← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 6710

منادمة الأطلال ومسامرة الخيال

ابن بدران

Полный текст (418 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الْمَقْصُورَة الْحَنَفِيَّة كَانَت هَذِه الْمَقْصُورَة بالجانب الغربي من الْجَامِع الْأمَوِي وَكَانَ محراب الْحَنَفِيَّة فِيمَا سلف بَين بَاب الزِّيَادَة وَهَذِه الْمَقْصُورَة ثمَّ تَغَيَّرت وأوقف بهَا درسا القَاضِي فَخر الدّين كَاتب الممالك وَهُوَ مُحَمَّد بن فضل الله نَاظر الجيوشبمصر أَصله قبْطِي ثمَّ أسلم وأوقف أوقافا كَثِيرَة وَجعل جِهَات احسان وبر إِلَى أهل الْعلم واليه تنْسب الْمدرسَة الفخرية بالقدس توفّي سنة ثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة حرف النُّون الْمدرسَة النورية الْكُبْرَى موضعهَا كَانَ يُسمى بالخواصين وَهِي مَعْرُوفَة الْآن مَشْهُورَة فَلَا نطيل الْكَلَام على وصفهَا قَالَ النعيمي كَانَ موضعهَا قَدِيما دَارا لمعاوية بن أبي سُفْيَان وَكَانَت لمعاوية دَار ثَانِيَة بِبَاب الفراديس تَحت السَّقِيفَة يُقَال أَنَّهَا الدَّار الْمَعْرُوفَة الْآن بِابْن الْمُقدم انْتهى يَعْنِي الْمحلة الَّتِي بهَا الْمدرسَة المقدمية وَيُؤْخَذ من كَلَام الذَّهَبِيّ أَن دَار مُعَاوِيَة بالخواصين صَارَت لهشام وَفِي الْكَوَاكِب الدرية أَنَّهَا صَارَت بعده لِسُلَيْمَان بن عبد الْملك وَلم تزل تنْتَقل من يَد إِلَى يَد إِلَى أَن بنى بَعْضهَا الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل بن نور الدّين مَحْمُود بن زنكي الْمدرسَة الْمَعْرُوفَة الْآن بالنورية بناها لأَصْحَاب الإِمَام أبي حنيفَة ثمَّ نقل وَالِده إِلَيْهَا فدفنه فِي قبر مَعْرُوف بِهِ بعد أَن كَانَ مدفنه فِي القلعة وَفِي الْمدرسَة يَقُول عرقلة الشَّاعِر الْمَشْهُور (ومدرسة سيدرس كل شَيْء ... وَتبقى فِي حمى علم ونسك) (تضوع ذكرهَا شرقا وغربا ... بِنور الدّين مَحْمُود بن زنكي) (يَقُول وَقَوله حق وَصدق ... بِغَيْر كِنَايَة وَبِغير شكّ) (دمشق فِي الْمَدَائِن بَيت ملكي ... وهذي فِي الْمدَارِس بَيت ملكي) أَقُول صُورَة مَا هُوَ مَكْتُوب على اسكفة بَابهَا بعد الْبَسْمَلَة أنشأ هَذِه الْمدرسَة الْمُبَارَكَة الْملك الْعَادِل الزَّاهِد نور الدّين أَبُو الْقَاسِم مَحْمُود بن زنكي ابْن آق سنقر ضاعف الله ثَوَابه ووقفها على أَصْحَاب الإِمَام سراج الْأمة أبي حنيفَة

стр. 212

رَضِي الله عَنهُ ووقف عَلَيْهَا وعَلى الْفُقَهَاء والمتفقهة بهَا جَمِيع الْحمام المستجد بسوق الْقَمْح والحمامين المستجدين بالوراقة ظَاهر بَاب السَّلامَة وَالدَّار الْمُجَاورَة لَهما والوراقة بعونية الْحمى وجسر الْوَزير وَالنّصف وَالرّبع من بُسْتَان الجوزة بالأرزة والإحدى وَالْعِشْرين حانوتا خَارج بَاب الْجَابِيَة والساحة الملاصقة لَهَا من الشرق والستة حقول بداريا على مَا نَص وَشرط فَكتب الْوَقْف رَغْبَة فِي الْآخِرَة وَالثَّوَاب وتقدمة بَين يَدَيْهِ يَوْم الْحساب ﴿فَمن بدله بعد مَا سَمعه فَإِنَّمَا إثمه على الَّذين يبدلونه إِن الله سميع عليم﴾ ٢ / ١٨١ وَذَلِكَ فِي مُدَّة آخرهَا شعْبَان سنة سبع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة وعَلى تِلْكَ الْمدرسَة الرونق والبهاء وَلَكِن بعض جِيرَانهَا اختلس بعض حجراتها وَهِي الْآن كَبَقِيَّة الْمدَارِس خَالِيَة من طلبة الْعُلُوم الحقيقيين فَلَعَلَّ الزَّمَان يساعدها فَتُصْبِح رَوْضَة زاهرة بِالْعلمِ وَأَهله فَأَنَّهَا تسْتَحقّ ذَلِك ودرس بهَا فِي أول أمرهَا بهاء الدّين ابْن العقاد ثمَّ ثَلَاثَة بعده ثمَّ وَليهَا جمال الدّين الحصيري ثمَّ وَلَده قوام الدّين ثمَّ أَخُوهُ نظام الدّين ثمَّ خَمْسَة آخِرهم شمس الدّين الصَّفَدِي تَرْجَمَة بانيها اخْتلف المؤرخون فِي تعْيين بانيها فَقَالَ فِي الروضتين بنى نور الدّين الْمدرسَة النورية لأَصْحَاب أبي حنيفَة بجوار الخواصين فِي الشَّارِع الغربي وَقَالَ ابْن شَدَّاد أَنْشَأَهَا الْملك نور الدّين قَالَ النعيمي وَفِيه نظر إِنَّمَا الَّذِي أَنْشَأَهَا الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل ابْن نور الدّين مَحْمُود بن زنكي فِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة انْتهى وَالَّذِي فِي العبر للذهبي أَن الَّذِي بناها نور الدّين ويلوح لي أَن بانيها الأول إِنَّمَا هُوَ نور الدّين وَلَعَلَّ وَلَده بنى التربة الَّتِي بهَا وتمم بعض مَا كَانَ نَاقِصا مِنْهَا فنسبت إِلَيْهِ وأيا مَا كَانَ فعلى روح منشئها الرَّحْمَة والرضوان الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل قَالَ تَاج الدّين شاهنشاه بن أَيُّوب فِي تَارِيخه فِي سنة سِتّ وَسبعين وَخَمْسمِائة

стр. 213

توفّي الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل ابْن نور الدّين مَحْمُود بن زنكي بن آقسنقر صَاحب حلب وعمره نَحْو تسع عشرَة سنة وَلما اشْتَدَّ بِهِ مرض القولنج وصف لَهُ الْأَطِبَّاء الْخمر فَمَاتَ وَلم يستعملها وَكَانَ حَلِيمًا عفيف الْيَد والفرج وَاللِّسَان ملازما لأمور الدّين لَا يعرف شَيْئا مِمَّا يتعاطاه الشَّبَاب وَأوصى بِملك حلب إِلَى ابْن عَمه عز الدّين مَسْعُود صَاحب الْموصل فَلَمَّا مَاتَ سَار مَسْعُود وَمُجاهد الدّين قيماز من الْموصل إِلَى حلب وَاسْتقر بملكها ثمَّ كَاتبه أَخُوهُ عماد الدّين زنكي بن مودود صَاحب سنجار فِي أَن يُعْطِيهِ حلب وَيَأْخُذ مِنْهُ سنجار فاشار عَلَيْهِ قيماز بذلك فَلم يُمكن مسعودا إِلَّا مُوَافَقَته فَأجَاب إِلَى ذَلِك فَسَار عماد الدّين إِلَى حلب وتسلمها وَسلم سنجار إِلَى أَخِيه مَسْعُود وَعَاد مَسْعُود إِلَى الْموصل نور الدّين قَالَ الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر فِي تَارِيخ دمشق مَحْمُود بن زنكي بن آق سنقر ابْن أبي سعيد قسيم الدولة الذكي الْملك الْعَادِل نور الدّين وناصر أَمِير الْمُؤمنِينَ كَانَ جده آق سنقر قد ولاه السُّلْطَان أَبُو الْفَتْح ملك شاه بن ألب أرسلان حلب وَولي غَيرهَا من بِلَاد الشَّام وَنَشَأ أَبوهُ قسيم الدولة بعده بالعراق وندبه السُّلْطَان مَحْمُود بن مُحَمَّد ابْن ملكشاه بن ألب أرسلان بِرَأْي الْخَلِيفَة المسترشد بِاللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ لولاية ديار الْموصل والبلاد الشامية بعد قتل آقسنقر البرسفي وَمَوْت ابْنه مَسْعُود فظهرت كِفَايَته وَظَهَرت شهامته فِي مُقَابلَة الْعَدو وثبوته عِنْد ظُهُور متملك الرّوم ونزوله على شيزر حَتَّى رَجَعَ إِلَى بِلَاده خائبا وحاصر أَبوهُ قسيم الدولة دمشق مرَّتَيْنِ فَلم يَتَيَسَّر لَهُ فتحهَا وَفتح الرها والمعرة وَكفر طَابَ وَغَيرهَا من الْحُصُون الشامية واستنقذها من أَيدي الْكفَّار فَلَمَّا انْقَضى اجله قَامَ ابْنه نور الدّين مقَامه فِي ولَايَة الْإِسْلَام ومولده على مَا ذكر لي كَاتبه أَبُو الْيُسْر شَاكر بن عبد الله التنوخي المعري وَقت طُلُوع الشَّمْس من يَوْم الْأَحَد سَابِع عشر شَوَّال سنة إِحْدَى عشرَة وَخَمْسمِائة وَلما راهق لزم خدمَة وَالِده إِلَى أَن انْتَهَت مدَّته لَيْلَة الْأَحَد السَّادِس من شهر ربيع الآخر سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة على قلعة جعر وَكَانَ محاصرا لَهَا وَنقل تابوته إِلَى مشْهد الرقة فَدفن بهَا وسير صبحة الْأَحَد الْملك ألب أرسلان ابْن السُّلْطَان مَحْمُود بن مُحَمَّد إِلَى الْموصل مَعَ

стр. 214

جمَاعَة من أكَابِر دولة أَبِيه وَقَالَ لَهُم أَن وصل أخي سيف الدّين غَازِي إِلَى الْموصل فَهِيَ لَهُ وَأَنْتُم فِي خدمته وان تأخرنا أقرر أُمُور الشَّام وأتوجه إِلَيْكُم ثمَّ قصد حلب وَدخل قلعتها المحروسة على أسعد طَائِر وأيمن بركَة يَوْم الِاثْنَيْنِ سَابِع ربيع الآخر ورتب فِي القلعة وَالْمَدينَة النواب وأنعم على الْأُمَرَاء وخلع عَلَيْهِم وَكَانَ بعض الْأُمَرَاء قد عمل على أَخذ الرها وَحصل فِي الْبَلَد فَوجه إِلَيْهِ أُمَرَاء دولته حَتَّى استنقذها مِنْهُ وَخرج هَارِبا مِنْهَا وَلما استتب لَهُ الْأَمر ظهر مِنْهُ بذل الِاجْتِهَاد فِي الْقيام بِأَمْر الْجِهَاد والقمع لأهل الْكفْر والعناد وَالْقِيَام بمصالح الْعباد وَخرج غازيا فِي أَعمال ناشر فَافْتتحَ حصونا كَثِيرَة وافتتح قلعة عليم وقلعة عزاز وتل ناشر ودلوك ومرعش وقلعة عينتاب ونهر الْجَوْز وَغير ذَلِك وحصن البارة وقلعة الدلوندان وقلعة تل خَالِد وحصن كفرلانا وحصن سرنوب بجبل بني فامية وغزا حصن أنب فقصده الابرقس متملك أبطاله وَكَانَ من أبطال الْعَدو وشياطينهم فَرَحل عَنْهَا ولقيهم دونهَا فَكَسرهُ وَقَتله وَثَلَاثَة آلَاف إفرنجي مَعَه وَبَقِي ابْنه صَغِيرا مَعَ أمه بإنطاكية وَتَزَوَّجت بابرنس آخر فَخرج نور الدّين فِي بعض غَزَوَاته فَأسر الابرنس الثَّانِي وتملك إنطاكية وَوَقع فِي أسره ابْن الابرنس الأول فِي نوبَة حارم وَبَاعه نَفسه بِمَال عَظِيم أنفقهُ فِي الْجِهَاد وَأظْهر بحلب السّنة حَتَّى أَقَامَ شَعَائِر الدّين وَغير الْبِدْعَة الَّتِي كَانَت لَهُم فِي الْأَذَان وقمع بهَا الرافضة المبتدعة وَنشر بهَا مَذَاهِب أهل السّنة الْأَرْبَعَة وَأسْقط عَنْهُم جَمِيع الْمُؤَن ومنعهم من النشوب فِي الْفِتَن وَبنى بهَا الْمدَارِس ووقف الْأَوْقَاف وَأظْهر بهَا الْعدْل والإنصاف وَقد كَانَ صَالح الْمعِين الَّذِي كَانَ بدمشقوصاهره وَاجْتمعت كلمتهما على الْعَدو وَلما وازره وحاصر دمشق مرَّتَيْنِ فَلم يَتَيَسَّر لَهُ فتحهَا ثمَّ قَصدهَا الثَّالِثَة فتم لَهُ صلحها وَسلم إِلَيْهِ أَهلهَا الْبَلَد لغلاء الأسعار وَالْخَوْف من استعلاء كلمة الْكفَّار فضبط أمورها وَحسن سورها وَبنى بهَا الْمدَارِس والمساجد وأفاض على أَهلهَا الْفَوَائِد وَأصْلح طرقها ووسع أسواقها وأدر الله على رَعيته ببركته أرزاقها وَبَطل مِنْهَا الْإِنْزَال وَدفع عَن أَهلهَا الأثقال وَمنع مَا كَانَ يَوْمئِذٍ مِنْهُم من المغارم كدار الْبِطِّيخ وسوق البقل وَضَمان النَّهر والكيالة وسوق الْغنم وَغير

стр. 215

ذَلِك من الْمَظَالِم وَأمر بترك مَا كَانَ يُؤْخَذ على الْخمر من المكس وَنهى عَن شربهَا وعاقب عَلَيْهِ بِإِقَامَة الْحَد وَالْحَبْس واستنقذ من الْعَدو ثغر بانياس وَغَيره من المعاقل المنيعة كالمنيطرة وَغَيرهَا بعد الاياس وَبَلغنِي أَنه فِي الْحَرْب رابط الجأش ثَابت الْقدَم شَدِيد الانكماش حسن الرَّمْي بِالسِّهَامِ صَلِيب الضَّرْب عِنْد ضيق الْمقَام يقدم أَصْحَابه عِنْد الكرة ويحمي منهزمهم عِنْد الفرة ويتعرض بِجهْدِهِ للشَّهَادَة لما يَرْجُو بهَا من كَمَال السَّعَادَة وَلَقَد حكى عَنهُ من خدمه مُدَّة ووازرة على فعل الْخيرَات انه سَمعه يسْأَل الله تَعَالَى أَن يحشره من بطُون السبَاع وحواصل الطير وَلَقَد أحسن إِلَى الْعلمَاء وَأكْرمهمْ وَقرب المتدينين واحترمهم وتوخى الْعدْل فِي الْأَحْكَام والقضايا وألان كتفه واظهر رأفته بالرعية وَبنى فِي أَكثر مَمْلَكَته دور الْعدْل وأحضر لَهَا الْقُضَاة وَالْفُقَهَاء للفصل وحضرها بِنَفسِهِ فِي أَكثر الْأَوْقَات واستمع من المتظلمين الدَّعَاوَى والبينات طلبا للإنصاف والفصل وحرصا على إِقَامَة الْعدْل وأدر على الضُّعَفَاء والأيتام الصَّدقَات وتعهد ذَوي الْحَاجة من أولي التعفف بالصلات حَتَّى وقف وقوفا على المرضى والمجانين وَأقَام لَهُم الْأَطِبَّاء والمعالجين وَكَذَلِكَ على جمَاعَة العميان ومعلمي الْخط وَالْقُرْآن وعَلى سَاكِني الْحَرَمَيْنِ ومجاوري المسجدين وَأكْرم أَمِير الْمَدِينَة الْحُسَيْن وَأحسن إِلَيْهِ وأجرى عَلَيْهِ الضِّيَافَة لما قدم عَلَيْهِ وجهز مَعَه عسكرا لحفظ الْمَدِينَة وَقَامَ لَهُم بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من المؤونة واقطع أَمِير مَكَّة إقطاعا سنيا وَأعْطى كلا مِنْهُمَا مَا يَأْكُلهُ هنيا مريا وَرفع عَن الْحجَّاج مَا كَانَ يُؤْخَذ مِنْهُم من المكس وأقطع أُمَرَاء الْعَرَب الإقطاعات لِئَلَّا يتَعَرَّضُوا للحجاج بالنخس وَأمر بإكمال سور الْمَدِينَة واستخراج الْعين الَّتِي بِأحد وَكَانَت قد دفنتها السُّيُول ودعي لَهُ بالحرمين واشتهر صيته فِي الْخَافِقين وَعمر الرَّبْط والخانقاهات والبيمارستانات وَبنى الجسور فِي الطّرق والخانات وَنصب جمَاعَة من المعلمين لتعليم يتامى الْمُسلمين وأجرى الأرزاق على معلميهم بِقدر مَا يكفيهم وَكَذَلِكَ صنع لما ملك سنجار وحران والرها والرقة ومنبج وشيزر وحماة وحمص وبعلبك وصرخد وتدمر فَمَا من بلد إِلَّا وَله فِيهِ حسن أثر وَمَا من أَهلهَا أحد إِلَّا نظر لَهُ أحسن نظر

стр. 216

وَحصل الْكثير من كتب الْعُلُوم ووقفها على طلابها وَأقَام عَلَيْهَا الْحفظَة من أَهلهَا وأربابها وجدد كثيرا من قني السَّبِيل وَهدى بِجهْدِهِ إِلَى سَوَاء السَّبِيل وأجهد نَفسه فِي جِهَاد أَعدَاء الله وَبَالغ فِي حربهم وَتحصل فِي أسره جمَاعَة من أُمَرَاء الإفرنج كجوسلين وَابْنه وَابْن القنس وقومس اطرابلس وَجَمَاعَة من حزبهم وَكَانَ متملك الرّوم قد خرج من قسطنطينية وَتوجه إِلَى الشَّام طامعا فِي تسلم إنطاكية فَشَغلهُ عَن مرامه الَّذِي رامه بالمراسلة إِلَى أَن وصل أَخُوهُ قطب الدّين فِي جنده من المواصلة وَجمع لَهُ الجيوش والعساكر وَأنْفق فيهم الْأَمْوَال والذخائر فأيس الرُّومِي من بُلُوغ مَا كَانَ يَرْجُو وَتمنى مِنْهُ الْمُصَالحَة عساه ينجو فاستقر رُجُوعه إِلَى بِلَاده ذَاهِبًا فَرجع من حَيْثُ جَاءَ خائبا وَلم يقتل بِالشَّام مَعَ كَثْرَة عسكره مَقْتَله وَلم يرع فِيهَا من زرع خَادِم أَو أَمِير سنبله وَحمل إِلَى بَيت مَال الْمُسلمين من التحف مَا حمل وَلم يبلغ وضل مَا عمل وغزا مَعَه أَخُوهُ قطب الدّين فِي عَسْكَر الْموصل وَغَيرهم من الْمُجَاهدين فَكسر الإفرنج وَالروم والأرمن على حارم وأذاقهم كؤوس الْمنية بالأسنة والصوارم فأبادهم حَتَّى لم يفلت مِنْهُم غير الشَّديد الذاهل وَكَانَت عدتهمْ ثَلَاثِينَ ألفا بَين فَارس وراجل ثمَّ نزل على قلعة حارم فافتتحها ثَانِيَة وحواها وَأخذ أَكثر قرى إنطاكية وسبى أَهلهَا وَكَانَ قبل ذَلِك قد كسرهم بِقرب بانياس وَقتل جمَاعَة من أبطالهم وَأسر كثيرا من فرسانهم وَقد كَانَ شاور السَّعْدِيّ أَمِير جيوش مصر فوصل إِلَى جَانِبه مستجيرا لما عاين الذعر فَأحْسن جواره واكرمه وَأظْهر بره واحترمه وَبعث مَعَه جَيْشًا كثيفا ليَرُدهُ إِلَى دَرَجَته فَقتلُوا خَصمه وَلم يَقع مِنْهُ الْوَفَاء بِمَا قرر من جِهَته فاستجاش جَيش الْعَدو طلبا للبقاء فِي السمو ثمَّ وَجه إِلَيْهِ بعد ذَلِك جَيْشًا آخر فأصر على الْمُسَابقَة لَهُ واستنجد بالعدو فانجدوه وَضمن لَهُم الْأَمْوَال الخطيرة حَتَّى عاضدوه وانكفا جَيش الْمُسلمين إِلَى الشَّام رَاجعا وَحدث متملك الإفرنج نَفسه بِملك مصر طامعا فَتوجه إِلَيْهَا بعد عَاميْنِ رَاغِبًا فِي انتهاز الفرصة فاخذ بلبيس وخيم من مصر بالعرصة فَلَمَّا بلغه ذَلِك تدخل جهده فِي تَوْجِيه الْجَيْش إِلَيْهَا وَخَافَ من تسلط عَدو الدّين عَلَيْهَا فَلَمَّا سمع الْعَدو بتوجه جَيْشه رجعُوا خائبين واصبح أَصْحَابه بِمصْر لمن عاندهم غَالِبين وأمل أهل أَعمالهَا بِحُصُول جَيْشه عِنْدهم وَزَالَ عَنْهُم مَا كَانُوا قد خَشوا واطلع من شاور على المخامرة وَأَنه قد راسل الْعَدو طَمَعا مِنْهُ فِي المظافرة وَأرْسل

стр. 217

إِلَيْهِم ليردهم ليدفع جَيش الْمُسلمين بجيشهم فَلَمَّا خيف من شَره ومكره لما عرف من غدره وختره واتضح الْأَمر فِي ذَلِك واستبان تمارض الْأسد ليقتنص الثعلبان فَجْأَة قَاصِدا لعيادته جَارِيا فِي خدمته على عَادَته فَوَثَبَ جرديك وبرحش موليا نور الدّين فقتلا شاورا وأراحا الْبِلَاد والعباد من شَره وَأما شاور فانه أول من تولى الْقَبْض عَلَيْهِ وَمد يَده الْكَرِيمَة إِلَيْهِ بالمكروه وصفي الْأَمر لأسد الدّين وَملك وخلعت عَلَيْهِ الْخلْع وَحل وَاسْتولى أَصْحَابه على الْبِلَاد وَجَرت أُمُوره على السداد وَظَهَرت مِنْهُ حميد السِّيرَة وَحسن الْآثَار وَسَيعْلَمُ الْكَافِر لمن عُقبى الدَّار وَظَهَرت كلمة أهل السّنة بالديار المصرية وخطب فِيهَا للدولة العباسية بعد الْيَأْس وأراح الله من بهَا من الْفِتْنَة وَرفع عَنْهُم المحنة وَمَعَ مَا ذكرت من هَذِه المناقب كلهَا وشرحت من دقها وجلها فانه كَانَ ﵀ حسن الْخط والبنان متأتيا لمعْرِفَة الْعُلُوم بالفهم وَالْبَيَان كثير المطالعة مائلا إِلَى نقل الْكتب مواظبا وحريصا على تَحْصِيل كتب الصِّحَاح وَالسّنَن مُشْتَريا لَهَا بأوفر الاعواض وَالثمن كثير المطالعة للعلوم الدِّينِيَّة مُتبعا للآثار النَّبَوِيَّة مواظبا على الصَّلَوَات فِي الْجَمَاعَات مراعيا لأدائها فِي الْأَوْقَات مُؤديا لفروضها ومسنوناتها مُعظما لَهَا فِي جَمِيع حالاتها عاكفا على تِلَاوَة الْقُرْآن على الْأَيَّام حَرِيصًا على فعل الْخَيْر من الصَّدَقَة وَالصِّيَام كثير الدُّعَاء وَالتَّسْبِيح رَاغِبًا فِي صَلَاة التَّرَاوِيح عفيف الْبَطن والفرج مقتصدا فِي الْإِنْفَاق والخرج متحريا فِي المطاعم والمشارب والملابس متبرئا من التباهي والتمادي والتنافس عريا عَن التكبر والتجبر بَرِيئًا من التطير مَعَ مَا جمع الله لَهُ من الْعقل المتين والرأي الصَّوَاب الرصين والإقتداء بسيرة السّلف الماضين والتشبه بالعلماء وَالصَّالِحِينَ والاقتفاء لسيرة من سلف مِنْهُم فِي خير سمتهم والأتباع لَهُم فِي حفظ حَالهم ووقتهم حَتَّى روى حَدِيث الْمُصْطَفى ﷺ واسمعه وَكَانَ قد استجيز لَهُ مِمَّن سَمعه وَجمعه حرصا مِنْهُ على الْخَيْر فِي نشر السّنة والتحديث ورجاء أَن يكون مِمَّن حفظ على الْأمة أَرْبَعِينَ حَدِيثا لما جَاءَ فِي الحَدِيث فَمن رَآهُ شَاهد من جلال السلطنة وهيبة الْملك مَا يبهره فَإِذا فاوضه رأى من لطافته وتواضعه مَا يحيره وَقد حكى عَنهُ من صَحبه فِي سَفَره وحضره أَنه لم يسمع مِنْهُ كلمة فحش فِي رِضَاهُ وَلَا فِي ضجره وَأَن أشهى مَا يكون إِلَيْهِ كلمة حق يسْمعهَا أَو إرشاد إِلَى سنة يتبعهَا يحب الصَّالِحين ويؤاخيهم ويزور مساكنهم لحسن ظَنّه

стр. 218

فيهم فَإِذا احْتَلَمَ مماليكه أعتقهم وَزوج ذكرانهم بإناثهم ورزقهم وَمَتى تَكَرَّرت الشكاية إِلَيْهِ من أحد ولاته أَمر بالكف من أَذَى من تكلم بشكاية فَمن لم يرجع مِنْهُم إِلَى الْعدْل قابله بِإِسْقَاط الْمرتبَة والعزل وَقد جمع الله لَهُ من شرِيف الْخِصَال مَا ييسر لَهُ جَمِيع مَا يَقْصِدهُ من الْأَعْمَال وَسَهل على يَدَيْهِ فتح الْحُصُون والقلاع وَمكن لَهُ فِي الْبلدَانِ وَالْبِقَاع حَتَّى ملك حصن شيزر وقلعة دوسر وهما من أحصن المعاقل والحصون واحتوى على مَا فيهمَا من الذخر المصون من غير سفك محجمة من دم عَلَيْهِمَا وَلَا قتل أحد من الْمُسلمين بسببهما وَأكْثر مَا أَخذه من الْبلدَانِ تسلمه من أَهله بالأمان ووفى لَهُم بالعهود والأيمان فأوصلهم إِلَى مأمنهم من الْمَكَان وَإِذا اسْتشْهد أحد من أجناده حفظه فِي أَهله وَأَوْلَاده وأجرى عَلَيْهِم الجرايات وَولى من كَانَ أَهلا مِنْهُم للولايات وَكلما فتح الله عَلَيْهِ فتحا وزاده ولَايَة أسقط عَن رَعيته قسطا وَزَادَهُمْ رِعَايَة حَتَّى ارْتَفَعت عَنْهُم الظلامات والمكوس واتضعت فِي جَمِيع ممالكه الغرامات والنحوس وَدرت على رعاياه الأرزاق ونفقت عِنْدهم الْأَسْوَاق وَحصل بَينهم بِيَمِينِهِ الِاتِّفَاق وَزَالَ ببركته العناء والشقاق فان فتكت شرذمة من الملاعين فَأَنَّهَا لما علمت مِنْهُ من الرأفة واللين وَلَو خلط لَهُم شدته بلينه لخاف سطوته الْأسد فِي عرينه فَالله يحقن بِهِ الدِّمَاء ويسكن بِهِ الدهماء ثمَّ قَالَ ابْن عَسَاكِر بعد أَن دَعَا الله لَهُ ومناقبه خطيرة وممادحه كَثِيرَة ذكرت مِنْهَا غيضا من فيض وقليلا من كثير وَقد مدحه جمَاعَة من الشُّعَرَاء فاكثروا وان لم يبلغُوا وصف آلائه بل قصروا وَهُوَ قَلِيل الابتهاج بالشعر زِيَادَة فِي تواضعه لعلو الْقدر انْتهى مَا قَالَه الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر بِحَذْف بعض جمل يسيرَة وَقد حكى فِي خطْبَة تَارِيخه انه جمع مِنْهُ أَولا شَيْئا كثيرا ثمَّ تَركه فَأقبل النَّاس يشوقونه على الْإِتْمَام إِلَى أَن وصل خَبره إِلَى نور الدّين فيحنئذ اهتم بإكماله وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَارِيخه ولي الشَّام سِنِين وجاهد الثغور وانتزع من الصليبيين نيفا وَخمسين مَدِينَة وحصنا وَبنى بيمارستانا بِالشَّام وَعَاهد صَاحب طرابلس بعد أَن قبض عَلَيْهِ على أَن يُطلقهُ بِشَرْط أَن يدْفع ثَلَاثمِائَة ألف دِينَار وَخَمْسمِائة حصان وَخَمْسمِائة زردية وَمثلهَا أتراس وَمثلهَا قنطاريات وَخَمْسمِائة أَسِير مُسلم

стр. 219

وَبِأَن لَا يُغير على بِلَاد الْمُسلمين سبع سِنِين وَسَبْعَة اشهر وَأخذ بَنَاته رهنا على الْوَفَاء مَعَ بعض أَوْلَاد الإفرنج وبطارقتهم وان نكث أراق دِمَاءَهُمْ وعزم على فتح بَيت الْمُقَدّس فَتوفي وَقَالَ الفيلسوف عبد اللَّطِيف الْبَغْدَادِيّ كَانَ نور الدّين يَأْكُل من عمل يَده ينسج تَارَة وَيعْمل عُلَبًا تَارَة ثَانِيَة ويلبس الصُّوف ويلازم السجادة والمصحف وَكَانَ حنفيا ويراعي مذهبي الشَّافِعِي وَمَالك وَقَالَ ابْن الْأَثِير كَانَ نور الدّين كثير اللّعب بالكرة فَكتب إِلَيْهِ رجل يَدعِي الصّلاح يُنكر عَلَيْهِ وَيَقُول تتعب الْخَيل فِي غير فَائِدَة فَكتب إِلَيْهِ بِخَطِّهِ وَالله مَا أقصد اللّعب وَإِنَّمَا نَحن فِي تَعب فَرُبمَا وَقع الصَّوْت فَتكون الْخَيل قد أمنت اهـ قلت وَلم يخل وَقت من اعْتِرَاض بعض من يَدعِي الصّلاح على مَا لَا يعرفونه وَلَا يعنيهم بل يعترضون على الذّرة ويبتلعون الْجَبَل وَمِمَّا يسطر فِي تَارِيخ نور الدّين مَعَ الْفَخر مَا ذكره ابْن الْأَثِير انه كَانَ يَوْمًا يلْعَب فِي ميدان دمشق فَجَاءَهُ رجل وَطَلَبه إِلَى الشَّرْع فجَاء مَعَه إِلَى مجْلِس الشَّرِيعَة وَكَانَ بِهِ القَاضِي مجد الدّين الشهرزوري فَأرْسل إِلَيْهِ السُّلْطَان حَاجِبه يَقُول للْقَاضِي لَا تنزعج واسلك مَعَه مَا تسلكه مَعَ آحَاد النَّاس فَلَمَّا حضر سوى بَينه وَبَين خَصمه فتحاكما فَلم يثبت للرجل عَلَيْهِ حق وَكَانَ يَدعِي ملكا فِي يَد نور الدّين فَلَمَّا فرغت المحاكمة قَالَ هَل ثَبت لَهُ حق قَالُوا لَا قَالَ فَاشْهَدُوا عَليّ أَنِّي قد وهبت لَهُ مَا ادّعى بِهِ وَإِنَّمَا حضرت مَعَه لِئَلَّا يُقَال عني أَنِّي دعيت إِلَى الشَّرْع فأبيت وَدخل بَيته يَوْمًا فَرَأى مَالا كثيرا فَسَأَلَ عَنهُ فَقَالُوا لَهُ بعث بِهِ القَاضِي كَمَال الدّين من فائض الْأَوْقَاف فَقَالَ ردُّوهُ وَقُولُوا لَهُ أَن رقبتي رقيقَة لَا أقدر على حمله غَدا وَأَنت رقبتك غَلِيظَة تقدر على حمله وَلما قدم أمراؤه دمشق اقتنوا الْأَمْوَال واستطالوا على النَّاس وَكَانَ أعظمهم استطالة شيركوه فَبنى السُّلْطَان دَار الْعدْل وَكَانَ يحضرها فِي الْأُسْبُوع أَربع مَرَّات ويحضر مَعَه الْعلمَاء وَالْفُقَهَاء وَيَأْمُر بِإِزَالَة الْحجاب والبوابين فانتصف أمراؤه من أنفسهم خوفًا من دَار الْعدْل وَالسُّلْطَان وَلما وَقع ملك الإفرنج فِي أسره أطلقهُ على ثَلَاثمِائَة ألف وَبنى بهَا البيمارستان الْمَشْهُور فِي دمشق وَجعله على كَافَّة النَّاس من غَنِي وفقير وَبنى بهَا أَيْضا الْمدرسَة النورية وَدَار الحَدِيث الْمَار ذكرهَا

стр. 220

قَالَ ابْن وَاصل كَانَ السُّلْطَان من أقوى النَّاس بدنا وَقَلْبًا وانه لم ير على ظهر فرس أَشد مِنْهُ كَأَنَّمَا خلق عَلَيْهِ فَلَا يَتَحَرَّك وَكَانَ إِذا حضر الْقِتَال أَخذ قوسين وتركاشين وباشر الْقِتَال بِنَفسِهِ وَكَانَ يَقُول طالما تعرضت للشَّهَادَة فَلم أدْركهَا قَالَ الذَّهَبِيّ قلت وَقد أدْركهَا على فرَاشه وَبَقِي ذَلِك فِي أَفْوَاه النَّاس تراهم يَقُولُونَ نور الدّين الشَّهِيد وَمَا شَهَادَته إِلَّا بالخوانيق قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ كَانَ السُّلْطَان يخيط الكوافي وَيعْمل السكاكر ويعطيها للعجائز فتبيعها لَهُ سرا وَكَانَ يَوْم يَصُوم يفْطر على أثمانها قَالَ ابْن كثير وَكَانَ يجلس يَوْم الثُّلَاثَاء بِالْمَسْجِدِ الْمُعَلق الَّذِي بالكشك ليصل إِلَيْهِ كل أحد من الْمُسلمين وَأهل الذِّمَّة وَقد عمد إِلَى الْأَوْقَاف الَّتِي لَا يعرف واقفها وَلَا تعرف شروطهم فِيهَا فأضافها إِلَى أوقاف الْجَامِع وَجعلهَا قَلما وَاحِدًا سَمَّاهُ قلم الْمصَالح ورتب مِنْهُ مُرَتبا لِذَوي الْحَاجَات من الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين والأرامل والأيتام وَمَا أشبه ذَلِك قَالَ الصّلاح الكتبي فِي تَارِيخه كَانَ نور الدّين يحلف بِاللَّه أَن جَمِيع مَا بناه من الْمدَارِس والأوقاف والربط وَغَيره إِنَّمَا هُوَ من مَال المفاداة يَوْم قارم وَلَيْسَ فِيهَا من بَيت المَال الدِّرْهَم الْفَرد هَذَا مَا قصدناه من تَرْجَمَة نور الدّين وَمن أَرَادَ الزِّيَادَة فَعَلَيهِ بالبرق الشَّامي وَغَيره من مؤلفات الْعِمَاد الْكَاتِب وبالروضتين لأبي شامة والدر الثمين وَالْكَوَاكِب الدرية للأسدي ويجدر بِي الْآن أَن أذكر حِكَايَة قد تداولتها السن النَّاس فزادوا بهَا وَأَكْثرُوا وغيروا وبدلوا وَكَثِيرًا مَا كنت أسمعها من وَالِدي مُغيرَة مبدلة وأدأب فِي التنقيب عَنْهَا حَتَّى ظَفرت بهَا فِي كتاب تحفة الْأَنَام للبصروي فنقلتها كَمَا رَأَيْتهَا والعهدة على الرَّاوِي قَالَ أَن السُّلْطَان نور الدّين رأى لَيْلَة النَّبِي ﷺ فِي مَنَامه يَقُول لَهُ يَا مَحْمُود أَلِي من هذَيْن وَأَشَارَ إِلَى اثْنَيْنِ فِي زِيّ الْعَجم فَاسْتَيْقَظَ من مَنَامه فَزعًا مَرْعُوبًا ثمَّ تَكَرَّرت الرُّؤْيَا ثَلَاثًا فتحركت همته للسَّفر فأحضر الهجن وركبها مَعَ فرقة قَليلَة من الْعَسْكَر وَسَار مسرعا حَتَّى وافى الْمَدِينَة واظهر أَنه يُرِيد الزِّيَارَة فزار الْمَسْجِد وَجلسَ لَا يدْرِي مَاذَا يصنع فَقَالَ لَهُ وزيره أتعرف الشخصين إِذا

стр. 221

رايتهما قَالَ نعم فَطلب النَّاس للصدقة وَفرق عَلَيْهِم الذَّهَب وَالْفِضَّة ثمَّ قَالَ لَا يتَخَلَّف أحد من أهل الْمَدِينَة فجاؤوا كلهم وَقَالُوا لَهُ لم يبْق إِلَّا رجلَانِ مجاوران من أهل الأندلس نازلان فِي النَّاحِيَة الَّتِي تلِي قبلي الْحُجْرَة خَارج رَأس عمر بن الْخطاب الَّتِي تعرف الْيَوْم بدار الْعشْرَة فطلبهم اللصدقة فامتنعا وَقَالا نَحن على كِفَايَة مَا نقبل شَيْئا فجد فِي طلبهما فجيء بهما فَلَمَّا رآهما عرفهما وَقَالَ للوزير هَذَانِ هما فَسَأَلَهُمَا عَن حَالهمَا وَمَا جَاءَ بهما فَقَالَا لمجاورة النَّبِي ﷺ فَقَالَ اصدقاني وتكرر السُّؤَال حَتَّى أفْضى الْحَال إِلَى معاقبتهما فَأقر أَنَّهُمَا من النَّصَارَى وأنهما أَتَيَا لكَي ينقلا النَّبِي ﷺ من هَذِه الْحُجْرَة الشَّرِيفَة بالِاتِّفَاقِ مَعَ ملوكهما ووجدهما قد نقبا نقبا تَحت الأَرْض من تَحت حَائِط الْمَسْجِد القبلي وهما واصلان إِلَى جِهَة الْحُجْرَة وَقد جعلا التُّرَاب فِي بِئْر عِنْدهمَا فِي الْبَيْت الَّذِي هما فِيهِ فَضرب عنقيهما عِنْد الشباك الَّذِي فِي حجرَة النَّبِي ﷺ خَارج الْمَسْجِد ثمَّ احرقهما بالنَّار آخر النَّهَار ثمَّ ركب مُتَوَجها إِلَى الشَّام فصاح من كَانَ نازلا نَازل خَارج السُّور واستغاثوا وطلبوا أَن يَبْنِي لَهُم سورا يحفظ أَبْنَاءَهُم ومواشيهم فَأمر بِبِنَاء هَذَا السُّور المجدد الْيَوْم فَبنِي سنة ثَمَان وَخمسين وَخَمْسمِائة وَكتب اسْمه على بَاب البقيع فَهُوَ بَاقٍ إِلَى الْيَوْم هَذَا مَا قَالَه البصروي فِي تحفته وَالله أعلم الْمدرسَة النورية الصُّغْرَى هِيَ بِجَامِع قلعة دمشق كَذَا فِي تَنْبِيه الطَّالِب وَقَالَ العلموي هِيَ تجاه قلعة دمشق بناها السُّلْطَان نور الدّين الْمُتَقَدّم درس بهَا بهاء الدّين بن عَيَّاش ثمَّ بعده تِسْعَة انفس آخِرهم عماد الدّين الطرسوسي أَقُول أيا مَا كَانَت فَلم أر لمكانها أثرا فان كَانَت فِي جَامع القلعة فلعلها كَانَت حَلقَة أَو هِيَ مقَام الصَّحَابِيّ الْجَلِيل أبي الدَّرْدَاء وان كَانَت تجاه القلعة فإمَّا أَن يَعْنِي بهَا مدرسة دَار الحَدِيث النورية الْمُتَقَدّم ذكرهَا وَأما أَن تكون أدخلت فِي الْجَامِع الْمُسَمّى الْآن بسيدي خَلِيل لِأَن بناءه يدل على أَنه مدرسة وَأما أَن تكون أَيدي الزَّمَان تلاعبت بهَا كَمَا تلاعبت بغَيْرهَا فجعلتها دَارا أَو دكانا أَو غير ذَلِك وَالله أعلم

стр. 222

حرف الْيَاء الْمدرسَة اليغمورية قَالَ فِي تَنْبِيه الطَّالِب هِيَ بالصالحية للحنفية وَلم أَقف على تَرْجَمَة بانيها وَلَكِن قَالَ فِي العبر فِي حوادث سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وسِتمِائَة جمال الدّين ين يغمور البارومي ولد بالصعيد سنة تسع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة وَكَانَ من أَعْيَان الْأُمَرَاء ولي نِيَابَة مصر ونيابة دمشق قَالَ ابْن كثير دخل ابْن يغمور دمشق من جِهَة الْملك الصَّالح أَيُّوب فَنزل دَاخل بَاب الْجَابِيَة وَأمر النَّائِب بتخريب الدكانين المحدثة فِي وسط بَاب الْبَرِيد وَأمر أَن لَا يبْقى فِيهِ دكانين سوى مَا فِي جانبيه إِلَى جَانب الحائطين القبلي والشمالي وَأَن يهدم مَا فِي وسط الطَّرِيق فهدم اهـ قَالَ الْعَدوي فِيمَا كتبه زِيَادَة على العلموي اليغمورية هِيَ بالسكة غربي الصالحية بِالْقربِ من خَان السَّبِيل من جِهَة الغرب بقبلة وَقَالَ ابْن كثير أَيْضا وَفِي السّنة الْمَذْكُورَة أرسل الصَّالح أَيُّوب إِلَى نَائِبه ابْن يغمور بِدِمَشْق أَن يخرب دَار أُسَامَة المنسوبة إِلَى النَّاصِر وَأَن يَأْتِي بستانا بالقابون وَهُوَ بُسْتَان الْقصر فَيقطع أشجاره ويهدم الْقصر وَرَأَيْت فِي زيادات الْعَدوي أَن الْمدرسَة اليغمورية تشْتَمل على حرم بشباكين مطلين على نهر يزِيد وَبَاب يفتح إِلَى الشمَال قدامه ثَلَاث قناطير وبشرقها أيونان لطيفان وبئر مَاء ينْتَفع النَّاس بِهِ أَيَّام انْقِطَاع النَّهر وشمالي هَذِه القناطر الطَّرِيق السالك وَكَانَت لم تزل مغلوقة إِلَى أَن سكن الشَّيْخ مُحَمَّد بن رَمَضَان الْحَنَفِيّ تِلْكَ الْمحلة فَفَتحهَا ودرس بهَا انْتهى أَقُول أما الْآن فقد اندرست آثارها وَلم يبْق من أطلالها إِلَّا حِجَارَة ضخمة فِي أساس أبنية بنيت على أنقاضها قَالَ لَهَا المختلسون كوني دورا فَكَانَت وَأما خَان السَّبِيل فَلم يزل مَوْجُودا إِلَى الْآن فسبحان الدَّائِم الْبَاقِي وَهَذَا آخر الْكَلَام على مدارس الْحَنَفِيَّة

стр. 223

الْبَاب الْخَامِس فِي مدارس الْمَالِكِيَّة من الْهمزَة إِلَى الرَّاء مهمل حرف الزَّاي الزاوية هِيَ ملاصقة للمقصورة الْحَنَفِيَّة فِي الْجَامِع الغربي من الْجَامِع الْأمَوِي والمقاصير قد تَغَيَّرت والأوضاع تلاشت وَقد جَاءَ زمن غير ذَلِك الزَّمن فَلَا حَاجَة إِلَى كَثْرَة التنقيب عَن أَمْثَال هَذِه الْمَوَاضِع بعد مَا احْتَرَقَ الْجَامِع مرار واعتراه الْهدم والحريق أَيَّام تيمورلنك وَغَيره واقفها أوقفها السُّلْطَان الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب الْمَشْهُور ودرس بهَا جمال الدّين ابْن الْحَاجِب وَجَمَاعَة كَثِيرُونَ ابْن الْحَاجِب هُوَ أَبُو عَمْرو بن عمر بن أبي بكر بن يُونُس الرولي ثمَّ الْمصْرِيّ قَالَ ابْن كثير فِي تَارِيخه فِي حوادث سنة سِتّ وَأَرْبَعين وسِتمِائَة كَانَ أَبوهُ حاجبا للأمير عز الدّين موسك الصلاحي وَكَانَ كرديا واشتغل هُوَ بِالْعلمِ وَقَرَأَ الْقُرْآن وحرر النَّحْو تحريرا بليغا وتفقه وساد أهل عصره وَكَانَ رَأْسا فِي عُلُوم كَثِيرَة مِنْهَا الْأُصُول وَالْفُرُوع والعربية والنحو والتصريف وَالْعرُوض وَالتَّفْسِير وَغير ذَلِك وَكَانَ قد استوطن دمشق سنة سبع عشرَة وسِتمِائَة ودرس بهَا للمالكية فِي الْجَامِع حَتَّى كَانَ خُرُوجه صُحْبَة الشَّيْخ عز الدّين بن عبد السَّلَام سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ فَسَار إِلَى الديار المصرية فَتوفي بالإسكندرية وَدفن بالمقبرة الَّتِي بَين المنارة والبلد

стр. 224

قَالَ أَبُو شامة وَكَانَ من أذكى الْأمة قريحة ثِقَة حجَّة متواضعا عفيفا كثير الْحيَاء منصفا محبا للْعلم وَأَهله ناشرا لَهُ مُحْتملا للأذى صبورا على الْبلوى وَله مُخْتَصر فِي فقه مَالك من أحسن المختصرات ومختصر فِي أُصُوله استوعب فِيهِ عَامَّة فَوَائِد الْأَحْكَام لسيف الدّين الْآمِدِيّ وَله الْأَمَانِي فِي الحَدِيث وَفِي النَّحْو وَله شرح الْمفصل للزمخشري والمقدمة الْمَشْهُورَة فِي النَّحْو اختصر فِيهَا الْمفصل وَشَرحه وَله الشَّافِعِيَّة وَشَرحهَا وقصيدة فِي الْعرُوض على وزن الشاطبية وَقَالَ ابْن خلكان فِي تَارِيخه كَانَ ابْن الْحَاجِب مالكيا وأتقن عُلُوم الْقُرْآن غَايَة الإتقان وَلما درس بِجَامِع دمشق فِي زَاوِيَة الْمَالِكِيَّة أكب الْخلق على الِاشْتِغَال عَلَيْهِ وَالْتزم لَهُم الدُّرُوس وتبحر فِي الْفُنُون وَكَانَ الْأَغْلَب علم الْعَرَبيَّة قَالَ وكل تصانيفه فِي غَايَة الْحسن والإفادة وَخَالف النُّحَاة فِي مَوَاضِع وَأورد عَلَيْهِم اشكالات والزامات تبعد الْإِجَابَة عَنْهَا وَكَانَ من أحسن خلق الله ذهنا ثمَّ عَاد إِلَى الْقَاهِرَة وَأقَام بهَا وَالنَّاس ملازمون للاشتغال عَلَيْهِ ثمَّ انْتقل للإسكندرية للإقامة بهَا فَلم تطل مدَّته هُنَاكَ وَتُوفِّي بهَا سنة سِتّ وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَكَانَ مولده فِي آخر سنة سبعين وَخَمْسمِائة بأسنا وَهِي بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة بليدَة صَغِيرَة من أَعمال القوصية بالصعيد الْأَعْلَى من مصر حرف الشين من الزَّاي إِلَى الشين مهمل الْمدرسَة الشرابيشية عرف النعيمي مَكَانهَا بِأَنَّهَا بدرب الشعارين لصيق حمام صَالح شمَالي الطيوريين دَاخل بَاب الْجَابِيَة أَنْشَأَهَا شهَاب الدّين ابْن نور الدولة بن محَاسِن الشرابيشي التَّاجِر السفار سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة درس بهَا تَاج الدّين الزواوي ثمَّ صدر الدّين الْبَارِزِيّ قَالَ البرزالي وَفِي السّنة الْمَذْكُورَة توفّي أَحْمد ابْن نور الدولة الْمَذْكُور وَدفن بِالْمَكَانِ الَّذِي أوقفهُ وَالِده خَارج الْبَاب الصَّغِير قبالة جَامع جراح

стр. 225

حرف الصَّاد الْمدرسَة الصلاحية أَنْشَأَهَا السُّلْطَان صَلَاح الدّين بِالْقربِ من البيمارستان النوري وسماها ابْن قَاضِي شُهْبَة بالنورية وَهِي الْيَوْم دور ومساكن وبابها يظْهر ف جدارها الجنوبي لكنه خَفِي ولسوف يَزُول ودرس بهَا أَيَّام حَيَاتهَا جمال الدّين الْمَعْرُوف بِحِمَار الْمَالِكِيَّة ثمَّ الْعَلامَة ابْن الْحَاجِب ثمَّ زين الدّين الزواوي ثمَّ جمال الدّين الزواوي الْمدرسَة الصمصامية بمحلة حجر الذَّهَب شَرْقي دَار الْقُرْآن الوجيهية وقبلي المسروية الشَّافِعِيَّة وشمالي الخاتونية العصمية الْحَنَفِيَّة قَالَ العلموي وَهِي الَّتِي وضع يَده عَلَيْهَا سِنَان الرُّومِي نَاظر البيمارستان فِي حُدُود ثَمَانِي وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة والآن لَا يعرف مَكَان الصمصامية وَقَالَ المحبي فِي تَارِيخه فِي تَرْجَمَة احْمَد بن سِنَان صَاحب التَّارِيخ الْمَشْهُور بالقرماني قدم أَبوهُ سِنَان إِلَى دمشق وَولي نظارة البيمارستان ونظارة الْجَامِع الْأمَوِي وانتقد عَلَيْهِ أَنه بَاعَ بسطا للجامع الْأمَوِي وحصرا وانه خرب مدرسة الْمَالِكِيَّة بِالْقربِ من البيمارستان النوري وتعرف بالصمصامية وَحصل بِهِ الضَّرَر فِي مدرسة النورية ببعلبك فَقتل بِسَبَب هَذِه الْأُمُور هُوَ وناظر السليمية حُسَيْن فِي يَوْم الْخَمِيس رَابِع عشر شَوَّال سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة جَمِيعًا مَعًا بدار السَّعَادَة بشاشيهما وعمامتهما على رأسهما انْتهى فَقَوْل العلموي سنة ثَمَانِي وَسِتِّينَ سَهْو أَو غلط من النَّاسِخ وَأما حجر الذَّهَب فَهُوَ اسْم لمحلة بِالْقربِ من البيمارستان النوري كَمَا فِي المحبي ووقف درسا عَلَيْهَا الصاحب شمس الدّين غبريال سنة سبع عشرَة وَسَبْعمائة وَتُوفِّي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة وَلم يذكر النعيمي وَلَا العلموي اسْم بانيها قلت والوجيهية والمسرورية والخاتونية ووالصمصامية صَارَت دورا وانمحت آثارها فالتطويل فِي تراجمها لَا يجدي نفعا وَهَذَا آخر الْكَلَام على مدارس الْمَالِكِيَّة

стр. 226

الْبَاب السَّادِس فِي مدارس الْحَنَابِلَة حرف الْجِيم وَمَا قبله مهمل الْمدرسَة الجوزية هِيَ بالبزورية الْمُسَمّى قَدِيما بسوق الْقَمْح وَقد اختلس جِيرَانهَا معظمها وَبَقِي مِنْهَا الى الْآن بَقِيَّة ثمَّ صَارَت محكمَة الى سنة سبع وَعشْرين وثلاثمائة بعد الْألف وَهِي الْآن مقفلة لَا نَدْرِي مَا يصنع بهَا الزَّمَان فِيمَا بعد ودرس بهَا ابْن المنجا وَالْجمال المرداوي وَابْن قَاضِي الْجَبَل والبرهان ابْن مُفْلِح وَغَيرهم قَرَأت كِتَابَة على حجر مَوْضُوع فِي أُسْكُفَّة احدى حجراتها فَإِذا فِيهِ فرغ من عمل هَذِه الْمدرسَة الْمُبَارَكَة سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وسِتمِائَة تقبل الله من منشئها الصاحب مُحي الدّين رَحمَه الله تَعَالَى تَرْجَمَة واقفها يُوسُف بن عبد الرَّحْمَن بن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبيد الله بن عبد الله الْجَوْزِيّ الْقرشِي الْبكْرِيّ الْبَغْدَادِيّ الْفَقِيه الأصولي الْوَاعِظ الشَّهِيد قَرَأَ بالروايات واشتغل بالفقه وَالْخلاف وَالْأُصُول وبرع فِي ذَلِك وَكَانَ أمهر من أَبِيه فِيهِ وَأَبوهُ ابْن الْجَوْزِيّ الْمَشْهُور وَوعظ فِي صغره على قَاعِدَة أَبِيه وَعلا امْرَهْ وَعظم شَأْنه وَولي الولايات الجليلة قَالَ الذَّهَبِيّ كَانَ إِمَامًا كَبِيرا وصدرا مُعظما عَارِفًا بِالْمذهبِ كثير الْمَحْفُوظ ذَا سمت ووقار درس وَأفْتى وصنف وَأما رياسته وعقله فمنقولان بالتواتر حَتَّى أَن الْملك الْكَامِل مَعَ عظم سُلْطَانه قَالَ كل أحد يعوز زِيَادَة عقل إِلَّا مُحي الدّين ابْن الْجَوْزِيّ فَإِنَّهُ يعوز نقص عقل وَله تصانيف مِنْهَا معادن الإبريز فِي تَفْسِير الْكتاب الْعَزِيز وَمِنْهَا الْمَذْهَب الأحمد فِي مَذْهَب أَحْمد قَالَ برهَان الدّين بن مُفْلِح فِي الْمَقْصد الأرشد وَلما دخل هولاكو ملك التتار الى بَغْدَاد فَقتل الْخَلِيفَة المستعصم وغالب أَوْلَاده وَقتل مَعَه أَعْيَان الدولة والأمراء

стр. 227

وَشَيخ الشُّيُوخ وَقتل المترجم وَأَوْلَاده الثَّلَاثَة وَذَلِكَ فِي صفر سنة سِتّ وَخمسين وسِتمِائَة بِظَاهِر سور كلواذا وَقَالَ ابْن كثير كَانَ المترجم أَنْجَب أَوْلَاد الْحَافِظ ابْن الْجَوْزِيّ وأصغرهم وعظ بعد أَبِيه واشتغل وحرر وأتقن وساد أقرانه وباشر حسبَة بَغْدَاد وَكَانَ رَسُول الْخَلِيفَة الى الْمُلُوك بأطراف الْبِلَاد ولاسيما الى بني أَيُّوب بِالشَّام فَحصل مِنْهُم من الْأَمْوَال والكرامات مَا ابتنى مِنْهَا الْمدرسَة الجوزية الَّتِي بِدِمَشْق ثمَّ صَار أستاذ دَار الْخَلِيفَة المستعصم سنة أَرْبَعِينَ وسِتمِائَة وَاسْتمرّ مباشرها الى أَن قتل مَعَ الْخَلِيفَة وَله نظم حسن ومدرسته الَّتِي فِي دمشق من أحسن الْمدَارِس وَقد احترقت فِي سنة عشْرين وَثَمَانمِائَة على مَا ذكره ابْن قَاضِي شُهْبَة ثمَّ أعَاد عمارتها القَاضِي شمس الدّين النابلسي وَبهَا أعادة وَقِرَاءَة حَدِيث وإمامة وَالَّذِي علم من وَقفهَا نصف دير أبي عصرون قَرْيَة عِنْد الْقصير وفدانان بقرية بَالا وَأَرْض بقرية يلدا وترجمه الْحَافِظ ابْن رَجَب وَأطَال فِي مدحه بِالْعلمِ وَالْفضل وَأورد شَيْئا من أشعاره فِي الْغَزل وَقَالَ ولي تدريس المستنصرية وَذكر من مؤلفاته زِيَادَة عَمَّا تقدم كتاب الايضاح فِي الجدل حَادِثَة بَغْدَاد هِيَ الْحَادِثَة الفظيعة وَإِن كَانَ محلهَا الْقسم السياسي فإننا نذكرها هُنَا مختصرة حَسْبَمَا رَوَاهَا عبد الرَّحِيم بن شقدة فِي مُخْتَصر شذرات الذَّهَب لتعلقها بترجمة ابْن الْجَوْزِيّ ونترك بسطها وإيضاحها الى محلهَا فَنَقُول أَن الْخَلِيفَة المستعصم بِاللَّه آخر الْخُلَفَاء بالعراق كَانَ قد استوزر ابْن العلقمي وَكَانَ على مَا ذكره المؤرخون رَافِضِيًّا وَفِي أَيَّامه أهينت الرافضة بالنهب وضياع الْحُقُوق فحقد ابْن العلقمي لذَلِك وأضمر فِي نَفسه أَن يُبدل الْخلَافَة العباسية بخلافة علوِيَّة فَجعل يُرْسل أَخَاهُ ومملوكه الى هولاكو ويشوقه الى امتلاك بَغْدَاد على أَن يكون نَائِبا لَهُ عَلَيْهَا فَفطن لذَلِك لُؤْلُؤ صَاحب الْموصل فَأخذ يهيء للتتار الإقامات والمقابلة ويراسل الْخَلِيفَة سرا فَكَانَ ابْن العلقمي يخفي المكاتبات وَلَا يطلع الْخَلِيفَة عَلَيْهَا وعَلى فرض اطِّلَاعه عَلَيْهَا فَإِنَّهُ لَا يجدي نفعا لقلَّة رَأْيه وتغفله ورد جَمِيع أُمُوره الى وزيره وَلما نجحت حِيلَة ابْن العلقمي بعث ولد مُحي الدّين ابْن الْخَوَارِزْمِيّ رَسُولا الى هولاكو يعده بالأموال والغنائم

стр. 228

فَركب فِي مِائَتي ألف من التتار والكرج ومدد من صَاحب الْموصل مَعَ وَالِده الصَّالح اسماعيل فَخرج ركن الدّين الدوادار وتقابلا فَكَانَت الكسرة للعساكر البغدادية وَنزل جَيش هولاكو فِي شَرْقي بَغْدَاد فاضطرب الْخَلِيفَة لذَلِك وَاسْتَشَارَ ابْن العلقمي فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِأَن يُرْسِلهُ إِلَيْهِم لتقرير الصُّلْح فَخرج وتوثق لنَفسِهِ وَرجع فَقَالَ إِن الْملك قد رغب فِي أَن يُزَوّج ابْنَته بابنك الْأَمِير أبي بكر وَأَن تكون الطَّاعَة لَهُ كَمَا كَانَ أجدادك مَعَ الْمُلُوك السلجوقية ثمَّ يترحل فراجت المكيدة على المستعصم وَخرج فِي أَعْيَان الدولة ثمَّ استدعى الْوَزير الْعلمَاء والرؤساء ليحضروا العقد فَخَرجُوا فَضربت رِقَاب الْجَمِيع وَصَارَ كلما خرجت طَائِفَة تضرب أَعْنَاقهم حَتَّى بقيت الرّعية بِلَا رَاع فَلَمَّا خلا الجو للتتار دخلُوا بَغْدَاد وبذلوا السَّيْف فِي أَهلهَا فاستمر الْقَتْل والسبي نَحْو أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَلم يسلم إِلَّا من اختفى فِي بِئْر أَو قناة وَقتل الْخَلِيفَة رفسا وَيُقَال أَن هولاكو أَمر بعد الْقَتْلَى فَبلغ عَددهمْ ألف ألف وَثَمَانمِائَة ألف وَزِيَادَة وَبعد هَذِه المقتلة نُودي بالأمان وَقَالَ سبط التعاويذي فِي بعض مراثي بَغْدَاد (بادت وأهلوها مَعًا فبيوتهم ... بِبَقَاء مَوْلَانَا الْوَزير خراب) وَمَا ينفع النّدب بعد فقد الْمَيِّت والعويل بعد الخراب والدمار وَلما فرغ هولاكو من فنَاء أهل بَغْدَاد أَقَامَ نوابا على الْعرَاق وَكَانَ ابْن العلقمي حسن لَهُم أَن يجْعَلُوا خَليفَة علويا فَلم يوافقوه واطرحوه وعاملوه مُعَاملَة بعض الغلمان إِلَى أَن مَاتَ حزنا وأسفا وَتلك عَاقِبَة الْخِيَانَة ثمَّ أَن هولاكو أرسل الى النَّاصِر كتابا يتهدده فِيهِ وَيَقُول لَهُ أجب ملك البسيطة وَلَا تقولن قلاعي المانعات ورجالي المقاتلات وَجَرت أُمُور طَوِيلَة نستوفيها فِي الْقسم السياسي من هَذَا الْكتاب إِن شَاءَ الله تَعَالَى الْجمال المرداوي من مدرسي الجوزية يُوسُف بن مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن مَحْمُود المرداوي قَالَ فِي الْمَقْصد الأرشد كَانَ إِمَامًا عَالما عَلامَة صَالحا خَاشِعًا اشْتغل بِالْحَدِيثِ وَالْفِقْه والعلوم وباشر وَظِيفَة قَضَاء الْحَنَابِلَة بِالشَّام سبع عشرَة سنة قَالَ الذَّهَبِيّ فِي المعجم الْمُخْتَص هُوَ الإِمَام الْمُفْتِي الْمصَالح إِمَام فِي الْمَذْهَب

стр. 229

وَله اعتناء بِالْمَتْنِ والإسناد وَقَالَ ابْن حجي كَانَ عفيفا ورعا صَالحا ناسكا خَاشِعًا ذَا سمت ووقار وَلم يُغير ملبسه وهيئته يركب الْحمار ويفصل الحكومات بِسُكُون وَلَا يحابي أحدا وَلَا يحضر مَعَ من النَّائِب يَعْنِي الْوَالِي إِلَّا يَوْم دَار الْعدْل وَأما فِي الْعِيد والمحمل فَلَا يركب وَكَانَ مَعَ ذَلِك عَارِفًا بِالْمذهبِ لم يكن فِي الْحَنَابِلَة فِي وقته مثله مَعَ فهم وَكَلَام جيد فِي النّظر والبحث ومشاركة فِي اصول وعربية وَجمع كتابا فِي أَحَادِيث الْأَحْكَام حسنا سَمَّاهُ الِانْتِصَار وبوبه على أَبْوَاب الْمقنع توفّي سنة تسع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَحكى فِي مُخْتَصر الشذرات أَن لَهُ كتابا سَمَّاهُ الْوَاضِح الْجَلِيّ فِي نقض حكم ابْن قَاضِي الْجَبَل الْحَنْبَلِيّ وَذَلِكَ أَنه اخْتَار جَوَاز بيع الْوَقْف لمصْلحَة وَحكم بِهِ وترجمه ابْن حبيب فِي تَارِيخه فَقَالَ هُوَ عَالم علمه زَاهِر وبرهان على الدّين ورعه ظَاهر وَإِمَام تتبع طرائقه وتغتنم ساعاته ودقائقه الى أَن قَالَ صنف وناظر وَأفَاد وَكَانَ ذَا حَظّ من زهد وتعفف مَعَ صِيَانة وورع وَدين متين ابْن قَاضِي الْجَبَل من مدرسي الجوزية أَيْضا أَحْمد بن الْحسن بن عبد الله بن أبي عمر مُحَمَّد بن أَحْمد ابْن قدامَة قَالَ الْبُرْهَان ابْن مُفْلِح فِي الْمَقْصد الأرشد هُوَ الشَّيْخ الْعَلامَة جمال الْإِسْلَام صدر الْأَئِمَّة الْأَعْلَام شيخ الْحَنَابِلَة الْمَقْدِسِي الأَصْل ثمَّ الدِّمَشْقِي الْمَعْرُوف بِابْن قَاضِي الْجَبَل كَانَ مولده على مَا كتب بِخَطِّهِ يَوْم الِاثْنَيْنِ تَاسِع شعْبَان سنة ثَلَاث وَتِسْعين وسِتمِائَة كَانَ من أهل البراعة والفهم متفننا عَالما بِالْحَدِيثِ وَعلله والنحو واللغة والأصلين والمنطق وَكَانَ لَهُ فِي الْفُرُوع الْقدَم العالي قَرَأَ على الشَّيْخ تَقِيّ الدّين شيخ الاسلام أَحْمد بن تَيْمِية عدَّة مصنفات فِي عُلُوم شَتَّى مِنْهَا المحصل للرازي وَأذن لَهُ الشَّيْخ بالإفتاء وَهُوَ شَاب ودرس بعدة مدارس فِي مصر وَالشَّام وَصَارَ رَئِيسا على أقرانه انْتهى مُلَخصا وَقَالَ ابْن كثير ولي الْقَضَاء وَلم تحمد مُبَاشَرَته ولافرح بِهِ صديقه بل شمت بِهِ عدوه وباشر الْقَضَاء دون الْأَرْبَع سِنِين إِلَى أَن مَاتَ وَهُوَ قَاض وَقَالَ ابْن مُفْلِح كَانَ عِنْده مداراة وَحب للتعصب وَذكره الذَّهَبِيّ فِي مُعْجَمه فَقَالَ فِيهِ هُوَ مفتي الْفرق سيف المناظرين وَبَالغ ابْن رَافع وَابْن حبيب فِي مدحه وَكَانَ فِيهِ مزح وانكاء فِي الْبَحْث وَمن إنشاده وَهُوَ فِي الْقَاهِرَة

стр. 230

(الصالحية جنَّة ... والصالحون بهَا أَقَامُوا) (فعلى الديار وَأَهْلهَا ... مني التَّحِيَّة وَالسَّلَام) وَله أَيْضا (نبيي أَحْمد وَكَذَا إمامي ... وشيخي أَحْمد كالبحر طامي) (واسمي احْمَد وبذاك أَرْجُو ... شَفَاعَة سيد الرُّسُل الْكِرَام) وَكَانَ يَقُول احفظ عشْرين ألف بَيت من الشّعْر وَله اختيارات فِي مَذْهَب أَحْمد وَألف كتابا فِيهِ سَمَّاهُ الْفَائِق وَشرح الْمُنْتَقى للمجد ابْن تَيْمِية وَلم يتمه وَألف كتابا فِي الْأُصُول لم يتمه أَيْضا توفّي بمنزله بالصالحية رَابِع عشر رَجَب سنة إِحْدَى وَسبعين وَسَبْعمائة وَدفن بمقبرة جده أبي عمر وترجمه فِي شذرات الذَّهَب بِنَحْوِ مَا تقدم ثمَّ قَالَ وَله عدَّة مصنفات مِنْهَا كتاب المناقلة فِي الْأَوْقَاف وَمَا فِي ذَلِك من النزاع وَالْخلاف وَتَبعهُ على ذَلِك جمَاعَة وَكلهمْ تبعوا الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية شمس الدّين النابلسي وَمن مدرسيها مُحَمَّد بن أَحْمد بن مَحْمُود النابلسي قَالَ فِي الْمَقْصد الأرشد قَرَأَ الْعَرَبيَّة وأحكامها وَالْفِقْه وجد فِي طلب الْعلم واشتهر أمره وَعلا صيته وَكَانَ لَهُ معرفَة تَامَّة وَكِتَابَة حَسَنَة وَلم يزل يترقى حَتَّى عزل قَاضِي الْقُضَاة ابْن المنجا وَجلسَ مَكَانَهُ وَكَانَ لَهُ حَلقَة لإقراء الْعَرَبيَّة يحضرها الْفُضَلَاء ودرس بدار الحَدِيث الأشرفية والحنبلية وَله حُرْمَة عَظِيمَة وأبهة زَائِدَة لَكِن بَاعَ من الْأَوْقَاف كثيرا توفّي خمس وَثَمَانمِائَة وَدفن بالصالحية انْتهى مُلَخصا وَقَالَ ابْن حجي وَلم يكن بالرضي فِي شهاداته وَلَا فِي قَضَائِهِ وَبَاعَ كثيرا من الْأَوْقَاف بِدِمَشْق قيل أَنه مَا بيع من الْأَوْقَاف فِي الْإِسْلَام مثل مَا بيع فِي أَيَّامه وَقل مَا وَقع مِنْهَا شَيْء صَحِيح فِي الْبَاطِن وَفتح على النَّاس بَابا لَا ينسد أبدا وَلما جَاءَ تيمورلنك دخل مَعَ أعوانه فِي أُمُور مُنكرَة وَنسب إِلَيْهِ أَشْيَاء قبيحة من السَّعْي فِي أَذَى النَّاس وَأخذ أَمْوَالهم

стр. 231

عز الدّين الْخَطِيب من مدرسيها مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْخَطِيب قَالَ ابْن مُفْلِح هُوَ الشَّيْخ الامام الْعَلامَة قَاضِي الْقُضَاة خطيب الْجَامِع المظفري تفقه فِي مَذْهَب أَحْمد وَكَانَ خَطِيبًا بليغا لَهُ مؤلفات حَسَنَة وَله كتاب النّظم الْمُفِيد الأحمد فِي مُفْرَدَات مَذْهَب الامام أَحْمد نَاب فِي الْقَضَاء عَن ابْن المنجا وَتُوفِّي سنة عشْرين وَثَمَانمِائَة وَقَالَ ابْن شقدة فِي مُخْتَصر الشذرات حفظ المترجم الْمقنع وبرع فِي الْفِقْه والْحَدِيث وَأخذ عَن الْحَافِظ ابْن رَجَب وَكَانَ لَهُ النّظم الرَّائِق وَألف مؤلفات حَسَنَة القَاضِي عز الدّين من مدرسيها عبد الْعَزِيز بن عَليّ بن الْعِزّ بن عبد الْعَزِيز بن عبد الْمَحْمُود الْعَالم الْمُفَسّر قَاضِي القضاه عز الدّين الْبَغْدَادِيّ الأَصْل ثمَّ الْمَقْدِسِي اعتنى بالوعظ وَكَانَ يستحضر كثيرا من تَفْسِير الْبَغَوِيّ واعتنى بِعلم الحَدِيث وَله مُشَاركَة فِي الْفِقْه والْحَدِيث اشْتغل ودرس وَكتب على الْفَتَاوَى يَسِيرا وَله مصنفات مِنْهَا انه اختصر الْمُغنِي وَشرح الشاطبية وصنف فِي الْمعَانِي وَالْبَيَان وَجمع كتابا سَمَّاهُ الْقَمَر الْمُنِير فِي أَحَادِيث البشير النذير ولي بعد الْفِتْنَة قَضَاء بَيت الْمُقَدّس وطالت مدَّته وَجرى لَهُ فُصُول ثمَّ ولي قَضَاء دمشق مُدَّة مديدة ثمَّ صرف عَنهُ وَولي تدريس المؤيدية ثمَّ ولي قَضَاء مصر مُدَّة ثمَّ ولي قَضَاء دمشق وَكَانَ منظورا لم تحمد سيرته فِي الْقَضَاء توفّي سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة قَالَه ابْن مُفْلِح وَقَالَ عَنهُ ابْن شقدة قَاضِي الأقاليم وَسمي بذلك لِأَنَّهُ تولى قَضَاء بَغْدَاد وَالْعراق وَبَيت الْمُقَدّس ومصر وَالشَّام قَالَ وَكَانَ فَقِيها دينا عديم التَّكَلُّف فِي ملبسه ومركبه لَهُ معرفَة تَامَّة وَلما ولي قَضَاء مصر صَار يمشي لِحَاجَتِهِ فِي الاسواق ويردف عَبده على بغلته وَأَشْيَاء من هَذَا النسق وَكَانَ جَمِيع ولاياته من غير سعي قَالَه العليمي برهَان الدّين ابْن مُفْلِح من مدرسيها صَاحب الْمَقْصد الأرشد ابراهيم بن مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد ابْن مُفْلِح بن مُحَمَّد بن مُفْلِح بَالغ عبد الْحَيّ بن الْعِمَاد فِي شذرات الذَّهَب فِي مدحه

стр. 232

فَقَالَ عَنهُ الشَّيْخ الامام الْبَحْر الْهمام الْعَلامَة الْقدْوَة الرحلة الْحَافِظ مُجْتَهد الْأمة شيخ الْإِسْلَام سيد الْعلمَاء والحكام الى غير ذَلِك من ألقاب الْمَدْح الى أَن قَالَ بَاشر قَضَاء دمشق مرَارًا وصنف الْمُبْدع شرح الْمقنع فِي الْفِقْه والمقصد الأرشد فِي طَبَقَات أَصْحَاب الامام أَحْمد مرتبَة على حُرُوف المعجم وصنف كتابا فِي الْأُصُول توفّي سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة انْتهى وَرَأَيْت بِخَط حفيده مُحَمَّد بن ابراهيم بن عمر ابْن المترجم تَرْجَمته فِي آخر الطَّبَقَات فَقَالَ مَا ملخصه مولده سنة عشرَة وَثَمَانمِائَة فِي دَار الحَدِيث العالمة قبالة الْجَامِع الأفرم وَحفظ الْقُرْآن وَالْمقنع وألفيتي ابْن مَالك والعراقي والانتصار ومختصر ابْن الْحَاجِب الأصولي وَمن مشايخه الْحَافِظ ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي وَابْن نصر الله وَصَارَ إِلَيْهِ الْمرجع وَسلم إِلَيْهِ الْعلمَاء من أَصْحَاب الْمذَاهب وَكَانَ الْمعول عَلَيْهِ ثمَّ ذكر من مؤلفاته الْمُبْدع والطبقات ومرقاة الْوُصُول الى علم الْأُصُول وسود فِي الْفُرُوع وَالْأُصُول والنحو وَغَيرهَا شَيْئا كثيرا مَاتَ قبل تبييضها انْتهى وَقَالَ الاسدي فِي تَارِيخه هُوَ أفضل أهل مذْهبه فِي عصره ودرس بمدرسة أبي عمر وبدار الحَدِيث الأشرفية وَكَانَ بهَا منزلَة وبمدارس كَثِيرَة حرف الْجِيم الْمدرسَة الجاموسية قَالَ النعيمي هِيَ غربي العقيبة بِدِمَشْق لم أعرف واقفها وَحكى نظام الدّين ابْن مُفْلِح أَن وَقفهَا على الْحَنَابِلَة وَقَالَ يُوسُف بن عبد الْهَادِي الْمَعْرُوف بِابْن الْمبرد أَن الْأَخْبَار تَوَاتَرَتْ بذلك وان الْوَقْف عَلَيْهَا الثُّلُث من الْحَانُوت بالعقيبة الْكُبْرَى والبستان الْمَعْرُوف بالطبرزية وجنينة الرصاص ومحاكرة الجنينة بمساطب الطّرق ومحاكرة الْبُسْتَان بقرية جسرين ومحاكرة تمر ابْن الْأَمِير وَابْن الرَّمْلِيّ جوَار الْمدرسَة والمحاكرة جوارها باسم ابْن نور الدّين والبستان فَوق حمام الْورْد انْتهى قَالَ العلموي قلت قد تسلط عَلَيْهَا مَحْمُود ولد تَاج الدّين السلطي وَفَكهَا فطمسها

стр. 233

حرف الشين الْمدرسَة الشريفية الحنبلية كَانَت عِنْد القباقبية العتيقة الْمَعْرُوفَة الْيَوْم بالعمارة بِالْقربِ من الْجَامِع الْأمَوِي وقرأت بِهَامِش طَبَقَات الْحَنَابِلَة لِابْنِ رحب عِنْد تَرْجَمَة بانيها مَا صورته وَهَذَا عبد الْوَاحِد هُوَ باني الْمدرسَة الحنبلية دَاخل بَاب الفراديس وَهِي سكن الشَّيْخ مُحَمَّد الاسطواني يَوْمئِذٍ وَهِي سنة ٩٧١ مَعَ سبق سكناهُ بهَا من حُدُود ٩٤٥ انْتهى وَهِي الْآن لَا أثر بهَا ولعلها صَارَت دورا للسُّكْنَى قَالَ النعيمي وَالْوَقْف عَلَيْهَا الْبُسْتَان والحصة فِي الحولة وَأَرْض فِي جِهَة حلبون وعسال ثمَّ أَن الشَّيْخ شُعَيْب ابْن مِيكَائِيل التركماني الجاكيري كَانَ رجلا حنبليا مُبَارَكًا صَالحا اتّجر بالكتب مُدَّة ثمَّ ضعف وَعجز عَن الْحَرَكَة فَاشْترى بِمَا كَانَ مَعَه ملكا وَوَقفه على نَفسه ثمَّ على الْمدرسَة الحنبلية وَتُوفِّي سنة سَبْعمِائة واثنتين وَثَلَاثِينَ قَالَ وَلَا تغتر بقول ابْن شَدَّاد حَيْثُ قَالَ مدرسة شيخ الْإِسْلَام أخي صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب بِالْقربِ من مدرسة الرواحية دَاخل بَاب الفراديس انْتهى فَإِنَّهُ نسب الحنبلية لغير أَهلهَا تَرْجَمَة واقفها قَالَ فِي شذرات الذَّهَب مَا مُخْتَصره وَفِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة توفّي شرف الْإِسْلَام عبد الْوَهَّاب ابْن الشَّيْخ أبي الْفرج الْحَنْبَلِيّ عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ الشِّيرَازِيّ ثمَّ الدِّمَشْقِي الْفَقِيه الْوَاعِظ شيخ الْحَنَابِلَة بِالشَّام بعد وَالِده وَرَئِيسهمْ وَهُوَ باني الْمدرسَة الحنبلية دَاخل بَاب الفراديس وَقَالَ ابْن رَجَب فِي الطَّبَقَات توفّي وَالِد عبد الْوَهَّاب وَهُوَ صَغِير فاشتغل بِنَفسِهِ وتفقه وبرع وناظر وَأفْتى ودرس الْفِقْه وَالتَّفْسِير وَوعظ واشتغل عَلَيْهِ خلق كثير وَكَانَ فَقِيها بارعا واعظا نَافِعًا وصدرا مُعظما ذَا حشمة وَحُرْمَة وسؤدد ورياسة ووجاهة وهيبة وجلالة كَانَ ينشد على الْكُرْسِيّ فِي جَامع دمشق اذا طَابَ وقته (سَيِّدي علل الْفُؤَاد العليلا ... وأحيني قبل ان تراني قَتِيلا) (ان تكن عَازِمًا على قبض روحي ... فترفق بهَا قَلِيلا قَلِيلا)

стр. 234

وَله تصانيف فِي الْفِقْه وَالْأُصُول مِنْهَا الْمُنْتَخب فِي الْفِقْه مجلدان والمفردات والبرهان وَغير ذَلِك انْتهى وَلما بنى مدرسته الحنبلية جرى لَهُ أُمُور فِي بنائها ووالده هُوَ الَّذِي نشر مَذْهَب احْمَد فِي الْقُدس وَالشَّام قَالَ ابْن مُفْلِح وَالْأَشْهر انه من ولد سعد بن عبَادَة ﵁ ابْن المنجا من مدرسيها عُثْمَان بن أسعد بن المنجا بن بَرَكَات بن الْموصل التنوخي الْفَقِيه أَخذ عَنهُ ابْن الْحَاجِب وَغَيره وَكَانَ تَاجِرًا ذَا مَال وثروة توفّي سنة احدى وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَقَالَ الْحُسَيْنِي فِي الذيل برع فِي عُلُوم كَثِيرَة أصولا وفروعا وعربية وتفسيرا وصنف فِي الْأُصُول وَشرح الْمقنع وَله تعاليق فِي التَّفْسِير انْتهى وَقَالَ غَيره انْتَهَت إِلَيْهِ رياسة مَذْهَب احْمَد مَعَ التبحر فِي الْعَرَبيَّة وَغَيرهَا من الْعُلُوم وَأخذ النَّحْو عَن ابْن مَالك وَسُئِلَ ابْن مَالك شرح كِتَابه الْخُلَاصَة فَقَالَ شرحها لكم ابْن المنجا وَجلسَ فِي الْجَامِع للْفَتْوَى نَحْو ثَلَاثِينَ سنة ابْن شيخ السلامية من مدرسيها حَمْزَة بن مُوسَى بن احْمَد بن الْحُسَيْن بن بدران قَالَ فِي الْمَقْصد الأرشد هُوَ الْعَلامَة الْمَعْرُوف بِابْن شيخ السلامية درس بالحنبلية وبمدرسة السُّلْطَان حسن وَأفْتى وصنف تصانيف عدَّة مِنْهَا كتاب الِاسْتِدْرَاك على إِجْمَاع ابْن حزم وَشرح منتقى الْأَحْكَام للمجد ابْن تَيْمِية وَلم يكمل وَكَانَ لَهُ إطلاع جيد وَنقل مُفِيد على مَذَاهِب الْعلمَاء المعتبرين واعتناء جيد بمنصوص احْمَد وفتاوى تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية وَله فِيهِ اعْتِقَاد صَحِيح وَقبُول لما يَقُوله وينصره ويوالي عَلَيْهِ ويعادي فِيهِ

стр. 235

قَالَ ابْن قَاضِي شُهْبَة ووقف درسا بتربته بالصالحية وكتبا وَعين لذَلِك الْحَافِظ ابْن رَجَب توفّي سنة تسع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَدفن عِنْد جَامع الأفرم بتربته وَقَالَ الصّلاح الصَّفَدِي فِي تَارِيخه ان المترجم ينْسب الى الْفَتْح بن خاقَان وَزِير المتَوَكل توفّي وَالِده وَهُوَ فِي الْجَيْش يُبَاشر مشارفته بِدِمَشْق ثمَّ أَن الْأَمِير تنكز أَخذ مِنْهُ مبلغ مائَة ألف دِرْهَم فَمَا أَظن من غير ذَنْب وَلَا جِنَايَة لَكِن نقم على وَالِده فَترك المترجم المناصب وزهد فِيهَا وَأَقْبل على الْعلم الى أَن صَار عَلامَة فِي الْمَنْقُول ومذاهب النَّاس وَشرح مَرَاتِب الاجماع لِابْنِ حزم فِي عشرَة أسفار واستدرك عَلَيْهِ قيودا أهملها وحسبك بِمن يسْتَدرك على ابْن حزم وَشرح أَحْكَام مجد الدّين فِي مجلدات كَثِيرَة الْحَافِظ ابْن رَجَب من مدرسيها عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد بن رَجَب الْعَلامَة الْحَافِظ الزَّاهِد شيخ الْحَنَابِلَة الْبَغْدَادِيّ قدم بِهِ وَالِده من بَغْدَاد الى دمشق وَهُوَ صَغِير ولازم ابْن النَّقِيب وَالنَّوَوِيّ وَغَيرهم واشتغل بِسَمَاع الحَدِيث وَشرح التِّرْمِذِيّ وَالْأَرْبَعِينَ النووية وزادها الى الْخمسين وَشرح مازاده وَشرع فِي كتاب سَمَّاهُ فتح الْبَارِي شرح البُخَارِيّ وَنقل فِيهِ كثيرا من كَلَام الْمُتَقَدِّمين وَلم يتمه وَله كتاب اللطائف فِي الْوَعْظ وَكتاب أهوال الْقُبُور وَكتاب التخويف من النَّار والتعريف بدار الْبَوَار وَالْقَوَاعِد الفقيهه وَاخْتِيَار الأولى شرح حَدِيث اختصام الْمَلأ الْأَعْلَى وَنور الاقتباس من مشكاة وَصِيَّة النَّبِي ﷺ لِابْنِ عَبَّاس وَله الذيل على طَبَقَات القَاضِي ابي يعلى وَغَايَة النَّفْع فِي شرح حَدِيث تَمْثِيل الْمُؤمن بخامة الزَّرْع وَغير ذَلِك وَكَانَ لَا يعرف شَيْئا من أُمُور النَّاس وَلَا يتَرَدَّد على أحد من أَرْبَاب الولايات وَكَانَ يسكن الْمدرسَة السكرية بالقصاعين توفّي سنة خمس وَتِسْعين وَسَبْعمائة بِأَرْض الحميرية ببستان كَانَ اسْتَأْجرهُ وَدفن بِبَاب الصَّغِير وَقَالَ فِي شذرات الذَّهَب كَانَت مجَالِس تذكيره للقلوب صادعة وَلِلنَّاسِ نافعة اجْتمعت الْفرق عَلَيْهِ ومالت الْقُلُوب بالمحبة إِلَيْهِ

стр. 236

وَقَالَ ابْن حجي اتقن المترجم فن الحَدِيث وَصَارَ أعرف عصره بالعلل وتتبع الطّرق تخرج بِهِ غَالب الْحَنَابِلَة بِدِمَشْق حرف الصَّاد مدرسة الصاحبة هِيَ بسفح قاسيون من الشرق وَهِي الْآن مَعْرُوفَة مَشْهُورَة فِي حارة الأكراد وبناؤها عَظِيم يدل على الأبهة وَالْجَلالَة وَهِي من الْآثَار الَّتِي تدل على ارتقاء الْفَنّ المعماري فِي ذَلِك الزَّمن قَالَ النعيمي وَالَّذِي علم من وَقفهَا غَالب قَرْيَة جُبَّة عَسَّال والبستان الَّذِي تَحت الْمدرسَة والطاحون وحكورة غَالب تِلْكَ الحارة فِي جوارها قَالَ ابْن كثير وَكَانَ فِي خدمَة الواقفة الشيخة الصَّالِحَة العالمة أمة اللَّطِيف بنت الناصح الْحَنْبَلِيّ وَكَانَت فاضلة لَهَا تصانيف وَهِي الَّتِي أرشدتها الى وقف الْمدرسَة الصاحبة على الْحَنَابِلَة ثمَّ صودرت لأَجلهَا وَقَالَ الصَّفَدِي بعد أَن ذكر مَا تقدم حصلت مِنْهَا أَمْوَالًا عَظِيمَة وأشارت عَلَيْهَا بِبِنَاء الْمدرسَة فبنتها ووقفتها على الناصح والحنابلة ودفنت بمدرستها تَحت القبو وَلَقِيت العالمة شَدَائِد فحبست ثَلَاث سِنِين بالقلعة انْتهى وَتَزَوجهَا الْأَشْرَف صَاحب حمص فسافرت مَعَه الى الرحبة وتل ناشر ثمَّ توفيت وَوجد لَهَا بِدِمَشْق جَوَاهِر وذخائر نفيسة تقَارب سِتّمائَة ألف دِرْهَم غير الْأَمْلَاك والأوقاف وَقَالَ ابْن مُفْلِح فِي تَرْجَمَة الناصح عبد الرَّحْمَن بن نجم بن عبد الْوَهَّاب بن عبد الْوَاحِد الشِّيرَازِيّ الْأنْصَارِيّ ان الصاحبة ربيعَة خاتون لما بنت لَهُ الْمدرسَة درس بهَا وَكَانَ يَوْمًا مشهودا وَحَضَرت الواقفة من وَرَاء ستر وَقَالَ أَيْضا كَانَ الناصح فَقِيها واعظا شرع فِي الِاشْتِغَال بِالْعلمِ ورحل الى بَغْدَاد وأصبهان والموصل وبلاد كَثِيرَة لأخذ الْعلم وَحضر فتح بَيت الْمُقَدّس مَعَ السُّلْطَان صَلَاح الدّين وانتهت إِلَيْهِ رئاسة الْمَذْهَب بعد الشَّيْخ موفق الدّين عبد الله بن قدامَة وَكَانَ يساميه فِي حَيَاته وَبَينهمَا

стр. 237

مراسلات وَله مصنفات توفّي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة بِدِمَشْق وَدفن بسفح قاسيون وَمن مصنفاته كَمَا فِي طَبَقَات ابْن رَجَب وشذرات الذَّهَب كتاب أَسبَاب الحَدِيث فِي مجلدين وَكتاب الاستفسار بِمن لَقِيَهُمْ من صالحي الْعباد فِي الْبِلَاد وَكتاب الانجاد فِي الْجِهَاد وَقَالَ الدبيتي فِي تَارِيخه لَهُ خطب ومقامات وَكتاب تَارِيخ الوعاظ وَكَانَ حُلْو الْكَلَام جيد الايراد مهيبا صَارِمًا وَكَانَ رَئِيس الْمَذْهَب فِي زَمَنه فِي دمشق العالمة أمة اللَّطِيف من الأسف أَن مؤرخينا لم يعتنوا بتراجم النِّسَاء الفاضلات وَلم أظفر من تَرْجَمَة هَذِه الفاضلة إِلَّا بِمَا ذكره ابْن شقدة فِي مُخْتَصر الشذرات فَإِنَّهُ قَالَ وَفِي تربة بني الشِّيرَازِيّ دفنت أمة اللَّطِيف صَاحِبَة التصانيف من جُمْلَتهَا كتاب التسديد فِي شَهَادَة التَّوْحِيد وَكتاب بر الْوَالِدين وأنشأت دَارا بِالْقربِ من هَذِه التربة بالصف القبلي من الطَّرِيق الْآخِذ لجامع الأفرم قبل أَن تصل الى مدرسة الناصرية بِشَيْء يسير ومنقوش اسْمهَا وَاسم والدها الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن على أُسْكُفَّة أحد أَبْوَابهَا وَجعلت هَذِه الدَّار دَار حَدِيث وَتوفيت فِي رَجَب سنة نَيف وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَقيل دفنت بالمدفن المواجه لخان السَّبِيل بِالْقربِ من التربة وعَلى مدفنها قبَّة عَظِيمَة الْعِمَارَة ملاصق ذَلِك للطريق الْآخِذ الى نهر يزِيد لمن ورد النَّهر وَهُوَ الْأَصَح تَرْجَمَة الواقفة أنشأتها ربيعَة خاتون الصاحبة أُخْت صَلَاح الدّين والعادل قَالَ ابْن شقدة توفيت وَقد نيفت على الثَّمَانِينَ ودفنت بمدرستها وَكَانَت وفاتها سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وسِتمِائَة ابْن عبد الْقوي من جملَة المدرسين فِي الصاحبة مُحَمَّد بن عبد الْقوي بن بدران الْمَقْدِسِي الْفَقِيه الْمُحدث كَانَ من الْعلمَاء الْأَعْلَام درس وَأفْتى وصنف وَتخرج بِهِ جمَاعَة وَقَرَأَ عَلَيْهِ

стр. 238

الْعَرَبيَّة شيخ الاسلام ابْن تَيْمِية وَله مؤلفات أَكْثَرهَا منظومة مِنْهَا منظومة الْآدَاب كبرى وصغرى وَله كتاب النِّعْمَة فِي الْفِقْه جزآن والفرائد فِي الْفِقْه على حرف الدَّال فِي خَمْسَة آلَاف بَيت وَكتاب الْمُفْردَات نظم فِيهِ الْمسَائِل الَّتِي انْفَرد بهَا الامام أَحْمد عَن سَائِر الْأَئِمَّة وتبلغ ألف مَسْأَلَة توفّي سنة تسع وَتِسْعين وسِتمِائَة الْمدرسَة الصدرية كَانَت بدرب يُقَال لَهُ درب الريحان بجوار تربة القَاضِي جمال الدّين الْمصْرِيّ وَيُؤْخَذ من كَلَام الذَّهَبِيّ ان محلهَا كَانَ دَارا للْوَاقِف فَجَعلهَا مدرسة ووقف لَهَا أوقافا وَدفن بهَا قلت وتربة الْجمال الْمصْرِيّ هِيَ عِنْد الْقُبُور الَّتِي يزْعم النَّاس أَن من جُمْلَتهَا قبر مُعَاوِيَة وَلَا مدرسة هُنَاكَ الْيَوْم والمحقق أَن الصدرية محيت آثارها وَصَارَت دورا تَرْجَمَة واقفها أَنْشَأَهَا أسعد بن عُثْمَان بن أسعد بن المنجا التنوخي ثمَّ الدِّمَشْقِي قَالَ الذَّهَبِيّ كَانَ رَئِيسا محتشما متمولا ووقف دَاره مدرسة تسمى الصدرية على الْحَنَابِلَة ووقف عَلَيْهَا وَدفن بهَا اعتنى بِالْحَدِيثِ ولي نظر جَامع بني أُميَّة وثمر لَهُ أَمْوَالًا كَثِيرَة وَله آثَار حَسَنَة توفّي سنة سبع وَخمسين وسِتمِائَة أفاضل مدرسيها ابْن عبد الْهَادِي من مدرسيها مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الْهَادِي بن عبد الحميد بن عبد الْهَادِي ابْن يُوسُف بن مُحَمَّد بن قدامَة الجماعيلي ثمَّ الصَّالِحِي الْفَقِيه الْمُقْرِئ الْحَافِظ النَّحْوِيّ المتفنن قَالَ ابْن مُفْلِح عني بِالْحَدِيثِ وفنونه وَمَعْرِفَة الرِّجَال والعلل وبرع فِي أصل الدّين

стр. 239

وأصل الْفِقْه ولازم شيخ الاسلام ابْن تَيْمِية وَأخذ عَن الذَّهَبِيّ وَله مصنفات كَثِيرَة فِي فنون شَتَّى توفّي سنة أَربع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة قَالَ الْحُسَيْنِي فِي ذيل العبر كَانَ المترجم من أجل أَصْحَاب ابْن تَيْمِية وَسمعت شَيخنَا الذَّهَبِيّ يَقُول وَالله مَا اجْتمعت بِهِ قطّ الا اسْتَفَدْت مِنْهُ انْتهى وَمن مؤلفاته تَنْقِيح التَّحْقِيق فِي أَحَادِيث التَّعْلِيق مجلدان الْأَحْكَام الْكُبْرَى سبع مجلدات الرَّد على الْخَطِيب مُجَلد الْمُحَرر فِي الْأَحْكَام مُجَلد فصل النزاع بَين الْخُصُوم فِي الْكَلَام على حَدِيث أفطر الحاجم والمحجوم شرح ألفية ابْن مَالك وَله غير ذَلِك من الْأَجْزَاء يطول سردها وَقد استوفاها الْحَافِظ ابْن رَجَب فِي تَرْجَمته من الطَّبَقَات ابْن ابْن الْقيم من مدرسيها ابراهيم بن مُحَمَّد بن ابي بكر بن أَيُّوب ابْن الإِمَام الْمَعْرُوف بِابْن الْقيم اشْتغل فِي أَنْوَاع الْعُلُوم وَأفْتى ودرس وناظر ودرس بالصدرية والتدمرية وَله كتاب ارشاد السالك الى حل ألفية ابْن مَالك وَكَانَ لَهُ أجوبة مسكتة توفّي سنة سبع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة ابْن الْقيم مُحَمَّد بن ابي بكر بن أَيُّوب بن سعد بن جرير الزرعي ثمَّ الدِّمَشْقِي الْفَقِيه الأصولي الْمُفَسّر النَّحْوِيّ الْعَارِف الشهير بِابْن قيم الجوزية ولد سنة احدى وَتِسْعين وسِتمِائَة قَالَ ابْن رَجَب مَا حَاصله تفقه فِي الْمَذْهَب وبرع وَأفْتى ولازم شيخ الاسلام ابْن تَيْمِية وَأخذ عَنهُ وتفنن فِي عُلُوم الاسلام وَكَانَ عَارِفًا بالتفسير لَا يجاري فِيهِ وبأصول الدّين وَإِلَيْهِ فيهمَا الْمُنْتَهى وَبِالْحَدِيثِ ومعانيه وفقهه ودقائق الاستنباط مِنْهُ لَا يلْحق فِي ذَلِك وبالفقه وأصوله وبالعربية وَله فِيهَا الْيَد الطُّولى وبعلم الْكَلَام وَغير ذَلِك وعالما بِعلم السلوك وَكَلَام أهل التصوف وإشاراتهم ودقائقهم لَهُ فِي كل فن من هَذِه الْفُنُون الْيَد الطُّولى

стр. 240

قَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمُخْتَص عني بِالْحَدِيثِ ومتونه وَبَعض رِجَاله وَكَانَ يشْتَغل فِي الْفِقْه ويجيد تَقْرِيره وَفِي النَّحْو ويدريه وَفِي الْأَصْلَيْنِ وَقد حبس مُدَّة لانكاره شدّ الرحيل الى قبر الْخَلِيل وتصدر للاشتغال وَنشر الْعلم قلت وَكَانَ ﵀ ذَا عبَادَة وتهجد وَطول صَلَاة الى الْغَايَة القصوى وتأله ولهج بِالذكر وشغف بالمحبة والإنابة والافتقار الى الله والإنكسار لَهُ والاطراح بَين يَدَيْهِ على عتبَة عبوديته لم أشاهد مثله فِي ذَلِك وَلَا رَأَيْت أوسع مِنْهُ علما وَلَا أعرف بمعاني الْقُرْآن وَالسّنة وحقائق الْقُرْآن مِنْهُ وَلَيْسَ هُوَ بالمعصوم وَلَكِن لم أر فِي مَعْنَاهُ مثله وَقد امتحن واوذي مَرَّات وَحبس مَعَ شيخ الاسلام فِي الْمرة الْأَخِيرَة بالقلعة مُنْفَردا عَنهُ وَلم يفرج عَنهُ الا بعد موت الشَّيْخ وَكَانَ فِي مُدَّة حَبسه مشتغلا بِتِلَاوَة الْقُرْآن بالتدبر والتفكر فَفتح الله عَلَيْهِ من ذَلِك خيرا كثيرا وَحصل لَهُ جَانب عَظِيم من الأذواق والمواجيد الصَّحِيحَة وتسلط بِسَبَب ذَلِك على الْكَلَام فِي عُلُوم أهل المعارف وَالدُّخُول فِي غوامضهم وتآليفه ممتلئة بذلك وَقَالَ برهَان الدّين الزرعي عَنهُ مَا تَحت أَدِيم السَّمَاء اوسع علما مِنْهُ وأقتنى من الْكتب مَا لم يحصل لغيره فَمن تصانيفه تَهْذِيب سنَن أبي دَاوُد وإيضاح مشكلاته وَالْكَلَام على مَا فِيهِ من الْأَحَادِيث المعلولة مُجَلد كتاب سفر الهجرتين وَبَاب السعادتين مُجَلد ضخم كتاب مراحل السائرين بَين منَازِل إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين مجلدان وَهُوَ شرح منَازِل السائرين كتاب الْكَلم الطّيب وَالْعَمَل الصَّالح كتاب شرح أَسمَاء الْكتاب الْعَزِيز كتاب رد الْمُسَافِرين الى منَازِل السُّعَدَاء كتاب زَاد الْمعَاد فِي هدي خير الْعباد أَربع مجلدات كتاب حلي الأفهام فِي ذكر الصَّلَاة وَالسَّلَام على خير الْأَنَام كتاب بَيَان الدَّلِيل على اسْتغْنَاء الْمُسَابقَة عَن التَّحْلِيل كتاب نقد الْمَنْقُول وَالْمحل الْمُمَيز بَين الْمَرْدُود والمقبول كتاب أَعْلَام الموقعين عَن رب الْعَالمين ثَلَاث مجلدات كتاب بَدَائِع الْفَوَائِد مجلدان الشافية الكافية فِي الِانْتِصَار للفرقة النَّاجِية وَهِي النونية مُجَلد كتاب الصَّوَاعِق الْمنزلَة على الْجَهْمِية المعطلة مجلدان كتاب حادي الْأَرْوَاح مُجَلد كتاب نزهة المشتاق وروضة المحبين مُجَلد كتاب الدَّاء والدواء كتاب تحفة المودود فِي أَحْكَام الْمَوْلُود كتاب مِفْتَاح دَار السَّعَادَة كتاب اجْتِمَاع الجيوش الاسلامية على غَزْو الْفرْقَة الْجَهْمِية كتاب مصايد الشَّيْطَان كتاب

стр. 241

الطّرق الْحكمِيَّة كتاب رفع الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاة مُجَلد نِكَاح الْمحرم مُجَلد تَفْضِيل مَكَّة على الْمَدِينَة كتاب فضل الْعلم كتاب عدَّة الصابرين كتاب الْكَبَائِر كتاب حكم تَارِك الصَّلَاة كتاب نور الْمُؤمن وحياته حكم أغمام هِلَال رَمَضَان التَّحْرِير فِيمَا يحل وَيحرم من لِبَاس الْحَرِير جوابات عابدي الصلبان وان مَا هم عَلَيْهِ دين الشَّيْطَان كتاب بطلَان الكيمياء من أَرْبَعِينَ وَجها الْفرق بَين الْخلَّة والمحبة ومناظرة الْخَلِيل لِقَوْمِهِ كتاب عقد مُحكم الإحفاء بَين الْكَلم الطّيب وَالْعَمَل الصَّالح الْمَرْفُوع الى رب السَّمَاء الْفَتْح الْقُدسِي التُّحْفَة المكية كتاب أَمْثَال الْقُرْآن شرح الْأَسْمَاء الْحسنى ايمان الْقُرْآن الْمسَائِل الطرابلسية مجلدان الصِّرَاط الْمُسْتَقيم فِي أَحْكَام الْقُرْآن مجلدان كتاب الطَّاعُون مُجَلد لطيف كتاب الفروسية توفّي ثَالِث عشر رَجَب سنة احدى وَخمسين وَسَبْعمائة وَدفن بمقبرة الْبَاب الصَّغِير وترجمه الْعَدوي فَقَالَ هُوَ الْمُجْتَهد الْمُطلق الْمُفَسّر المتفنن فِي عُلُوم عديدة انْتهى حرف الضَّاد الْمدرسَة الضيائية هِيَ بسفح قاسيون شَرْقي الْجَامِع المظفري بناها واقفها من مَاله وأعانه عَلَيْهَا بعض أهل الْخَيْر وَجعلهَا دَار حَدِيث وان يسمع فِيهَا جمَاعَة من الصّبيان وأوقف عَلَيْهَا كتبه وأجزاءه وفيهَا من وقف موفق الدّين بن قدامَة والبهاء عبد الرَّحْمَن والحافظ عبد الْعَزِيز وَابْن الْحَاجِب وَابْن سَلام وَابْن هامل وَالشَّيْخ عَليّ الْموصِلِي وَقد نهبت فِي نكبة الصَّالح أَيَّام قازان وَذهب مِنْهَا شَيْء كثير ثمَّ تمايلت وتراجعت قَالَه الذَّهَبِيّ وَقَالَ غَيره بناها للمحدثين والغرباء الواردين مَعَ الْفقر والقلة وَكَانَ يَبْنِي مِنْهَا جانبا وَيصير الى ان يجْتَمع مَعَه مَا يبتني بِهِ غَيره وَيعْمل فِيهَا بِنَفسِهِ وَلم يقبل من أحد شَيْئا تورعا انْتهى

стр. 242

قلت رَأَيْت شَرْقي الْجَامِع المظفري جدارا عَظِيما وَفِيه أَرْبَعَة شبابيك الى الْقبْلَة وَفِيه الْبَاب ويفصل الطَّرِيق بَين هَذَا الْبناء وَبَين الْجَامِع وَلَعَلَّ هَذِه الْمدرسَة الْمَذْكُورَة تَرْجَمَة واقفها أَنْشَأَهَا مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد بن احْمَد بن عبد الرَّحْمَن بن اسماعيل بن مَنْصُور السَّعْدِيّ الْمَقْدِسِي الْحَافِظ الْكَبِير مُحدث عصره ووحيد دهره وشهرته تغني عَن الاطناب فِي مدحه يُقَال انه كتب الحَدِيث عَن أَزِيد من خَمْسمِائَة شيخ وَقَالَ ابْن النجار هُوَ حَافظ متقن ثَبت صَدُوق نبيل حجَّة عَالم بِالْحَدِيثِ وأحوال الرِّجَال وَله مجموعات وتخريجات وَهُوَ ورع تَقِيّ زاهد مُجَاهِد فِي سَبِيل الله وَله مؤلفات مِنْهَا كتاب للأحاديث المختارة وَهِي الْأَحَادِيث الَّتِي تصلح ان يحْتَج بهَا سوى مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ خرجها من مسموعاته قَالَ بَعضهم هِيَ خير من صَحِيح الْحَاكِم وَله مؤلفات كَثِيرَة ذكرهَا ابْن رَجَب توفّي سنة ثَلَاث واربعين وسِتمِائَة وَأثْنى عَلَيْهِ ابْن الْحَاجِب والذهبي والمزي وَمن مصنفاته كتاب فَضَائِل الْأَعْمَال وَكَانَ الْوَقْف على الْمدرسَة الضيائية غَالب دكاكين السُّوق الفوقاني وحوانيت وجنينة فِي النيرب وَأَرْض بسقبا وَيُؤْخَذ لأَهْلهَا ثلث قَمح ضيَاع وقف دَار الحَدِيث الأشرفية وبالجبل الدَّيْر والدوير والمنصورة والتليل والشرقية قَالَ العلموي كَانَ الضياء عابدا زاهدا مَا أكل من وقف قطّ وَلَا دخل حَماما وَكَانَ يعْمل بمدرسته بِنَفسِهِ وَلما فرغ من بنائها درس بهَا ودرس بعده بهَا جمَاعَة مِنْهُم تَقِيّ الدّين بن غرس الدّين وَعز الدّين التقي وشمس الدّين خطيب الْجَبَل والقباقيبي المرداوي الْمدرسَة الضيائية المحاسنية هَذِه الْمدرسَة ذكرهَا النعيمي وَلم يبين محلهَا وَلم يذكر إِلَّا قَول ابْن شَدَّاد وَإِلَيْك مَا حَكَاهُ قَالَ ابْن شَدَّاد مدرسة ضِيَاء الدّين محَاسِن كَانَ رجلا صَالحا بنى هَذِه لمدرسة وَجعلهَا مَوْقُوفَة على من يكون أَمِير الْحَنَابِلَة يذكر فِيهَا الدَّرْس ثمَّ قَالَ قلت وَلَعَلَّه

стр. 243

الشرابيشية وَالِد نور الدولة وَاقِف الشارابيشية الْمَالِكِيَّة وواقف التربة قبالة جَامع جراح فَليُحرر ثمَّ نقل عَن الْمَقْصد الأرشد ترجمتين لَا علاقَة لَهما بِالْمَدْرَسَةِ هَذَا مَا وقفت عَلَيْهِ فِي شَأْنهَا وَقد أضْرب العلموي عَن ذكر تِلْكَ الْمدرسَة حرف الْعين الْمدرسَة العمرية الشيخية هِيَ مَوْجُودَة بالصالحية مَشْهُورَة معمورة الجدران لاظل للْعلم فِيهَا وَلَا أثر يسكنهَا قوم من ذَوي المتربة ويمر بهَا نهر يزِيد وداخلها مدرسة لَطِيفَة وَبِهِمَا مَا يقرب من تسعين خلْوَة وَقد كَانَ بهَا خزانَة كتب لَا نَظِير لَهَا فلعبت بهَا أَيدي المختلسين الى أَن أَتَى بعض الطّلبَة النجديين فَسرق مِنْهَا خَمْسَة أحمال جمل من الْكتب وفر بهَا ثمَّ نقل مَا بَقِي وَهُوَ شَيْء لَا يذكر بِالنِّسْبَةِ لما كَانَ بهَا الى خزانَة الْكتب فِي قبَّة الْملك الظَّاهِر فِي مدرسته وَكَذَلِكَ لعبت أَيدي المختلسين فِي أوقافها فابتلعوها هَذِه حالتها الْيَوْم وَأما حالتها فِي أبان صباها وشبابها فَقَالَ عز الدّين هِيَ بِالْجَبَلِ فِي وسط دير الْحَنَابِلَة وَقَالَ ابْن كثير وقف عَلَيْهَا سيف الدّين بكتمر درسا وَقَالَ ابْن الزملكاني ان احْمَد بن زُرَيْق الْمَعْرُوف بِابْن الدِّيوَان وسع مدرسة أبي عمر من الْجِهَة الشرقية وَيُمكن أَن تكون هِيَ الْمدرسَة الصَّغِيرَة داخلها انْتهى وَعمر نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن منجك الْجَانِب الشَّرْقِي من الْمدرسَة فجَاء فِي غَايَة الْحسن قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين بن عبد الْهَادِي هَذِه الْمدرسَة عَظِيمَة لم يكن فِي بِلَاد الاسلام أعظم مِنْهَا وَالشَّيْخ أَبُو عمر بنى بهَا الْمَسْجِد وَعشر خلاوي فَقَط وَقد زَاد النَّاس فِيهَا وَلم يزَالُوا يوقفون عَلَيْهَا من زَمَنهَا الى الْيَوْم قل سنة من السنين تمْضِي إِلَّا وَيصير إِلَيْهَا فِيهَا وقف فوقفها لَا يُمكن حصره فَمن جملَته الْعشْر من الْبِقَاع والمرتب على داريا من الْقَمْح سِتِّينَ غرارة وَمن الدَّرَاهِم خَمْسَة آلَاف للغنم فِي شهر رَمَضَان وَمِمَّا رَأَيْنَاهُ وَسَمعنَا بِهِ من مصالحها الْخبز لكل وَاحِد من المنزلين بهَا رغيفان وَالشَّيْخ الَّذِي يقرئ أَو يدرس ثَلَاثَة وَهُوَ مُسْتَمر طول السّنة والقمصان

стр. 244

فِي كل سنة لكل منزل فِيهَا قَمِيص وَقد رَأَيْنَاهُ والسراويل لكل وَاحِد سروال سمعنَا بِهِ وَلم نره وَطَعَام شهر رَمَضَان بِلَحْم وَكَانَ الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن ينوع لَهُم ذَلِك وَيَوْم الْجُمُعَة العدس ثمَّ انْقَطع التنوع واستمرت القمحية وزبيب وقضامة لَيْلَة الْجُمُعَة يفرق عَلَيْهِم بعد قِرَاءَة مَا تيَسّر رَأَيْنَاهُ وَوَقفه دكانان تَحت القلعة وكل سنة مرّة زبيب وَقفهَا خَارج عَن وقف الْمدرسَة وفراء وبشوت فِي كل سنة ووقفها خَارج عَنْهَا ايضا ودراهم لَهَا وقف تفرق على من يقْرَأ فِي السَّبع فِي كل شهر وَهُوَ خَارج عَن وَقفهَا أَيْضا وحلاوة دهنية من وَقفهَا سمعنَا بِهِ وَلم نره وَحصر لبيوت المجاورين مستمرة وصابون سمعنَا بِهِ وَلم نره وختان من لم يكن مختونا فِي كل سنة من المجاورين بهَا الْفُقَرَاء والأيتام رَأَيْنَاهُ ثمَّ انْقَطع وسخانة يسخن بهَا المَاء فِي الشتَاء لغسل من احْتَلَمَ وكعك سمعنَا بِهِ وَلم نره ومشبك بِعَسَل فِي لَيْلَة الْعشْرين من شهر رَمَضَان ثمَّ نقلت الى النّصْف مستمرة وقنديل يشعل طول اللَّيْل فِي الْمَقْصُورَة للمدرس مُسْتَمر وحلاوة فِي الْمَوْسِم فِي شهر رَجَب لوزية وجوزية وَغَيرهمَا مستمرة فِي نصف شعْبَان واضحية فِي عيد الْأَضْحَى مستمرة وَطَعَام فِي عيد الْفطر حامض وَلحم وهريسة وأرز حُلْو مُسْتَمر الى الْآن انْتهى وَكَانَ بهَا حَلقَة الثُّلَاثَاء وَالْوَقْف عَلَيْهَا نصف حمام الشبلية ثمَّ خرب فعمر بِالنِّصْفِ فَبَقيَ الرّبع والجنينة خَلفه وَالْبَيْت فَوْقه وَفِي تَارِيخ الْأَسدي ان ابْن حجي استجد لخطاب العجلوني الشَّافِعِي درسا بالعمرية وَجعل لَهُ فِي الشَّهْر مائَة وَخمسين درهما فتوقف النَّاظر فِي ذَلِك ثمَّ اتّفق الْحَال على أَن قرر لَهُ فِي الشَّهْر سبعين درهما فشق ذَلِك على الْحَنَابِلَة قَالَ يُوسُف بن عبد الْهَادِي وَفِي مدرسة ابي عمر وقف على الْحَنَابِلَة لم يدْخل فِيهِ غَيرهم قطّ وأخبرت أَنه فِي أَيَّام القَاضِي ابْن قَاضِي الْجَبَل أَرَادَ غَيرهم الدُّخُول فَقَالَ لَا وَالله لَا تنزلوا فِيهَا أحدا إِلَّا أنزلنَا فِي الشامية الْكُبْرَى مثله فَلَمَّا كَانَ فِي ايام عبد الرَّحْمَن بن دَاوُد وَوَقع بَينه وَبَين الْحَنَابِلَة أَدخل فِيهَا غَيرهم من الْمذَاهب فشق ذَلِك على الْحَنَابِلَة وَأما أَنا فرأيته حسنا فَإِن فضل الشَّيْخ كَانَ على الْحَنَابِلَة فَقَط فَصَارَ على الْأَرْبَعَة مَذَاهِب وَكَانَ شهَاب الدّين بن عبد الرَّزَّاق قصد إِخْرَاج غَيرهم مِنْهَا وَأرْسل الى مصر ليخرج مراسيم بذلك فَأَدْرَكته الْمنية ودرس للشَّافِعِيَّة بهَا

стр. 245

الشَّيْخ خطاب ثمَّ ابْن قَاضِي عجلون ثمَّ أَخُوهُ تَقِيّ الدّين وللحنفية عِيسَى الْبَغْدَادِيّ ثمَّ الزين ابْن الْعَيْنِيّ فِي الايوان الشمالي وجدد القَاضِي الْمَالِكِي درسا بهَا ثمَّ انْقَطع انْتهى وَأما شُيُوخ إقراء الْقُرْآن بهَا فَكَانَ داخلها سَبْعَة أَمَاكِن معدة لذَلِك احدها على الخزانة الغربية استجده ابْن مبارك وَاقِف الحاجبية وَالْآخر على الشرقية وَآخر بَينهمَا وَشَيخ الْمدرسَة فِي الْمِحْرَاب وَآخر شرقيه وإثنان غربيه وحلقة ابْن الحبال لإقراء الْقُرْآن وَالْعلم بَين بَابي الْمدرسَة وَالسّلم الشرقيين قلت وَجَمِيع هَذِه المرتبات درست وانقرضت وَمَاتَتْ بِمَوْت أَهلهَا وَكَانَ يُقَال لم يكن شَيْء من أَنْوَاع الْبر إِلَّا وَهُوَ مَوْضُوع فِي العمرية ثمَّ لم تزل الايام تَأتي على أوقافها ومرتباتها بِالنُّقْصَانِ الى ان تولى نظرها الشهَاب احْمَد المنيني ثمَّ صَارَت فِي زمننا الى توفيق المنيني من ذُريَّته فابتلع الوشل الَّذِي بَقِي من أوقافها واهلكها هَلَاكًا لَا يُرْجَى لَهُ برْء تَرْجَمَة واقفها اخْتلف فِي بانيها فَقَالَ النعيمي الظَّاهِر ان هَذِه الْمدرسَة أَصْلهَا من بنابة نور الدّين مَحْمُود بن زنكي لما حَكَاهُ فِي مرْآة الزَّمَان عَن الشَّيْخ ابي عمر أَنه قَالَ كَانَ نور الدّين يزور وَالِدي احْمَد فِي الْمدرسَة الصَّغِيرَة الَّتِي على نهر يزِيد الْمُجَاورَة للدير وَنور الدّين بنى هَذِه الْمدرسَة والمصنع والفرن قَالَ فجَاء نور الدّين لزيارة وَالِدي وَكَانَ فِي سقف الْمَسْجِد خَشَبَة مَكْسُورَة فَقَالَ لَهُ يَا نور الدّين لَو كتشفت السّقف وجددته فَنظر الى الْخَشَبَة وَسكت فَلَمَّا كَانَ من الْغَد جَاءَ معماره وَمَعَهُ خَشَبَة صَحِيحَة فوضعها مَوضِع الْمَكْسُورَة وَمضى قَالَ فَعجب الْجَمَاعَة فَلَمَّا جَاءَ الى الزِّيَارَة قَالَ بعض الْحَاضِرين يَا نور الدّين فاكرتنا فِي كشف سقف وأعادته فَقَالَ لَا وَالله وانما هَذَا الشَّيْخ احْمَد رجل صَالح وَأَنا ازوره لانتفع بِهِ وَمَا أردْت أَن أزخرف لَهُ الْمَسْجِد وانقض مَا هُوَ صَحِيح وَهَذِه الْخَشَبَة يحصل بهَا الْمَقْصُود فدعوني مَعَ حسن ظَنِّي فِيهِ فَلَعَلَّ الله يَنْفَعنِي بِهِ وَلَكِن التَّحْقِيق وَالصَّوَاب ان هَذِه الْمدرسَة الَّتِي بناها نور الدّين هِيَ الْمَسْجِد

стр. 246

الْمُسَمّى بِمَسْجِد نَاصِر الدّين غزلى الْمدرسَة العمرية يفصل بَينهمَا الطَّرِيق وَهِي صَغِيرَة بِالنِّسْبَةِ الى العمرية ومرتب فِيهَا عشرُون من الطّلبَة والدير الْمَذْكُور يعرف بدير الْحَنَابِلَة أَيْضا وَعَلِيهِ أوقاف مِنْهَا قَرْيَة الهامة فَقيل انها وقف على الدَّيْر وَقيل على أَهله من الْحَنَابِلَة وَعَلِيهِ غير ذَلِك والمصنع الْمَذْكُور قبلي الدَّيْر يفصل بَينهمَا النَّهر وَالْحَاصِل ان باني الْمدرسَة هُوَ ابو عمر الشَّيْخ ابو عمر هُوَ مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن قدامَة بن مِقْدَام بن نصر الجماعيلي الْمَقْدِسِي ثمَّ الدِّمَشْقِي الصَّالِحِي ولد سنة ثَمَان وَعشْرين وَخَمْسمِائة بجماعيل ثمَّ هَاجر بِهِ وَالِده وبأخيه الْمُوفق وبأهليهم الى دمشق لاستيلاء الافرنج على الأَرْض المقدسة فنزلوا بِمَسْجِد ابي صَالح ظَاهر بَاب شَرْقي فأقاموا بِهِ نَحوا من سنتَيْن ثمَّ انتقلوا مِنْهُ الى سفح الْجَبَل وَلَيْسَ بِهِ من الْعِمَارَة سوى دير الحوراني قَالَ ابو عمر فَقَالَ النَّاس الصالحية الصالحية ينسبوننا الى مَسْجِد ابي صَالح لأننا صَالِحُونَ ذكره ابْن رَجَب وَابْن مُفْلِح ثمَّ أَن ابا عمر حفظ الْقُرْآن وقرأه بِحرف ابي عَمْرو واعتنى بِالْحَدِيثِ ورحل لأَجله الى مصر وَحفظ مُخْتَصر الْخرقِيّ وتفقه فِي مَذْهَب احْمَد وَأخذ النَّحْو عَن ابْن بري صَاحب حَوَاشِي الصِّحَاح وَكَانَ سريع الْكِتَابَة رُبمَا كتب فِي الْيَوْم كراسين بِالْقطعِ الْكَبِير وَكتب الْحِلْية لابي نعيم وَتَفْسِير الْبَغَوِيّ وَالْمُغني لِأَخِيهِ الْمُوفق والابانة لِابْنِ بطة وَكتب مصاحف كَثِيرَة لأَهله وَكتب الْخرقِيّ للنَّاس وَالْكل بِغَيْر أُجْرَة فَانْظُر الى هَذِه الهمة والغيرة على الْعلم وَكَانَ لَهُ معرفَة فِي الْفِقْه والفرائض والنحو مَعَ الزّهْد وَالْعَمَل وَقَضَاء حوائج النَّاس وترجمه ابْن رَجَب بترجمة مُطَوَّلَة كلهَا ثَنَاء وَذكر مَنَاقِب وَقَالَ سبط ابْن الْجَوْزِيّ كَانَ المترجم على مَذْهَب السّلف الصَّالح حسن العقيدة متمسكا بِالْكتاب وَالسّنة والْآثَار المروية ويمرها كَمَا جَاءَت من غير طعن على أَئِمَّة الدّين وعلماء الْمُسلمين قَالَ وأنشدنا لنَفسِهِ نفعنا الله ببركاته (أوصيكم فِي القَوْل بِالْقُرْآنِ ... بقول أهل الْحق والايقان) (لَيْسَ بمخلوق وَلَا بفان ... لَكِن كَلَام الْملك الديَّان) (آيَاته مشرقة الْمعَانِي ... متلوة فِي اللَّفْظ بِاللِّسَانِ) (مَحْفُوظَة فِي الصَّدْر والجنان ... مَكْتُوبَة فِي الصُّحُف بالبنان)

стр. 247

(وَالْقَوْل فِي الصِّفَات يَا اخواني ... كالذات وَالْعلم مَعَ الْبَيَان) (امرارها من غير مَا كفران ... من غير تَشْبِيه وَلَا عدوان) قلت وَهَذِه الآبيات جمعت سَائِر عقيدة السّلف وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن المترجم كَانَ من الْعباد الصَّالِحين والأولياء الْمُتَّقِينَ توفّي ثامن عشر ربيع الأول سنة سبع وسِتمِائَة الْمدرسَة العالمة شَرْقي الرِّبَاط الناصري غربي سفح قاسيون تَحت جَامع الأفرم قَالَه النعيمي أَقُول أما جَامع الافرم فَهُوَ حَدِيث مضى وانقضى فَإِنَّهُ لم يبْق مِنْهُ أثر والمدرسة تَبعته فَصَارَت بستانا وَلَقَد وقفت تَحت جَامع الأفرم وسرت فِي الطَّرِيق الى جِهَة الغرب فَرَأَيْت بِنَاء فِي الْجَانِب القبلي شاهقا مَبْنِيا بِالْحجرِ الْأَحْمَر وَله بَاب شَاهِق لطيف الصنع والهندسة وداخله قبَّة عالية فتأملت الْجِدَار فَلم أر فِيهِ كِتَابَة وَسَأَلت بعض أهل الصالحية عَنهُ فَقَالَ لي اسْمه خاتون وَبِالْجُمْلَةِ فقد ضَاعَت العالمة وَغَيرهَا وسيلحقها هَذَا الْأَثر وَالْوَقْف عَلَيْهَا بُسْتَان بجسر البطة والغيضة الثَّانِيَة وحكر ابْن صبح عِنْد الشامية وَحكى القَاضِي برهَان الدّين انها محصورة فِي عشْرين من أَعْيَان الطّلبَة وَكَانَ بِهَذِهِ الْمدرسَة دَار حَدِيث درس بهَا مُحَمَّد بن هامل الْحَرَّانِي وَكَانَ لَهُ عناية كُلية بِالْحَدِيثِ وَكتب الْكثير وتعب وَحصل ووقف أجزاءه بالضيائية وَفِي شذرات الذَّهَب مَا ملخصه مُحَمَّد بن عبد الْمُنعم بن عمار بن هامل بن موهوب الْحَرَّانِي الْحَنْبَلِيّ نزيل دمشق قَالَ الذَّهَبِيّ عني بِالْحَدِيثِ عناية كُلية وَكتب وَحصل واسمع الحَدِيث وَفِيه دين وَحسن عشرَة وَقَالَ الدمياطي هُوَ الامام الْحَافِظ سمع مِنْهُ جمَاعَة من الأكابر توفّي سنة احدى وَسبعين وسِتمِائَة ودرس بهَا أَيْضا يُوسُف بن يحيى ابْن الناصح عبد الرَّحْمَن الشِّيرَازِيّ الأَصْل ثمَّ الصَّالِحِي الْحَنْبَلِيّ وَهُوَ من بَيت مَشْهُور بالعلماء والفضلاء قَالَ ابْن قَاضِي شُهْبَة ولي مشيخة العالمة وَالنَّظَر عَلَيْهَا وعَلى الصاحبة ودرس بهَا

стр. 248

وَكَانَ مُحدثا فَاضلا توفّي سنة احدى وَخمسين وَسَبْعمائة بالصالحية وَدفن بسفح قاسيون حرف الْمِيم الْمدرسَة المسمارية قبلي القيمرية الْكُبْرَى دَاخل دمشق قرب مئذنة فَيْرُوز قَالَ العلموي مئذنة فَيْرُوز هِيَ الَّتِي جددت الْآن مَعَ الْمدرسَة مَسْجِدا جددها عَليّ جلبي الدفتردار ووقف لَهَا وَقفا وَجعل لَهَا أمامين ومؤذنا وَرَأَيْت بِخَطِّهِ على هَامِش طَبَقَات ابْن رَجَب المسمارية هِيَ الَّتِي بمحلة القيمرية جددها عَليّ جلبي دفتردار التمار وَجعل لَهَا مَنَارَة فِي سنة سبعين وَتِسْعمِائَة وَتسَمى مدرسة شرف الْإِسْلَام انْتهى قلت والمدرسة الْيَوْم مَعْلُومَة وَلكنهَا خربة وَالْوَقْف عَلَيْهَا الحكر الْمَعْرُوف بهَا وَحده من طَرِيق جَامع تنكز الى مَقَابِر الصُّوفِيَّة الى الطَّرِيق الَّذِي فِيهِ القنوات الى الطَّرِيق الْآخِذ الى مدرسة شادي بك وَيعرف قَدِيما ببستانها وحكر الزقاق وَهُوَ الْمَعْرُوف بالساقية بِأَرْض مَسْجِد الْقصب تَرْجَمَة واقفها أَنْشَأَهَا الْحسن بن مِسْمَار الْهِلَالِي الحوراني المقريء التَّاجِر قَالَ ابْن عَسَاكِر قَرَأَ بالروايات وَسمع الحَدِيث ورحل الى بَغْدَاد وَكَانَ يُصَلِّي بِجَامِع دمشق التَّرَاوِيح بِحَلقَة الْحَنَابِلَة وَيقْرَأ فِيهَا بعدة رِوَايَات يخلطها ويردد الْحَرْف الْمُخْتَلف فِيهِ فأنكروا ذَلِك عَلَيْهِ وَقَالُوا هَذَا مَذْهَب يُغير تَرْتِيب النّظم من الْقُرْآن الْكَرِيم وَكَانَ مثريا مقترا على نَفسه بَلغنِي أَنه أوصى عِنْد مَوته باخراج جملَة من زَكَاة مَاله اجْتمعت عَلَيْهِ من سِنِين كَثِيرَة حَتَّى أَمر بإخراجها توفّي سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة قَالَ الذَّهَبِيّ وَقد بنى الشَّيْخ هَذِه الْمدرسَة لأجل الشَّيْخ أسعد بن المنجا ووقفها عَلَيْهِ

стр. 249

ابْن المنجا أسعد وَيُسمى مُحَمَّد بن المنجا بَرَكَات بن المؤمل التنوخي المعري ثمَّ الدِّمَشْقِي القَاضِي وجيه الدّين أَبُو الْمَعَالِي قَالَ الذَّهَبِيّ ارتحل الى بَغْدَاد وتفقه بهَا على مَذْهَب احْمَد وَأخذ الْفِقْه عَن الشَّيْخ عبد الْقَادِر الجيلاني وتفقه وَأخذ عَنهُ الشَّيْخ موفق الدّين الْمَقْدِسِي وروى عَنهُ الْمُنْذِرِيّ وَابْن خَلِيل وَابْن النجار توفّي سنة سِتّ وسِتمِائَة قَالَ فِي الشذرات وَهُوَ وَاقِف الوجيهية الَّتِي بِبَاب الْبَرِيد وَهِي مدرسة قريبَة من مدرسة الخاتونية الجوانية وَبهَا خلاوي كَثِيرَة وَلها وقف كثير اختلس قَالَ الناصح ابْن الْحَنْبَلِيّ درس ابْن المنجا بالمسمارية وَكَانَ لَهُ اتِّصَال بالدولة وخدمة السلاطين وأسن وَكبر وكف بَصَره فِي آخر عمره وَله تصانيف مِنْهَا كتاب الْخُلَاصَة فِي الْفِقْه مُجَلد وَالنِّهَايَة فِي شرح الْهِدَايَة فِي بضعَة عشر مجلدا قَالَ ابْن رَجَب وفيهَا فروع ومسائل كَثِيرَة غير مَعْرُوفَة فِي الْمَذْهَب وَالظَّاهِر انه كَانَ ينقلها من كتب غير الْأَصْحَاب ويخرجها على مَا يَقْتَضِيهِ الْمَذْهَب عِنْده وَله الْعُمْدَة فِي الْفِقْه وَقَالَ الْأَسدي ولي قَضَاء حران فِي آخر دولة نور الدّين قَالَ ابْن رَجَب قَرَأت بِخَط السَّيْف بن الْمجد الْحَافِظ قَالَ حَدثنِي الشَّيْخ الْمُوفق حَدثنِي القَاضِي ابو الْمَعَالِي أسعد بن المنجا قَالَ كنت يَوْمًا عِنْد الشَّيْخ أبي الثَّنَاء وَقد جَاءَ ابْن تَمِيم فَقَالَ لَهُ وَيحك الْحَنَابِلَة اذا قيل لَهُم من أَيْن لكم أَن الْقُرْآن بِحرف وَصَوت قَالُوا قَالَ الله تَعَالَى ألم حم كهيعص وَقَالَ النَّبِي ﷺ من قَرَأَ الْقُرْآن فأعربه فَلهُ بِكُل حرف مِنْهُ عشر حَسَنَات وَقَالَ ﷺ يجمع الله الْخَلَائق فيناديهم بِصَوْت الحَدِيث وَأَنْتُم اذا قيل لكم من أَيْن قُلْتُمْ أَن الْقُرْآن معنى فِي النَّفس قُلْتُمْ قَالَ الأخطل ان الْكَلَام لفي الْفُؤَاد فالحنابلة أَتَوا بِالْكتاب وَالسّنة وَقَالُوا قَالَ الله قَالَ رَسُوله وَأَنْتُم قُلْتُمْ قَالَ الأخطل وَهُوَ شَاعِر نَصْرَانِيّ وخالفتم قَول الله وَقَول رَسُوله وَقَالَ ابو مُحَمَّد ابْن الخشاب فتشت دواوين الأخطل فَوجدت الْبَيْت أَن الْبَيَان من الْفُؤَاد فحرفوه وَقَالُوا ان الْكَلَام انْتهى

стр. 250

المنجاية زَاوِيَة بالجامع الْأمَوِي كَانَت تعرف بِابْن المنجا ووقفها ينْسب للعلامة عُثْمَان ابْن أسعد بن المنجا المترجم سَابِقًا قَالَ العلموي ووقفها يبلغ ارتفاعه نَحْو مائَة سلطاني كل سنة انْتهى قلت والسلطاني لم نَعْرِف مَا يُسَاوِي الْيَوْم تَتِمَّة قد عرفنَا من مدارس أَصْحَاب الْمذَاهب الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورَة فِيمَا وقفنا عَلَيْهِ من كتب التَّارِيخ الى سنة التسْعمائَة والتقطنا أثْنَاء المطالعة مَوَاضِع لم تذكر سَابِقًا وسنسردها هُنَا اتماما للفائدة فَنَقُول ذكر الْأَسدي فِي تَرْجَمَة القَاضِي نظام الدّين ابْن مُفْلِح انه اشْترى بَيت ابْن الشَّهِيد وبناه دَار قُرْآن وَكَانَ يَأْخُذ على الْقَضَاء على وَجه شنيع ويصرفه فِي الْعِمَارَة ثمَّ قَالَ وَبنى مدرسة شَرْقي الصالحية جوَار حمام العلاني ورتب فِيهَا مشيخة للْحَدِيث توفّي سنة سبعين وَثَمَانمِائَة وللحنابلة أوقاف كَثِيرَة قَالَ النعيمي مِنْهَا وقف التَّزْوِيج يعْطى مِنْهُ كل من تزوج من فُقَرَاء الْحَنَابِلَة وَكَانَ بيد القَاضِي عَلَاء الدّين المرداوي ووقف الْإِعْرَاض بِكَسْر الْهمزَة يعْطى مِنْهُ كل من حفظ كتابا على مَذْهَب أَحْمد وَعرضه على أحد شُيُوخ الْمَذْهَب ووقف المراودة من أَوْلَاد الْعَجُوز وفقراء جماعيل من الْحَنَابِلَة وَهُوَ قَرْيَة الكتيبة من بِلَاد حوران فرق هَذَا الْوَقْف زَمنا ثمَّ تغلب عَلَيْهِ بَنو عبد الْملك ثمَّ حكم بانتزاعه مِنْهُم القَاضِي محب الدّين وَكَانَ النّظر عَلَيْهِ لخطباء الْجَامِع المظفري وَفرق مِنْهُ سنة ثَمَان وَسبعين وَسَبْعمائة وَقَالَ الْأَسدي عِنْدَمَا عد مدارس الْحَنَابِلَة وللحنفية والحنابلة حَلقَة الْأَوْزَاعِيّ وللحنابلة حَلقَة السفينية وحلقة الْمِحْرَاب وَكلهَا بالجامع الْأمَوِي
следующие страницы →