Полный текст (418 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
تبَارك الَّذِي بِيَدِهِ ملكوت كل شَيْء واليه يرجع الْأَمر كُله وَهُوَ الْعَلِيم الْحَكِيم كلما جال الْفِكر فِي تيار هَذَا الْوُجُود انْقَلب الْعقل رَاجعا إِلَى الْإِقْرَار بِوُجُودِهِ ووحدانيته تَعَالَى قهرا فَلَا يُنكره إِلَّا جَاهِل لم ير لمحة من أسرار الْكَوْن وَلم يذقْ قَطْرَة من كوثر حكمته يظْهر الْأَشْيَاء ثمَّ يطويها ويخفي ساعتها ثمَّ يجليها وَيفِيض على قُلُوب من يَشَاء بَيَانهَا واليه الحكم فِي كتمانها وتبيانها وَيُعْطِي كل عصر مَا يَلِيق بقابليته وَمَا يلائم مدنيته الْحَاضِرَة فَهُوَ الأول وَالْآخر وَالظَّاهِر وَالْبَاطِن وَهُوَ بِكُل شَيْء عليم والمعرضون عَن آثَار حكمته الباهرة صم بكم عمي فهم لَا يعْقلُونَ يناديهم من يُؤْتِي الْحِكْمَة ﴿فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ وهم لَا يسمعُونَ فَلهُ الْحَمد على مَا أولانا من المكاشفة على أسرار مَا أودعهُ من الحكم وإياه نسْأَل الْمَزِيد من إفَاضَة أنوار لَا تَنْقَضِي عجائبها وَلَا تَنْتَهِي غرائبها وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على نبيه حَكِيم الْحُكَمَاء وَسيد الْأَنْبِيَاء مُحَمَّد الْمَبْعُوث إِلَى جَمِيع الْأُمَم وعَلى اله وَصَحبه البدور الكاملين مَا نسخت آيَة من آيَات سر الْوُجُود فانسيت أَو أَتَى الله بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا فَأَتَت الصُّحُف على تذكار ذَلِك المنسي تحمل أَخْبَار الماضين للآتين ليتذكر أولو الْأَلْبَاب وليكون لَهُم جدولا يبنون على كل فَرد مِنْهُ الْفُصُول والأبواب وتذكرهم الأطلال والدمن مَا كَانَ لأسلافهم من الْآثَار وينادمهم الخيال فيهبوا للْجدّ والتذكار
وَبعد فَيَقُول السَّائِل من وَاجِب الْوُجُود أَن يطلعه على أسرار الْحِكْمَة ويجعله مظْهرا لتِلْك النِّعْمَة عبد الْقَادِر بن احْمَد بن مصطفى بن عبد الرَّحِيم بن مُحَمَّد الشهير كأسلافه بِابْن بدران السَّعْدِيّ الدِّمَشْقِي
стр. 2
لج بِي السهر لَيْلَة من اللَّيَالِي مُنْفَردا أنادم الأطلال والخيال فتجلت لي دمشق غادة حسناء مسفرة عَن جمال وَجههَا تَقول أَلا لفتة لأحاديث آثاري وهلا سَاعَة فِي تذكار أخباري فَقلت أَنا كَمَا تعلمين غَرِيب حل مأوى الغرباء كَمَا قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ
(وَمَا غمَّة الْإِنْسَان فِي شقة النَّوَى ... وَلكنهَا وَالله فِي عدم الشكل)
(وَإِنِّي غَرِيب بَين بست وَأَهْلهَا ... وان كَانَ فِيهَا أسرتي وَبهَا أَهلِي)
من قوم تلاعبت بهم الأقطار فحلوا جيرانا بغوطتك الفيحاء فنادمي أبناءك يَا ليلى الغرام وحيي إحباءك المدعين بك الهيام فَقَالَت ألم بِرَبِّك فِينَا وليدا وَلَبِثت فِينَا من عمرك سِنِين ألم تتقلب فِي مدارسي وتلتقط ثمار الْحِكْمَة من مغارسي أما ضممتك إِلَيّ ورمقتك بنظري وسقت إِلَيْك خيري حَتَّى تبنيتك وَمَا تركتك وَكلما تَبَاعَدت عني طلبتك أما هجرتني إِلَى الفرنجة متجولا وأبت إِلَى سواحل إفريقية متحولا فأضرمت فِي قَلْبك نَار غرامي وجذبتك إِلَيّ بمغناطيس هيامي ثمَّ لججت فِي الهجر قَافِلًا إِلَى دوماك جرثومة الهمجية العريقة ببغض الْحُكَمَاء وَالْعُلَمَاء فذقت بهَا ألم التَّعَدِّي والحسد وأضنى حمرها المستنفرة مِنْك الْعقل والجسد وتألب أُولَئِكَ المتوحشون عَلَيْك يُرِيدُونَ أَن يطفئوا نور الْحِكْمَة الَّذِي اطلعه الله فِي فُؤَادك ببغيهم وحسدهم ويأبى الله أَلا أَن يتم نوره وَلَو كره هَؤُلَاءِ الجاهلون قلبوا لَك ظهر الْمِجَن ورموك بالإفك ليسوقوا لَك المحن ويخلوا من فضلك ربع الوطن فمددت لإسعافك ساعدا أقوى من الْحَدِيد وأخرجتك من بَينهم رغما عَن انف كل جَبَّار عنيد ورميت حسادك بِسَهْم من سهم القهار وصلت عَلَيْهِم بِسيف قد سل من سطوة الْجَبَّار فذاق فريق مِنْهُم عَذَاب الْهون وارصدت للآخرين ﴿وَمَا رَبك بغافل عَمَّا يعْملُونَ﴾ ثمَّ اصطنعتك لنَفْسي فَمَا أثمرت من ثَمَر إِلَّا وَهُوَ من غرسي فبنعمة رَبك حدث فخلب لبي لطيف كَلَامهَا واتقدت فِيهِ جذوة غرامها وَقلت
(مَا بعد جلق للغرام مرام ... وَغَيرهَا وَطن عَليّ حرَام)
(لَكِن هِيَ الأقدار تفعل مَا تشا ... صبرا جميلا وَالْكَلَام كَلَام)
لبيْك يَا ليلى الْجمال وَيَا سلمى المحاسن أَنا الخاضع لما تأمرين مَا دمت عبد الْقَادِر
стр. 3
ودعيت بِابْن بدران أَنا الهائم فِي إِظْهَار صفاتك الْمُقِيم على محبتك ماكر الجديدان فَقَالَت انك لتعلم هَذَا الْعَصْر الزَّاهِر وَمَا تجلى فِيهِ من الْعُلُوم وَترى مَسْلَك أبنائي وَكَيف يتهافتون على القشر ويتركون اللّبَاب نبذوا الْعلم ظهريا فضمه الغربيون إِلَيْهِم وَإِذا انتبهوا من رقدتهم وجدوا أنفسهم عَالَة عَلَيْهِم فَذكرهمْ بأيامي الْمَاضِيَة علهم يتذكرون وخاطبهم بِمَا كَانَ بِي من الْآثَار وَمَا انفق فِي رياضي على الْعلم من الدِّرْهَم وَالدِّينَار وأعلمهم بِمَا كَانَ بِي من الْمدَارِس وأنبئهم بِتِلْكَ الْمعَاهد الدوارس وَذكرهمْ فان الذكرى تَنْفَع أولي الْأَلْبَاب فلعلهم يَجدونَ ويجتهدون ويتركون التفاخر بالماضي وَقل لشيخهم خل كَانَ ولناشئتهم اترك أَنا ابْن فلَان فان الْمَرْء ابْن تَحْصِيله وشرفه علمه وحكمته
(فمثلك من يدعى لكل عَظِيمَة ... ومثلي من يفدى بِكُل مسود)
فطوينا بعد الْوَعْد بإجابة الطّلب الْأَحَادِيث وَقلت إِن لم يَفِ الْمُحب لمحبوبه بِمَا أَمر اسْتحق الهجر فِي شرع المحبين وطفقت اقلب الطّرف فِي أسفار المؤرخين وأتطلب مَا كَانَ من أَحَادِيث الماضين وأطوف لرؤية الْمعَاهد والْآثَار الَّتِي بقيت فِي تِلْكَ الدَّار مِمَّا نبا عَنهُ سيف الْقدَم وصبر على طُلُوع الشَّمْس وَالْقَمَر فأرسم مَا اهْتَدَى إِلَيْهِ على صفحات هَذَا السّفر الَّذِي هُوَ قسم من الْأَسْفَار الثَّلَاثَة لتاريخ دمشق وخصصته باسم منادمة الأطلال ومسامرة الخيال ليطابق اسْمه مَعْنَاهُ ثمَّ إِنَّنِي سلكت فِيهِ مسلكا وَهُوَ إِنَّنِي إِذا ذكرت مدرسة أَو آثرا مَا احافظ على تَرْجَمَة منشئه وَلَا أتعرض لتراجم المدرسين فِي الْمدَارِس كَمَا فعله الْعَلامَة عبد الْقَادِر النعيمي فِي كِتَابه تحفة الطَّالِب والدارس لَان الْمدرس إِن كَانَ من الْمَشَاهِير فَمحل تَرْجَمته السّفر الثَّالِث من هَذَا التَّارِيخ وان كَانَ من غَيرهم فَلَيْسَ من شَرط كتابي ان اذكره وايضا انني جعلت هَذَا السّفر اقساما
اولها لمدارس الْقُرْآن الْكَرِيم
وَثَانِيها للمدارس المختصة بِالْحَدِيثِ وللمشتركة بَينه وَبَين تَعْلِيم الْقُرْآن الْعَظِيم
وَثَالِثهَا للمدارس الَّتِي اسست للعلوم الْفِقْهِيَّة والادبية وَهَذَا الْقسم اربعة ابواب
اولها لمدارس الْحَنَفِيَّة
وَثَانِيها لمدارس الْمَالِكِيَّة
стр. 4
وَثَالِثهَا لمدارس الشَّافِعِيَّة
وَرَابِعهَا لمدارس الْحَنَابِلَة
وَلَيْسَ الْقَصْد من هَذَا التَّرْتِيب على حسب التَّقَدُّم فِي الزَّمن والوجود وَلَو اشتهرت مدارس للظاهرية اَوْ للزيديه اَوْ لغَيرهم لم تجدني متقاعسا عَن اعطائهم حَقهم فِي التَّرْجَمَة
وَرَابِعهَا لمدارس الطِّبّ وَالْحكمَة
وخامسها لزوايا الْعِبَادَة وخوانق الصُّوفِيَّة
وسادسها للآثار الَّتِي ظَهرت فِي هَذَا الْعَصْر
وكل هَذِه الاقسام مرتبَة على حُرُوف المعجم ليسهل الْكَشْف عَنْهَا
وسابعها للمساجد فَمَا كَانَ مَشْهُورا مِنْهَا اعطيته من حَقه مَا اتَّصل بِي من تَرْجَمته وَمَا كَانَ مِنْهَا صَغِيرا اَوْ مندرسا اكتفيت باسمه
وختمت الْكتاب بخاتمة لبَيَان مَا كَانَ فِي دمشق من المتنزهات الشهيرة وَهَذَا اول الْمَقْصُود وَبِاللَّهِ تَعَالَى استعين وَعَلِيهِ اتوكل
стр. 5
الْقسم الاول فِي دور الْقُرْآن الْكَرِيم
دَار الْقُرْآن الخيضرية
هَذِه الدَّار لم تزل إِلَى الْآن على رونقها وبهائها ومحلها كَمَا فِي تَنْبِيه الطَّالِب وإرشاد الدارس للفاضل عبد الْقَادِر النعيمي شمَالي دَار الحَدِيث السكرية بالقصاعين اهـ وَقد صحف النَّاس الْيَوْم اسْمهَا فَقَالُوا لَهَا الخضيرية نقلوا الْيَاء الْمُثَنَّاة من بَين الْخَاء وَالضَّاد المعجمتين إِلَى مَا بعد الضَّاد ومحلتها الْآن تعرف بالخضيرية وَهِي مَعْرُوفَة مَشْهُورَة فِي زمننا تُقَام فِيهَا الصَّلَوَات الْخمس ويتعاهدها فِي بعض اللَّيَالِي وَبعد صَلَاة الْفجْر جمَاعَة من المتصوفة الشاذلية الفاسية فيقيمون بهَا الْأَذْكَار ويقرؤون الأوراد وَفِي رَمَضَان يقْرَأ صَحِيح البُخَارِيّ وبعضا من الْكتب أستاذهم فِي زمننا الْعَالم الأديب الْكَاتِب الشَّاعِر الشَّيْخ مُحَمَّد بن الشَّيْخ الْمُبَارك
وَأما نعتها فَإِنَّهَا وَاقعَة فِي الْجَانِب الشَّرْقِي من الزقاق الْمُسَمّى بالخضيرية بِالتَّصْغِيرِ ويصعد إِلَيْهَا بمرقاتين وجدارها الغربي مَبْنِيّ بِالْحجرِ الأبلق وَتَحْته سِقَايَة وَفِيه الْبَاب وقنطرته من الْحجر الأبلق أَيْضا وَهُوَ متين وَفِي وَسطه صحيفَة من النّحاس مستديرة وَقد رسم عَلَيْهَا مَا صورته
رسم بَاب الْمدرسَة الَّتِي أَمر بإنشاء بَابهَا الْأَمِير العالي المولوي القاضوي القطبي ابْن الخيضري قَاضِي الْقُضَاة اسبغ الله عَلَيْهِ ظلاله مِمَّا عمل
وَتَحْت هَذِه الصَّحِيفَة شبكة من النّحاس قَائِمَة على هَيْئَة مثلث زاويتها الْعليا تسامت قطب دَائِرَة الصَّحِيفَة وَهَذَا الْوَضع على هندسة لَطِيفَة جدا فَإِذا دَخلهَا الدَّاخِل وخلص من دهليز لَهَا قصير رأى بركَة مَاء للْوُضُوء فِي وَسطهَا وَفِي الْجِدَار القبلي محراب وَفِي الْجِهَة الغربية شباكان مطلان على الطَّرِيق وبجانبهما حجرَة وَاسِعَة وبالجانب الشَّرْقِي حجرتان تَحت إِحْدَاهمَا خلْوَة وبجانبهما خلْوَة أَيْضا
стр. 6
وبالجانب الشمالي إيوَان وَفِي صَدره حجرَة وَقد كتب على الْجِدَار فَوق الْبَاب مِنْهَا مَا صورته
بِحَمْد الله تَعَالَى اللَّطِيف انشأ هَذِه الْمدرسَة الْمُبَارَكَة على الْفُقَرَاء المتعلمين لِلْقُرْآنِ الْعَظِيم الْفَقِير قَاضِي الْقُضَاة قطب الدّين الخيضري خَادِم السّنة النَّبَوِيَّة إرضاء لله تَعَالَى سنة ثَمَان وَسبعين وَثَمَانمِائَة
وبزاوية ملتقى الجدارين الشمالي والشرقي بَاب يدْخل مِنْهُ إِلَى مَكَان متسع وَفِيه ثَلَاثَة بيُوت خلاء وَفِي دهليزها بَاب يصعد مِنْهُ إِلَى غرفَة لَطِيفَة وَقَالَ فِي تَنْبِيه الطَّالِب رتب فِيهَا واقفها الجوامك وَالْخبْز للْفُقَرَاء اهـ يَعْنِي الَّذين كَانُوا يتعلمون بهَا الْقُرْآن الْكَرِيم وَلم نر لهَذَا آثرا فِي زمننا
تَرْجَمَة الخيضري
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الله بن خيضر بن سُلَيْمَان بن دَاوُد بن فلاح بن ضميدة بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة مُصَغرًا الزبيدِيّ بِضَم الزَّاي الْبُلْقَاوِيُّ الأَصْل الترملي الدِّمَشْقِي الشَّافِعِي وَيعرف بالخيضري نِسْبَة لجد أَبِيه هَكَذَا نسبه الْحَافِظ السخاوي فِي كِتَابه الضَّوْء اللامع لأهل الْقرن التَّاسِع وترجمه بترجمة مُطَوَّلَة كلهَا ثلب وَطعن فِيهِ وَفِي مؤلفاته كَمَا هِيَ عَادَته فِي أقرانه وَلَكِن نَادَى على نَفسه بالتهمة فِي آخر التَّرْجَمَة فَقَالَ وانه فعل معي مَا أَرْجُو أَن يجازى بمقصده عَلَيْهِ اهـ وَهَذَا دَلِيل على انه تحامل عَلَيْهِ فِيمَا كتب عَنهُ ولنلتقط من كَلَامه مَا صفي واليك هُوَ قَالَ ولد لَيْلَة الِاثْنَيْنِ منتصف رَمَضَان سنة إِحْدَى وَعشْرين وَثَمَانمِائَة بقرية بَيت لهيا الْقَرِيبَة من دمشق وَنَشَأ يَتِيما فِي كَفَالَة أمه ثمَّ فَارق سلفه الَّذين هم عرب البلقاء وانحاز إِلَى طَائِفَة الْفُقَهَاء فحفظ التَّنْبِيه والفيتي الحَدِيث والنحو وملحة الْأَعْرَاب ومختصر ابْن الْحجاب الاصولي ثمَّ اشْتغل على عُلَمَاء عصره بالفقه وَالْأُصُول والْحَدِيث والنحو وَهَذِه الْعُلُوم الَّتِي كَانَ لَهَا رواج فِي زَمَنه ثمَّ ارتحل إِلَى بعلبك سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَدخل الْقَاهِرَة مرَارًا وَمَكَّة وَالْمَدينَة وَبَيت الْمُقَدّس ودمياط فَأخذ عَن علمائها وَبعد إِن ذكر السخاوي مَا رَأَيْت خلاصته قَالَ وَمَعَ ذَلِك فَلم يتَمَيَّز
стр. 7
فِي الطّلب يَعْنِي فِي الحَدِيث فضلا عَمَّن هُوَ أَعلَى مِنْهُ فِي الرتب من حفظ وَضبط وغريب وَمَعْرِفَة باصطلاح وَمَا يذاكر بِهِ بَين الْعلمَاء غير أَن لَهُ يقظة فِي الْجُمْلَة وَكِتَابَة تروج عِنْد من لَا يحسن أَو يحسن وَلكنه يُدَارِي أَو يَرْجُو وَالرجل حِين كَانَ مَوْجُودا فِي الْقَاهِرَة لم يكن يتحاشى الْكَلَام فِي شَيْء وَلَا يتَوَقَّف لأجل تَحْرِير أَو تَحْقِيق
وَقَول شَيخنَا الْحَافِظ ابْن حجر فِي الأنباء انه الْفَاضِل البارع سمع الْكثير وَكتب الْكثير من الْأَجْزَاء وجد وَقد حصل فِي مُدَّة لَطِيفَة شَيْئا كثيرا وخطه مليح وفهمه جيد ومحاضراته تدل على كَثْرَة استحضاراته يحْتَاج إِلَى تَأْوِيل فِي بعض الْكَلِمَات وَكَذَا وَصفه لَهُ بِالْحِفْظِ بعد ذَلِك لَيْسَ على إِطْلَاقه
كَذَا قَالَ السخاوي وَأَقُول مَا عهدنا الْحَافِظ ابْن حجر إِلَّا منصفا فِيمَا يَقُوله فِي تراجم الْعلمَاء وَمَا وجدنَا السخاوي إِلَّا متحاملا على كل من يفوقه وَمن رأى كتب الرجلَيْن يعلم ذَلِك يَقِينا
ثمَّ قَالَ السخاوي وَقد اسْتعَار من شَيخنَا ابْن حجر نسخته من الطَّبَقَات الْوُسْطَى لِابْنِ السُّبْكِيّ فَجرد مَا بهَا من الْحَوَاشِي الْمُشْتَملَة على تراجم مُسْتَقلَّة وزيادات فِي أثْنَاء التراجم مِمَّا جردته أَيْضا فِي مُجَلد ثمَّ ضم ذَلِك لتصنيف لَهُ على الْحُرُوف لخص بِهِ طَبَقَات ابْن السُّبْكِيّ مَعَ زَوَائِد وصل إِلَيْهَا بالمطالعة من كتب أمده شَيخنَا بهَا كالموجود من تَارِيخ مصر للقطب الْحلَبِي ونيسابور للْحَاكِم والذيل عَلَيْهِ لعبد الغافر وتاريخ بخاري لفنجار واصبهان وَغير ذَلِك مِمَّا يفوق الْوَصْف وَسَماهُ اللمع الالمعية لأعيان الشَّافِعِيَّة
أَقُول أَي مطْعن على مؤرخ جمع مُؤَلفه من أسفار الْمُتَقَدِّمين سَوَاء كَانَت بالإعارة أَو بِالْملكِ وان كَانَ الطعْن فِيهِ من جِهَة مَا جرده من كَلَام ابْن حجر فالسخاوي نَفسه فعل ذَلِك فَتَأمل ثمَّ قَالَ وَكَذَا جرد مَا لشَيْخِنَا من المناقشات مَعَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي الموضوعات مِمَّا هُوَ بهوامش نسخته وَغَيرهَا ثمَّ ضم ذَلِك لتلخيصه الأَصْل وَسَماهُ الْبَرْق اللموع لكشف الحَدِيث الْمَوْضُوع ولخص أَيْضا الْأَنْسَاب لِابْنِ السَّمْعَانِيّ مَعَ ضمه لذَلِك مَا عِنْد ابْن الْأَثِير والرشاطي وَغَيرهمَا من الزِّيَادَات وَنَحْوهَا وَسَماهُ الِاكْتِسَاب فِي تَلْخِيص الْأَنْسَاب وَمَا عَلمته حرر وَاحِدًا مِنْهَا وَاشْتَدَّ حرصي على الْوُقُوف عَلَيْهَا فَمَا أمكن ثمَّ رَأَيْت أَولهَا فِي حَيَاة شَيخنَا وانتقدت عَلَيْهِ إِذْ ذَاك شَيْئا
стр. 8
فَتَأمل أَيهَا الْمنصف كَيفَ طعن فِي كتب الرجل ثمَّ اقر بِأَنَّهُ لم يرهَا ثمَّ قَالَ وَألف معجما سَمَّاهُ الرقم الْمعلم فِي تَرْتِيب الشُّيُوخ وَالسَّمَاع وَالْإِجَازَة على حُرُوف المعجم والمنهل الْجَارِي من فتح الْبَارِي شرح البُخَارِيّ وَشرع فِي شرح ألفية الْعِرَاقِيّ والصفا بتحرير الشفا وَمجمع العشاق على تَنْبِيه الشَّيْخ أبي اسحاق وَاللَّفْظ المكرم بخصائص النَّبِي ﷺ وَالرَّوْض النَّضر فِي حَال الْخضر واللواء الْمعلم فِي مَوَاطِن النَّبِي ﷺ وزهر الرياض فِيمَا شنعه القَاضِي عِيَاض على الإِمَام الشَّافِعِي وتقويم الاسل فِي تَفْضِيل اللَّبن وَالْعَسَل وبغية المبتغي فِي تَبْيِين قَول الرَّوْضَة يَنْبَغِي
وَأول مَا ولي مشيخة دَار الحَدِيث ألاشرفية ثمَّ نزعت مِنْهُ وَاسْتقر فِي وكَالَة بَيت المَال وَفِي نظر الخوالي مِنْهَا ثمَّ ترقى لكتابة السِّرّ ثمَّ أضيف إِلَيْهَا قَضَاء الشَّافِعِيَّة وَصَارَت اكثر الْأُمُور الشامية منوطة بِهِ واتسعت دائرته فِي الْأَمْوَال والجهات والأملاك والوظائف والكتب وَغَيرهَا
وَحدث بِبَلَدِهِ وأملى ودرس وَوعظ وخطب وَأفْتى مَعَ الوجاهة والاعتلاء وَولي السميساطية وَغَيرهَا من الْمدَارِس زِيَادَة عَن الْمدَارِس الَّتِي تتَعَلَّق بالقضاة كالغزالية والعذراوية
وَكَانَت لَهُ صدقَات زَائِدَة وإحسان للغرباء وَبنى بِجَانِب بَيته مدرسة وَبنى تربة عِنْد بَاب مقَام الشَّافِعِي ورتب بهَا صوفية مَعَ شيخ لَهُم من الطّلبَة وَمَا زَالَ ملازما لخدمة السُّلْطَان حَتَّى مَاتَ فِي ربيع الثَّانِي سنة أَربع وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة وَدفن بتربته هَذِه وتأسف السُّلْطَان عَلَيْهِ هَذَا ملخص كَلَام السخاوي
وترجمه الْحَافِظ ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي فِي كِتَابه أنباء الْغمر فَقَالَ فِي حوادث سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة
ورد ابْن المترجم إِلَى الْقَاهِرَة لطلب الحَدِيث وَوَصفه بالفاضل البارع ثمَّ قَالَ سمع الْكثير وَكتب كتبا كَثِيرَة وأجزاء وجد وَحصل فِي مُدَّة لَطِيفَة شَيْئا كثيرا وَكتب عني فِي مُدَّة يسيرَة المجلد الأول من الْإِصَابَة فِي تَمْيِيز الصَّحَابَة وقرأه وعارض عَليّ بِهِ وأتقنه وَنسخ أَيْضا تَعْجِيل الْمَنْفَعَة فِي رجال الْأَرْبَعَة
стр. 9
وقرأه كُله وأتقنه وَسمع عدَّة أَجزَاء وَحضر مجَالِس فِي الامالي وخطه مليح وفهمه جيد ومحاضراته تدل على كَثْرَة استحضاره
هَذَا كَلَام الْحَافِظ ابْن حجر مُلَخصا وَمن خطه نقلته وَوَصفه للمترجم إِنَّمَا كَانَ أَيَّام طلبه للْعلم فَإِذا قابلته مَعَ كَلَام السخاوي وجدت الْحَافِظ قد أَتَى بالإنصاف كَمَا هِيَ عَادَته وَعلمت إِن التعصب هُوَ الَّذِي أودى بالعلوم وأهلكها
وترجمة صَاحب تَنْبِيه الطَّالِب بِنَحْوِ مَا تقدم وعد من مؤلفاته شرح التَّنْبِيه فِي فروع الشَّافِعِيَّة وَقَالَ أَبُو الْبَقَاء احْمَد البقاعي فِي مُخْتَصره إِن المترجم رتب على تربته لصيق المنجكية بمحلة مَسْجِد الذبان الجوامك وَالْخبْز على الْفُقَرَاء وَعمل مطبخا بِبَاب الفراديس ومطبخا بِالْمَدِينَةِ المنورة اهـ فجزاه الله خيرا
دَار الْقُرْآن الجزرية
هِيَ دَار أظهرها الدَّهْر بُرْهَة ثمَّ طواها وجلاها فِي وَقت ثمَّ أخفاها ذهبت أحاديثها إِلَّا من القرطاس وتبدلت أحوالها بانتقالها من أنَاس إِلَى أنَاس
(امراتع الغزلان غَيْرك البلا ... حَتَّى غَدَوْت مراتع الغزلان)
وَالَّذِي أَفَادَهُ كَلَام المؤرخين إِن هَذِه الدَّار قد انطمست آثارها وخفيت رسومها مُنْذُ دهر طَوِيل فقد قَالَ النعيمي فِي تَنْبِيه الطَّالِب ووفاته سنة خمس وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة قيل أَنَّهَا بدرب الْحجر وَكَذَا قَالَ الشَّيْخ عبد الباسط العلموي فِي مُخْتَصره ووفاته سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَهَذَا الصَّنِيع يَقْتَضِي أَنَّهَا لم تكن مَوْجُودَة فِي زمن أحد مِنْهُمَا وَلما اختصر أَبُو الْبَقَاء البقاعي تَنْبِيه الطَّالِب أسقطها من مُخْتَصره إِشَارَة مِنْهُ إِلَى انه لَا فَائِدَة فِي ذكرهَا لاندارسها وَالْكتاب مَوْجُود فِي ديوَان الْأَوْقَاف بِدِمَشْق إِلَى الْآن فَهِيَ خَارِجَة عَن الْأَوْقَاف رسما
ودرب الْحجر هُوَ فِي أَوَاخِر السُّوق الْكَبِير قَرِيبا من الْبَاب الشَّرْقِي وعَلى التَّحْقِيق
стр. 10
أَنَّهَا صَارَت دَارا للسُّكْنَى فَصَارَت مراتع غزلان بعد إِن كَانَت مراتع عُلَمَاء وطلاب إِلَّا أَن تَرْجِيع الألحان بِالْقُرْآنِ قد فقد مِنْهَا وَنحن أثبتناها فِي منادمة الأطلال تذكارا لَهَا وبيانا لترجمة واقفها
تَرْجَمَة شمس الدّين مُحَمَّد ابْن الْجَزرِي
هُوَ الإِمَام الْحَافِظ مُحَمَّد بن مُحَمَّد عَليّ بن يُوسُف الدِّمَشْقِي ثمَّ الشِّيرَازِيّ الشَّافِعِي الْمُقْرِئ الْمُحدث وَيعرف بِابْن الْجَزرِي نِسْبَة لجزيرة ابْن عمر وترجمته فِي كثير من كتب التَّارِيخ
قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر فِي حوادث سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة
ولد المترجم سنة إِحْدَى وَخمسين وَسَبْعمائة بِدِمَشْق وتفقه بهَا ولهج بِطَلَب الحَدِيث وَالْقُرْآن وبرز فِي علم الْقرَاءَات وَعمر مدرسة للقراء سَمَّاهَا دَار الْقُرْآن واقرأ النَّاس وَعين لقَضَاء الشَّام مرّة ثمَّ عرض عَارض فَلم يتم لَهُ وَقدم الْقَاهِرَة مرَارًا وَكَانَ مثريا وشكلا حسنا وفصيحا بليغا وَأطَال فِي تَرْجَمته وَهُوَ من المعاصرين لَهُ
وَقَالَ الشَّيْخ رَضِي الدّين مُحَمَّد بن احْمَد بن عبد الله الْغَزِّي العامري وَهُوَ من معاصريه أَيْضا فِي كِتَابه بهجة الناظرين إِلَى تراجم الْمُتَأَخِّرين
هُوَ الشَّيْخ الْمُحدث الْفَاضِل الأديب المفنن القَاضِي شمس الدّين ثمَّ ذكر تَارِيخ مولده سنة إِحْدَى وَخمسين وَسَبْعمائة ثمَّ قَالَ قَالَ القَاضِي عَلَاء الدّين ابْن خطيب الناصرية فِي تَارِيخه كَذَا رَأَيْته بِخَطِّهِ اهـ قَالَ الْغَزِّي وَحضر على ابْن الخباز وروى لنا عَنهُ واتهمه فِي ذَلِك المصريون وَمِنْهُم الْحَافِظ ابْن حجر
قلت وَلَا وَجه لاتهامه وَحُضُور ابْن الْجَزرِي عَلَيْهِ مُمكن بل سَمَاعه كَمَا هُوَ مَعْرُوف عِنْد أهل الحَدِيث واخذ عَن جمَاعَة من عُلَمَاء الْإِسْلَام وبرع فِي علم الْقرَاءَات
стр. 11
واتقنها وَأَخذهَا على وَجههَا من أئمتها وبرع فِي زَمَانه وشكره الْأَئِمَّة وَولي خطابة جَامع التَّوْبَة بالعقيبة ثمَّ قَضَاء الشَّافِعِيَّة بِالشَّام من قبل الظَّاهِر برقوق الجركسي لَكِن لم يتم لَهُ الْأَمر وَدخل الْقَاهِرَة واخذ عَن أئمتها وَكَانَ لَهُ صيت فِي ذَلِك الْوَقْت ثمَّ ولي الصلاحية فِي الْقُدس الشريف ثمَّ ذكر أَسْفَاره فِي الأقطار وتنقلاته على سَبِيل الْإِجْمَال ثمَّ قَالَ
وَلما قدم المترجم دمشق اجْتمعت عَلَيْهِ وَكَانَ مسنا عِنْده تواضع وَله رياسة ظَاهِرَة وَجلسَ بِجَامِع دمشق عِنْد بَاب الخطابة وَاجْتمعَ عَلَيْهِ بعض الْقُرَّاء والطلبة فَأخذُوا عَنهُ وسمعوا مِنْهُ وَكَانَت بضاعته مزجاة فِي الْعُلُوم سوى الْقُرْآن فانه كَانَ فِيهِ عَلامَة زَمَانه ثمَّ رَحل إِلَى بِلَاد الْعَجم وَكَانَ آخر الْعَهْد بِهِ توفّي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة عَن اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ عَاما
وَقَالَ فِي الْبَدْر الطالع جد المترجم فِي طلب الحَدِيث بِنَفسِهِ وَقَرَأَ الْفِقْه وَالْأُصُول والمعاني وَالْبَيَان
وترجمه الْعَلامَة طاش كبري فِي الشقائق النعمانية بترجمة طَوِيلَة حاصلها انه جمع الْقرَاءَات السَّبع وَالْعشر والاثنتي عشرَة وَدخل الديار المصرية فنشر بهَا الْعلم والقراءات ثمَّ تَأَلُّبُ عَلَيْهِ الْأَعْدَاء حَتَّى ناله ظلم شَدِيد أدّى إِلَى اخذ مَاله وَغَيره فَخرج مِنْهَا إِلَى مَدِينَة بروسا فَأكْرمه السُّلْطَان بايزيد ثمَّ أَتَى دمشق فَلم يكد يصف لَهُ الْمقَام بهَا حَتَّى دهمتها الْفِتْنَة الْعَظِيمَة من قبل تيمورلنك سنة خمس وَثَمَانمِائَة وَلما رَحل عَنْهَا أَخذه مَعَه فِي جملَة من أَخذه من الْفُضَلَاء إِلَى مَا وَرَاء النَّهر وأنزله بِمَدِينَة كشي ثمَّ بسمرقند فاشتهر بهما واقرأ جماعات لَا تحصى وَكثر نَفعه واشتهر فَضله حَتَّى إِن تيمور لما كَانَ بسمرقند اتخذ وَلِيمَة عَظِيمَة فَجَلَسَ فِي ديوانه وَعين جَانب يسَاره لِلْأُمَرَاءِ وجانب يَمِينه للْعُلَمَاء فَقدم فِي ذَلِك الْمجْلس الشَّيْخ الْجَزرِي على السَّيِّد الشريف الْجِرْجَانِيّ الْمَشْهُور وَكَانَ وقتئذ مدرسا بسمرقند فَقَالُوا لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ كَيفَ لَا اقدم رجلا عَالما بِالْكتاب وَالسّنة وَمَا يسْأَل عَمَّا أشكل على السَّائِل مِنْهُمَا إِلَّا حل الأشكال بِالذَّاتِ بِلَا تَأْخِير اهـ
стр. 12
قلت تَأمل وأمعن النّظر فِي هَذِه الْقَضِيَّة وادر انه إِن كَانَ مَا فعله تيمور لأمر سياسي فقد نَشأ عَن فكر عَال ومرتبة فِي السياسة سامية وان كَانَ عَن حب للسّنة فَللَّه در رجال تعرف مَرَاتِب أَصْحَاب الْكَمَال وَلَا تنقص الرِّجَال شَيْئا من حَقّهَا
وَالَّذِي يظْهر انه قصد الْأَمر الثَّانِي لَان تيمور مَعَ عتوه وظلمه وبغيه كَانَ مغرما بحب الْعلمَاء وَلَا سِيمَا الكاملون مِنْهُم
قَالَ فِي الشقائق ثمَّ لما مَاتَ تيمور سنة سبع وَثَمَانمِائَة فَارق المترجم بِلَاد مَا وَرَاء النَّهر فَدخل خُرَاسَان وهراة وشيراز ويزد ونواحيها وَنشر فِي تِلْكَ الْأَمَاكِن فن الْقرَاءَات والزمه صَاحب شيراز الْقَضَاء بهَا فَأَقَامَ مكْرها وَلما قضى الرَّحْمَن لَهُ بالخلاص سَافر إِلَى الْبَصْرَة ثمَّ إِلَى مَدِينَة الرَّسُول ﷺ اهـ
وترجمه السخاوي فِي الضَّوْء اللامع تَرْجَمَة مُطَوَّلَة وَطعن فِيهِ وَفِي رِوَايَته كَمَا هُوَ دأبه فِي عُلَمَاء الحَدِيث الَّذين لم يعظموه وخلاصة مَا قَالَه
انه جعل نَفسه عمريا وَقَالَ كَانَ أَبوهُ تَاجِرًا وَحفظ الْقُرْآن وَهُوَ ابْن تسع سِنِين وَصلى بِهِ فِي السّنة الْعَاشِرَة ثمَّ ولي الْقَضَاء بِدِمَشْق على مَال يَدْفَعهُ فَلَمَّا تولاه لم يَفِ بِهِ فامتحن لذَلِك وفر إِلَى مصر سنة ثَمَان وَتِسْعين ثمَّ لحق بِبِلَاد الرّوم واتصل بالسلطان بايزيد فَأكْرمه وعظمه وأنزله عِنْده بضع سِنِين فنشر علم الْقرَاءَات والْحَدِيث وانتفعوا بِهِ فَلَمَّا دخل تيمورلنك الرّوم أَخذه مَعَه إِلَى سَمَرْقَنْد فَأَقَامَ بهَا إِلَى أَن مَاتَ تيمور فتحول حِينَئِذٍ إِلَى شيراز فنشر بهَا الْقرَاءَات والْحَدِيث وانتفع بِهِ أَهلهَا وَولي قضاءها وَقَضَاء غَيرهَا من الْبلدَانِ من جِهَة أَوْلَاد تيمورلنك ثمَّ قصد الْحَج سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين فنهب فِي الطَّرِيق وتعوق عَن إِدْرَاك الْحَج فَأَقَامَ يَبِيع وَيَشْتَرِي ثمَّ تيَسّر لَهُ فَأَقَامَ بِمَكَّة مجاورا وَحدث بهَا ثمَّ سَافر إِلَى بِلَاد الْعَجم ثمَّ قدم الْقَاهِرَة واتصل بالسلطان الاشرف فَعَظمهُ وأكرمه وتصدى للإقراء والتحديث ثمَّ سَافر إِلَى مَكَّة ثمَّ إِلَى الْيمن تَاجِرًا فَأَسْمع بهَا الحَدِيث وأكرمه صَاحبهَا وَوَصله بِحَيْثُ رَجَعَ بِبَضَائِع كَثِيرَة وَعَاد إِلَى مَكَّة ثمَّ إِلَى الْقَاهِرَة ثمَّ إِلَى الْبَصْرَة والى شيراز فَمَاتَ بهَا وَدفن بمدرسته الَّتِي أَنْشَأَهَا هُنَاكَ
стр. 13
ثمَّ سرد السخاوي مصنفاته فَقَالَ هِيَ
النشر فِي الْقرَاءَات الْعشْر مجلدان وَاخْتَصَرَهُ بِكِتَاب سَمَّاهُ التَّقْرِيب وتحبير التَّيْسِير فِي الْقرَاءَات الْعشْر والتمهيد فِي التجويد وهما مِمَّا آلفه وَله من الْعُمر سبع عشرَة سنة ونظم الْهِدَايَة فِي تَتِمَّة الْعشْرَة وسماها الدرة وَله من الْعُمر ثَمَانِي عشرَة سنة وَرُبمَا حفظهَا أَو بَعْضهَا بعض شُيُوخه وإتحاف المهرة فِي تَتِمَّة الْعشْرَة وإعانة المهرة فِي الزِّيَادَات على الْعشْرَة نظم وطيبة النشر فِي الْقرَاءَات الْعشْر فِي آلف بَيت والمقدمة فِيمَا على قَارِئ الْقُرْآن أَن يُعلمهُ وَهِي نظم أَيْضا وَقل من يعاني فن التجويد فِي زمننا إِلَّا ويحفظها ومنجد المقرئين وطبقات الْقُرَّاء فِي مُجَلد ضخم وَغَايَة النِّهَايَة فِي أَسمَاء رجال الْقرَاءَات والحصن الْحصين من كَلَام سيد الْمُرْسلين فِي الْأَذْكَار والدعوات وَهُوَ غَايَة فِي الِاخْتِصَار وَالْجمع وعدة الْحصن الْحصين وجنة الْحصن الْحصين وَعرف التَّعْرِيف مُخْتَصره والتوضيح فِي شرح المصابيح وَهُوَ ثَلَاثَة أسفار آلفه فِيمَا وَرَاء النَّهر والبداية فِي عُلُوم الرِّوَايَة وَالْهِدَايَة فِي فنون الحَدِيث نظم والأولوية فِي أَحَادِيث الْأَوْلَوِيَّة وَعقد اللآلي فِي الْأَحَادِيث المسلسلة العوالي والمسند الاحمد فِيمَا يتَعَلَّق بِمُسْنَد احْمَد والمقصد الاحمد فِي رجال احْمَد والمصعد الاحمد فِي ختم مسانيد احْمَد والإجلال والتعظيم فِي مقَام إِبْرَاهِيم والإبانة فِي الْعمرَة من الْجِعِرَّانَة والتكريم فِي الْعمرَة من التَّنْعِيم وَغَايَة المنى فِي زِيَارَة منى وَفضل جبل حراء واحاسن المنن واسنى المطالب فِي مَنَاقِب عَليّ ابْن أبي طَالب والجوهرة فِي النَّحْو وَغير ذَلِك من الرسائل والتعليقات
وَقد ذكره الطاووسي فِي مشيخته وَقَالَ انه تفرد بعلو الرِّوَايَة وَحفظ الْأَحَادِيث وَالْجرْح وَالتَّعْدِيل وَمَعْرِفَة الروَاة الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين اهـ وترجمه الْحَافِظ ابْن حجر فِي مُعْجم شُيُوخه الَّذِي سَمَّاهُ الْمجمع المؤسس للمعجم المفهرس فَذكر نَحوا مِمَّا سبق وَقَالَ كَانَ لَهُ توقيع الدست بِدِمَشْق وَعين لقَضَاء الشَّافِعِيَّة ثمَّ فر إِلَى بِلَاد الرّوم واتصل بِالْملكِ بايزيد بن عُثْمَان وَأقَام عِنْده بضع سِنِين إِلَى وقْعَة الكائنة الْعُظْمَى الَّتِي قتل فِيهَا الْملك بازيد فاتصل بعْدهَا بالأمير تيمور إِلَى أَن قَالَ وَلَيْسَ لَهُ فِي الْفِقْه يَد بل فنه الَّذِي مهر فِيهِ الْقرَاءَات وَله عمل فِي الحَدِيث وَله نظم وسيط اهـ
стр. 14
قلت وفن الْقرَاءَات فِي دمشق ومصر وَغَيرهمَا إِنَّمَا يَدُور على مصنفات ابْن الْجَزرِي فِي زمننا هَذَا وعَلى الشاطبية وشروحها وَرَأَيْت لَهُ كتابا فِي نظم السِّيرَة النَّبَوِيَّة وَأَنا فِي سنّ الصِّبَا وَقد غَابَ الْآن عني وَمن لطيف نظمه مَا قَالَه عِنْد ختم كتاب الشَّمَائِل للْإِمَام التِّرْمِذِيّ
(اخلاي أَن شط الحبيب وربعه ... وَعز تلاقيه وناءت مَنَازِله)
(وفاتكم أَن تبصروه بعينكم ... فَمَا فاتكم بِالسَّمْعِ هذي شمائله)
قَالَ المقريزي وَقد مدحه النواجي بقوله
(أيا شمس علم بالقراءات أشرقت ... وحقك قد من الْإِلَه على مصر)
(وهاهي بالتقريب مِنْك تضوعت ... عبيرا وأضحت وَهِي طيبَة النشر)
وَكتب إِلَيْهِ الْمولى خضر بك يَقُول
(لَو كَانَ فِي بَابه للنظم معْجزَة ... الفت فِي مدحه آلفا من الْكتب)
(لكنه الْبَحْر فِي كل الْفُنُون فَمَا ... إهداء در إِلَى بَحر من الْأَدَب)
فَأَجَابَهُ بقوله
(فِي در علمك بَحر الْفضل ذُو لجب ... ودر نظمك عقد فِي حلى الْأَدَب)
(الدّرّ فِي الْبَحْر مَعْهُود تكونه ... وَالْبَحْر فِي الدّرّ يُبْدِي غَايَة الْعجب)
دَار الْقُرْآن الدلامية
ترجمها صَاحب تَنْبِيه الطَّالِب والدارس بقوله هِيَ بِالْقربِ من الماردانية بالجسر الْأَبْيَض بالجانب الشَّرْقِي من الشَّارِع الْآخِذ إِلَى الجسر الْمَذْكُور بالصالحية زَاد العلموي فِي مُخْتَصره وَهِي مَعْرُوفَة انْتهى
وفيهَا تربة الْوَاقِف أَنْشَأَهَا الشهَاب الخواجكي الرئيسي الشهابي أَبُو الْعَبَّاس احْمَد بن الْمجْلس الخواجكي زين الدّين دلامة بن عز الدّين نصر الله الْبَصْرِيّ اجل أَعْيَان الخواجكية بِالشَّام إِلَى جَانب دَاره وترجمة السخاوي فِي الضَّوْء اللامع فَقَالَ
стр. 15
احْمَد بن دلامة الخواجا الْبَصْرِيّ ثمَّ الدِّمَشْقِي انشأ مدرسة بصالحية دمشق وتفقه وبرع وَمَات فِي ثامن عشر الْمحرم سنة ثَلَاث وَخمسين وَثَمَانمِائَة وَدفن بعد الْعَصْر من يَوْمه انْتهى
قَالَ البقاعي وَقد قَارب الثَّمَانِينَ قَالَ فِي التُّحْفَة وَقفهَا سنة سبع وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة ورتب بهَا إِمَامًا وَله من الْمَعْلُوم مائَة دِرْهَم وقيما وَله مثل الإِمَام وَسِتَّة أَنْفَار من الْفُقَرَاء الغرباء الْمُهَاجِرين فِي قِرَاءَة الْقُرْآن وَلكُل وَاحِد مِنْهُم ثَلَاثُونَ درهما فِي كل شهر ولشيخهم عشرَة وَمن شَرط الإِمَام الرَّاتِب أَن يتَصَدَّى شَيخا لإقراء الْقُرْآن للْجَمَاعَة وَله على ذَلِك عشرُون درهما زِيَادَة على مَعْلُوم الأمامية وَسِتَّة أَيْتَام بالمكتب على بَابهَا وَلكُل وَاحِد مِنْهُم فِي كل شهر عشرَة دَرَاهِم وَقرر لَهُم شَيخا وَله من الْمَعْلُوم سِتُّونَ درهما فِي كل شهر ورتب أَيْضا قَارِئًا لصحيح الإِمَام البُخَارِيّ فِي كل من شهر رَجَب وَشَعْبَان ورمضان وَجعل لَهُ من الْمَعْلُوم مائَة وَعشْرين درهما وناظرا وَله من الْمَعْلُوم فِي الشَّهْر سِتُّونَ درهما وعاملا وَله من الْمَعْلُوم فِي السّنة سِتّمائَة دِرْهَم ورتب للزيت فِي كل عَام مثلهَا وَجعل للشمع ولقراءة البُخَارِيّ وَإِمَام التَّرَاوِيح مائَة دِرْهَم ولأرباب الْوَظَائِف خَمْسَة عشر رطلا من الْحَلْوَى ورأسي غنم أضْحِية وَلكُل يَتِيم جُبَّة قطنية وقميصا ومنديلا فِي كل سنة وَقرر قَارِئ ميعاد فِي يَوْم الثُّلَاثَاء من كل أُسْبُوع وَله فِي الشَّهْر ثَلَاثُونَ درهما وَشرط على أَرْبَاب الْوَظَائِف حفظ حزب الصَّباح والمساء لِابْنِ أبي دَاوُد يقرؤونه بعد صَلَاة الصُّبْح وَالْعصر وان يكون الإِمَام هُوَ الْقَارئ البُخَارِيّ والقارئ على ضريح الْوَاقِف والقيم هُوَ البواب والمؤذن حكى هَذَا ابْن طولون فِي كِتَابه القلائد الجوهرية فِي تَارِيخ الصالحية والنعيمي وَتَبعهُ فِي التَّنْبِيه وَأول من بَاشر الْإِمَامَة بهَا والمشيخة شمس الدّين البانياسي وَقِرَاءَة الميعاد شمس الدّين بن حَامِد وَذكر بَعضهم أَن سَبَب إنشائها أَن الخواجا إِبْرَاهِيم الأسعردي عمر مدرسة بالجسر الْأَبْيَض لَيْسَ لَهَا نَظِير وَجعل بهَا خلاوي فَطلب بهَا رجل من جمَاعَة ابْن دلامة خلْوَة بشفاعة ابْن دلامة فَلم يُعْطه الْخلْوَة الَّتِي طلبَهَا وَأَعْطَاهُ غَيرهَا فَلم يقبلهَا فَقَالَ الخواجا إِبْرَاهِيم لَهُ قل لِابْنِ دلامة يعمر مدرسة مثلهَا ويعمر لَك خلْوَة تريدها فَأخْبرهُ بذلك فَلم ينم تِلْكَ اللَّيْلَة
стр. 16
حَتَّى رسم مَكَانهَا وقاسها فَقَالَ الخواجا إِبْرَاهِيم مَا أردْت بذلك إِلَّا تنهيضه لفعل الْخَيْر
قلت وَقد شاهدت تِلْكَ الدَّار أثْنَاء كتابتي لهَذِهِ السطور وَهِي مَعْرُوفَة باسم الدلامية إِلَى الْآن فِي الطَّرِيق الْآخِذ إِلَى الصالحية فِي الْجِهَة الشرقية وَهِي عامرة مَشْهُورَة وحائطها الغربي مَبْنِيّ بِالْحِجَارَةِ السَّوْدَاء والصفراء على نمط جميل وبابها مَبْنِيّ على هندسة لَطِيفَة وإتقان يدل على مَا كَانَ للفن المعماري فِي ذَلِك الزَّمن من التَّقَدُّم وَكَأن الْمُتَقَدِّمين كَانُوا يتفننون فِي بِنَاء الْأَبْوَاب فيجعلون لأبواب دور الْقُرْآن طرزا غير طرز أَبْوَاب دور الحَدِيث ولأبواب الحَدِيث شكلا غير شكل أَبْوَاب مدارس الْفِقْه والعلوم ويميزون أَبْوَاب أبنية السلاطين والأمراء لمعاهد الْخَيْر عَن أَبْوَاب أبنية غَيرهم وَمن تَأمل مآثرهم رأى ذَلِك عيَانًا ثمَّ انك إِذا دخلت من الْبَاب أفْضى بك إِلَى صحن لطيف فِي وَسطه بركَة مَاء وَفِي الْجِهَة الشمالية إيوَان لطيف أَيْضا وَفِي الْجِهَة الْقبلية حرم جميل ثَلَاث عشرَة خطْوَة فِي سبع وَفِي الْحَائِط الشَّرْقِي حجرَة وَفِي الغربي حجرَة أَيْضا وَبهَا قبر الْوَاقِف وَلها شباك مطل على الطَّرِيق وَتلك الدَّار الْآن معدة لإِقَامَة الصَّلَوَات الْخمس والأوقات الَّتِي اصْطلحَ عَلَيْهَا أَتبَاع الشَّيْخ إِبْرَاهِيم الرَّشِيدِيّ من المتصوفة واخبرني أحد المقيمين بهَا أَن أَيدي المختلسين تناولتها قَدِيما فَجعلُوا نصفهَا دَارا وَالنّصف الآخر جنينة للورد والأزهار الَّتِي يَزْرَعهَا أهل الصالحية ويبيعونها فَلَمَّا كَانَت سنة ثَلَاثمِائَة وَألف انتدب لَهَا السّري المحسن عَليّ بك ابْن مردم باشا الْمُؤَيد العظمي فاستخلصها من يَد مختلسيها وبناها على الطّراز الَّذِي هِيَ عَلَيْهِ الْآن
دَار الْقُرْآن الرشائية
كَانَت هَذِه الدَّار شمَالي الخانقاه السميساطية وَكَانَ الطَّرِيق الَّذِي يمر إِمَام مدفن السُّلْطَان صَلَاح الدّين فَيَأْخُذ إِلَى الشرق يُقَال لَهُ درب الخزاعيين وَبَاب الْجَامِع الشمالي يُقَال لَهُ بَاب الناطفيين فَتغير الِاسْم وَبَقِي الْمَكَان على حَاله
стр. 17
تَرْجَمَة واقفها
أَنْشَأَهَا عَلَاء الدّين عَليّ بن إِسْمَاعِيل بن مَحْمُود السنجاري
قَالَ الْحَافِظ ابْن كثير فِي تَرْجَمته هُوَ أحد التُّجَّار الْمَشْهُورين والأتقياء الورعين وَمن الأخيار ذَوي الْيَسَار المسارعين إِلَى الْخيرَات توفّي فَجْأَة فِي الْقَاهِرَة لَيْلَة الْخَمِيس ثَالِث عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة وَدفن عِنْد قبر القَاضِي شمس الدّين الحريري وَمَات عَمَّا ينيف عَن ثَمَانِينَ سنة من الْعُمر
وَقَالَ الْحَافِظ البرزالي فِي تَرْجَمته كَانَ رجلا جيدا فِيهِ ديانَة وبر انشأ دَار الْقُرْآن السنجارية ورتب فِيهَا جمَاعَة يقرؤون الْقُرْآن ويتلقونه وَكَانَ لَهُ مواعيد حَدِيث يَعْنِي أوقاتا يحضرها النَّاس لسَمَاع الحَدِيث
وَقَالَ العلموي أَنْشَأَهَا سنة ثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة وَقَالَ أَيْضا فِي تَعْرِيفهَا وَهِي الْآن مُتَّصِلَة ببيتي بِبَاب فَتحته من حَائِط مُشْتَرك بَين بَيْتِي وَبَينهَا غير بَابهَا الْمَخْصُوص بهَا انْتهى
وَانْظُر آيها الْعَاقِل مُرَاده بِهَذِهِ الْعبارَة الَّتِي قصد بهَا أَن يعرفنا مَكَان بَيته فَتوجه عَلَيْهِ اعْتِرَاض وَفتح عَلَيْهِ فتح ذَلِك الْبَاب بَابا وَهُوَ انه أَشَارَ إِلَى انه أول من سارع من الْقَوْم إِلَى التلاعب بهَا وَأول من انْتظر فرْصَة لضمها إِلَى بَيته وَقد شَاءَ لَهُ الزَّمَان ذَلِك فانه بِهَذَا تصرف بهَا نوعا من التَّصَرُّفَات ثمَّ جَاءَ من بعده فَبَالغ وَهَكَذَا إِلَى أَن صَارَت ملكا تبَاع وتوهب وتورث وَرُبمَا استبدلت بهَا قِرَاءَة الْقُرْآن بنغمات الأوتار وتلون الألحان ومغازلة الغادات والغزلان فبانيها سنّ سنة حَسَنَة فَكَانَ لَهُ اجرها ومختلسها سنّ سنة سَيِّئَة فَكَانَ عَلَيْهِ وزرها وَلَا يضيع عِنْد الله مِثْقَال ذرة
دَار الْقُرْآن الصابونية
هِيَ الْآن مَوْجُودَة مَشْهُورَة عامرة
قَالَ النعيمي هِيَ خَارج دمشق قبلي بَاب الْجَابِيَة غربي الطَّرِيق الْعُظْمَى ومزار اوس بن اوس الصَّحَابِيّ الْجَلِيل ﵁ وَبهَا جَامع حسن بمنارة تُقَام فِيهِ الْجُمُعَة وتربة الْوَاقِف وأخيه وذريتهما انْتهى
стр. 18
وَقد رَأَيْتهَا أثْنَاء كتابتي لهَذِهِ السطور لأصفها عَن مُشَاهدَة فَإِذا هِيَ مُقَابل تربة بَاب الصَّغِير غربي الطَّرِيق الْأَعْظَم الْآخِذ إِلَى بَاب الْمصلى والميدان وجدارها الشَّرْقِي شَاهِق متين مَبْنِيّ بِالْحجرِ الْأَصْفَر بِنَاء متقنا وَبِه نقوش بديعة محفورة بأحجاره وَفِيه الْبَاب وَهُوَ مُرْتَفع أَيْضا يماس اوجه علو الْجِدَار وَصدر قنطرته مزخرف بحجارة محفورة معجنة وَهُوَ على شكل محراب وَفِيه بَاب الْمدرسَة وَهُوَ صَغِير بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ وَهَذَا الْعَمَل يدل على إتقان الْفَنّ المعماري وقتئذ فَإِذا دخلت من الْبَاب صرت فِي دهليز وَكَانَ عَن يسارك جَامع للمحاسن جَامع تُقَام فِيهِ الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة وَعَن يَمِينك قبَّة لَهَا شباكان مطلان على الطَّرِيق الْأَعْظَم وَفِي الجنوبي مِنْهُمَا فسقية مَاء يردهَا المارون وفيهَا قبر الْوَاقِف وأخيه وَاحِد أَقَاربه والقبور الثَّلَاثَة مَبْنِيَّة بالرخام الْأَبْيَض وَأَعْلَى الْقبَّة كَانَ متهدما فعمر عمَارَة لَطِيفَة وَجعل لَهُ شبابيك من البلور وبجانبها من الغرب حجرَة قد سقط سقفها وَبقيت جدرانها وَلها بَاب إِلَى الدهليز وَفِي داخلها بَاب إِلَى الْقبَّة فَإِذا خلصت من الدهليز وصلت إِلَى صحن الْمدرسَة وَطوله تسع عشرَة خطْوَة فِي عرض سبع عشرَة خطْوَة وَفِيه بركَة مَاء مربعة مَاؤُهَا دَائِم الجريان كَمَا هِيَ عَادَته فِي دمشق وقابلك من الغرب إيوَان فِي صَدره ثَلَاث حجرات وبجانبه الشمالي حجرَة وَعَن يَمِينه دَار للسُّكْنَى وَعَن يسَاره كَذَلِك وَفِي الْجَانِب الجنوبي إيوَان أَيْضا وَفِي صَدره محراب وحجرتان عَن يَمِينه وَعَن يسَاره وَفِي جَانِبه الشَّرْقِي حجرَة أَيْضا وَفِيه بَاب يصعد مِنْهُ إِلَى المنارة وَهِي شاهقة الْبناء حَسَنَة الْوَضع وَفِي الْجَانِب الشمالي بيُوت الْخَلَاء وحجرة إمامها قبران فجملة مَا هُوَ مَوْجُود بهَا عشر حجرات
قَالَ النعيمي وَهَذِه الدَّار أَنْشَأَهَا الْمقر الخواجكي شهَاب الدّين احْمَد الشهابي القضائي ابْن علم الدّين سُلَيْمَان بن مُحَمَّد الْبكْرِيّ الدِّمَشْقِي الْمَعْرُوف بالصابوني ابْتَدَأَ فِي عمارتها سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة وَفرغ مِنْهَا سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة وَشرط الْوَاقِف النّظر لنَفسِهِ ثمَّ لذريته ثمَّ من بعد انقراضهم يكون النّظر نِصْفَيْنِ نصف مِنْهُ لحاجب دمشق يَعْنِي واليها أَو مَالِكهَا كَائِنا من كَانَ وَالنّصف الآخر للْإِمَام وَشرط قِرَاءَة البُخَارِيّ فِي شهور رَجَب وَشَعْبَان ورمضان وَاشْترط فِي الْخَطِيب أَن يكون شَافِعِيّ الْمَذْهَب وَفِي الإِمَام أَن يكون من الطَّائِفَة الجبرتية وَسَيَأْتِي بيانهم
стр. 19
وان يكون حنفيا وان يكون مَعَه تِسْعَة عشر فَقِيرا من جنسه يُقْرِئهُمْ الْقُرْآن قَالَه أَبُو الْبَقَاء احْمَد البقاعي فِي مُخْتَصره وَفِي التَّنْبِيه عشرَة وَلَعَلَّه هُوَ الْأَصَح وَجعل لسكن الإِمَام وَعِيَاله قاعة وللفقراء عشر حجرات يَعْنِي خلاوي قلت وَهَذِه الحجرات والقاعة مَوْجُودَة الْآن كَمَا مر بَيَانه فان لم يُوجد إِمَام من الجبرتية الْحَنَفِيَّة فَيكون يَمَانِيا فان لم يُوجد فَيكون افاقيا ورتب سِتَّة مؤذنين وَجعل قيمًا وبوابا وفراشا وجابيا للْوَقْف وَبنى أَيْضا تجاه الْمَكَان الْمَذْكُور من الشرق مكتبا للأيتام وَاشْترط أَن تكون عدتهمْ عشرَة ورتب لَهُم شَيخا يُقْرِئهُمْ الْقُرْآن بمعلومات شَرطهَا لَهُم تصرف عَلَيْهِم من جِهَات عديدة مِنْهَا عدَّة قرى غربي مَدِينَة بيروت اسْمهَا الصابونية وَمِنْهَا جَمِيع قَرْيَة مديرى بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وَفتح الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة آخرهَا آلف مَقْصُورَة وَهِي بالغوطة من المرج الشمالي مَعْرُوفَة مَشْهُورَة وَمِنْهَا قَرْيَة ترحيم بالبقاع وَعشرَة افدنة وَنصف فدان وَأَرْبَعَة فدادين بقرية الصويرة وَربع قَرْيَة القرعون بالبقاع وَسِتَّة فدادين من قَرْيَة كحيل بحوران وَعشرَة افدنة وَنصف فدان من قَرْيَة الخيارة قبلي دمشق وَعشرَة افدنة وَنصف فدان من قَرْيَة السبينة الغربية ومزرعة السياف الكائنة بِقرب بَيت الابيار وَربع بُسْتَان بقرية جرمانا وبستان الوثاب بالوادي التحتاني وبستان بِعَين ثرما وَسبع قطع ارْض بقرية سقبا وبستان بقرية حمورية وعدة بساتين ببرزة وَأَرْبَعَة بساتين بجوبر وعدة بساتين بالنيرب الفوقاني وَأَرْبَعَة بساتين بِأَرْض المزة وَمثلهَا بقرية كفرثوثا وَثَلَاثَة بساتين بِأَرْض قبنية فَهَذِهِ هِيَ الْأَرَاضِي والبساتين
وَأما المسقفات فَمِنْهَا خَان كَانَ يُسمى بخان البقسماتية وقاعة وَاحِدَة بِعَين اللؤلؤة وحانوت بالدباغة وَأَرْبع طباق بالعقيبة الْكُبْرَى وخان طولون بهَا وَثَلَاثَة حوانيت شركَة الْحَرَمَيْنِ بسوق الْعِمَارَة التحتاني وَكَانَت تسمى عمَارَة الاخنائي وَسِتَّة حوانيت بمحلة مَسْجِد الأقصاب وقاعتين بجوار الْجَامِع الْأمَوِي وَأَرْبع طباق جوَار المارستان النوري وطبقة وَاحِدَة جوَار بَاب الفراديس بِدِمَشْق وَأَرْبَعَة حوانيت بالقضمانية وَسِتَّة حوانيت بِبَاب الْجَابِيَة وخان بمحلة سوق الْهَوَاء وخان بمحلة قصر حجاج وطبقة فَوْقه
стр. 20
وحانوت غربي النَّخْلَة الطَّوِيلَة قبلي جَامع حسان وَهَذِه النَّخْلَة كَانَت فِي زمن النعيمي والبقاعي وَأما الْآن فَلم يفدنا التَّعْرِيف بهَا شَيْئا
هَذَا مَا وَقفه الْوَاقِف واحتسب اجره عِنْد الله تَعَالَى
ثمَّ جَاءَ بعده مَمْلُوك لَهُ يُقَال لَهُ يُوسُف الرُّومِي فحذا حَذْو سَيّده فِي أَفعَال الْخَيْر والتربية الْحَسَنَة تفِيد المربى والمربي فَأوقف على الصابونية بستانا غربي مصلى الْعِيدَيْنِ جوَار بُسْتَان الصاحب ومعصرة زيتون بكفرثوثا وقاعة لصيق الْجَامِع وَفِي علوها طبقَة وقاعة أُخْرَى قبلي ذَلِك وفوقها طبقتان
الجبرتية
حَيْثُ انه قد سبق ذكر الجبرتية أثْنَاء شَرط الْوَاقِف كَانَ الالماع إِلَى تعريفهم وَبَيَان مواطنهم متمما للفائدة موقفا على مزِيد بَيَان تفكهة وتنقلا وَاللَّذَّات فِي التنقل وَلذَا وضعناها بِحَسب مَا كَانَت عَلَيْهِ من قبل وبمقتضى مَا هِيَ عَلَيْهِ الْآن واليك ذَاك
قَالَ الْفَاضِل عبد الرَّحْمَن الجبرتي فِي تَارِيخه الْمُسَمّى عجائب الْآثَار
بِلَاد جبرت هِيَ بِلَاد الزيلع بأراضي الْحَبَشَة تَحت حكم الخطا ملك الْحَبَشَة وَهِي عدَّة بِلَاد مَعْرُوفَة تسكنها هَذِه الطَّائِفَة وهم الْمُسلمُونَ بذلك الإقليم ويتمذهبون بمذهبي أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ لَا غير وينتسبون إِلَى سيدنَا اسْلَمْ بن عقيل بن أبي طَالب وهم قوم يغلب عَلَيْهِم التقشف وَالصَّلَاح ويسافرون من بِلَادهمْ بِقصد الْحَج والمجاورة فِي طلب الْعلم ويحجون مشَاة وَلَهُم رواق بِالْمَدِينَةِ المنورة ورواق بِمَكَّة المشرفة ورواق بالجامع الْأَزْهَر ثمَّ قَالَ الجبرتي وَظهر مِنْهُم عُلَمَاء أفاضل كالزيلعي شَارِح الْكَنْز وَغَيره وسرد تراجمهم ثمَّ قَالَ وللحافظ المقريزي مؤلف فِي أَخْبَار بِلَادهمْ وتفصيل أَحْوَالهم وللشيخ عَلَاء الدّين مُحَمَّد بن عبد الله البُخَارِيّ كتاب سَمَّاهُ الطّراز المنقوش فِي محَاسِن الحبوش وللحافظ عبد الرَّحْمَن بن الْجَوْزِيّ كتاب تنوير الغبش فِي فَضَائِل السودَان والحبش وللجلال السُّيُوطِيّ كتاب أَيْضا سَمَّاهُ رفع شان الحبشان انْتهى
стр. 21
هَذَا بِحَسب مَا كَانَت عَلَيْهِ من قبل وَأما مَا هِيَ عَلَيْهِ بِحَسب من جِهَة جغرافيتها فان تِلْكَ الأصقاع يُقَال لَهَا بِلَاد الصومال وَهِي بِلَاد وَاقعَة فِي الشرق الْأَقْصَى من إفريقية الشمالية بَين خليج عدن وَالْمُحِيط الْهِنْدِيّ تقَابل شبه جَزِيرَة الْعَرَب من الْجنُوب وَهِي هضبة بهَا جبال مُرْتَفعَة فِي الشمَال وُجُوهًا حَار جدا فِي النَّهَار وبارد جدا فِي اللَّيْل وَلَيْسَ للأمطار فِيهَا انتظام وأنهارها وقتية تستمد من الأمطار وتبلغ مساحتها سَبْعمِائة وَخمسين ألف كيلومتر مربع ويزرع فِيهَا البن واللبان بِكَثْرَة وتجارتها رائجة مَعَ الْحَبَشَة وبلاد الْيمن واهم صادراتها الصمغ واللبان وَرِيش النعام والعاج والجلود والبن وسكانها يقدرُونَ بثلاثمائة وَخمسين آلف نفس كلهم مُسلمُونَ حمر الْوُجُوه وهم قبيلتان فَفِي الشرق الصوماليون وَفِي الغرب قبائل الجالة وَالْفَرِيقَانِ فِي قتال مُسْتَمر لاتجمعهما إِلَّا كَرَاهَة الْأَجْنَبِيّ ومقاومة الْغَرِيب وَلم يتَمَكَّن الأوربيون من دُخُول الْبِلَاد لمقاومة أَهلهَا لَهُم فاحتلوا السواحل فاختصت إنكلترا بالسواحل الشمالية الَّتِي على خليج عدن وَبَين خليج تاجورا وبندر قَاسم وهواء هَذِه السواحل جيد
ويتولى إدارتها القنصل الإنكليزي الْمُقِيم فِي بربرة ويحافظ على سلطة الْحُكُومَة فِيهَا جنود هنود ضباطهم من الإنكليز وعاصمة هَذِه المستعمرة بربرة وَهِي مَدِينَة جَيِّدَة المَاء والهواء ذَات مرفأ أَمِين وَلها تِجَارَة مَعَ الْيمن والحبشة وَكَانَت تَابِعَة لحكومة شَرْقي السودَان الْمصْرِيّ قبل اسْتِيلَاء الإنكليز عَلَيْهَا واشهر مدنها زيلع وَهِي ميناء تجارية على خليج عدن وبلهار مثلهَا
وَأما شواطيء الْمُحِيط الْهِنْدِيّ فالنفوذ فِيهَا لإيطاليا واشهر المدن فِيهَا بروه مركه ومغدوش
ثمَّ إِن إنكلترا أَرَادَت بسط سلطتها على قبائل الصومال الداخلية كَمَا هِيَ عَادَتهَا ليقوى سلطانها هُنَاكَ وليقوى نفوذها فِي شَرْقي إفريقية فَأخذت ترسل وسواسها وتتبع طريقتها إِلَى أَن دخلت بِحجَّة مقاومة المنلا أحد رُؤَسَاء هَذِه الْقَبَائِل وَمَا زَالَت تتوسع فِي مطاردته وتحاوله وتطاوله إِلَى أَن تمّ لَهَا مَا أَرَادَت وحازت على مَا شَاءَت وَشاء لَهَا الْحَظ وهمجية السكان وتفرق الْكَلِمَة وتشعب الآراء وَالله يقْضِي مَا يُرِيد وَيفْعل مَا يَشَاء
стр. 22
دَار الْقُرْآن الوجيهية
كَانَت قبلي الْمدرسَة العصرونية والمسرورية وَغَرْبِيٌّ الصمصامية الَّتِي كَانَت شمَالي الخاتونية الَّتِي زقاقها يسْلك مِنْهُ إِلَى البيمارستان النوري والى ذَلِك الزقاق يفتح بَابهَا
هَذَا مَا حَكَاهُ النعيمي وَتَبعهُ العلموي والبقاعي ولعلها كَانَت مَوْجُودَة فِي زمنهم وَأما فِي زمننا فَلَا رسم لَهَا وَلَا اثر وسأفصل موضعهَا وَأَقُول
انك إِذا وقفت على درج بَاب الْبَرِيد ثمَّ سرت مغربا فانك لَا تسير قَلِيلا حَتَّى ترى عَن يَمِينك مبدأ سوق العصرونية فَإِذا دخلت وسرت إِلَى نَحْو من نصفه كَانَت الْمدرسَة العصرونية عَن يَمِينك ثمَّ بعْدهَا إِلَى الغرب الخاتونية الصُّغْرَى وإمامها فِي الْجِهَة الشمالية العادلية الصُّغْرَى وَبعدهَا إِلَى الغرب دَار الحَدِيث الأشرفية وَسَيَأْتِي الْكَلَام على هَذِه الْمدَارِس فِي محالها إِن شَاءَ الله تَعَالَى ثمَّ إِذا خلصت من السُّوق وجدت القلعة أمامك فَإِذا اتجهت إِلَى الْجنُوب وسرت إِلَى طَرِيق البيمارستان النوري لم يكن هُنَالك مدارس أبدا وَلم تَجِد إِلَّا البيمارستان وبجانبه بَاب وَله اسكفة من الْحجر مَكْتُوب عَلَيْهِ مَا يدل على انه بَاب الْمدرسَة الخاتونية لَكِنَّهَا صَارَت الْآن دَارا للسُّكْنَى واخبرني بعض الثِّقَات انه كَانَ يعرف زقاقا بِجَانِب العصرونية الجنوبي وَفِي آخِره دَار على هَيْئَة مدرسة فَلَمَّا فتحت سوق الحميدية ادخل هَذَا الْبناء فِي السُّوق وَلم يبْق لَهُ رسم وَلَا طلل وَمهما يكن فَإِنَّهَا إِمَّا أَن تكون قد صَارَت دورا للسُّكْنَى واخبرني بعض الثِّقَات انه كَانَ يعرف زقاقا بِجَانِب العصرونية الجنوبي وَفِي التَّنْصِيص على أَنَّهَا كَانَت أثرا فِي محلهَا وذخرا لواقفها
تَرْجَمَة واقفها
انشأ هَذِه الدَّار الشَّيْخ وجيه الدّين مُحَمَّد بن الإِمَام الرئيس شيخ الأكابر وَشَيخ الْحَنَابِلَة فِي وقته أَبُو الْمَعَالِي عُثْمَان بن المنجا التنوخي الدِّمَشْقِي ولد المترجم سنة ثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وَتوفى سنة إِحْدَى وَسَبْعمائة وَكَانَ صَدرا مُحْتَرما دينا ذَا ثروة ومتاجر وبر وأوقاف انشأ دَار الْقُرْآن هَذِه ورباطا بالقدس وَكَانَ مُحدثا فَاضلا ولي نظارة
стр. 23
الْجَامِع الْأمَوِي تَبَرعا وحسبة لله تَعَالَى ودرس بالمسمارية وَكَانَ مَعَ سَعَة ثروته مقتصدا بملبسه وَتوفى فِي تِلْكَ الدَّار الَّتِي أَنْشَأَهَا هَذَا كَلَام النعيمي فِي تَرْجَمته
وَقَالَ الشَّيْخ برهَان الدّين إِبْرَاهِيم بن مُفْلِح فِي كِتَابه الْمَقْصد الارشد فِي ذكر أَصْحَاب الإِمَام احْمَد فِي تَرْجَمَة الْوَاقِف
هُوَ مُحَمَّد بن عُثْمَان بن اِسْعَدْ بن المنجا الشَّيْخ الإِمَام صدر الرؤساء وجيه الدّين أَبُو الْمَعَالِي التنوخي حضر عَليّ ابْن اللتي وَابْن المقير ومكرم وَسمع من جَعْفَر الْهَمدَانِي والسخاوي وَكَانَ شَيخا عَالما فَاضلا كثير الْمَعْرُوف وَالصَّدقَات والتواضع وَله هَيْبَة وسطوة وجلالة درس بالمسمارية والصدرية ثمَّ تَركهمَا لوَلَده وَمَات فِي حَيَاته وَحدث روى عَنهُ جمَاعَة مَاتَ فِي شعْبَان سنة إِحْدَى وَسَبْعمائة انْتهى
وَرَأَيْت بِخَط الشَّيْخ عبد الباسط العلموي على هَامِش تَرْجَمَة جد الْوَاقِف اِسْعَدْ ابْن المنجا مَا صورته
هُوَ وَاقِف الوجيهية الَّتِي بِرَأْس بَاب الْبَرِيد وَهِي مدرسة قريبَة من الْمدرسَة الخاتونية الجوانية وَبهَا خلاوي كَثِيرَة وَلها وقف كثير فَأخذ واختلس اهـ
وَهُوَ خطأ وَالصَّحِيح أَن واقفها هُوَ المترجم لاجده كَمَا زعم العلموي على انه نَفسه قَالَ فِي مُخْتَصره أَن واقفها مُحَمَّد بن عُثْمَان ووفاته سنة سَبْعمِائة وَوَاحِدَة وجده اِسْعَدْ توفى كَمَا فِي طَبَقَات ابْن رَجَب سنة سِتّ وسِتمِائَة فَتنبه وَهَذَا آخر الْكَلَام على الدّور الَّتِي كَانَت مُخْتَصَّة بتعليم الْقُرْآن
стр. 24
الْقسم الثَّانِي فِي دور الحَدِيث الشريف
حرف الْهمزَة
دَار الحَدِيث الأشرفية الأولى
عرف النعيمي وَغَيره محلهَا بِأَنَّهُ جوَار بَاب القلعة الشَّرْقِي غربي الْمدرسَة العصرونية وشمالي القيمازية الْحَنَفِيَّة انْتهى
أَقُول هِيَ الْآن مَشْهُورَة مَعْرُوفَة وَهِي فِي أَوَائِل سوق العصرونية من الْجَانِب الغربي وتعريفها الأول مَعْرُوف الْآن إِلَّا أَن القيمازية لم نر لَهَا أثرا والأشرفية جنوبي الطَّرِيق المخترق للسوق وَقد جدد لَهَا بَاب قنطرته من الْحجر الْمزي الْأَحْمَر وَالْأسود فَإِذا دخله الدَّاخِل أفْضى بِهِ إِلَى دهليز لطيف بجانبه الشَّرْقِي حجرَة ثمَّ يصل مِنْهُ إِلَى صحن لطيف فِي وَسطه بركَة مَاء وَفِي الْجَانِب الغربي مَوَاضِع الطَّهَارَة وحجرتان وَفِي القبلي مَسْجِد حسن الْبناء والوضع وَفِي الشَّرْقِي ثَلَاث حجرات وَفِي الشمالي سلم من الْحجر يصعد مِنْهُ إِلَى الطباق العلوية وَهِي ثَلَاث فِي الْجَانِب الغربي وَخمْس فِي الشَّرْقِي وَكَانَ سكني فِي غرفَة علوِيَّة من هَذِه الْمدرسَة أثْنَاء طلبي للْعلم فنلت بهَا من الانشراح والفتوح مَا يَجْعَلنِي حَامِد الله تَعَالَى وشاكرا لَهُ مُدَّة حَياتِي والفت بهَا بعض الْكتب وبجانبها الجنوبي دَار لَطِيفَة معدة لسكنى الْمدرس بهَا وَهُوَ الْآن الْعَالم الْفَاضِل الْمُحدث الصَّالح الشَّيْخ مُحَمَّد بدر الدّين ابْن الشَّيْخ يُوسُف بدر الدّين البيباني الشهير بالمغربي لَكِن تِلْكَ الدَّار قد أجرت لبَعض التُّجَّار وَجعلت محلا للتِّجَارَة وَفَوق شباك الْحُجْرَة الثَّانِيَة السفلية الشرقية مِنْهَا بلاطة طَوِيلَة محفور فِيهَا مَا صورته بعد الْبَسْمَلَة
مِمَّا أوقفهُ السُّلْطَان الْملك الْأَشْرَف أَبُو الْفَتْح مُوسَى ابْن الْملك الْعَادِل ﵀ على هَذِه الدَّار الْمُبَارَكَة وَهُوَ ثلث قَرْيَة حزرما وقيسارية الْعُلُوّ بكمالها وَعشرَة حوانيت وفرنان واصطبل جوارها وحانوتان وحجرة جوَار كَنِيسَة مَرْيَم وَأَرْبع
стр. 25
حصص فِي أَرْبَعَة حوانيت بِبَاب الْبَرِيد وحصتان فِي حانوتين فِي الجزيرة وَحِصَّة فِي حَانُوت الحدادين
هَذَا مَا قرأته على البلاطة الْمَذْكُورَة
قَالَ ابْن كثير فِي تَارِيخه كَانَت هَذِه الْمدرسَة لصارم الدّين قايماز بن عبد الله النجمي وَاقِف القايمازية وَله بهَا حمام فَاشْترى ذَلِك الْملك الاشرف مظفر الدّين مُوسَى ابْن الْعَادِل وبناها دَار حَدِيث وَخرب الْحمام وبناه سكنا للشَّيْخ الْمدرس وَأتم بناءها فِي سنتَيْن وَجعل شيخها الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ابْن الصّلاح ووقف عَلَيْهَا الْأَوْقَاف وَكَانَ بهَا نعل النَّبِي ﷺ وَاشْترط فِي الشَّيْخ أَن تَجْتَمِع فِيهِ الرِّوَايَة والدراية اهـ
وَكَانَ بناؤها سنة ثَمَان وَعشْرين وسِتمِائَة وَقَالَ الْحَافِظ ابْن كثير فِي طبقاته
وَفتحت سنة ثَلَاثِينَ وسِتمِائَة لَيْلَة نصف شعْبَان وأملى بهَا الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ابْن الصّلاح الحَدِيث وَبهَا نعل النَّبِي ﷺ وَكَانَ عِنْد الإِمَام نظام الدّين أبي الْعَبَّاس احْمَد بن عُثْمَان بن أبي الْحَدِيد السّلمِيّ مولده بِدِمَشْق سنة سِتِّينَ وَخَمْسمِائة وَكَانَ وَرثهُ من آبَائِهِ وَكَانَ الاشرف يقربهُ ويجله لأَجله ويؤمل أَن يَشْتَرِيهِ مِنْهُ ويضعه فِي مَكَان ليزار فَلم يسمح بذلك وسمح بِأَن يقطع لَهُ قِطْعَة مِنْهُ فَامْتنعَ الْأَشْرَف حذرا من التطرق إِلَى إعدامه ثمَّ اقطعه الاشرف وَقدر لَهُ مَعْلُوما فاستمر كَذَلِك إِلَى أَن توفى وَأوصى بالنعل للاشرف فأقره بدار الحَدِيث الاشرفية وَيُقَال انه كَانَ الفردة الْيُسْرَى وان الفردة الْيُمْنَى كَانَت بِالْمَدْرَسَةِ الدماغية وَلم تزل إِلَى زمن تيمور فَلَمَّا دخل دمشق أخذهما وَفِي كتاب الْفَتَاوَى الْكُبْرَى للسبكي مَا صورته
وقف دَار الحَدِيث الأشرفية مُخْتَصرا هَذَا مَا وَقفه السُّلْطَان الْملك الْأَشْرَف أَبُو الْفَتْح مُوسَى ابْن الْعَادِل أبي بكر مُحَمَّد بن أَيُّوب بن شادي جَمِيع مَا يَأْتِي ذكره فَمِنْهُ الدَّار وَمِنْه جَمِيع الحانوتين من شَرق بَابهَا وَجَمِيع الْحَانُوت من غرب الشباك وَجَمِيع الْحُجْرَة من غرب مَا يَأْتِي ذكره وَمِنْه جَمِيع القيسارية السّفل والعلو وَجَمِيع الساباط قبالتها وَدَار أَيْضا وَمِنْه ثلث حزرما وَقفا مُؤَبَّدًا فالدار دَار حَدِيث وَأما جَمِيع الْعقار فموقوف على مصَالح هَذِه الدَّار وعَلى أَهلهَا
يبْدَأ النَّاظر فِي هَذِه الْأَمَاكِن بعمارة الدَّار وَعمارَة مَا هُوَ مَوْقُوف عَلَيْهَا وعَلى
стр. 26
أَهلهَا قدر الْحَاجة إِلَيْهِ من زَيْت وشمع وقناديل ومصابيح وتعاليق وَحصر وَبسط برسم الْمَسْجِد وَسَائِر مَا لَا يخْتَص أحد بسكناه من سفل الدَّار وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الة تنظيف وكنس وَنَحْو ذَلِك وَمَا تَدْعُو الْحَاجة إِلَيْهِ من تَقْوِيَة فلاح وإقراضه وَشِرَاء دَوَاب وآلات
ويتعاهد كتب الْوَقْف وحججه بالإثبات وَيصرف فِي ذَلِك من فعل الْوَقْف مِقْدَار الْحَاجة وَله أَن يصرف من فعل بعض الْأَمَاكِن الْمَوْقُوفَة فِي عمَارَة مَكَان آخر مِنْهَا مِمَّا وقف الْآن وَمِمَّا سيوقف إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَمَا فضل بعد ذَلِك كَانَ مصروفا إِلَى أهل الدَّار من أَصْحَاب الحَدِيث والمشتغلين بِعِلْمِهِ والسامعين لَهُ والقراء للسبع وَالشَّيْخ الْمُحدث وَالْإِمَام وَسَائِر المرتبين بِالْمَكَانِ المتعلقين بِهِ على مَا سَيَأْتِي شَرحه
فَمِنْهُ مَا هُوَ مَصْرُوف إِلَى الإِمَام سِتُّونَ درهما عَن كل شهر فَفِي السّنة سَبْعمِائة وَعِشْرُونَ وَعَلِيهِ الْقيام بوظيفة الْإِمَامَة فِي الْخمس وَفِي التَّرَاوِيح وَعَلِيهِ عقد حَلقَة الإقراء والتلقين وَشَرطه فِي هَذَا أَن يكون حَافِظًا للقراءات السَّبع عَارِفًا بهَا وللشيخ النَّاظر أَن يَجْعَل حَلقَة الإقراء إِلَى شخص غير الإِمَام ويوزع الْمِقْدَار الْمَذْكُور عَلَيْهِمَا على حسب مَا يرى فِيهِ الْمصلحَة
وَيصرف إِلَى الشَّيْخ الْمُحدث فِي كل شهر تسعون درهما وَهُوَ أَبُو عَمْرو بن الصّلاح ولنسله خَمْسُونَ درهما إِلَى أَن ينقرض أخرهم
وَيصرف إِلَى أَوْلَاد الشَّيْخ أبي مُوسَى ونسله كل شهر سِتُّونَ درهما وَلَهُم أَو لمن شَاءَ مِنْهُم سُكْنى الْحُجْرَة الَّتِي من شمَالي الدَّار وَيصرف إِلَى خَادِم الْأَثر الشريف النَّبَوِيّ وَهُوَ الْحَاج ريطار واسْمه غُلَام الله فِي كل شهر أَرْبَعُونَ درهما وتجرى بعده على نَسْله فَإِذا انقرضوا عَاد ذَلِك إِلَى سَائِر مصارف الْوَقْف وجهاته وَيجْعَل شيخ الْمَكَان بعد انقراضهم خدمَة الْأَثر إِلَى من شَاءَ وَيجْعَل لَهُ مَا يرَاهُ والمصروف إِلَى هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة وهم أَوْلَاد أبي مُوسَى وعقبه وعقب ابْن الصّلاح وعقب ريطار من فعل مَا سوى الثُّلُث الْمعِين من حزرما لكَوْنهم لم يذكرُوا حَالَة إنْشَاء هَذِه الْمدرسَة
وَيصرف فِي كل شهر مائَة دِرْهَم إِلَى عشرَة انفس من قراء السَّبع لكل وَاحِد عشرَة وَيصرف إِلَى قَارِئ أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ درهما كل شهر
стр. 27
وَيصرف إِلَى خَازِن الْكتب ثَمَانِيَة عشر درهما فِي كل شهر وَعَلِيهِ الاهتمام بترميم الْكتب وإعلام النَّاظر أَو نَائِبه ليصرف فِيهِ من مغل الْوَقْف مَا يَفِي بذلك وَكَذَا إِذا مست الْحَاجة إِلَى تَصْحِيح كتاب ومقابلته
وَيصرف إِلَى شخص يكون مُرَتبا ونقيبا ثَمَانِيَة عشر درهما وللشيخ أَن يضم إِلَيْهِ فِي بعض ذَلِك شخصا من الْجَمَاعَة ويزيده على ذَلِك شَيْئا على مَا يرَاهُ
وللمؤذن فِي كل شهر عشرُون درهما وللبواب خَمْسَة عشر درهما
وَيصرف إِلَى قيمين ثَلَاثُونَ درهما وللشيخ النَّاظر أَن يفاوت بَينهمَا على حسب عملهما وان وَقع الِاسْتِغْنَاء بِوَاحِد اقْتصر عَلَيْهِ وَصرف إِلَيْهِ بعض ذَلِك على مَا يَقْتَضِيهِ حَاله
وَيصرف كل سنة آلفان من الدَّرَاهِم من مغل ثلث حزرما فِي مصَالح النورية والقائمين بمصالحها والمشتغلين بِالْحَدِيثِ من أَهلهَا على مَا يَقْتَضِيهِ رَأْي الْوَاقِف أَو من يفْرض ذَلِك إِلَيْهِ
وَيصرف فِي شِرَاء أوراق وآلات النّسخ من حبر وَأَقْلَام وَنَحْو ذَلِك من أدوات الْكِتَابَة مِمَّا تقع بِهِ الْكِفَايَة لمن ينْسَخ فِي الإيوان الْكَبِير أَو قبالته الحَدِيث أَو شَيْئا من علومه أَو الْقُرْآن الْعَظِيم أَو تَفْسِيره وَيصرف إِلَى من يكْتب فِي مجَالِس الاملاء والى من يتَّخذ لنَفسِهِ كتبا أَو استجازة وَلَا يعْطى من ذَلِك إِلَّا لمن ينْسَخ لنَفسِهِ لغَرَض الاستفادة والتحصيل دون التكسب وَالِانْتِفَاع بِثمنِهِ
وَمَا فضل عَن الْأَصْنَاف الْمَذْكُورين والجهات الْمَذْكُورَة إِلَى تَمام آلف ومائتي دِرْهَم يصرف إِلَى المشتغلين بِالْحَدِيثِ والسامعين لَهُ فَيجْعَل لكل من المشتغلين ثَمَانِيَة دَرَاهِم وَمن زَاد اشْتِغَاله زَاده وَمن نقص نَقصه وَيجْعَل لكل من السامعين أَرْبَعَة أَو ثَلَاثَة وَمن ترجح مِنْهُم زَاده وَمن كَانَ فِيهِ نباهة جَازَ إِلْحَاقه بالثمانية وَمن حفظ كتابا من كتب الحَدِيث فللشيخ أَن يَخُصُّهُ بجائزة وَمن انْقَطع مِنْهُم إِلَى الِاشْتِغَال بِالْحَدِيثِ وَكَانَ ذَا أَهْلِيَّة يُرْجَى مَعهَا أَن يصير من أهل الْمعرفَة فللشيخ أَن يوظف لَهُ تَمام كِفَايَة أَمْثَاله بِالْمَعْرُوفِ وَإِذا ورد شيخ لَهُ علو سَماع يرحل إِلَى مثله فَلهُ أَن ينزل بدار الحَدِيث وَيُعْطى كل يَوْم دِرْهَمَيْنِ فَإِذا فرغ أعطي ثَلَاثِينَ دِينَارا كل دِينَار بسبعة دَرَاهِم هَذَا إِذا ورد من غير الشَّام فَإِذا كَانَ مِمَّن هُوَ مُقيم بِالشَّام كَانَ لَهُ دون ذَلِك على مَا يرَاهُ
стр. 28
الشَّيْخ فَإِذا كَانَ صَاحب الْعُلُوّ من المستوطنين بِدِمَشْق واقتضت الْمصلحَة استحضاره فِي الدَّار لاستماع مَا عِنْده من العالي فللناظر أَن يُعْطِيهِ مَا يَلِيق بِحَالهِ من عشرَة دَنَانِير فَمَا دون ذَلِك
وَإِذا اقْتَضَت الْمصلحَة أمرا دينيا يُنَاسب مَقَاصِد دَار الحَدِيث زَائِدا على مَا نَص عَلَيْهِ فِي كتاب الْوَقْف فللشيخ النَّاظر أَن يصرف ذَلِك من مغل الْوَقْف مَا يَلِيق بالحالة وَمن قَامَ بِشَرْط جِهَتَيْنِ وَقدر على إِتْيَانه بهما فللناظر أَن يَجْعَل لَهُ ذَلِك
وللشيخ النَّاظر أَن يستنسخ للْوَقْف أَو يَشْتَرِي مَا تَدْعُو الْحَاجة إِلَيْهِ من الْكتب والأجزاء ثمَّ يقف ذَلِك اسوة بِمَا فِي الدَّار من كتبهَا
وَعَلَيْهِم أَن يجتمعوا فِي خمس لَيَال ويبتدؤوا بعد صَلَاة الظّهْر وللناظر أَن يتَّخذ لَهُم طَعَاما وَله أَن يَجْعَل بدل الطَّعَام كل لَيْلَة مائَة وَله أَن يَشْتَرِي مَا يَلِيق من شمع وعود يبخر بِهِ وكيزان وثلج وَنَحْو ذَلِك وَله أَن يتَّخذ فِي شهر رَمَضَان طَعَاما أَو يفرق عوضا عَنْهَا ألف دِرْهَم بِالسَّوِيَّةِ على جَمِيع من بِالدَّار من المرتبين والساكنين وَذَلِكَ إِذا رأى فِي مغل الْوَقْف اتساعا وَمهما كَانَ فِي مغل الْوَقْف نقص بِحَيْثُ لَا يَفِي بِجَمِيعِ الْجِهَات الْمَذْكُورَة فليجعل النَّقْص فِي الْأُمُور الزَّائِدَة دون الْأَصْلِيَّة المهمة وليكمل الْمُؤَذّن والقيم والخازن والبواب والقارئ وَالشَّيْخ وقراء السَّبع وطبقة المشتغلين ويخص بِالنَّقْصِ والحرمان السامعين وان زَاد النَّقْص وتناهى إِلَى الْأَهْلِيَّة والقائمين بهَا وزع عَلَيْهَا بِحَسب مَا يرَاهُ النَّاظر وَإِذا فضل من مغل الْوَقْف فَاضل فللناظر أَن يَشْتَرِي بِهِ ملكا يقفه على الْجِهَات الْمُتَقَدّمَة وَله أَن يستفضل شَيْئا من الْمغل لذَلِك وَإِذا رأى صرف الْفَاضِل على أهل الدَّار اصلح كَانَ لَهُ ذَلِك وللناظر شِرَاء حصر للبيوت المسكونة فِي علو الدَّار
هَذَا مَا اتَّصل بِي من كتاب وقف هَذِه الْمدرسَة وتاريخ هَذِه الشُّرُوط فِي يَوْم الْأَحَد التَّاسِع وَالْعِشْرين من شهر رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ وسِتمِائَة ونقلته من نُسْخَة كتبت سنة خمس وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة وَقد انْقَطع هَذَا كُله فِي زمننا وَلم يبْق مِنْهُ رسم وَلَا اثر وَإِنَّمَا كتبته ليرى قَارِئ كتَابنَا مَا كَانَ عَلَيْهِ الْقَوْم من الاعتناء بالعلوم وإقبالهم على ترقيتها وعَلى حب الحضارة والعمران وَمن الإقبال على نصْرَة المدنية ومحو آثَار الهمجية اللَّذين لَا يتمان إِلَّا بالعلوم ونشرها وحبذا لَو كَانَت المطابع مَوْجُودَة فِي ذَلِك
стр. 29
الْعَصْر إِذْ لَو وجدت فِيهِ وَفِي العصور الَّتِي قبله لأهدت إِلَيْنَا كتبا وعلوما وأخبارا لَيْسَ لدينا مِنْهَا سوى شَيْء يسير
ثمَّ أَن دَار الحَدِيث هَذِه بقيت عامرة إِلَى قبيل مَجِيء غازان أحد مُلُوك التتار فَلَمَّا دخل الشَّام واتى دمشق رام أَن يقصدها بِسوء وَكَانَت تهدمت زِيَادَة تهدم فَقَامَ فِي حمايتها الشَّيْخ زين الدّين أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مَرْوَان الفارقي الْمُتَوفَّى فِي سنة ثَلَاث وَسَبْعمائة فَتَوَلّى شؤونها وكف عَنْهَا يَد الَّذين أَرَادوا اختلاسها قَالَ الشَّيْخ أَبُو نصر عبد الْوَهَّاب السُّبْكِيّ فِي الطَّبَقَات الْوُسْطَى فِي تَرْجَمَة الفارقي خطيب دمشق وَشَيخ دَار الحَدِيث الاشرفية ومدرس الشامية البرانية اخذ الحَدِيث عَن جمَاعَة وَكَانَ فَقِيها فَاضلا دينا خيرا وقورا مهيبا قوي النَّفس آمرا بِالْمَعْرُوفِ ناهيا عَن الْمُنكر مصمما فِي دينه وَكَانَت وِلَادَته سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة اهـ
وَالَّذِي علمناه مِمَّن درس بهَا من الْكِبَار تَقِيّ الدّين أَبُو عَمْرو ابْن الصّلاح ثمَّ عماد الدّين عبد الْكَرِيم ابْن الحرستاني ثمَّ الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن إِسْمَاعِيل الْمَقْدِسِي الْمَعْرُوف بِأبي شامة ثمَّ الشَّيْخ مُحي الدّين أَبُو زَكَرِيَّا يحيى النَّوَوِيّ ثمَّ زين الدّين الفارقي فصدر الدّين مُحَمَّد بن عمر العثماني الْمَعْرُوف بِابْن المرحل وبابن الْوَكِيل فكمال الدّين مُحَمَّد بن عَليّ الْمَعْرُوف بِابْن خطيب زملكا بِفَتْح الزَّاي وَسُكُون الْمِيم وَفتح اللَّام قَرْيَة فِي غوطة دمشق فَأَحْمَد بن مُحَمَّد الْبكْرِيّ الْمَشْهُور بالشريشي فالحافظ الْكَبِير جمال الدّين يُوسُف الْقُضَاعِي الْحلَبِي الدِّمَشْقِي الْمَعْرُوف بالمزي فَالْقَاضِي عَليّ السُّبْكِيّ فجماعات لم يَصح التَّرْتِيب فيهم مِنْهُم
الْحَافِظ الْكَبِير عماد الدّين إِسْمَاعِيل بن كثير وَالْقَاضِي تَاج الدّين وَالْقَاضِي بهاء الدّين السبكيان فولي الدّين عبد الله السُّبْكِيّ وزين الدّين عمر بن مُسلم الْقرشِي الملحي بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام الدِّمَشْقِي وشمس الدّين مُحَمَّد بن بهاء الدّين عبد الله الْمَعْرُوف بِالْحَافِظِ ابْن نَاصِر وَرَأَيْت مجلدا يشْتَمل على مَا أملاه النَّاصِر فِي دروسه وَكله فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى
﴿لقد من الله على الْمُؤمنِينَ إِذْ بعث فيهم رَسُولا من أنفسهم يَتْلُو عَلَيْهِم آيَاته ويزكيهم وَيُعلمهُم الْكتاب وَالْحكمَة وَإِن كَانُوا من قبل لفي ضلال مُبين﴾ ١٦٤ / ٣
стр. 30
وَعلي بن عُثْمَان الصير فِي شَارِح منهاج النَّوَوِيّ والحافظ الْكَبِير شيخ الاسلام أَحْمد بن حجر الْعَسْقَلَانِي وَلما ولي تدريسها استناب قطب الدّين الخيضري الْمُتَقَدّمَة تَرْجَمته فِي مدرسته قَالَه السخاوي وَقَالَ لكَونه امثل أهل الْفَنّ بِدِمَشْق حِينَئِذٍ وَيُقَال انه اسْتَقر بهَا بعد الْحَافِظ ابْن نَاصِر عَلَاء الدّين الصَّيْرَفِي وان ابْن حجر أَخذهَا مِنْهُ انْتهى وَمِنْهُم سيف الدّين أَبُو بكر بن عبد الله الحريري البعلبكي ثمَّ درس بهَا جمَاعَة يطول سرد أسمائهم
وتلاشى أمرهَا إِلَى أَن صَارَت بعد الْمِائَتَيْنِ وَألف فِي حَالَة مَحْزَنَة فاستولت أَيدي المختلسين على دَار مدرسها وَلم يبْق مِنْهَا إِلَّا الحجرات التَّحْتَانِيَّة إِلَى أَن آلت الدَّار لامْرَأَة فجَاء الْعَالم الْفَاضِل الأديب الشَّيْخ يُوسُف بدر الدّين البيباني الشهير بالمغربي وَكَانَ محبا لدار الحَدِيث لما كَانَ يسمع من تاريخها وتراجم كبار المدرسين بهَا وَكَانَ ذَلِك بعد السِّتين وَمِائَتَيْنِ وَألف بِقَلِيل وَلما زارها وجدهَا فِي حَالَة تنذرها بمحو آثارها فهزته الحمية العلمية وجد فِي خلاصها من يَد مختلس دارها فَلَمَّا علمت الْمَرْأَة بذلك آجرتها لرجل مسيحي يُقَال لَهُ يانكو وتبعته غير عثمانية وَكَانَ يَبِيع الْخمر فَجَعلهَا حانة للمسكرات واخذ قسما من مَسْجِدهَا وَهُوَ مَا تَحت الْقبَّة فَفتح لَهُ بَابا إِلَى الدَّار وَجعله مخزنا لدنان الْخمر فاغتاظ الشَّيْخ من ذَلِك وَادّعى لَدَى الْحَاكِم أَن الْبَيْت وقف على مدرس الْمدرسَة واثبت ذَلِك بالبراهين والأدلة القاطعة فَحكم الْحَاكِم بذلك وَأَعْطَاهُ حجَّة بِثُبُوت مدعاه ورام يَأْخُذ الدَّار بِدُونِ عوض وَلَا ثمن فَلم يَتَيَسَّر لَهُ ذَلِك لفقره واحتياجه وَلم يُصَادف مسعفا وَحصل لَهُ بِسَبَب ذَلِك معاكسات فنظم قصيدة طَوِيلَة يذكر فِيهَا الْوَاقِعَة ويهجو من لم يساعده وَهِي طَوِيلَة جدا ووجودها الْآن قَلِيل
وَلما ضَاقَ بِهِ الْحَال خرج من دمشق وَحلف أَن لَا يعود إِلَيْهَا أَو يجد سَبِيلا لضم الدَّار إِلَى الْمدرسَة فسافر إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة فَمر فِي طَرِيقه على رودس وَكَانَ الْعَارِف الْكَبِير الْأَمِير عبد الْقَادِر الجزائري مسجونا بهَا بعد مَا أخرجته فرنسا من الْقطر الجزائري فتعرف بِهِ وزاره وشكى إِلَيْهِ أمره فَسَأَلَهُ الْأَمِير عَن الْبِلَاد الَّتِي دَخلهَا أَيهَا اجمل واحسن للإقامة فَقَالَ لَهُ دمشق فَقَالَ لَهُ أَن قدر الله لي الْخَلَاص لأسكنن دمشق ولاخلصن لَك الدَّار ثمَّ انه سَافر إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة فَاجْتمع بهَا بشيخ الْإِسْلَام وقتئذ عَارِف عصمت بك فتعرف بِهِ وتقرب إِلَيْهِ ونظم هُنَاكَ قصيدة فِي
стр. 31
فن الرَّسْم وَشَرحهَا بشرح سَمَّاهُ الدّرّ المستطاب بشرح تحفة الطلاب ثمَّ أَن عَارِف بك احبه لما رأى من فَضله فَقَرَأَ عَلَيْهِ واخذ عَنهُ بعض الْفُنُون وَكَانَ يحفظ مولد الشَّيْخ الدردير ويجعله وردا لَهُ فشرحه لَهُ الشَّيْخ شرحا مطولا وَفِي هَذِه البرهة استحصل على بَرَاءَة شريفة سلطانية بِخطْبَة دَار الحَدِيث وتدريسها ونظرها وإمامتها وَفِي هَذِه الْمدَّة قدر الله الْخَلَاص للأمير عبد الْقَادِر واستوطن دمشق فَعَاد الشَّيْخ يُوسُف إِلَيْهَا فِي حُدُود سنة خمس وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ بعد الْألف فَاشْترى الْأَمِير الدَّار من مَاله وَجعلهَا وَقفا على الشَّيْخ وعَلى ذُريَّته من بعده وتبرع الْوَجِيه السّري سعد الله حلابة الْبَيْرُوتِي التَّاجِر بعمارة بَاب الْمدرسَة وإصلاحها ثمَّ صَارَت إِلَى الصُّورَة الَّتِي هِيَ عَلَيْهَا الْآن وَحَاصِل أمرهَا أَنَّهَا بنيت أَولا ثمَّ تهدمت واحترقت فَقَامَ بأمرها الفارقي فرممها وَأَصْلَحهَا ثمَّ اختلس جَانب مِنْهَا وَكَاد الْبَاقِي أَن يتبعهُ فقيض لَهَا الله أهل الْخَيْر بِوَاسِطَة الشَّيْخ يُوسُف المغربي وَفِي سنة ثَلَاثِينَ وثلاثمائة بعد الآلف احْتَرَقَ السُّوق الَّذِي وَرَاءَهَا وَاحْتَرَقَ جَانب مِنْهَا فسعى بعض أهل الْخَيْر فِي أَعمالهَا وَهِي الْآن تعمر وَأما اوقافها ومرتباتها فقد اختلست مِنْهَا من أمد بعيد وأصبحت فقيرة وَرَأَيْت فَوق بَابهَا بِالْحَائِطِ حجرا مَكْتُوبًا فِيهِ بعد الْبَسْمَلَة عمرت هَذِه الدَّار الْمُبَارَكَة بعد احتراقها وانهدامها بنظارة الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم الْعَلامَة شيخ الْإِسْلَام بركَة الشَّام زين الدّين عبد الله بن مَرْوَان الفارقي الشَّافِعِي وَذَلِكَ فِي سنة وسِتمِائَة ومكتوبا بجانبه هَذِه الأبيات
(هَذِه دَار حَدِيث الْمُصْطَفى ... من عَلَيْهِ الله صلى كل حِين)
(جد فِي تجديدها قَاضِي القضا ... مخلصا لله رب الْعَالمين)
(ولسان السعد نَادَى أَهلهَا ... ادخلوها بِسَلام آمِنين)
(شكر الله لَهُ السَّعْي بهَا ... وحباه النَّصْر وَالْفَتْح الْمُبين)
(فَهِيَ أفق لبدور الْعلم كالنووي ... الحبر والسبكي المكين)
(فَأتى تاريخها ... نعم اجْرِ العاملين)
هُنَا كَلِمَات لم تظهر لي
стр. 32
وبجانبها أَيْضا
(هَذِه مدرسة قد أشرقت ... بِحَدِيث الْمُصْطَفى الْهَادِي العميم)
(جد سعد الله فِي تجديدها ... مخلصا لله مَوْلَانَا الْكَرِيم)
(فجزاه الله من افضاله ... أرخن بجدة الْأجر الْعَظِيم)
سنة ١٢٩٠
وَهُوَ تَارِيخ بِنَاء سعد الله افندي حلابه لبابها
وأطلعني الشَّيْخ احْمَد بدر الدّين ولد الشَّيْخ يُوسُف بدر الدّين على قصيدة لأحد أدباء حلب واسْمه الشَّيْخ مصطفى يمدح بهَا وَالِده وَيُشِير بهَا إِلَى أَن الشَّيْخ كَانَ سَببا فِي تَجْدِيد جَامع الْعَفِيف الَّذِي هُوَ فِي صالحية دمشق مِنْهَا
(وَالْجَامِع الْبَدْر انشأ الْعَفِيف عَفا ... فَكنت مُحي لَهُ إِذْ زِدْته مدَدا)
وَمِنْهَا
(والقطب شمس نوى أولاك مظهره ... فَقُمْت فِيهِ بِحَق وَاضح وَهدى)
(يممت ساحة دَار للْحَدِيث وَقد ... صَارَت رميما وَبَاب الْغَيْر سدسدى)
(فساعد الله فِي بَدْء عيشي كرما ... يتم بالْحسنِ وَالْإِحْسَان كَيفَ بدى)
وَبَيت التَّارِيخ
(دَار الحَدِيث زهت مِنْهُ مؤرخه ... شمس الضُّحَى اوجها أرخت سرغدا)
وَمن هَذَا يعلم تَارِيخ السَّعْي فِي إنشائها وتاريخ إنشائها وَعمارَة بَابهَا فجزى الله الْمُحْسِنِينَ خيرا
دَار الحَدِيث الاشرفية الثَّانِيَة
وَهِي الاشرفية البرانية المقدسية وَهِي كَمَا فِي تَنْبِيه الطَّالِب وَغَيره بسفح قاسيون على حافة نهر يزِيد تجاه تربة الْوَزير تَقِيّ الدّين التكريتي وشرقي الْمدرسَة الاسدية الْحَنَفِيَّة وَغَرْبِيٌّ الاتابكية الشَّافِعِيَّة بناها الْملك الاشرف مظفر الدّين مُوسَى ابْن الْعَادِل باني دَار الحَدِيث الاشرفية الْمُتَقَدّمَة لأجل الْحَافِظ ابْن الْحَافِظ جمال الدّين عبد الله بن تَقِيّ الدّين عبد الْغَنِيّ الْمَقْدِسِي ووقف عَلَيْهَا خمس ضيَاع بالبقاع الدَّيْر
стр. 33
والدوير والتليل والمنصورة والشرقية وَلها بَيت ابْن النابلسي الْمَعْرُوف بالشكك والجنينة وحكر حارة الجوبان وَمَات الْحَافِظ المبنية لأَجله قبل إتْمَام بنائها
قَالَ الذَّهَبِيّ بنى لَهُ الْملك الاشرف دَار الحَدِيث بالسفح وَجعله شيخها وَقرر لَهُ مَعْلُوما فَمَاتَ قبل فراغها وَأول من درس بهَا القَاضِي شمس الدّين مُحَمَّد ابْن أبي عمر ثمَّ مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد ثمَّ شرف الدّين عبد الله الْمَقْدِسِي ثمَّ سُلَيْمَان بن حَمْزَة ثمَّ ابْنه عز الدّين مُحَمَّد فولده بدر الدّين ثمَّ صَار كل من يتَوَلَّى قَضَاء الْحَنَابِلَة يتولاها وان لم يكن أَهلا للتدريس بهَا كَمَا اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ عَادَة الْمدَارِس فِي عدم الْأَهْلِيَّة إِلَى يَوْمنَا هَذَا وَكَانَ للمدرسة وَظِيفَة إِعَادَة
وَقَول وقفت على هَذِه الْمدرسَة أثْنَاء تأليفي لهَذَا السّفر وَقْفَة باهت متحير مِمَّا أنزلهَا من اوجها بعد عزها فرأيتها عَن يَمِين الطَّرِيق الْعُظْمَى الَّتِي تمر إِمَام الأتاربكية وَتذهب إِلَى جِهَة الغرب الشمالي إِلَى الْمحلة الَّتِي أنشئت حَدِيثا وَسميت بحارة الْمُهَاجِرين وَرَأَيْت جدارها الشمالي قَائِما لم يُغَيِّرهُ طول الزَّمَان وَلَا كرّ الْحدثَان وَهُوَ مَبْنِيّ بِالْحِجَارَةِ الصفر ومحلتها الْآن يُقَال لَهَا حارة عرودك وبجانبها الشَّرْقِي الجنوبي بَاب يُصَار مِنْهُ إِلَى قبَّة مَبْنِيَّة بِبِنَاء متين لكنما أَعْلَاهَا قد تهدم وَبهَا بَاب يدْخل مِنْهُ إِلَى الْمدرسَة وَقد اتخذها الْآن النَّاس الَّذين هُنَاكَ مخزنا لقش الْحصْر وَأما الْمدرسَة فَإِنَّهَا اختلست وَصَارَت دورا للسُّكْنَى وجنائن لزرع الزهور والرياحين وأمامها ساحة فسيحة وَهِي متنزه عَجِيب أبدع من أُخْتهَا الْمُتَقَدّمَة وأتقن بِنَاء وَأتم هندسة غير أَن الْحَظ ساعد أُخْتهَا فَبعث الله لَهَا من أَحْيَاهَا بعد اندراسها وَهَذِه تبْكي على أَيَّامهَا وتستغيث فَلَا تَجِد مغيثا وتستنصر فَلَا تَجِد ناصرا فسبحان الدَّائِم وَفَوق بَابهَا حجر محفور فِيهِ مَا صورته بعد الْبَسْمَلَة
أوقف هَذِه الْمدرسَة الْمُبَارَكَة ابْتِغَاء لوجه الله تَعَالَى الْمولى السُّلْطَان الْعَالم الْعَادِل المظفر الْمُؤَيد الْمَنْصُور الْملك الاشرف مظفر الدّين أَبُو الْفَتْح مُوسَى ابْن الْمولى السُّلْطَان الْملك الْعَادِل سيف الدّين أبي بكر بن أَيُّوب تقبل الله مِنْهُ وأثابه الْجنَّة على الْحَنَابِلَة الْمُحدثين وأوقف عَلَيْهَا نصف دير أرغى بالبقاع الْعَزِيز وريعها ومزارعها فِي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة
وَنَصّ هَذَا الْوَقْف هُنَا لَا يُنَافِي مَا تقدم لِأَن هَذَا كَانَ عِنْد الْبناء وَالزَّائِد عَلَيْهِ كَانَ بعده وَلَو استطعنا وصفهَا بالمعاينة لظفرنا بإيضاحات اكثر من هَذِه وَلَكِن تغير
стр. 34
أحوالها وتبدلها منع من ذَلِك وَكَأَنِّي بمعاهدها تندب أَهلهَا ورجالها الَّذين كَانُوا بهَا وتنشد قَول أبي الْعَلَاء
(كَأَنَّمَا الْخَيْر مَاء كَانَ وارده ... أهل العصور فَمَا ابقوا سوى العكر)
وَمِمَّنْ اتَّصل بِنَا خَبره من أساتذتها شمس الدّين عبد الرَّحْمَن ابْن أبي عمر مُحَمَّد ابْن احْمَد بن قدامَة الْمَقْدِسِي شَارِح الْمقنع فِي عشر مجلدات وَهُوَ أول من رتب لَهَا وَأول من ولي قَضَاء الْحَنَابِلَة فالإمام مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم بن عبد الْوَاحِد الْمَقْدِسِي الْمَعْرُوف بِابْن الْكَمَال فَالْقَاضِي حسن بن أبي بكر الْمَقْدِسِي فتقي الدّين سُلَيْمَان بن حَمْزَة فشرف الدّين الْفَائِق النابلسي فتقي الدّين الْمَقْدِسِي فولده عز الدّين ثمَّ صَار تدريسها لمن يتَوَلَّى قَضَاء الْحَنَابِلَة
تَرْجَمَة واقفها
قد علم مِمَّا مر أَن الَّذِي بنى هَذِه الْمدرسَة وَالَّتِي قبلهَا الْملك الْأَشْرَف مظفر الدّين مُوسَى ابْن الْعَادِل وترجمته فِي الْقسم الأول السياسي من هَذَا الْكتاب فَلَا نطيل بهَا هُنَا وَكَانَت وَفَاته سنة ثَلَاثِينَ وسِتمِائَة
حرف الْبَاء
دَار الحَدِيث البهائية
هِيَ دَاخل بَاب توما وَكَانَت دَارا للشَّيْخ بهاء الدّين أبي مُحَمَّد الْقَاسِم ابْن الشَّيْخ بدر الدّين أبي غَالب المظفر فأوقفها آخر عمره دَار حَدِيث وَولي تدريسها الشهَاب الْأَذْرَعِيّ الْمَشْهُور ثمَّ شمس الدّين أَبُو المحاسن الْحُسَيْنِي الدِّمَشْقِي هَذَا مَا رَأَيْته فِي تَنْبِيه الطَّالِب
стр. 35
حرف الْحَاء
دَار الحَدِيث الحمصية
هَذِه لم تكن دَار حَدِيث مُسْتَقلَّة وَإِنَّمَا كَانَت حَلقَة فِي الْجَامِع الْأمَوِي لإقراء الحَدِيث وَكَانَ لَهَا وقف يقوم بمصالحها قَالَ فِي تَنْبِيه الطَّالِب وَتَبعهُ البقاعي لم نقف لواقفها على تَرْجَمَة ودرس بهَا الْحَافِظ الْمزي ثمَّ الْحَافِظ صَلَاح الدّين العلائي خَلِيل ابْن كيكلدي فِي سنة ثَمَان وَعشْرين وَسَبْعمائة قَالَ فِي العبر أورد العلائي بِحَلقَة ابْن صَاحب حمص درسا باهرا نَحْو سِتّمائَة سطر وَكَانَ ذَلِك بِحَضْرَة الْقُضَاة اهـ وَسَتَأْتِي تَرْجَمته فِي محلهَا
حرف الدَّال
دَار الحَدِيث الدوادارية والمدرسة والرباط
وَقفهَا الْأَمِير علم الدّين سنجر التركي الصَّالِحِي الدوادار دَاخل بَاب الْفرج وَكَانَ مَكَانهَا رواقا لَهُ أَولا فَجعله دَار حَدِيث ومدرسة سنة ثَمَان وَتِسْعين وسِتمِائَة قَالَه ابْن كثير وَأول من وَليهَا الشَّيْخ عَلَاء الدّين عَليّ بن إِبْرَاهِيم الشهير بالعطار ثمَّ الشَّيْخ نور الدّين مُحَمَّد بن نجم الدّين أبي بكر مُحَمَّد الشهير بِابْن قوام البالسي الدِّمَشْقِي ولد سنة سبع عشرَة وَسَبْعمائة وَسمع جمَاعَة وتفقه وَكَانَ يحب السّنة ويفهمها جيدا توفّي سنة خمس وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة
أَقُول أَن هَذِه الْمدرسَة درست وَلم يعلم مَكَانهَا على سَبِيل التَّحْقِيق ولكننا نشِير إِلَيْهِ على سَبِيل الْإِشَارَة فَأَما بَاب الْفرج فَهُوَ الْبَاب الْمَوْجُود الْآن بِالْقربِ من القلعة فِي السُّوق الَّتِي يُقَال لَهُ الْآن المناخلية الْمركب بعضه على نهر بردى الَّذِي يتَوَصَّل مِنْهُ إِلَى الدَّرْب العمومي وَهُوَ بَاب متين قَالَ الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر فِي تَارِيخه بَاب الْفرج من شآمي الْبَلَد يَعْنِي من جِهَتهَا الشمالية أحدثه الْملك الْعَادِل نور الدّين وَسَماهُ بذلك تفاؤلا لما وجد من الْفرج لأهل الْبَلَد بفتحه وَكَانَ بِقُرْبِهِ بَاب يُسمى بَاب الْعِمَارَة
стр. 36
فتح عِنْد عمَارَة القلعة ثمَّ سد بعد وأثره بَاقٍ فِي السُّور انْتهى وَبَاب الْحَدِيد بِالْحَاء الْمُهْملَة من شآفه أَيْضا وَهُوَ الْآن خَاص بالقلعة الَّتِي أحدثت غربي الْبَلَد فِي دولة الأتراك سمي بذلك لِأَنَّهُ كُله حَدِيد فَقيل لَهُ الْبَاب الْحَدِيد ثمَّ تركت الْألف وَاللَّام تَخْفِيفًا ثمَّ صحفته الْعَوام فَقَالُوا الْبَاب الْجَدِيد بِالْجِيم وَكَانَ الأتراك ينزلون مِنْهُ ويطلعون مِنْهُ سرا وَيجوز الْخَارِج مِنْهُ على جسر من خشب من تَحْتَهُ الخَنْدَق الدائر بالقلعة ينوف عمقه على مائَة ذِرَاع بِذِرَاع الْعَمَل بِهِ يتخزن المَاء وينبت الشوص وَغير ذَلِك وَهُوَ غير خَنْدَق الْمَدِينَة واصطلح فِي آخر دولة ابْن قلاوون أَن من يَلِي نِيَابَة دمشق يُصَلِّي عِنْد هَذَا الْبَاب رَكْعَتَيْنِ مُسْتَقْبلا للْقبْلَة بِحَيْثُ يبْقى الْبَاب عَن يسَاره وتقف أجناد القلعة وأرباب الْوَظَائِف والإدارات فِي مَنَازِلهمْ على حسب الْعَادة حاملين السِّلَاح إِلَى أَن يفرغ من صلَاته ودعائه فان أُرِيد بِهِ شَرّ قبضوا عَلَيْهِ ودخلوا بِهِ وقلبوا الجسر بَينه وَبَين أعوانه والجسر بلوالب فيحال مَا بَينه وَبَين أعوانه وان أُرِيد بِهِ خيرا ركب فِي عزة وَمَعَهُ وُجُوه الدولة وهم فِي خدمته إِلَى أَن ينزل بدار الْعدْل الَّتِي أَنْشَأَهَا المرحوم نور الدّين وَكَانَت تسمى بدار السَّعَادَة وَهِي تلِي بَاب السِّرّ وعَلى بَابهَا بَاب النَّصْر فَتحه الْملك النَّاصِر ابْن أَيُّوب للمدينة وَبِهَذَا علم مَحل بَاب الْفرج ثمَّ انك إِذا خرجت مِنْهُ مُتَوَجها نَحْو الْجنُوب اعترضك طَرِيقَانِ أَحدهمَا عَن يسارك وَمِنْه تصل إِلَى سوق الْعِمَارَة وَلَيْسَ فِيهِ مدرسة وَلَا اثر لَهَا إِلَّا أَن يكون ثمَّة اثر دَاخل الدّور ثمَّ بعد كتابتي لهَذَا هدمت الحوانيت الَّتِي كَانَت هُنَاكَ فَظهر بَاب الْمدرسَة وَقد صَارَت دورا وَثَانِيهمَا عَن يَمِينك ويمر إِلَى شَرْقي القلعة وَعَن يسَار الَّذِي يجتازه طَرِيق آخر ذُو شعب توصل شُعْبَة مِنْهُ إِلَى الْمدرسَة العادلية ثمَّ الظَّاهِرَة وَغَرْبِيٌّ العادلية فِي شمَالي الزقاق تجاه الزقاق الذَّاهِب إِلَى العصرونية بَاب يُشِير بِنَفسِهِ إِلَى انه بَاب مدرسة وبجانبه من الغرب جِدَار مَبْنِيّ بِالْحِجَارَةِ المتينة وَهُوَ شَاهِق ويدور مَعَ الزقاق إِلَى الْجَانِب الغربي الْموصل إِلَى بَاب الْفرج وَهُوَ يُشِير أَيْضا إِلَى انه كَانَ جدارا لمدرسة عَظِيمَة تشابه العادلية الْكُبْرَى وَهَذَا الْمحل كُله قد اختلس وَصَارَ دورا للسُّكْنَى فَيمكن أَن يكون ذَلِك الْأَثر هُوَ الدَّال على مَكَان الْمدرسَة الدوادارية وَدَار الحَدِيث الَّتِي كَانَت بهَا وعَلى الرِّبَاط الَّذِي بني بهَا لَان ذَلِك الْمَكَان وَاسع يُمكن أَن يحتوي على جَمِيع ذَلِك وَالله اعْلَم
стр. 37
تَرْجَمَة واقفها
هُوَ الْأَمِير علم الدّين سنجر الْمُتَقَدّم قَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ فِي العبر كَانَ من نجباء التّرْك وشجعانهم وعلمائهم وَله مُشَاركَة جَيِّدَة فِي الْفِقْه والْحَدِيث وَفِيه ديانَة وكرم وَله فِي دمشق والقدس أوقاف كَثِيرَة تحيز إِلَى حصن الأكراد ولد سنة نَيف وَعشْرين وسِتمِائَة وَتُوفِّي سنة تسع وَتِسْعين وسِتمِائَة وَقَالَ الصّلاح الصَّفَدِي فِي تَارِيخه
قدم من التّرْك فِي حُدُود سنة أَرْبَعِينَ وسِتمِائَة وَكَانَ مليح الشكل مهيبا كَبِير الْوَجْه خَفِيف اللِّحْيَة صَغِير الْعَينَيْنِ ربعَة من الرِّجَال حسن الْخلق والخلق فَارِسًا شجاعا دينا خيرا عَالما فَاضلا مليح الْخط حَافِظًا لكتاب الله حفظ الإشادة فِي الْفِقْه لسليم الرَّازِيّ واعتنى بِالْحَدِيثِ وَحفظه وَكَانَ من الأسراء فِي أَيَّام الظَّاهِر ثمَّ أعطي الإمرة بحلب ثمَّ قدم دمشق وَولي الشدودة ثمَّ كَانَ من أَصْحَاب سنقر الْأَشْقَر ثمَّ امسك ثمَّ أُعِيد إِلَى رتبته ثمَّ أعطي خبْزًا وتقدمة على ألف وتقلبت بِهِ الْأَحْوَال وعلت رتبته فِي دولة الْملك لاشين وَقدمه على الْجَيْش فِي غَزْوَة سيس وَكَانَ لطيفا مَعَ أهل الصّلاح والْحَدِيث يتواضع لَهُم ويحادثهم ويؤانسهم ويصلهم وَله مَعْرُوف كثير وأوقاف بِدِمَشْق والقدس وَكَانَ مَجْلِسه عَامِرًا بالعلماء وَالشعرَاء والأعيان وَسمع الْكثير بِمصْر وَالشَّام والحجاز وروى عَن زكي الدّين عبد الْعَظِيم الْمُنْذِرِيّ والرشيد الْعَطَّار وَجَمَاعَة وَسمع جماعات بِمَكَّة ودمشق والإسكندرية وحلب وإنطاكية وبعلبك والقدس وقوص والكرك وصفد وحماة وحمص والفيوم وَجدّة وطيبة وَقل من انجب من التّرْك مثله وَسمع مِنْهُ خلق وَشهد الْوَقْعَة وَهُوَ ضَعِيف ثمَّ التجأ بِأَصْحَابِهِ إِلَى حصن الأكراد فَتوفي فِيهِ لَيْلَة الْجُمُعَة ثَالِث شهر رَجَب فَانْظُر إِلَى مَا كَانُوا يعتنون بِهِ من الْعلم ويطوفون لأَجله الْبِلَاد الْبَعِيدَة مَعَ قلَّة الوسائط فِي زمانهم وَانْظُر إِلَى أمرائهم كَيفَ كَانُوا وَقَالَ الصَّفَدِي وَكَانَ الشَّيْخ فتح الدّين خصيصا بِهِ ينَام عِنْده فَقَالَ لي يَوْمًا كَانَ الْأَمِير علم الدّين قد لبس الفقيري وتجرد وَجَاء مَكَّة فجاور بهَا وَكتب الطباق بِخَطِّهِ وَكَانَ فِي وَجهه آثَار الضروب من الحروب وَكَانَ إِذا خرج إِلَى غَزْوَة خرج والى جَانِبه شخص يقْرَأ عَلَيْهِ أَحَادِيث الْجِهَاد وَقَالَ أَن السُّلْطَان حسام الدّين لاجين رتبه فِي عمَارَة جَامع
стр. 38
طولون وفوض إِلَيْهِ أمره فعمره وَعمر أوقافه وَقرر فِيهِ دروس الْفِقْه والْحَدِيث وَجعل من ذَلِك وَقفا يخْتَص بالديوك الَّتِي تكون فِي مَكَان مَخْصُوص من سطح الْجَامِع وَزعم أَنَّهَا تعين الموقتين وتوقظ المؤذنين بالأسحار واثبت ذَلِك ضمن كتاب الْوَقْف فَلَمَّا قرئَ على السُّلْطَان أعجبه مَا اعْتَمدهُ فِي أَوله وَلكنه لما انْتهى إِلَى ذكر الديوك أنكر ذَلِك وَقَالَ أبطلوا هَذَا لَا يضْحك النَّاس علينا وَكَانَ سَبَب اخْتِصَاص فتح الدّين بِهِ انه سَأَلَ الشَّيْخ شرف الدّين الدمياطي يَوْمًا عَن سنة وَفَاة الإِمَام البُخَارِيّ فَلم يستحضر التَّارِيخ فَسَأَلَ الْأَمِير سنجر عَن ذَلِك فَأَجَابَهُ فاختص بِهِ وغالب رُؤَسَاء دمشق وكبارها وعلمائها نشأوه فِي ذَلِك الزَّمن وَقد تَرْجمهُ ابْن الزملكاني واثبت القصائد الَّتِي مدح بهَا فِي مجلدتين وَكتب إِلَيْهِ عَلَاء الدّين الوداعي فِي وَفَاة وَلَده عمر
(قل للأمير وعزه فِي نجله ... عمر الَّذِي أجْرى الدُّمُوع أجاجا)
(حاشاك تظلم ربع صبرك بَعْدَمَا ... أَمْسَى لسكان الْجنان سِرَاجًا)
وَقَالَ فِيهِ لما اخذ فِي دويرة السميساطي بَيْتا
(لدويرة الشَّيْخ السميساطي من ... دون الْبِقَاع فَضِيلَة لَا تجْهَل)
(هِيَ موطن للأولياء ونزهة ... فِي الدّين وَالدُّنْيَا لمن يتَأَمَّل)
(كلت مَعَاني فَضلهَا مذ حلهَا ... الْعَلامَة الْفَرد الغياث الموئل)
(أَنِّي لأنشد كلما شاهدتها ... مَا مثل منزلَة الدويرة فَنزل)
стр. 39
أَبْوَاب دمشق
لما كَانَ لمعْرِفَة أَبْوَاب دمشق فَائِدَة كَبِيرَة أثْنَاء التَّعْرِيف بالمدارس الْقَرِيبَة مِنْهَا وَتقدم بعض من بَيَانهَا ردفنا هُنَا بَيَان ذَلِك بِالْبَاقِي مِنْهَا ليَكُون كالتتمة والايضاح فَقُلْنَا من تَأمل الْآثَار الْمَوْجُودَة بِدِمَشْق علم يَقِينا بِأَنَّهَا كَانَت فِي سَابق أعوامها معقلا حصينا وموطنا حَرْبِيّا مهما بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْفَنّ الْحَرْبِيّ الَّذِي كَانَ فِي تِلْكَ الْأَيَّام وَمن وقف إِمَام أَبْوَابهَا وَرَأى سورها الَّذِي كَانَ محيطا بهَا إحاطة السوار بالمعصم وَالْخَنْدَق الْمُحِيط بِهِ تجلت لَهُ أبهة الْجلَال وتصور تحصينها أَيَّام كَانَت فِيهَا محاصرة وَهِي تدافع عَن حوزتها وأسودها يحْمُونَ ذَلِك العرين ويحنون لصلصة السيوف ويرتاحون للمعانها وَرَأى سطور الْبَطْش والسطوة مرسومة على سورها وأبوابها كَمَا انه إِذا تَأمل مدارسها علم مِنْهَا شدَّة اعتناء أَهلهَا بالعلوم واعتناء أبطالها بالات الْحَرْب وشغفهم بهَا ومهارتهم فِي تحقيقها وَمَعْرِفَة طرق أَدَائِهَا وشغف أسودها ومهارتهم بفنون الْحَرْب والشجاعة والإقدام فَليعلم المتأمل الْجِهَتَيْنِ وليتفكر فِي آثَار الموضوعين ولنرجع لما كُنَّا بصدده فَنَقُول
قد تقدم التَّعْرِيف بِبَاب الْفرج ومكانه وَهَذِه الْأَبْوَاب الْخَمْسَة الْمُتَقَدّمَة جَمِيعهَا حَادث وَهِي فِيمَا بَين بَاب الْجَابِيَة وَبَاب الفراديس إِلَّا بَاب السَّلامَة وَلم يبْق مَوْجُودا مِنْهَا الْآن إِلَّا بَاب الْفرج واخبرني الثِّقَات انه كَانَ بَاب عَظِيم فِي أول السُّوق الْمَعْرُوف الْآن بسوق الاروام من جِهَة الغرب بِالْقربِ من سراي العسكرية فَلَمَّا بني السُّوق على الْهَيْئَة الْمَوْجُودَة الْآن هدم فَلم يبْق لَهُ اثر
وَأما بَاب الْجَابِيَة فَهُوَ من غربي الْبَلَد قَالَ ابْن عَسَاكِر فِي تَارِيخه هُوَ مَنْسُوب إِلَى قَرْيَة الْجَابِيَة لَان الْخَارِج إِلَيْهَا يخرج مِنْهُ لكَونه مِمَّا يَليهَا وَكَانَ هَذَا الْبَاب ثَلَاثَة أَبْوَاب الْأَوْسَط مِنْهَا كَبِير وَمن جانبيه بَابَانِ صغيران على مِثَال مَا كَانَ الْبَاب الشَّرْقِي وَكَانَ من الثَّلَاثَة أَبْوَاب ثَلَاثَة أسواق معقدة من بَاب الْجَابِيَة إِلَى الْبَاب الشَّرْقِي
стр. 40
كَانَ الْأَوْسَط من الْأَسْوَاق للنَّاس وَاحِد السوقين لمن يشرق بدابته وَالْآخر لمن يغرب بدابته حَتَّى انه كَانَ لَا يلتقي فِيهَا راكبان فسد الْبَاب الْكَبِير والشمالي مِنْهُمَا وَبَقِي القبلي إِلَى الْآن
أَقُول وَهَذَا الْبَاب الْبَاقِي مَبْنِيّ بحجارة ضخمة وفوقه صَخْرَة عَظِيمَة قد وضع طرفاها فَوق عضادتيه ومكتوب فَوْقهَا مَا يُشِير إِلَى انه تطرق إِلَيْهِ بعض انهدام فجدده الْملك الْمُعظم شرف الدّين عِيسَى ابْن الْملك الْعَادِل وَهُوَ الَّذِي بنى سور دمشق بعدانهدامه وَبنى طارمة على بَاب الْحَدِيد وَهَذَا الْبَاب يقرب من جَامع السنابلة وبجانبه عَن يسَار الْخَارِج مِنْهُ تربة يُقَال للمدفونة بهَا السِّت جابية وبجانبها سويقة حوانيتها صَغِيرَة وطريقها ضيق جدا وَهِي الباشورة الَّتِي بناها نور الدّين الشَّهِيد وَلها بَاب بِجَانِب بَاب جَامع السنانية الشَّرْقِي الصَّغِير وَهَذَا الْبَاب مَبْنِيّ بِالْحِجَارَةِ الضخمة أَيْضا ومحفور على الْحجر الَّذِي بأعلاه من الْخَارِج بعد الْبَسْمَلَة
أَمر بعمارة الباشورة والقبر مَوْلَانَا الْملك الْعَادِل السعيد نور الدّين أَبُو الْقَاسِم مَحْمُود ابْن زنكي بن اق سنقر ضاعف الله لَهُ الثَّوَاب وَغفر لَهُ ولوالديه يَوْم الْحساب ابْتِغَاء مرضاة الله سنة سبع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة
وآثار الْأَبْوَاب ظَاهِرَة من شِمَاله وَكَذَا آثَار الْأَسْوَاق الثَّلَاثَة الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا ابْن عَسَاكِر وَقد ظهر مُنْذُ عهد قريب أعمدة ضخمة جدا مطمورة فِي محلّة الخراب فَنقل وَاحِد مِنْهَا إِلَى الْجَامِع الْأمَوِي حِين بنائِهِ كَمَا سَيَأْتِي فَمَا وصل إِلَيْهِ إِلَّا بعد الْجهد لعظمه وَهَذَا مِمَّا يدل على أَن تِلْكَ الْأَسْوَاق الثَّلَاثَة كَانَت معقودة بالأحجار الْعَظِيمَة ثمَّ يَلِي بَاب الْجَابِيَة الْبَاب الصَّغِير وَهُوَ الْبَاب القبلي للبلد قَالَ ابْن عَسَاكِر سمي بذلك لِأَنَّهُ كَانَ اصغر أَبْوَابهَا حينما بنيت اهـ وَهُوَ بَاقٍ إِلَى الْآن بمصلبة الشاغور وَمن جَانِبه الغربي زقاق يُقَال لَهُ زقاق الصمادية وَمن شرقيه طَرِيق يُوصل إِلَى حارة الزط وبناؤه قوي متين واخبرني بعض سكان تِلْكَ الْجِهَة انه كَانَ فِي قبلته بَاب آخر نَظِيره فهدم فِي حُدُود تسعين وَمِائَتَيْنِ بعد الآلف وَجعل مَكَانَهُ حوانيت للْبيع وَالشِّرَاء وَالظَّاهِر أَن هَذَا كَانَ هُوَ الأَصْل وان الْمَوْجُود الْآن احدث بعده
ثمَّ يَلِي هَذَا الْبَاب من الْقبْلَة إِلَى الشرق بَاب كيسَان قَالَ ابْن عَسَاكِر ينْسب إِلَى كيسَان مولى مُعَاوِيَة وَذكر هِشَام بن مُحَمَّد الْكَلْبِيّ انه مَنْسُوب إِلَى كيسَان مولى
следующие страницы →