Полный текст (418 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
فتح عِنْد عمَارَة القلعة ثمَّ سد بعد وأثره بَاقٍ فِي السُّور انْتهى وَبَاب الْحَدِيد بِالْحَاء الْمُهْملَة من شآفه أَيْضا وَهُوَ الْآن خَاص بالقلعة الَّتِي أحدثت غربي الْبَلَد فِي دولة الأتراك سمي بذلك لِأَنَّهُ كُله حَدِيد فَقيل لَهُ الْبَاب الْحَدِيد ثمَّ تركت الْألف وَاللَّام تَخْفِيفًا ثمَّ صحفته الْعَوام فَقَالُوا الْبَاب الْجَدِيد بِالْجِيم وَكَانَ الأتراك ينزلون مِنْهُ ويطلعون مِنْهُ سرا وَيجوز الْخَارِج مِنْهُ على جسر من خشب من تَحْتَهُ الخَنْدَق الدائر بالقلعة ينوف عمقه على مائَة ذِرَاع بِذِرَاع الْعَمَل بِهِ يتخزن المَاء وينبت الشوص وَغير ذَلِك وَهُوَ غير خَنْدَق الْمَدِينَة واصطلح فِي آخر دولة ابْن قلاوون أَن من يَلِي نِيَابَة دمشق يُصَلِّي عِنْد هَذَا الْبَاب رَكْعَتَيْنِ مُسْتَقْبلا للْقبْلَة بِحَيْثُ يبْقى الْبَاب عَن يسَاره وتقف أجناد القلعة وأرباب الْوَظَائِف والإدارات فِي مَنَازِلهمْ على حسب الْعَادة حاملين السِّلَاح إِلَى أَن يفرغ من صلَاته ودعائه فان أُرِيد بِهِ شَرّ قبضوا عَلَيْهِ ودخلوا بِهِ وقلبوا الجسر بَينه وَبَين أعوانه والجسر بلوالب فيحال مَا بَينه وَبَين أعوانه وان أُرِيد بِهِ خيرا ركب فِي عزة وَمَعَهُ وُجُوه الدولة وهم فِي خدمته إِلَى أَن ينزل بدار الْعدْل الَّتِي أَنْشَأَهَا المرحوم نور الدّين وَكَانَت تسمى بدار السَّعَادَة وَهِي تلِي بَاب السِّرّ وعَلى بَابهَا بَاب النَّصْر فَتحه الْملك النَّاصِر ابْن أَيُّوب للمدينة وَبِهَذَا علم مَحل بَاب الْفرج ثمَّ انك إِذا خرجت مِنْهُ مُتَوَجها نَحْو الْجنُوب اعترضك طَرِيقَانِ أَحدهمَا عَن يسارك وَمِنْه تصل إِلَى سوق الْعِمَارَة وَلَيْسَ فِيهِ مدرسة وَلَا اثر لَهَا إِلَّا أَن يكون ثمَّة اثر دَاخل الدّور ثمَّ بعد كتابتي لهَذَا هدمت الحوانيت الَّتِي كَانَت هُنَاكَ فَظهر بَاب الْمدرسَة وَقد صَارَت دورا وَثَانِيهمَا عَن يَمِينك ويمر إِلَى شَرْقي القلعة وَعَن يسَار الَّذِي يجتازه طَرِيق آخر ذُو شعب توصل شُعْبَة مِنْهُ إِلَى الْمدرسَة العادلية ثمَّ الظَّاهِرَة وَغَرْبِيٌّ العادلية فِي شمَالي الزقاق تجاه الزقاق الذَّاهِب إِلَى العصرونية بَاب يُشِير بِنَفسِهِ إِلَى انه بَاب مدرسة وبجانبه من الغرب جِدَار مَبْنِيّ بِالْحِجَارَةِ المتينة وَهُوَ شَاهِق ويدور مَعَ الزقاق إِلَى الْجَانِب الغربي الْموصل إِلَى بَاب الْفرج وَهُوَ يُشِير أَيْضا إِلَى انه كَانَ جدارا لمدرسة عَظِيمَة تشابه العادلية الْكُبْرَى وَهَذَا الْمحل كُله قد اختلس وَصَارَ دورا للسُّكْنَى فَيمكن أَن يكون ذَلِك الْأَثر هُوَ الدَّال على مَكَان الْمدرسَة الدوادارية وَدَار الحَدِيث الَّتِي كَانَت بهَا وعَلى الرِّبَاط الَّذِي بني بهَا لَان ذَلِك الْمَكَان وَاسع يُمكن أَن يحتوي على جَمِيع ذَلِك وَالله اعْلَم
стр. 37
تَرْجَمَة واقفها
هُوَ الْأَمِير علم الدّين سنجر الْمُتَقَدّم قَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ فِي العبر كَانَ من نجباء التّرْك وشجعانهم وعلمائهم وَله مُشَاركَة جَيِّدَة فِي الْفِقْه والْحَدِيث وَفِيه ديانَة وكرم وَله فِي دمشق والقدس أوقاف كَثِيرَة تحيز إِلَى حصن الأكراد ولد سنة نَيف وَعشْرين وسِتمِائَة وَتُوفِّي سنة تسع وَتِسْعين وسِتمِائَة وَقَالَ الصّلاح الصَّفَدِي فِي تَارِيخه
قدم من التّرْك فِي حُدُود سنة أَرْبَعِينَ وسِتمِائَة وَكَانَ مليح الشكل مهيبا كَبِير الْوَجْه خَفِيف اللِّحْيَة صَغِير الْعَينَيْنِ ربعَة من الرِّجَال حسن الْخلق والخلق فَارِسًا شجاعا دينا خيرا عَالما فَاضلا مليح الْخط حَافِظًا لكتاب الله حفظ الإشادة فِي الْفِقْه لسليم الرَّازِيّ واعتنى بِالْحَدِيثِ وَحفظه وَكَانَ من الأسراء فِي أَيَّام الظَّاهِر ثمَّ أعطي الإمرة بحلب ثمَّ قدم دمشق وَولي الشدودة ثمَّ كَانَ من أَصْحَاب سنقر الْأَشْقَر ثمَّ امسك ثمَّ أُعِيد إِلَى رتبته ثمَّ أعطي خبْزًا وتقدمة على ألف وتقلبت بِهِ الْأَحْوَال وعلت رتبته فِي دولة الْملك لاشين وَقدمه على الْجَيْش فِي غَزْوَة سيس وَكَانَ لطيفا مَعَ أهل الصّلاح والْحَدِيث يتواضع لَهُم ويحادثهم ويؤانسهم ويصلهم وَله مَعْرُوف كثير وأوقاف بِدِمَشْق والقدس وَكَانَ مَجْلِسه عَامِرًا بالعلماء وَالشعرَاء والأعيان وَسمع الْكثير بِمصْر وَالشَّام والحجاز وروى عَن زكي الدّين عبد الْعَظِيم الْمُنْذِرِيّ والرشيد الْعَطَّار وَجَمَاعَة وَسمع جماعات بِمَكَّة ودمشق والإسكندرية وحلب وإنطاكية وبعلبك والقدس وقوص والكرك وصفد وحماة وحمص والفيوم وَجدّة وطيبة وَقل من انجب من التّرْك مثله وَسمع مِنْهُ خلق وَشهد الْوَقْعَة وَهُوَ ضَعِيف ثمَّ التجأ بِأَصْحَابِهِ إِلَى حصن الأكراد فَتوفي فِيهِ لَيْلَة الْجُمُعَة ثَالِث شهر رَجَب فَانْظُر إِلَى مَا كَانُوا يعتنون بِهِ من الْعلم ويطوفون لأَجله الْبِلَاد الْبَعِيدَة مَعَ قلَّة الوسائط فِي زمانهم وَانْظُر إِلَى أمرائهم كَيفَ كَانُوا وَقَالَ الصَّفَدِي وَكَانَ الشَّيْخ فتح الدّين خصيصا بِهِ ينَام عِنْده فَقَالَ لي يَوْمًا كَانَ الْأَمِير علم الدّين قد لبس الفقيري وتجرد وَجَاء مَكَّة فجاور بهَا وَكتب الطباق بِخَطِّهِ وَكَانَ فِي وَجهه آثَار الضروب من الحروب وَكَانَ إِذا خرج إِلَى غَزْوَة خرج والى جَانِبه شخص يقْرَأ عَلَيْهِ أَحَادِيث الْجِهَاد وَقَالَ أَن السُّلْطَان حسام الدّين لاجين رتبه فِي عمَارَة جَامع
стр. 38
طولون وفوض إِلَيْهِ أمره فعمره وَعمر أوقافه وَقرر فِيهِ دروس الْفِقْه والْحَدِيث وَجعل من ذَلِك وَقفا يخْتَص بالديوك الَّتِي تكون فِي مَكَان مَخْصُوص من سطح الْجَامِع وَزعم أَنَّهَا تعين الموقتين وتوقظ المؤذنين بالأسحار واثبت ذَلِك ضمن كتاب الْوَقْف فَلَمَّا قرئَ على السُّلْطَان أعجبه مَا اعْتَمدهُ فِي أَوله وَلكنه لما انْتهى إِلَى ذكر الديوك أنكر ذَلِك وَقَالَ أبطلوا هَذَا لَا يضْحك النَّاس علينا وَكَانَ سَبَب اخْتِصَاص فتح الدّين بِهِ انه سَأَلَ الشَّيْخ شرف الدّين الدمياطي يَوْمًا عَن سنة وَفَاة الإِمَام البُخَارِيّ فَلم يستحضر التَّارِيخ فَسَأَلَ الْأَمِير سنجر عَن ذَلِك فَأَجَابَهُ فاختص بِهِ وغالب رُؤَسَاء دمشق وكبارها وعلمائها نشأوه فِي ذَلِك الزَّمن وَقد تَرْجمهُ ابْن الزملكاني واثبت القصائد الَّتِي مدح بهَا فِي مجلدتين وَكتب إِلَيْهِ عَلَاء الدّين الوداعي فِي وَفَاة وَلَده عمر
(قل للأمير وعزه فِي نجله ... عمر الَّذِي أجْرى الدُّمُوع أجاجا)
(حاشاك تظلم ربع صبرك بَعْدَمَا ... أَمْسَى لسكان الْجنان سِرَاجًا)
وَقَالَ فِيهِ لما اخذ فِي دويرة السميساطي بَيْتا
(لدويرة الشَّيْخ السميساطي من ... دون الْبِقَاع فَضِيلَة لَا تجْهَل)
(هِيَ موطن للأولياء ونزهة ... فِي الدّين وَالدُّنْيَا لمن يتَأَمَّل)
(كلت مَعَاني فَضلهَا مذ حلهَا ... الْعَلامَة الْفَرد الغياث الموئل)
(أَنِّي لأنشد كلما شاهدتها ... مَا مثل منزلَة الدويرة فَنزل)
стр. 39
أَبْوَاب دمشق
لما كَانَ لمعْرِفَة أَبْوَاب دمشق فَائِدَة كَبِيرَة أثْنَاء التَّعْرِيف بالمدارس الْقَرِيبَة مِنْهَا وَتقدم بعض من بَيَانهَا ردفنا هُنَا بَيَان ذَلِك بِالْبَاقِي مِنْهَا ليَكُون كالتتمة والايضاح فَقُلْنَا من تَأمل الْآثَار الْمَوْجُودَة بِدِمَشْق علم يَقِينا بِأَنَّهَا كَانَت فِي سَابق أعوامها معقلا حصينا وموطنا حَرْبِيّا مهما بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْفَنّ الْحَرْبِيّ الَّذِي كَانَ فِي تِلْكَ الْأَيَّام وَمن وقف إِمَام أَبْوَابهَا وَرَأى سورها الَّذِي كَانَ محيطا بهَا إحاطة السوار بالمعصم وَالْخَنْدَق الْمُحِيط بِهِ تجلت لَهُ أبهة الْجلَال وتصور تحصينها أَيَّام كَانَت فِيهَا محاصرة وَهِي تدافع عَن حوزتها وأسودها يحْمُونَ ذَلِك العرين ويحنون لصلصة السيوف ويرتاحون للمعانها وَرَأى سطور الْبَطْش والسطوة مرسومة على سورها وأبوابها كَمَا انه إِذا تَأمل مدارسها علم مِنْهَا شدَّة اعتناء أَهلهَا بالعلوم واعتناء أبطالها بالات الْحَرْب وشغفهم بهَا ومهارتهم فِي تحقيقها وَمَعْرِفَة طرق أَدَائِهَا وشغف أسودها ومهارتهم بفنون الْحَرْب والشجاعة والإقدام فَليعلم المتأمل الْجِهَتَيْنِ وليتفكر فِي آثَار الموضوعين ولنرجع لما كُنَّا بصدده فَنَقُول
قد تقدم التَّعْرِيف بِبَاب الْفرج ومكانه وَهَذِه الْأَبْوَاب الْخَمْسَة الْمُتَقَدّمَة جَمِيعهَا حَادث وَهِي فِيمَا بَين بَاب الْجَابِيَة وَبَاب الفراديس إِلَّا بَاب السَّلامَة وَلم يبْق مَوْجُودا مِنْهَا الْآن إِلَّا بَاب الْفرج واخبرني الثِّقَات انه كَانَ بَاب عَظِيم فِي أول السُّوق الْمَعْرُوف الْآن بسوق الاروام من جِهَة الغرب بِالْقربِ من سراي العسكرية فَلَمَّا بني السُّوق على الْهَيْئَة الْمَوْجُودَة الْآن هدم فَلم يبْق لَهُ اثر
وَأما بَاب الْجَابِيَة فَهُوَ من غربي الْبَلَد قَالَ ابْن عَسَاكِر فِي تَارِيخه هُوَ مَنْسُوب إِلَى قَرْيَة الْجَابِيَة لَان الْخَارِج إِلَيْهَا يخرج مِنْهُ لكَونه مِمَّا يَليهَا وَكَانَ هَذَا الْبَاب ثَلَاثَة أَبْوَاب الْأَوْسَط مِنْهَا كَبِير وَمن جانبيه بَابَانِ صغيران على مِثَال مَا كَانَ الْبَاب الشَّرْقِي وَكَانَ من الثَّلَاثَة أَبْوَاب ثَلَاثَة أسواق معقدة من بَاب الْجَابِيَة إِلَى الْبَاب الشَّرْقِي
стр. 40
كَانَ الْأَوْسَط من الْأَسْوَاق للنَّاس وَاحِد السوقين لمن يشرق بدابته وَالْآخر لمن يغرب بدابته حَتَّى انه كَانَ لَا يلتقي فِيهَا راكبان فسد الْبَاب الْكَبِير والشمالي مِنْهُمَا وَبَقِي القبلي إِلَى الْآن
أَقُول وَهَذَا الْبَاب الْبَاقِي مَبْنِيّ بحجارة ضخمة وفوقه صَخْرَة عَظِيمَة قد وضع طرفاها فَوق عضادتيه ومكتوب فَوْقهَا مَا يُشِير إِلَى انه تطرق إِلَيْهِ بعض انهدام فجدده الْملك الْمُعظم شرف الدّين عِيسَى ابْن الْملك الْعَادِل وَهُوَ الَّذِي بنى سور دمشق بعدانهدامه وَبنى طارمة على بَاب الْحَدِيد وَهَذَا الْبَاب يقرب من جَامع السنابلة وبجانبه عَن يسَار الْخَارِج مِنْهُ تربة يُقَال للمدفونة بهَا السِّت جابية وبجانبها سويقة حوانيتها صَغِيرَة وطريقها ضيق جدا وَهِي الباشورة الَّتِي بناها نور الدّين الشَّهِيد وَلها بَاب بِجَانِب بَاب جَامع السنانية الشَّرْقِي الصَّغِير وَهَذَا الْبَاب مَبْنِيّ بِالْحِجَارَةِ الضخمة أَيْضا ومحفور على الْحجر الَّذِي بأعلاه من الْخَارِج بعد الْبَسْمَلَة
أَمر بعمارة الباشورة والقبر مَوْلَانَا الْملك الْعَادِل السعيد نور الدّين أَبُو الْقَاسِم مَحْمُود ابْن زنكي بن اق سنقر ضاعف الله لَهُ الثَّوَاب وَغفر لَهُ ولوالديه يَوْم الْحساب ابْتِغَاء مرضاة الله سنة سبع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة
وآثار الْأَبْوَاب ظَاهِرَة من شِمَاله وَكَذَا آثَار الْأَسْوَاق الثَّلَاثَة الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا ابْن عَسَاكِر وَقد ظهر مُنْذُ عهد قريب أعمدة ضخمة جدا مطمورة فِي محلّة الخراب فَنقل وَاحِد مِنْهَا إِلَى الْجَامِع الْأمَوِي حِين بنائِهِ كَمَا سَيَأْتِي فَمَا وصل إِلَيْهِ إِلَّا بعد الْجهد لعظمه وَهَذَا مِمَّا يدل على أَن تِلْكَ الْأَسْوَاق الثَّلَاثَة كَانَت معقودة بالأحجار الْعَظِيمَة ثمَّ يَلِي بَاب الْجَابِيَة الْبَاب الصَّغِير وَهُوَ الْبَاب القبلي للبلد قَالَ ابْن عَسَاكِر سمي بذلك لِأَنَّهُ كَانَ اصغر أَبْوَابهَا حينما بنيت اهـ وَهُوَ بَاقٍ إِلَى الْآن بمصلبة الشاغور وَمن جَانِبه الغربي زقاق يُقَال لَهُ زقاق الصمادية وَمن شرقيه طَرِيق يُوصل إِلَى حارة الزط وبناؤه قوي متين واخبرني بعض سكان تِلْكَ الْجِهَة انه كَانَ فِي قبلته بَاب آخر نَظِيره فهدم فِي حُدُود تسعين وَمِائَتَيْنِ بعد الآلف وَجعل مَكَانَهُ حوانيت للْبيع وَالشِّرَاء وَالظَّاهِر أَن هَذَا كَانَ هُوَ الأَصْل وان الْمَوْجُود الْآن احدث بعده
ثمَّ يَلِي هَذَا الْبَاب من الْقبْلَة إِلَى الشرق بَاب كيسَان قَالَ ابْن عَسَاكِر ينْسب إِلَى كيسَان مولى مُعَاوِيَة وَذكر هِشَام بن مُحَمَّد الْكَلْبِيّ انه مَنْسُوب إِلَى كيسَان مولى
стр. 41
بشر بن عبَادَة بن حسان بن جَبَّار بن قرط الْكَلْبِيّ الكليبي وَهُوَ الْآن مسدود وَلم يزل مسدودا إِلَى عهدنا هَذَا
ثمَّ يَلِيهِ الْبَاب الشَّرْقِي سمي بذلك لِأَنَّهُ شَرْقي الْبَلَد وَكَانَ ثَلَاثَة أَبْوَاب بَاب كَبِير فِي الْوسط وبابان صغيران إِلَى جَانِبه سد مِنْهَا الْكَبِير وَالْبَاب الصَّغِير الَّذِي من قبلته وَبَقِي الصَّغِير الشمالي قَالَه ابْن عَسَاكِر وَهَذَا الْبَاب لم يزل مَوْجُودا إِلَى الْآن وَهُوَ على نمط بَاب الْجَابِيَة الْبَاقِي
ويليه بَاب توما وَهُوَ من شمَالي الْبَلَد ينْسب إِلَى عَظِيم من عُظَمَاء الرّوم اسْمه توما وَكَانَت لَهُ على بَابه كَنِيسَة جعلت بعد ذَلِك مَسْجِدا وَهُوَ مَسْجِد لطيف وموجود إِلَى الْآن
وَبَاب الجنيق من الشمَال أَيْضا مَنْسُوب إِلَى محلّة الجنيق وَكَانَت محلّة كَبِيرَة وَبهَا كَنِيسَة فَجعلت بعد مَسْجِدا قَالَ ابْن عَسَاكِر وَهُوَ الْآن مسدود اهـ وَهَذِه الْمحلة هِيَ مَا بَين بَاب توما وَبَاب السَّلامَة خَارج السُّور وَتسَمى محلّة الفرايين وَالْبَاب لم يزل مسدودا إِلَى زمننا
بَاب السَّلامَة وَهُوَ مَشْهُور الْآن بِبَاب السَّلَام وَهُوَ من شمَالي الْبَلَد أَيْضا سمي بذلك تفاؤلا لَان الْقِتَال كَانَ لَا يتهيأ على الْبَلَد من ناحيته لما دونه من الْأَشْجَار والأنهار وَهَذَا الْبَاب مِمَّا أحدثه المرحوم نور الدّين مَحْمُود بن زنكي ثمَّ تهدم مِمَّا توالى عَلَيْهِ من الحروب ثمَّ جدده الْملك الْعَادِل كَمَا يظْهر من آثاره وَقد رَأَيْته فَوَجَدته بَابا متينا عَظِيما نَظِير غَيره من الْأَبْوَاب الْبَاقِيَة ومعلق دَاخله من الشمَال حجر من أَحْجَار المنجنيق ومكتوب على الصَّخْرَة الَّتِي فَوْقه بعد الْبَسْمَلَة
جددت عمَارَة هَذَا الْبَاب السعيد فِي أَيَّام مَوْلَانَا السُّلْطَان الْملك الصَّالح السَّيِّد الْأَجَل الْعَالم العابد الْمُجَاهِد الْمُؤَيد المظفر الْمَنْصُور نجم الدُّنْيَا وَالدّين سُلْطَان الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين منصف المظلومين من الظَّالِمين قَاتل الْكَفَرَة وَالْمُشْرِكين ماحي الْبَغي وَالْفساد دَافع المفسدين فِي الْبِلَاد مقرّ الْإِسْلَام غياث الْأَنَام ركن الدّين وَالْملَّة وَالْأمة عَلَاء الْأمة سعد الْمُلُوك والسلاطين السُّلْطَان الْملك الْعَادِل أَبُو بكر بن أَيُّوب النَّاصِر أَمِير الْمُؤمنِينَ بتولي العَبْد الْفَقِير يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وغالب الْأَبْوَاب مَكْتُوب عَلَيْهَا كتابات تشبه هَذِه وَقد تركت نَصهَا خوف التَّطْوِيل وَلعدم جدواها
стр. 42
وَبَاب الفراديس من شمَالي الْبَلَد أَيْضا وَهُوَ الْآن فِي سوق الْعِمَارَة الممتد إِلَى جَامع بني أُميَّة وَهُوَ بَاب متين أَيْضا بِالْقربِ من نهر بردى وَفِي دَاخله بَاب أَيْضا عِنْد المقدمية وَكِلَاهُمَا مَبْنِيّ بالصخر الْعَظِيم قَالَ ابْن عَسَاكِر وَهَذَا الْبَاب مَنْسُوب إِلَى محلّة كَانَت خَارج الْبَلَد تسمى الفراديس وَهِي الْآن خراب وَكَانَ للفراديس بَاب آخر عِنْد بَاب السَّلامَة فسد والفراديس بلغَة الرّوم الْبَسَاتِين
وَقَالَ أَيْضا بَاب الْجنان من غربي الْبَلَد سمي بذلك لما يَلِيهِ من الجنات وَهِي الْبَسَاتِين وَقد كَانَ مسدودا ثمَّ فتح انْتهى
أَقُول يُمكن أَن يكون هُوَ الَّذِي كَانَ عِنْد سوق الأورام ثمَّ هدم أَو غَيره وَبِالْجُمْلَةِ فَلم يبْق من الْأَبْوَاب ظَاهرا للعيان ومشهورا سوى سَبْعَة أَبْوَاب بَاب الْجَابِيَة بَاب الصَّغِير بالشاغور بَاب شَرْقي بَاب توما بَاب السَّلامَة بَاب الفراديس بَاب الْفرج وَمَا بَقِي فَهُوَ إِمَّا مسدود أَو مهدوم وَأما السُّور فَمن بَاب الْجَابِيَة إِلَى بَاب الفراديس قد بَقِي على حَاله لم يطْرَأ عَلَيْهِ سوى بعض الانهدام والنقض وَمِنْه إِلَى بَاب الْجَابِيَة لم يُوجد سوى شَيْء يسير من أطلاله
قَالَ ابْن عَسَاكِر وَفِي السُّور أَبْوَاب صغَار غير مَا ذكرنَا تفتح عِنْد وجود الْحَاجة إِلَيْهَا مِنْهَا بَاب فِي حارة الحاطب يعرف بِبَاب ابْن إِسْمَاعِيل وَبَاب فِي المربعة انْتهى وغالب هَذِه الْأَبْوَاب الْقَدِيمَة بنى نور الدّين عَلَيْهَا منائر وَجعل لكل مَنَارَة مَسْجِدا وَجعل لكل بَاب باشورة كالسويقة بهَا حوانيت مَمْلُوءَة بالبضائع فَإِذا حصنت الْمَدِينَة وقفلت الْأَبْوَاب اسْتغنى أهل كل بَاب من هَذِه الْأَبْوَاب بِمَا عِنْدهم وَهُوَ مقصد جميل وَقَالَ الْفَاضِل حسن ابْن المزلق الْمَعْرُوف بالتقي البدري فِي كِتَابه نزهة الْأَنَام فِي محَاسِن الشَّام كَانَت صور الْكَوَاكِب على هَذِه الْأَبْوَاب فزحل على بَاب كيسَان وَالشَّمْس على الْبَاب الشَّرْقِي والزهرة على بَاب توما وَالْقَمَر على بَاب الجنيق وَعُطَارِد على بَاب الفراديس وعَلى بَاب الْجَابِيَة المُشْتَرِي وعَلى الْبَاب الصَّغِير المريخ هَذَا كَلَامه وَلَيْسَ بمستبعد فِي نظر التَّارِيخ لَان الأقدمين سكان سورية كَانَت لَهُم عناية عَظِيمَة بالكواكب وَبِنَاء الهياكل لَهَا واستخدامها بزعمهم كَمَا تدل على ذَلِك الْآثَار الْبَاقِيَة من الْقُرُون الخالية وَمن مثل هَذَا نشأت عبَادَة الْكَوَاكِب والأوثان والأصنام فَكَانُوا ييصورون كل كَوْكَب بِصُورَة شَيْء يمِيل ذَلِك الْكَوْكَب بدلالته عَلَيْهِ وجاماسب الْحَكِيم لما تكلم على قرانات الْكَوَاكِب أَشَارَ إِلَيْهَا برموز صورها الَّتِي تُوجد أَحْيَانًا فِي الحفريات
стр. 43
فَكَانُوا يصورون زحل فِي صُورَة شيخ فِي يَمِينه رَأس رجل وَفِي يسَاره يَده وَهُوَ رَاكب على ذِئْب يُحَرك لَهُ بعصاه وَتارَة يصورونه رَاكِبًا على فرس وَفِي رَأسه مغفر وَفِي يسَاره ترس وَفِي يَمِينه سيف
ويصورون المُشْتَرِي فِي صُورَة كهل فِي يَمِينه سيف مصلت وَفِي يسَاره قَوس وَهُوَ رَاكب على فرس وَفِي عُنُقه سبْحَة ويصورونه أَيْضا بِصُورَة رجل جَالس على كرْسِي عَلَيْهِ أَثوَاب ملونة وَفِي يسَاره خيزرانة
ويصورون المريخ بِصُورَة شَاب رَاكب على أسدين وَفِي يَمِينه سيف مصلت وَفِي يسَاره طبرزين ويصورونه أَيْضا بِصُورَة شَاب أشقر رَاكب على فرس أشقر فِي رَأسه مغفر وَفِي يسَاره رمح فِيهِ عَلامَة وَفِي يَمِينه رَأس رجل ولباسه احمر
ويصورون الشَّمْس بِصُورَة رجل فِي يَمِينه عَصا متكئ عَلَيْهَا وَهُوَ رَاكب على وردتون يحملهُ على أَرْبَعَة ثيران وَفِي يسَاره خرز ويصورونها أَيْضا بِصُورَة رجل جَالس وجهة كالطوق وَمَعَهُ تِمْثَال أَرْبَعَة أَفْرَاس
ويصورون الزهرة بِصُورَة امْرَأَة عِنْدهَا عود تضرب بِهِ أَو بِصُورَة امْرَأَة جالسة مُرْسلَة شعرهَا وذوائبها فِي يَدهَا الْيُسْرَى وَفِي يَمِينهَا مرْآة تنظر فِيهَا ولباسها اصفر واخضر وَعَلَيْهَا الطوق والسوار والخلخال
ويصورون عُطَارِد بِصُورَة شَاب رَاكب على طَاوُوس وَفِي يَمِينه حَيَّة وَفِي يسَاره لوح يقْرَأ فِيهِ ويصورونه أَيْضا بِصُورَة رجل جَالس على كرْسِي وَفِي يَده كتاب وعَلى رَأسه تَاج أَو شَيْء من الملبوس وَعَلِيهِ ثِيَاب ملونة
ويصورون الْقَمَر بِصُورَة رجل فِي يَمِينه حَرْبَة وَقد عقد فِي يسَاره ثَلَاثِينَ كَأَنَّهُ يحْسب ثَلَاثمِائَة وَفِي رَأسه تَاج وَهُوَ رَاكب على وردتون يحملهُ أَرْبَعَة أَفْرَاس
هَذَا مَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَاب فن أَحْكَام النُّجُوم وَيُمكن أَن تكون الصُّور الَّتِي كَانَت على الْأَبْوَاب من هَذَا الْقَبِيل وضعوها لغاية لَهُم اقتضتها صناعَة فن النُّجُوم وَالله اعْلَم
стр. 44
حرف السِّين
الْمدرسَة السامرية
هِيَ باقرب من محلّة مئذنة الشَّحْم بزقاق المرحوم الشَّيْخ المسلك الدسوقي وَبهَا خانقاه أَيْضا وَهِي الَّتِي إِلَى جَانب الكروسية آلاتية والسامرية بِفَتْح الْمِيم وَكسر الرَّاء مُشَدّدَة نِسْبَة إِلَى بانيها الصَّدْر الْكَبِير سيف الدّين أبي الْعَبَّاس احْمَد بن مُحَمَّد بن عَليّ جَعْفَر الْبَغْدَادِيّ السامري نِسْبَة إِلَى سر من رأى بَلْدَة على الدجلة وينسب إِلَيْهَا أَيْضا بِلَفْظ السرمري وَكَانَت قَدِيما تعرف بدار ابْن قوام وَكَانَ بناؤها من حِجَارَة منحوتة كلهَا فاشتراها السامري وَجعلهَا دَارا للسُّكْنَى ثمَّ وَقفهَا دَار حَدِيث وخانقاه بعد أَن قَامَ بِهَذِهِ الدَّار مُدَّة وَدفن بهَا
قلت وَهَذَا الزقاق مَشْهُور الْآن بزقاق السّلمِيّ وَهُوَ مُقَابل للزقاق الَّذِي وَرَاء سوق البزورية من جِهَة الشرق وَقد صَارَت الْآن دورا للسُّكْنَى فانمحى أَثَرهَا واندرست أطلالها وَلم يبْق مِنْهَا سوى أَحْجَار فِي أساس جِدَار تُشِير إِلَيْهَا وَسَيَأْتِي إِيضَاح لمحلها عِنْد الْكَلَام على أُخْتهَا الكروسية الَّتِي أَصَابَهَا مَا أصَاب هَذِه
تَرْجَمَة واقفها
أوقفها وأوقف الخانقاه الَّتِي كَانَت بهَا الصَّدْر الْكَبِير سيف الدّين أَبُو الْعَبَّاس احْمَد ابْن مُحَمَّد بن عَليّ بن جَعْفَر الْبَغْدَادِيّ السامري بِفَتْح الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء نِسْبَة إِلَى مَدِينَة سرمن رأى كَمَا تقدم وَكَانَ المترجم كثير الْأَمْوَال حسن الْأَخْلَاق مُعظما عِنْد الدولة لَهُ أشعار رائقة ومبتكرات فائقة توفّي سنة سِتّ وَتِسْعين وسِتمِائَة وَكَانَ لَهُ بِبَغْدَاد حظوة كَبِيرَة عِنْد الْوَزير ابْن العلقمي وامتدح المعتصم وخلع عَلَيْهِ خلعة سَوْدَاء سنية ثمَّ قدم دمشق فِي أَيَّام النَّاصِر صَاحب حلب فحظي عِنْده أَيْضا فسعي بِهِ أهل الدولة فصنف فيهم أرجوزة فتح عَلَيْهِم بِسَبَبِهَا بَاب مصادمة فصادمهم الْملك لأجل ذَلِك بِعشْرين آلف دِينَار فعظموه جدا وتوصلوا بِهِ إِلَى أغراضهم وَله قصيدة فِي مدح النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 45
قَالَ الْحَافِظ عماد الدّين ابْن كثير فِي تَارِيخه فِي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وفيهَا استدعي سيف الدّين السامري من قبل النَّاصِر من دمشق إِلَى الديار المصرية ليَشْتَرِي مِنْهُ ربع قَرْيَة حزرما الَّذِي اشْتَرَاهُ من بنت الْملك الاشرف مُوسَى فَذكر لَهُم انه وَقفه وَقد كَانَ الْمُتَكَلّم فِي ذَلِك علم الدّين السجاعي وَكَانَ قد استنابه الْملك الْمَنْصُور بديار مصر وَجعل يتَقرَّب إِلَيْهِ بتحصيل الْأَمْوَال فقرر لَهُم نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْمَقْدِسِي أَن السامري اشْترى هَذَا من بنت الْملك الاشرف وَهِي غير رَشِيدَة واثبت سفهها على زين الدّين بن مخلوف وابطل البيع من اصله واسترجع على السامري بمغل عشْرين سنة مِائَتي ألف دِرْهَم اخذوا مِنْهُ حِصَّة من الزنبقية قيمتهَا سَبْعُونَ ألفا وَعشرَة آلَاف مكملة وتركوه فَقِيرا على برد الديار ثمَّ اثبتوا رشدها واشتروا مِنْهَا تِلْكَ الحصص بِمَا أَرَادوا ثمَّ أَرَادوا أَن يستدعوا بالدماشقة وَاحِدًا بعد وَاحِد ويصادروهم وَذَلِكَ انه بَلغهُمْ انه من ظلم بِالشَّام لَا يفلح وَمن ظلم بِمصْر افلح وطالت مدَّته فَكَانُوا يطلبونهم إِلَى مصر ارْض الفراعنة وَالظُّلم ويفعلون بهم مَا أَرَادوا انْتهى كَلَامه
دَار الحَدِيث السكرية
هِيَ بالقصاعين دَاخل بَاب الْجَابِيَة وَبهَا خانقاه قَالَه النعيمي والبقاعي وَقَالا لم نقف لواقفها على تَرْجَمَة
أَقُول هما لم يقفا لواقفها على تَرْجَمَة وَنحن لم نقف لَهَا على اثر وَلَقَد وقفت حذاء بَاب الْجَابِيَة فَرَأَيْت بجانبه من الْقبْلَة زقاقا يُسمى الْآن زقاق البرغل ثمَّ مشيت مشرقا نَحوا من سبعين خطْوَة فَرَأَيْت بالجانب القبلي مَسْجِدا سقفه مَعْقُود بِالْحجرِ وَهُوَ قديم قد بدا لاعلاه أَن يسْقط وَفِي جَانِبه قبر مَكْتُوب على الشباك الْمُقَابل لَهُ هذاقبر سَيِّدي سركس بِخَط حَدِيث وأمام هَذَا الْجَامِع من الشمَال بركَة مَاء عَلَيْهَا آثَار الْقدَم فَلَعَلَّ هَذَا الْجَامِع هُوَ الخانقاه والمدرسة هِيَ الدّور الَّتِي بجانبه وَيُمكن أَن تكون الْمدرسَة والخانقاه فِي جَانب تِلْكَ الْبركَة ثمَّ أخنى عَلَيْهَا الزَّمَان وَدخلت فِي السُّوق فَصَارَت حوانيت وَالْحَاصِل أَنَّهَا قد اندرست أثارها وَذَهَبت رسومها واخنى عَلَيْهَا الَّذِي اخنى على لبد
стр. 46
وَقد تولى مشيختها قَدِيما الْعَلامَة شهَاب الدّين عبد الْحَلِيم ابْن تَيْمِية ثمَّ وَلَده الإِمَام شيخ الْإِسْلَام تَقِيّ الدّين احْمَد بن تَيْمِية ثمَّ الإِمَام شيخ الْمُحدثين قدوة الْحفاظ والقراء مُحَمَّد بن احْمَد بن عُثْمَان بن قايماز الذَّهَبِيّ ثمَّ صدر الدّين سُلَيْمَان الْمَالِكِي ثمَّ بعد كتابتي لذَلِك اطَّلَعت على رِسَالَة سماهاه صَاحبهَا الْكَلَام على بِنَاء التدمري فَكَانَ محصلها أَن الإِمَام شيخ الْإِسْلَام احْمَد بن تَيْمِية كَانَ سَاكِنا بمحلة القصارين دَاخل بَاب الْجَابِيَة فِي مدرسة تعرف بالسكرية وَهِي دَار حَدِيث وَهِي صَغِيرَة ضيقَة حرجة وَقفهَا ضَعِيف جدا يبلغ فِي السّنة خَمْسمِائَة دِرْهَم وَهِي تحْتَاج خمسين آلفا فَانْتدبَ لذَلِك رجل بِدِمَشْق يُقَال لَهُ مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم التدمري وَهُوَ من اعيان التُّجَّار وَمن المحبين لشيخ الْإِسْلَام فَكتب محضرا بِأَن جدران الْمدرسَة تعيبت وسقوفها تحْتَاج إِلَى فك فعارضهم زين الدّين عبد الرَّحْمَن بن رَجَب بِدَعْوَى أَن النّظر مفوض إِلَيْهِ من بعض الْقُضَاة وَبعد أُمُور يطول شرحها بناها ابْن التدمري وَزَاد فِيهَا قاعة لَهُ كَانَت بجوارها وَجعل لَهَا ميضأة وَبنى فَوق القاعة حجرات واتمها سنة خمس وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة وَكَانَ الْمصرف على بنائها من مَاله وَقَررهُ القَاضِي نَاظرا عَلَيْهَا قَالَ ابْن مشجرة صَاحب الرسَالَة الْمَذْكُورَة وَيجب أَن تسمى هَذِه الْمدرسَة الشمسية لَان واقفها شمس الدّين ابْن التدمري والرسالة الْمَذْكُورَة فِي نَحْو خمسين ورقة وَلَكِن هَذَا ملخصها
حرف الشين
دَار الحَدِيث الشقشقية
قَالَ فِي تَنْبِيه الطَّالِب هِيَ بدرب البانياسي كَانَت دَارا للشَّيْخ الْمُحدث نجيب الدّين أَبُو الْفَتْح نصر الله بن أبي العبر مظفر بن عقيل الشَّيْبَانِيّ الدِّمَشْقِي الصفار الشَّاهِد فأوقفها دَار حَدِيث وَقَالَ ابْن كثير وقف دَاره بدرب البانياسي دَار حَدِيث وَهِي الَّتِي كَانَ يسكنهَا شَيخنَا الْمزي الْحَافِظ قبل انْتِقَاله إِلَى دَار حَدِيث الاشرفية انْتهى
أَقُول لم ادر مَا درب البانياسي وَلَا فِي آيَة نَاحيَة هُوَ وَلم أجد من يُخْبِرنِي عَنهُ وَذَلِكَ عُذْري فِي ترك التَّحْقِيق عَن موضعهَا
стр. 47
تَرْجَمَة واقفها
هُوَ نصر الله بن مظفر الْمُتَقَدّم قَالَ النعيمي ولد بعد الثَّمَانِينَ وَخَمْسمِائة وَكَانَ أديبا ظريفا مليح البزة واعتنى بِالْحَدِيثِ ورماه أَبُو شامة بِالْكَذِبِ ورقة الدّين توفّي سنة سِتّ وَسِتِّينَ وسِتمِائَة انْتهى
وَقَالَ أَبُو شامة هُوَ مَشْهُور بِالْكَذِبِ ورقة الدّين وَغير ذَلِك وَهُوَ أحد الشُّهُود المقدوح فيهم وَلم يكن بِحَال أَن يُؤْخَذ عَنهُ وَقد أجلسه احْمَد بن يحيى بن هبة الله الملقب بالصدر ابْن سني الدولة فِي حَال ولَايَته أَقْْضِي الْقُضَاة بِدِمَشْق فانشد فِيهِ بعض الشُّعَرَاء
(جلس الشقيشقة الشقي ليشهدا ... بأبيكما مَاذَا عدا فِيمَا بدا)
(هَل زلزل الزلزال أم قد اخْرُج ... الدَّجَّال أم عدم الرِّجَال ذَوُو الْهدى)
(عجبا لمحلول العقيدة جَاهِلا ... بِالشَّرْعِ قد اذنوا لَهُ أَن يقعدا)
قَالَ النعيمي وَلم اقف على أحد ولي مشيختها
حرف الْعين
دَار الحَدِيث العروية
كَانَت زمَان وجودهَا بالجانب الشَّرْقِي من صحن الْجَامِع الْأمَوِي قبيل الحلبية وَيعرف مَكَانهَا قَدِيما بمشهد عَليّ وَعرف بعده بمشهد عُرْوَة قَالَ ابْن كثير أَن النَّاس يَقُولُونَ مشْهد عُرْوَة بالجامع الْأمَوِي وانما نسب إِلَيْهِ لانه أول من فَتحه بعد أَن كَانَ مشحونا بالحواصل الْمَجْمُوعَة للجامع وَبنى فِيهِ الْبركَة ووقف فِيهِ على الحَدِيث دروسا ووقف خَزَائِن كتبه فِيهِ وصنع لَهُ محرابا وبيضه
أَقُول إِذا وقفت عِنْد بَاب جيرون متجها إِلَى الغرب كَانَ عَن يسارك مشْهد كَبِير يُسَمِّيه النَّاس الْيَوْم مشْهد الْحُسَيْن وبجانبه من الْجِهَة الشمالية آثَار بِنَاء قديم وَفِي زَاوِيَة نِهَايَة الْمَكَان بَاب فَتحه بَنو الْغَزِّي لبيتهم وبجانبه فِي الْحَائِط الشمالي التربة الكاملية وَهِي أَيْضا منمضمة إِلَى دَار بني الْغَزِّي ووراء ذَلِك الْحَائِط الْمدرسَة السميساطية ثمَّ الاخنائية ثمَّ دَار الْغَزِّي فَيمكن أَن تكون العروية أدخلت فِي
стр. 48
المشهد الْحُسَيْنِي أَو هِيَ والحلبية أدخلتا فِي الدَّار الْمَذْكُورَة لكَونهَا عَظِيمَة متسعة جدا وَالله اعْلَم
تَرْجَمَة واقفها
هُوَ شرف الدّين مُحَمَّد بن عُرْوَة الْموصِلِي نسب إِلَيْهِ مشْهد عُرْوَة كَمَا تقدم وَكَانَ مُقيما بالقدس وَلكنه كَانَ من خَواص أَصْحَاب الْملك الْمُعظم فانتقل إِلَى دمشق حينما خرب سور بَيت الْمُقَدّس وَأقَام بهَا إِلَى أَن توفّي وقبره عِنْد قباب طغتكين قبلي الْمصلى وَتُوفِّي سنة عشْرين وسِتمِائَة
وَأول من ولي مشيخه هَذِه الْمدرسَة فَخر الدّين عبد الرَّحْمَن الْمَشْهُور بِابْن عَسَاكِر ثمَّ الْحَافِظ الْكَبِير الرّحال مُحَمَّد بن يُوسُف البرزالي الاشبيلي ثمَّ فَخر الدّين عبد الرَّحْمَن بن يُوسُف البعلبكي الْحَنْبَلِيّ قَالَ ابْن كثير كَانَ يُفْتِي ويفيد النَّاس مَعَ ديانَة وَصَلَاح وَعبادَة وزهادة
وَقَالَ برهَان الدّين إِبْرَاهِيم بن مُفْلِح فِي الْمَقْصد الارشد فِي تَرْجَمته هُوَ الْفَقِيه الْمُحدث الزَّاهِد سمع الحَدِيث وتفقه على الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ابْن الْعِزّ وَعمر ابْن المنجا وَحفظ عُلُوم الحَدِيث وَعرضه من حفظه على مُؤَلفه ابْن الصّلاح وَقَرَأَ الْأُصُول وشيئا من الْخلاف على السَّيْف الامدي والنحو على ابْن الْحَاجِب وَصَحب اليونيني وَالنَّوَوِيّ توفّي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وولادته سنة إِحْدَى وَعشْرين وسِتمِائَة وانما تَرْجَمته هُنَا لاني افردت السّفر الْأَخير من هَذَا الْكتاب لتراجم الْمَشَاهِير فَمن كَانَ مَشْهُورا أخرت تَرْجَمته إِلَى ذَلِك السّفر وَمن كَانَ متوسطا أترجمه بالمناسبات لِئَلَّا أسهو عَنهُ هُنَاكَ
حرف الْفَاء
دَار الحَدِيث الْفَاضِلِيَّةِ
كَانَت أَيَّام مجدها بالكلاسة واما الْآن فقد صَارَت بُيُوتًا للسُّكْنَى وَقد شاهدت من آثارها الإيوان وقاعتين بجانبه والمطبخ من ضمنه
стр. 49
قَالَ أَبُو شامة فِي كَلَامه على وَفَاة صَلَاح الدّين أَن تربته مجاورة للمكان الَّذِي زَارَهُ القَاضِي الْفَاضِل فِي الْمَسْجِد انْتهى
وَنحن الْآن لم نر إِلَّا زقاقا بَين التربة الْمَذْكُورَة وَالْجَامِع يُوصل إِلَى دور معدة للسكن وَالْوَقْف عَلَيْهَا مزرعة برتايا لصيق ارْض حمورية يفصل بَينهمَا النَّهر ثمَّ كَانَت بعد ذَلِك بيد الزعني عبد الْغَنِيّ بن السراج بن الخواجا شمس الدّين بن المزلق ثمَّ صَارَت بيد محب الدّين نَاظر الْجَيْش سنة خمس عشرَة وَتِسْعمِائَة وَأول من درس بهَا التقي البلداني ثمَّ النَّجْم أَخُو الْبَدْر ثمَّ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ ثمَّ الْحَافِظ المتقن أَبُو الْمَعَالِي مُحَمَّد بن رَافع بن هجوش السلَامِي بتَشْديد اللَّام الصميدي الْمصْرِيّ ثمَّ الدِّمَشْقِي ثمَّ شمس الدّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن رضوَان البعلي الْمَعْرُوف بِابْن الْموصِلِي
تَرْجَمَة واقفها
نَحن الْآن لم نرد استقصاء تَرْجَمَة هَذَا الْفَاضِل لانه من زِينَة الْمَشَاهِير وَمحل طُلُوع كوكبه أوج سفر الْمَشَاهِير ولكننا نأتي على نبذة مِنْهَا هُنَا وَفِي محلهَا نزيد مَا لم نأت عَلَيْهِ فِي هَذَا الْموضع إِذْ لَا يَلِيق بالْمقَام إخلاء هَذَا السّفر من تَرْجَمته فَنَقُول
هُوَ عبد الرَّحِيم بن عَليّ بن حسن بن الْحُسَيْن بن احْمَد بن الْفرج بن احْمَد القَاضِي مُحي الدّين ابْن القَاضِي الاشرف أبي الْحسن اللَّخْمِيّ البيساني الْعَسْقَلَانِي المولد الْمصْرِيّ المنشأ صَاحب الْعِبَادَة والفصاحة والبراعة والبلاغة ولد سنة تسع وَعشْرين وَخَمْسمِائة انْتَهَت إِلَيْهِ براعة الْإِنْشَاء وبلاغة الترسل وَله فِي ذَلِك معَان مبتكرة لم يسْبق إِلَيْهَا مَعَ كثرتها اشْتغل بصناعة الترسل على الْمرْفق يُوسُف بن الْجلَال شيخ الْإِنْشَاء فِي زَمَنه ثمَّ أَقَامَ بالإسكندرية مُدَّة قَالَ عمَارَة الْفَقِيه اليمني وَمن محَاسِن العاضد خُرُوج أمره إِلَى وَالِي الاسكندرية بتسيير القَاضِي الْفَاضِل إِلَيّ الْبَاب واستخدامه فِي ديوَان الجيوش فانه غرس مِنْهُ للدولة بل للملة شَجَرَة مباركة متزايدة النَّمَاء اصلها ثَابت وفرعها فِي السَّمَاء سمع جمَاعَة من الْمُحدثين وَكَانَ كثير الصَّدقَات وَالصَّوْم وَالصَّلَاة ورده كل يَوْم وَلَيْلَة ختمة كَامِلَة
قَالَ الْحَافِظ عبد الْعَظِيم الْمُنْذِرِيّ ركن السُّلْطَان صَلَاح الدّين إِلَى القَاضِي الْفَاضِل ركونا تَاما وَتقدم عِنْده كثيرا وَله آثَار جميلَة ظَاهِرَة مَعَ مَا كَانَ عَلَيْهِ من الإغضاء
стр. 50
وَالِاحْتِمَال وروى موفق الدّين احْمَد ابْن أبي اصيبعة فِي تَارِيخه عُيُون الأنباء فِي طَبَقَات الْأَطِبَّاء فِي تَرْجَمَة موفق الدّين عبد اللَّطِيف الْبَغْدَادِيّ عَنهُ انه قَالَ
تَوَجَّهت إِلَى زِيَادَة الْقُدس ثمَّ إِلَى صَلَاح الدّين بِظَاهِر عكا فاجتمعت ببهاء الدّين ابْن شَدَّاد قَاضِي الْعَسْكَر يَوْمئِذٍ وَكَانَ قد اتَّصل بِهِ شهرتي بالموصل فانبسط أَلِي وَاقْبَلْ عَليّ وَقَالَ نَجْتَمِع بعماد الدّين الْكَاتِب فقمنا إِلَيْهِ وخيمته إِلَى خيمة بهاء الدّين فَوَجَدته يكْتب كتابا إِلَى الدِّيوَان الْعَزِيز بقلم الثُّلُث من غير مسودة وَقَالَ هَذَا كتاب إِلَى بلدكم وذاكراني فِي مسَائِل من علم الْكَلَام وَقَالَ قومُوا إِلَى القَاضِي الْفَاضِل فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فَرَأَيْت شَيخا ضئيلا كُله رَأس وقلب وَهُوَ يكْتب ويملي على اثْنَيْنِ وَوَجهه وشفتاه تلعب أَنْوَاع الحركات لقُوَّة حرصه فِي إِخْرَاج الْكَلَام وَكَأَنَّهُ يكْتب بجملة أَعْضَائِهِ وسألني القَاضِي الْفَاضِل عَن قَوْله ﴿حَتَّى إِذا جاؤوها وَفتحت أَبْوَابهَا وَقَالَ لَهُم خزنتها﴾ ٣٩ / ٧١ آيَة أَيْن جَوَاب إِذا وَأَيْنَ جَوَاب لَو فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو أَن قُرْآنًا سيرت بِهِ الْجبَال﴾ ١٣ / ٢١ آيَة وَعَن مسَائِل كَثِيرَة وَمَعَ هَذَا فَلَا يقطع الْكِتَابَة والإملاء وَقَالَ لي ترجع إِلَى دمشق وتجرى عَلَيْك الجرايات فَقلت أُرِيد مصر فَقَالَ السُّلْطَان مَشْغُول الْقلب بِأخذ الفرنج عكا وَقتل الْمُسلمين بهَا فَقلت لابد لي من مصر فَكتب لي ورقة صَغِيرَة إِلَى وَكيله بهَا فَلَمَّا دخلت الْقَاهِرَة جَاءَنِي وَكيله وَهُوَ ابْن سناء الْملك وَكَانَ شَيخا جليل الْقدر نَافِذ الْكَلِمَة فأنزلني دَارا قد أزيحت عللها وَجَاءَنِي بِدَنَانِير وغلة ثمَّ مضى إِلَى أَرْبَاب الدولة وَقَالَ هَذَا ضيف القَاضِي الْفَاضِل فوردت الْهَدَايَا والصلات من كل جَانب وَكَانَ كل عشرَة أَيَّام أَو نَحْوهَا تصل تذكرة القَاضِي الْفَاضِل إِلَى ديوَان مصر بمهمات الدولة وفيهَا فصل يُؤَكد الْوَصِيَّة فِي حَقي انْتهى
وَقَالَ الْمُوفق عبد اللَّطِيف الْبَغْدَادِيّ أَيْضا كَانَ للْقَاضِي الْفَاضِل غرام فِي الْكِتَابَة وَتَحْصِيل الْكتب وَكَانَ لَهُ العفاف وَالدّين والتقى مواظبا على أوراده وَلما ملك أَسد الدّين شيركوه احْتَاجَ إِلَى كَاتب فأعجبه سمته وتصوره فَلَمَّا ملك صَلَاح الدّين استخلصه لنَفسِهِ وَحسن اعْتِقَاده فِيهِ وَكَانَ قَلِيل اللَّذَّات كثير الْحَسَنَات دَائِم التَّهَجُّد مشتغلا بالآداب قَلِيل النَّحْو لَكِن لَهُ دربة قَوِيَّة فِيهِ توجب قلَّة اللّحن وَكتب فِي الْإِنْشَاء مَا لم يَكْتُبهُ أحد وَكَانَ متقللا فِي مطعمه ومنكحه وملبسه يلبس الْبيَاض وَلَا يبلغ جَمِيع مَا عَلَيْهِ من الثِّيَاب دينارين ويركب مَعَه غُلَام وركابي وَلَا يُمكن
стр. 51
أحدا أَن يَصْحَبهُ وَيكثر لَقِي الْجَنَائِز وعيادة المرضى وزيارة الْقُبُور وَله مَعْرُوف مَعْرُوف فِي السِّرّ والجهر وَكَانَ ضَعِيف البنية رَقِيق الصَّوْت لَهُ حدية يغطيها الطيلسان وَكَانَ بِهِ سوء خلق يكمد بِهِ نَفسه وَلَا يضير أحدا بِهِ ولأصحاب الْفَضَائِل عِنْده نفاق يحسن إِلَيْهِم وَلَا يمن عَلَيْهِم وَلم يكن لَهُ انتقام من أعدائه إِلَّا بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِم أَو الْأَعْرَاض عَنْهُم وَكَانَ دخله ومعلومه فِي السّنة خمسين ألف دِينَار سوى متاجر الْهِنْد والمغول وَغَيرهمَا وأحوج مَا كَانَ إِلَى الْمَوْت عِنْد تولي الإقبال وإقبال الأدبار وَهَذَا يدل على أَن لله بِهِ عناية وَيُقَال أَن مسودات رسائله فِي المجلدات والتعليقات فِي الأوراق إِذا اجْتمعت لَا تقصر عَن مائَة مجلدة وَله نظم كثير وَقيل انه ملك من الْكتب مائَة ألف مجلدة وَقد أثنى عَلَيْهِ الْعِمَاد الْكَاتِب ثَنَاء عَظِيما توفّي سنة
وَبنى للشَّافِعِيَّة مدرسة بِالْقَاهِرَةِ وشرك مَعَهم الْمَالِكِيَّة بهَا ومكتبا للأيتام وترجمه الذَّهَبِيّ فِي تَارِيخه فِي ورقتين وَنصف قَالَ ابْن كثير وَالْعجب أَن القَاضِي الْفَاضِل مَعَ براعته وفصاحته الَّتِي لَا يدانى فِيهَا وَلَا يجارى لَا يعرف لَهُ قصيدة طَوِيلَة رنانة لَهُ مَا بَين الْبَيْت والبيتين وَالثَّلَاثَة فِي أثْنَاء الرسائل وَغَيرهَا هَذَا كَلَام ألاسدي وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَن لَهُ قصيدة طَوِيلَة رنانة مطْلعهَا
(لله روض بالحدائق محدق ... وَبِكُل مَا تهوى النواظر مونق)
وَهِي فَوق الثَّلَاثِينَ بَيْتا وَله غَيرهَا مِمَّا هُوَ أطول مِنْهَا
حرف الْقَاف
دَار الحَدِيث القلانسية
هِيَ بالصالحية قَالَ النعيمي بهَا رِبَاط ومئذنة وتعرف الْآن بالخانقاه غربي مدرسة أبي عمر قَالَ العلموي قلت هِيَ نهر يزِيد جَار فِي وَسطهَا وَينزل إِلَيْهَا من درج انْتهى
أَقُول فتشت عَنْهَا كتابتي هَذِه الأسطر وَذَهَبت إِلَى الصالحية فدللت على
стр. 52
مَكَانهَا فَرَأَيْت جِيرَانهَا قد اختلسوا أَكْثَرهَا وَبَقِي مِنْهَا بَقِيَّة من جِهَة نهر يزِيد وَتلك الْبَقِيَّة كَانَت سَابِقًا خربة ترمى بهَا الزبالة فَهَيَّأَ الله لَهَا الشَّيْخ إِسْمَاعِيل بن عَليّ التكريتي الصَّالِحِي فعمر تِلْكَ الخربة وَجعل لَهَا مَسْجِدا لطيفا وَعمر الدرج الَّذِي ينزل مِنْهُ إِلَيْهَا ثمَّ إِلَى نهر يزِيد بِالْحجرِ فَكَانَ النَّهر تَحت مَسْجِدهَا ينزل إِلَيْهِ المصلون من طرف الْمَسْجِد من الشرق فيتوضؤون مِنْهُ وَجعل لَهَا صحنا لطيفا وبجانبه مطبخ وَعمر بالعلو من الْجَانِب الغربي والشمالي ثَمَانِي غرف واعدها لسكنى الْفُقَرَاء الَّذين لَا مأوى لَهُم وجدد بَابهَا وَكتب فَوق اسكفته
(مدرسة ذِي عمرت ... من بعد مَا قد دثرت)
(انْعمْ بِإِسْمَاعِيل من ... شيدها فظهرت)
(ابْن عَليّ التكريتي من ... يوجر مَا قد بقيت)
(شاد لَان يبْقى لَهُ ... آجر مدى أَن نَفَعت)
(أعطَاهُ رَبِّي أَرخُوا ... آجرا ببره ثَبت)
(دعى فارخ الَّذِي ... حبى بجنة علت)
فتاريخ بنائها سنة سِتّ عشرَة وثلاثمائة وَألف فجزى الله مجددها خيرا وَاسْمهَا الْآن الخانقاه وَقَالَ النعيمي بعد أَن حكى مَا نَقَلْنَاهُ عَنهُ سَابِقًا وَلم اقف على أحد مِمَّن ولي مشيختها
تَرْجَمَة واقفها
هُوَ الصاحب عز الدّين أَبُو الْمَعَالِي اِسْعَدْ ابْن عز الدّين غَالب بن المظفر ابْن الْوَزير مؤيد الدّين أبي الْمَعَالِي اِسْعَدْ ابْن العضيد أبي يعلى حَمْزَة بن أَسد بن عَليّ بن مُحَمَّد التَّمِيمِي الدِّمَشْقِي الشهير بِابْن القلانسي أحد رُؤَسَاء دمشق الْكِبَار ولد سنة تسع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَسمع الحَدِيث من جمَاعَة واسمعه
قَالَ ابْن كثير سمعنَا عَلَيْهِ وَله رياسة باذخة وأصالة كَبِيرَة وأملاك هائلة كَافِيَة لما يحْتَاج إِلَيْهِ من أُمُور الدُّنْيَا وَلم تزل صناعَة الْوَظَائِف مَعَه إِلَى أَن الزم بوكالة بَيت السُّلْطَان ثمَّ بالوزارة فِي سنة سِتّ عشرَة وسِتمِائَة ثمَّ عزل وَقد صودر فِي بعض الأحيان وَكَانَت لَهُ مَكَارِم على الْخَواص والكبار وَله حَسَنَات على الْفُقَرَاء وعَلى
стр. 53
المحتاجين وَلم يزل وجيها مُعظما عِنْد أَرْبَاب الدولة من الْمُلُوك والنواب والأمراء وَغَيرهم إِلَى أَن توفّي ببستانه سنة تسع وَعشْرين وَسَبْعمائة عَن ثَمَانِينَ سنة وَدفن بتربته بسفح قاسيون وَله فِي الصالحية رِبَاط حسن بمئذنة وَفِيه دَار حَدِيث قَالَه ابْن كثير وَهِي دَار الحَدِيث الَّتِي ترجمناها سَابِقًا وَله بر وَصدقَة
وَقَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ فِي تَرْجَمَة الْوَاقِف كَانَ محتشما مُعظما متنغما على الوزارة وَغَيرهَا وروى عَن الْبُرْهَان وَابْن عبد الدَّائِم
مسامرة خيال
لَاحَ فِي خيالي قبل الشُّرُوع فِي هَذَا التَّأْلِيف أَن استقصي أوقاف كل مدرسة واصفها وَصفا تَاما فَلَمَّا شرعت فِي الْكِتَابَة فَإِذا أَنا كالقابض على الْهَوَاء لِأَنِّي لم أجد من آثَار غَالب الْمدَارِس إِلَّا هباء منثورا وَمن اسْمهَا والتعريف بمحلها إِلَّا مَا هُوَ مسطور فِي بطُون الْكتب فَكنت اقضي الْأَيَّام متجولا واكثر التسآل حَتَّى أجد بعض اثر أَو اهتدي إِلَى اسْم مَكَان خُصُوصا وَأَنا نزيل تِلْكَ الْمَدِينَة الزاهرة وَرُبمَا كَانَ يدلني على الْأَثر قبر الْوَاقِف أَن كَانَ لَان أَصْحَابنَا اصْطَلحُوا على اختلاس الْمدرسَة ووقفها ومسجدها وَلم يجسروا على ابتلاع قبر الْوَاقِف فَللَّه در صَلَاحهمْ وَلَو سمحت نُفُوسهم بابتلاع الْقَبْر أَيْضا لايسنا من مُشَاهدَة طلل فَمن ثمَّ ترى بستانا وَهُوَ نزهة الناظرين وَفِيه قبَّة عالية بهَا قبر عَظِيم فَإِذا سَأَلت عَنهُ قيل لَك هَذَا قبر الْوَالِي الْفُلَانِيّ أَو الصَّحَابِيّ ويسميه باسم غَرِيب وَيكون اصل ذَلِك الْبُسْتَان مدرسة أَو جَامعا فاختلس مكانهما وغرس بالأشجار وَأعْطِي الْقَبْر لقب ولي أَو صَحَابِيّ وَرُبمَا قيل عَنهُ نَبِي ثمَّ مَعَ مُرُور الزَّمن يخترعون لَهُ مَنَاقِب وكرامات ويعلقون الْخرق فَوْقه لصرف أفكار البسطاء نَحوه وإقبالهم على زيارته وبذل الدَّرَاهِم لخدامته فيجعلونه كشجرة يقصدون ثَمَرهَا بكرَة وعشيا وحينا كنت اسْتدلَّ على الْمدرسَة باسم الزقاق أَو الدَّرْب الْمُسَمّى باسمها أَو باسم واقفها كَمَا أَنِّي حرت فِي معرفتي للمدرسة الكروسية فَلم اقدر على معرفَة محلهَا لاندراسها ودخولها فِي الدّور فَبَيْنَمَا أَنا افتش إِذْ بِرَجُل قَالَ لي هَذَا مقَام السّلمِيّ وَهُوَ صَحَابِيّ جليل وَهَذَا الزقاق يُسمى باسمه فَنَظَرت فِي تَرْجَمَة وَاقِف الكروسية فَإِذا هُوَ السّلمِيّ فاهتديت إِلَى مَكَانهَا
стр. 54
وأريت صَاحِبي تَرْجَمته وأعلمته بِأَنَّهُ لَيْسَ بصحابي وصاحبي هَذَا من أهل الْعلم الَّذين لَهُم تلامذة فِي زمننا فَمَا ظَنك بالعوام إِلَى غير ذَلِك مِمَّا كنت أعانيه واتعب بِهِ وَأما الْأَوْقَاف فَرَأَيْت ظفري بهَا ضربا من الْمحَال لانا إِذا اعْتبرنَا دمشق وَمَا حولهَا نجد الْغَالِب عَلَيْهِ انه وقف وَهَذَا شَيْء يطول وَلَا يُمكن استقصاؤه وهب انه استقصي فَلَيْسَ فِي ذكره فَائِدَة إِلَّا الأسف وضياع الْوَقْت وَكَانَ بعض أَصْحَابنَا من الْأَشْرَاف قَالَ لي أَن أحد أجداده لَهُ كتاب سَمَّاهُ التَّذْكِرَة يذكر فِيهِ الْمدَارِس كلهَا ويذيل كل مدرسة بفهرست أوقافها ووعدني بِأَن يطلعني على ذَلِك الْكتاب وَبعد مماطلة طَوِيلَة أَسْفر الْوَعْد عَن مُخْتَصر العلموي وَكَانَ عِنْدِي سَابِقًا فَشَكَرت سَعْيه وَعلمت أَن الْكتاب كَانَ فِي عَالم الخيال لَا فِي عَالم الشُّهُود فَلذَلِك اقتصرت على مَا وصل إِلَى يَدي وَلَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا
وَأَنِّي اقدم للنَّاظِر فِي كتابي هَذَا لمْعَة من الْكَلَام على أوقاف دمشق ليرى عُذْري وَاضحا وَهِي مَا قَالَه أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم اللواتي ثمَّ الطنجي الْمَعْرُوف بِابْن بطوطة فِي رحلته تحفة النظار فِي غرائب الْأَمْصَار وعجائب الْأَسْفَار من فصل لَهُ أثْنَاء كِتَابه وَهُوَ والأوقاف بِدِمَشْق لَا تحصر أَنْوَاعهَا ومصارفها لكثرتها فَمِنْهَا
أوقاف على العاجزين عَن الْحَج يعْطى لمن يحجّ عَن الرجل مِنْهُم كِفَايَته
وَمِنْهَا أوقاف على تجهيز الْبَنَات إِلَى أزوجهن وَهن اللواتي لَا قدرَة لأهلهن على تجهيزهن
وَمِنْهَا أوقاف لفكاك الْأُسَارَى
وَمِنْهَا أوقاف لأبناء السَّبِيل يُعْطون مِنْهَا مَا يَأْكُلُون وَيلبسُونَ ويتزودون لبلادهم
وَمِنْهَا أوقاف على تَعْدِيل الطّرق ورصفها لَان طرق دمشق لكل وَاحِد مِنْهَا رصيفان فِي جَنْبَيْهِ يمر عَلَيْهِمَا المترجلون ويمر الركْبَان بَين ذَلِك
وَقَالَ مَرَرْت يَوْمًا بِبَعْض أَزِقَّة دمشق فَرَأَيْت بِهِ مَمْلُوكا صَغِيرا قد سَقَطت من يَده صَحْفَة من الفخار الصيني وهم يسمونها الصحن فتكسرت وَاجْتمعَ عَلَيْهِ النَّاس فَقَالَ لَهُ بَعضهم اجْمَعْ شقفها واحملها مَعَك لصَاحب أوقاف الْأَوَانِي فجمعها وَذهب الرجل مَعَه إِلَيْهِ فَأرَاهُ إِيَّاهَا فَدفع لَهُ مَا اشْترى بِهِ مثل ذَلِك الصحن وَهَذَا من احسن الْأَعْمَال فان سيد الْغُلَام لابد لَهُ أَن يضْربهُ على كسر الصحن أَو ينهره وَهُوَ
стр. 55
أَيْضا ينكسر قلبه ويتغير لأجل ذَلِك فَكَانَ هَذَا الْوَقْف جبرا للقلوب جزى الله خيرا من تسامت همته فِي الْخَيْر إِلَى مثل هَذَا وَأهل دمشق يتنافسون فِي عمَارَة الْمَسَاجِد والزوايا والمدارس والمشاهد
ثمَّ قَالَ وكل من انْقَطع بِجِهَة من جِهَات دمشق لابد أَن يَتَأَتَّى لَهُ وَجه من المعاش من إِمَامَة مَسْجِد أَو قِرَاءَة بمدرسة أَو مُلَازمَة مَسْجِد يَجِيء إِلَيْهِ فِيهِ رزقه أَو قِرَاءَة الْقُرْآن أَو خدمَة مشْهد من الْمشَاهد الْمُبَارَكَة أَو يكون كجملة الصُّوفِيَّة بالخوانق تجرى لَهُ النَّفَقَة وَالْكِسْوَة فَمن كَانَ بهَا غَرِيبا على خير لم يزل مصونا عَن بذل وَجهه مَحْفُوظًا عَمَّا يزري بالمروءة وَمن كَانَ من أهل المهنة والخدمة فَلهُ أَسبَاب آخر من حراسة بُسْتَان أَو أَمَانَة طاحون أَو كَفَالَة صبيان يَغْدُو مَعَهم إِلَى التَّعْلِيم وَيروح وَمن أَرَادَ طلب الْعلم أَو التفرغ لِلْعِبَادَةِ وجد الْإِعَانَة التَّامَّة على ذَلِك وَمن فَضَائِل أهل دمشق انه لَا يفْطر أحد مِنْهُم فِي ليَالِي رَمَضَان وَحده الْبَتَّةَ فَمن كَانَ من الْأُمَرَاء والقضاة والكبراء فانه يَدْعُو أَصْحَابه والفقراء يفطرون عِنْده وَمن كَانَ من التُّجَّار وكبار السوقة صنع مثل ذَلِك وَمن كَانَ من الضُّعَفَاء والبادية فانهم يَجْتَمعُونَ كل لَيْلَة فِي دَار أحدهم وَفِي مَسْجِد وَيَأْتِي كل أحد بِمَا عِنْده فيفطرون جَمِيعًا
ثمَّ قَالَ وَكَانَ بِدِمَشْق فَاضل من كبرائها وَهُوَ الصاحب عز الدّين القلانسي لَهُ مآثر وَمَكَارِم وفضائل وإيثار وَهُوَ ذُو مَال عريض وَذكروا أَن الْملك النَّاصِر لما قدم دمشق أَضَافَهُ وَجَمِيع أهل دولته ومماليكه وخواصه ثَلَاثَة أَيَّام فَسَماهُ إِذْ ذَاك بالصاحب
وَمِمَّا يُؤثر من فضائلهم أَن أحد مُلُوكهمْ السالفين لما نزل بِهِ الْمَوْت أوصى أَن يدْفن بقبلة الْجَامِع المكرم وَيخْفى قَبره وَعين أوقافا عَظِيمَة لقراء يقرؤون سبعا من الْقُرْآن الْكَرِيم فِي كل يَوْم اثر صَلَاة الصُّبْح بالجهة الشرقية من مَقْصُورَة الصَّحَابَة ﵃ حَيْثُ قَبره فَصَارَت قِرَاءَة الْقُرْآن على قَبره لَا تَنْقَطِع أبدا وَبَقِي ذَلِك الرَّسْم الْجَمِيل بعده مخلدا
وَمن عَادَة أهل دمشق وَسَائِر تِلْكَ الْبِلَاد انهم يخرجُون بعد صَلَاة الْعَصْر من يَوْم عَرَفَة فيقفون بصحون الْمَسَاجِد كبيت الْمُقَدّس وجامع بني أُميَّة وسواها وَيقف بهم أئمتهم كاشفي رؤوسهم داعين خاضعين خاشعين ملتمسين الْبركَة ويتوخون
стр. 56
السَّاعَة الَّتِي يقف فِيهَا وَفد الله وحجاج بَيته بِعَرَفَات وَلَا يزالون فِي خضوع وَدُعَاء وابتهال وتوسل إِلَى الله تَعَالَى بِحجاج بَيته إِلَى أَن تغيب الشَّمْس فينفرون كَمَا ينفر الْحَاج بَاكِينَ على مَا حرمُوهُ من ذَلِك الْموقف الشريف بِعَرَفَات داعين إِلَى الله تَعَالَى أَن يوصلهم إِلَيْهَا وَلَا يخليهم من بركَة الْقبُول فِيمَا فَعَلُوهُ
لَهُم أَيْضا فِي أَتبَاع الْجَنَائِز رُتْبَة عَجِيبَة وَذَلِكَ انهم يَمْشُونَ إِمَام الْجِنَازَة والقراء يقرؤون الْقُرْآن بالأصوات الْحَسَنَة والتلاحين المبكية الَّتِي تكَاد النُّفُوس تطير لَهَا رقة وهم يصلونَ على الْجَنَائِز بِالْمَسْجِدِ الْجَامِع قبالة الْمَقْصُورَة فان كَانَ الْمَيِّت من أَئِمَّة الْجَامِع أَو مؤذنيه أَو خُدَّامه ادخلوه بِالْقِرَاءَةِ إِلَى مَوضِع الصَّلَاة عَلَيْهِ وان كَانَ من سواهُم قطعُوا الْقِرَاءَة عِنْد بَاب الْمَسْجِد ودخلوا بالجنازة وَبَعْضهمْ يجْتَمع لَهُ بالبلاط الغربي من الصحن بمقربة من بَاب الْبَرِيد فَيَجْلِسُونَ وإمامهم ربعات الْقُرْآن يقرؤون فِيهَا ويرفعون أَصْوَاتهم بالنداء لكل من يصل للعزاء من كبار الْبَلدة وأعيانها وَيَقُولُونَ بِسم الله فلَان الدّين من كَمَال وجمال وشمس وَبدر وَغير ذَلِك فَإِذا أَتموا الْقِرَاءَة قَامَ المؤذنون فَيَقُولُونَ افتكروا واعتبروا صَلَاتكُمْ على فلَان الرجل الصَّالح الْعَالم ويصفونه بِصِفَات من الْخَيْر ثمَّ يصلونَ عَلَيْهِ ويذهبون بِهِ إِلَى مدفنه هَذَا وَقد انْقَطَعت تِلْكَ الْعَادَات واضمحلت واستبدلت بغَيْرهَا مِمَّا سَنذكرُهُ أثْنَاء هَذَا الْكتاب أَن شَاءَ الله تَعَالَى
تَرْجَمَة التكريتي مُجَدد الْمدرسَة
طلبت من السَّيِّد مُحَمَّد أَمِين التكريتي الصَّالِحِي تَرْجَمَة مُجَدد هَذِه الْمدرسَة فَكتب أَلِي مَا صورته
هُوَ السَّيِّد إِسْمَاعِيل ابْن السَّيِّد عَليّ ابْن السَّيِّد إِسْمَاعِيل من بني التكريتي وهم عائلة كَبِيرَة فِي صالحية دمشق وأصلهم من مَدِينَة تكريت وَهِي على شاطئ دجلة قريبَة من الْموصل وَأَقَامُوا بِدِمَشْق من مُدَّة تزيد على السبعمائة سنة وَكَانَ من هَذِه العائلة فضلاء واعيان
قلت وَسَتَأْتِي تَرْجَمَة جدهم الْأَعْلَى فِي هَذَا الْكتاب أَن شَاءَ الله تَعَالَى سنة سِتّ
стр. 57
وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وَألف وَتُوفِّي وَالِده وَهُوَ ابْن سبع سِنِين فربي فِي حجر والدته إِلَى أَن شب فاشتغل بِالتِّجَارَة وَنَشَأ على عفة وَصَلَاح ومحبة للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين وَكَانَ كثير الْأَصْحَاب يكثر من الِاجْتِمَاع بالعلماء وَيُحب الْبر والخيرات وَمِمَّا جعله ذخْرا فِي الْآخِرَة انه لما رأى دَار الحَدِيث القلانسية الْمُسَمَّاة بالخانقاه الَّتِي هِيَ بالزقاق الْمُسَمّى الْآن بزقاق قصر الفارة بالصالحية قد تهدمت واندرست مُنْذُ ثَلَاثمِائَة سنة وتناولت أَيدي المختلسين أَكْثَرهَا عمر مَا بَقِي مِنْهَا من مَاله ابْتِغَاء لوجه الله تَعَالَى وعمرها فِي سنة أَولهَا فِي محرم سنة خمس عشرَة وثلاثمائة وَألف وانْتهى من تعميرها فِي ربيع الأول سنة سِتّ عشرَة وَكَانَ يصرف على مَا يلْزمهَا من مصابيح وَأُجْرَة أَذَان وَغير ذَلِك من مَاله وَلما توفّي إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى قَامَ بالأنفاق عَلَيْهَا حاذيا حَذْو وَالِده الشَّاب النجيب السَّيِّد مُحَمَّد وَهَذِه الْمدرسَة الْآن تسمى بِجَامِع التكريتي
زار المترجم بَيت الْمُقَدّس وَحج ثَلَاث حجات وَلما حج الرَّابِعَة وَتوجه إِلَى بَلَده توفّي بجبل الطّور سنة إِحْدَى وَعشْرين وثلاثمائة وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
حرف الْقَاف
دَار الحَدِيث القوصية
سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهَا فِي مدارس الشَّافِعِيَّة
حرف الْكَاف
دَار الحَدِيث الكروسية
غربي مئذنة الشَّحْم وَهِي بِجَانِب الْمدرسَة السامرية وَكَانَت دَارا لمُحَمد بن عقيل ابْن كروس جمال الدّين محتسب دمشق أَبُو المكارم السّلمِيّ فَجَعلهَا مدرسة وَدَار حَدِيث
قَالَ فِي تَنْبِيه الطَّالِب وَلم اقف على أحد مِمَّن ولي مشيختها اهـ وَسَيَأْتِي تَمام الْكَلَام عَلَيْهَا فِي مدارس الشَّافِعِيَّة وَهَذِه الْمدرسَة ذهبت أحاديثها إِلَّا من القرطاس وضمتها أَيدي المختلسين إِلَيْهَا فَصَارَت مرتع غزلان وثعالب بعد أَن كَانَت تلوح عَلَيْهَا أنوار حَدِيث سيد الْمَشَارِق والمغارب وَلَقَد خَفِي عَليّ مَكَانهَا أَولا ثمَّ ظَفرت بِهِ فَإِذا هِيَ
стр. 58
بِمحل يُقَال لَهُ الْآن زقاق السّلمِيّ غربي مئذنة الشَّحْم وَلما تأملتها وجدت حائطها الشَّرْقِي بَاقِيا وَبِه بركَة مَاء مَبْنِيَّة بحجارة ضخمة على طراز قديم وهندسة معجبة ونقوش بديعة وَعَن يميها ويسارها عمودان لطيفان والشمالي من المرمر وصدرها من الْحجر المعجن وبابها لم يزل بَاقِيا إِلَّا أَنه مسدود وَبعد نَحْو ثَمَانِي خطوَات من الْبركَة إِلَى الْجنُوب حجرَة لَطِيفَة بِلَا سقف وَلها شباك على الطَّرِيق وَبهَا قبر مصبوغ بالمغرة يَقُولُونَ انه قبر السّلمِيّ وَعَن شمالها اثر فِي الْجِدَار يُنَادي على انه كَانَ مدرسة ولعلها أُخْتهَا السامرية الَّتِي أَصَابَهَا كل مَا أصَاب أُخْتهَا
تَرْجَمَة واقفها
هُوَ ابْن كروس الْمُتَقَدّم جمال الدّين محتسب دمشق أَبُو المكارم السّلمِيّ كَانَ كيسا متواضعا كَرِيمًا حسن الْأَخْلَاق قَالَ الصَّفَدِي سمع الحَدِيث من بهاء الدّين ابْن عَسَاكِر وَغَيره وَكَانَ رَئِيسا محتشما قيمًا بالحسبة توفّي بِدِمَشْق فِي شَوَّال سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَدفن بداره وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِي مدارس الشَّافِعِيَّة
حرف النُّون
دَار الحَدِيث النورية
هِيَ بسوق العصرونية من الْجَانِب القبلي بَين دَار الحَدِيث ألاشرفية والمدرسة العصرونية إِمَام العادلية الصُّغْرَى يفصل بَينهمَا الطَّرِيق وَهَذِه الدَّار تقلبت بهَا الْأَيَّام والدهور فأصابها قريب مِمَّا أصَاب دَار الحَدِيث ألاشرفية فَصَارَت دَارا للسُّكْنَى وطمس محراب مَسْجِدهَا وطمرت بركَة مَائِهَا لتتغير رسومها فأرشد الله تَعَالَى لاستخلاصها الْعَالم الْفَاضِل الْفَقِيه الشَّيْخ أَبُو الْفرج ابْن الْعَالم الْفَاضِل الصَّالح الشَّيْخ عبد الْقَادِر الْخَطِيب الدِّمَشْقِي فأنقذها من يَد مختلسيها وَجلسَ يقرئ بهَا الدُّرُوس فجزاه الله خيرا
وَلَقَد شاهدتها وتأملتها أثْنَاء كتابتي لهَذِهِ السطور فَإِذا هِيَ الْآن تشْتَمل على دهليز
стр. 59
لطيف فِيهِ عَن يَمِين الدَّاخِل حجرَة وَعَن يسَاره بَاب مسدود يظنّ انه بَاب حجرَة أَيْضا لَكِنَّهَا صَارَت حانوتا للبضائع وَالتِّجَارَة وَلها ساحة لَطِيفَة فِي وَسطهَا بركَة مَاء على نمط قديم وهندسة لَطِيفَة وَبهَا مَسْجِد طوله إِحْدَى وَعِشْرُونَ خطْوَة وَعرضه خمس خطوَات وسقفه مَعْقُود بِالْحِجَارَةِ والآجر المتين ومحرابه من الْحجر المحفور المعجن وبالجانب الشَّرْقِي من الساحة حجرتان جديدتان وفوقهما غرفتان مثلهمَا وهما من بِنَاء أهل الْخَيْر بِوَاسِطَة الْفَاضِل الشَّيْخ عبد الْقَادِر ابْن الشَّيْخ أبي الْخَيْر الْخَطِيب وَفَوق دهليزها غرفَة أَيْضا
واقفها ومدرسوها
اخْتلف فِي بانيها وواقفها فَقيل واقفها وبانيها نور الدّين مَحْمُود بن أبي سعيد ابْن آق سنقر التركي وَهُوَ أول من بنى دَارا للْحَدِيث وَقيل أوقفتها عصمَة الَّتِي قيل أَنَّهَا كَانَت زوج السُّلْطَان صَلَاح الدّين وَهُوَ خلاف الْمَعْرُوف وَفِي طَبَقَات السُّبْكِيّ الْوُسْطَى فِي تَرْجَمَة الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر أَن الْملك الْعَادِل مَحْمُود بن زنكي نور الدّين قد بنى لِابْنِ عَسَاكِر هَذَا دَار الحَدِيث النورية ودرس بهَا إِلَى حِين وَفَاته انْتهى فالباني لَهَا هُوَ نور الدّين وترجمة السُّلْطَان نور الدّين الشَّهِيد فِي الْقسم الأول لَكنا نقُول هُنَا انه توفّي يَوْم الْأَرْبَعَاء الْحَادِي من شَوَّال سنة تسع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة عَن ثَمَان وَخمسين سنة قَالَ ألاسدي فِي الْكَوَاكِب الدرية فِي السِّيرَة النورية وَكَانَ وقف هَذِه الْمدرسَة قَلِيلا
قَالَ ابْن كثير وَلما وسع الخَنْدَق سنة إِحْدَى عشرَة وسِتمِائَة مِمَّا يَلِي القيمازية خربَتْ دور كَثِيرَة هُنَاكَ وَخرب حمام قايماز وفرن كَانَ وَقفا على هَذِه الْمدرسَة وَغير ذَلِك فَلَمَّا بنى الْأَشْرَف دَار الحَدِيث غربيها شَرط أَن يُؤْخَذ من وَقفهَا ألفا دِرْهَم فتضاف إِلَى وقف دَار الحَدِيث النورية فانصلح حَالهَا وَقَالَ أَبُو شامة فِي الروضتين بنى نور الدّين دَار الحَدِيث ووقف عَلَيْهَا وعَلى من بهَا من المشتغلين بِعلم الحَدِيث أوقافا كَثِيرَة وَهُوَ أول من بنى دَار حَدِيث فِيمَا علمناه
وَأما مدرسوها فهم الْحَافِظ الْكَبِير ثِقَة الدّين أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن الْحسن الْمَعْرُوف بِابْن عَسَاكِر صَاحب تَارِيخ دمشق ثمَّ وَلَده الْحَافِظ الْمسند بهاء الدّين أَبُو مُحَمَّد
стр. 60
الْقَاسِم وَلم يتَنَاوَل من معلومه من الْمدرسَة النورية هَذِه شَيْئا بل جعله مرْصدًا لمن يرد عَلَيْهِ من الطّلبَة وَقيل انه لم يشرب من مَائِهَا وَلم يتَوَضَّأ مِنْهُ ثمَّ زين الدّين ابْن الْأُمَنَاء الْحسن بن مُحَمَّد بن الْحسن بن هبة الله بن عَسَاكِر ثمَّ عبد الْوَهَّاب ابْن زين الْأُمَنَاء أَبُو البركات الْحسن بن مُحَمَّد بن عَسَاكِر ثمَّ الْحَافِظ زين الدّين خَالِد بن يُوسُف ابْن سعد النابلسي شيخ النَّوَوِيّ ثمَّ الْعَلامَة تَاج الدّين أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم ابْن سِبَاع الغزاوي الْمَعْرُوف بِابْن الفركاح ثمَّ الْحَافِظ مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحَمَّد الصَّابُونِي ثمَّ الْمجد بن المهتار ثمَّ فَخر الدّين الْحَنْبَلِيّ ثمَّ شرف الدّين النابلسي احْمَد بن نعْمَة ثمَّ عَلَاء الدّين بن الْعَطَّار ثمَّ الْحَافِظ المؤرخ المعيد علم الدّين الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن يُوسُف ابْن مُحَمَّد البرزالي الدِّمَشْقِي صَاحب الذيل على تَارِيخ أبي شامة والمعجم الْكَبِير يُقَال انه فِي بضع وَعشْرين مجلدا وَلما اطلع عَلَيْهِ ابْن حبيب قرظة بقوله
(يَا طَالبا لقب الشُّيُوخ وَمَا رووا ... فِيهِ على التَّفْصِيل والإجمال)
(دَار الحَدِيث انْزِلْ تَجِد مَا تبتغيه ... بارزا فِي مُعْجم البرزالي)
ثمَّ جماعات لم يصلنا ذكرهم على التَّرْتِيب
دَار الحَدِيث النفيسية
ترجمها كل من العليمي والعلموي والبقاعي بِأَنَّهَا بالرصيف قبلي البيمارستان الدقاقي وَبَاب الزِّيَادَة عَن يَمِين الْخَارِج مِنْهُ شمَالي الْمدرسَة الأمينية إِلَى الغرب بالزقاق الَّذِي كَانَ يعرف بزقاق الزطي اهـ
أَقُول هَذِه الْمدرسَة مَعَ البيمارستان درسا وادخلا فِي غَيرهمَا فصارا دورا للسُّكْنَى وَبَيَان موضعهَا يعسر جدا الْآن وَبَاب الزِّيَادَة هُوَ بَاب الْجَامِع القبلي فَإِذا خرج مِنْهُ أحد وَسَار قَلِيلا كَانَ عَن يَمِينه الْآن العنبرانية وَهِي بيُوت خلاء للجامع ثمَّ تكون الحوانيت ثمَّ بعد العنبرانية بِقَلِيل سوق قصير من الشرق إِلَى الغرب فِي جَانِبه القبلي الأمينية وَفِي الشمالي زقاق قصير وَهُوَ الَّذِي سَمَّاهُ العلموي بزقاق الزطي وَيُقَال لَهُ الْآن زقاق الاقميم وَفِي زمننا كَانَ بجانبه حمام يُقَال لَهُ حمام القيشاني فَصَارَ سوقا واتصل
стр. 61
بِهَذَا الزقاق وَفِيه كَانَت الْمدرسَة الْمَذْكُورَة وَقد صَارَت الْآن دارين واخبرني بعض الثِّقَات أَن بَابهَا كَانَ ظَاهرا وفوقه حجر مَكْتُوب عَلَيْهِ اسْم بانيها وَلم يزل إِلَى زمن قريب ثمَّ طين فَوْقه حَتَّى لَا تظهر كِتَابَته وَمحل العنبرانية والأبنية الَّتِي بجانبها كَانَ البيمارستان الْمَذْكُور فتبدلت الْأَحْوَال وَللَّه فِي خلقه شؤون واخبرني بعض الثِّقَات انه سكن دَارا لبني اليافي ملاصقة للعنبرانية فَرَأى بِهِ آثَار بِنَاء قديم يشبه أَن يكون هُوَ البيمارستان الْمَذْكُور
تَرْجَمَة واقفها
هُوَ أَبُو النفيس إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد بن صَدَقَة الْحَرَّانِي ثمَّ الدِّمَشْقِي قَالَ ابْن كثير كَانَ نَاظرا على الْأَيْتَام تولى شَهَادَة الْقِسْمَة وَكَانَ ذَا ثروة من المَال توفّي سنة سِتّ وَتِسْعين وسِتمِائَة عَمَّا يقرب من سبعين سنة وَدفن بسفح قاسيون
وَأول من ولي تدريسها الْمُقْرِئ الْمُحدث النَّحْوِيّ الأديب عَلَاء الدّين بن المظفر الْكِنْدِيّ السكندري ثمَّ الدِّمَشْقِي من جمَاعَة الشَّيْخ ابْن تَيْمِية ثمَّ بعده الْحَافِظ علم الدّين البرازالي
دَار الحَدِيث الناصرية
أهملها البقاعي وَقَالَ النعيمي هِيَ بمحلة الفواخير بسفح قاسيون قبلي الْجَامِع الافرم وَبهَا رِبَاط وَهِي الناصرية البرانية وَسَتَأْتِي الناصرية الجوانية انْتهى
أَقُول أَن تِلْكَ الْمدَارِس والربط الَّتِي كَانَت بالسفح من لدن الجسر الْأَبْيَض إِلَى الْجَبَل من الغرب الشمالي مِمَّا بَين يزِيد وثورا لم يبْق مِنْهَا بَقِيَّة تذكر وَذَلِكَ أَن يَد الزَّمَان قد تناولتها فنقضت بناءها وقوضته ثمَّ انه مُنْذُ عهد لَيْسَ بالبعيد أحتاج نهر ثورا إِلَى عمَارَة جوانبه فَأخذت حِجَارَة تِلْكَ الْأَبْنِيَة وَتصرف بهَا فِي ذَلِك الْبناء وَهَذَا عدا عَمَّا تناولته الْأَيْدِي واختلسته ثمَّ سويت الأَرْض وَجعلت حواكير وبساتين سنة الله فِي خلقه وَالْجَامِع ألافرم الْآن خراب بلقع لم يُوجد مِنْهُ سوى حُفْرَة تدل على
стр. 62
انه كَانَ هُنَالك بحيرة الْجَامِع وَمَا بَقِي من حجارته وحجارة أَمْثَاله اخذ لبِنَاء الْبيُوت الَّتِي جددت مُنْذُ عشر سِنِين وَسميت بحارة الْمُهَاجِرين وقبلي الْجَامِع الْمَذْكُور حاكورة يفصل بَينهَا وَبَين ساحته الطَّرِيق جدارها الشمالي أساس بِهِ أَحْجَار تدل على انه كَانَ ثمَّة الْمدرسَة الناصرية واخبرني بعض الْأَصْحَاب انه شَاهد هُنَاكَ حجرات قَائِمَة الجدران بِلَا سقف ثمَّ أخنى عَلَيْهَا الزَّمَان كَمَا ذكرنَا ومحراب الْجَامِع ألافرم نقلت حجارته إِلَى مَسْجِد دَار الحَدِيث ألاشرفية بطريقة الشِّرَاء
تَرْجَمَة بانيها
أَنْشَأَهَا الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف ابْن الْملك الْعَزِيز عُثْمَان ابْن السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب بن شاذي فاتح بَيت الْمُقَدّس وَكَانَ مولده بقلعة حلب فِي رَمَضَان سنة سبع وَعشْرين وسِتمِائَة وبويع لَهُ بحلب سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة بعد موت أَبِيه وعمره سبع سِنِين وَقَامَ بتدبير مَمْلَكَته جمَاعَة من مماليك أَبِيه وَكَانَ الْأَمر كُله عَن رَأْي جدته أم أَبِيه صَفِيَّة خاتون ابْنة الْملك الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب وَلِهَذَا سكت الْملك الْكَامِل لِأَنَّهَا أُخْته فَلَمَّا توفيت سنة أَرْبَعِينَ اشْتَدَّ النَّاصِر واشتغل عَنهُ الْكَامِل بِعَمِّهِ الصَّالح ثمَّ فتح حمص سنة سِتّ وَأَرْبَعين فوليها عشر سِنِين قَالَ ابْن قَاضِي شهبه كَانَ كثير الْبر وَالْإِحْسَان وَالصَّدقَات محببا إِلَى الرّعية فِيهِ عدل فِي الْجُمْلَة حسن الْأَخْلَاق محبا لأهل الْعلم وَالْفضل وَالْأَدب وَكَانَ سوق الشّعْر نافقا فِي أَيَّامه وَكَانَ يذبح فِي مطبخه كل يَوْم أَرْبَعمِائَة كَبْش من الْغنم سوى الدَّجَاج والطيور والجداء وَله نظم حسن وَقَالَ غَيره وَكَانَ النَّاس مَعَه فِي عيشة هنيَّة إِلَّا وَقت إدارة الْخُمُور وَكَانَ مَجْلِسه مجْلِس ندماء وأدباء ثمَّ خدع وَعمل فِيهِ حَتَّى وَقع فِي قَبْضَة التتار فَذَهَبُوا بِهِ إِلَى هولاكو فَأكْرمه فَلَمَّا بلغه أَن جَيْشه قد كسر على عين جالوت غضب وتنمر وَأمر بقتْله فتذلل لَهُ وَقَالَ مَا ذَنبي فَأمْسك عَن قَتله وَقتل شقيقه الْملك الظَّاهِر عليا قَالَه الْحَافِظ الذَّهَبِيّ فِي العبر فِي حوادث تسع وَخمسين وسِتمِائَة وَقيل بل قَتله سنة ثَمَان وَكَانَ قد اعد لنَفسِهِ تربة فِي رباطه الَّذِي بناه بسفح قاسيون فَلم يقدر لَهُ دَفنه بِهِ وَدفن بالشرق وَكَانَ شَابًّا ابيض مليحا حسن الشكل بِعَيْنيهِ قيل يَعْنِي حول قَالَه ابْن كثير وَقَالَ أَيْضا فِي حوادث أَربع وَخمسين وسِتمِائَة وفيهَا أَمر النَّاصِر بعمارة الرِّبَاط الناصري بسفح قاسيون وَذَلِكَ عقيب الْفَرَاغ
стр. 63
من بِنَاء الناصرية الجوانية بِدِمَشْق والناصرية البرانية من اغرب الْأَمْكِنَة فِي الْبُنيان الْمُحكم والجوانية من احسن الْمدَارِس وَهُوَ الَّذِي بنى الخان الْكَبِير تجاه الزنجاري وحولت إِلَيْهِ دَار الْأَطْعِمَة وَكَانَت قبل ذَلِك غربي القلعة فِي اصطبل السُّلْطَان وَكَانَت مُدَّة تملكه لدمشق عشر سِنِين فَبنى فِيهَا هَذِه الْأَمْكِنَة وَفِي الْقسم الأول زِيَادَة إِيضَاح على هَذَا
ورتب النَّاصِر لهَذِهِ الْمدرسَة مرتبات ودرس بهَا كَمَال الدّين بن الشريشي مَعَ تَوليته مشيخة الرِّبَاط اكثر من خمس عشرَة سنة
ثمَّ درس بهَا وَلَده الْعَلامَة مُحَمَّد ولد سنة أَربع أَو خمس وَتِسْعين وسِتمِائَة ثمَّ اشْتغل بالطب وَسمع من الحافظين الْعِرَاقِيّ والهيثمي وَغَيرهمَا واشتغل فِي صباه وتفنن فِي الْعُلُوم واشتهر بالفضيلة وَكَانَ حسن المناظرة دمث الْأَخْلَاق درس بعدة مدارس وَأفْتى وَتَوَلَّى الْقَضَاء مرَارًا وَاخْتصرَ الرَّوْضَة وَشرح الْمِنْهَاج فيأربعة أَجزَاء لخصه من شرح الرَّافِعِيّ الصَّغِير وَله زَوَائِد الْحَاوِي على الْمِنْهَاج الفرعي وَله خطب ونظم توفّي سنة تسع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة ثمَّ درس بعده حسام الدّين الغوتي ثمَّ شرف الدّين الْفَزارِيّ ثمَّ نجم الدّين بن قوام ثمَّ وَلَده نور الدّين
стр. 64
دور الْقُرْآن والْحَدِيث
قد سبق لنا الْكَلَام على الدّور الَّتِي كَانَت مُخْتَصَّة بِالْقُرْآنِ وعَلى الدّور الَّتِي كَانَت مُخْتَصَّة بِالْحَدِيثِ حسب الْإِمْكَان وحسبما اتَّصل بِنَا ولنشرع الْآن فِي بَيَان الدّور الَّتِي كَانَت مُشْتَركَة بَينهمَا
دَار الْقُرْآن والْحَدِيث التنكزية
هِيَ شَرْقي حمام نور الدّين الشَّهِيد تجاه دَار الذَّهَب وَرَاء سوق البزوريين الْمَعْرُوف قَدِيما بسوق الْقَمْح
قَالَ ابْن كثير وَكَانَت هَذِه الدَّار حَماما يعرف بحمام سُوَيْد فهدمه نَائِب السلطنة تنكز الملكي الناصري وَجعله دَار قُرْآن وَحَدِيث فَجَاءَت فِي غَايَة من الْحسن ورتب فِيهَا الطّلبَة والمشائخ وَقَالَ أَيْضا وَفِي سنة سبع وَعشْرين وَسَبْعمائة توجه نَائِب السلطنة سيف الدّين تنكز إِلَى الديار المصرية لزيارة السُّلْطَان فَأكْرمه واحترمه وَاشْترى لَهُ فِي سَفَره هَذَا دَار الْفُلُوس الَّتِي هِيَ بِالْقربِ من البزوريين والمدرسة الجوزية وَهِي شرقيهما فعمر هَذِه الدَّار دَارا هائلة لَيْسَ فِي دمشق دَار احسن مِنْهَا وسماها دَار الذَّهَب وَمر بالقدس حِين رُجُوعه من مصر فَأمر بِبِنَاء دَار حَدِيث فِيهِ وخانقاه ثمَّ لما أَتَى إِلَى الشَّام نقل حواصله وأمواله من دَار الذَّهَب الَّتِي كَانَت دَاخل بَاب الفراديس إِلَى دَاره هَذِه قَالَ النعيمي فِي كِتَابه تَنْبِيه الطَّالِب رَأَيْت فِي قَائِمَة قديمَة تَتَضَمَّن سرد أوقاف دَار الحَدِيث هَذِه فَكَانَ فِيهَا مَا صورته
فِي سوق القشاشين ثَمَانِيَة عشر حانوتا فِي خَارجه وَفِي دَاخله تِسْعَة عشر حانوتا وبحارة الْقصر طبقتان واصطبل وبستان يعرف ببستان البندر وَبهَا مشيخة للإقراء باسم الْبُرْهَان الاربدي ومصرفها مشيخة الْقُرْآن والإمامة مائَة وَعِشْرُونَ درهما وَثَلَاث مشيخات للْحَدِيث لكل وَاحِد مِنْهَا خَمْسَة عشر درهما فِي الشَّهْر وللمشتغلين بِالْقُرْآنِ الْعَظِيم وهم اثْنَا عشر لكل وَاحِد مِنْهُم سَبْعَة وَنصف فِي الشَّهْر وللمعاونين وهم خَمْسَة لكل وَاحِد مِنْهُم سَبْعَة وَنصف فِي الشَّهْر أَيْضا ولكاتب الْغَيْبَة عشرَة
стр. 65
وللمؤذن والبواب والقوام أَرْبَعُونَ ولصحابة الدِّيوَان أَرْبَعُونَ وللمشارف مثلهَا وللعامل ثَلَاثُونَ وللجابي خَمْسُونَ وَلمن يُشَاهد عمَارَة الْوَقْف خَمْسَة وَعِشْرُونَ ومشهد الْعِمَارَة كَذَلِك وللمعمارية خَمْسَة عشر ولنيابة النّظر أَرْبَعُونَ وللناظر مائَة هَذَا كُله فِي الشَّهْر
أَقُول سوق البزوريين يعرف الْآن بسوق البزورية وَقد كَانَ على شكل قديم فعمر فِيمَا بعد التسعين وَمِائَتَيْنِ وَألف على نمط جَدِيد ووسع وحمام نور الدّين مَوْجُود إِلَى الْآن يُقَال لَهُ حمام البزورية والمدرسة الجوزية هِيَ الْآن محكمَة البزورية وَقد أخليت الْآن من الحكم وَصَارَت دَار قُرْآن وَتَعْلِيم خطّ وحساب وَدَار الذَّهَب بَاقِيَة إِلَى الْآن وَهِي بيد بني الْعظم وَهِي مَعْدُودَة من الْآثَار الْقَدِيمَة ومشهورة يَأْتِي السائحون من الفرنجة لرؤية مبانيها فيتعجبون مِنْهَا وَمن سعتها وجودة انتظامها
وَأما الْمدرسَة فَلم تزل بَاقِيَة إِلَى الْآن وَهِي شَرْقي اقميم حمام البزورية فِي الزقاق المنحدر إِلَى الشرق وبابها على هندسة لَطِيفَة ومحفور فِي البلاطة الَّتِي هِيَ أَعْلَاهُ مَا صورته
انشأ هَذِه الْمدرسَة الْمُبَارَكَة وأوقفها على الْقُرَّاء المشتغلين بِالْقُرْآنِ الْعَظِيم وَالْفُقَهَاء المسمعين للْحَدِيث النَّبَوِيّ الْملك الْأَشْرَف السيفي التنكزي النظري كافل الممالك الشَّرِيفَة بِالشَّام المحروسة وَذَلِكَ فِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة بَاشرهُ العَبْد الْفَقِير أيدمر الْعَيْنِيّ وجدرانها الْأَرْبَع بَاقِيَة مَعَ بعض أبنيتها الْأَصْلِيَّة وَلَقَد تناولتها قَدِيما أَيدي النظار فَفَعَلُوا بهَا كَمَا فعلوا بغَيْرهَا إِلَى أَن وصلت إِلَى يَد نَاظر لَهُ نصف النّظر ولأخته النّصْف الآخر فَجَعَلَاهَا دَارا للسُّكْنَى ثمَّ هما بِأَن يهدما الْبَاب لتتغير هيئتها فَألْقى الله تَعَالَى الْخلاف بَينهمَا والمشاجرة فِي أمرهَا فَفطن لذَلِك بَنو الْخَطِيب ففتحوا بَابهَا للصَّلَاة وَعلم النَّاس بِأَنَّهَا مدرسة ثمَّ تولى نظرها الْقَارئ المتقن الشَّيْخ مُحَمَّد الْحلْوانِي فَحسن بعض أبنيتها الداخلية وأعانه على ذَلِك بعض أهل الْخَيْر وَجعلهَا مكتبا لقِرَاءَة الْقُرْآن فَعَاد إِلَيْهَا شَيْء من رونقها ثمَّ أَخذهَا مِنْهُ فِي هَذِه السنين الْفَاضِل الشَّيْخ كَامِل القصاب فَبنى بهَا أبنية علوِيَّة وسفلية ورممها وَجعلهَا مكتبا لقِرَاءَة الْقُرْآن ومبادئ الْعُلُوم والفنون فازداد رونقها وَظَهَرت بهجتها وَهِي على تِلْكَ الْحَال فِي زمننا هَذَا وَأما أوقافها فَلم تُوجد إِلَّا فِي الْقَرَاطِيس
стр. 66
تَرْجَمَة واقفها
فِي الْقسم الأول من هَذَا الْكتاب بَيَان لأحوال واقفها وَلَكِن من الْجِهَة السياسية ولنذكر هُنَا تَرْجَمته الأدبية فَنَقُول
قَالَ الصّلاح الصَّفَدِي فِي تَارِيخه الْأَمِير الْكَبِير المهيب سيف الدّين أَبُو سعيد تنكز نَائِب السلطنة بِالشَّام جلب إِلَى مصر وَهُوَ حدث فَنَشَأَ بهَا وَكَانَ ابيض اللَّوْن إِلَى السمرَة رَشِيق الْقد مليح اشعر خَفِيف اللِّحْيَة قَلِيل الشيب حسن الشكل ظريفه جلبه الخواجا عَلَاء الدّين السيواسي فَاشْتَرَاهُ الْأَمِير حسام الدّين لاجين وَاسْتمرّ عِنْده إِلَى أَن قتل فَصَارَ إِلَى خاصكية السُّلْطَان وَشهد مَعَه وَاقعَة الخازندرا ثمَّ وَاقعَة شقحب قَالَ الصَّفَدِي واخبرني القَاضِي شهَاب الدّين القيسراني أَن تنكز قَالَ لَهُ يَوْمًا أَنا والأمير سيف الدّين طغيال من مماليك ألاشرف ثمَّ إِن تنكز سمع الصَّحِيحَيْنِ وَكتاب الْآثَار وَأمره الْملك النَّاصِر إمرة عشرَة قبل توجهه إِلَى الكرك وَكَانَ قد سلم اقطاعه إِلَى الْأَمِير صارم الدّين صاروجا المظفري فَكَانَ آغا لَهُ وَلما توجه إِلَى الكرك كَانَ فِي خدمَة الْملك النَّاصِر وجهزه مرّة إِلَى ألافرم فِي دمشق فاتهمه بِأَن مَعَه كتابا إِلَى أُمَرَاء الشَّام فَحصل لَهُ مِنْهُ مَخَافَة شَدِيدَة وفتش وعاقبة الاحرام فَلَمَّا عَاد إِلَى النَّاصِر عرفه بذلك فَقَالَ لَهُ أَن عدت إِلَى الْملك فَأَنت نَائِب دمشق فَلَمَّا حضر من الكرك جعل الْأَمِير سيف الدّين أرغون الدوادار نَائِب السُّلْطَان بِمصْر بعد إِحْضَار الجوكندار الْكَبِير وَقَالَ لتنكز ولسودي احضرا كل يَوْم عِنْد أرغون وتعلما مِنْهُ النِّيَابَة وَالْأَحْكَام فلازماه سنة فَلَمَّا مهْرا جهز سيف الدّين سودي إِلَى حلب نَائِبا وَجعل تنكز نَائِبا فِي دمشق فَحَضَرَ إِلَيْهَا على الْبَرِيد هُوَ والحاج سيف الدّين سودي وأرقطاي والأمير حسام الدّين طومطاي والشبهقدار وَكَانَ وصولهم إِلَى دمشق فِي ريبع الأول سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَسَبْعمائة فَتمكن تنكز من النِّيَابَة وَسَار إِلَى ملطية فافتتحها وَعظم شَأْنه وهابه الْأُمَرَاء بِدِمَشْق وَأمن الرعايا وَلم يكن أحد من الْأُمَرَاء وَلَا من أَرْبَاب الجاه يقدر على ظلم ذمِّي أَو غَيره خوفًا من بطشه وَشدَّة إِيقَاعه وَلم يزل فِي الارتقاء وعلو الدرجَة وأملاكه تتضاعف وتزيد انعاماته وعوائده من الْخَيل والقماش والطيور والجوارح حَتَّى
стр. 67
كتب لَهُ اعز الله أنصار الْمقر الْكَرِيم العالي الأميري وَفِي الألقاب الاتابك القائدي وَفِي النعوت معز الْإِسْلَام سيد الْأُمَرَاء فِي الْعَالمين
قَالَ الصَّفَدِي وَهَذَا لم تعهد كِتَابَته من سُلْطَان لنائب وَلَا لغير نَائِب على اخْتِلَاف الْوَظَائِف والمناصب
وَكَانَ السُّلْطَان لَا يفعل شَيْئا فِي الْغَالِب حَتَّى يستشيره وَلَقَد عقد شَيْئا مَا سمعناه من غَيره وَهُوَ انه كَانَ لَهُ كَاتب لَيْسَ لَهُ شغل وَلَا عمل غير مَا يدْخل خزائنه من الْأَمْوَال وَمَا يسْتَقرّ لَهُ ثمَّ إِذا حَال الْحول عمل أوراقا بِمَا يجب صرفه من الزَّكَاة فَإِذا قدم لَهُ كَاتبه الأوراق أَمر بِصَرْف مَا بهَا إِلَى ذِي الِاسْتِحْقَاق فَكَانَ هَذَا الْكَاتِب كَاتبا وناظرا على الزَّكَاة فَقَط وازدادت أَمْوَاله وأملاكه وَعمر الْجَامِع الْمَعْرُوف بِهِ بحكر السماق وانشأ إِلَى جَانِبه تربة وحماما وَعمر تربة إِلَى جَانب الخواصين لزوجته وَعمر دَار الْقُرْآن والْحَدِيث إِلَى جَانب دَاره دَار الذَّهَب وانشأ بالقدس رِبَاطًا وَعمر سور الْقُدس وسَاق إِلَيْهَا المَاء وادخله إِلَى الْحرم وَعمر على بَابه سِقَايَة وَعمر بهَا حمامين وقاسارية مليحة إِلَى الْغَايَة وَعمر بصفد البيمارستان الْمَعْرُوف بِهِ وخانا وَغَيرهمَا وَله بجلجولية خَان السَّبِيل وَيُقَال لَهُ خَان الْمنية وَهُوَ فِي غَايَة الْحسن وَعمر فِي الكافوري من الْقَاهِرَة دَارا عَظِيمَة وحماما وحوانيت وَغير ذَلِك وجدد القنوات بِدِمَشْق وَكَانَ مَاؤُهَا قد تغير وجدد أبنية الْمَسَاجِد والمدارس ووسع الطرقات بهَا واعتنى بأمرها وَله فِي سَائِر الشَّام آثَار وأملاك وعمائر انْتهى وَقد بسط الصَّفَدِي تَرْجَمته فِي نصف كراس وَهَذَا ملخصها
ثمَّ إِن السُّلْطَان غضب عَلَيْهِ وجهز للقبض عَلَيْهِ جمَاعَة فاستسلم فَأخذ سَيْفه وَقيد خلف مَسْجِد الْقدَم وجهز إِلَى السُّلْطَان فِي ذِي الْحجَّة سنة أَرْبَعِينَ وَسَبْعمائة وتأسف أهل دمشق عَلَيْهِ واحتيط على حواصله فَلَمَّا وصل إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة حبس بهَا دون الشَّهْر ثمَّ قضى الله فِيهِ أمره وَصلى عَلَيْهِ أهل الْإسْكَنْدَريَّة وَكَانَ قَبره يزار ويدعى عِنْده وَلما كَانَ فِي أَوَاخِر رَجَب سنة أَربع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة حضر تابوته من الْإسْكَنْدَريَّة إِلَى دمشق وَدفن فِي تربة جوَار الْجَامِع الْمَعْرُوف بإنشائه ورثاه الصّلاح الصَّفَدِي بقصيدة طَوِيلَة
стр. 68
جَامع تنكز
حَيْثُ أفْضى بِنَا الْمقَال إِلَى تَرْجَمَة تنكز وخيراته حسن بِنَا أَن نذْكر جَامعه الَّذِي بناه بِدِمَشْق وان كَانَ اسْمه يَأْتِي عِنْد سرد الْجَوَامِع فَنَقُول
قَالَ التقي البديري حسن بن المزلق فِي نزهة الْأَنَام هَذَا الْجَامِع فِي الشّرف الْأَدْنَى وَهُوَ من الغايات هندسة وَبِنَاء وَفِيه عشرُون شباكا على خطّ الاسْتوَاء تشرف على الْأَنْهَار ومرجة الميدان وَمَا حوى وبوسط صحنه يمر نهر بانياس يتَوَضَّأ مِنْهُ النَّاس وَبِه ناعورتان تملان وتفرغان إِلَى حوضين بهما سَائِر الْأَشْجَار والرياحين والأزهار وَبَينهمَا بركَة مربعة بهَا كأس فِي غَايَة التدوير يجْرِي المَاء إِلَيْهَا من النواعير فَهُوَ منتزه يقْصد وللمصلي معبد انْتهى
وَقَالَ ابْن كثير فِي تَارِيخه وَفِي سنة سبع عشرَة وَسَبْعمائة شرع فِي عمَارَة الْجَامِع الَّذِي أنشأه الْأَمِير تنكز أَو دنكز نَائِب الشَّام ظَاهر بَاب النَّصْر تجاه حكر السماق على ظهر بانياس وَتردد الْقُضَاة الْعلمَاء فِي تَحْرِير قبلته فاستقر الْحَال فِي أمرهَا على مَا قَالَه الشَّيْخ تَقِيّ الدّين احْمَد بن تَيْمِية وَشرع فِي بنائِهِ بِأَمْر من السُّلْطَان ومساعدته لنائبه فِي ذَلِك وَكَانَ الشُّرُوع بِهِ فِي صفر من السّنة الْمَذْكُورَة وَصليت الْجُمُعَة فِيهِ فِي عَاشر شعْبَان مِنْهَا انْتهى وَسَيَأْتِي لهَذَا مزِيد إِيضَاح فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
دَار الْقُرْآن والْحَدِيث الصبابية
كَانَت قبلي العادلية الْكُبْرَى وشمالي الطبرية أَنْشَأَهَا شمس الدّين بن تَقِيّ الدّين ابْن الصباب التَّاجِر وَكَانَت قبل ذَلِك خربة شنيعة
قَالَ النعيمي كَانَ إنشاؤها سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة وَجعلهَا بانيها دَار قُرْآن وَحَدِيث وَلم اقف على أحد مِمَّن على وَليهَا أصلا انْتهى
وَرَأَيْت فِي زيادات الْعَدوي على مُخْتَصر تحفة الطَّالِب للعلموي أَن واقفها رتب بهَا شَيخا للإقراء وشيخا للْحَدِيث ووقفا للمستحقين
стр. 69
قَالَ العلموي قلت هِيَ الْآن سكن الشَّيْخ أبي الْيُسْر بن الرَّمْلِيّ وَأما الطبرية فلعلها احترقت فِي فتْنَة تيمورلنك وَهِي الْآن بيُوت وَبَيت ابْن علم الدّين وَأَوْلَاد خضر وَنَحْو ذَلِك قبلي الصبابية أنْتَهى
قلت التَّعْرِيف بِبَيْت فلَان لم يفدنا الْآن شَيْئا والتعريف بمكانها بِالنِّسْبَةِ لزماننا يعسر غَايَة الْعسر بيد انه إِذا وقفت بِجَانِب العادلية وسرت إِلَى الْجنُوب أَمَام المرادية وَنظرت إِلَى يَمِينك رَأَيْت أَولا بركَة مَاء فِي أول الطَّرِيق وأساسا مَبْنِيا بحجارة ضخمة فَرُبمَا كَانَ الأساس أساس تِلْكَ الْمدرسَة وأثارها وَبعدهَا الطبرية وعَلى كل فانهما درسا وَلم يبْق لَهما رسم وَلَا طلل
تَرْجَمَة واقفها
قَالَ الْحُسَيْنِي فِي ذيله على العبر أَنْشَأَهَا الصَّدْر الاجل النَّبِيل شمس الدّين مُحَمَّد بن احْمَد بن مُحَمَّد أبي الْعِزّ الدِّمَشْقِي الْمَعْرُوف بِابْن الصباب ولد سنة سبعين وسِتمِائَة وَتُوفِّي سنة أَرْبَعِينَ وَسَبْعمائة وَكَانَ من التُّجَّار الْمَشْهُورين
دَار الْقُرْآن والْحَدِيث المعبدية
قَالَ النعيمي هِيَ دَاخل دمشق وَالْمَنْقُول أَنَّهَا دَار قُرْآن فَقَط
قَالَ الشريف الْحُسَيْنِي فِي ذيل العبر وَفِي سنة سِتّ وَأَرْبَعمِائَة مَاتَ بِدِمَشْق الْأَمِير عَلَاء الدّين بن سعيد البعلبكي وَدفن إِلَى جَانب دَاره وَرَأَيْت بِخَط الْأَسدي انه دفن دَاخل دمشق بتربة أَنْشَأَهَا لنَفسِهِ وَجعلهَا دَار قُرْآن وَقَالَ العلموي قلت لَا تعرف هَذِه أصلا وَتعقبه الْعَدوي فَقَالَ يحْتَمل أَنَّهَا المعينية وتصحفت وَهِي الْآن سكن المنلا يُوسُف الْكرْدِي وَهُوَ مدرسها فَليعلم وَهِي غربي الصبابية وقبلي اللاقية
стр. 70
أَقُول أَن هَذِه التعريفات لم تفدنا عَن بَيَان موضعهَا الْآن شَيْئا وَالْغَالِب على الظَّن بل الْمُحَقق أَنَّهَا أَصبَحت إِمَّا بُيُوتًا للسُّكْنَى أَو حوانيت للْبيع وَالشِّرَاء وَلَقَد راجعت تَارِيخ ابْن عَسَاكِر وَغَيره عَن تَرْجَمَة واقفها فَلم اظفر لَهُ بترجمة وَلم أجد فِيمَا بَين يَدي غير مَا قَدمته وَهنا انْتهى الْكَلَام على هَذَا الْقسم ويتلوه الْقسم الثَّالِث إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 71
الْقسم الثَّالِث فِي مدارس الشَّافِعِيَّة
هَذَا الْقسم لِكَثْرَة مدارسه اقْتضى الْحَال تَقْدِيمه وَيحسن بِنَا أَن نذْكر هُنَا مُقَدّمَة تَتَضَمَّن كَيْفيَّة تشعب الْمذَاهب وَمَا كَانَ دَاعيا إِلَى انحصارها فِي هَذِه الْأَرْبَعَة فِي دِيَارنَا وَمَا والاها فَنَقُول
يعلم كل أحد أَن نَبينَا مُحَمَّدًا ﷺ بَعثه الله تَعَالَى على فَتْرَة من الرُّسُل رَسُولا إِلَى النَّاس جَمِيعًا وَرَحْمَة للْعَالمين وَكَانَ النَّاس حِينَئِذٍ أهل شرك وَعبادَة لغير الله تَعَالَى إِلَّا بقايا من أهل الْكتاب وَنذر يسير من الْعَرَب المقرين بوحدانيته تَعَالَى فَقَامَ بِالْأَمر مَعَ شدَّة شكيمة المعارضين وصدع بِهِ معرضًا عَن الْجَاهِلين واتاهم بِكِتَاب اخرس الفصحاء واعجز البلغاء مَعَ انهم كَانُوا يفوقون رمل عالج عددا فَاخْتَارُوا الْمُضَاربَة بالصفاح والطعن بِالسِّنَانِ على المغالبة بِالْحجَّةِ والبرهان وَكتابه يناديهم ﴿وَإِن كُنْتُم فِي ريب مِمَّا نزلنَا على عَبدنَا فَأتوا بِسُورَة من مثله وَادعوا شهداءكم من دون الله إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ الْآيَة ٢ / ٢٣ فَلم يَك فِي وسعهم إِجَابَة النداء بل اخْتَارُوا المقاومة والمشاتمة والملاكمة والصدام إِلَى أَن كَانَ من أمره ﷺ مَعَ قُرَيْش مَا كَانَ مِمَّا هُوَ موضح فِي كتب السِّيرَة النَّبَوِيَّة وَهَاجَر من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة فأشرقت أشعة هَذَا الدّين الْمُبين وطلعت شمسه فعمت الْآفَاق وَلم تكن الدعاية إِلَى الدّين إِلَّا بِالْحجَّةِ والبرهان وَلَيْسَت الحروب إِلَّا للمدافعة عَن الرّوح كَمَا يُعلمهُ من سبر أسرار الشَّرِيعَة المحمدية وَمن يقل أَن الدعْوَة الإسلامية كَانَت بِالسَّيْفِ والقهر وَالْغَلَبَة وَلَا سُلْطَان للبرهان عَلَيْهَا فقد كذب وافترى وَقيل لَهُ آيَة قُوَّة كَانَت لمُحَمد ﷺ من المَال والأعوان حينما كَانَ بِمَكَّة أَمَام جَمِيع الْعَرَب المقاومين لَهُ وهم أهل الشجَاعَة والفصاحة والبلاغة وَلَو كَانَ لَهُ مَا ذكر لما خرج من مَكَّة حَيْثُ أخرجه أَهلهَا مِنْهَا فَمَا غلبهم بِغَيْر هَذَا الْقُرْآن وَكله حجج دامغة لأولي الشّرك والطغيان وَلما خلص نور الْبُرْهَان إِلَى أَفْئِدَة قوم رفقهم الله من أهل الْمَدِينَة وَمن حولهَا هَاجر النَّبِي ﷺ اليها وَمَعَهُ قومه مِمَّن خالط الايمان بشاشة قُلُوبهم وَاسْتقر بهَا بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَكَانَ الصَّحَابَة ﵃ يَجْتَمعُونَ اليه ويحتاطون بِهِ إحاطة الهالة
стр. 72
بالبدر النير فِي كل وَقت مَعَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ من ضنك الْمَعيشَة وَقلة الْقُوت وَلذَلِك كَانَ مِنْهُم من يحترف فِي الْأَسْوَاق وَمِنْهُم من كَانَ يقوم على نخله ويحضر رَسُول الله ﷺ فِي كل وَقت وَمِنْهُم طَائِفَة كَانُوا يحْضرُون عِنْدَمَا يَجدونَ أدنى فرَاغ مِمَّا هم بسبيله من طلب الْقُوت فَإِذا سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن مَسْأَلَة أَو حكم بِحكم أَو أَمر بِشَيْء أَو فعل شَيْئا وعاده من حضر عِنْده من الصَّحَابَة وَفَاتَ من غَابَ عَنهُ علم ذَلِك كَمَا هُوَ مَعْرُوف فِي كتب الحَدِيث وَكَانَ يُفْتِي فِي زمن النَّبِي ﷺ أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَعبد الله ابْن مَسْعُود وَأبي بن كَعْب ومعاذ بن جبل وعمار بن يَاسر وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان وَزيد بن ثَابت وَأَبُو الدَّرْدَاء وَأَبُو مُوسَى ألاشعري وسلمان الْفَارِسِي ﵃
فَلَمَّا انْتَقَلت الرّوح الطاهرة النَّبَوِيَّة إِلَى أَعلَى عليين واستخلف أَبُو بكر الصّديق ﵁ تَفَرَّقت الصَّحَابَة فِي الأقطار فَمنهمْ من خرج لقِتَال مُسَيْلمَة وَأهل الرِّدَّة وَمِنْهُم من خرج لقِتَال أهل الشَّام وَمِنْهُم من خرج لقِتَال أهل الْعرَاق
وَبَقِي من الصَّحَابَة فِي الْمَدِينَة مَعَ أبي بكر ﵁ جمَاعَة فَكَانَت الْقَضِيَّة إِذا نزلت بِأبي بكر قضى فِيهَا بِمَا عِنْده من الْعلم بِكِتَاب الله أَو سنة رَسُول الله ﷺ فان لم يكن عِنْده فِيهَا علم من كتاب الله أَو سنة رَسُوله سَأَلَ من بِحَضْرَتِهِ من الصَّحَابَة عَن ذَلِك فان وجد عِنْدهم علما بذلك رَجَعَ إِلَيْهِ وَإِلَّا اجْتهد فِي الحكم
وَلما توفّي أَبُو بكر ﵁ وَولي الْأَمر من بعده عمر بن الْخطاب وَفتحت الْأَمْصَار وَزَاد تفرق الصَّحَابَة فِيمَا افتتحوه من الأقطار كَانَت الْمَسْأَلَة الْوَاقِعَة من الشَّرْع تنزل الْمَدِينَة أَو غَيرهَا من الْبِلَاد فان كَانَ عِنْد الصَّحَابَة الْحَاضِرين بهَا فِي ذَلِك اثر عَن رَسُول الله ﷺ حكم بِهِ وَإِلَّا اجْتهد أَمِير تِلْكَ الْبَلدة فِي ذَلِك وَقد يكون فِي تِلْكَ الْقَضِيَّة حكم عَن النَّبِي ﷺ عِنْد صَحَابِيّ آخر وَقد حضر الْمدنِي مَا لم يحضرهُ الْمصْرِيّ وَهُوَ حَضَره مَا لم يحضرهُ الشَّامي والشامي حَضَره مَا لم يحضرهُ الْبَصْرِيّ وَحضر الْبَصْرِيّ مَا لم يحضرهُ الْكُوفِي وَحضر الْكُوفِي مَا لم يحضرهُ الْمدنِي كل هَذَا مَوْجُود فِي كتب الْآثَار وَفِي دواوين السَّادة الأخيار من الْمُحدثين وَفِيمَا علم من مغيب بعض الصَّحَابَة عَن مجْلِس النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 73
فِي بعض الْأَوْقَات وَحُضُور غَيره ثمَّ مغيب الَّذِي حضر أمس وَحُضُور الَّذِي غَابَ فيدري كل وَاحِد مِنْهُم مَا حضر ويفوته مَا غَابَ عَنهُ فَمضى الصَّحَابَة ﵃ على مَا ذكرنَا
ثمَّ خلف بعدهمْ التابعون الآخذون عَنْهُم وكل طبقَة من التَّابِعين فِي الْبِلَاد الَّتِي تقدم ذكرهَا إِنَّمَا تفقهوا مَعَ من كَانَ عِنْدهم من الصَّحَابَة فَكَانُوا لَا يتعدون فتواهم إِلَّا يَسِيرا عَن غير من كَانَ فِي بِلَادهمْ من الصَّحَابَة كاتباع أهل الْمَدِينَة فِي الْأَكْثَر فَتَاوَى عبد الله بن عمر وَأَتْبَاع أهل الْكُوفَة فِي الْأَكْثَر فَتَاوَى عبد الله بن مَسْعُود وَأَتْبَاع أهل مَكَّة فِي الْأَكْثَر فَتَاوَى عبد الله بن غياث وَأَتْبَاع أهل مصر فِي الْأَكْثَر فَتَاوَى عبد الله ابْن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵃ أَجْمَعِينَ
ثمَّ أَتَى من بعد التَّابِعين فُقَهَاء الْأَمْصَار كَأبي حنيفَة وسُفْيَان وَابْن أبي ليلى بِالْكُوفَةِ وَابْن جريج بِمَكَّة وَمَالك وَابْن الْمَاجشون بِالْمَدِينَةِ وَعُثْمَان البتي وسوار بِالْبَصْرَةِ والاوزاعي بِالشَّام وَاللَّيْث بن سعد بِمصْر فجروا على تِلْكَ الطَّرِيق من اخذ كل وَاحِد مِنْهُم عَن التَّابِعين من أهل بَلْدَة فِيمَا كَانَ عِنْدهم واجتهادهم فِيمَا لم يَجدوا عِنْدهم وَهُوَ مَوْجُود عِنْد غَيرهم وَأول من اقْرَأ الْقُرْآن بِمصْر أَبُو قبيل وَهُوَ يروي عَن عبيد بن مخمر المغافري المكنى بِأبي أُميَّة رجل من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ شهد فتح مصر ثمَّ إِن أهل مصر كَانُوا يتحدثون فِي الْفِتَن وَالتَّرْغِيب فَكَانَ أول من نشر علم الْحَلَال وَالْحرَام فيهم يزِيد بن أبي حبيب وَحكى أَبُو عَمْرو الْكِنْدِيّ أَن أَبَا ميسرَة عبد الرَّحْمَن بن ميسرَة مولى الملامس الْحَضْرَمِيّ كَانَ فَقِيها وَكَانَ أول من اقْرَأ النَّاس بِمصْر بِحرف نَافِع قبل الْخمسين وَمِائَة وَتُوفِّي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَمِائَة وان أَبَا سعيد عُثْمَان بن عَتيق مولى غافق أول من رَحل من أهل مصر إِلَى الْعرَاق فِي طلب الحَدِيث توفّي سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَمِائَة انْتهى
وَكَانَ حَال أهل الْإِسْلَام من أهل مصر وَغَيرهَا من الْأَمْصَار فِي أَحْكَام الشَّرِيعَة على مَا تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ
ثمَّ كثر الترحال إِلَى الْآفَاق وتداخل النَّاس والتقوا وانتدب أَقوام لجمع الحَدِيث النَّبَوِيّ وتقييده فَكَانَ أول من دون الْعلم مُحَمَّد بن شهَاب الزُّهْرِيّ وَأول من صنف وَبَوَّبَ سعيد بن عرُوبَة وَالربيع بن صبيح بِالْبَصْرَةِ وَمعمر بن رَاشد بِالْيمن وَابْن
стр. 74
جريج بِمَكَّة ثمَّ سُفْيَان الثَّوْريّ بِالْكُوفَةِ وَحَمَّاد بن سَلمَة بِالْبَصْرَةِ والوليد بن مُسلم بِالشَّام وَجَرِير بن عبد الحميد بِالريِّ وَعبد الله بن الْمُبَارك بمرو وخراسان وهيثم ابْن بشير بواسط وَتفرد بِالْكُوفَةِ أَبُو بكر بن أبي شيبَة بتكثير الْأَبْوَاب وجودة التصنيف وَحسن التآليف فوصلت أَحَادِيث رَسُول الله ﷺ من الْبِلَاد الْبَعِيدَة إِلَى من لم تكن عِنْده وَقَامَت الْحجَّة على من بلغه شَيْء مِنْهَا وجمعت الْأَحَادِيث المبينة لصِحَّة أحد التأويلات المتأولة من الْأَحَادِيث وَعرف الصَّحِيح من السقيم وزيف الِاجْتِهَاد المودي إِلَى خلاف النَّبِي ﷺ وَترك الْعَمَل بِهِ وَسقط الْعذر عَمَّن خَالف من السّنَن بِبُلُوغِهِ إِلَيْهِ وَقيام الْحجَّة عَلَيْهِ وعَلى هَذَا الطَّرِيق كَانَ الصَّحَابَة ﵃ وَكثير من التَّابِعين يرحلون فِي طلب الحَدِيث الْوَاحِد الْأَيَّام الْكَثِيرَة كَمَا هُوَ مَعْلُوم من كتب الحَدِيث
فَلَمَّا قَامَ هَارُون الرشيد بالخلافة وَولى أَبَا يُوسُف بن يَعْقُوب صَاحب أبي حنيفَة الْقَضَاء بعد سنة سبعين وَمِائَة لم يُقَلّد بِبِلَاد الْعرَاق وخراسان وَالشَّام ومصر إِلَّا من أَشَارَ بِهِ أَبُو يُوسُف واعتنى بِهِ
وَكَذَلِكَ لما قَامَ بالأندلس الحكم المرتضى بن هِشَام بعد أَبِيه وتلقب بالمنتصر فِي سنة ثَمَانِينَ وَمِائَة اخْتصَّ بِيَحْيَى بن يحيى بن كثير الأندلسي وَكَانَ قد حج وَسمع الْمُوَطَّأ من مَالك إِلَّا أبوابا وَحمل عَن وهب وَابْن الْقَاسِم وَغَيرهمَا علما كثيرا وَعَاد إِلَى الأندلس فنال من الرِّئَاسَة وَالْحُرْمَة مَا لم ينله غَيره وعادت الْفتيا إِلَيْهِ وَعظم أمره ثمَّ هُوَ لم يُقَلّد فِي سَائِر أَعمال الأندلس قَاضِيا إِلَّا بإشارته واعتنائه فصاروا على رَأْي مَالك بعد مَا كَانُوا على رَأْي الاوزاعي وَكَانَ زِيَاد بن عبد الرَّحْمَن الملقب ببسطور قد ادخل مَذْهَب مَالك إِلَى الأندلس قبل يحيى وَكَانَ الْغَالِب فِي إفريقية مَذْهَب السّنَن إِلَى أَن ادخل عبد الرَّحْمَن بن فروج أَبُو مُحَمَّد الْفَارِسِي إِلَيْهَا مَذْهَب أبي حنيفَة فَلَمَّا يزَالُوا عَلَيْهِ إِلَى أَن ولي سَحْنُون بن سعيد الْقَضَاء فنشر إِذْ ذَاك مَذْهَب مَالك وَصَارَ الْقَضَاء فِي أَصْحَاب سَحْنُون دولا وَلم يزل الْحَال على ذَلِك إِلَى زمن بني الهاشم فتوارثوا الْقَضَاء ثمَّ إِن المضر بن باديس حمل جَمِيع أهل إفريقية على التَّمَسُّك بِمذهب مَالك وَترك مَا عداهُ من الْمذَاهب فَرجع أهل إفريقية كلهم وَأهل الأندلس كلهم إِلَى مَذْهَب مَالك فَفَشَا هُنَاكَ فشوا طبق تِلْكَ الأقطار كَمَا فشى مَذْهَب أبي حنيفَة بِبِلَاد الْمشرق وَلما كَانَت أَيَّام الْخَلِيفَة الْقَادِر بِاللَّه أبي الْعَبَّاس احْمَد وَتمكن الشَّيْخ أَبُو حَامِد الاسفرائيني
стр. 75
من دولته قرر مَعَه اسْتِخْلَاف أبي الْعَبَّاس احْمَد بن مُحَمَّد الْبَارِزِيّ الشَّافِعِي عوضا عَن قَاضِي بَغْدَاد أبي مُحَمَّد ألاكفاني وَكتب أَبُو حَامِد إِلَى السُّلْطَان مَحْمُود بن سبكتكين وَأهل خُرَاسَان أَن الْخَلِيفَة نقل الْقَضَاء عَن الْحَنَفِيَّة إِلَى الشَّافِعِيَّة وَكَانَ الْقَادِر بِاللَّه قد سير إِلَى مَحْمُود خلعة السلطنة سنة تسع وَثَمَانِينَ وثلاثمائة بعد أَن انْقَطَعت الدولة السامانية فحصلت بذلك فتْنَة بخراسان بَين الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة صَار أمرهَا إِلَى رُجُوع الْقَضَاء إِلَى الْحَنَفِيَّة وَانْقِطَاع أبي حَامِد عَن دَار الْخلَافَة وَظُهُور التسخط عَلَيْهِ والانحراف عَنهُ وَذَلِكَ فِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين وثلاثمائة
وَلما قدم عبد الرَّحِيم بن خَالِد مولى جمح على مصر نشر بهَا مَذْهَب مَالك وَتُوفِّي بالإسكندرية سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَمِائَة ثمَّ نشره بهَا أَيْضا عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم فاشتهر حِينَئِذٍ اكثر من مَذْهَب أبي حنيفَة إِلَى أَن قدم مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي إِلَى مصر مَعَ عبد الله بن الْعَبَّاس بن مُوسَى فِي سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَة فَتَبِعَهُ جمَاعَة من أعيانها كبني عبد الحكم وَالربيع والمزني والبويطي وَكَتَبُوا عَن الشَّافِعِي مَا أَلفه وتبعوا مذْهبه فقوي حِينَئِذٍ واشتهر وَصَارَ الْقَضَاء فِي مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ إِلَى أَن قدم الْقَائِد جَوْهَر من بِلَاد إفريقية فِي سنة ثَمَان وَخمسين وثلاثمائة وَبنى مَدِينَة الْقَاهِرَة وَكَانَ شِيعِيًّا فَفَشَا مَذْهَب التَّشَيُّع بِمصْر وَعمل بِهِ فِي الْقَضَاء والفتيا وَأنكر على من خَالفه وَلم يبْق بِمصْر مَذْهَب سواهُ حَتَّى قَامَ الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين ابْن أَيُّوب فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَربع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة وَشرع فِي تَغْيِير دولة الإسماعيلية وإزالتها وانشأ بِمصْر مدرسة للفقهاء الشَّافِعِيَّة وَصرف قُضَاة مصر الشيعية كلهم وفوض الْقَضَاء لصدر الدّين عبد الْملك بن درباس الماراني الشَّافِعِي فَلم يستنب عَنهُ فِي إقليم مصر إِلَّا من كَانَ شافعيا فتظاهر النَّاس من يَوْمئِذٍ بِمذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ واختفى مَذْهَب الشِّيعَة والإسماعيلية والأمامية حَتَّى فقد من ارْض مصر كلهَا
وَكَذَلِكَ كَانَ السُّلْطَان نور الدّين مَحْمُود بن عماد الدّين زنكي حنفيا فِيهِ تعصب فنشر مَذْهَب ابي حنيفَة بِبِلَاد الشَّام وَمِنْه كثرت الْحَنَفِيَّة بِمصْر وَمَا زَالَ مَذْهَبهم ينتشر ويقوى وفقهاؤهم تكْثر بِمصْر وَالشَّام من يَوْمئِذٍ وَحمل السُّلْطَان صَلَاح الدّين النَّاس أَيْضا على عقيدة الشَّيْخ أبي الْحسن عَليّ بن إِسْمَاعِيل ألاشعري وَشرط ذَلِك فِي أوقافه الَّتِي بديار مصر كالمدرسة الناصرية والقمحية وخانقاه سعيد السُّعَدَاء فِي
следующие страницы →