Полный текст (186 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
تحاماه فوارس كلِّ حيّ … مخافة أَغضف عالي الزَّئير
وبعد فوارس النعمان أرعى … رياضا بين مرَّة والفير
وصرنا بعد هلك أبى قبيس … كجرب الشَّتاء في يوم مطير
تقسَّمنا القبائل من معدّ … علانية كأَيسار الجزور
وكنا لا يرام لنا حريم فنحن كضرَّة الضَّرع الفخورنؤَدِّي الخرج بعد خراج بصري وخرج بني قريظة والنَّظير
كذاك الهر دولته سجال … فيوم من مساة أَو سرور
قالوا: وخرج بقيلة في ثوبين أَخضرين، فقال له إنسان: ما أنت إلى بقيلة؛ فسمى بقيلة بذلك، واسمه ثعلبة بن سُنين.
قالوا: وعاش عدي بن واع بن العقي، الحارث بن مالك بن فهم بن غنم ابن دوس بن عبد الله، من الأزد، ثلاثمائة سنة، فأدرك الإسلام، وأسلم، وغزا.
وقال في ذلك:
لا عيش إلاَّ الجنَّة المخضرَّة … من يدخل النَّار يلاق ضرَّه
وقال:
أَعلم أَنَّ كلَّ فتى مرَّة … للتراب أَو بيت من الجندل
ذلك مكروه وأدعى، فإن … أُحمل على الثِّقلة لا أَثقلُ
стр. 72
قالوا: وعاش شريح بن يزيد بن نهيك بن دريد بن سفيان بن سلمة، وهو الضَّباب بن الحارث بن كعب بن مذحج عشرين ومائة سنة فيما ذكر ابن الكلبي عن أبي مخنف، قال: أخبرنا أشياخنا من بني الحارث قالوا: ثم قتل في ولاية الحجاج بن يوسف مع ابن أبي بكرة: فقال وهو يرتجز قبل أن يُقتل:
قد عشت بين المشركين أَعصرا … ثُمَّتَ أَدركت النَّبيَّ المنذرا
وبعده صدِّيقه وَعَمرا … ويوم مهران ويوم تسترا
والجمع في صفَّيهم والنَّهرا … هيهات ما أَطول هذا عُمرا
قالوا: وعاش شرية بن عبد الجعفيّ من ججُعفيّ بن سعد العشيرة بن مالك بن أدد بن مذحج ثلاثمائة سنة، وأدرك الإسلام.
حدثنا أبو حاتم قال: وذكر الكلبي قال: سمعت أبا بكر بن قيس الجعفيّ يذكر عن أشياخه، وقد ذكره غيره وقالوا: وهو شرية بن عبد الله الجُعفيّ، وقال في زمن عمر بن الخطاب، وهو بالمدينة: لقد رأيت هذا الوادي الذي أنتم به وما به قطرة ولا قصبة ولا شجرة مما ترون، وأدركت أخريات قومي يشهدون بمثل شهادتكم، يعني يقول " لا إله إلا الله " ومعه ابن له يهادي به في شجار، قد خرف، فقيل له: يا شرية، ما بال ابنك قد خرف وبك بقيّة؟
قال: أما والله ما تزوجت أُمه حتى أتت على سبعون سنة، وتزوجتها ستيرة
стр. 73
عفيفة إن رضيت رأيت ما تقربه عيني، وإن تأتَّت لي حتى أرضى، وإن ابني هذا تزوج امرأة فاحشة بذيَّة، إن رأى ما تقرّ به عينه تعرضت له حتى يسخط وإن سخط تلغَّبته حتى يهلك.
ثم قال شرية: وأحلف لا يبنز ثوبي واحد ولا اثنان، وإني بالثلاثة معذور.
قال أبو روق: حدثنا الرياشي قال، حدثنا الأصمعي قال، مرَ رجل بقوم يدفنون ميتا ورجل يقول:
احثوا على ديسم من برد الثَّرى … قدما أَتى ربَّكَ إلاَّ ما ترى
قال: فقلت له، من هؤلاء؟. فقال: هذا ابني، وهذا بنوه.
قالوا: وعاش عبيد بن شرابة الجرهمي ثلاثمائة سنة، وقال بعضهم، مائتين وعشرين سنة، إلا أَنا نظن أنه عاشها في الجاهلية، وأدرك الإسلام، فأسلم؛ وقدم عل معاوية بن أبي سفيان.
فبلغنا أن معاوية قال له: أخبرني، كم أتى عليك؟ قال: مائتان وعشرون سنة.
قال: ومن أين علمت؟ قال: من كتاب الله.
قال: ومن أي كتاب الله؟ قال: من قول الله ﵎ (وجعلنا اللّيل والنَّهار آيتين، فمحونا آية الليل، وجعلنا آية النَّهار مبصرة، لتبتغوا فضلا من ربكم)
стр. 74
فقال له معاوية: وما أدركت؟ قال: أدركت يوما في أثر يوم، وليلة في أثر ليلة متشابها كتشابه الحذف يحدوان بقوم في ديار قوم يكذبون، وما يبيد عنهم ولالا يعتبرون بما مضى منهم، حيُّهم يتلف، وملودهم يخلف، في دهر قد تصرف أيامه، تقلَّب بأهلها كتقلبها دهرها، بينا أخوة في الرَّخاء إذا صار في البلاد، وبينا هو الزيادة إذ أدركه النُّقصان، وبينا هو حرّ إذا أصبح فيئا لا يدوم على حال، ولا تدوم له حال، بين مسرور بمولود ومحزون بمفقود، فلولا أن الحيّ يتلف لم يسعهم بلد، ولولا المولود يخلف لم يبق أحد.
قال معاوية: يا عبيد، أخبرني عن المال، أية أحسن في عينك؟ قال: أحسن المال في عيني، وانفعه غناء، وأقلُّه عناء، وأبعده من الآفة، وأجداه على العامة عين خرارة في أرض خوارة، إذا استودعت أَدَّت، وإن استحلبتها درَّت فأفعمت، تعُولُ ولا تُعال.
قال معاوية: ثم ماذا؟ قال: فرس في بطنها قد ارتبطت منها فرسا.
قال معاوية: فأي النَّعم أحب إليك؟ قال: النَّعم لغيرك يا أمير المؤمنين.
قال: فلمن؟ قال: لمن فلاها بيده وباشرها بنفسه.
قال معاوية: حدثَّني عن الذهب والفضة.
قال: حجران إن أخرجتهما نفذا، وإن خزنتهما لم يزد.
قال معاوية: فأخبرني عن قيامك وقعودك، وأكلك وشربك، ونومك، وشهوتك للباءة.
قال: أما قيامي فإن قمت فالسماء تبعد، وإن قعدت فالأرض تقرب؛
стр. 75
وأما أكلي وشربي إن جعت كلبت، وإن شبعت بهرت؛ وأما نومي فإن حضرت مجلسا حالفني، وإن خلوت أَطلبه فارقني؛ فإن بذلت لي عجزت وإن مُنعت غضبت.
قال معاوية: فأخبرني عن أعجب سيئ رأيته.
قال: أعجب شيء رأيته، أني نزلت بحي من قضاعة، فخرجوا بجنازة رجل من عذرة، يقال له، حُريث بن جبلة، فخرجت معهم حتى إذا واروه انتبذت جانبا عن القوم، وعيناي تذرفان، ثم تمثلت شعرا كنت رويته قبل ذلك:
يا قلب إِنَّك في أسماء مغرور … اذكر، وهل ينفعك اليوم تذكيرا؟
قد بحت بالحب ما تخفيه … حتَّى جرت بك إطلاقا محاضير
تبغي أمورا فما تدرس أَعاجلها … خير لنفسك أَم ما فيه تأخيرُ
فاستقدِرِ الله خيرا، وارضينَّ به … فينما العسر إِذا دارت مياسير
وبينما المرء في الأحياء مُغتبطا … إِذ صار في الرَّمس تعفوه الأعاصير
حتَّى كأَن لم يكن إلاَّ تذكرُّه … والدَّهرُ أيَّة ما حالٍ دهارير
يبكي الغريب عليه ليس يعرفه … وذو قرابته في الحِّ مسرور
وذاك آخر عهد من أَخيك إِذا … ما المرء ضمنَّه اللحد الخناسير
الخنسير والجمع الخناسير، ويقال الخناسرة، وهم الذي شيعوا الجنازة.
فقال رجل إلى جانبي يسمه ما أقول: يا عبد الله، من قال هذه الأبيات؟ قلت: والذي أحلف به، ما أدري أني قد رويتها منذ زمان.
قال: قائله الذي دفناه آنفا، وإن هذا ذو قرابته أَسرُّ الناس بموته، وإنك للغريب الذي وصف تبكي عليه. فعجبت لما ذكر في شعره والذي صار إليه من قوله، كأنه كان ينظر إلى موضع قبره.
стр. 76
فقلت: إن البلاء موكَّل بالمنطق قالوا: وعاش سيف بن وهب بن جذيمة بن عمرو بن ثعلبة بن حيان بن ثعلبة، وهو جرم، وإنما سمى بجرم لحاضنة كانت له تسمى " جرما " مائتي سنة فيما ذكر ابن الكلبي عن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري، وهو من بلى، ثم من بني العجلان عن أشياخه.
وأما ابن الكلبي فقال: عاش ثلاثمائة سنة، وقال في ذلك:
أَلا إِنَّني عاجلا ذاهب … فلا تحسبوا أنَّه كاذب
لبست شبابي فأَفنيته … وأَدركني القدر الغالب
وصاحبني حقبة فانقضى … شبابي، وودَّعني الصَّاحب
وخصم دفعت، ومولى نفعت … حتَّى يثوب له ثائب
وجارٍ منعت، وفتق رتقت … إِذا الصدع أَعيا به الشَّاعب
قالوا: وعاش عامر بن خوين بن عبد رضا بن قمران بن ثعلبة بن عمرو بن حيان " ابن ثعلبة "، وهو جرم بن عمرو بن الغوث بن طّيء مائتي سنة.
وقال في ذلك:
ماذا أُرجى من الفلاح إِذا … قنِّعت وسط الظَّائن الأول
مستعنزا أَطرد الكلاب عن الظِّلِّ … إِذا ما دَنَونَ للحَمَلِ
وقال:
المرء يبكي للسَّلا … مة، والسلامة لا تُحسُّه
أَو سالم من قد تثنَّى … جلدُهُ وابيضَّ رأسُهُ
стр. 77
أَو دبَ هرمٍ وأَو … دي سمعُهُ وانفَّق ضرسه
أَودي الزمان بأَهله … وبأَقربيه فقلَّ أُنسُه
قالوا: وعاش الحارث بن مضاض الجرهمي، من جدهم الأكبر، وهو جرهم بن قحطان بن عابر بن شالح بن أرفخشد بن نوح ﵇ أربعمائة سنة.
وهو االقائل:
يا أَيها الحيُّ المقيمونا … هُبُّو، فيوشك يوما لا تهبُّونا
إِذا قال ركب لركب سائرين معا … لا بدَّ أن تسمعونا أَو تُغنُّونا
حُثُّو المطىَّ وأَرخوا من أَزمَّتها … قبل الممات، وقضُّوا ما تقضُّونا
كنَّا أُناسا كما أَنتم فغيرَّنا … دهر فسوف كما كنَّا تكونونا
قد مال دهر علينا ثمَّ أَهلكا … بالبغي منه، فكلُّ النَّاس يأسونا
يا أَيها النَّاسُ سيروا إِنَّ قصركُمُ … أَن تُصبِحوا ذات يوم لا تسيرونا
وقال أيضا:
كأَن لم يكن بين الحجون إلى الصفا … أَنيس، ولم يسمر بمكَّة سامر
بلى، نحن كنَّا أَهلها، فأَزالنا … صروف اللَّيالي والجدود العواثر
قالوا: وعاش جعفر بن قرط العامري ثلاثمائة سنة، وأدرك الإسلام، فقال:
стр. 78
لم يبق يا خذلة من لِداتي … أَبو بنين لا ولا بنات
من مسقط الشَّمس إلى الفرات … إلا يُعدُّ في الأموات
هل مشترٍ أَبيعُهُ حياتي وعاش عباد بن أنف الكلب الصيداوي، من بني أسد عشرين ومائة سنة، وقال:
عمرت، فلمَّا جزت ستينَ حجَّة … وستين، قال الناس: أَنت مفنَّدُ
فقلت لهم بالله هل تنكرونني … وهل عابني إِلاَّ السَّخا والتَّمجُّدُ
"السخاء ممدودة، والراوية: إلا النّى واالتمجد ".
وإِنِّي جواد الكف سمح بما حوت … يداي من المعروف لا أَتلدَّدُ
أَجود وأَحمي المستجير من الرَّدى … إِذا عرَّد النكسُ الأحمُّ الألنددُ
ويوما ترى الأبطال من خوف شرِّه … سكارى، عليهم غبيَة تتردَّدُ
شهدت فجليت البلايا وأَوقعها … بأَسمر نحو المبتغى الشَّرَّ يقصد
ورزق كمستدمي الغزال سبأتُهُ … لفتيان صدق رفدهُم ليس ينفذ
فقلت لهم عُلُّوا وتلك مطيَّتي … بكفِّي عضب مشرفيّ مهنَّدُ
ففادت وقام الطَّاهيان فأَوقدوا … بعلياء نارا حمُّها ليس يبرُدُ
فلمَّا اشتفوا منها وأَدبر وحشُهُم … صببت لهم صهباء في الكأس تزبد
وقلتُ لهم إِنَّي حميل بمثل ما … رأَيتهم طوال الدَّهر لا أَتزيَّدُ
ففادت أي بردت وماتت، ويروى فكاست، يعني قامت على ثلاث قوائم الأوق الشدة، يقال، إنه لذو أوق.
стр. 79
قال أبو روق، وقال الرياسي: رأى رجل في المنام رجلا مسرفا على نفسه، فسأله عن حاله، فقال، ما لقيت بعدكم أَوقة.
وحشهم جوعهم؛ ويقال بات فلانا وحشا.
الحميل، والكفيل، والضَّمين، والصَّبير، والزعيم سواء.
قالوا: وعاش عامر بن الظرب العدواني مائتي سنة، وكان حكما للعرب.
وفيه يقول ذو الإصبع العدواني:
ومنَّا حكم يقضى … فلا ينقض ما يقضى
وهي أبيات.
وإنما قيل له ذو الإصبع، لأنه كانت له في رجله إصبع زائدة، وكان من أمره، أن وَجًّا، وهو وادي الطائف، وهو حرم الطائف الذي حرمه رسول الله ﷺ فلا يصطاد صيدها، ولا يختلي خلاؤها، وكان ثقيف، وهو قسّ بن منبِّه باليمن، أبو رغال فصدّقه، فأخذ شاته اللَّبون، وترك الأخرى، فأبى ثقيف أن يتركها، وقال، فيها قوتي، فأبى أن يتركها، فرماه ثقيف، فقتله، ثم لحق بالطائف فوجد فيها ظربا شيخا كبيرا، فأخذه، فقال، لتؤمنَّني أو لأقتُلنَّك، ثم لتنزلني أّفضل أرضك منزلا، فآمنه، وأنزله.
فلما جاء عامر ابنه قال له: ي أَبتاه، من هذا؟ قال: هذا رجل تبوَّا وادينا بغير حمد أَحد.
فقال عامر بن ظرب:
أَرى شعرات على حاجبيّ … نبتن جميعا تؤاما
أظلّ أُهاهى بهنَّ الكلاب … أَحسبهنّ صوارا قياما
أهاهي أزجرها، أقول هأْهَاْ.
стр. 80
وأَحسب أَنفي إِذا ما مشيت … شخصا أَمامي رآني فقاما
قال أبو حاتم، وذكر أصحابنا عن الشعبي أن ابن عباس قال، قضى عامر بن الظرب العدواني، من جديلة قيس، على العرب بعد عمرو بن حممة الدَّوسي، فأتى عامر بخنثى له، ما للرجل وما للمرأة، فأشكلت عليه، فأقام أربعين يوما لا يقضى فيه بشيء، فأتته أمة سوداء تسمى " خصيلة "، فقالت: يا أيها الشيخ، أفنيت علينا ماشيتنا؛ وإنما أَفناهنَّ أنه كان يذبح لأصحاب المسألة كل يوم شاة.
فقال: ويلك، إني أتيت في أمر لا أدري أصعِّد فيه أم أصوِّب.
فقالت: وما ذاك؟ قال: أتيت بمولود له، ما للرجل وما للمرأة.
قالت: وما يشقّ عليك من ذلك؟ أتبعه المبال، أقعده، فإن كان يبول من حيث يبول الرجل فهو رجل، وإن كان يبول من حيث تبول النساء فهي امرأة.
قال - وكان كثيرا ما يعاتب الأمة في رعيتها إذا سرحت - فقال، أسيئي يا خصيل أو أحسني فلا عتاب عليك، قد فرَّجتها عني.
فلما أصبح قضي بالذي أشارت.
فلما جاء الإسلام شدّد القضية، فصارت سنّة في الإسلام، يعني الإسلام شدّدها.
قالوا: وعاش عامر مائتي سنة، وقالوا، ثلاثمائة سنة.
قال أبو حاتم، ذكروا ذلك عن مجالد عن الشَّعبيّ؛ قال أبو روق، وحدثناه الرياشيّ، قال، حدثنا عمر بن بكير عن الهيثم بن عدي عن مجالد عن الشهبي قال، كنا عند ابن عباس، وهو في ضفَّة زمزم يفتي الناس إذ قال أعرابي، أفتيت الناس فأفتنا.
قال: هات.
стр. 81
قال: أرأيت قول الشاعر المتلمّس:
لذي الحلم قبل اليومِ ما تقرعُ العصا … وما علِّم اْلإنسان إلاَّ ليعلما
قال ابن عباس: ذاك عمرو بن حممة الدَّوسيّ، قضى على العرب ثلاثمائة سنة، فكبر، فألزموه السابع من ولده، فكان معه، فكان الشيخ إذا غفل كانت الأمارة بينه وبينه أن تقرع العصا حتى يعاوده عقله، فذلك قول المتلمس اليشكريّ من بكر ابن وائل: لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا قال ذو الإصبع العدوانيّ بعد ذلك بدهر:
عذير الحيّ من عدوا … ن كانوا حيَّة الأرضِ
بغى بعضهم بعضا … فلم برعوا على بعض
ومنهم كانت السَّادا … ت والموفون بالقرض
وهم بلغوا على الشَّحنا … ءِ والشَّنآن والبغض
مبالغ لم ينلها النَّا … س في بسط ولا قبض
وهم إن ولدوا أشبوا … بسرِّ النَّسب المحض
ومنهم حكم يقضي … فلا ينقض ما يقضي
يعني عامر بن الظَّرب.
أشبى الرجل إذا شبّ ولده.
стр. 82
فلما كبر عامر وتخوّف قومه أن يموت اجتمعوا إليه، فقالوا له، يا سيدنا وشريفنا، أوصِنا.
فقال: " يا معشر عدوان، كلفتموني تعبا، إن القلب لم يخلق، ومن لك بأخيك كلِّه، إن كنتم شرَّفتموني فقد التمست ذلك منكم، وإني قد أريتكم ذلك من نفسي، وأنّي لكم مثلي، افهموا عني ما أقول لكم؛ من جمع بين الحق والباطل لم يجتمعا له وكان الباطل أولى به، وإن الحق لم يزل ينفر من الباطل، ولم يزل الباطل ينفر من الحق، لا تفرحوا بالعلق ولا تشمتوا بالزلّة، وبكل عيش يعيش الفقير، ومن ير يوما ير به، وأعدّوا لكل أمر قدره، قبل الرِّماء تملأُ الكنائن، ومع السفاهة الندامة، والعقوبة نكال وفيها ذمامة، فلا تذموا العقوبة، واليد العليا معها عافية، والقود راحة لا عليك ولا لك، وإذا شئت وجدت مثلك، إنَّ عليك كما أَنّ لك، وللكثرة الرُّعب وللصبر الغلبة، من طلب شيئا وجده، وإلاّ يجده يوشك أن يقع قريبا منه.
فيا معشر عدوان، إياكم والشر فإن له باقية، وادفعوا الشر بالخير يغلبه، إنه من دفع الشرَّ بالشرِّ رجع الشرُّ عليه، وليس في الشرِّ أسوة، ومن شبقكم إلى خير فاتبعوا أثره تجدوا فضلا، إن خالق الخير والشر وسعهما، ولكل يد منهما نصيب.
يا معشر عدوان، إن الأوّل كفى الآخر، فمن رأيتموه أصابه شر فإنما أصابه فعله، فاجتنبوا ذلك الذي فعله؛ يا معشر عدوان، إن الشرّ ميّت، وإنما يأتيه الحيّ فيصيبه، ومن اجتنب الشرّ لم يثب الشرُّ عليه؛ يا معشر عدوان، إن الخير عزوف ألوف، ولم يفارق الخير صاحبه حتى يفارقه ولن يرجع إليه حتى
стр. 83
يأتيه؛ يا معشر عدوان، ربُّوا صغيركم، واعتبروا بالناس ولا يعتبر الناس بكم، وخذوا على أيدي سفهائكم تقلل جر أثركم، وإياكم والحسد فإنه شؤم ونكد، وإن كلَّ ذي فضل واجد أفضل منه، ومن بلغ منكم خطَّة خير فأعينوه واطلبوا مثلها، ورغِّبوه في نيّته، وتنافسوا في طريقته، ومن قصّر فلا يلومنّ إلا نفسه، وإني وجدت صدق الحديث طرفا من الغيب فاصدقوا تصدَّقوا.
"يقول من لزم الصدق وعوّده لسانه وفِّق فلا يكاد يتكلم بشيء يظنّه إلا جاء على ظنّه ".
وإنّي رأيت للخير طرقاً فسلكتها، ورأيت للشرّ طرقاً فاجتنبتها، وإني والله ما كنت حكيما حتى تبعت الحكماء، وما كنت سيِّدكم حتى تعبّدت لكم، إن الموعظة لا تنفع إلا عاقلا، وإن لكلّ شيء داعيا، فأجيبوا إلى الحق وادعوا إليه وأذعنوا له " يريد ذلُّوا للحق ".
وكان من حديث عامر أنه زوّج ابنته فعمة ابنة عامر ابن أخيه عامر بن الحارث ابن ظرب، وقال لأمها، وهي ماوية بنت عوف بن فهر حين أراد البناء بها: " يا هذه، مُري ابنتك فلا تنزلن فلاة إلا معها ماء، وأن تكثر استعمال الماء فلا طيب أطيب منه، وإن الماء جعل للأعلى جلاء وللأسفل نقاء، وإياك أن تميلي إلى هواك ورأيك فإنه لا رأي للمرأة، وإيَّاي ووصيّتك، فإنه لا وصيّة لك، أخبري ابنتك، أن العشق حلوٌ، وأن الكرامة المؤاتاه، فلا تستكرهنّ زوجها من نفسها، ولا تمنعه عند شهوته، فإن الرضا الإتيان عند اللذة، ولا تكثر مضاجعته فإن الجسد إذا ملّ ملّ القلب، ومريها فلا تمزحنّ معه بنفسه، فإن ذلك يكون منه الانقباض، ومريها فلتخبأ سوءتها منه، فإنه وإن كان لا بد من أن يراها فإن كثرة النظر إليها استهانة وخفة ".
فلما أدخلت الجارية عليه نفرت منه ولم ترده.
стр. 84
فأتى ابن أخيه العمَّ، فشكا ذلك إليه، فقال له عامر: " يا ابن أخي، إنها وإن كانت ابنتي فإن لك نصيباً مني " أو قال، فإن نصيبك الأوفر مني " فاصدقني، فإنه لا رأى لمكذوب، فإن صدقتني صدقتك، إن كنت نفَّرتها فذعرتها، فاخفض عصاك عن بكرتك تسكن، وإن كانت نفرت منك من غير إنفار فذلك الداء الذي ليس له دواء، وإلا يكن وماق ففراق، وأجمل القبيح الطلاق، ولم نترك أهلك ومالك، وقد خلعتها منك بما أعطيتها، وهي فعلت ذلك بنفسها.
فزعمت علماء العرب أن هذا أول خلع كان في العرب وثبت في الإسلام.
وكان من حديث عامر بن الظَّرب أيضا، أنه كان يدفع بالناس في الحج، وذلك أنه كان وقومه طلبوا أن يجيزوا من ورد عليهم من تلقاء محلّتهم ببطن وجّ، وكان طريق أهل السَّراة، وهم أزد شنوءة، فدخلوا على صوفة، فكانوا يجيزون عدوان يوما، وصوفة يوما، وكان الذي يتولى إجازة الحج من عدوان أبو سيّارة العدوانيّ " هكذا أملاه أبو حاتم، وليس بمستو العدواني "، فقال:
يا ربَّة العير ردِّيه لمرتعه … لا تظعني فتهيجي النَّاس بالظَّعن
أضحت أيادي بني عمرو مجلَّلة … تمَّت بلا كدر فيها ولا منن
ثواب ما قد أتوه عندنا لهم … الشُّكر منَّا لما أسدوا من الحسن
فأجاز أبو سيّارة العدوانيّ بالناس أربعين سنة على عير له، حتى إن كانت العرب لتضرب المثل به فتقول: أصحُّ من عير أبي سيَّارة.
قال: فبينا عامر يدفع بالناس إذ بصر به رجل من ملوك غسّان فأعجبه نحوه
стр. 85
فكلّمه، فإذا أحكم العرب وأحلمهم، قولا، وفعلا، وفعلا. فحسده الغسّانيّ، وقال في نفسه، لأفسدنَّه.
فلما صدر الحاجّ أرسل الملك إلى عامر، أن زرني حتى أتَّخذك خَّلا، وأحسن حباءك، وأعظِّم شرفك.
فأقبل عامر على قومه، فقال، ماذا ترون؟ قالوا: نرى ألا تردَّ رسوله، اشخص، ونشخص معك، فتصيب من رفده ونفعه، ونصيب معك، ونتَّجه بجاهك. فخرج وخرج معه نفر من قومه.
فلما دخل بلاده تكشف له رأيه وأبصر أنه قد أخطأ، فجمع إليه أصحابه، فقال: " ألا ترون أن الرأي نائم والهوى يقظان، وقد يغلب الهوى الرأي، ومن لم يغلب الهوى بالرأي ندم، وعجلت حين عجلتم عليّ، ولئن سلمت لا أعود بعدها لمثلها، وإنا قد تورّطنا في بلاد هذا الرجل، فلا تسبقوني بريث أمر أقيم عليه، ودعوني ورأيي وحيلتي لكم ".
فقدم على الملك، فضرب له قبّة ونحر له جزورا.
فقال له القوم: قد أكرمنا كما ترى، وما وراء هذا خير منه.
فقال: لا تعجلوا، فلكلّ عام طعام، ولكل راع مرعى، ولكل مراح مريح، وتحت الرًّغوة الصريح.
فمكثوا أياما، ثم أرسل إليه الغساني، قد رأيت أن أجعلك الناظر في أمر قومي، فإني قد رضيت عقلك وأتفرغ للذَّتي ومركبي، فما رأيك؟ فقال: أيها الملك، ما أحسب أن رغبتك فيّ بلغَّتك أن تجعل لي ملكك، فقد
стр. 86
قبلت إذ وليتني أمور رعيّتك وقومك، وإن لي كنز علم، وإن الذي أعجبك من علمي إنما هو من ذلك الكنز، أحتذى عليه وقد خلّفته خلفي، فإن صار في أيدي قومي علم كلُّهم مثل علمي، فأذن لي حتى أرجع إلى بلادي فآتيك به، فإن صرت بهذا العلم إلى بلدك أبحته ولدك وقومك حتى يكونوا كلهم علماء.
وكان الملك جاهلا، فطمع أن يقطع أصل العلم من عندهم، ويصير لقومه دونهم. فقال له الملك: قد أذنت لك بتعجيل الرَّجعة.
فقال له عامر: إن قومي أَضنَّاء بي، فاكتب لي كتابا بجباية الطريق فيرى قومي طمعا يطيب أنفسهم عني، واستخرج كنزي، وأرجع إليك.
فكتب له بذلك.
فعاد إلى أصحابه، فقال: ارتحلوا.
فقالوا تالله ما رأينا وافد قوم قطُّ أبعد عن نوال، ولا أحيد عن مال.
قال لهم: مهلا، فإن أفضل الرزق الحياة، ولها يراد الرزق، وقال، ليس على الرزق فوت، وغنم من نجا من الموت، ومن يرد باطنا يعيش واهنا، " يقول من لم ينظر في المتعقِّب عاش واهنا ضعيفا، والباطن ها هنا المتعقّب والنظر في العاقبة ".
ولو أخذ في لومكم لاتبعت قولكم، ويل أمِّ الآيات والعلامات، والنظر والاعتبار، والفكر والاختبار.
ثم قدم على قومه، فقال: ربَّ أَكلة تمنع أَكلات، وسنة تجبر سنوات ثم أقام، فلم يعد.
وكان من حديث عامر بن الظرب أيضا أنه خطب إليه صعصعة بن معاوية ابنته، فقال: يا صعصع، قد جئت تشتري مني كبدي، وأكرم ولدي عندي،
стр. 87
منعتك أو بعتك، النكاح خير من الأَئمة، والحسب كفاء الحسب، والزوج الصالح يعدّ أبا، قد أنكحتك خشية ألا أجد مثلك، يا معشر دوس: " قال، وقال أكثر أصحابنا يا معشر عدوان ": خرجت كريمتكم من بين أَظهركم من غير رغبة عنكم، ولكنه من خطّ له شيء جاءه، ربّ زارع لنفسه ما حاصده غيره، ولا قسم الظوظ ما أدرك الآخر مع الأول شيئا يعيش به، ولكن رزق آكل من آجل وعاجل، إن الذي أرسل الحيا أنبت المرعى ثم قسمه " أي حفظ "، وكلاَّ لكل فم بقلة، ومن الماء جرعة، ترون ولا تعلمون، ولن يرى ما أصف لكم إلا كلُّ قلب راع، ولكل رزق ساع، ولكل خلق خُلق، كَيس أو حُمق، وما رأيت شيئا قطّ إلا سمعت حسَّه ووجدت مسَّه، وما رأيت شيئا خلق نفسه، وما رأيت موضوعا إلا مصنوعا، وما رأيت جائيا إلا ذاهبا، ولا غانما إلا خائبا، ولا نعمة إلا ومعها بؤس، ولو كان يميت الناس الداء لأعاشهم الدواء، فهل لكم في العلم العليم؟ قيل: وما هو؟ فقد قلت فأصبت، وأخبرت فصدقت.
فقال: أرى أمورا شتى، وشيئا شيئا حتَّى.
معترض لِعَنَنِ لم يعنيه … أَدرك مال غيره بجنبه
فاحتاز شيئا لم يكن من ظنَّه … كأَنَّما يحتاز ماء شنِّه
قالوا: وعاش جروة بن يزيد الطائي، وكان ينزل بلخ خراسان، نزلها أيام عبد الله بن عامر، وهو ابن قريب من مائة سنة، وقتل مع سورة بن أَبجر، وهو أشل اليد اليسرى، ضربت يده يوم زحف التُّرك إلى الأحنف بن قيس، فشلّت يده، فأعطاه الأحنف دِيتَهَا، ومتب إلى ابن عامر فأعطاه ديتها أيضا، وأمر له بعشرة آلاف درهم.
стр. 88
وكتب إلى الأحنف: كافئ على البلاء فإنَّ الله يحبَّ الشَّاكرين.
وكان يكثر الغزو، وهو شيخ كبير، وكان لا يليق شيئا سخاء، وكان شجاعا مسيَّعا وهو الذي يقول:
تلوم حليلتي بالغزو جهلا … وغرُ الغرور أَولى بالملام
ولولا الغزو كنت كمن يغادى … بأنواع الشَّبارق والمُدام
"الشبارق الطعام، لفظ فارسي معرب ".
قليا الهمِّ يزهدُ في المعالي … ويرضى بالقليل من الطَّعام
فهمِّي غير همِّكِ فاتركيني … وغزوي، إنَّه همُّ الكرام
سأَغزو التُّرك إِنَّ لهم عُراما … وبأسا حين تزحف للزِّحام
هو الومت الزُّؤام إَذا تنادوا … لحرب يستطار لها عُقام
حدثنا أبو حاتم قال: أخبرنا أبو عبيد قال، الزؤام الموت الوحيّ.
تراهم في الحديد كأُسدِ غاب … على جرد عوابي كالجلام
طووها للغوار فأَضمروها … فاضت لا تضجُّ من الكلام
ولا تنحاش من ذعر ولا من … مباشرة الأَسنَّة والسِّهام
وعندي حين أَغزوهم عتاد … عتيد، كلُّ مصقول حسام
وكلُّ طمرَّة مرطى سبوح … أَمام الخيل ظاهرة القسام
وكل مثقفَّ لدن عسول … عليه مثل نبراس النِّهام
إِذا أَنحيته في القرن أَصمى … ولا ينئد للحلق التُّؤَام
لا ينئد لا ينثني، والتؤام يعني حلقتين، وهذه دروع حلقُها مضاعف.
стр. 89
وفتيان إِذا ندبوا لحرب … تمشُّوا مشية الإبل الهيام
يرون عليهم لله حقَّا … مقارعة الطَّماطمة الطَّغام
يريدون المثوبة من إله … بصير تحت قسطال القتام
قسطال، غبار.
وكلُّهم يرادي التُّرك قدما … ويحوى منفسا في كلِّ عام
ويرجو الله لا يرجو سواه … وراجي الله يرجع بالسَّلام
وقالت قد كبرت فقلت كلاّ … وربِّ البيت والشَّهر الحرام
لقد أَبطلت، ما كبري بمُدبي … إلىَّ حليلتي، قدر الحمام
سأَغزو أَو أَموت كذا خفاتا … ولا آتى بداهية وذام
فإنَّ الدَّهر يلعب أَبرديه … بكلّ مذمَّم جلد العظام
ويترك كلَّ مضعوف جريء … على الأَبطال يعرف بالزَّحام
وهو الذي يقول لامرأته:
وقالت قد كبرت، وقلت حقَّا … كبرت، فكفكفي ودعي عتابي
عتابك كلَّ يوم لي عذاب … ومثلي لا يقرُّ على العذاب
فإن لم تصبري وكرهت قربي … فدونك ما أَردت من اجتنابي
سأَغزو التَّرك في نفرٍ كرام … سراع حين ندعى للضِّراب
يرون الموت أَفضل من حياة … تُصيِّرها الدُّهور إِلى تباب
وفي الأَيَّام لي عظة وناه … وما أَرضى معاتبة الكَعابِ
لأَنِّي أَطلب الأَمر الَّذي لا … ينال بغير ضرب للرِّقاب
فيا ليت السيوف تعاورتني … بأَيدي معشر كأُسود غاب
فأَلقى الموت مشتهرا فعالي … ولم تدنس بمخزية ثيابي
стр. 90
وكُفِّى طلَّتي وتجنَّبيني … وكلُّ العيش ويحك للذَّهاب
وقد أغدو أقود إلى المنايا … فتوَّا زجرهم بهل وهاب
إذا ما عاينوا موتا زؤاما … تمشَّوا مشية الإبل الطَّراب
ررجاء أن تصيبهم المنايا فينجوا من أليمات العقاب وقال أيضا:
قالوا: وما حتّى؟ قال: حتى يرجع الميت حيا ويعود لاشيء شيئا، ولذلك خلقت الأرض والسموات.
فتولوا عنه ذاهبين.
فقال: ويل أمَّها نصيحة، ولو كان لها من يقبلها بقبولها.
стр. 91
قالوا: وعاش سمعان بن هبيرة، وهو أبو السَّمال الأسدي سبعا وستين ومائة سنة.
وهو الذي يقول:
وهادئة من شيبتي وتحنُّني … وطول قعودي بالوصيد أُفكِّرُ
تقول فنى سمعان بعد اعتداله … وبعد سواد الرأس فالرأس أَزعرُ
فقلت لها، لا تهزئي إِنَّ قصرك المنايا، … وريب الدَّهر بالمرء يغدرُ
فكم من صحيح عاش دهرا بنعمة … فحل به يوم أَغرُّ مشهرَّ
فصار لقي في البيت لا يبرح الفنا … رذيَّا عليه كآبة وتوقُّرُ
وقد كان مدلاجا إلى المجد متعبا … إليه المطايا عمرهُ ليس يفترُ
فلما ترامته المنايا وريبها … تقوَّس الظَّهر فالخطوُ مُقصرُ
"كذا قال أبو حاتم مقصر، وهو غلط، لأنه لا يقال: أقصر الخطوُ، إنما يقال قصر، ويجوز فالخطو مقصر، فجعل المصدر " الميمي " صفة للخطو ".
وعاد كفرخ النَّسر أعمى عن الَّتي … يريد الدَّهر يهذي ويهدر
فإن أَكُ شيخا فانينا فلربما … أَصبت الَّذي أَقوى وما كنت أَحذرُ
وربَّ خيور جمَّة قد لقيتُها … وشر كثير عن شواتى تحدَّر
"شواته جلدة رأسه ".
وخيل دعتني للنِّزال أَجبتها … وفي الصيف الكفِّ منِّى مشرفيّ مذكَّرُ
وتحتي طمرّ مستطار فؤادُهُ … سليم الشَّظا نهد كميت مضمَّرُ
стр. 92
فنازلت إَذا نادوا نزال، ونلت ما … ينال الكريم الأّحوذيُّ المشمِّر
فذلك دهر قد حلوُ عيشِةِ … وغادرني شلوا لي الذئب يكثر
وقد كنت أَباَّءٍ على القرن مرجما … أَجود وأَحمى المسنفات وأَخبرُ
وللموت خير لامرئ من حياته … بدارة ذلّ علبلايا يوقَّرُ
"علبلايا يريد على البلايا فادغم اللام؛ وقال أبو حاتم: وآخر حرف في كتاب سيبويه علماء بنو فلان يريد على الماء قالوا: وعاش فالج بن خلاوة بن سبيع بن بكر بن أشجع بن ريث بن غطفان ثمانين ومائة سنة، وكان فارسا، وكان عريِّيضا، يعرض فيما ليس يعنيه، وهو الذي تضرب العرب به المثل، يقال للرجل إذا عرض فيما لا يعنيه " أَنت من هذا الأَمر فالج بن خلاوة ".
حدثنا أبو حاتم: قال أخبرنا به أبو زيد فقال " أنت كفالج بن خلاوة، ولا عقب لفالج ".
وقال يذكر اعتراضه فيما لا يعنيه:
أَلا رُبَّ أَمر معضل قد ركبته … بثنيىَّ فعل التَّيَّحان المضللَّ
فأَقشع عنيِّ لم يضرني وربَّما … أَجرَّ الفتى ما كان عنه بمعزل
وقد كنت ذا بأوٍ على النَّاس مرَّة … إِذا جئت أَمرا جئته الدَّهر من علِ
فلمَّا رماني الدَّهر صرت رزيَّة … لكل ضعيف الركن أَكشف أَعزل
فيا دهر قدما كنت صعبا فلم تزل … بسهمك ترمي كلَّ عظم ومفصل
стр. 93
فقد صرت بعد العزّ أغضى مذلَّة … على الهول والأزمان ذات تنقُّلِ
فكم قد رأيت من همام متوَّج … من التِّيه يمشي طامحا كالسبهلل
فأَصبح بعد التِّه كالعر ذلَّة … قليل البتات كالضَّريك المعيل
وآخر قد أَبصرته متعلِّفا … بريطة ذلّ كان غير مبجَّل
يدين له الأَقوام سرا وجهرة … يروح ويغدو كالهمام المرفَّل
كذلك هذا الدَّهر صارت بطونه … ظهورا وأَعلى الأمر صار كأَسفل
فصبرا على ريب الزمان وعضِّه … ولا تك ذا تيه ولا تعلَّل
خذ العفو واقنع بالصَّحاح فربَّما … أَكون لزاز العارض المتهلِّل
الصحاح الصحة مثل الضَّجاج والضَّجَّة، وأنشد: وخطَّ أَيَّام الصَّحاح والسَّقم وقال
إذا هتف الحمام على غصون … جرت عبرات عيني بانسكاب
يذكِّرني الحمام صفىَّ نفسي … جنابا، من عذيري من جناب
أردت ثواب ربِّك في فراقي … وقربي كان أقرب للثَّواب
قالوا: وعاش عبَّاد بن شدّاد اليربوعيّ مائة وثمانين سنة.
وقال في ذلك:
يا بؤس للشَّيخ عبَّاد بن شدَّاد … أضحى رهينة بيت بين أعواد
وتهزأ العرس منِّي إن رأت جسدي … أحدب لم تبق منه غير أجلاد
فإن تريني صعيفا قاصرا عنقي … فقد أكعكع عنِّي عدوة العادي
وقد أفئ بأثواب الرَّئيس وقد … أغدو على سلهب للوحش صيَّاد
قالوا: وعاش همّام بن رياح بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم مائة وثمانين سنة.
وقال في ذلك:
إنَّ القواني قد عجبن كثيرا … ورأينني شيخا صحوت كبيرا
стр. 94
قصد الغواني أن أردن هوادتي … حسب الكبير مجرَّبا مخبورا
إنِّي لأبذل للحليل إذا دنا … مالي وأترك ماله موفورا
وإذا أردت ثواب ما أعطيته … فكفى بذاك لنائل تكديرا
إنِّي امرؤ عفُّ الخلائق لا أره … طرق السَّماحة يا أميم وعورا
قالوا: وعاش أسيِّد بن أوس التَّميميّ مائة وتسعين سنة، وقتل له ثلاثون ابنا في حرب كانت بينه وبين بني يشكر بن بكر بن وائل، فقال لمن بقي من ولده، وهو يوصيهم: " يا بنيّ، إني رأيت مطَّلعا تزايلت حجارته، وقد رأيته أملس ليس فيه صدع، ورأيت الدَّهر فلَّ الصُّخور، فليقترب بعضكم من بعض في المودّة، ولا تتَّكلوا على القرابة، فإن القريب من قرب نفسه، والأمور بدوات ".
قالوا: وانطلق أسيِّد بن أوس إلى الحارث بن الهبولة الغساني، كان أخا معاوية بن شريف لأمّه، أمُّهما ابنة رضا البارقيّ، يستمدّه في حرب بني الشَّقيقة، فلما قدم عليه قال " حمل " وهو رجل " يوثق في الشدّة بالقرابة وبصدق أهل الوفاء، إن خير السجيَّة ما لم يتكلّف، وخير الأعوان على النَّجل النساء " يعني بالنجل الأولاد "، ومن اتّخذ أداء الحقّ الحيطة فقد كمل " والحيطة غاية الحفظ " والعفو منتهى البرّ، ومنتهى اليرِّ الهوى، وبالصِّدق تمام المرؤة، وبالكذب يحسر الأنصار، وبالقرناء تعتبر الرجال، وأغنى الخصال عن المادّة العفاف، والعفو ترك العقوبة، وترك العقوبة يسلُّ السَّخيمة ".
وقال أسيِّد بن أوس في حجَّة الغدر، عام قاتلوا أبا كرب بن زيد بن حسان بن تبّع، فرجع إلى قومه بما أصاب، فقال " الزموا البرَّ يبرُّكم بنوكم، أخِّروا
стр. 95
الغضب ودافعوا بالأيّام القروض، فإن الرفق أبلغ، وآخر الدواء الكيُّ، وخير الثواب الشكر، وخطل القول عورة، وبالمرسل يعتبر المرسل.
قالوا: وعاش الأُبيرد بن المعذَّر الرِّياحيّ مائة وعشرين سنة؛ وقال بعضهم، بل هو الأبيرد بن الحارث، من تيم الرّباب بن عبد مناة بن أدّ بن طابخة بن إلياس ابن مضر.
وقال في ذلك:
ألا هزئت مودودة اليوم أن رأت … شكير أعالي الرَّأس منِّي تلفَّعا
وأن شاب أصداغي ومَّم مفرقي … مشيب وأمسى لون وجهي أسعفا
فقلت لها لا تهزئي من مجرِّب … ترامت به الأيَّام حتَّى تسعسعا
فإنَّك لو صاحبتني لم تعتّبي … ولم تجدي فينا لكفَّيك مصنعا
ليالي لوني واضح وذؤابتي … غرابيب في رأس امرئٍ غير أنزعا
قالوا: وعاش عبيد بن الأبرص الأسديّ الشاعر من بني سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد مائتي سنة وعشرين سنة، ويقال، بل ثلاثمائة سنة.
وقال في ذلك:
ولتأتين بعدي قرون جمَّة … ترعى مخارم أيكة ولدودا
فالشمس طالعة، وليل كاسف … والنجم يجري أنحساً وسعودا
стр. 96
حتَّى يقال لمن تعرَّق دهره … يا ذا الزّمانة هل رأيت عبيدا
مائتي زمان كامل ونضيَّة … عشرين عشت معمَّرا محمودا
أدركت أوَّل ملك نصر ناشئا … وبناء شدَّاد وكان أبيدا
وطلبت ذا القرنين حتَّى فاتني … ركضا وكدت بأن أرى داودا
ما تبتغي من بعد هذا عيشة … إلاَّ الخلود، ولن ينال خلودا
وليفنين هذا وذاك كلاهما … إَّلا الإله ووجهه المعبودا
وقال أيضا:
فنيت وأفناني الزَّمان وأصبحت … لداتي بنو نعش وزهر الفراقد
قالوا: وعاش كبير بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة مائة وعشرين سنة، وأدرك الإسلام فأسلم، وقال ابن اللكبيّ وغيره، بل عاش ثلاثين ومائة سنة، وكان يوم جبلة ابن تسع سنين، وولد عامر بن الطُّفيل في ذلك اليوم.
ووفد عار إلى النبي ﷺ ، وهو ابن نيِّف وثمانين.
وقالوا: كانت أعطيات الناس ألفين وخمسمائة، فكتب معاوية إلى زياد أن ينقص الخمسمائة.
وحدثنا أبو حاتم قال، سمعت الأصمعيّ يقول، أراد أن يردّه إلى ألفين.
فقال: ما بال العلاوة بين العدلين؟
стр. 97
فجاء لبيد ليأخذ عطاءه.
فقال زياد: أبا عقبل، هذان الخرجان.
"يعني الألفين ".
- فما بال العلاوة؟ " يعني الخمسمائة ".
قال: ألحق العلاوة بالخرجين، فإنك لا تلبث إلا قليلا حتى يصير لك الخرجان والعلاوة.
قال: فأعطاه زياد ألفين وخمسمائة، ولم يعطها غيره.
فما أخذ عطاء آخر حتى مات ﵀.
وقال لبيد:
أليس ورائي أن تراخت منيَّتي … لزوم العصا تحفى عليها الأصابع
أخبِّر أخبار القرون الَّتي مضت … أدبُّ كأنِّي كلَّما قمت راكع
وقال:
ذهب الَّذين يعاش في أكنافهم … وبقيت في خلف كجلد الأجرب
وقال حين مضت له سبع وسبعون:
نفسي تشكَّي إلىَّ الموت مجهشة … وقد حملتك سبعا بعد سبعينا
إن تحدثي أملا يا نفس كاذبة … ففي الثَّلاث وفاءٌ للثَّمانينا
فلما بلغ مائة وعشرا قال:
أليس في مائة قد عاشها رجل … وفي تكامل عشر بعدها عمر
فلما بلغ عشرين ومائة، قال:
ولقد سئمت من الحياة وطولها … وسؤال هذا النَّاس كيف لبيد
стр. 98
قال: وحدثنا الرِّياشي قال أبو روق، وحدثناه أبو الخطاب زياد بن يحيى الحسّانيّ عن الهيثم بن الربيع قال، حدثنا أبي عن الشَّعبيّ قال، أرسل إلىّ عبد الملك بن مروان، وهو شاكٍ، فدخلت عليه، فقلت: كيف أصبحت يا أمير المؤمنين؟ فقال: أصبحت كما قال ابن قمئة أخو بني قيس بن ثعلبة.
قال: وما قال؟ قال: قال:
كأنِّي وقد جاوزت تسعين حجَّة … خلعت بها عنِّي عذار لجامي
رمتني بنات الدَّهر من حيث لا أرى … فكيف بمن يرمي، وليس يرامي
فلو أنَّها نبل، إذن لاتَّقيتها … ولكنّني أرمي بغير سهام
إذا ما رآني النَّاس قالوا ألم يكن؟ … جليدا شديد البطش غير كهام
فنيت ولم تفن من الدَّهر ليلة … ولم يغن ما أفنيت سلك نظام
على الرَّاحتين مرَّة وعلى العصا … أنوءُ ثلاثا بعدهنَّ قيامي
فقلت: يا أمير المؤمنين، ولكنك كما قال لبيد بن ربيعة أخو بني جعفر بن كلاب.
قال: وما قال؟ قلت: قال:
نفسي تشكَّي إليَّ الموت مجهشة … وقد حملتك سبعا بعد سبعينا
فإن تزادي ثلاثا تحدثي أملا … وفي الثَّلاث وفاء للثَّمانينا
فعاش والله يا أمير المؤمنين حتى بلغ تسعين حجة، فقال:
стр. 99
كأنِّي وقد جاوزت تسعين حجَّة … خلعت بها عن منكبيَّ ردائيا
فعاش حتى بلغ عشرا ومائة سنة، فقال في ذلك:
أليس في مائة قد عاشها رجل … وفي تكامل عشر بعدها عمر
فعاش والله يا أمير المؤمنين حتى بلغ عشرين ومائة، فقال في ذلك.
وغنيت سبتا بعد مجرى داحس … لو كان للنَّفس اللجوج خلود
فعاش حتى بلغ أربعين ومائة، فقال في ذلك:
ولقد سئمت من الحياة وطولها … وسؤال هذا النَّاس كيف لبيد
فقال عبد الملك، والله، ما بي بأس، اقعد حدّثني ما بينك وبين الليل.
فقعدت، فحدّثته حتى أمسيت، ثم فارقته؛ فمات في ليلته.
قال أبو حاتم، وعاش النَّمر بن تولب بن أقيش العكليّ مائتي سنة حتى أنكر بعض عقله.
فقال ذلك:
لعمري، لقد أنكرت نفسي ورابني … مع الشَّيب أبدالي الَّذي أتبدَّل
وتسميتي شيخا وقد كان قبله … لي اسم فلا أدعي به وهو أوَّل
وزهدي فيكفيني اليسير وإنَّني … أنام إذا أمسي ولا أتعلَّل
وظلعي ولم أكسر وإنّ حليلتي … تحوز بنيها في الفراش وأعزل
стр. 100
فصول أراها في أديمي بعد ما … يكون كفاف اللَّحم أو هو أجمل
يحبُّ الفتى طول السَّلامة والغنى … فكيف يرى طول السَّلامة يفعل
قالوا: وعاش نصر بن دهمان بن بصار بن بكر بن سليم بن أشجع بن الرَّيث ابن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان مائة وتسعين سنة حتى سقطت أسنانه وابيضّ رأسه، فحزب قومه أمرٌ احتاجوا فيه إلى عقله ورأيه.
فدعوا الله أن يرد عليه عقله وشبابه.
فرد الله عليه عقله وشبابه وفهمه، واسودّ شعره.
فقال سلمة بن الخرشب الأنماريّ، من أنمار بن بغيض، ويقال، بل عياض بن مرداس:
نصر بن دهمان الهنيدة عاشها … وتسعين حولا ثمَّ قوِّم فانصاتا
وعاد سواد الرَّأس بعد ابيضاضه … وراجعه شرخ الشَّباب الَّذي فاتا
وراجع عقلا بعد عقل وقوَّة … ولكنَّه من بعد ذا كلِّه ماتا
قالوا: وعاش زهير بن مرخة، من بني وابش بن عدوان بن عمرو بن قيس ابن عيلان مائة وسبعين سنة.
وقال في ذلك:
كبرت وأمست عظامي رمادا … وما تأمل العين إَّلا رقادا
أقول لأهلي لا تظعنوا … وهاتوا فراشا وطيئا وزادا
стр. 101
قالوا: وعاش ربيعة، وهو أبو جعاد من بني عدوان مائة وسبعين سنة.
وقال في ذلك: أبا جعاد اليوم أفناك الكبر والدَّهر فينان، فحرٌّ وخصر أيَّام إذ تجني لك السَّمن مضر في قيس عيلان وأحياء أخر قالوا: وعاش نابغة بني جعدة، واسمه، قيس بن عبد الله بن عدس بن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة مائتي سنة، وأدرك الإسلام، وأسلم.
وقال حين وفت له مائة واثنتا عشرة سنة:
مضت مائة لعام ولدت فيه … وعشر بعد ذاك وحجَّتان
فأبقى الدَّهر والأيَّام منِّي … كما أبقى من السَّيف اليمان
تفلَّل وهو مأثور جراز … إذا جمعت بقائمة اليدان
ألا زعمت بنو كعب بأنِّي … ألا كذبوا كبير السِّنِّ فإني
فمن يحرص على كبري فإنِّي … من الفتيان أزمان الختام
الختان مرض أصاب الناس في أنوفهم وحلوقهم، وربما أخذ النَّغم، وربما قتل.
стр. 102
وقتل أيضا:
لبست أناسا فأفنيتهم … وأفنيت بعد أناس أناسا
ثلاثة أهلين أفنيتهم … وكان الإله هو المستآسا
المستآس المستعاض، مستفعل من الأوس، والأوس العطيّة عوضا.
وقال أيضا:
قالت أمامة كم عمرت زمانة … وذبحت من عنز على الأوثان
ولقد شهدت عكاظ قبل محلِّها … فيها وكنت أعدُّ ملفتيان
أراد من الفتيان.
والمنذر بن محرّق في ملكه … وشهدت يوم هجائن النُّعمان
وعمرت حتَّى جاء أحمد بالهدى … وقوارع تتلى من الفرقان
ولبست ما لإسلام ثوبا واسعا … من سيب لا حرم ولا منَّان
стр. 103
قالوا: وعاش قردة بن نفاثة السَّلوليّ، من عمرو بن مرَّة بن صعصعة بن معاوية ابن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان مائة سنة وأربعين سنة، وأدرك الإسلام.
وقال في إسلامه:
الحمد لله إذ لم يأتني أجلي … حتَّى لبست من الإسلام سربالا
وقد أروِّي نديمي من مشعشعة … وقد أقلِّب أوراكا وأكفالا
قال أبو حاتم، ويزعمون أن البيت الأول للبيد، وأنه لم يقل في الإسلام غيره، والله أعلم.
قالوا: وعاش زهير بن أبي سلمى الشاعر، وهو زيد بن ربيعة بن عمرو، ويقال، إنه من مزينة، وكذلك قال ابنه كعب في شعره؛ ويقال: إنه من عبد الله ابن غطاف مائة وعشرين سنة.
وقال حين بلغ الثمانين:
سئمت تكاليف الحياة، ومن يعش … ثمانين حولا، لا أَبا لك يسأَم
قال أبو حاتم، وكان الأصمعي يزعم في القصيدة لأَنس بن زنيم.
стр. 104
" قال أبو روق: غلط أبو حاتم، إنما كان الأصمعي يقول، القصيدة لصِرمة ابن أنس الأنصاري ".
وأنس بن زنيم كان على عهد زياد وابنه.
قال أبو حاتم، قال بعد ذلك:
أَلا ليت شعري، هل يرى النَّاس ما أرى … من الأمر، أَو يبدو لهم ما بدا ليا
بد لي أَنِّي عشت تسعين حجَّة … وعشرا وتسعا بعدها وثمانيا
فلم أَلفها لمَّا مضت وعددتها … بحسبتها في الدَّهر إلاَّ ليليا
وقال: وعاش ثوب بن تُلدة الأسدى، من بني والبة بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة عشرين ومائتي سنة، وأدرك معاوية بن أبي سفيان، وقال:
وإنَّ امرءٍ قد عاش عشرين حجَّة … إلى مائتين، كُلَّها، هو دائب
لرهن لأحداث المنايا وإنَّما … يلهيِّه في الدنيا مناه الكواذبُ
حدثنا أبو حاتم عن الكلبي قال: قال ابن الكلبي: سمعت أبي يقول، أدرك ثوب بن تلدة معاوية، فدخل عليه، فقال:
стр. 105
- ما أدركت؟ وكم عمرك؟ قال: لا أدري، إلا أدركت بني والبة ثلاث مرات - يريد أفنيت ثلاثة قرون -.
قال: فكيف بصرك اليوم؟ قال: أحدُّ ما كان قطُّ، كنت أرى الشخص واحدا فأنا أراه اليوم شخصين.
قال: فكيف مشيك؟ قال: أَمشي ما كنت قط، كنت أمشى تيدا، فأنا اليوم أُهرول هرولة.
فقال: أدركت أمية بن عبد شمس؟ قال: نعم، وهو أمي يقوده عبد له، يقال له " ذكوان ".
فقال له معاوية: كفّ، فقد جاء غير ما رأيت يا ثوب.
ثم قال معاوية: ليس في البيت إلا أُمويّ، فانظر، أي هؤلاء أشبه بأمية.
فنظر، ثم قال: هذا، لعمرو بن سعيد بن العاص، وهو عمرو الأشدق.
قال أبو حاتم، قال العتبيّ، قيل له، الأشدق، لأنه كان خطيبا مفلقا.
قالوا: وعاش أُمية بن الأسكر من بني بكر بن عبد مناة بن كنانة دهرا طويلا، وأدرك الإسلام فأسلم، وأسلم ابن له، يقال له " كلاب " وهاجر إلى
стр. 106
المدينة، فخرج في لعث إلى العراق.
فلما بلغ ذلك أباه أمية أنشأ يقول:
لمن شيخان قد نشدا كلابا … كتاب الله لو ذكر الكتابا
أناشده ويعرض إلى إباء … فلا وأبي كلاب ما أَصابا
إِذا هتفت حمامة بطن وجٍ … إلى بيضاتها ذكرا كلابا
أَتاه مهاجران تكنَّفاه … بترك كبيرة خطئا وخابا
تركت أباك مرعشة يداه … وأُمَّك ما تسيغ لها شرابا
تُمسِّح مهده شفقا عليه … وتجنبه أَباعرنا الضَّعابا
فإنَّك وابتغاء الأجر بعدي … كباغي الماء يتَّبع السَّرايا
قال ومربَّعة كلاب منسوبة إليه، كان نزلها حين قدم البصرة.
وقال أيضا أمية:
أَعاذل قد عذلت بغير علم … وما يدريك ويحك ما ألاقي
فإمَّا كنت عاذلتني فردِّى … كلابا إِذ توجَّه للعراق
سأَستدعي على الفاروق ربا … له، رفع الحجيج إلى بساق
إِن الفاروق لم يردد كلابا … على شيخين هامُهما زواق
فلو فلق الفؤاد حماط وجد … لهمَّ سواد قلبي بانفلاق
فلما بلغ عمر كبره وشوقه كتب إلى سعد بن أبي وقاص بالكوفة، يأمره بإقفال كلاب بن أُميّة إليه بالمدينة.
فلما قدم عليه قال لأبيه أميَّة: أي شيء أحب إليك؟ قال: النظر إلى ابني كلاب.
стр. 107
فدعاه.
فلما رآه قام إليه فاعتنقه، وبكى بكاء شديدا، وبكى عمر رقة لها؛ ثم قال: " يا كلابُ، الزم أباك وأمك، ولا تؤثرون عليهما شيئا ما بقيا.
قالوا: وعاش قس بن ساعدة بن حذافة بن زفر، وقيل حذافة بن زهر بن إياد بن نزار ثلاثمائة وثمانين سنة، وقد أدرك نبيَّنا ﵇، وسمع النبي صلى اله عليه وسلم حكمته؛ وهو أول من آمن بالبعث من أهل الجاهلية، وأول من توكَّأَ على عصا، وأول من قال، أما بعد؛ وكان من حكماء العرب.
وهو أول من كتب من فلان إلى فلان، وأول من قال في كتابه، أما بعد. زعمت العرب أنه سبط من أَسباطها.
وأَحكم من قُسَ وأَجرأَ ملَّذى … بذي الغيل من خفَّان أَصبح حاردا
وقال الحطيئة:
وأَقول من قسّ إِذا مضى … من الرمح إِن مسَّ النُّفوس نكالها
стр. 108
وقسّ الذي يقول:
هل الغيث معطى الأمن عند نزوله … بحال مسيء في الأمور ومحسن
وما قد تولَّى فهو قد فات ذاهبا … فهل ينفعنِّي ليتني ولو أنَّني
قال أبو حاتم: وذكروا أن وفد بكر بن وائل قدموا على النبي ﷺ ، فقال: - هل فيم أحد من قالوا: نعم.
قال: هل لكم علم بقسّ بن ساعدة؟ قالوا: مات يا رسول الله.
فقال رسول الله ﷺ ، كأني أنظر إليه بسوق عكاظ يخطب الناس على جمل أحمر، وهو يقول " يا أيها الناس، اجتمعوا واسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكلّ ما هو آت آت؛ ثم قال، أَما بعد، فإن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا، نجوم تغور، وبحار تمور ولا تغور، وسقف مرفوع، ومهاد موضوع، أقسم قسّ قسما بالله وما أَثم، لتطلبنّ من الأمر شحطا، ولئن كان بعض الأمر رضى إن الله في بعضه سخطا، وما بهذا لعبا، وإن من وراء هذا عجبا، أقسم قسّ قسما بالله وما أَثم، إن الله دينا هو أَرضى من دين نحن عليه، ما بال الناس يذهبون فلا يرجعون، أَنعموا فأقاموا، أو تركوا فناموا ".
وقال رسول الله ﷺ أيضا: وسمعته لفظ بشعر ولساني لا ينطلق به.
فقال بعضهم: أنا أحفظ يا رسول الله، فهل ترى عليَّ فيه شيئا؟ قال: لا، الشعر كلام، فحسنه حسن، وقبيحه قبيح، فهاته.
стр. 109
وذكروا أنه ابن عباس، فقال وهو يومئذ غلام لم يبلغ، فأنشده:
في الذَّاهبين الأوَّلي … ن من القرون لنا بصائر
لمَّا رأيت مواردا … للموت، ليس لها مصادر
ررورأيت قومي نحوها … يمضي الأصاغر والأكابر
لا يرجع الماضي ولا … ينجو من الباقين غابر
أيقنت أنِّي لا محا … لة حيث صار القوم صائر
قال أبو حاتم، وذكروا أن قوما من إياد قدموا على رسول الله ﷺ فسألهم عن حكمة قسّ فأخبروه، وكان أحسن أهل زمانه موعظة، وأنشدوه قوله:
يا ناعي الموت والأموات في جدث … عليهم من بقايا بزِّهم خرق
دعهم، فإنَّ لهم يوما يصلح بهم … كما ينبَّه منّ نوماته الصَّعق
حتَّى يجيء بحال غير حالهم … خلق مضوا ثمَّ ماذا بعد ذاك لقوا
منهم عراة وموتى في ثيابهم … منها الجديد ومنها الأوراق الخلق
قال أبو حاتم، وذكر حزم بن أبي راشد قال، أملي علىّ رجل من أهل خراسان من مواعظ قسّ: " مطر ونبات، وآباء وأمَّهات، وذاهب وآت في أوانات، وأموات بعد أموات، وضوء وظلام، وليال وأيام، وغنيٌّ وفقير، وشقيٌّ وسعيد، ومسيءٌ ومحسّن، أين الأرباب العملة " أو قال الفعلة "، إن لكل عامل عمله، كّلا، بل هو الله إله واحد، ليس بمولود ولا والد، أعاد وأبدي، وإليه المعاذُ غدا، أما بعد، يا معشر إياد، فأين ثمود وعاد، وأين الآباء والأجداد، وأين الحسن الذي لم يشكر، والظلم الذي لم ينتقم؟ " أو قال: لم ينكر "، كلا وربّ الكعبة ليعودنَّ ما باد، ولئن ذهب يوما ليعودنّ يوما ".
стр. 110
قالوا: وعاش عوَّام " أو عرّام " بن المنذر بن زبيد بن قيس بن حارثة بن لأم، وأدخل على عمر بن عبد العزيز - رحمة الله - ليزمَّن " أي يكتب في الزَّمني ".
قالوا: وكان عمّر في الجاهلية دهرا طويلا.
فقال له عمر: ما زمانتك هذه؟ فقال فيما زعم ابن الكلبي، أخبرني رجل من بني قيس بن حارثة أنه قال لعمر ابن عبد العزيز:
ووالله ما أدري أأدركت أمَّة … على عهد ذي القرنين أم كنت أقدما
متى تنزعا عنِّي القميص تبيَّنا … جآجئ لم يكسين لحما ولا دما
قالوا: وعاش أنس بن نواس بن مالك بن حبيش، ويقال خنيس، بن ربيعة الجسريّ، من جسر محارب دهرا، ونبتت أسنانه بعدما سقطت؛ فقال:
أصبحت من بعد البزول رباعيا … وكيف الرَّباعي بعد ما شقَّ بازله
ويوشك أن يلقي ثنيَّا وإن يعد … إلى جذع تثل أخاكم ثواكله
إذا ما اتَّغرنا مرَّتين تقطَّعت … حبال الصِّبا وانبتَّ منَّا وسائله
قالوا: وعاش ثعلبة بن كعب بن زيد بن عبد الأشهل الأوسيّ فيما ذكر ابن الكلبيّ، عن عبد الحميد بن أبي عبس الأنصاري، عن أشياخ قومه ثلاثمائة سنة، وقال غيرهم، مائتي سنة.
следующие страницы →