Полный текст (186 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
المدينة، فخرج في لعث إلى العراق.
فلما بلغ ذلك أباه أمية أنشأ يقول:
لمن شيخان قد نشدا كلابا … كتاب الله لو ذكر الكتابا
أناشده ويعرض إلى إباء … فلا وأبي كلاب ما أَصابا
إِذا هتفت حمامة بطن وجٍ … إلى بيضاتها ذكرا كلابا
أَتاه مهاجران تكنَّفاه … بترك كبيرة خطئا وخابا
تركت أباك مرعشة يداه … وأُمَّك ما تسيغ لها شرابا
تُمسِّح مهده شفقا عليه … وتجنبه أَباعرنا الضَّعابا
فإنَّك وابتغاء الأجر بعدي … كباغي الماء يتَّبع السَّرايا
قال ومربَّعة كلاب منسوبة إليه، كان نزلها حين قدم البصرة.
وقال أيضا أمية:
أَعاذل قد عذلت بغير علم … وما يدريك ويحك ما ألاقي
فإمَّا كنت عاذلتني فردِّى … كلابا إِذ توجَّه للعراق
سأَستدعي على الفاروق ربا … له، رفع الحجيج إلى بساق
إِن الفاروق لم يردد كلابا … على شيخين هامُهما زواق
فلو فلق الفؤاد حماط وجد … لهمَّ سواد قلبي بانفلاق
فلما بلغ عمر كبره وشوقه كتب إلى سعد بن أبي وقاص بالكوفة، يأمره بإقفال كلاب بن أُميّة إليه بالمدينة.
فلما قدم عليه قال لأبيه أميَّة: أي شيء أحب إليك؟ قال: النظر إلى ابني كلاب.
стр. 107
فدعاه.
فلما رآه قام إليه فاعتنقه، وبكى بكاء شديدا، وبكى عمر رقة لها؛ ثم قال: " يا كلابُ، الزم أباك وأمك، ولا تؤثرون عليهما شيئا ما بقيا.
قالوا: وعاش قس بن ساعدة بن حذافة بن زفر، وقيل حذافة بن زهر بن إياد بن نزار ثلاثمائة وثمانين سنة، وقد أدرك نبيَّنا ﵇، وسمع النبي صلى اله عليه وسلم حكمته؛ وهو أول من آمن بالبعث من أهل الجاهلية، وأول من توكَّأَ على عصا، وأول من قال، أما بعد؛ وكان من حكماء العرب.
وهو أول من كتب من فلان إلى فلان، وأول من قال في كتابه، أما بعد. زعمت العرب أنه سبط من أَسباطها.
وأَحكم من قُسَ وأَجرأَ ملَّذى … بذي الغيل من خفَّان أَصبح حاردا
وقال الحطيئة:
وأَقول من قسّ إِذا مضى … من الرمح إِن مسَّ النُّفوس نكالها
стр. 108
وقسّ الذي يقول:
هل الغيث معطى الأمن عند نزوله … بحال مسيء في الأمور ومحسن
وما قد تولَّى فهو قد فات ذاهبا … فهل ينفعنِّي ليتني ولو أنَّني
قال أبو حاتم: وذكروا أن وفد بكر بن وائل قدموا على النبي ﷺ ، فقال: - هل فيم أحد من قالوا: نعم.
قال: هل لكم علم بقسّ بن ساعدة؟ قالوا: مات يا رسول الله.
فقال رسول الله ﷺ ، كأني أنظر إليه بسوق عكاظ يخطب الناس على جمل أحمر، وهو يقول " يا أيها الناس، اجتمعوا واسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكلّ ما هو آت آت؛ ثم قال، أَما بعد، فإن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا، نجوم تغور، وبحار تمور ولا تغور، وسقف مرفوع، ومهاد موضوع، أقسم قسّ قسما بالله وما أَثم، لتطلبنّ من الأمر شحطا، ولئن كان بعض الأمر رضى إن الله في بعضه سخطا، وما بهذا لعبا، وإن من وراء هذا عجبا، أقسم قسّ قسما بالله وما أَثم، إن الله دينا هو أَرضى من دين نحن عليه، ما بال الناس يذهبون فلا يرجعون، أَنعموا فأقاموا، أو تركوا فناموا ".
وقال رسول الله ﷺ أيضا: وسمعته لفظ بشعر ولساني لا ينطلق به.
فقال بعضهم: أنا أحفظ يا رسول الله، فهل ترى عليَّ فيه شيئا؟ قال: لا، الشعر كلام، فحسنه حسن، وقبيحه قبيح، فهاته.
стр. 109
وذكروا أنه ابن عباس، فقال وهو يومئذ غلام لم يبلغ، فأنشده:
في الذَّاهبين الأوَّلي … ن من القرون لنا بصائر
لمَّا رأيت مواردا … للموت، ليس لها مصادر
ررورأيت قومي نحوها … يمضي الأصاغر والأكابر
لا يرجع الماضي ولا … ينجو من الباقين غابر
أيقنت أنِّي لا محا … لة حيث صار القوم صائر
قال أبو حاتم، وذكروا أن قوما من إياد قدموا على رسول الله ﷺ فسألهم عن حكمة قسّ فأخبروه، وكان أحسن أهل زمانه موعظة، وأنشدوه قوله:
يا ناعي الموت والأموات في جدث … عليهم من بقايا بزِّهم خرق
دعهم، فإنَّ لهم يوما يصلح بهم … كما ينبَّه منّ نوماته الصَّعق
حتَّى يجيء بحال غير حالهم … خلق مضوا ثمَّ ماذا بعد ذاك لقوا
منهم عراة وموتى في ثيابهم … منها الجديد ومنها الأوراق الخلق
قال أبو حاتم، وذكر حزم بن أبي راشد قال، أملي علىّ رجل من أهل خراسان من مواعظ قسّ: " مطر ونبات، وآباء وأمَّهات، وذاهب وآت في أوانات، وأموات بعد أموات، وضوء وظلام، وليال وأيام، وغنيٌّ وفقير، وشقيٌّ وسعيد، ومسيءٌ ومحسّن، أين الأرباب العملة " أو قال الفعلة "، إن لكل عامل عمله، كّلا، بل هو الله إله واحد، ليس بمولود ولا والد، أعاد وأبدي، وإليه المعاذُ غدا، أما بعد، يا معشر إياد، فأين ثمود وعاد، وأين الآباء والأجداد، وأين الحسن الذي لم يشكر، والظلم الذي لم ينتقم؟ " أو قال: لم ينكر "، كلا وربّ الكعبة ليعودنَّ ما باد، ولئن ذهب يوما ليعودنّ يوما ".
стр. 110
قالوا: وعاش عوَّام " أو عرّام " بن المنذر بن زبيد بن قيس بن حارثة بن لأم، وأدخل على عمر بن عبد العزيز - رحمة الله - ليزمَّن " أي يكتب في الزَّمني ".
قالوا: وكان عمّر في الجاهلية دهرا طويلا.
فقال له عمر: ما زمانتك هذه؟ فقال فيما زعم ابن الكلبي، أخبرني رجل من بني قيس بن حارثة أنه قال لعمر ابن عبد العزيز:
ووالله ما أدري أأدركت أمَّة … على عهد ذي القرنين أم كنت أقدما
متى تنزعا عنِّي القميص تبيَّنا … جآجئ لم يكسين لحما ولا دما
قالوا: وعاش أنس بن نواس بن مالك بن حبيش، ويقال خنيس، بن ربيعة الجسريّ، من جسر محارب دهرا، ونبتت أسنانه بعدما سقطت؛ فقال:
أصبحت من بعد البزول رباعيا … وكيف الرَّباعي بعد ما شقَّ بازله
ويوشك أن يلقي ثنيَّا وإن يعد … إلى جذع تثل أخاكم ثواكله
إذا ما اتَّغرنا مرَّتين تقطَّعت … حبال الصِّبا وانبتَّ منَّا وسائله
قالوا: وعاش ثعلبة بن كعب بن زيد بن عبد الأشهل الأوسيّ فيما ذكر ابن الكلبيّ، عن عبد الحميد بن أبي عبس الأنصاري، عن أشياخ قومه ثلاثمائة سنة، وقال غيرهم، مائتي سنة.
стр. 111
وقال ثعلبة:
لقد صاحبت أقواما فأضحوا … خفاتا ما يجاب لهم دعاءُ
وقوما بعدهم قد نادموني … فأضحى مقفرا منهم قباءُ
مضوا قصد السَّبيل وخلَّفوني … فطال عليَّ بعدهم الثَّواء
فأصبحت الغداة رهين بيتي … وأخلفني من الموت الرَّجاء
قال أبو حاتم، وقال هشام، كانت اليهود تسمّى قباء قباذ بالذَّال، فسمّتها الأنصار قباء.
قالوا: وعاش طيء بن أُدد خمسمائة سنة، وذكر هشام أنه سمع أشياخا من طيء يذرون ذلك، وأنه حمل من جبلة باليمن، وكان يقال له " ظريب " إلى جبلى طيِّء، فنسبا إليه، وأقام بهما حينا، وقتل العاديّ الذي كان بالجبلين.
وقال طيء في ذلك:
اجعل ظريبا كحبيب ينسى … لكل قوم مصبح وممسي
وأقام بالجبلين حتى دفن بهما.
وقال فيما سمعت من أشياخهم:
إِنَّا من الحيَّ اليما نينا … إِن كنت عن ذلك تسألينا
فقد ثوينا بظريب حينا … ثمَّ تفرَّقنا مباغضينا
لنيَّة كانت لنا شطونا … إِذ سامنا الضَّيم بنو أَبينا
قالوا: وعاش يزيد بن جبر بن حرثان بن جزء بن كعب بن الحارث بن معاوية ابن وائل بن مرّان بن جعفيّ خمسين ومائة سنة؛ وهو القائل:
стр. 112
إِمَّا تريني قد بليت وغاضني … زمان، فقد أَودى أَخو الجود حُرثان
وأَودى أَبو جزء وعمرو كلاهما … وعبد يغوث قبل ذاك ومرَّان
وأَودى بشيخي ذي المهابة جابر … ونال نذيرا وسط أَركاح غُمدان
غمدان قصر باليمن قال الأصمعيّ: ويقال لفلان ساحة يتركَّح فيها، ونذير ملك، وأَركاح أَفنيه، وفاد فلان هلك.
فهل أَنا إِلاَّ مثل من فاد فاعلمي … ولا تجزعي كلُّ امرئ مرَّة فإني
فلو أَنّ حيا سالم من سهامه … لعاش الألى سمَّيت ما عاش إِنسان
قالوا: وعاش هاجر بن عبد العزّى الخزاعيّ دهر فيما ذكر ابن الكلبي عن أبي السائب المخزومي قال، حدثني به طلحة بن عبيد الله بن كريز الخزاعيّ، قال غيره، هو عميرة بن هاجر بن عمير بن عبد العزَّى بن قمير الخزاعي، وهو جد عبد الله ابن مالك بن الهيثم بن عوف بن وهب بن عميرة بن هاجر بن عمير بن عبد العزَّى بن قمير الخزاعي عاش سبعين ومائة سنة.
وقال:
بليت وأَقناني الزَّمان وأَصبحت … هنيدة فقد أَنضيت من بعدها عشرا
وأَصبحت مثل الفرخ لا أَنا ميتِّ … فأُسلى ولا حيَّ فأُصدر لي أَمرا
وقد كنت دهرا أَهزم الجيش واحدا … وأُطى، فلا منا عطائي ولا نزرا
وقد عشت دهرا لا تجنُّ عشيرتي … لها ميِّتا حتَّى أَخطَّ له قرا
قالوا: وعاش جليلة بن كعب بن الحارث بن معاوية بن وائل بن مرّان بن جعفيّ تسعين ومائة سنة فيما ذكر ابن الكلبي عن الوليد بن عبد الله الجعفيّ.
стр. 113
وقال:
وإِنَّ امرأ قد عاش تسعين حجَّة … إِلى مائة يرجو الفلاح لجاهل
يوَملُ أَن يبقى وقد مات ذو النَّدى … أَبوك وأَودى ذو الحمالة وائل
وجار الصَّفا والأرقمان كلاهما … فكيف ترجِّى الخُلد أُمُّك هابل
فلا ترج عمرا بعد من قال إِنَّما … بقاؤك في الدُّنيا ليال قلائل
قالوا: وعاش كعب بن رداة النخعيّ فيما ذكر ابن الكلبيّ عن بعض النخعّيين ثلاثمائة سنة وقال:
لقد ملَّني الأَدنى وأَبغض رؤيتي … وأَنبأني أَلاَّ بحلّ كلامي
على الراحتين مرَّة وعلى العصا … أَنؤ ثلاثا بعدهنَّ قيامى
فيا ليتني قد سخت في الأرض قامة … وليت طعامي كان فيه حمامي
قالوا: وعاش عبد يغوث بن كعب بن الرَّداة بن ذهل بن كعب بن قعين بن مالك بن النَّخع بن عمرو بن علَّة بن جلد بن مالك بن أدد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ سبعين ومائة سنة.
وقال في ذلك:
بليت وقد كنت دهرا جديدا … وقد عشت دهرا أَبيَّا جليدا
أَبعد ثمانين أَنضيتها … وتسعين يا سلم أَرجو الخلودا
ومات أَبي وأَبو والدي … وذهل فأَصبحت منهم وحيدا
стр. 114
قالوا: وعاش رجل من أسلم، وبقال هو أَوس بن ربيعة بن كعب بن أُمية الأسلميّ مائتي سنة وأربع عشر سنة.
وقال في ذلك:
لقد خلِّفت حتَّى ملَّ أَهلي … ثوائي فيهم، وسئمت عمري
وحقّض لمن أتت مائتين عام … عليه وأَربع من بعد عشر
يملُّ من الثَّواء وصبح يوم … يغاديه، وليل بعد يسرى
فأَبلى جدَّتي وبقيت شلوا … وباح بما أُجنُّ ضمير صدري
قالوا: وعاش حارثة بن عبيد الكلبيّ، ومن ولده بطون، منظور، ومنصور ابن جمهور من بني حارثة، وأدرك الإسلام، وقد حجب دهرا طويلا.
قال أبو حاتم، قال هشام، وكذا كانت العرب تفعل بالكبير منهم تحجبُه قال هشام: وقال لي شملة بن مغيث، رجل من ولده، قال، أظنه عاش خمسمائة سنة، قال، وأنشدني شملة له:
أَلا ليتني أَنضيت عمري … وهل يجدى عليَّ اليوم ليتى
стр. 115
حنتني حانيات الدَّهر حتَّى … بقيت رذيَّة في قعر بيتي
تأَذى بي الأقارب إِذ رأَوني … بقيت، وأَين منِّي اليوم موتي
قالوا: وعاش حاثة بن مرّة بن حارثة بن عبد رضا بن جبيل الكلبي خمسين ومائة سنة، وأصابهم سنة أَجحفت بأموالهم فقال: لم يدع الدَّهر لنا ذخيرة ولم يدع شحما ولا مريرة ولا لنا حام ولا بحيرة وشيَّب العارض والغديرة فصرت كالنَّسر على الجذيرة براضة من عمر يسيرة الجديرة اصل حائط أو بناء، وجذر كل شيء أصله، براضة بقيَّة، ويقال تبرَّضت الماء وغيره إذا أخذت بقيَّة.
قالوا: وعاش المجاج بن خالد بن الحارث بن قيس بن نصر بن عائذة ابن ذهل بن مالك بن سعد بن ضبّة حتى هرم، وملّ من الحياة.
وزعموا أنه قال:
لقد طوَّفت في الآفاق حتَّى … بليت وقد أَنى لي لو أَبيد
وأَفناني وما يفنى نهار … وليل كلَّما يمضي يعود
وشهر مستهل بعد شهر … وحول بعده حول جديد
ومفقود عزيز الفقد تأتى … منيَّة ومأمول وليد
стр. 116
قالوا: وعاش القدار العنزي مائتي سنة فيما ذكر ابن الكلبي عن خراش، قال، حدَّثني به قوم من عنزة، وقال:
رُبَّ حيَّ رأَيتهم ورأَوني … ثم قالوا، متى يموت قدار
رُبَّ نهب حويته ملث اللَّيل … ظلاما تزينه الأبكار
وجياد كأنَّها قضب الثَّوحط … تزجى اَمامهنَّ العشار
رذاك دهر افنيته وتعرتني ليال ينضينني ونهار قالوا: وعاش ربيعة بن عبد الله البجلي تسعين ومائة سنة.
قال أبو حاتم، قال ابن الكلبيّ حدثني به عُليل بن مجمدّ البجليّ، وقال:
أميم أُميم قد أَودى شبابي … وأَخلفني البطالة والتَّصابي
وقد ذهب الّذين ولدت فيهم … وقد رحلت لشَّقيتهم ركابي
وسلهبة وهبت لغير صهر … فلم أَبكر أُميم على الثَّواب
قالوا: وعاش الحارث بن حبيب الباهلي من بني أَود بن معن ستين ومائة سنة فيما ذكر هشام عن طارق بن حمزة الغنويّ عن رجل من باهلة، كان عالما.
وقال الحارث:
كم من أسير تائه فديتُهُ … ومن كميّ مُعلم أَرديته
ومسرع بسروه جازيته … ومبطئ برفده كفيته
ومسرع يسروه جازيته … ومبطئ برفده كفيته
ومعلن بضغنه كويتُهُ … لو كان يشري الموت لاشتريته
стр. 117
وقال الحارث:
أَلا هل باب يشترى برغيب … يدلُّ عليه الحارث بن حبيب
فمن لا سواد الرأس بعد ابيضاضه … ومن لقوام الصلب بعد دبيب
قالوا: وعاش حامل بن حارثة بن عمرو بن مالك بن عكوة ثلاثين ومائتي سنة، قال، حدثنا شيخ من بني عكوة من طيء، وكان حامل يرحل إلى الملوك في قومه، فقال حين بلغ ثمانين ومائة سنة:
أَلا ليتني لم أَغن في النَّاس ساعة … ولم أَلق أَيَّاما تشيب الحزوَّرا
أَبعدَ الألى من آل عكوة قدِّموا … كراما وأَبحت الغداة مؤخَّرا
أُرجى خلودا بعد تسعين حجَّة … تسعين أخرى، لا سقيت الكنهورا
الكنهور سحابة.
قالوا، وعاش عمرو بن مسبِّح الطائي، ثم أحد بني معن فيما زعموا حتى أدرك النبي ﷺ ، وهو ابن خمسين ومائة سنة، وله يقول امرؤ القيس:
رُبَّ رام من بني ثعل … متلج كفَّيه " من " قتره
ومات في زمن عثمان بن عفان ﵁، وهو القائل:
لقد عمِّرت حتَّى شقَّ عمري … على عُمرِ ابن عكوة وابن وهب
وعُمرِ الحنظليّ وعُمرِ سيف … وَعُمرِ الرَّداة قريع كعب
قالوا: وعاش عبّاد بن سعيد بن أحمر بن ثور بن خداش بن السَّكسك ابن أَشرس بن كندة ثلاثمائة ستة فيما زعم ابن الكلبيّ عن فروة بن سعيد الكنديّ.
стр. 118
وقال:
بليتُ وأَفنتني السنون وأَصبحت … لداتي نجوم اللّيل والقمر والبدر
ثلاث مئين قد مررن كواملا … فيا ليتني ثور لما صنع الدَّهرُ
قالوا: وعاش عوف بن الأَردم بن غالب دهرا طويلا، ثم أدرك الفجار وبعد ذلك، فيما زعم معروف بن الخرَّبوذ، وقال:
أَودى الشَّباب، وحبُّ الطَّلَّة الخبله … وقد برئت فما في الصدر من قلبه
وقد تفلَّل أَنيابي وأَدركني … قرن على شديد فاحش الغلبة
وقد رماني بركن لا كفاء له … في المنكبين وفي الرجلين والرَّقبة
قال أبو حاتم، هذا الشعر للنَّمر بن تولب، أنشدنا الأصمعي: أَودى الشَّباب وحبُّ الخالة الخبله والخالة قوم ذوو خيلاء، قال الأصمعي:
وقد رمى بسراه اليوم معتمدا … في المنكبين وفي الساقين والرَّقبة
السرى جمع سروة، وهو سهم صغير.
قالوا: وعاش الحارث بن التَّوأَم اليشكريّ دهرا في الجاهلية، ثم أدرك الإسلام ولا يعقل، فقال فيما زعم الكلبيّ عن خراش:
стр. 119
زعمت تمامة أَنِّى قد سؤتُها … ولقد أَنى لي أَن أَسوء وأَكبرا
إنَّ الكبير إذا يشاف رأيته … مقرنشعا، وإذا يُهان استزمَرا
وإذا ترحَّل في الرَّعيَّة خلته … كسلا، وعزَّ عليه أَن يتعذَّرا
وإذا تراءى القوم شخصا خاله … شخصين، ثمَّت لم يكن هو أَبصرا
ولقد رأَيت أباك وهو وليُّه … وأَباه شيخا من بنانه أَعسرا
يدعوا ببرد الماء وهو قصاره … فإذا سقوه الماء مجَّ وغرعرا
قال: رأى أباها وهو صغير، ثم عُمرّ بعد، وقوله يشاف يُزيَّنُ، مُقرنشع نشيط حسن الهيئة، وإذا يهان استزمر أي قبّض، والزمر الشعر القليل.
قالوا: وعاش الجرنفش بن عبدة الطائي ثلاثين ومائة سنة، وقال:
إما تريني لا أُعين على النَّدى … ولا أَنصر المولى كما كنت أَفعلُ
وأَصبحت أَعمى قاعدا متوكلا … على الله، إنَّ المؤمن المتوكلُ
فحقُّ امرئ قد سار حتَّى تخرمَّت … هنيدة حقَّا أَن ينبخ بمنزل
قالوا: وعاش سعنة بن سلامة بن الحارث بن امرئ القيس بن زهير بن جناب حتى كبر واختلط عقله، فترك الغزو بهم، وكان يظعن معه قومه إذا ظعن، ويقيمون إذا أقام.
فقال يذكر ما كان يصنع قومه:
стр. 120
قد عمرت زمانا ما يخالفني … قومي، إذا قلت جدُّوا سيركم ساروا
وإن أَردتُ مقاما قال قائلهم … يا سعنة الخير قد قرَّت بنا الدَّار
فإن بليت لقد طالت سلامتنا … والدَّهر قدما له صرف وإصرار
قالوا: وعاش سنان بن وهب بن تيم الأردم بن غالب بن فهر دهرا طويلا فيما ذكروا عن معروف بن الخَّربوذ، وأنشأ يقول:
لقد عمِّرت حتَّى صرت كَّلا … مقيما لا أَحُلُّ ولا أسيرا
وكيف بمن أَتت مائتان عام … عليه أَن يكون له نكير
فإن يكن الشَّباب مضى حميدا … وشيَّب لَّمتي الدَّهر الختور
عَمرتُ ببلدح عُمرا طويلا … وليس ببلدح إلا الصخورُ
تأَذى بي الأقارب بعد أنس … كأَنِّي فيهم فرخ شجير
فلم أَكُ نأنأ أُمَّ عَمرو … إِذا نزلت بساحتي الأمور
قالوا: وعاش المجزم بن بكر بن عمرو بن عباد بن الارث بن سامة بن لؤي دهرا طويلا، وكان من دعاميص العرب، أي يهتدي للأمور الخفية الدقيقة ويحتال لها.
وقال باعث بن حويص بن زيد بن عمرو الطائيّ:
أَلا ليتني عُمرتُ يا أُمَّ حشرجكعمرِ أَخي نجران أَو عُمرِ مجزمِ
стр. 121
لقد عُمِّرا دهريهما في ربيلةوفي ظل عيش من لبوس ومطعم
وأَفناهما دهر طويل فأَصبحنا … أَحاديث طسم أَو أَحاديث جُرهُم
حدثنا أبو حاتم قال، وذكر الكلبي عن رجل من قريش قال، كان رجل من بني عذرة قد طال عمره حتى كبر ابن ابن له، وكان عالما بقومه، وكان يُغشى للطعام والعلم؛ فشكا الدهر وتصرفه.
فقال له ابن ابنته: كم أتى لك يا جد؟ قال: لا أَحقُّ ذلك يا بني، ولكني عققت عن أبيك وأنا ابن ثلاث وتسعين، وعاش أبوك خمسا وثمانين، وقد مات منذ ثمانين.
فقال: لقد شكوت الدهر وما كان ينبغي لك أن تشكوه وقد بلغت هذا السن.
وأنشأ ابن ابنته يقول:
إن تكُ قد بليت فبعد قوم … طوال العمر قد بادوا يقينا
فزادك في حياتك لا تضعه … كأنَّك عند موتك قد أُتينا
فإنَّك إذا خلقت عبدا … إلى أَجل تجيب إذا دُعيتا
مقدَّرة بعيشتك الليالي … إذا وفِّيت عدَّتها فنيتا
كأَنَّك والخطوب لها سهام … مقدَّرة بسهمك قد رميتا
أخبرنا أبو روق أحمد بن محمد بن بكر الهزَّاني قال، أخبرنا أبو حاتم قال، قال هشام، حدثنا بكار بن نافع اللؤلؤيّ قال، قال نصر بن الحجاج بن علاط السُّلميّ لمعاوية بن أبي سفيان ﵁:
إذا مت مات الجود وانقطع النَّدى … من النَّاس إلا من قليل مصرَّدِ
وجفت أكف السائلين وأَمسكوا … من الدِّنِ والدنيا بخلف مجدَّدِ
فلما سمع معاوية الشعر قال لابنه قرظة، وهي تبكي، اسمعي إلى مرثيتي وأنا حيّ
стр. 122
قالوا: وعاش صَرم، ويقال صَومُ، بن مالك الحضرميّ قريبا من مائتي سنة فيما ذكروا عن سعيد بن عبد الجبار بن وائل الحضرمي.
وقال:
إن أَمسِ كلاَّ لا أُطاع فربما … سُقت الكتائب مشرقا أَو مغربا
ولرُبَّ كبش كتيبة لا قيته … فطعنته حتَّى أُوارى الثَّعلبا
أَجرزته رمحي فخرَّ لوجهه … ما إن يجيب إذا دعا المستصحبا
في فتية من حضرموت أَعزَّة … لا ينكلون إذا المنادي ثوِّبا
قال أبو حاتم، قال خالد بن سعيد عن أبيه قال، دخل أَدهم بن محرز الباهليّ أبو مالك بن أدهم على عبد الملك ورأسه كالثَّغامة، فقال، لو غيَّرت هذا الشَّيب.
فذهب فاختضب بسواد، ثم دخل عليه فقال: يا أمير المؤمنين، قد قلت بيتا لم أقل بيتا قبله، ولا أراني أقول بعده.
قال: هات.
فأنشأ يقول:
ولمَّا رأَيتُ الشيب شينا لأهله … تفتَّيتُ وابتعت الشَّباب بدرهم
قال أبو حاتم، وذكروا عن أبي مسكين قال: عُمِّر رجل من بليّ، يقال له النعمان، دهرا، فقال:
تهدَّلت العينان بعد طلاوة … وبعد رضى، فأحسب الشَّخص راكبا
стр. 123
وأبعد ما أنكرت كي أستبينه … فأعرفه وأنكر المتقاربا
حدثنا أبو حاتم قال، قال هشام وأخبرني غير واحد من تميم قالوا: كانت الإتاوة من مضر في الكبر والقعدد في النسب، فصارت إلى بني عمرو بن تميم، فزليها ربيعة بن عزيّ بن بزيّ الأسيديّ حتى جبي إتاوة مضر، فطال عمره، وهو أبو الحفّاد، وهو القائل: يا أبا الحفَّاد أفناك الكبر والإتاوة خراج كان عليهم.
قال: وقال أبو الحسن المدائني، أنشدني أبو الشَّمَّاخ بن الشِّمراخ الطائيّ:
ما بال شيخ قد تخدَّد لحمه … أبلي ثلاث عمائم ألوانا
سوداء داجية وسحق مفوِّف … وأجدَّ لونا بعد هجانا
ثمَّ الممات بعد ذلك كلِّه … وكأنَّما يعني بذاك سوانا
قال: وكانت العمامة تلبس أربعين سنة فكأنه عاش عشرين سنة ومائة سنة.
وقال آخرون: إنما عني أنه كان شابا، وذلك قوله سوداء داجية، ثم أخلس وابيض بعض رأسه ولحيته، وذلك قوله، وسحق مفوّف، ثم عاد رأسه كأنه ثغامة، فذلك قوله وأجدّ لونا بعد ذاك هجانا، والهجان البياض.
وزعم العمريّ عن عطا بن مصعب قال، حدثني عبيد بن أبان النُّميري قال، قدم فضالة بن زيد العدوانيّ على معاوية، فقال له معاوية: - كيف أنت والنِّساء يا فضالة؟
стр. 124
فقال: يا أمير المؤمنين،
لا باه لي إَّلا المنى وأخو المنى … جدير بأن يلحي ابن حرب ويشتما
"الرواية، ولا قمط لي، والقمط الجماع، ومن قال باه فقد أخطأ، لأن الباءة ممدودة، وهي تاء في الإدراج ".
وفيم تصابي الشَّيخ والدَّهر دائب … بمبراته يلحو عروقا وأعظما
رمتني صروف الدَّهر حتَّى تركننب … أجبَّ السَّنام بعدما كنت أيهما
فخلت سهول الأرض وعثا ووعثها … سهولا، وقد أجررت أن أتكلَّما
وكان سليطا مقولي متناذرا … شذاه، فصرت اليوم ملعيِّ أبكما
كذلك ريب الدَّهر يترك سهمه … أخا العزِّ والأدِّ الذَّليل المذمَّما
الأد الأيد ذو القوة " وملعيّ من العيّ ".
وحرب يحيد القوم عن لهباتها … شهدت، فكنت المستشار المقدَّما
توسَّطتها بالسَّيف إذ هاب حميها ال … كماة، فلم يغشوا من الحرب معظما
فلمَّا رأيت الموت ألقي بعاعه … عليَّ تعمَّدت امرءا كان معلما
فيمَّمت سيفي رأسه وتركته … يهرُّ عليه الذِّئب أفضح قشعما
نفدت فما لي حيلة غير أنَّني … أجود إذا سيل البخيل فهمهما
وأبذل عفوا ما ملكت تكرُّما … وأجبر في الَّلأواء كَّلا ومعدما
فقال له معاوية: كم أتت لك من سنة يا فضالة؟ قال: عشرون ومائة سنة.
стр. 125
قال: فأيّ الأشياء بك منذ كنت بها أسرَّ، وأي شيء بوقوعه كنت أشدُّ اكتئابا؟ قال: يا أمير المؤمنين، لم يقطع الظَّهر قطع الولد شيء، ولا دفع البلاء والمصائب مثل إفادة المال، والله يا أمير المؤمنين إن المال ليقع من القلب موقعا ما يقعه شيء، وإن الولد الصالح ليمثل منزلة المال، ولكن للمال فضيلة عليه، وإن كان طلب المال إنما يجمعه لولده، فإنه آثر عنده منه، لأنه قد يمنعه المال إذا طلبه منه، وإن كان يثّمره له فهو أحلى متاع الدنيا عند أهل الدنيا.
فقال معاوية: ليس كل أحد على رأيك، للمال حال، والولد حبَّة القلب ووتد النفس، وقطبة العيش، لا خير في المال لمن لا ولد له إلا أن يكون مالا ينفقه في سبيل الله.
فقال فضالة: يا أمير المؤمنين،
وما العيش إَّلا المال فاحفظ فضوله … ولا تهلكنه في الضَّلال فتندم
فإنِّي وجدت المال عزَّا إذا التقت … عليك ظلال الحرب ترهم بالدَّم
إذا جلَّ خطب صلت بالمال حيثما … توجَّهت من أرضي فصيح وأعجم
وهابك أقوام وإن لم تصبهم … بنفع، ومن يستغن يحمد ويكرم
وتعطي الَّذي يبغي وإن كان باخلا … بما في يديه من متاع ودرهم
وفي الفقر ذلُّ للرِّقاب وقلَّ ما … رأيت فقيرا غير نكس مذمَّم
يلام وإن كان الصَّواب بكفِّه … ويحمد آلاءُ البخيل المدرهم
كذلك هذا الدَّهر يرفع ذا الغنى … بلا كرم منه ولا بتحلُّم
ولكن بما حازت يداه من الغنى … يصير أميرا للَّئيم الملطَّم
стр. 126
فقال معاوية: قاتل الله أخا بني أسيِّد حين يقول:
بني أمِّ المال الكثير يرونه … وإن كان عبدا سيِّد الأمر جحفلا
وهم لمقلّ المال أولاد علَّة … وإن كان محضا في العمومة مخولا
حدثنا أبو حاتم قال: وذكر العمريّ قال، حدثني عطاء بن مصعب عن الزِّبرقان قال عطاء، سمعته أنا وخلف الأحمر منه، قال، دخل خنَّابة بن كعب العبشمي على معاوية حين أتَّسق له الأمر ببيعة يزيد ابنه، وقد أتت لخنَّابة يومئذ أربعون ومائة سنة.
فقال له معاوية: يا خنّابة، كيف نفسك اليوم؟
فقال: يا أمير المؤمنين، أمتعني الله بك.
عليَّ لسان صارم إنّ هززته … وركني صفيف والفؤاد موفَّر
كبرت وأفني الدَّهر حولي وقوَّتي … فلم يبق إَّلا منطق ليس يهذر
وبين الحشا قلب كميٌّ مهذَّب … متى ما يرى اليوم العشنزر يصبر
أهمُّ بأشياء كثير فتعتقي … مشيَّة نفس، إنَّها ليس تقدر
تلعَّبت الأيَّام بي فتركنني … أجبَّ السَّنام حائرا حين أنظر
أرى الشَّخص كالشَّخصين والشَّيخ مولع … بقول أرى والله ما ليس يبصر
وقال خنابة لابنيه حين كبر، وحالا بينه وبين ماله:
ما أنا إن أحسنتما بي وحلتما … عن العهد بالغرِّ الصَّغير فأخدع
стр. 127
جريت من الغايات تسعين حجَّة … وخمسين حتَّى قيل أنت المقزَّع
المقزَّع المسوّد.
حدثنا أبو حاتم قال، قال الكلبيّ أخبرنا كعب الأسديّ، وكان معنا بخراسان قال، خبّرنا مروان بن الحكم قال، أُتي كعب بن ربيعة في منامه، فقيل له، كبر سنُّك، ورقّ عظمك، وحضر أجلك، فقل لولدك فليتمنّوا، فإنهم سيعطون أمانيهم.
فجمعهم، فقال: فلكل امرئ منكم أمنيته.
فقال الحريش: أتمّنى النَّعظ.
قال: فهم أنكح بني عامر.
وقال لقشير: تمنَّه.
فقال: البقاء والجمال، فهم أجمل بني عامر، وأطولهم أعمارا، كان منهم ذو الرُّقيبة، كان في الجاهلية رجلا، ثم أدرك معاوية، ومعه ألف ظعينة، تقول هذه يا أبتاه، وهذه يا جدّاه، وهذه يا عمّاه؛ ومنهم حيدة أدرك الجاهلية، ثم أدرك بشر بن مروان، أو زمن أسد بن عبد الله بخراسان وهو عم ألف رجل وامرأة.
ثم قال لجعدة: تمنَّه.
فقال: اللبن والتَّمر، فهم أكثر بني عامر لبنا وتمرا.
ثم قال لعقيل: تمنَّه.
فقال: الإبل، فهم أكثر بني عامر لبنا وإبلا؛ ويقال، بل تمنَّى عقيل العدد والشِّدة، فليس في بني كعب بطن أشدّ ولا أعدّ من بني عقيل.
ثم قال لحبيب: تمنَّه.
قال: المحبّة من أخوتي، فكب بني كعب يتعطّف عليهم.
стр. 128
قالوا: وعاش أبو زبيد الطائي، وهو المنذر بن حرملة من بني حيّة خمسين ومائة سنة، وكان نصرانيا بالرقة فيما حدّث به الكلبيّ عن أبي محمد المرهبيّ، وكان يجعل له في كل أحد طعام كثير، ويهيَّأ له شراب كثير، ويذهب أصحابه يتفرّقون في البيعة، ويحملنه النساء فيضعنه في ذلك المجلس، فجعل له طعام في أحد من تلك الآحاد، وقدِّمت أباريقه وحملته النساء، فجاءه الموت، فقال:
إذا جعل المرءُ الَّذي كان حازما … يحلُّ به حلَّ الحوار ويحمل
فليس له في العيش خيرٌ يريده … وتكفينه ميتا أعفُّ وأجمل
أتاني رسولُ الموت يا مرحبا به … لآتيه وسوف والله أفعل
ثم مات، فجاءه أصحابه، فوجوده ميِّتا.
وعاش الأغلب العجليّ عمرا طويلا، وقال:
إنَّ اللَّيالي أسرعت في نقضي … أخذن بعضي وتركن بعضي
حنين طولي وحنين عرضي … أقعدنني من بعد طول نهضي
قالوا: وقال أبو عامر رجل من أهل المدينة عن رجل من أهل البصرة، قال أبو حاتم، وحدّث به أبو الجنيد الضرير عن أشياخه قال، قال معاوية، إني لأُحبّ أن ألقي رجلا قد أتت عليه سنّ وقد رأى الناس يخبرنا عما رأى.
فقال بعض جلسائه: ذاك رجل بحضرموت.
فأرسل إليه، فأتى به، فقال له: ما اسمك؟ قال: أمد.
стр. 129
قال: ابن من؟ قال: ابن أبد.
قال: ما أتى عليك من السنّ؟ قال: ستون وثلاثمائة سنة.
قال: كذبت.
قال: ثم إن معاوية تشاغل عنه، ثم أقبل عليه، فقال: - ما اسمك؟ قال: أمد.
قال: ابن من؟ قال: ابن أبد.
قال: كم أتى عليك من السنّ؟ قال: ثلاثمائة وستون.
قال: فأخبرنا عمّا رأيت من الأزمان، أين زماننا هذا من ذلك؟ قال: وكيف تسأل من تكذِّب؟ قال: إني ما كذَّبتك، ولكني أحببت أن أعلم كيف عقلك.
قال: يوم شبيه بيوم، وليلة شبيهة بليلة، يموت ميّت، ويولد مولود، فلولا من يموت لم تسعهم الأرض، ولولا من يولد لم يبق أحد على وجه الأرض.
قال: فأخبرني هل رأيت هاشما؟ قال: نعم، رأيته طُوالا، حسن الوجه، يقال، إن بين عينيه بركة أو غرَّة بركة.
قال: فهل رأيت أميَّة؟
قال: نعم، رأيته رجلا قصيرا أعمى، يقال إن في وجهه لشرَّا أو شؤماً.
قال: أفرأيت محمداً ﵇؟ قال: ومن محمد؟
стр. 130
قال: رسول الله ﷺ .
قال: ويحك، أفلا فخَّمت كما فخَّمه الله تعالى؟ فقلت رسول الله.
قال: فأخبرني، ما كانت صناعتك؟ قال: كنت رجلا تاجرا.
قال: فما بلغت تجارتك؟ قال: كنت لا أشتري عيبا، ولا أردّ ربحا.
قال معاوية: سلني.
قال: أسالك أن تدخلني الجنة.
قال، ليس ذاك بيدي، ولا أقدر عليه.
قال: لا أرى بيدك شيئا من أمر الدنيا ولا من أمر الآخرة، فردَّني من حيث جئت بي.
قال: أما هذه فنعم.
قال: ثم أقبل معاوية على أصحابه فقال: لقد أصبح هذا زاهداً فيما أنتم فيه راغبون.
قالوا: وعاش القلمَّس، وهو أمية بن عوف، دهرا طويلا، وهو من حكماء العرب، وكان جده الحارث بن كندة، وهو الذي يقوم بفناء البيت ويخطب العرب، وكانت العرب لا تصدر حتى يخطبها ويوصيها، فقال: " يا معشر العرب، أطيعوني ترشدوا ".
قالوا: وما ذاك؟ قال: " إنكم قوم تفرَّدتم بآلهة شّتى، وإني لأعلم ما الله بكل هذا براض، وإن كان ربَّ هذه الآلهة، إنه ليحبّ أن يعبد وحده ".
فنفرت العرب عنه ذلك العام، ولم يسمعوا له موعظة.
فلما حجّ من قابل اجتمعوا إليه، وهم مزورُّون عنه، فقال:
стр. 131
" مالكم أيها الناس كأنكم تخشون مثل مقالتي عاما أول، إني والله لو كان الله تعالى أمرني بما قلت لكم ما أعتبتكم ولا استعتبت، ولكنه رأى مني، فإذا أبيتم فأنتم أبصر، أوصيكم بخصلتين، الدّين والحسب، فأما الدين فلَّله، ومن أعطيتموه عهدا ففوا له، ومن أعطاكم عهدا فارعوا عهده حتى تردّوه إليه؛ فأما الحسب فبذل النَّوال ".
فلما حضرته الوفاة حضره أشراف قومه من كنانة، ومات بمكة، فقالوا: قل نسمع، ومرنا نطِع، وأوصنا نقبل، وزوِّدنا منك زاداً نذكرك.
فقال: " أوصيكم بأحسابكم فإنها مقدم وافدكم، وشرفكم في محافلكم، وكفاف وجوهكم، وعنى معدمكم؛ وأوصيكم بالسائل إن كان منكم أن يسأل غيركم؛ وإن كان من سواكم وتيمّمكم فلا تخطُّنَّه ما رجا فيكم، واستوصوا بذوي أسنانكم خيرا، أجملوا مخاطبتهم، وقدّموهم أمامكم، وزيِّنوا بهم مجالسكم، وأوصيكم ببيوت الشرف فيكم، أقيموا لهم شرفهم، ولا تنزعوا الرئاسة منهم حتى لا تجدوا لها منهم أهلا، وأوصيكم بالحرب، إن ظفرتم بقوم فابقوا فيهم، فإنه حسب لكم، ويد عند عدوِّكم، فإنّ من ظفرتم به فهو ظافر بكم لا بدّ، وهو عامل فيكم بما عملتم به فيه، فلا تقتلن أسيرا فإنه ذحل عندكم ومصيبة فيكم، وإنما هو مال من مالكم، وإن الأسراء تجارة من تجارات العرب فلا تسألنّ أسيركم فوق ما عنده فيموت في أيديكم، فلا يستأسر بعده أحدٌ بكم، وأكثروا العتاقة في أسراء العرب، ودعوا العرب ترجوكم وتستبقيكم.
وأوصيكم بالضيف، فإنّ كّلًا إذا قال لم يسمع منه حتى يقول الضيف، فلا يخرجنَّ من عندكم وهو يستطيع أن يقول فيكم، وأوصيكم بالجيران فأكرموهم، فلا تغشوا منازلهم، وليصحبهم ذوو أسنانكم، وامنعوا فتيانكم صحابتهم، وأوصيكم بالخفراء خيرا فلا تغرِّموهم في غرمكم، وأغرموا في غرمهم فإنّهم عدّة لكم، يعينونكم ما داموا فيكم، وينقصونكم إذا فارقوكم ويعينون عليكم
стр. 132
إذا خرجوا من عندكم، وأوصيكم بأياماكم خيرا، شدّوا حجبهن، وانكحوهن أكفاءهن، وأيسروا الصداق فيما بينكم، تنفق أياماكم ويكثر نسلكم، فإن نكحتم في العرب فاختاروا لكم ذوات العفاف والحسان أخلاقا، فإنكم لما يكون منهم أحمد من غيركم، وإنهم راءُون فيمن بقي من نسائكم مثل ما رأوا فيمن جاءهم منهنّ، وإذا نكحتم الغريبة " يعني المرأة من غيركم " فأعلوا صداقها، وتزوّجوا في أشراف القوام، ثم أكرموا مثوى صاحبتهم ما كانت فيكم، ولا تحرموها إذا انصرفت إلى قومها مالها، واصرفوها على أحسن حالاتها، لا تنقصوها من شيء يكون لها، فإن كريمة القوم إذا رجعت إليهم قليلا متاعها ظاهرة حاجتها غير راجعة فيكم غيرها.
وأوصيكم بالصِّلة، فإنها تديم الألفة وتسرّ الأسرة، وأحذِّركم القطيعة فإنها تورث الضغينة، وتفرِّق الجماعة، وإياكم والعجلة فإنها رأس السَّفه ".
قالوا: وعاش عمرو بن قمئة بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة ابن عكابة تسعين سنة، وقال:
يا لهف نفسي على الشَّباب ولم … أفقد به إذ فقدته أمما
قد كنت في منعة أسرُّ بها … أمنع ضيمي وأهبط العصما
وأسحب الرَّبط والبرود إلى … أدنى تجاري وأنفض اللِّمما
стр. 133
وقال حين مضت له تسعون حجّة، وهي قصيدة:
كأنِّي وقد جاوزت تسعين حجَّة … خلعت بها عني عذار لجامي
رمتني بنات الدَّهر من حيث لا أرى … فما بال من يرمي وليس برام
فلو أنَّها نبل إذن لاتقَّيتها … ولكنَّما أرمي بغير سهام
إذا ما رآني النَّاس قالوا ألم تكن … حديثا جديد البزِّ غير كهام
فأفنى وما أفنى من الدَّهر ليلة … ولم يغن ما أفنيت سلك نظام
على الرَّاحتين مرَّة وعلى العصا … أنوءُ ثلاثا بعدهنَّ قيامي
وأهلكني تأميل يوم وليلة … وتأميل عام بعد ذاك وعام
قالوا: وعاش ذو الإصبع العدوانيّ، وهو حرثان بن محرّث من عدوان ابن عمرو بن قيس بن عيلان ثلاثمائة سنة، وقال:
أصبحت شيخا أرى الشَّخصين أربعة … والشَّخص شخصين لمَّا مسَّني الكبر
لا أسمع الصَّوت حتَّى أستدير له … ليلا وإن هو ناغاني به القمر
стр. 134
وإنما قال ليلا لأن الأصوات هادئة، فإذا لم يسمع بالليل والأصوات ساكنة كان من أن يسمع بالنهار مع ضجَّة الناس ولغطهم أبعد.
стр. 135
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الوصايا
عن أبي حاتم (وأولى الوصايا)
أخبرنا أبو روق قال، قال أبو حاتم قالوا، وكان ملك من ملوك اليمن يقال له، الحارث بن عمرو الكندي، بلغه عن ابنه لعوف الكندي جمال وكمال، وهو الذي يقال له: لا أحد يشبه عوفا جمالا وكمالا؛ فبعث إلى امرأة من قومها، يقال لها عصام، فقال: إنه بلغني عن بنت عوف جمال وكمال، فاذهبي، فاعلمي لي علمها.
فانطلقت حتى دخلت على أمها، وهي أمامة بنت الحارث، فأخبرتها خبر ما جاءت له، وإذا أمها كأنها خاذل من الظباء، وحولها بنات لها، كأنهن شوادن الغزلان.
فأرسلت إلى ابنتها، فقالت: يا بنيّة، إن هذه خالتك، أتتك لتنظر إلى بعض شأنك، فاخرجي إليها، ولا تستتري عنها بسيئ، وناطقيها فيما استنطقك فيه.
فدخلت عليها، ثم خرجت من عندها وهي تقول: ترك الخداع من كشف القناع.
فأرسلها مثلا.
فلما جاءت إلى الحارث قال: ما وراءك يا عصام؟ قالت: أيها الملك، صرّح " المخض " عن الزبد.
فأرسلها مثلا.
ثم قالت: أقول حقا، وأخبرك صدقا، لقد رأيت وجها كالمرآة الصينية، يزينّه حالك كأذناب الخيل المضفورة، إن أرسلته خلته السلاسل، قد تقّوسا على مثل عيني
стр. 136
الظبية العبهرة، التي لم تر قانصا، ولم تذعرها قسورة، تبهتان المتوسم إذا فتحهما، بينهما أنف كحدّ السيف المصقول، ولم يخنس به قصر، ولم يمعن به طول، حفّت به وجنتان كالأرجوان، في بياض محض كالجمان، شقِّق فيه فم لذيذ الملتئم، فيه ثنايا غرّ، وأسنان كالدر، ذات أشر، ينطق فيه لسان، ذو فصاحة وبيان، يحركه عقل وافر، وجزاب حاضر، تلتقي دون شفتان حمَّاوان، كأنهما في لين الزبد، تحمىن ريقا كالشُّهد، نصب على ذلك عنق أبيض، كأنه إبريق فضة.
لها صدر كصدر التمثال، مدت منه عضدان مدمجتان، ممتلئتان لحما، مكتنزتان شحما، متصلة بهما ذراعان، ما فيهما عظم يمسّ، ولا عرق يجسّ، متصلة بهما كفان، رقيق قصبهما، تعقد إن شئت منهما الأنامل، وتركّب الفصوص في حفر المفاصل، نتأ في ذلك الصدر ثديان، يخرقان عنها أحيانا ثيابها، ويمنعانها من أن تقلد سخابا، أسفل من ذلك بطن طوى كطي القباطي المدمجة، كُسِىَ عُكَنا كالقراطيس المدرجة، تحيط تلك العكن بسرَّة كمدهن العاج، لها ظهر فيه كالجدول، ينتهي إلى خصر، لولا رحمة ربك لا نبتر، لها كفل يقعدها إذا نهضت، وينهضها إذا قعدت، كأنه دعص من الرمل، لبَّده سقوط الطلّ، أسفل من ذلك فخذان لفَّاوان،
стр. 137
كأنما نصبتا على نضد جمان، متصلة بهما ساقان بيضاوان خدلَّجتان، قد وشيتا بشعر أسود، كأنه حلق الزَّرد، يحمل ذلك كله قدمان، كحذو اللسان " تبارك الله " مع لطافتهما، كيف يطيقان حمل ما فوقهما؟ وأما ما سوى ذلك فإني تركت نعته، ووصفه، لدقّته، إلا أنه كأكمل وأحسن وأجمل ما وصف في شعر أو قول.
قال: فبعث إلى أبيها فخطبها إليه، فزوّجها إياه، فبعث إليها من الصداق بمثل مهور نساء الملوك، بمائة ألف درهم، وألف من الإبل.
فلما حان أن تحمل إليه دخلت إليها أمها لتوصيها.
فقالت: " أي بنيّة، إن الوصية لو تركت لعقل وأدب، أو مكرمة في حسب لتركت ذلك منك، ولزويته عنك، ولكن الوصية تذكرة للعاقل، ومنبهة للغافل.
أي بنية، إنه لو استغنت المرأة بغنى أبويها وشدة حاجتهما إليها كنت أغنى الناس عن الزوج، ولكن للرجال خلق النساء، كما لهن خلق الرجال.
أي بنية، إنك قد فارقت الحِواء الذي منه خرجت، والوكر الذي منه درجت، إلى وكر لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فأصبح بملكه عليك ملكا، فكوني له أمة يكن لك عبدا، واحفظي عني خصالا عشرا، تكن لك دركا وذكرا؛ فأما الأولى والثانية فالمعاشرة له بالقناعة، وحسن السمع له والطاعة، فإن في القناعة راحة القلب، وحسن السمع والطاعة رأفة الرب؛ وأما الثالثة والرابعة فلا تقع عيناه منك على قبيح، ولا يشم أنفه منك إلا طيب الريح؛ واعلمي، أي بنيّة، أن الماء أطيب الطيب المفقود، وأن الكحل أحسن الحسن الموجود.
وأما الخامسة والسادسة فالتَّعهد لوقت وطعامه، والهدوّ عند منامه، فإن حرارة الجوع ملهبة، وتنغيص النَّومة مغضبة؛ وأما السابعة والثامنة فللاحتفاظ بماله
стр. 138
والرعاية على حشمه وعياله، فإن الاحتفاظ بالمال من حسن التقدير، والرعاية على الحشم والعيال من حسن التدبير؛ وأما التاسعة والعاشرة فلا تفشي له سرا، ولا تعصي له أمرا، فإنك إن أفشيت سرّه لم تأمني غدره، وإن عصيت أمره أوغرت صدره.
واتّقي الفرح لديه إذا كان ترحا، والاكتئاب عنده إذا كان فرحا، فإن الأولى من التقصير، والثانية من التكدير، واعلمي أنك لن تصلي إلى ذلك منه حتى تؤثري هواه على هواك، ورضاه على رضاك فيهما أحببت وكرهت.
والله يخير لك، ويصنع لك برحمته.
قال: فلما حملت إليه غلبت على أمره، وولدت منه سبعة أملاك، ملكوا من بعده.
قالوا: وأوصي زرارة بن عُدُس بن زيد بن عبد الله بن دارم بن مالك بن حنظلة ابن مالك بن زيد مناة بن تميم، أنه جمع بنيه وبني بنيه فقال: يا بنيّ، إنكم قد أصبحتم بيت تميم، بل بيت مُضر، يا بنيّ، ما هجمت على قوم قطُّ من العرب لا يعرفونني إلا أحلُّوني، فإذا نسبوني ازددت عندهم شرفا، وفي أعينهم عظما، ولا وفدت إلى ملك إلا آثرني وشفعني، خذوا من أدبي، واثبتوا عند أمري، واحفظوا وصيتي.
"إياكم أن تدخلوا عليّ في قبري حوبة أسبّ بها …
"كذا قال أبو حاتم، حوبة، وليس لها ههنا معنى، وينبغي أن تكون خربة، وهي المنقصة، أو خزّية، والحوبة الخالة، وقال قوم هي الأمُّ ".
… فوالله ما شايعتني نفسي قط على إتيان ريبة، ولا عمل بفاحشة، ولا ضمّني
стр. 139
وعاهرة سقف بيت قط، ولا حسّنت لي نفسي الغدر منذ شدّت يداي مئزري، ولا فارقني جار على قلي، ولا حملني هواي على أمر يعييني في مضر.
يا بني، إن القالة إليكم سريعة، فاتقوا الله في الليل إذا أظلم، وفي النهار إذا انتشر يكفكم ما أهمّكم، وإياكم وشرب الخمر، فإنها مفسدة للعقول والأجساد، ذهّابة بالطريف والتلاد.
يا بني، زوّجوا النساء الأكفاء، وإلا فانتظروا بهنّ القضاء.
يا بني، قد أدركت سفيان بن مجاشع بن دارم شيخا كبيرا محجوبا، فأخبرني أنه قد حان خروج نبي بمكّة من مضر، يقال له، أحمد، ﵇، يدعو إلى عبادة الله، فإن أدركتموه فاتبعوه، تزدادوا بذلك شرفا إلى شرفكم، وعزَّا إلى عزّكم، إنه ليس فيكم سقط رجل واحد، ولا تمنَّيتكم أنِّي بدِّلتكم بعدَّتكم من العرب، ولولا عجلة لقيط إلى الحرب، والحرب لا يصلحها إلا الرجل المكيث لشرّفته عليكم، وهو بعد فارس مضر، وعليكم بحاجب، فإنه حليم عند الغضب، فرّاج للكرب، يجود إذا طلب إليه، ذو رأي لا ينكش، وزمَّاع لا يفحش، فاسمعوا له وأطيعوا أمره، جنَّبكم الله الردى.
"لا ينكش لا يستقصي ما فيه، يقال: نكشت البئر أي أخرجت ما فيها، والزَّمّاع العزم، لا يفحش أي لا ينتقص ".
стр. 140
قالوا: وأوصي سعد العشيرة بنيه لما حضرته الوفاة، فقال:
"يا بني، اتقّوا إلهكم بالليل والنهار، وإيّاكم وما يدعو إلى الاعتذار، ودعوا قفو المحصنات تسلم لكم الأمهات، وإياكم والبغي على قومكم تعمر لكم الساحات، ودعوا المراء والخصام تسلم لكم المروءة والأحلام، تحبَّبوا إلى العشائر تهبكم العمائر، وجودوا بالنوال تنم لكم الأموال، وإياكم ونكاح الورهاء فإنها أدوأ الداء، وأبعدوا من جار السوء داركم، ومن قرين الغيّ مزاركم، ودعوا الضغائن فإنها تدعو إلى التباين، ولا تكونوا لآبائكم ضرَّارا، حيّاكم ربكم، وسدّد أمركم ".
قالوا: وجمع الحارث بن كعب بنيه حين حضرته الوفاة، فقال: " يا بني، عليكم بهذا المال فاطلبوه أَجمل الطلب، ثم اصرفوه في أجمل مذهب، فصلوا به الأرحام، واصطنعوا منه الأقوام، واجعلوه جنة لأعراضكم تحسن في الناس قالتكم، فإن بذلة تمام الشرف، وثبات المروءة، وإنه ليسود غير اليد، ويؤيّد غير الأيَّد حتى يكون عند الناس نبيلا نبيها، وفي أعينهم مهيبا؛ ومن اكتسب مالا فلم يصل به رحما، ولم يعط منه سائلا، ولم يصن به عرضا بحث الناس عن أصله، فإن كان مدخولا هرتوه وهتكوه، وإن لم يكن مدخولا ألزموه ودبّيه، واكسبوه عرقا لئيما حتى يهجّنوه به ".
وقال لابنه أشعت، وهو يوصيه:
أَبنيّ أَباك يوما هالك … فاحفظ أباك رياسة وتقلُّبا
وإِذا لقيت كتيبة فتقدَّما … إِن المُقدَّم لا يكون الأَخيبا
стр. 141
تلقى الرياسة أو تموت بطعنة … والموت يأتي من نأَى وتجنَّبا
قالوا: دعا المنذر ابنه النعمان، وهو غلام شاب، فقال: " يا بنيّ، إن لي فيك رأيا دون غيرك من لدي، فإني آمرك بما أمرني به والدي، وأنهاني عما نهاني عنه والدي، آمرك بالذلّ في عرضك، وذلك أن تكون ذلولا بالمعروف، وعليك بالانخداع في مالك، وأُحبُّ لك خلوة اللّيل وطول السَّمر، وأكره لك إخلاف الصديق، واطّراف المعرفة، واتهاك عن ملاحاة الحلماء ومواح السفهاء، إن لك عقلا وجمالا ولسانا، فاكتس من ثناء الناس ما يؤيد جمالك، ودع الكلام وأنت عليه قادر، وليكن لك من عقلك خبئ تدَّخره أبدا ليوم حاجتك.
ثم قال:
إنَّ ظنِّي بمن أَمرتُ بأَمري … حسنَ إن أَعانت الأذنان
باستماع وما ظفرت بشيء … إن نبا مقولي عن النعمان
قد تفرَّست في بنيّ وفيه … فإذا الأمر ليس بالمتداني
فلئن تمّ ما أُؤَمل فيه … ما له في بني الملوك مدان
وله ألظُّ في الجمال وفي العقل … وحظّ من مهلة ولسان
قالوا: وأوصى مالك بن المنذر البجلي بنيه، وكان قد أصاب دما في قومه، فخرج هاربا بأهله حتى أتى بهم بني هلال، فلما احتضر أوصى بنيه، وأمرهم أن يعطوا قومه النِّف من حدثه الذي أَحدثه فيهم، وقال: " يا بني، قد أتت عليّ ستون ومائة سنة ما صافحت بيميني يمين غادر، ولا قنعت نفسي بخلّة فاجر، ولا صبوت بابنه عم لي ولا كنَّة، ولا طرحت عندي
стр. 142
مومسة قناعها، ولا بحثُ لصديق لي بسرِّي، وإني لعلي دين شعيب النسبي، ﷺ ، وما عليه أحد من العرب غيري، وغير أسد بن خزيمة، وتميم بن مرّ، فاحفظوا وصيتي، وموتوا على شريعتي، إلهكم فاتقوه يكفكم المهم من أموركم، ويصلح لكم أعمالكم، وإياكم ومعصيته، ولا يحل بكم الدمار، وتوحش منكم الديار.
يا بني، كونوا جميعا، ولا تفرقوا، فتكونوا شيعا، فإنّ موتا في عزّ خير من حياة في ذلٍّ وعجز، وكلُّ ما هو كائن كائن، وكل جمع إلى تباين، الدهر صرفان، فصرف رخاء، وصرف بلاء، واليوم يومان، فيوم حبره، ويوم عبره، والناس رجلان، فرجل معك، ورجل عليك، وزوّجوا الأكفاء، وليستعملن في طيبهنّ الماء، وتجنّبوا الحمقاء، فإن ولدها إلى أفن ما يكون، إنه لا راحة لقاطع " يعني القرابة ".
وإذا اختلف القوم أمكنوا عدوّهم، وآفة العدد اختلاف الكلمة، التفضل بالحسنة يقي السيئة، والمكافأة بالسيئة الدخول فيها، العمل بالسوء يزيل النعماء، وقطيعة الرحم تورث إلمام الهمّ، وانتهاك الحرمة تزيل النعمة، عقوق الوالدين يعقب النكد، ويمحق العدد، ويخرب البلد، النصيحة لا تهجم على الفضيحة، احتمال الحقد يمنع الرِّفد، لزوم الخطية يعقب البلية، سوء الرِّعة يقطع أسباب المنفعة، الضغائن تدعو إلى التبايم.
ثم قال:
أكلت شبابي فأفنيته … وأمضيت بعد دهور دهورا
ثلاثة أهلين صاحبتهم … فبادوا وأصبحت شيخا كبيرا
стр. 143
قليل الطَّعام، عسير القيا … م، قد ترك الدَّهر قيدي قصيرا
أبيت أراعي نجوم السَّما … ءِ، أقلِّب أمري، بطونا ظهورا
قالوا: وأوصي عمرو بن الغوث بن طيء ولده، وهم: ثعل، ونبهان، وبنوهم؛ وكان عمرو قد عاش حتى كبر ولده، فقال: " يا بني، إنكم قد حللتم محلاّ تخرجون منه ولا يدخل عليكم فيه، فارعوا مرعى الضَّبّ الأعور، يرى جحره، ويعرف قدره، ولا تكونوا كالجراد، يأكل ما وجد ويأكله ما وجده؛ وإيّاكم والبغي، فإن الله إذا أراد هلاك النملة جعل لها جناحين؛ يا بني، لا تستحيوا من منع من لا يستحي من المسألة، وكلوا من الكعام وأطعموه، ولا يستحي أحدكم أن يفعل شيئا ينتفع به إذا لم يعرف، فإنه إنما يستحي حينئذ لغيره، وابدءوا الناس بالشر فإنه أشكر لخيركم وإن كان قليلا، ولا تمنعكم الكثرة أن تربعوا على أقداركم، والله يحوطكم ".
قالوا: وأوصي قيس بن معد يكرب ولده، فقال: " باسمك اللهم، احفظوا أدبي يكفكم، واتَّبعوا وصاتي تلحقوا بصالح قومكم ويستعل أمركم، إنِّي أكلكم إلى أدبي، وإن المعنيّ بكم لغائب " يعني نفسه "، الزموا ما يجمل، واقنوا حياءكم، وأطيعوا ذوي رأيكم، وأجلُّوا ذوي أسنانكم، ولا تعطوا الدنّية، وإن كان الصبر على خطَّة الضَّيم أبقي لكم، وتناصروا تكونوا حمى، وإذا نزلتم على قومكم فلتكن محلّتكم واحدة، واهدروا الحسد يقطع عنكم النائرة، ودعوا المكافأة بالشر يحببكم الناس، وعفّوا عن الدناءة وأكرموا أهل الكفاءة، ولا تواكلوا الترافد والرياسة فيحلّ عطبكم،
стр. 144
واتخذوا لأسراركم من علانيتكم حجابا، ولا تدبروا أعجاز ما قد أدبرت صدوره، ولا تقيَّلوا الرأي بالظن فيبدع بكم، والزموا الأناة يفز قدحكم، وأطيلوا الصمت إلا فيما يعنيكم، ولا تأخذوا ختلا، وخذوا صراحا، فهناك عزّ القرار، ومنعة الجار، واظعنوا في الأرض تبلغوا مأمنكم، ولا تعرضوا لنمائم النساء، وإياكم والغدر فإنه أحلَّني دار الغربة، واعتبروا ".
قالوا: وجمع أود بن صعب بن سعد بنيه، فقال: " يا بني، أخيفوا الناس ولا تخافوهم، واستخبروهم، ولا تخبروهم، وبئس موضع السر المرأة، وكونوا من الموتورين على حذر، وإذا دفعتم عن حقكم فاطلبوا أكثر منه، وإذا بخع لكم فاقتصروا عليه ".
قالوا: وأوصى عبقر بن أنمار البجليّ فقال: " يا بني، إذا غدوتم فبكِّروا، وإذا رحتم فهجِّروا، وإذا أكلتم فأوتروا، وإذا شربتم فأنبروا، وأبيحوا ما يؤكل فإن منعه ألأمُ اللُّؤم ".
"قال أبو حاتم: النبز الهمز، وإنما شّبهه بالصوت الذي تسمعه من الحلق إذا جرى الماء فيه ".
قالوا: وجمع صعب بن سعد بنيه عند موته، فقال: " يا بني، أوسعوا الحبا، وحلُّوا الربا، وكونوا أسى تكونوا حمى ".
стр. 145
" قال أبو حاتم، يقول، إذا احتبى أحدكم فليوسع الحبوة ولا ينقبض، أراد لتعظم همة أحدكم ولا تصغر؛ وقوله، وحلوا الربا، يعني، انزلوا المرتفعات من الأرض لترى نيرانكم فتقصدكم الأضياف، وقوله، وكونوا أسى، أي لتكن كلمتكم واحدة، وهو من الأسوة، أي لا تختلفوا، فيطمع فيكم أعداؤكم، ولكن، كونوا أسوة، بعضكم بعضا، تكونوا حمى، أي حرزا، لا يطمع فيكم ".
قالوا: وأوصى مالك بن عمرو الكلبيّ فقال: " يا بنيّ، عليكم بتقوى الله، وصلة الرَّحم، وأداء الأمانة، ورعاية الحق، والوفاء بالعهد، وإياكم ومعصية الله وقطيعة الرحم، فإنه لا يسلم على الضغائن الكبير، ولا يصلح عليها الصغير، وصونوا أنفسكم بالدَّعة وبذل المعروف، وكفُّوها عن سوء الرَّعة في الأمور، وإن أقبح ذلك ما كان في المطمع؛ واهجروا البغي فإنه مثبور، وتجنّبوا العجب فإنه ممقتة، ولا تقصروا عن طاعة أمرائكم، ولا توجهوا الأمور دونهم، فإنهم إن يشاركوكم فيها يكمل رأيكم، والتمسوا المحامد في مظانَّها، ولا يمنعكم من طلب المعاش اليأس، فإن أبواببه أكثر من أن يبلغها الظانُّ، استكثروا من الإبل يكثر تبعكم، ولا تضيعوا رباطكم فيهدم حصنكم، وإذا لقيتم العدو فاصبروأ، فإن في الصبر النجاة والدَّرك للتراث، وألزموا النساء البيوت، وخافوهنّ على أسراركم، واجتمعوا ولا تفرقوا، واحذروا الغدر فإنه نقمة، وليحيكم ربُّكم ".
قالوا: وأوصى جابر بن مالك الكلبي بنيه وقومه، فقال: " يا معشر العمائر المنتظرة للفناء والمنقطعة من الأصل، أوصيكم برهبة الله، وصلة الرحم، والفظ للعهد، والمباعدة لأهل الغدر وأهل الذكر للمعاير، وعليكم
следующие страницы →