ فِي السُّوق الْمَعْرُوف الْآن بسوق الأروان وَيظْهر من الرَّوْضَة الْغناء لنعمان أَفَنْدِي القساطلي أَن الْمُتَأَخِّرين سموا هَذَا الْبَاب بِبَاب السَّرَايَا فانه قَالَ بَاب السَّرَايَا بَقِي كَمَا كَانَ قبلا إِلَى سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة وَألف للتاريخ المسيحي عِنْدَمَا أصلحت الطرقات فِي أَيَّام شرواني باشا فهدم انْتهى
أَقُول وَهَذِه الْمدرسَة بَاقِيَة إِلَى الْآن مَشْهُورَة ومعروفة وَلَيْسَ بهَا من أثر قديم يسْتَحق الذّكر
стр. 192
تَرْجَمَة بانيها
أَنْشَأَهَا نَائِب الشَّام يَوْمئِذٍ يَعْنِي واليها قجماس الاسحاقي الجركسي كفل دمشق سبع سِنِين وَثَمَانِية أشهر فعمر هَذِه الْمدرسَة ورتب فِيهَا أَرْبَعِينَ مقرئا بعد عصر كل يَوْم يقْرَأ كل مِنْهُم جُزْءا من الربعة وَجعل لَهُم شَيخا ورتب بهَا أَيْضا مجاورين وَعين لَهُم شَيخا وأوقافا دارة قلت وَقد انقرض كل هَذَا توفّي المترجم سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة وَدفن بتربته الَّتِي أَنْشَأَهَا بِالْمَدْرَسَةِ الْمَذْكُورَة عِنْد بَيته
وترجمه السخاوي فِي الضَّوْء اللامع فَقَالَ مَا ملخصه قجماس الاسحاقي الظَّاهِرِيّ جقمق نَائِب الشَّام نَشأ فِي خدمَة أستاذه وَكتب الْخط الْحسن وَتقدم فِي المناصب وأقامه الظَّاهِر خشقدم خَازِن دَار أركيسي ثمَّ أمره بلباي على عشرَة بعد أَن توجه لنقل الْمَنْصُور إِلَى دمياط للاذن للمؤيد بالركوب فَلَمَّا اسْتَقر الْأَشْرَف قايتباي رقاه وَأَسْكَنَهُ بَيته ثمَّ أرْسلهُ إِلَى الشَّام لما تَركهَا نائبها الشمقدار ودواداره أَبُو بكر ثمَّ اسْتَقر فِي نِيَابَة الْإسْكَنْدَريَّة وأضاف إِلَيْهِ مَوْلَاهُ وَهُوَ بهَا تقدمة ثمَّ نَقله من النِّيَابَة لامرة أخور وتحول إِلَى الديار المصرية وسافر أثْنَاء هَذِه الْمدَّة أَمِيرا على الْحَاج ثمَّ توجه لعمارة برج السُّلْطَان فِي بابل وَعمر لنَفسِهِ جَامعا فِي الْإسْكَنْدَريَّة ظَاهر الْبَاب الْمُسَمّى بِبَاب رشيد وَجعل هُنَاكَ تربة وخانا لأبناء السَّبِيل لِأَن الْمُسَافِرين كَانُوا إِذا وصلوا إِلَى هُنَاكَ بعد الْغُرُوب لَا يقدرُونَ على الْوُصُول للإسكندرية لعدم أَمن الطَّرِيق فَحصل من الخان نفع كَبِير وَجعل بِجَانِب التربة بستانا هائلا وجدد أَيْضا جَامع الصواري ظَاهر بَاب السِّدْرَة وَعمر خَارِجهَا بالجزيرة خَارج بَاب الْبَحْر على شاطئ بَحر السلسلة هَيْئَة رِبَاط وأودع بِهِ أسبلة وَنَحْوهَا وَعمر وَهُوَ أَمِير أخور مدرسة هائلة بِالْقربِ من خوخة أيدغمش وَجعل لَهَا متصدرا وقارئا للْبُخَارِيّ وَبنى تربة أَيْضا وَعمل خيرات كَثِيرَة ثمَّ نقل إِلَى نِيَابَة الشَّام بعد أسر قانصوه اليحياوي فَبنى بجوار بَاب السَّعَادَة دَاخل بَاب النَّصْر مِنْهَا مدرسة وَقرر لَهَا صوفية وَعمل بجانبها مطبخا للدشيشة وسافر لعدة غزوات وَمَات سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة انْتهى بِحَذْف أَشْيَاء لَا طائل تحتهَا
وَلَا بَأْس بتقييد أَشْيَاء تاريخية هُنَا لتَكون كالشرح لما تقدم وَهِي
إِن الظَّاهِر خشقدم هُوَ الْملك الظَّاهِر أَبُو سعيد الناصري ثمَّ المؤيدي وَهُوَ السُّلْطَان
стр. 193
الأول من الأروام بِمصْر إِن لم يكن الْمعز أيبك التركماني مِنْهُم وَكَانَت مُدَّة سلطنته سِتّ سِنِين وَخَمْسَة أشهر وأياما وَتُوفِّي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَثَمَانمِائَة
وَأما بلباي فَهُوَ الْملك الظَّاهِر أَبُو سعيد بلباي العلائي تولى مصر يَوْم وَفَاة خشقدم فَأَقَامَ سَبْعَة وَخمسين يَوْمًا وخلع وجهز إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة فَأَقَامَ بهَا حَتَّى مَاتَ
وَأما قايتباي فَهُوَ الْملك الْأَشْرَف أَبُو النَّصْر قايتباي الظَّاهِرِيّ المحمودي نِسْبَة للخواجا مَحْمُود الَّذِي اشْتَرَاهُ وللظاهر جقمق مُعْتقه وَهُوَ السَّادِس عشر من مُلُوك الجراكسة وَالْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ من مُلُوك التّرْك بُويِعَ لَهُ يَوْم خلع الظَّاهِر تمريفا سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَثَمَانمِائَة فَأَقَامَ تِسْعَة أشهر وَأَرْبَعَة وَعشْرين يَوْمًا وَتُوفِّي سنة إِحْدَى وَتِسْعمِائَة
قَالَ الشرقاوي فِي تَارِيخه تحفة الناظرين كَانَ قايتباي ملكا جَلِيلًا لَهُ الْيَد الطُّولى فِي الْخيرَات وَكَانَت أَيَّامه كالطراز الْمَذْهَب وَهُوَ وَاسِطَة عقد مُلُوك الجراكسة وَسَار فِي المملكة بشهامة مَا سَار بِمِثْلِهَا أحد قبله من عهد النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون وَله فِي مصر والعمارات الْكَثِيرَة من مَسَاجِد ومدارس ورباطات وَغَيرهَا وَمن هُنَا تعلم أَن مملكة مصر وَالشَّام كَانَت مِيرَاثا للمماليك يديرونها كَيفَ شَاءُوا إِلَى أَن كَانَت سلطنة بني عُثْمَان فَأخذت الْأُمُور فِي الضَّبْط رويدا رويدا إِلَى الْآن
الْمدرسَة القصاعية
هِيَ بحارة القصاعين كَمَا فِي تَنْبِيه الطَّالِب وَالظَّاهِر أَن القصاعين هِيَ محلّة الخيضرية أَو الخضيرية وَمَا والاها أنشأتها خطلشاه بنت ككجا سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَخَمْسمِائة
قَالَ عز الدّين فِي تَارِيخه وَالَّذِي رَأَيْته مَكْتُوبًا بنقرة فِي صَخْرَة فَوق بَابهَا أَن اسْمهَا فَاطِمَة بنت الْأَمِير كوكجا وَكَذَا هُوَ كتاب الْوَقْف كَمَا اخبرني بِهِ عاملها القَاضِي بهاء الدّين الحجيني وَشرط الْوَاقِف انه إِذا تعذر الْحُضُور بِالْمَدْرَسَةِ فَلْيَكُن بالجامع الْأمَوِي بالرواق الشمالي وان شَرط الْمدرس بهَا أَن يكون أعلم الْحَنَفِيَّة بالأصلين
стр. 194
ودرس بهَا شهَاب الدّين الكاشي ثمَّ درس بهَا سَبْعَة آخِرهم حسام الدّين الرَّازِيّ ثمَّ بعد السَّبْعَة اثْنَا عشر مدرسا أَيْضا آخِرهم محب الدّين ابْن القصيف
أَقُول قد فتشت عَن مَكَانهَا فَلم أظفر بِهِ وَلم أجد سوى جدران تدل على أَن هُنَاكَ كَانَ مدارس فَأَصْبَحت مأوى لريم أَو لكبش فسبحان الْبَاقِي بعد فنَاء خلقه
الْمدرسَة القاهرية
هِيَ بالصالحية على حافة نهر يزِيد لصيق دَار الحَدِيث القلانسية الْمَشْهُورَة الْآن بالخانقاه يفصل بَينهمَا الطَّرِيق وَغَرْبِيٌّ الْمدرسَة العمرية قَالَ النعيمي وَلم يزدْ على هَذَا
أَقُول وقفت على أطلالها فَلم أجد بَاقِيا مِنْهَا سوى الْجِدَار الغربي وَهُوَ مَبْنِيّ بِالْحِجَارَةِ الصَّفْرَاء ولونها فَاقِع ينعي لِسَان حَالهَا زَمَنهَا الْمَاضِي وعصرها الذَّاهِب وَبهَا تربة قَرَأت على بَاب شباك مِنْهَا مَا صورته
هَذِه تربة الشهيدة الفقيرة إِلَى رَحْمَة رَبهَا السِّت الجليلة عين الشَّمْس زَوْجَة الشَّهِيد السُّلْطَان الْملك الْمُعظم ابْن الْملك الْعَادِل وابنتها ربيعَة بنت السُّلْطَان ابْن الْملك توفيت سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وَلم أظفر بشرح أَحْوَال هَذِه الْمدرسَة بِأَكْثَرَ مِمَّا ذكرته
الْمدرسَة القليجية
قَالَ ابْن شَدَّاد الْمُوصي بوقفها الْأَمِير سيف الدّين عَليّ بن قليج النوري إِلَى القَاضِي صدر الدّين ابْن سني الدولة الشَّافِعِي وعمرها بعد وَفَاة الْمُوصي سنة خمس وَأَرْبَعين وسِتمِائَة
قَالَ الْأَسدي وَبهَا قبر الْوَاقِف توفّي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَهِي قبلي الخضراء شمَالي الصدرية غربي تربة القَاضِي جمال الدّين الْمصْرِيّ درس بهَا شمس الدّين ابْن قَاضِي الْعَسْكَر ثمَّ أَوْلَاده ثمَّ بعدهمَا سِتَّة مدرسين
стр. 195
قَالَ ابْن شُهْبَة فِي تَارِيخه كَانَ سيف الدّين أَمِيرا كَبِيرا صَالحا فَاضلا شَاعِرًا وَأورد من شعره فِي التَّارِيخ وَلَا يحضرني الْآن واحترقت فِي فتْنَة تيمورلنك سنة سِتّ وَثَمَانمِائَة واستمرت كوم تُرَاب إِلَى حُدُود سنة أَربع وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة قَالَ ابْن شُهْبَة وتعذرت إِعَادَتهَا لعدم وقف لَهَا بَلغنِي أَن جَمِيع وَقفهَا كَانَ سقفا دَاخل الْبَلَد فَاحْتَرَقَ فِي الْفِتْنَة الْمَذْكُورَة ثمَّ قيض الله لَهَا بِمُبَاشَرَة أهل الْخَيْر المرحوم مُحَمَّد جلبي قَاضِي الشَّام ابْن الْمُفْتِي أبي السُّعُود صَاحب التَّفْسِير فصرف مائَة سلطاني على نقل تُرَاب وَضرب لبن وَإِقَامَة بعض القناطر والعضائد ووقف أمرهَا ثمَّ سنح للشَّيْخ أَحْمد ابْن الشَّيْخ سُلَيْمَان أَن ينْتَقل من زَاوِيَة لَهُ كَانَت ضيقَة وَمن بَيته بِمحل الشلاحة إِلَيْهَا وَأَن يعمرها فصرف عَلَيْهَا من مَاله مَا شَاءَ الله ثمَّ ساعده فِيهَا أَرْكَان الدولة وَجِيء بخشبها من غيضة السُّلْطَان وَمَاله وتمت وكملت فِي غَايَة الْحسن وَالسعَة وَالْبركَة وأقيمت فِيهَا الْأَذْكَار والموالد والجمعيات وَذَلِكَ فِي حُدُود سبعين وَتِسْعمِائَة وَقَالَ المحبي فِي تَرْجَمَة أَحْمد الْمَذْكُور انه عزل التُّرَاب الَّذِي كَانَ فِيهَا من بقايا الخراب فِي فتْنَة تيمور وعمرها وَأَنْشَأَ سَبِيلا فِي جوَار تربَتهَا سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَقَالَ مامية الرُّومِي مؤرخا بِنَاء السَّبِيل
(هَذَا السَّبِيل الأحمدي ... لله مَا فِيهِ خفا)
(وَقد أَتَى تَارِيخه ... اشرب هَنِيئًا بل شفا)
هَذَا مَا كَانَ من أمرهَا وَأما حالتها الْآن فقد وقفت على أطلالها أسائلها فأعيت جَوَابا وَمَا بِالربعِ من أحد مَا بِالربعِ سوى الْجِدَار القبلي وَمن جِهَة الغرب مِنْهُ بَاب الْمدرسَة وَهُوَ مَبْنِيّ على هندسة جميلَة وَقد قسم الْآن بَابَيْنِ لدارين وَالْبناء الْقَدِيم يلوح من أعلاهما وبجانب ذَلِك الْبَاب من الْجَانِب الشَّرْقِي التربة الْمَذْكُورَة وَهِي قبَّة عَظِيمَة وبناؤها قَائِم إِلَى الْآن وَلها شباكان على الطَّرِيق ومحفور على صَخْرَة فَوق الشباك الْأَيْمن قَالَ الْأَمِير الْمُجَاهِد الْكَبِير المرابط الاسفهلار السعيد الشَّهِيد سيف الدّين أَبُو الْحسن عَليّ بن قليج بن عبد الله هَذِه الأبيات وَأمر أَن تكْتب على تربته بعد وَفَاته وعَلى عتبَة الشباك الْأَيْسَر مَا صورته
(هَذِه دَارنَا الَّتِي نَحن فِيهَا ... دَار حق وَمَا سواهَا يَزُول)
(فَاعْتَمَرَ مَا اسْتَطَعْت دَارا إِلَيْهَا ... عَن قَلِيل يفضى بك التَّحْوِيل)
(وَاعْتمد صَالحا يؤنسك فِيهَا ... مثل مَا يؤنس الْخَلِيل الْخَلِيل)
стр. 196
وَبعد هذَيْن الشباكين شباكان أَيْضا مسدودان يظهران للنَّاظِر والجدار شَاهِق الْبناء مَبْنِيّ بالأحجار الْكَبِيرَة الصَّفْرَاء جمال منظره يَقُول أَن هُنَاكَ كَانَ مدرسة كَبِيرَة أنفقت الْأَمْوَال الْكَثِيرَة فِي بنائها ثمَّ بعد رؤيتي لذَلِك دخلت بَابا وسرت فِي زقاق ضيق فوصلت إِلَى فسحة وَاحِدَة فِي وَسطهَا بركَة مَاء وَبَعض حجرات معدة للحياكة فسبحان الْبَاقِي
تَرْجَمَة واقفها
هُوَ الْأَمِير سيف الدّين عَليّ بن قليج النوري توفّي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وسِتمِائَة قَالَ ابْن كثير وَدفن بتربته الَّتِي بمدرسته الْمَذْكُورَة الَّتِي كَانَت سكنه بدار الْفُلُوس قَالَ ابْن قَاضِي شُهْبَة فِي تَارِيخ الْإِسْلَام عَليّ بن قليج بن عبد الله الظَّاهِرِيّ الأميري الْكَبِير الْفَاضِل سيف الدّين أَبُو الْحسن كَانَ أَمِيرا جَلِيلًا وَعِنْده فَضِيلَة قَالَ الشهَاب القوصي جمع بَين الإمرة والسيادة وجزالة الرَّأْي وَمَا قدم على جَيش إِلَّا وَلم شعثه انشد لنَفسِهِ فِي التحذير من احتقار الْعَدو
(لَا تحقرن عدوا لَان جَانِبه ... وان ترَاهُ ضَعِيف الْبَطْش وَالْجَلد)
(فللذبابة فِي الْجرْح المديد يَد ... تنَال مَا قصرت عَنهُ يَد الْأسد)
وَقَالَ إِن دَار الْفُلُوس الَّتِي كَانَت دَاره سميت فِي أَيَّام تنكز بدار الذَّهَب وَهِي دَار خَالِد بن الْوَلِيد ﵁ وَهِي قبلي الْمدرسَة
تَرْجَمَة القَاضِي مُحَمَّد جلبي
قَالَ الْغَزِّي فِي الْكَوَاكِب السائرة هُوَ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد أحد الموَالِي الرومية وَابْن مفتيها الملا أبي السُّعُود كَانَ فَاضلا بارعا ترقى فِي المناصب حَتَّى أعطي قَضَاء الْقُضَاة بِدِمَشْق فِي سنة خمس وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَكَانَ سخيا مَا أَتَانَا من الرّوم أسخى مِنْهُ وَكَانَ ودودا قَالَ وَاجْتمعت الْخِصَال المحمودة فِيهِ وَمر يَوْمًا بسوق الأساكفة غربي بَاب الْبَرِيد فوقفوا وَشَكوا إِلَيْهِ مَا هم فِيهِ من هم الْعَوَارِض من الصفين الغربي والشرقي فأزالها وَلم يسْأَل عَن غنيهم وَلَا عَن فقيرهم اهـ وَمَا ذكرت هَذِه الْحِكَايَة إِلَّا لأبين أَن وَظِيفَة البلدية فِي ذَلِك الزَّمَان كَانَ بَعْضهَا إِلَى الْقُضَاة
стр. 197
تَرْجَمَة مرممها الْأَخير
هُوَ الشَّيْخ احْمَد بن الشَّيْخ سُلَيْمَان قَالَ فِي الْكَوَاكِب مَا خلاصته كَانَ المترجم يعرف بِابْن الصَّواف وَكَانَ شافعيا على طَريقَة القادرية مُعْتَقدًا بَين النَّاس وَله مريدون يداخل النَّاس فِي الْإِصْلَاح بَينهم فيترددون عَلَيْهِ وَكَانَ وقورا حسن الْخلق بشوشا يتَرَدَّد على الْحُكَّام ويعتقدون فِيهِ وَيكْتب للنَّاس الحروز فيقبلون عَلَيْهِ توفّي سنة خمس بعد الْألف عَن ثَمَانِينَ سنة وَدفن بزاويته جوَار سيف الدّين وَمَات لَهُ ولد قبله فَدفن بجواره وَقد قَامَ النَّاس عَلَيْهِ لذَلِك ثمَّ اطْمَأَن
الْمدرسَة القيمازية
كَانَت دَاخل بَابي النَّصْر والفرج فاختفت آثارها كَمَا اختفى بَاب النَّصْر وَرُبمَا يُؤْخَذ من كَلَام الْعِمَاد الْكَاتِب شَيْء من التَّعْرِيف بهَا فانه قَالَ فِي تَرْجَمَة واقفها مَا نَصه وداره بِدِمَشْق هِيَ الَّتِي بناها الْملك الْأَشْرَف أَبُو الْفَتْح مُوسَى ابْن الْعَادِل دَارا للْحَدِيث فِي سنة ثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وَخرب الْحمام الَّذِي كَانَ مجاورا لَهَا وَأدْخلهُ فِي ريعها وَذَلِكَ فِي جوَار قلعة دمشق بَينهمَا الخَنْدَق وَالطَّرِيق وَهُنَاكَ مدرسته الْمَعْرُوفَة بالقيمازية
وَقَالَ ابْن كثير نَحوا من هَذَا وَمِنْه والمدرسة شَرْقي القلعة المنصورة وَلما خرب الْأَشْرَف الْحمام بناه مسكنا للشَّيْخ الْمدرس بمدرسة دَار الحَدِيث فالمدرسة تحقق أَنَّهَا كَانَت بِالْقربِ من دَار الحَدِيث الأشرفية وَلكنهَا أخنى عَلَيْهَا الزَّمَان وَلم يعلم لَهَا اثر وَهُنَاكَ الْآن مَسْجِد لطيف وَلَعَلَّه بَاقٍ من آثارها وَالله اعْلَم
تَرْجَمَة واقفها
بناها صارم الدّين قايماز النجمي قَالَ فِي الروضتين نقلا عَن الْعِمَاد الْكَاتِب فِي حوادث سنة سِتّ وَتِسْعين وَخَمْسمِائة وَفِي هَذِه السّنة توفّي فِي دَاره فِي دمشق الْأَمِير صارم الدّين قايماز النجمي وَكَانَ مُتَوَلِّي أَسبَاب صَلَاح الدّين فِي مخيمه وبيوته وَعمل عمل أستاذ الدَّار وَكَانَ صَلَاح الدّين إِذا فتح بَلَدا سلمه إِلَيْهِ واستأمنه عَلَيْهِ فَيكون أول من افتض عذرته وشام ديمته وَحصل لَهُ من بلد آمد عِنْد فَتحه وَمن ديار مصر عِنْد موت عاضدها أَمْوَال عَظِيمَة وَتصدق فِي يَوْم وَاحِد بسبعة آلَاف
стр. 198
دِينَار مصرية عينا وَأظْهر أَنه قضى مَا فِي ذمَّته من حُقُوق الله وَهُوَ بِالْعرْفِ مَعْرُوف وبالخير مَوْصُوف يحب اقتناء المفاخر بِبِنَاء الرَّبْط والقناطر وَمن جُمْلَتهَا رِبَاط خسفين ورباط نوى وَله مدرسة مجاورة دَاره وَلما كفى الله دمشق الْحصْر نَهَضَ وَرَاء الْعَادِل إِلَى مصر فَرده إِلَى دمشق ليلازم خدمَة الْملك ولد الْمُعظم وَيكون من أقوى عدده وأوفى عدده وَكَانَ فِي خلقه ذعارة وَكَانَ خصافته مستعارة قَالَ وَلما دفن نبشت أَمْوَاله وفتشت رحاله وَحضر أُمَنَاء القَاضِي وضمناء الْوَالِي وأخرجوا خبايا الزوايا وسموط النُّقُود وخطوط النسايا وغيروا رسوم الْمنزل ومعالمه واستنبطوا دنانيره ودراهمه وحفروا أَمَاكِن فِي الدَّار وبركة الْحمام فِي الْجوَار فحملوا أوقارا من النضار وظهروا على الْكُنُوز المخفية والدفائن الألفية فَقيل زَادَت على مائَة ألف دِينَار وَهُوَ قَلِيل فِي جنب مَا يحرز بِهِ من كَذَا وَكَذَا قِنْطَارًا واستقل مَا طواه الْحزن وأخفاه الدّفن وَقيل كَانَ يكنز فِي صحارى ضيَاعه ومغارات اقطاعه قلت وأتهم بعده جمَاعَة بِأَن لَهُ عِنْدهم ودائع وتأذى بذلك المتأبي مِنْهُم والطائع انْتهى
قلت وأيا مَا كَانَ فان تِلْكَ العصور هِيَ العصور السود فَمَا هَذِه الْأَعْمَال عَامل يتْرك وشأنه حَتَّى ينهب الْأمة وَيفرق أموالها فِي جَوف الأَرْض ثمَّ تَأتيه النكبات والبليات فِي حَيَاته أَو بعد مماته فَلَا تستريح الْأمة مِنْهُ فِي حَيَاته وَلَا بعد مماته وَمَا هَذِه الْعُقُول الَّتِي تحب المَال حبا جما ثمَّ تجْعَل بطن الأَرْض مأواها وَللَّه فِي خلقه شؤون
ودرس بِهَذِهِ الْمدرسَة حميد الدّين السَّمرقَنْدِي ثمَّ بعده سَبْعَة آخِرهم عماد الدّين الطرسوسي
عماد الدّين الطرسوسي
هُوَ عَليّ بن أَحْمد بن عبد الْوَاحِد بن عبد الْمُنعم بن عبد الصَّمد قَاضِي الْقُضَاة عماد الدّين الطرسوسي تولي الْقَضَاء بِدِمَشْق سنة سبع وَعشْرين وَسَبْعمائة ثمَّ تَركه
стр. 199
لوَلَده ودرس بعدة مدارس وَذكر الْقَارِي انه مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة وَفِي الشقائق النعمانية أَن المترجم هُوَ صَاحب الِافْتِتَاح شرح الْمِصْبَاح فِي النَّحْو وَشرح مراح الْأَرْوَاح فِي الصّرْف
حرف الْمِيم
الْمدرسَة المرشدية
هِيَ على نهر يزِيد بصالحية دمشق جوَار دَار الحَدِيث الأشرفية وَهِي الْآن مفقودة فِي صُورَة مَوْجُودَة ينشد لِسَان حَالهَا
(درسوا الْعُلُوم ليملكوا بجدالهم ... فِيهَا صُدُور مَرَاتِب ومجالس)
(وتفقهوا حَتَّى ينالوا فرْصَة ... من أَخذ مَال مَسَاجِد ومدارس)
وَلَقَد وقفت عَلَيْهَا فَرَأَيْت بَابهَا بَابا عَظِيما والجدار الشمالي مِنْهَا عَجِيب الْبناء جدا إِلَّا أَن داخلها خراب وَقد اختلسها قوم فاتخذوها للسُّكْنَى وَإِذا وفْق الله لَهَا من يلم شعثها أَصبَحت مدرسة بديعة زاهرة
ودرس بهَا أَيَّام عزها شمس الدّين بن عَطاء الله الْأَذْرَعِيّ ثمَّ أَرْبَعَة آخِرهم شمس الدّين الحريري
تَرْجَمَة البانية
أنشأتها بنت الْملك الْمُعظم شرف الدّين عِيسَى ابْن الْملك الْعَادِل سنة أَربع وَخمسين وسِتمِائَة قَالَ ابْن قَاضِي شُهْبَة وَاسْمهَا خَدِيجَة توفيت ببستان الماردانية سنة سِتِّينَ وسِتمِائَة ودفنت بتربتها الَّتِي أنشأتها جوَار تربة الشَّيْخ الفرنتي بِالْجَبَلِ
أَقُول والتربة مَشْهُورَة وَلما وقفت على تِلْكَ الْمدرسَة مرّة ثَانِيَة وجدت مَنْقُوشًا على حجر بِأَعْلَى بَابهَا مَا صورته بعد الْبَسْمَلَة
هَذَا مَا أوقفت السِّت الجليلة عصمَة الدّين خاتون بنت السُّلْطَان الْملك الْمُعظم شرف الدّين عِيسَى ابْن السُّلْطَان الْملك الْعَادِل سيف الدّين أبي بكر بن أَيُّوب وَذَلِكَ حِصَّة من الْحمام الْكَائِن أسهمه خَمْسَة وَثَلَاثِينَ وَخمْس وَسبع سهم من طاحون الطّرف الْخَمِيس
стр. 200
وَدَار بجبل الصالحية وَحِصَّة بقصر تَقِيّ الدّين سَبْعَة أسْهم وَنصف سهم وَربع سهم وَثمن سهم وَثلث عشر سهم وَحِصَّة بقرية الطره ثلثا سهم وَثلث وَسبع سهم وَحِصَّة بخان ثَمَانِيَة أسْهم وَنصف وَحِصَّة بِحَبَّة عَسَّال من قصير معلولا ثَلَاثَة أسْهم وَمن الجية سهم وَنصف وَمن القربانية سَبْعَة أسْهم وبستان المردانية بِكَمَالِهِ وَذَلِكَ فِي سنة خمسين وسِتمِائَة هَذَا مَا وجدته مَكْتُوبًا وَلَعَلَّ فِي بعضه تصحيفا لعسر قِرَاءَة حُرُوفه من الْحجر
الْمدرسَة المعظمية
هِيَ بالصالحية بسفح قاسيون الغربي جوَار الْمدرسَة العزيزية وَقد درس بهَا مجد الدّين قَاضِي الطّور ثمَّ درس بهَا عشرَة بعده آخِرهم شرف الدّين الْأَذْرَعِيّ
أَقُول وَلم يَتَيَسَّر لي الْآن معرفَة مَكَانهَا وَلَئِن عَرفته ألحقته هُنَا
تَرْجَمَة واقفها
أَنْشَأَهَا الْملك الْمُعظم شرف الدّين عِيسَى ابْن الْملك الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب قَالَ الذَّهَبِيّ فِي العبر فِي حوادث سنة أَربع وَعشْرين وسِتمِائَة وَفِي هَذِه السّنة توفّي الْملك الْمُعظم صَاحب دمشق وَكَانَ مولده بِالْقَاهِرَةِ سنة سِتّ وَسبعين وَخَمْسمِائة وَكَانَ أديبا فَقِيها على مَذْهَب النُّعْمَان بن ثَابت حفظ الْقُرْآن وبرع فِي الْفِقْه وَشرح الْجَامِع الْكَبِير فِي عدَّة مجلدات بإعانة غَيره ولازم الِاشْتِغَال زَمَانا وَسمع مُسْند الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل كُله وَله شعر كثير وَكَانَ عديم الِالْتِفَات إِلَى النواميس وأنفة الْمُلُوك ويركب وَحده مرَارًا ثمَّ يتلاحق بِهِ مماليكه بعده وَكَانَ فِيهِ خير وَشر كثير
وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي تَارِيخه الْكَامِل فِي حوادث السّنة الْمَذْكُورَة توفّي الْمُعظم بِمَرَض الدوسنطاريا وَكَانَ ملكه لمدينة دمشق من حِين وَفَاة وَالِده الْملك الْعَادِل عشر
стр. 201
سِنِين وَخَمْسَة أشهر وَثَلَاثَة وَعشْرين يَوْمًا وَكَانَ عَالما بعدة عُلُوم فَاضلا مِنْهَا الْفِقْه على مَذْهَب أبي حنيفَة فانه كَانَ قد اشْتغل بِهِ كثيرا وَصَارَ من المتميزين فِيهِ وَمِنْهَا علم النَّحْو فانه اشْتغل بِهِ أَيْضا اشتغالا زَائِدا وَصَارَ بِهِ فَاضلا وَكَذَلِكَ اللُّغَة وَغَيرهَا وَكَانَ قد أَمر أَن يجمع لَهُ كتاب فِي اللُّغَة جَامع كَبِير فِيهِ كتاب الصِّحَاح للجوهري ويضاف إِلَيْهِ مَا فَاتَ الصِّحَاح من التَّهْذِيب للأزهري والجمهرة لِابْنِ دُرَيْد وَغَيرهمَا وَكَذَلِكَ أَيْضا أَمر بِأَن يرتب مُسْند الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل على الْأَبْوَاب وَيرد كل حَدِيث إِلَى الْبَاب الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَعْنَاهُ مِثَاله أَن يجمع أَحَادِيث الطَّهَارَة وَكَذَلِكَ يفعل فِي الصَّلَاة وَغَيرهَا من الرَّقَائِق وَالتَّفْسِير والغزوات فَيكون كتابا جَامعا وَكَانَ قد سمع الْمسند من أَصْحَاب ابْن الْحصين ونفق الْعلم فِي سوقه وقصده الْعلمَاء من الْآفَاق فأكرمهم وأجرى عَلَيْهِم الجرايات الوافرة وقربهم وَكَانَ يجالسهم ويستفيد مِنْهُم ويفيدهم وَكَانَ يرجع إِلَى علم وصبر على سَماع مَا يكره لم يسمع أحد مِمَّن يَصْحَبهُ مِنْهُ كلمة سوء وَكَانَ حسن الِاعْتِقَاد يَقُول كثيرا إِن اعتقادي فِي الْأُصُول مَا سطره أَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ ووصى عِنْد مَوته بِأَن يُكفن فِي الْبيَاض وَلَا يَجْعَل فِي أَكْفَانه ثوب فِيهِ ذهب وَأَن يدْفن فِي لحد وَلَا يبْنى عَلَيْهِ بِنَاء بل يكون قَبره فِي الصَّحرَاء تَحت السَّمَاء وَيَقُول فِي مَرضه لي عِنْد الله تَعَالَى فِي أَمر دمياط مَا أَرْجُو أَن يرحمني بِهِ وَلما توفّي ولي بعده أبنه دَاوُد ويلقب بِالْملكِ النَّاصِر وَكَانَ عمره عشْرين سنة
وترجمه ابْن كثير بِنَحْوِ مَا ذكره ابْن الْأَثِير وَقَالَ كَانَ شجاعا عَاقِلا فَاضلا وَكَانَ محفوظه مفصل الزَّمَخْشَرِيّ وَكَانَ يصل من يحفظه بِثَلَاثِينَ دِينَارا وَقد جمع الله لَهُ بَين الشجَاعَة والسماحة والبراعة وَالْعلم ومحبة أَهله
وترجمه الْأَسدي فِي تَارِيخه فَقَالَ تفقه الْملك الْمُعظم على الحصيري ولازم التَّاج الْكِنْدِيّ مُدَّة وَكَانَ ينزل إِلَى دَاره بدرب الْعَجم من القلعة وَالْكتاب تَحت إبطه فَيقْرَأ عَلَيْهِ كتاب سِيبَوَيْهٍ وَشَرحه للسيرافي وَأخذ عَنهُ الْحجَّة فِي الْقرَاءَات لأبي عَليّ الْفَارِسِي والحماسة وَغير ذَلِك من الْكتب المطولة وَحفظ الْإِيضَاح فِي النَّحْو والمسند وصنف فِي الْعرُوض وَله ديوَان شعر مَشْهُور وَكَانَ يحب كتاب سِيبَوَيْهٍ وطالعه مرَارًا وَكَانَ يحب الْفَضِيلَة جعل لمن يحفظ الْمفصل مائَة دِينَار وَلمن يحفظ الْجَامِع الْكَبِير مِائَتي دِينَار وَلمن يحفظ الْإِيضَاح ثَلَاثِينَ دِينَارا
стр. 202
سوى الْخلْع وَحج سنة إِحْدَى عشرَة وسِتمِائَة وجدد البرك والمصانع وَأحسن إِلَى الْحجَّاج قلت وبركة الْمُعظم فِي طَرِيق الْحجاز تنْسب إِلَيْهِ قَالَ وَبنى سور دمشق والطارمة الَّتِي على بَاب الْحَدِيد وَبنى بالقدس مدرسة وَبنى عِنْد قبر جَعْفَر الطيار مَسْجِدا
قَالَ أَبُو المظفر ابْن الْجَوْزِيّ بنى بمعان دَار مضيف وحمامين وَكَانَ قد عزم على تسهيل طَرِيق الْحجاز وَأَن يَبْنِي فِي كل منزلَة مَكَانا وَكَانَ يتَكَلَّم مَعَ الْعلمَاء ويناظر ويبحث واعتد للجواسيس والقصاد فان الإفرنج كَانُوا على كتفه فَلذَلِك كَانَ يظلم ويعسف ويصادر وَخرب الْقُدس لعَجزه عَن حفظهَا من الإفرنج وَكَانَ يملك من الْعَريش إِلَى حمص والكرك
قَالَ ابْن الْأَثِير وَكَانَ جنده ثَلَاثَة آلَاف فَارس وَمَعَ ذَلِك كَانَ يُقَاوم اخوته وَلما مَاتَ دفن بالقلعة ثمَّ أخرجه الْملك الْأَشْرَف لما قدم دمشق وَدَفنه مَعَ والدته بالقبة بِالْمَدْرَسَةِ المعظمية وفيهَا أَخُوهُ المغيث
وترجمه ابْن خلكان بِنَحْوِ مَا تقدم وَقَالَ وَكَانَت لَهُ رَغْبَة فِي الْأَدَب وَسمعت أشعارا منسوبة إِلَيْهِ وَلم استثبتها
وترجمه الْقَارِي فِي طَبَقَات الْحَنَفِيَّة وَذكر انه حفظ المَسْعُودِيّ وصنف كتابا سَمَّاهُ السهْم الْمُصِيب فِي الرَّد على الْخَطِيب وَهُوَ أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت الْبَغْدَادِيّ فِيمَا تكلم بِهِ فِي حق أبي حنيفَة فِي تَارِيخ بَغْدَاد وَقد كَانَ أَمر الْفُقَهَاء أَن يجردوا لَهُ مَذْهَب أبي حنيفَة دون صَاحِبيهِ فجردوه فحفظه
وَيُمكن أَن يكون لِسَان الْعَرَب هُوَ كتاب اللُّغَة الَّذِي أَمر بجمعه الْملك الْمُعظم
الْمدرسَة المعينية
هِيَ بِالطَّرِيقِ الْآخِذ إِلَى بَاب الْمدرسَة العصرونية الشَّافِعِيَّة بحصن الثقفيين قَالَه فِي تَنْبِيه الطَّالِب وَغَيره
أَقُول وَقد انمحت آثارها وَرَأَيْت فِي كتاب وقف فضل الله الْعمريّ مَا يدل على أَنَّهَا كَانَت مُقَابل بَاب الْفرج وتاريخ الْكتاب الْمَذْكُور سنة ٧٣٢ وشاهدت بعيني آثَار مدرسة وَرَاء الحوانيت الْمُقَابلَة لباب الْفرج فَيمكن أَن تكون هِيَ
стр. 203
وَأَيَّام حَيَاتهَا درس بهَا رشيد الدّين الغزنوي ثمَّ بعده أحد عشر مدرسا آخِرهم نجم الدّين النعماني
وحصن الثقفيين قد بَقِي جِدَاره الشَّرْقِي وَهُوَ فِي أول الطَّرِيق الَّذِي يمر شَرْقي الْمدرسَة العادلية الصُّغْرَى
تَرْجَمَة بانيها
أَنْشَأَهَا معِين الدّين أنر أتابك محب الدّين أَو مجير الدّين صَاحب دمشق فِي سنة خمس وَخمسين وَخَمْسمِائة
قَالَ الذَّهَبِيّ فِي العبر الْأَمِير معِين الدّين بن عبد الله الطغتكيني مقدم عَسْكَر دمشق مُدبر الدولة كَانَ عَاقِلا سائسا مُدبرا حسن السياسة ظَاهر الشجَاعَة كثير الصَّدقَات وَله مدرسة بِالْبَلَدِ
وَقَالَ فِي مُخْتَصر تَارِيخ الْإِسْلَام والأتابك ملك الْأُمَرَاء معِين الدّين أنر وَاقِف المعينية وبنته خاتون هِيَ واقفة الخاتونية وَضبط الذَّهَبِيّ أنر بِضَم الْهمزَة وَفتح النُّون وَبعدهَا رَاء
وترجمه فِي الروضتين فَقَالَ مَا حَاصله قَالَ أَبُو يعلى التَّمِيمِي فصل معِين الدّين بعسكره من حوران وَوصل إِلَى دمشق لأمر أوجب ذَلِك ودعا إِلَيْهِ فأمعن فِي الْأكل فَلحقه عقيب ذَلِك انطلاق أودى بِهِ ثمَّ حمله اجْتِهَاده فِيمَا يدبره على الْعود إِلَى عسكره بحوران وَهُوَ بِهَذِهِ الْحَالة فضعفت قوته وأصابه مرض فِي الكبد فَعَاد إِلَى دمشق فِي محفة فَمَاتَ بهَا وَدفن فِي إيوَان الدَّار الأتابكية الَّتِي كَانَ يسكنهَا ثمَّ نقل بعد ذَلِك إِلَى الْمدرسَة الَّتِي عمرها
قَالَ أَبُو شامة قلت قَبره فِي قبَّة بمقابر العونية شمَالي دَار الْبِطِّيخ الْآن واسْمه مَكْتُوب على بَابهَا فَلَعَلَّهُ نقل من ثمَّ إِلَيْهَا وَفِيه يَقُول مؤيد الدولة أُسَامَة ابْن منقذ لما لَقِي المترجم الإفرنج فِي أَرض بصرى وصرخد مَعَ نور الدّين
(كل يَوْم فتح مُبين وَنصر ... واعتلاء على الأعادي وقهر)
(صدق النَّعْت فِيك أَنَّك معِين الدّين ... أَن النعوت فال وزجر)
стр. 204
(أَنْت سيف الْإِسْلَام حَقًا فَلَا كل ... غراريك أَيهَا السَّيِّد دهر)
(لم تزل تضمر الْجِهَاد مسرا ... ثمَّ أعلنت حِين أمكن جهر)
(كل ذخر الْمُلُوك يفنى وذخرا ك ... هما الباقيان أجر وشكر)
وَقَالَ أَيْضا أَن أنر كَانَ مَمْلُوكا لطغتكين لكنه كَانَ الْحَاكِم وَالْمُدبر لدمشق والعسكر أَيَّام ولَايَته مجير الدّين آبق بن مُحَمَّد بن بوري بن طغتكين على دمشق وَكَانَ عَاقِلا دينا خيرا حسن السِّيرَة وَقَالَ أُسَامَة بن منقذ فِي كتاب الِاعْتِبَار أبلى الْأَمِير معِين الدّين فِي حَرْب الألمان لما أَتَوا دمشق بلَاء حسنا وَظهر من شجاعته وَصَبره وبسالته مَا لم يُشَاهد فِي غَيره
الْمدرسَة الماردانية
على حافة نهر ثورا لصيق الجسر الْأَبْيَض بالصالحية وَهِي مَعْرُوفَة مَشْهُورَة وَالَّذِي وجد من وَقفهَا سنة عشْرين وسِتمِائَة بكشف مُحَمَّد بن منجك الناصري بُسْتَان بجوار الجسر الْأَبْيَض وبستان آخر جوَار الْمدرسَة الْمَذْكُورَة وَثَلَاثَة حوانيت بالجسر الْمَذْكُور والأحكار جوارها أَيْضا وَمن شَرط مدرسها أَلا يكون مدرسا بغَيْرهَا وَمِمَّنْ دفن بهَا أسنك بِالسِّين الْمُهْملَة وَالنُّون ابْن ازدمر مَاتَ سنة سِتّ عشرَة وَثَمَانمِائَة وَاشْترى أَخُوهُ الْأَمِير أسبك بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَقفا وَوَقفه على مقرئين يقرؤون على تربته وَاشْترى للمدرسة بسطا
ودرس بهَا الصَّدْر الخلاصي ثمَّ درس بهَا نَحْو عشرَة آخِرهم تَاج الدّين المارداني ثمَّ رَأَيْت فِيمَا زَاده مَحْمُود بن مُحَمَّد الْعمريّ على مُخْتَصر العلموي أَن وقف الْمدرسَة الْآن أَعنِي فِي الْقرن الْحَادِي عشر بُسْتَان المحمديات الفوقاني وبستان المحمديات التحتاني وحكر أَرض من الجسر الْأَبْيَض وَأَرْض الجنائن الَّتِي بالجسر الْأَبْيَض الْمَعْلُوم ذَلِك من دفتر المحاسبة انْتهى
تَرْجَمَة البانية
أنشأتها عزيزة الدّين أخشا خاتون بنت الْملك قطب الدّين صَاحب ماردين زَوْجَة الْملك الْمُعظم سنة عشر وسِتمِائَة ووقفها كَانَ سبة أَربع وَعشْرين بعد الستمائة
стр. 205
وواقفة الْمَكَان لم تدفن فِيهِ لِأَنَّهَا رجعت بعد موت الْمُعظم إِلَى ماردين كَمَا قَالَه ابْن قَاضِي شُهْبَة وَقيل أَنَّهَا حجت واستمرت مُقِيمَة بِمَكَّة حَتَّى افْتَقَرت وَلم يبْق مَعهَا شَيْء من المَال وَصَارَت تَسْقِي المَاء فَمر بهَا من كَانَ يعرفهَا وَهِي بِدِمَشْق وَرَآهَا على هَذِه الْحَالة فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى دمشق أخبر من كَانَ مُتَوَلِّيًا على أوقافها ومصالحها فَجمع لَهَا شَيْئا من المَال ثمَّ أرْسلهُ إِلَيْهَا فَقَالَت أَي شَيْء هَذَا فَقَالُوا هَذَا من وقفك فَقَالَت الَّذِي خرجت عَنهُ لله لَا أَعُود فِيهِ وَقَالَت أعْطوا كل ذِي حق حَقه فرحمها الله رَحْمَة وَاسِعَة
الْمدرسَة المقدمية الجوانية
دَاخل بَاب الفراديس وَهُوَ الْبَاب الحديدي الَّذِي فِي محلّة الْعِمَارَة الْمُسَمَّاة قَدِيما بالقباقبية ومكانها مَعْرُوف وَهِي مَشْهُورَة لَكِن استولى عَلَيْهَا بَنو السفرجلاني فسكنوا الْبَيْت الَّذِي بهَا وتصرفوا بمسجدها وَلم يبْق مِنْهَا إِلَّا ساحتها الواسعة وإيوان فِي الْجَانِب الشمالي للصَّلَاة وبركة مَاء وَاسِعَة
قَالَ الصَّفَدِي فِي تحفة ذَوي الْأَلْبَاب فِي تَرْجَمَة وَاقِف المقدمية وَله الدَّار الْكَبِيرَة الَّتِي دَاخل بَاب الفراديس والى جَانبهَا الْمدرسَة المقدمية وَله تربة وَمَسْجِد وخان كل ذَلِك دَاخل الفراديس
قَالَ العلموي قلت صَارَت الدَّار الْكَبِيرَة دورا مُتعَدِّدَة وَهِي الْمَعْرُوفَة الْآن ببوابة خوند الْآن ثمَّ تملك بَعْضهَا وتعطل الآخر
وَقَالَ الْعَدوي الدِّمَشْقِي أَقُول ثمَّ فِي حُدُود سنة تسعين وَتِسْعمِائَة خرب غَالب الْمدرسَة الشَّيْخ أَحْمد بن الأكرم وَغير صِيغَة الْوَاقِف وَتصرف فِيهَا تصرف الْملاك فَلَمَّا فعل ذَلِك مَنعه قَاضِي الشَّام وَأرْسل نَائِبه مصطفى جلبي فكشف عَلَيْهَا وَمنع الْمُتَعَدِّي وَهدم مَا بناه وَأمر بإعادته كَمَا كَانَ فَلم يزل يكابر ويعمر مَا أحب وَأَرَادَ حَتَّى توفاه الله سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَلم يكمل الْعِمَارَة وَلم يفرح بهَا وَلم يهنأ وَإِنَّمَا تممها أَوْلَاده من بعده
وَحكى الْقِصَّة النَّجْم الْغَزِّي فِي الْكَوَاكِب بِنَحْوِ هَذَا فانه قَالَ فِي تَرْجَمَة ابْن الأكرم هُوَ أَحْمد بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن الأكرم الْحَنَفِيّ كَانَ من الرؤساء
стр. 206
بِدِمَشْق وَكَانَ فِي زِيّ الْعلمَاء وَلم يكن فِي الْعلم بذلك ولي تدريس المقدمية الجوانية بِدِمَشْق وانتسب إِلَى واقفها وَعمر لَهُ فِيهَا سكنا فَأنْكر عَلَيْهِ ذَلِك قَاضِي الْقُضَاة منلا احْمَد الْكرْدِي الْأنْصَارِيّ وكشف عَلَيْهَا بِنَفسِهِ فَوَجَدَهُ قد غير فِيهَا وَبدل وَحصل لصَاحب التَّرْجَمَة مِنْهُ تَعْزِير ومشقة بِسَبَب ذَلِك ثمَّ إِن المترجم تزهد وتعمم بالصوف وربى شعر رَأسه وَسكن الْحُجْرَة الحلبية لصيق الْجَامِع الْأمَوِي إِلَى أَن توفّي سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة انْتهى
أَقُول ثمَّ دَار دورها إِلَى أَن تصرف بهَا وبأوقافها بَنو السفرجلاني واغتصبوها بِلَا مُنَازع وَلَا مدافع وَلم أدر بأية وَسِيلَة وصلوا إِلَيْهَا والدهر كشاف المخبآت
وَالْوَقْف على هَذِه الْمدرسَة كل من قريتي المحمدية وجسرين بغوطة دمشق
تَرْجَمَة واقفها
هُوَ شمس الدّين مُحَمَّد بن عبد الْملك الْمَعْرُوف بِابْن الْمُقدم كَانَ من اكبر الْأُمَرَاء فِي دولة السُّلْطَان صَلَاح الدّين وَله وقائع وأخبار ننشرها فِي الْقسم السياسي عِنْد الْكَلَام على الدولتين الصلاحية والنورية وَهُوَ الَّذِي سلم سنجار لنُور الدّين ثمَّ أمتلك بعلبك أَيَّام صَلَاح الدّين بِأَمْر مِنْهُ سنة أَربع وَسبعين وَخَمْسمِائة وَلم يمض على امتلاكه لَهَا مُدَّة حَتَّى طلبَهَا ثوران شاه من أَخِيه صَلَاح الدّين فَلم يُمكنهُ منع أَخِيه عَنْهَا فَأرْسل للمترجم يَأْمُرهُ بتسليمها فعصي بهَا وَلم يُسَلِّمهَا فَأرْسل إِلَيْهِ عسكرا وحاصره بهَا وَطَالَ الْحصار إِلَى أَن أجَاب المترجم لتسليمها على عوض فعوض عَنْهَا وتسلمها السُّلْطَان وأقطعها أَخَاهُ قَالَه صَاحب حماة فِي تَارِيخه وَلما توفّي السُّلْطَان نور الدّين وَقَامَ ابْنه الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل بِالْملكِ بعده وعمره إِحْدَى عشرَة سنة وَحلف لَهُ الْعَسْكَر بِدِمَشْق وَأقَام بهَا وأطاعه صَلَاح الدّين بِمصْر وخطب لَهُ بهَا كَانَ المترجم هُوَ الْمُتَوَلِي لتدبير الْملك الصَّالح وتدبير دولته وَلما رأى صَلَاح الدّين وَهُوَ بِمصْر أَن الْملك الصَّالح طِفْل لَا يقدر على النهضة بأعباء الْملك وَلَا يسْتَقلّ بدفاع الْأَعْدَاء عَن الْبِلَاد تجهز لِلْخُرُوجِ إِلَى الشَّام وَكَاتب المترجم وَوصل الْبِلَاد مطالبا بِالْملكِ الصَّالح ليَكُون هُوَ الَّذِي يتَوَلَّى أمره ويربي حَاله فَيقوم لَهُ مَا اعوج من أمره فَأَجَابَهُ المترجم لذَلِك فوصل دمشق وَلم يشق عَلَيْهِ عصى ودخلها بِالتَّسْلِيمِ فِي سنة سبعين وَخَمْسمِائة وتسلم قلعتها ثمَّ آل أَمر المترجم إِلَى أَن مَاتَ قَتِيلا
стр. 207
وَسَببه على مَا رَوَاهُ ابْن الْأَثِير فِي الْكَامِل أَنه لما فتح الْمُسلمُونَ الْبَيْت الْمُقَدّس أَيَّام صَلَاح الدّين وَكَانَ ابْن الْمُقدم مَعَ العساكر طلب من السُّلْطَان الاذن بِالْحَجِّ وَالْإِحْرَام من الْقُدس ليجمع بَين الْجِهَاد وَالْحج وزيارة سيدنَا إِبْرَاهِيم الْخَلِيل وزيارة سيد الْمُرْسلين فَأذن لَهُ بذلك وَكَانَ قد اجْتمع فِي تِلْكَ السّنة فِي الشَّام من حجاجها وحجاج الْبِلَاد وَالْعراق والموصل والجزيرة وخلاط وبلاد الرّوم وَغَيرهَا خلق كثير فَجعل السُّلْطَان الْأَمِير عَلَيْهِم المترجم فَسَار بهم حَتَّى أوصلهم سَالِمين إِلَى عَرَفَات وَلما كَانَت عَشِيَّة عَرَفَة تجهز هُوَ وَأَصْحَابه ليسيروا من عَرَفَات فَأمر بِضَرْب كؤوساته الَّتِي هِيَ عَلامَة الرحيل فضربها أَصْحَابه فَسَمعَهَا أَمِير الْحَاج الْعِرَاقِيّ مجير الدّين طاشتكين فَنَهَاهُ عَن الْإِفَاضَة من عَرَفَات قبله وَأمره بِأَن يكف أَصْحَابه عَن ضرب الكؤوسات فَأرْسل إِلَيْهِ يَقُول أَنِّي لَيْسَ لي مَعَك تعلق أَنْت أَمِير الْحَاج الْعِرَاقِيّ وَأَنا أَمِير الْحَاج الشَّامي وكل منا يفعل مَا يرَاهُ ويختاره ثمَّ سَار وَلم يقف وَلم يسمع قَوْله فَلَمَّا رأى طاشتكين إصراره على مُخَالفَته ركب فِي أَصْحَابه وأجناده وَتَبعهُ من غوغاء الْحَاج الْعِرَاقِيّ وبطاطيهم وطماعتهم الْعَالم الْكثير والجم الْغَفِير وقصدوا الْحَاج الشَّامي مهولين عَلَيْهِم فَلَمَّا قربوا مِنْهُم خرج الْأَمر عَن الضَّبْط وعجزوا عَن تلافيه فهجم أهل الْعرَاق على الركب الشَّامي وَقتلُوا وفتكوا ونهبوا وَسبوا النِّسَاء إِلَّا أَنَّهُنَّ رددن بعد ذَلِك وجرح ابْن الْمُقدم عدَّة جروح وَكَانَ يكف أَصْحَابه عَن الْقِتَال وَلَو أذن لَهُم بِهِ لانتصفوا مِنْهُم وَزَادُوا وَلكنه راقب الله وَحُرْمَة الْمَكَان فَلَمَّا اثخن بالجراحات أَخذه طاشتكين إِلَى خيمته وأنزله عِنْده ليمرضه ويستدرك الفارط فِي حَقه وَسَارُوا تِلْكَ اللَّيْلَة من عَرَفَات فَلَمَّا كَانَ الْغَد مَاتَ بمنى وَدفن بمقبرة الْمُعَلَّى ورزق الشَّهَادَة وَذَلِكَ سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة فرحمه الله تَعَالَى
الْمدرسَة المقدمية البرانية
قَالَ فِي تَنْبِيه الطَّالِب هِيَ تجاه الركنية بسفح قاسيون شَرْقي الصالحية انْتهى
أَقُول اخبرني الثِّقَات أَن هُنَاكَ لم تُوجد مدرسة وَيُمكن أَن يكون الزَّمَان قد أخنى عَلَيْهَا فسلمها لأيدي المختلسين فجعلوها كأمثالها دورا للسُّكْنَى
وَقد أنشأ هَذِه الْمدرسَة ابْن الْمُقدم الَّذِي مرت تَرْجَمته سَابِقًا ووقف عَلَيْهَا أزوارا بِأَرْض حماة مَعْرُوفَة
стр. 208
ودرس بهَا نجم الدّين فَخر الدّين الْغَازِي ثمَّ تغلب عَلَيْهَا أَوْلَاد الْوَاقِف فتعطل الدَّرْس مُدَّة ثمَّ بعد ذَلِك درس بهَا الصفي البصروي ثمَّ بعده أَرْبَعَة آخِرهم فَخر الدّين بن الْوَلِيد ثمَّ سَارَتْ سيرا كَانَ آخِره مَا علمت من انطماس آثارها وانمحاق هِلَال النَّفْع بهَا
وَلنَا مقدمية ثَالِثَة وَهِي تربة بمرج الدحداح تعرف بتربة ابْن الْمُقدم أَنْشَأَهَا ولد المترجم سَابِقًا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عبد الْملك وَدفن بهَا سنة سبع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة قَالَ الْأَسدي كَانَ إِبْرَاهِيم شجاعا عَاقِلا ولي القلعة بماردين وعدة حصون وَله بهَا نواب فَمد عينه إِلَيْهَا الْملك الظَّاهِر غَازِي فَأَخذهَا وَبقيت لَهُ ماردين انْتهى
الْمدرسَة المنجكية
هِيَ المنجكية الْحَنَفِيَّة بالخلخال قبلي الصُّوفِيَّة إِلَى الغرب كَذَا فِي التَّنْبِيه ومختصره وَالْوَقْف عَلَيْهَا حمام منجك الْمَشْهُور والفرن إِلَى جَانِبه وَالرّبع فَوْقهمَا
ودرس بهَا جمال الدّين ابْن القطب ثمَّ شرف الدّين الانطاكي ثمَّ وَلَده ثمَّ قوام الدّين العجمي
أَقُول لم يبْق لهَذِهِ الْمدرسَة أثر يتَعَيَّن
وَقد رَأَيْت فِي آخر مُخْتَصر العلموي مَا لَفظه أَن هَذِه الْمدرسَة اندرست وانخربت تِلْكَ البنايات المؤسسة وَصَارَ مَكَانهَا بستانا كَأَن الَّذِي خربها وحرثها أَخذ من الله ثمَّ من الدَّهْر أَمَانًا وَصَارَ وَقفهَا الْحمام والفرن والطباق على بلاعة البرش مَوْقُوفا ومنفقا عَلَيْهِم كالراتب لَهُم مصروفا
(فَالله تَعَالَى غيور ... وَبِيَدِهِ مقاليد الْأُمُور)
وَأما الخلخال فَهُوَ متنزه غربي مرجة دمشق وَكَانَ بِهِ سويقة وحوانيت وفرن وحمام وَكَانَ فِي الْأَزْمَان السالفة هُوَ والمنيبع مسكن الأتراك وَبِه تدق طبلخاناتهم وبالخلخال كَانَت زَاوِيَة الأدهمية والهنود تحف بهما النَّاس والأعيان
وَفِيه يَقُول جمال الدّين ابْن نباتة
стр. 209
(يَا حبذا يومي بوادي جلق ... وفرجتي مَعَ الغزال الحالي)
(من أول الْجَبْهَة قد قبلته ... مرتشفا لآخر الخلخالي)
فارتشف حلاوة تِلْكَ التورية فان الْجَبْهَة والخلخال متنزهان بَين نهر بردى ونهري القنوات وبانياس واسمان لجبهة المحبوب وخلخاله على قَاعِدَة الزَّمن الْمَاضِي من أَن الغلمان كَانُوا يلبسُونَ الخلخال أَو أَنه أطلق الْحَال وَهُوَ الخلخال وَأَرَادَ الْمحل على طَريقَة الْمجَاز الْمُرْسل بعلاقة الحالية والمحلية وَقد تأتى لَهُ مَعَ حسن التورية الانسجام
تَرْجَمَة واقفها
أَنْشَأَهَا الْأَمِير سيف الدّين منجك اليوسفي الناصري اصله من مماليك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون نَشأ مَمْلُوكا ثمَّ تنقلت بِهِ الْأَحْوَال إِلَى أَن صَار أَمِيرا بِمصْر ثمَّ ولي حجوبة الْحجاب بِدِمَشْق سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة فظل بهَا مُدَّة يسيرَة ثمَّ توجه إِلَى مصر وَصَارَ مقدما وَولي الوزارة ثمَّ قبض عَلَيْهِ وسجن ثمَّ أطلق عِنْد زَوَال دولة النَّاصِر حسن بن مُحَمَّد بن قلاوون ثمَّ ولي نِيَابَة طرابلس سنة خمس وَخمسين ثمَّ صَار نَائِبا على حلب سنة سبع وَخمسين ثمَّ بصفد ثمَّ طلب إِلَى مصر فَأكْرم هُنَاكَ إِكْرَاما عَظِيما وَأطلق وَأقَام بالقدس فعمر بهَا خانقاه ومدرسة وَلما أظهرنائب الشَّام بيدمر الْعِصْيَان كَانَ المترجم مُتَوَلِّيًا قِتَاله فَقبض عَلَيْهِ سجنه ثمَّ أطلقهُ ثمَّ صَار نَائِبا فِي طرسوس سنة سِتّ وَسِتِّينَ ثمَّ نقل إِلَى طرابلس وَمِنْهَا إِلَى نِيَابَة دمشق عوضا عَن بيدمر بعد قتل يلبغا فاستمر بهَا سبع سِنِين ثمَّ طلب إِلَى مصر سنة خمس وَسبعين فولى نيابتها وَاسْتمرّ بهَا إِلَى أَن توفّي سنة سِتّ وَسبعين وَسَبْعمائة وَدفن بتربته الَّتِي أَنْشَأَهَا بِالْقربِ من الْجَبَل
وَقَالَ ابْن حجي عمر الْأَمِير منجك الْمدَارِس والخوانق والخانات وَأصْلح القناطر ومهد السبل والطرقات وَأقَام بالأماكن المخوفة الخفراء
وَقَالَ العلموي كَانَ من الأكابر المعتبرين المعتمدين لَهُ ذكر قديم وَفضل جسيم ومآثر وصدقات وَكَانَ حسن الْمُلْتَقى خُصُوصا لأهل الْعلم وَقَالَ النعيمي جمعت فِي تَرْجَمته كراسة قلت وَلم أرها
стр. 210
شرف الدّين الْأَنْطَاكِي
من مدرسي هَذِه الْمدرسَة شرف الدّين مَحْمُود الْأَنْطَاكِي الْحَنَفِيّ شيخ وقته فِي النَّحْو والتصريف اشْتغل عَلَيْهِ أَعْيَان الْبَلَد وتنبهوا وفضلوا جلس فِي أول الْأَمر لنفع النَّاس وَكَانَ يتَرَدَّد على الأكابر ويقرئهم بِالْأُجْرَةِ وَيشْهد وَيكْتب خطا حسنا وَلَا يزَال فَقِيرا يضْرب بِهِ الْمثل فِي الْفقر وازداد فقره بعد الْفِتْنَة إِلَى أَن كَانَ يلبس عدلا وَكَانَت لَهُ الْيَد الطُّولى فِي النّظم والنثر والتكلم وَكلما ازْدَادَ فضلا ازْدَادَ تأخرا وَكَانَ رث الْهَيْئَة والملبس وَقل نَفعه فِي آخر عمره وَكَانَ فِي غَايَة الظّرْف لَهُ كَلِمَات مأثورة وتنديدات حَسَنَة توفّي سنة خمس عشرَة وَثَمَانمِائَة وَدفن بالصالحية
الْمدرسَة الميطورية
كَانَت بالجانب الشَّرْقِي من جبل الصالحية بَينهَا وَبَين القابون والميطور الشَّرْقِي فِي وَقفهَا ثمَّ هدمت واشتري بَدَلا عَنْهَا مَكَان أَمَام الْجَامِع المظفري بِالْقربِ من التربة الصارمية وَجعل مدرسة وَقد أقفرت الْمدرسَة أَيْضا وَبقيت الْآن خاوية على عروشها مثل غَيرهَا
وَقَالَ الْأَسدي كَانَ الميطور مزرعة ليحيى بن أَحْمد بن يزِيد بن الحكم وَكَانَ لَهُ بِهِ روزنا يسكنهُ وَهُنَاكَ كَانَ مَوضِع الْمدرسَة الميطورية ثمَّ أَنَّهَا فِي سنة إِحْدَى وَعشْرين وَثَمَانمِائَة هدمت وَأخذت أنقاضها وآلاتها وَحصل بِسَبَبِهَا تشنيع كثير على الْفُقَهَاء قَالَ النعيمي ثمَّ اشْترِي مَكَانهَا مَوضِع أَمَام بَاب الْجَامِع المظفري انْتهى
قلت وَقد شاهدتها فَوَجَدتهَا خرابا يبابا وجدارها الشَّرْقِي بَاقٍ لكنه يُرِيد أَن ينْقض وبستان الميطور مَعْرُوف بِأَرْض الصالحية إِلَى يَوْمنَا هَذَا وواقفه الميطورية هِيَ السِّت فَاطِمَة خاتون بنت السلار سنة تسع وَعشْرين وسِتمِائَة والسلار كلمة فارسية مَعْنَاهَا قَائِد الْجَيْش
ودرس بهَا حميد الدّين السَّمرقَنْدِي ثمَّ وَلَده مُحي الدّين ثمَّ مُحي الدّين بن عقبَة
стр. 211
الْمَقْصُورَة الْحَنَفِيَّة
كَانَت هَذِه الْمَقْصُورَة بالجانب الغربي من الْجَامِع الْأمَوِي وَكَانَ محراب الْحَنَفِيَّة فِيمَا سلف بَين بَاب الزِّيَادَة وَهَذِه الْمَقْصُورَة ثمَّ تَغَيَّرت وأوقف بهَا درسا القَاضِي فَخر الدّين كَاتب الممالك وَهُوَ مُحَمَّد بن فضل الله نَاظر الجيوشبمصر أَصله قبْطِي ثمَّ أسلم وأوقف أوقافا كَثِيرَة وَجعل جِهَات احسان وبر إِلَى أهل الْعلم واليه تنْسب الْمدرسَة الفخرية بالقدس توفّي سنة ثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة
حرف النُّون
الْمدرسَة النورية الْكُبْرَى
موضعهَا كَانَ يُسمى بالخواصين وَهِي مَعْرُوفَة الْآن مَشْهُورَة فَلَا نطيل الْكَلَام على وصفهَا قَالَ النعيمي كَانَ موضعهَا قَدِيما دَارا لمعاوية بن أبي سُفْيَان وَكَانَت لمعاوية دَار ثَانِيَة بِبَاب الفراديس تَحت السَّقِيفَة يُقَال أَنَّهَا الدَّار الْمَعْرُوفَة الْآن بِابْن الْمُقدم انْتهى يَعْنِي الْمحلة الَّتِي بهَا الْمدرسَة المقدمية وَيُؤْخَذ من كَلَام الذَّهَبِيّ أَن دَار مُعَاوِيَة بالخواصين صَارَت لهشام وَفِي الْكَوَاكِب الدرية أَنَّهَا صَارَت بعده لِسُلَيْمَان بن عبد الْملك وَلم تزل تنْتَقل من يَد إِلَى يَد إِلَى أَن بنى بَعْضهَا الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل بن نور الدّين مَحْمُود بن زنكي الْمدرسَة الْمَعْرُوفَة الْآن بالنورية بناها لأَصْحَاب الإِمَام أبي حنيفَة ثمَّ نقل وَالِده إِلَيْهَا فدفنه فِي قبر مَعْرُوف بِهِ بعد أَن كَانَ مدفنه فِي القلعة وَفِي الْمدرسَة يَقُول عرقلة الشَّاعِر الْمَشْهُور
(ومدرسة سيدرس كل شَيْء ... وَتبقى فِي حمى علم ونسك)
(تضوع ذكرهَا شرقا وغربا ... بِنور الدّين مَحْمُود بن زنكي)
(يَقُول وَقَوله حق وَصدق ... بِغَيْر كِنَايَة وَبِغير شكّ)
(دمشق فِي الْمَدَائِن بَيت ملكي ... وهذي فِي الْمدَارِس بَيت ملكي)
أَقُول صُورَة مَا هُوَ مَكْتُوب على اسكفة بَابهَا بعد الْبَسْمَلَة
أنشأ هَذِه الْمدرسَة الْمُبَارَكَة الْملك الْعَادِل الزَّاهِد نور الدّين أَبُو الْقَاسِم مَحْمُود بن زنكي ابْن آق سنقر ضاعف الله ثَوَابه ووقفها على أَصْحَاب الإِمَام سراج الْأمة أبي حنيفَة
стр. 212
رَضِي الله عَنهُ ووقف عَلَيْهَا وعَلى الْفُقَهَاء والمتفقهة بهَا جَمِيع الْحمام المستجد بسوق الْقَمْح والحمامين المستجدين بالوراقة ظَاهر بَاب السَّلامَة وَالدَّار الْمُجَاورَة لَهما والوراقة بعونية الْحمى وجسر الْوَزير وَالنّصف وَالرّبع من بُسْتَان الجوزة بالأرزة والإحدى وَالْعِشْرين حانوتا خَارج بَاب الْجَابِيَة والساحة الملاصقة لَهَا من الشرق والستة حقول بداريا على مَا نَص وَشرط فَكتب الْوَقْف رَغْبَة فِي الْآخِرَة وَالثَّوَاب وتقدمة بَين يَدَيْهِ يَوْم الْحساب ﴿فَمن بدله بعد مَا سَمعه فَإِنَّمَا إثمه على الَّذين يبدلونه إِن الله سميع عليم﴾ ٢ / ١٨١ وَذَلِكَ فِي مُدَّة آخرهَا شعْبَان سنة سبع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة
وعَلى تِلْكَ الْمدرسَة الرونق والبهاء وَلَكِن بعض جِيرَانهَا اختلس بعض حجراتها وَهِي الْآن كَبَقِيَّة الْمدَارِس خَالِيَة من طلبة الْعُلُوم الحقيقيين فَلَعَلَّ الزَّمَان يساعدها فَتُصْبِح رَوْضَة زاهرة بِالْعلمِ وَأَهله فَأَنَّهَا تسْتَحقّ ذَلِك
ودرس بهَا فِي أول أمرهَا بهاء الدّين ابْن العقاد ثمَّ ثَلَاثَة بعده ثمَّ وَليهَا جمال الدّين الحصيري ثمَّ وَلَده قوام الدّين ثمَّ أَخُوهُ نظام الدّين ثمَّ خَمْسَة آخِرهم شمس الدّين الصَّفَدِي
تَرْجَمَة بانيها
اخْتلف المؤرخون فِي تعْيين بانيها فَقَالَ فِي الروضتين بنى نور الدّين الْمدرسَة النورية لأَصْحَاب أبي حنيفَة بجوار الخواصين فِي الشَّارِع الغربي وَقَالَ ابْن شَدَّاد أَنْشَأَهَا الْملك نور الدّين قَالَ النعيمي وَفِيه نظر إِنَّمَا الَّذِي أَنْشَأَهَا الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل ابْن نور الدّين مَحْمُود بن زنكي فِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة انْتهى وَالَّذِي فِي العبر للذهبي أَن الَّذِي بناها نور الدّين
ويلوح لي أَن بانيها الأول إِنَّمَا هُوَ نور الدّين وَلَعَلَّ وَلَده بنى التربة الَّتِي بهَا وتمم بعض مَا كَانَ نَاقِصا مِنْهَا فنسبت إِلَيْهِ وأيا مَا كَانَ فعلى روح منشئها الرَّحْمَة والرضوان
الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل
قَالَ تَاج الدّين شاهنشاه بن أَيُّوب فِي تَارِيخه فِي سنة سِتّ وَسبعين وَخَمْسمِائة
стр. 213
توفّي الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل ابْن نور الدّين مَحْمُود بن زنكي بن آقسنقر صَاحب حلب وعمره نَحْو تسع عشرَة سنة وَلما اشْتَدَّ بِهِ مرض القولنج وصف لَهُ الْأَطِبَّاء الْخمر فَمَاتَ وَلم يستعملها وَكَانَ حَلِيمًا عفيف الْيَد والفرج وَاللِّسَان ملازما لأمور الدّين لَا يعرف شَيْئا مِمَّا يتعاطاه الشَّبَاب وَأوصى بِملك حلب إِلَى ابْن عَمه عز الدّين مَسْعُود صَاحب الْموصل فَلَمَّا مَاتَ سَار مَسْعُود وَمُجاهد الدّين قيماز من الْموصل إِلَى حلب وَاسْتقر بملكها ثمَّ كَاتبه أَخُوهُ عماد الدّين زنكي بن مودود صَاحب سنجار فِي أَن يُعْطِيهِ حلب وَيَأْخُذ مِنْهُ سنجار فاشار عَلَيْهِ قيماز بذلك فَلم يُمكن مسعودا إِلَّا مُوَافَقَته فَأجَاب إِلَى ذَلِك فَسَار عماد الدّين إِلَى حلب وتسلمها وَسلم سنجار إِلَى أَخِيه مَسْعُود وَعَاد مَسْعُود إِلَى الْموصل
نور الدّين
قَالَ الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر فِي تَارِيخ دمشق مَحْمُود بن زنكي بن آق سنقر ابْن أبي سعيد قسيم الدولة الذكي الْملك الْعَادِل نور الدّين وناصر أَمِير الْمُؤمنِينَ كَانَ جده آق سنقر قد ولاه السُّلْطَان أَبُو الْفَتْح ملك شاه بن ألب أرسلان حلب وَولي غَيرهَا من بِلَاد الشَّام وَنَشَأ أَبوهُ قسيم الدولة بعده بالعراق وندبه السُّلْطَان مَحْمُود بن مُحَمَّد ابْن ملكشاه بن ألب أرسلان بِرَأْي الْخَلِيفَة المسترشد بِاللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ لولاية ديار الْموصل والبلاد الشامية بعد قتل آقسنقر البرسفي وَمَوْت ابْنه مَسْعُود فظهرت كِفَايَته وَظَهَرت شهامته فِي مُقَابلَة الْعَدو وثبوته عِنْد ظُهُور متملك الرّوم ونزوله على شيزر حَتَّى رَجَعَ إِلَى بِلَاده خائبا وحاصر أَبوهُ قسيم الدولة دمشق مرَّتَيْنِ فَلم يَتَيَسَّر لَهُ فتحهَا وَفتح الرها والمعرة وَكفر طَابَ وَغَيرهَا من الْحُصُون الشامية واستنقذها من أَيدي الْكفَّار
فَلَمَّا انْقَضى اجله قَامَ ابْنه نور الدّين مقَامه فِي ولَايَة الْإِسْلَام ومولده على مَا ذكر لي كَاتبه أَبُو الْيُسْر شَاكر بن عبد الله التنوخي المعري وَقت طُلُوع الشَّمْس من يَوْم الْأَحَد سَابِع عشر شَوَّال سنة إِحْدَى عشرَة وَخَمْسمِائة وَلما راهق لزم خدمَة وَالِده إِلَى أَن انْتَهَت مدَّته لَيْلَة الْأَحَد السَّادِس من شهر ربيع الآخر سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة على قلعة جعر وَكَانَ محاصرا لَهَا وَنقل تابوته إِلَى مشْهد الرقة فَدفن بهَا وسير صبحة الْأَحَد الْملك ألب أرسلان ابْن السُّلْطَان مَحْمُود بن مُحَمَّد إِلَى الْموصل مَعَ
стр. 214
جمَاعَة من أكَابِر دولة أَبِيه وَقَالَ لَهُم أَن وصل أخي سيف الدّين غَازِي إِلَى الْموصل فَهِيَ لَهُ وَأَنْتُم فِي خدمته وان تأخرنا أقرر أُمُور الشَّام وأتوجه إِلَيْكُم ثمَّ قصد حلب وَدخل قلعتها المحروسة على أسعد طَائِر وأيمن بركَة يَوْم الِاثْنَيْنِ سَابِع ربيع الآخر
ورتب فِي القلعة وَالْمَدينَة النواب وأنعم على الْأُمَرَاء وخلع عَلَيْهِم وَكَانَ بعض الْأُمَرَاء قد عمل على أَخذ الرها وَحصل فِي الْبَلَد فَوجه إِلَيْهِ أُمَرَاء دولته حَتَّى استنقذها مِنْهُ وَخرج هَارِبا مِنْهَا وَلما استتب لَهُ الْأَمر ظهر مِنْهُ بذل الِاجْتِهَاد فِي الْقيام بِأَمْر الْجِهَاد والقمع لأهل الْكفْر والعناد وَالْقِيَام بمصالح الْعباد وَخرج غازيا فِي أَعمال ناشر فَافْتتحَ حصونا كَثِيرَة وافتتح قلعة عليم وقلعة عزاز وتل ناشر ودلوك ومرعش وقلعة عينتاب ونهر الْجَوْز وَغير ذَلِك وحصن البارة وقلعة الدلوندان وقلعة تل خَالِد وحصن كفرلانا وحصن سرنوب بجبل بني فامية وغزا حصن أنب فقصده الابرقس متملك أبطاله وَكَانَ من أبطال الْعَدو وشياطينهم فَرَحل عَنْهَا ولقيهم دونهَا فَكَسرهُ وَقَتله وَثَلَاثَة آلَاف إفرنجي مَعَه وَبَقِي ابْنه صَغِيرا مَعَ أمه بإنطاكية وَتَزَوَّجت بابرنس آخر فَخرج نور الدّين فِي بعض غَزَوَاته فَأسر الابرنس الثَّانِي وتملك إنطاكية وَوَقع فِي أسره ابْن الابرنس الأول فِي نوبَة حارم وَبَاعه نَفسه بِمَال عَظِيم أنفقهُ فِي الْجِهَاد
وَأظْهر بحلب السّنة حَتَّى أَقَامَ شَعَائِر الدّين وَغير الْبِدْعَة الَّتِي كَانَت لَهُم فِي الْأَذَان وقمع بهَا الرافضة المبتدعة وَنشر بهَا مَذَاهِب أهل السّنة الْأَرْبَعَة وَأسْقط عَنْهُم جَمِيع الْمُؤَن ومنعهم من النشوب فِي الْفِتَن وَبنى بهَا الْمدَارِس ووقف الْأَوْقَاف وَأظْهر بهَا الْعدْل والإنصاف وَقد كَانَ صَالح الْمعِين الَّذِي كَانَ بدمشقوصاهره وَاجْتمعت كلمتهما على الْعَدو وَلما وازره وحاصر دمشق مرَّتَيْنِ فَلم يَتَيَسَّر لَهُ فتحهَا ثمَّ قَصدهَا الثَّالِثَة فتم لَهُ صلحها وَسلم إِلَيْهِ أَهلهَا الْبَلَد لغلاء الأسعار وَالْخَوْف من استعلاء كلمة الْكفَّار فضبط أمورها وَحسن سورها وَبنى بهَا الْمدَارِس والمساجد وأفاض على أَهلهَا الْفَوَائِد وَأصْلح طرقها ووسع أسواقها وأدر الله على رَعيته ببركته أرزاقها وَبَطل مِنْهَا الْإِنْزَال وَدفع عَن أَهلهَا الأثقال وَمنع مَا كَانَ يَوْمئِذٍ مِنْهُم من المغارم كدار الْبِطِّيخ وسوق البقل وَضَمان النَّهر والكيالة وسوق الْغنم وَغير
стр. 215
ذَلِك من الْمَظَالِم وَأمر بترك مَا كَانَ يُؤْخَذ على الْخمر من المكس وَنهى عَن شربهَا وعاقب عَلَيْهِ بِإِقَامَة الْحَد وَالْحَبْس واستنقذ من الْعَدو ثغر بانياس وَغَيره من المعاقل المنيعة كالمنيطرة وَغَيرهَا بعد الاياس
وَبَلغنِي أَنه فِي الْحَرْب رابط الجأش ثَابت الْقدَم شَدِيد الانكماش حسن الرَّمْي بِالسِّهَامِ صَلِيب الضَّرْب عِنْد ضيق الْمقَام يقدم أَصْحَابه عِنْد الكرة ويحمي منهزمهم عِنْد الفرة ويتعرض بِجهْدِهِ للشَّهَادَة لما يَرْجُو بهَا من كَمَال السَّعَادَة وَلَقَد حكى عَنهُ من خدمه مُدَّة ووازرة على فعل الْخيرَات انه سَمعه يسْأَل الله تَعَالَى أَن يحشره من بطُون السبَاع وحواصل الطير
وَلَقَد أحسن إِلَى الْعلمَاء وَأكْرمهمْ وَقرب المتدينين واحترمهم وتوخى الْعدْل فِي الْأَحْكَام والقضايا وألان كتفه واظهر رأفته بالرعية وَبنى فِي أَكثر مَمْلَكَته دور الْعدْل وأحضر لَهَا الْقُضَاة وَالْفُقَهَاء للفصل وحضرها بِنَفسِهِ فِي أَكثر الْأَوْقَات واستمع من المتظلمين الدَّعَاوَى والبينات طلبا للإنصاف والفصل وحرصا على إِقَامَة الْعدْل
وأدر على الضُّعَفَاء والأيتام الصَّدقَات وتعهد ذَوي الْحَاجة من أولي التعفف بالصلات حَتَّى وقف وقوفا على المرضى والمجانين وَأقَام لَهُم الْأَطِبَّاء والمعالجين وَكَذَلِكَ على جمَاعَة العميان ومعلمي الْخط وَالْقُرْآن وعَلى سَاكِني الْحَرَمَيْنِ ومجاوري المسجدين
وَأكْرم أَمِير الْمَدِينَة الْحُسَيْن وَأحسن إِلَيْهِ وأجرى عَلَيْهِ الضِّيَافَة لما قدم عَلَيْهِ وجهز مَعَه عسكرا لحفظ الْمَدِينَة وَقَامَ لَهُم بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من المؤونة واقطع أَمِير مَكَّة إقطاعا سنيا وَأعْطى كلا مِنْهُمَا مَا يَأْكُلهُ هنيا مريا وَرفع عَن الْحجَّاج مَا كَانَ يُؤْخَذ مِنْهُم من المكس وأقطع أُمَرَاء الْعَرَب الإقطاعات لِئَلَّا يتَعَرَّضُوا للحجاج بالنخس وَأمر بإكمال سور الْمَدِينَة واستخراج الْعين الَّتِي بِأحد وَكَانَت قد دفنتها السُّيُول ودعي لَهُ بالحرمين واشتهر صيته فِي الْخَافِقين وَعمر الرَّبْط والخانقاهات والبيمارستانات وَبنى الجسور فِي الطّرق والخانات
وَنصب جمَاعَة من المعلمين لتعليم يتامى الْمُسلمين وأجرى الأرزاق على معلميهم بِقدر مَا يكفيهم وَكَذَلِكَ صنع لما ملك سنجار وحران والرها والرقة ومنبج وشيزر وحماة وحمص وبعلبك وصرخد وتدمر فَمَا من بلد إِلَّا وَله فِيهِ حسن أثر وَمَا من أَهلهَا أحد إِلَّا نظر لَهُ أحسن نظر
следующие страницы →