← Адаб

Адаб · id 672

قطب السرور في أوصاف الأنبذة والخمور

الرقيق القيرواني

Полный текст (163 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بسم الله الرحمن الرحيم، ربِّ يَسِّر قال العتابيّ: بعث إليَّ طاهر بنُ الحُسين في يوم دَجنٍ فدخلت عليه وبين يديه خادم يسقيه فقال: يا عتابي، أما ترى يومنا ما أرقه وساقينا ما أظرفه فإن قلت ما نحن فيه شعراً يقع بموافقتي وهبتُ لك الخادم، فقلت: أَيُها الساقي الذي أصبح يسقينا الرَّحيقا سَقِّ نَدماني عُقاراً ... واسقني من فيكَ ريقا فَمُنى نفسي هذا ... نِ صبوحاً وغبوقاً طاهرٌ بَرٌّ جوادٌ ... فاتخذناه طريقا وكذا كان [حسينٌ] فحكى الغُصنُ العُروقا فقال: أحسنتَ، خذ الغلام، فلما صرت إلى الدهليز تبعني وكيله فقال: تبيع الخادم، فقلت: نعم. قال: بكم، قلتُ: بألف دينار وظننت أني لم أبقِ غايةً، فقال: هي لك، ودفعها إليّ، فلحقني رسول طاهر فردني فقال: ما صنعت بالخادم، قلت: بعتُهُ، قال: بكم؟ قلت: بألف دينار، قال: والله لو أبيت إلا مائة ألفٍ لأعطيتُها. قال ابن قتيبة: وخرج أبو عيسى ابن الرشيد متنزهاً إلى القفص ومعه أبو نواس، فأقام في نزهته شعبان كله، فلما كان أول يوم من رمضان، عزم أبو عيسى على الصوم، فقال له أبو نواس: هذا يوم شك وليس للشك حُجة على اليقين ومن يُفطره أكثر ممن يصومه، وأنشده: لو شئت لم نبرح من القفص ... نشربها صفراء كالجص نسرقُ هذا اليوم من شهرنا ... فالله قد يعفو عن اللص وخرج أبو عيسى مرة إلى القفص ومعه أبو نواس فأقاما في نزهتهما أُسبوعاً، ثم قال له: بحياتي صف مجلسنا، وأيامنا هذه، فقال: يا طيبَنا وقصورُ القفص مشرقةٌ ... فيها الدساكِرُ والأنهارُ تَطرِدُ لما اصطحبنا بها صهباء صافيةً ... كأنها لَهَبٌ في الكأس يَتَّقِدُ فقام كالبدر مشدوداً قراطُقُه ... ظبيٌ يَكادُ من التهييفِ يَنعقدُ فاستَلَّها من فمِ الإبريق فانبعثت ... مثل اللسان جرى واستمسك الجَسد فلم نزل في صباح السبت نأخذُها ... والليل يأخذنا حتى بدا الأَحدُ وفي الثلاثاءِ أعملنا المطيَّ بها ... صهباءَ ما قرعتها بالمزاج يَدُ والأربعاءِ كسرنا حدَّ شِرتِهِ ... والكأس يضحك في حافاتها الزبدُ ثم الخميس وصلناه بليلته ... قصفاً وتم لنا بالجمعة العددُ في مجلس حولَهُ الأشجارُ مُحدقةً ... وفي جوانبه الأطيار تغتردُ لا نستخفُّ بساقينا لِعزته ... ولا يَرُدُّ عليه حكمه أحدُ عند الهُام أبي عيسى الذي كملت أخلاقهُ فهي كالعِيقان تُنتقدُ وبالجزيرة دير يقال له دير حنظلة، قال أبو الفرج الأصبهاني: نُسبَ إلى رجلٍ من طيءٍ يقال له حنظلة ابن أبي عفراء أحد بني حية رهط أبي زبيد الطائي، وكان حنظلة من شعراء الجاهلية فتنصَّرَ وفارق بلاد قومه، وباع كل ما كان له وبنى هذا الدير وأقام به مترهباً حتى مات، وهذا الدير في أحسن مكانٍ من الجزيرة وأكثره مياهاً وشجراً ورياضاً وزهراً، وهو موصوف بالحسن والطيب، وقد قالت فيه الشعرراءُ فأكثرت، وغُنِّي في أشعارهم؛ فممن نزله عبد الله بن الأمين محمد بن زبيدة. حكى قدامة بن جعفر عن حمَّاد بن إسحق قال: حدثني أبو نجاح قال: كنت مع عبد الله بن الأمين وقد خرج إلى نواحي الجزيرة. وكانت له هناك ضياعٌ كثيرة حسنة فاجتزنا بدير حنظلة هذا، وكانت أيام الربيع، وكانت حوله من الرياض ما ينسي حُلل الوشي، وبُسط خضرة وزهر، فنزلنا فيه وبعث إلى خمار بالقرب من الفرات، فشربنا وكان عبد الله حسن الصوت، حاذقاً بالغناء والضرب، ظريفاً كاملاً فقال: أَلا يا دير حنظلة المفدى ... لقد أَودعتني تعباً وكدّا أَزُفُّ من العقار إليك زقَّاً ... وأجعل فوقه الورق المندى أَلا يا دير جادتك الغوادي ... سحائب جُليت برقاً ورعدا تزيد نباتك النامي نمواً ... وتكسو الأرض حسناً مستجدا فاصطحبنا فيه عشرة أيام، وعبد الله ومن معنا من المغنين يغنوننا. ولعبد الله في هذا الشعر لحنٌ من خفيف الرَّمل مليح، وفي هذا الدير يقول الشاعر:

стр. 2

طرقتكَ سُعدى بين شطي بارق ... نفسي الفداءُ لطيفها من طارق يا دير حنظلة المُهيج للبكا ... هل تستطيع دواء داء العاشقِ وبالجزيرة دير علقمة، بناه علقمة بن عديّ اللخمي وفيه يقول عديُّ بن زيد العُبادي، وفيه غناء: نادمتُ بالدير بني علقما ... عاطيتهم مشمولةً عندما كأنَّ ريح المِسْكِ في كأسها ... إذا مزجناها بماءِ السَّمَا من سَرَّهُ العيشُ ولذاتهُ ... فليجعلِ الراحَ له سُلما فاشرب على الدير ولذاته ... إذا اشتهيت اليومَ أن تنعما وكان متنزهاً لأُمراء الحيرة يأكلون عنده ويشربون وكثيراً ما تنزه فيه أمراء الحيرة، وبها دير حنظلة بن عبد المسيح اللخمي الذي يقول فيه الشاعر: بساحَة الحيرة دير حنظلة ... عليه أذيال السرور مُسبلة أحيَيْتُ فيه ليلةً مقتبلة ... وكأسنا بين الندامى مُعْملة والراحُ فيها مثل نارٍ مُشعلة ... وكلُّنا أنفذ ما قد خُوِّلَهْ فيها يلذُّ عاصياً من عذله ... مبادراً قبل يلاقي أجله قال أبو الفرج الأصبهاني: وبالحيرة دير هندٍ بنت النعمان ابن المنذر، ودخل عليها خالد بن الوليد فقال لها: أسلمي حتى أُزوجك رجلاً من المسلمين شريفاً أصيلاً يُشبهك في حسبك، فقالت: أما ديني فمالي عنه رغبة، ولا أبغي به بدلاً، وأما التزويج، فلو كانت فيَّ بقية ما تزوجت ولا رغبت فيه، فكيف وأنا عجوز، هامة اليوم أو غد؛ قال لها: فسليني حاجة أقضيكِها، قالت: أكبر حاجتي هؤلاء النصارى الذين في ذمتكم، قال: نعم هذا فُرض علينا في ديننا، أَوصانا به نبينا (ص) فهل غير هذا؟ قالت: أنا في هذا الدير ملاصقة لهذه الأعظم البالية من أهل بيتي وملتي ألحق بهم، وأَمَرَ لها بمالٍ وكسوةٍ، فقالت: ما لي بشيء مما بذلته حاجة، معي عبدان يزرعان مزرعة أتقوت منها بما يُمسك رمقي، وأصرف ما بقي في ضعفاء أهل ديني، وقد اعتددتُ بقولك فعلاً، وبِعدَتِك نقداً، ولكن اسمع مني دعاءً كان يدعو به مُلاكنا، لا ملكتك يد افتقرت بعد غَناء ولا ملكتك يد استغنت بعد فقرٍ وأصاب الله بمعروفك مواضعه ولا أزال عن كريم نعمة، إلا جعل سبب ردِّها على يديك بِك. ودخل عليها المغيرة بن شُعبة وهو يلي الكوفة فحادثها، ثم قال لها: فيم كانت لذةُ أبيك؟ قالت: في محادثة الرجال وشرب الجريال، قال: إني جئتك خاطباً فضحكت وقالت: والصليب، فما ذاك رغبةً منك في مالٍ، ولا تمتعاً بجمالٍ، ولكنك أردت أن تفخر وتقول إني قد نكحتُ ابنة النعمان بن المنذر، وإلا فأَيُ خير في شيخٍ أعور وعجوز عمياء. وكان بعد ذلك شباب الكوفة يخرجون إلى هذا الدير متنزهين، يأكلون في رياضة ويشربون وفيه يقول الشاعر: ألا ليت شِعري هل أبيتَنَّ ليلةً ... لدى ديرِ هندٍ والحبيبُ قريبُ فتقضى لُبانات، وتُلقى أحبَّةٌ ... ويورق غصن للشباب رطيبُ وفيه يقول الآخر: لئن طال في بغداد ليلي لربما ... يُرى بجنوبِ الدير وهو قصيرُ وفيه يقول حسان بن ثابت: يا دير هند لقد أصبحتَ لي أنساً ... ولم تكن قطُّ لي يا دير مئناسا سَقياً لِظِلك ظِلاً كنتُ آلفهُ ... فيه أُعاشر قِسيساً وشماسا قِدماً وكانت الأوقات من طربٍ ... ومن سرورٍ به يا قوم أعراسا لا أعدمُ اللهو في أرجاء هيكله ... ولا أردُّ على الساقي به الكاسا وكان لإسحق بن إبراهيم غلامٌ قد رباه وعلمه فصار من أحذَقِ الناس فنفد له النبيذ يوماً فكتب إلى إبراهيم بن المهدي: جُعلت فداءَ الأمير، حضرني بيتٌ فصنعتُ فيه لحناً ووجهته إلى الأمير وأمرتهُ بإنشاده إياه. قال: فصار إلى إبراهيم فغناهُ الصوت وهو: نديمي قد خَفَّ الشرابُ ولم أجد ... له سورةً في عظم رجل ولا يد فضمَّ له إبراهيم هذا البيت: فدونك هذا الرِّيّ فاشرب مُسلماً ... فلا خير في الشرب القليل المُصَردِ وبعث إليه ثلاثة أبغُل عليها ألوان من الشراب مجللة بأثواب الديباج وثلاثة غلمان روم وأجاز زيداً بجائزة سنية.

стр. 3

قال محمد بن الحارث بن بُسْخُنَّر عرضت لي حاجة إلى إبراهيم بن المهدي فبكرتُ إليه في يوم غيم ورذاذ فصادفتهُ قد لبس ثيابه وأُسرجت دوابه، فلما وصلت إليه خلعَ ثيابه وأَمَرَ بحطِّ السروج ثم قال لي: أردتُ الركوب إلى الخليفة، فلما رأيتك آثرت نفسي بك، وهذا يوم حسن لا يضيعه إلا من غُبن حظه، فأقم حتى أُطعمك اللحم طرياً وأسقيك الشراب صرفاً وأُسمعك الغناء، قلت: ما شيء أطيب إليَّ مما عرضه الأمير عليَّ، فدعا بضربٍ من لحوم الجدا والحملان والطير المسمن، فاتخذت له منه ضروب شواءٍ وكباب وقلايا، فأكلنا منها حاجتنا ثم أتينا بألوان من الشراب المطبوخ والمشمس، فاختار منه وسقاني، ثم دعا بجوارٍ فضربن عليه وغُنى أصواتاً من صنعته، فمرَّ لنا ألذُّ يومٍ وأطربه. وكانت لأم جعفر زبيدة جارية تسمى جُلنار أحسن الناس وجهاً وأطيبهم غناءً، وكانت عُليَّة بنت المهدي تمازحها وتكنيها بأبي الورد، فغلبت هذه الكنية على اسمها حتى صارت لا تُعرف إلا بها، فقالت أبو الورد: كنت ذات يومٍ واقفةً على رأس أم جعفر والسماءُ متغيمة، إذ هطل المطر، فقالت لي أم جعفر: اذهبي إلى أختي عُلية فأقرئيها مني السلام، وقولي لها ألا ترين إلى هذا اليوم وطيبه، فعلى أي شيء عزمت فيه. فخرجت عنها، حتى دخلتُ على عُلية فإذا هي جالسة في طارمة في وسط بستان لها والمطر يقع على الطارمة فيجيئُ له صوتٌ شديدٌ وفي يدها عود وهي تغني وعلى رأسها جاريةٌ كأنها خوط بانٍ، حسنة الوجه، فإذا غنت عليه صوتاً قالت لها اسقيني فتسقيها، فلما رأتني فرحت بي وقالت: الحمد لله الذي منَّ علي بك، فأكببت على البساط فقبلته، فقالت: لا والله إلا معانقة، فعانقتها، وقبلت فاها ورأسها ويديها وأديتُ إليها رسالة أم جعفر، فقالت: خبري أني منذ السحر أشرب فوق هذه الطارمة على صوت المطر، والذي عزمتُ عليه، إتمامُ السرور والشرب، فلستُ مفارقتك اليوم. فقلتُ لها: يا سيدتي أم جعفر تنتظرني، فأُدي إليها الرسالة وأرغب إليها في المسامحة بالعودة إليك فقالت: أنا أجعل الرسول غيرك. وبعثت إليها جارية تعرفها بحالها، وتسألها في أن تؤنسني في المقام عندها، فأقمتُ ودعت لي بالطعام فأكلتُ، وجعلت تسقيني وتشرب وتغنيني وأُغنيها، فبينا نحن كذلك إذ دخل الخادمُ فقال: إبراهيم أخوك، فدعت بطبق عليه مأكولٌ، وقالت: هاتوا عوداً حناناً فضعوه ناحيةً، فأتيت بذلك وإبراهيم واقفٌ بالباب، ثم أذنت له فدخل فأكب على رأسها، فقالت: لا تكلمني أو تأكل، ففعل، ثم دعت بقدحٍ فيه رطلان فشربه، ثم قالت: خذ عودك وآخذ عودي، ففعل، فما زالت تغني صوتاً ويغني صوتاً وأُغني ونشرب، إذ دخل الخادم فقال: أخوك يعقوب بالباب، فأمرت بإحضار طبقٍ عليه طعان، ثم قالت أحضروا ناياً جيداً، فأُحضر ثم أذنت له فدخل، وأكب على رأسها فقبله، فقالت: اجلس وكُل، فأكل، ثم دعت برطلين في قدح فشربه وتناول الناي فزمر وكان أحسن الناس زمراً وضرباً جميعاً، فسمعتُ والله شيئاً ما سمعتُ أحسن منه قط، فسكرتُ من الشراب والطرب فلم أعقل ورحت أتمايل سكراً حتى دخلت على أم جعفر فحدثتها بما جرى، فجعلت تضحك وأمرت لي بخلعةٍ من ثيابها. وكان يقال: لا يُعرف في بنات الخلفاء مثل عُلية بنت المهدي جودة شعر وحسن صنعة، وكانت أكمل النساء عقلاً وديناً وصيانةً ونزاهة، وكان الرشيد يعظمها ويجلسها معه على سريره، وكانت تحبُّ خادماً للرشيد يقال له ظلٌّ فتكنّي عنه، من ذلك قولها فيه: أيا سروة البستان طال تشوقي ... فهل لي إلى (ظلٍّ) لديكِ سبيل من نلتقي من ليس يُرجى خروجُهُ ... وليس لمن يهوى إليه دخول ومن قولها فيه: قُل لذي الأصداغ والطُّرة والوجه المليحِ ولمن أشعل نارَ الحبالحبِّ في قلبٍ قريح ما صحيح أَثَّرت عيناك فيه بصحيح ومما قالت وغنته في طريقة الرمل: سلِّم على طرفِ الغزال الأغيد الحلو الدلالِ سلِم عليه وقلْ له ... يا غُلَّ ألباب الرجال خليت جسمي ساجياً ... وسكنت في ظلِّ الحجالِ وبلغت مني غاية ... لم أدرِ فيها ما احتيالي ومن قولها وغنائها: جاءني عاذلي بوجهٍ قبيحِ ... لائماً في وصالِ وجهٍ مليحِ

стр. 4

ظبيةٌ تسكن القِبابَ وترعى ... ثمر القلب لا أراكٍ وشيحِ ومن غنائها وشعرها: قُم يا نديمي إلى الشمولِ قد نمتَ عن ليليَ الطويلِ أما ترى النجم قد تولى ... وهم بهرامُ بالأُفولِ من عاقر الراحَ أخرسته ... فلم يجب منطقَ السؤولِ قال لي الهيثم بن عدي: قال: قال الشعبي: لما وَلِيَ بشرُ ابن مروان العراق، ولأني مظالمه. وبلغ حُنين بن بلوع المغنيّ وكان يسكن الحيرة: أن بشراً يشرب الشراب، ويسمع الغناء، فأتى الكوفة، فذُكر له أن ابن مُحرز قَدِمَها، فتلطف له جتى دعاه فغناه ابن محرِز، فسمع شيئاً هاله وحيره - وَعَلِم أن بشراً إن سمعه لم يُخل هو منه بطائل - فقال له: كم منَّتك نفسك من العراق، قال: ألف دينار، فقال: هذه خمسمائة دينار حاصلة، ونفقة سفرك عادياً وبادياً ودع العراق لي وامضِ مصاحباً حيث شئت، وكان ابن محرز صغير الهِمة لا يحب عِشرة الملوك فأخذها وانصرف، وقصد حنين بشراً فلطفت منزلته عنده وخصَّ به وأجزل عطيته. قال الشعبي: فاستأذنت على بشرٍ ذات عشيةٍ، فقال لي حاجبه، يا أبا عمرو، الأمير على حالٍ ما أظنك تصل إليه معها، فقلت: أعلمه وخلاك ذمٌ، فقد حدث أمرٌ لا بدَّ من إنهائه إليه، فاستأذنهفقال: يدخل، فدخلت، فإذا بشرٌ عليه غلالةٌ صفراءُ رقيقة، ومُلاءةٌ تقوم قياماً من شدة الصقال، وعلى رأسه إكليل من ريحان قد فصِّل بوردٍ ونرجس، وعن يمينه عكرمة بن ربعي وعن يساره خالد بن عتاب بن ورقاء، وبين يديه حنينٌ بن بلوع وعوده في حجره، فسلمتُ، فرد السلام، ورحب وقرَّب، ثم قال: يا أبا عمرو، لو كان غيرك لم آذن له على هذه الحال. فقلت: أصلح الله الأمير، لك الستر لكلِّ ما رأيت، والشكرُ على ما أوليت، فقال: كذلك الظنُّ بك، ثم غنى حنين، فقلت له: شُدَّ الزيرِ وأَرخِ البَمَّ، ففعل وضرب فأجاد، فقال بشر لأصحاب: أُلامُ على أن آذن لهذا على كلّ حالٍ كنتُ فيها؟ ثم التفتَ إليَّ وقال: من أين لك علمُ هذا. قلتُ: كنا نسمعه في أعراسنا. فظننت أن الأمر كذلك أصلح. فقال: إنه كما ظننت، ولما أردتُ القيام، أمر لي بعشرة آلاف درهم وعشرة أثواب، فقمتُ مع الخادم حتى قبضتُ ذلك. وكان آدم بن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز من الخلعاء المجَّان. روى مُصعب الزُّبيري قال: كان آدم بن عبد العزيز يدمِن شرب الخمر ويفرط في المجون، وكان أديباً شاعراً فأخذه المهدي وجلده ثلاثمائة سوط على أن يقر بالزندقة، فقال: والله ما أشركت بالهه طرفة عين قال: فأين قولك: اسقني واسق خليلي ... في دجى الليل الطويل قهوةً صهباء صرفاً ... سُبئت من نهر بيل من ينل منها ثلاثاً ... ينس منهاج السبيل ومتى ما نال خمساً تركته كالقتيل في لسان المرءِ منها ... مثل طعم الزنجبيل عتقت حُولاً وحولاً ... بين كرمٍ ونخيلِ ريحُها ينفح منها ساطِعاً من رأسِ ميلِ قل لمن يلحاك فيها من فقيه ونبيل أنت دعها وارجُ أُخرى ... من رحيق السلسبيل نعطش اليوم ونُسقى ... في غدٍ نعتَ الطلول قال: وإن قلت ذلك فإني موحِّد، ولست بزنديقٍ أقول بلساني ما لا يعتقده جناني، فقال له: إذا عنَّ لك شيءٌ من هذا فاذكر سلَفَك، وخلي سبيله. قال مُصعب: وقال بعضهم لعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: إن بنيك يشربون الخمر، قال: صِفوهم لي، قال: فلانٌ إذا شرب خرَّق ثيابه وثياب نديمه، فقال: سوف يدع هذا شربها، قالوا: وفلان إذا شرب تقيأ في ثيابه وأفسدها، قال: وهذا سوف يدعها، قالوا: وأما آدم فإنه إذا شرب أسكر ما يكون، لا ينال أحداً بسوء، قال: هذا لا يدعها أبداً، فكان كما قال.

стр. 5

وقال محمد بن الحارث بن بُسْخُنَّر: جزت يوماً إلى إبراهيم بن المهدي فرأيته كئيباً مهموماً فقلتُ له: ما لي أراك بهذه الحالة، فقال: ويحك دعني، فقلت: والله لا أدعك حتى أعرف خبرك، قال: لم يكن أحد سمع غنائي غير الرشيد، فقال لي ليلة: جعفر بن يحيى صديقُك ولا تحتشم منه، وأنا أحب أن تغني له صوتاً، فبحياتي إلا فعلت، ودعا لي بألف درهم، فغنيته وحُمل المال إلى منزلي، وكنا البارحة عند المعتصم فقال لي سيما الشارباني: أشتهي أن تغني لي ذلك الصوت، قلت أيّما، قال: لا أدري، ولكن تغني كلَّ ما تدري فإذا مر عرَّفتُك، فورد عليَّ ما تمنيت معه الموت، فأيُّ غمٍّ يكون أشد من هذا. ودخل أحمد بن الحسين المتنبي على عليّ بن إبراهيم التنوخي، فعرض عليه كأساً فيها نبيذ دوشاب أسود فقال: أغار على الزجاجة وهي تجري ... على شفة الأمير أبي الحُسين كأن بياضها والراحُ فيها ... بياض مُحدق بسواد عينِ شربها فقال له: مَرَتكَ ابن إبراهيم صافية الخمر ... وهُنئتها من شارب مسكر السُّكر رأيت الحميا في الزجاج بكفه ... فشبهتها بالشمس في البدر في البحر وكان بدر بن عمار قد تاب من الشراب مرة بعد أُخرى فرآه يشرب فقال: يا أيها الملك الذي ندماؤه ... شركاؤه في مِلكِهِ لا مُلكهِ في كل يوم بيننا دمُ كرمةٍ ... لك توبةٌ من توبةٍ من سفكه والصدق من شيم الكريم فقل لنا ... أمن الشراب تتوب أم من تركه وشرب عنده ليلة فلما كان من غدٍ عُرض عليه الصبوح فقال: رأيت المُدامةَ غلاَّبةً ... تهيج للمرءِ أَشواقهُ تُسيئ من المرءِ تأديبه ... ولكن تحسِّن أخلاقهُ وقد مُتُّ أمسِ بها موتةً ... وهل يشتهي الموت من ذاقه وقال يحيى خالد: كنت أهوى جاريتي دنانير وهي لمولاتها دهراً، فلما وضع المهدي الرشيد في حجرياشتريتها فلم أُسر بشيءٍ من الدنيا سروري بها، فما لبثت يسيراً حتى وجَّه المهدي الرشيد غازياً إلى بلاد الروم، فخرجت معه، فعظم علي فراقها، وأَقبلتُ لا يُهنئني طعامٌ ولا شرابٌ، صبابةً بها وذكراً لها، فتوغلنا في بلاد الروم وأصابنا برد شديد، وثلجٌ كثير، فإني ليلة في مضربي، أتقلبُ في فراشي تذكراً لدنانير، إذ سمعت عناءً خفياً وضرب عودٍ بالقرب مني فأنكرت ذلك، وجلست في فراشي وتسمعت صوتاً شجاني من غير أن أفهمه، فقمتُ وقد غلب النومُ أهل العسكر فتخللت المضارب حتى انتهيت إلى خيمةٍ من خِيم الجند فإذا فيها سراجٌ فدنوت منه، فإذا فتى جالسٌ وبين يديه زكرة فيها شراب وفي حجره عودٌ وهو يشرب ويتغنى: ألا يا لقومي أطلِقوا غُلَّ مرتَهَنْ ... ومُنُّوا على مستشعر الهمِّ والحَزنْ أَلم ترَها بيضاء ورداً شبابُها ... لطيفة طيِّ البطنِ كالشادن الأغَنْ تذكر سَلْمَى وهي نازحةٌ فَحَنْ ... وهل تنفع الذكرى إذا اغترب الوطن وكلما غنى بيتاً بكى وتناول قدحاً فصبَّ فيه من ذلك الشراب، فيشربُ ثم يعود فيفعل مثل ذلك وأنا اراه فأبكي لبكائه، ثم سلمتُ عليه فرد السلام، واستأذنت في الدخول فأذن، فلما دخلت أجلني وأوسع لي، فقلت: يا فتى، أخبرني بخبرك وما سبب هذا البكاء فقال: أنا فتى من الأبناء ولي بُنيَّةُ عمٍّ نشأنا حبيبين فعَلِقْتُها وعلقتني، ثم بلغنا فحُجبت عني، فسألت عميّ فزوجنيها، ومكثت حيناً أحتال لمهرها، حتى تهيأَ فأديته وأَعْرستُ بها، فلما كان يوم سابعها ضُرب علي البعث فخرجتُ وبي من الصبابة بها والشوق لها ما الله به عليم، فإذا أصبتُ شراباً أخذت منه الشيء ثم أفعل ما ترى تذكاراً لها، فقلت: هل تعرفني، قال: قلت أنا يحيى بن خالد، فنهض قائماً، فقلت له: اِجلس، اِلقني غداً أولَ حركة الناس، فإني صائرٌ من أمرك إلى ما تحب، ووافق ذلك رسولاً يُنفذ إلى المهدي، فلما كان من غدٍ وتهيأ الناس للرحيل، فأول من لقيني ألفني، فقلتُ ما اسمك، وفي قيادة من أنت فخبَّرني، فدخلت على الرشيد فخبرته خبره، فأمر له بعشرة آلاف درهم وأصحبته الرسول.

стр. 6

قال أبو هفان: دعاني أمير من أمراء الأتراك، وكانت له ستارة لم يكن ببغداد أطيبُ منها، فلما شربنا أقداحاً قال غنوا لنا: خِمار مليحٍ، فلم يدر أحد ممن حضر ما أراد حتى غُنى: قل للمليحة في الخِمار الأسود ... ماذا صنعت براهبٍ متزهِّدِ فشرب عليه أرطالاً وشربنا ثم أمسك ساعةً وقال: غنوا: (إني خَريت وجيت أنتقله) فضحكن وقلن: هذا يشبهك، ويصلح لك، فما عرفنا ما أراد حتى غنَّينَ: إن الخليط أجدَّ منتقلَه. وقال مصعب الزبيري: شربنا يوماً عند عبد الصمد بن علي عمِّ المنصور، وكان يغنينا الدارمي المَكي وكان حلواً ظريفاً فنعس عبد الصمد، وعطس الدارمي عطسةً هائلة، فوثب عبد الصمد مرعوباً وغضب غضباً شديداً وقال: يا عاض بظر أمه، إنما أردت أن تفزعني، قال لا والله، ولكن هكذا عُطاسي، قال: والله لأسفكن دَمَكَ أو تأتيني ببينة على ذلك، ووكل به غلمانه، وخرج لا يدري أين يذهب فلقيه رجل يعرفه من أهل مكة، فسأله عن أمره، فأخبره، فقال: أشهد لك أنا، ومضى معه حتى دخل على عبد الصمد فقال له: بما تشهد لهذا؟ قال: رأيته عطس عطسةً سقط منها ضرسُه وتطاير نصف لحيته، فقال عبد الصمد: خلوا سبيله. وقال عمر بن شَبَّة: حدثني إسحق بن إبراهيم عن أبيه قال: قال حكمُ الوادي: دخلتُ يوماً على يحيى بن خالد، وقد اصطبح فأمر لي بطعام، فأكلت وسُقيت ثلاثة أرطال وغنيته: بنفسي من قلبي له الدهر ذاكرُ ... ومن هو عني معرض القلب صابرُ ومن حبه يزداد عندي تجدداً ... وحبي لديه مُخلَقُ العهد داثرُ فاستعادني فيه مراراً وشرب عليه أرطالاً وقال لي: يا أبا يحيى، ألقه على دنانير، فإن أخذته فلك خمسمائة دينار، ودعا بها فجلست خلف الستارة، فقلت لها يا سيدتي، أشغلي نفسك بهذا، وأنت تهبين لي خمسمائة دينار، فقال يحيى: ولها إن أحكمته ألف دينار، وقام يحيى لبعض أشغاله فطرحت عليها الصوت حتى أخذته، وجاء يحيى فعرفته، فقال لي: غنه يا أبا يحيى، فقلت: يسمعه مني، وليس هو ممن يخفى عليه، ثم يسمعه منها فلا يرضاه فلا أحصل على شيء، فغنيته، ثم قال: غنيه أنت الآن، فغنته فزاد في طيبه ندى صوتها وحسنُهُ، فقال: والله ما أرى إلا خيراً، فقلت جُعلت فداك، أنا أمضُغُ هذا أكثر من خمسين سنة كما أمضغ الخبز، وهذه أخذته الساعة وهو يذل لها بعدي وتجترئ عليه ويزدادُ حسناً في صوتها، فقال: صدقت، يا غلام هات له خمسماية دينار ولها ألف دينار، ففعل، فقالت له وحياتك يا سيدي لأُشاطرن أُستاذي الألف، قال: ذلك إليكِ، ففعلت فانصرفت وقد أخذت بهذا الصوت ألف دينار. قال إسحق بن إبراهيم الموصلي: دعاني يحيى بن خالد يوماً فوجدت الفضل وجعفر جالسين بين يديه، فقال لي: يا إسحق، أصبحت مهموماً فأردت الصبوح لأتسلى فغنني صوتاً لعلي أتفرجُ وأرتاح فغنيته: إذا نزلوا بطحاءَ مكةَ أَشرقت ... بيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر فما خُلقت إلا لجودٍ أكفهم ... وأقدامهم، إلا لأعوادِ منبرِ فطرب وارتاح وأمر لي بمائة ألف درهم وأمر لكل واحدٍ منهما بمائة ألفٍ تنقص ألفاً فحمل المال بين يديَّ وانصرفت. وكان إبراهيم بن المهدي لما طلبه المأمون قد استخفى عند امرأة فوكلت لخدمته جارية وقالت لها: وقد وهبتك له فإن أرادك لشيءٍ فأعلميه ذلك وطاوعيه، وكانت توفيه حقَّهُ في الخدمة والإعظام ولا تُعلِمُهُ بما قالت سيدتها فجلَّ مقدارها في عينه إلى أن قربت له يوماً طعاماً فأكل وقامت على رأسه فسقته فلما ناولته الكأس قبَّل يدها وقال: يا غزالاً لي إليه ... شافعٌ من مقلتيه والذي أجللتُ خديهِ ... فقبلت يديه بأبي وجهك ما أكثر ... حسادي عليه أنا ضيفٌ وجزاءُ الضيف ... إحسانٌ إليه فقبلت الأرض بين يديه وأعلمته بما قالت مولاتها وعمل فيه لحناً في طريقة الهزج. وكان إبراهيم قد ترك الغناء في آخر أيامه وذلك أنه قال:

стр. 7

كنتُ عند الرشيد في مجلس خلوة لم يحضره إلا جعفر بن يحيى، إذ بكى، فقلتُ يا أمير المؤمنين: ما يبكيك، لا أبكى الله عينيك، قال: أنت أبكيتني يا إبراهيم، لأنك مع كمالك وأدبك ومعرفتك قد اشتهرت بالغناء، فاخترته ولزمته حتى عطَّلك عما يسمو إليك مثلك، وكأني بك غداً، وقد مَلَكَ بعض ولدِ أخيك فأمرك ونهاك وامتهنك في الغناء، وإنما امتهن المهدي بك، قال: فلما كان في أيام المعتصم حضر في يومٍ منها مجلسه وكان الأفشين حاضراً فلما أرادوا الانصراف قال الأفشين: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك، تطول على عبدك بالتقدم إلى الندماء أن يكونوا غداً عندي، فأمرهم المعتصم بالمصير إليه، فقال: وليُجبني سيدي إبراهيم، قال: يا عم أجبه، فصار إليه إبراهيم في غدٍ، وبكر الندماء إليه جميعاً، فسُرَّ وسرِب حتى سكر، وكانى طاغياً، شديد العربدة لجوجاً، فلما عَمِلَ فيه السكر قال: يا إبراهيم غنِّ صةتك الذي فيه [مومو] قال لا أعرفه، قال: تغني والله أبداً كلَّ شيء تحسِنه حتى يمر هذا الصوت، قال فغني إبراهيم أصواتاً كثيرة والأفشين ساكتٌ ضاربٌ بذقنه على صدره، ثم خطر ببال إبراهيم قول الرشيد، وبكاؤه له وإشفاقه عليه فغنى متفجعاً لذكره: لم أَلقَ بعدَهُمُ قوماً فأُخبرهم ... ألا يزيد حُبا إليَّ هُمُ فرفع الأفشين رأسه وقال: هو هذا، فقال إبراهيم: أما إنك لا تدري ما استخرجته، وانصرف فقطع الغناء وأهله فلم يغنِّ بقية أيامه حتى اعتل العلة التي توفي فيها. فيقال: لما ثقل دعا المعتصم بصالح بن الرشيد فقال: صِر إلى عمي فقد بلغني أنه عليل فاحضره وانصرف إليَّ بخبره، قال: فسرتُ إليه فإذا هو شديد العلة، فسلمت عليه وسألته عن حاله فقال: سر إلى الحجرة فاخلع سيفك وسوادك، وعد إلي آنس بك ساعةً، ففعلت، ودعا خادماً من خدمه فأمره أن يحضر لي طعاماً فأحضره وأكلت منه وهو ينظر إلي وأتبينُ الأسف في عينيه، ثم دعا لي بأرطال مطبوخ عجيب فشربت ثم قال: يا غلام ادعُ لي بنعمة وخيزرانة، وكانت نعمة تضرب وخيزرانة تغني فجاءتا، فأمر هذه فضربت وهذه فغنت، ثم قال: أسندوني، فأسندوه وأمر خيزُرانة فحطت من طبقتها ثم اندفع يغني: رُبَّ ركبٍ قد أناخوا حولنا ... يشربون الخمر بالماءِ الزُّلالِ ثم أَضحوا، لعب الدهر بهم ... وكذاك الدهرُ حالاً بعد حال من رآنا فليوطِّن نفسه ... إنه منها عى قرني رئال قال: فاستوفاه، فما سمعتُ شيئاً قط كان أحسن من غنائه فيه، فقال: بأبي أنت وأزيدك، فقلت ما أريد أن أشقَّ عليك مع ما اراه من حالك، فليتني كنتُ فداك، فقال: دعني أُودِّع نفسي، وتغني: يا منزلاً لم تبلَ أطلالُه ... حاشى لأطلالك أن تبلى لم أَبكِ أطلالك لكنني ... بكيت نفسي فيك إذ ولى والعيش أَولى ما بكاه الفتى ... لا بدَّ للمحزون أن يسلى فبكيت لطيب غِنائِه، وشربت أرطالاً، ومال على جنبه فنهضت ولبست سوادي، فما خرجتُ من الحجرة حتى سمعت الصُّراخ عليه، وصِرت إلى المعتصم فأخبرته الخبر على وجهه، فاسترجع وبكى وتوجع. وكان عبد الله بن الفضل بن الربيع موصوفاً بالبراعة في الشعر والغناء، فأخذ منه إسحق الموصلي صوتاً من شعره وغنائه وهو: وصف الصدَّ لمن يهوى فَصَدّْ ... وبدا يمزح بالهجرِفَجَدّْ ما له يصرف عني وجهه ... وهو لا يعدله عندي أحد وغُني به الرشيدُ فقال: من يقول هذا يا إسحق، قال: بعض مواليك يا أمير المؤمنين، فقال: من من موالي يُحسن مثل هذا ولا أعرفه، قال: عبد الله بن الفضل، فقال للفضل: أحضرني ابنك عبد الله فقد بلغني أنه يجيد الغناء، فقال: وولائك يا أمير المؤمنين ما عرفتُ بشيءٍ من هذا إلا في ساعتي هذه، ومضى فدعا بابنه عبد الله وقال: قد بلغ من قدرك أن تجترئ عليَّ حتى تضع الغناء ويغنيه المغنون الخليفة، وأنا لا أعلم بشيءٍ من أمرك، وأمره أن يغنيه بشيءٍ من صنعته، فغناه صوتاً استحسنه وصار به إلى الرشيد فغناه، فأمر له بعشرة آلاف دينار. فقبضها الفضل، وقال له الرشيد: اشتر له بها ضيعة، ولم يزل من ندماءِ الرشيد والأمين والمأمون والمعتصم.

стр. 8

وكان حلف بأيمانٍ مؤكدة أنه لا يغني إلا خليفةً أو ولي عهدٍ، وكان عهد الواثق قد التبس عليه حتى تحدث الناس به، وخاضوا فيه، فأحب الواثق أن يقف على صحة أمره، فقال له عبد الله بن الفضل: أنا أستخرج لك علم ذلك فأعزم على الفصد، ففصد الواثق وعلم المعتصم فأمر له بهدايا وتحف، وقال له عبد الله: سله أن يبعث لك المغنين ويجعلني فيهم، فسأل الواثقُ المعتصم فبعث بهم إليه، وأمر عبد الله بالمسير إليه معهم، فقال: يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك، قد عرفت يميني، قال: قد عرفتها، فسر إليه وغنه، فإنك لا تحنث، فسار إلى الواثق فأعلمه أن عهده صحيحٌ، فسُرَّ الواثق بذلك، وأمر لعبد الله بمائة ألف درهم ولكل واحد من المغنين بعشرة آلاف درهم. وحكى معبد الذي يقال له اليقطيني، مولى علي بن يقطين، قال: كنت منقطعاً إلى البرامكة، آخذ منه وأَلزَمُهم، فبينا أنا ذات يوم في منزلي، إذا بياني يُدق، فخرج غلامي ثم رجع، فقال: على الباب فتى ظاهر المروءة جميل الوجه يستأذن عليك، فأذنتُ له، فدخل شابٌ ما رأيت أجمل منه وجهاً، وألطف ثوباً، وأحسن زياً، دنفٌ عليه أثر السقم ظاهرٌ، فقال لي: إني أُحاول لقاءَك منذ مدة، ولي إليك حاجة، قلت: ما هي؟ فأخرج لي ثلاثماية دينار فوضعها بين يديَّ، وقال: أُحبُّ أن تقبلها مني، وتضع لي لحناً في بيتين قلتهما، قلت: نعم وكرامة، هاتِ البيتين، فأنشدني: والله يا طرفي الجاني على كبدي ... لتطفئن بدمعي لوعة الحَزنِ أو لأبوحنَّ حتى يحجبوا سكني ... فلا تراه ولو أُدرجت في الكفن

стр. 9

فصنعت فيهما لحناً شجياً يشبه النوح، ثم غنيته إياه فأُغمي عليه حتى ظننت أنه قد مات، ثم أفاق وكأَنَّه أُنشر من قبرٍ، ثم قال: أَعِد فديتك، فنشدتُهُ بالله في نفسه، وقلت: أخشى والله أن تموت، فأبى وقال: ليت ذاك كان، وهيهات، نفسي المشئومة أشقى من أن أموت فأستريح، وما زال يخضع ويتضرع ويبكي حتى رحمته، فأعدتُ الصوت، فصعق صعقة أشدَّ من الأُولى فلم أك أن نفسه خرجت، وبقي ملقىً لا يتنفس إلا نفساً خفياً فما زلت أنضح ماءَ الورد على وجهه وأُبَّخر بين يديه وأُّشمه أصناف الطِّيب حتى فتح عينيه وأَفاق وبقي ساعةً ملقى ثم تحامل فجلس، فحمدتُ الله تعالى على سلامته ووضعت دنانيره بين يديه وقلت: خذ مالك وانصرف عني، قد قضيت حاجتك، وبلغت وطراً مما أردته ولست أُحب أن أشرك في دمك فقال لي: يا هذا لا حاجة لي في الدنانير ولك عندي مثلها وأعد عليَّ هذا الصوت مرة أُخرى فقط، وأنا أنصرف عنك وخلاك ذمٌّ، فشرهتُ إلى الدنانير، فقلت: لا والله ولا أضعافها إلاَّ على ثلاث شرائط، فقال: وما هن، فقلت: أما أولُهن فتقيم عندي، وتأكل من الطعام ما تقوي به نفسك، والثانية أن تشرب أقداحاً تمسك قلبك وتحفظ نفسك ويثبت في حافظتك ما تسمعه، والثالثة أن تحدثني بحديثك فلعل ذلك ينفعك، قال: أفعل، فدعوت بالطعام فأصاب منه إصابة مُعذر، ثم دعوت بالشراب فشرب أقداحاً وأنا أُغنيه من عرض الأغاني ما يحضرني وهو يشرب ويبكي، ثم قال: الشرط أعزك الله، فلما رأيته قد خف ما به، ورأيت النبيذ قد شدَّ قلبه، كررت عليه مراراً ثم قلت: حدثني، قال: أجل، قال: أنا رجل من أهل المدينة خرجت متنزهاً وقد سال العقيق في فتيةٍ من أقراني وأخداني فبصرنا بفتيات قد خرجن لمثل ما خرجنا له فجلسن وبصرت بفتاة منهن كأنها غُصنٌ قد طلله الندى تنظر بعينين ما ارتد طرفهما إلا بنفس ملاحظهما، لإاطلنا وأطلن حتى تقَرَّض النهار " ثم تفرقنا وقد أبقت بقلبي جرحاً بطيئاً اندماله، فعدت إلى العقيق، أتنسم خبرها وأطنع في لقائها، فإذا هو خالٍ ليس فيه أحد، ولا أرى لها ولا لصواحبها أثراً، ثم جعلت أتتبعها في أسواق المدينة وطرقاتها فكأن الأرض أضمرتها، فمرضت أسفاً عليها، وصبابة بها وضنيت حتى يئس أهلي مني فخلت بي ظئر لي استعلمتني حالي وضمنت لي كتمانها، والسعي فيما أحبه منها، فأخبرتها الخبر فقالت: لا بأس عليك، هذه أيام الربيع ما انقضت بعد وهي سنة خصبٍ وليس يبعد عليك المطر وهذا العقيق، فتخرج حينئذ وأخرج معك فإذا جاء النسوة ورأيت من تريد فعرِّفني حتى أتبعها فلا أفارقها أو أقفعلى موضعها، وأصل بينك وبينها، وأسعى لك في تزويجها، فكأن نفسي اطمأنت إلى ذلك، ووثقت به وسكنت إليه، وأصبت شيئاً من الطعام، وتراجعت نفسي، ولم نلبث أن جاء المطر وسال العقيق فخرج الناس ينظرون إليه وخرجت فيهم مع إخواني أولئك وظئري فجلسنا مجلسنا الأول بعينه، فما كنا والنسوة (إلا) كفرسي رهان، وأومأت إلى ظئري إيماءً، عرفتها به فجلسن قريباً منا، فقلتُ لظئري: قولي لهذه الجارية، يقول لك هذا، والله لقد أحسن الذي يقول: رمتني بسهمٍ أقصد القلب وانثنت ... وقد غادرت جرحاً به وندوبا فمضت فقالت ذاك لها، فقالت: ارجعي فقولي له: لقد أحسن القائل وأحسن من أجابه حيث يقول: بنا مثل ما تشكو، فصبراً لعلنا ... نرى فرجاً يشفي السقام قريبا

стр. 10

فأمسكتُ عن الجواب خوفاً من أن يظهر ما يفضحنا جميعاً، وعرفت ما أرادت، فقمت منصرفاً، وقامت لقيامي، وتبعتها ظئري، حتى عرفت منزلها، وسارت إلي فأخذت بيدي، وسرنا إليها وما زلنا نتلطف حتى اجتمعنا معها على سبيل المجالسة والمؤانسة، واتصل ذلك حتى شاع حديثنا وظهر ما بيننا فحجبها أبوها عني وتشدد عليَّ، فلم أزل مجتهداً في لقائها، فلم أقدر عليه، فشكوت حالي إلى أبي، وسألته أن يخطبها إلي، فجمع مشيخة أهلنا، مضى إلى أبيها راغباً إليه في المصاهرة، فقال: لو كان بدأ بذلك قبل أن يفضحها لأسعفته بما التمس، لكنه قد شهرها وعيَّرها فما كنت لأُحقق قولَ الناس فيها بتزويجه إياها، فانصرفتُ على يأس منها ومن نفسي، فسألته عن منزله فعرفني فزرته وكثرت عنده، وكانت بيننا عشرة، ثم جلس جعفر بن يحيى وحضرت على رسمي فغنيتُ جعفراً في شعر الفتى أولَ ما غنيت، فطرب طرباً شديداً، وشرب عليه أقداحاً، وقال: ويلك ما هذا الصوت، ومن أين هو لك؟ فقلت: صنعته منذ أيام، وحديثه أظرف منه، فقال: ما هو؛ فحدثته بحديث الفتى، فأمرني بالركوب إليه وأن أجعله على ثقة من بلوغه ما يحب، فمضيت إليه، وأحضرته، فاستعادة جعفر الحديث، فأعاده عليه، فقال: هي في ذمتي حتى أزوجك إياها، فطابت نفسه، وأقام معنا، فلما أصبح جعفر، ركب إلى الرشيد فحدثه بالحديث، فاستطرفه، وأمر بإحضارنا جميعاً فحضرنا واستعاد الصوت فأعدته وشرب عليه، وسأل الفتى عن حديثه فأعاده عليه فأمر بالكتاب إلى عامل الحجاز بإشخاص الرجل وأهله وولده مبجلاً مكرماً إلى حضرته، والإنفاق عليهم نفقة واسعة سنية فلم يمض إلا مدة يسيرة حتى حضروا، فأمر الرشيد بإيصال الرجل إليه فأُحضر وأمره بتزويج الجارية من الفتى وأعطاه ألف دينار، فزوج الفتى الجارية بحضرته وانصرنا، وأمر جعفر لكلِّ واحد منا بألف دينار، نُقلت إليه أهله ولم يزل بعد ذلك من ندماء جعفر حتى حدث عليه ما حدث فعاد بأهله إلى المدينة. وممن أدركته وعاشرته، عبد الوهاب بن حسين بن جعفر الحاجب، وذكرته هاهنا لأنه يلحق الأُمراء المتقدمين غير خارج منهم ولا مقصر عنهم، بل كان واحد عصره في الغناء الرائع، والأدب البارع والشعر الرقيقي، واللفظ الأنيق، ورقة الطبع، وإصابة النادر والتشبيه المصيب والبديهة التي لا يُلحق فيها، مع شرف النفس وعلوِّ الهمة، وكان قد قطع عمره وأفنى دهره، في اللهو واللعب والفكاهة والطرب، وأعلم الناس بضرب العود واختلاف طرائقه، وصنعة اللحون [و] كثيراً ما يقول الأبيات الحسنة في المعاني اللطيفة، ويصوغ الألحان المطربة البديعة المعجبة، اختراعاً منه وحذقاً، وكانت له في ذلك قريحة، وطبع، وكان إذا لم يزره أحدٌ من إخوانه حضر مائدته وشرابه عشرة من أهل بيته، منهم حُبيش، ولده، وعبد الله ابن أخيه، وعلي، وإبراهيم وإسمعيل، بنو قيس، وعامر الشطرنجي، وبعض غلمانه، كل هؤلاء يغنون ويجيدون، فلا يزالون يغنون بين يديه، حتى يطرب فيدعو بالعود ويغني لنفسه ولهم. وكان بشارةُ الزامر الذي يزمر عليه، من حذاق زمرة المشرق، وكان بعيد الهمة سمحاً بما يمجد، تغلُّ عليه ضياعُهُ في كل عام أموالاً فلا تحول السنة حتى ينفذ جميع ذلك ويستسلف غيره، فكان لا يطرأ من المشرق مُغن إلا سأل من يقصد لهذا الشأن فيدل عليه، فمن وصل إليه منهم استقبله بصنوف البر والإكرام، وكساه وخلطه بنفسه ولم يدعه إلى أحد من الناس، فلا يزال معه في صبوح وغبوق، وهو يجدد له في كل يوم كرامةٍ حتى يأخذ ما عنده من صوتٍ مطربٍ أو حكاية نادرة. وجلس يوماً وقد زاره رجلان من إخوانه وحضر أقرباؤه فطعموا وشربوا وأخذوا في الغناء فارتج المجلس، إذ دخل عليه بعض غلمانه فقال: بالباب رل غريب، عليه ثياب سفر، ذكر أنه ضيفٌ، فأمر بإدخاله فإذا رجل سياط، رث الهيئة فسلم عليه، فقال: أين بلد الرجل، قال: البصرة، فرحب به، وأمره بالجلوس، فجلس مع الغلمان حتى انتهى إلى آخرهم، فلما سكتوا اندفع يغني بصوت ندٍ وطبعٍ حسنٍ: ألا يا دار ما الهجرُ ... لسكانك من شاني سُقيت الغيث من دارٍ ... وإن هيجت أشجاني ولو شئتِ لما استسقيت عيناً غير أجفاني بنفسي حل أهلوكِ وإن بانوا بسلوان وما الدهر بمأمونٍ ... على تشتيت خلان

стр. 11

فطرب عبد الوهاب وصاح وتبين الحذق في إشارته، والطيب في طبعه، وقال: يا غلام، خذ بيده إلى الحمام وعجِّل عليَّ به، فأُدخل الحمام ونظِّف، ثم دعا عبد الوهاب بخلعةٍ من ثيابه فألقيت عليه، ورفعه وأجلسه عن يساره وأقبل عليه وبسطه فغنى له: قومي امزُجي التِّبر باللجين ... واحتملي الرِّطل باليدين واغتنمي نومة الليالي ... فربَّما أوقظت لِحيني فقد لعمري أَقرَّ منّا ... هلالُ شوال كلَّ عينِ ذات الخلاخيل أبصرته ... كنصف خلخالها اللُّجين فطرب وشرب واستزاده فغناه: من لي على رغم الحسود بقهوةٍ ... بكر ربيبة حانةٍ عذراء موج من الذهب المذاب يضمه ... كأس كقشر الدُّرة البيضاءِ والنجم في أُفق السماء كأنه ... عين تخالس أعيُن الرُّقباء فشرب عبد الوهاب ثم قال زدني، فغناه: وأنت التي أشرقت عيني بمائها ... وعلمتها بالهجر أن تهجر الغمضا وأغريتها بالدمع حتى جفونُها ... لتذكر، من فقد الكرى، بعضُها بعضا فمرَّ يوم من أحسن الأيام وأطيبها، ووصله وأحسن إليه، ولم يزل عنده مقرباً مكرماً، وكان خليعاً ماجناً مشتهراً بالنبيذ ولزوم المواخير، ثم وصفت له الأندلس وطيبها وكثرة خمورها، فمضى إليها ومات بها. وعلى نحو هذا الحال كان يفعل بكل طارئ يطرأ من المشرق، ولو ذكرتهم لطال بهم الكتاب. وحضرنا عنده يوماً وقد أتى بنرجس نوري في غاية الحسن والرُّواء، ونهاية الطيب واذكاء، وقد تثاقل عن، الغناءِ ولم ير له نشاطااً فلما وضع النرجس بين يديه، أمر بمجامر فأُحرق فيها ندٌ وعنبر، لإاراد عليٌّ بن الطيِّب تحريكه، وكان من جملة الكتاب الرؤساء والشعراء والأُدباء، فقال: أتعرفون في وصف النرجس أحسن من قول عليّ بن العباس الرومي، وأنشد له: للنرجس الفضل المبين وإن أبي ... آبٍ وحاد عن الطريقة حائد فصل القضية، أن هذا قائدٌ ... زهر الرياض، وأن هذا طاردُ وإذا احتفظت به فأمنَعُ صاحبٍ ... بحياته لو أن حيًّا خالدُ ينهى النديم عن القبيح بلحظه ... وعلى المُدامة والسَّماع مساعِدُ هذي النجوم هي التي ربتهما ... بحيا السحابِ كما يُربي الوالدُ ٣ف - انظر إلى الأخوين من أدناهما شبهاً بوالده فذاك الماجدُ أين الخدودُ من العيون نفاسةً ... ورياسةً لولا القياسُ الفاسِدُ فاستحسنها وتناول باقةً ودعا برطلٍ ليشربه فقلتُ له: مهلاً حتى أُنشدك ما جمع فيه من تشبيه ما في يمينك ويسارك، وأنشده: أدرك ثقاتك إنهم وقعوا ... في نرجس معه ابنة العِنبِ فهم بحالٍ لو بصرت بها ... سبَّحت من عجبٍ ومن عَجَبِ ريحانهم ذهبٌ على دُررٍ ... وشرابهم درٌّ على ذهبِ يا نرجس الدنيا، أقِم أبداً ... للاقتراح ودائم النُّخبِ وله في هذه الأبيات لحن طيب وإنما أردت تذكيره وتحريكه فلم يزل يُسر بذلك وارتاح له، وشب، وأمر بالعود، وكان يُصلح له قبل أن يؤتى به، فجسَّه وغنّى في نحو ما أنشد، وما علمنا في ذلك الوقت أن الشعر له أو لغيره، وهو: نبِّه نديمك يا غلا ... مُ فإنَّ ذا يومٌ أَغرُّ بادر إِليَّ بسكرةٍ ... فإذا فعلت فأنت حُرُّ واجمع لنرجسكَ المدا ... مَ فإِن جمعَها يَسُرُّ واشرب عليه شبيههُ ... وكلاهما ذهبٌ ودُرُّ ثم غنَّى بعده نشيداً: ما خابَ من جعل الجزيرة موطناً ... لا الزابُ يشبهها والخابورُ تحيا النفوس بطيبها فكأنها ... نيلُ الرضا يحيى به المهجورُ وكأن نرجِسها عيونٌ كُحلتْ ... بالزعفران جفونها كافورُ وبسيطهُ: على بغداد من قلبي السلامُ ... تحية من أَضرَّ به السَّقامُ لئن أُخرجت من بغداد كرهاً ... فإن القلب فيها مستهامُ أذوب صبابةً وأموت عشقاً ... وأَحسدُ من له فيها مقامُ

стр. 12

ثم لم يغن في مجلسه بقية يومه إلا في النرجس، ومنع من حفظه غلَبَةُ السُّكر، وكان قد صفا ذهنه، وخلصت قريحته في ذها الشأن، فحدثنا أنه نام ليلةً حتى رأى فيما يرى النائم كأن شخصاً نظيف الثياب، طيب الرائحة دخل عليه فسلم وجلس إلى جانبه، قال: فقلت: من تكون أصلحك الله، قال: إسحق بن إبراهيم الموصلي، قلتُ: ما أشوقني إلى لقائِك، وأشدَّ حرصي على استماع صوتٍ من أغانيك التي لحنتها ولم يسبقك أحدٌ إليها، فدعا بعودٍ فأصلحه وضرب وغنَّى: تلاعبت بي لا أنت بالهجر مِتلفٌ ... حياتي ولا بالوصل جددت لي عُمرا تؤاهلني طوراً، وتهجر تارةً ... دلالاً، فلا وصلاً تُديم ولا هجرا فلو دمت في هجري، لسببت مِيتتي ... ومن مات من جور الهوى عُرِّض الأجرا فكم عبرةً للعين أجريتها دماً ... وكم حرقةً في الصدِّ أذكيتها جمرا لعل الذي أضحى له الأمر كُلُّه ... على طولِ ما ألقاه يُحدث لي أمرا فقبلت يده فرحاً وأخذت عوداً وغنيته معه وانتبهت فكتبته وغنيته كما سمعته، فكان كثيراً ما يغنيه ويقترحه إعجاباً بحسن صنعته فيه. وتنزهنا معه في بعض أسفاره إلى المهدية، فبكرنا يوماً ومعنا طيور وكلابُ صيدٍ وتوجهنا إلى نحو سلطته فأخذت الأطيار حجلاً وأرانب ونزلنا بكرمٍ ظليل وأتينا بما أصطيد لنا من السمك فأمر غلمانه فحفروا حفيرة وأوقدوا ناراً وجعلوا يشوون من صيدنا ويلقونه إلينا ويديرون الكئوس علينا ونحن في ألذ عيش وأطيبه إلى أن غيَّمت السماء وأتت بطلٍّ ورذاذٍ وكان فصل الربيع فقال: الآن أكمل يومنا، ودعا بالدواة فكتب: يا طيب غنمنا طيبَ لذته ... حتىوصلنا به الآصال بالبكرِ ونحن نشربها صهباء صافيةً ... ونشتوي صيدنا في مُحكم الحُفر فالجو يخضب وجه النار من بردٍ ... والنار تخضب وجه الجو بالشررِ ضدَّانِ خوتُهما سِلمٌ لأنفسنا ... تراجما بحصى الياقوت والدرر فانعم به واحبُهُ باللهو تحلِيَة ... واعدًدْهُ في الدهر من أيامك الغُررِ وقام جيش ولده وبيده زورق فضة، فجعل يلتقط به ما استقرَّ من قطر المطر ويمزج به كأسه فنظر إليه أبوه فقال: وكأسٍ شربناها بماء قرارة ... تلقطها السَّاقي بزورق فضةِ فما زال يسقيني ويَمزُج كأسُه ... بزورقه حتى حظيتُ بسكرةِ فيا غيث خَيّم في ملاعب جنة ... فلم أنسَ فيها طيب يوم وليلةِ ثم انصرفنا فصاغ للشعرين لحناً وغنّى فيهما حتى الصباح. ونظر إلى بشارة غلامه وكان مليحاً ظريفاً يتولى السقي فأعجبه فقال، وغُنِّيَ فيه: أَحامِلها من لؤلؤ وعقيق ... وما زجها من سلسلٍ ورحيق أدرها علينا يا لك الخيرُ، إننا ... سلكنا إلى اللذات كلَّ طريق ومن شعره وغنائه: حيَّاك ظبيٌ وصلُهُ ... أبداً يُشاب بصده حيَّا بوردٍ أحمرٍ وبنفسجٍ في نضده فحكت تحيته سواد عذاره في خدهِ ومن شعره وغنائه، وكان قد عرف الأيام حقَّ معرفتها فقطعها اغتناماً: كُن عن العذلِ ذا صَممْ وانفِ عن نفسكَ النَّدَمْ واقطع الدهر بالسرور على رغم من رغم فالذي تبتغي وترجوه قد خطَّه القلم

стр. 13

وقال إبراهيم بن العباس الصولي: عزم الفضل بن مروان وزير المعتصم على أن يدعوه وخاصته إلى منزله وبلغني ذلك وكان لي صديقاً، فأشرت عليه ألاَّ يفعل، فأبى وقال: قد رهنت لساني بذلك، ورأيته يشتهيه فدعاه. قال إبراهيم: فإني لجالس إذا جاءني رسول الفضل بن مروان (يقول) : أحبُّ أن تصير إلأيَّ الساعة، فوافيته، فخرج إلي متحيراً، فقال: أشرت عليَّ بصوابٍ فأبيته، قلت: فما الخبر، قال: لم يبق شيءٌ حسن إلاَّ وقد علقتُهُ وفرشته، ولا آنية حسنةٌ، إلا وقد استعملتها وأظهرتُها، وجاءني أمير المؤمنين مسروراً وأمرتُ بالطعام فلما أحضرته، أمسك بطنه وقال: قد وجدت مَغساًن وامتنع عن الأكل، وأظنُّ ذلك لاستنكاره ما رأى لي، فما الحيلة؟ قلت: إذا أتتك رقاعي فأطهرها بين يديه، وأجبني عنها، وجعلت أُواترُ رقاعي إليه: أن أصحاب خزائن أمير المؤمنين قد طلبوا الآنية والأمتعة المستعارة منهم، وقد سألتهم الصبر إلى وقت قيام أمير المؤمنين، فأبعث إليهم من يعينني عليهم، فجعل يظهرها ويكتب أجوبتها بين يدي المعتصم، فقال ما هذا يا فضل؟ قال: أصحاب خزائن أمير المؤمنين استعجلوني في ردِّ ما استعرته منهم وتجملتُ به في هذا اليوم الذي شرفني فيه أمير المؤمنين بدخول منزلي، فقال المعتصم: يا فضل، هذا من خزائننا، قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: وليس شيءٌ منه لك، قال: من أين أنا أملك هذا، قال: فإني أهبه لك، وأمر الخدم أن يضربوا رؤوس من يستعجله في ذلك، وقال: قد خفَّ ما كنتُ أجد فهات طعامك، فأكل وأكل الناس معه وشرب وشربوا، وأقام إلى ىخر النهار وانصرف مسروراً. ولما ظفر المأمون بإبراهيم بن المهدي، استشار أصحابه، فكلهم أشار بقتله، إلا الحسن بن سهل، فإنه قال: إن قتلتهُ فعلتَ ما فعله الناس قبلك، وإن عفوت عنه تفردت بمكرمة لم يأتها أحدٌ قبلك، قال: فإني أختار هذا، وعفا عنه. ودخل الحسن على المأمون وهو على شرابه فناوله قدحاً وقال له: بحق عليك إلا أمرت من شئت أن يغنيك لفأومأ إلى إبراهيم بن المهدي، فأمره المأمون أن يغني له، فاندفع يغني بشعر الأعشى: تسمعُ للحلي وسواساً إذا انصرفت ... كما استعان بريحٍ عشرقٌ زَجِلُ فشرب الحسن وخرج، فوثب المأمون عن مجلسه مغضباً وقال: عليَّ بإبراهيم، فجاء وهو يُرعد، فقال له: لا تدعُ كبرَك وتيهَكَ، ولا تعرف حقَّ المنعم عليك، أنفت من إيماء الحسن إليك بالغناء، فغنيت معرِّضاَ بما يعرض من المراد، أَما والله ما أحياك بعد الله غيره، فلا تعد لمثلها، قال [يا] أمير المؤمنين: ومن يبحث عقله وتهتدي قريحته لمثل هذا، لست أعودُ إليه أبداً. ولما تزوج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل انحدر إلى " فم الصلح " وهي المدينة التي بناها الحسن بن سهل على دجلة، فبنى ببوران، وأقام المأمون وسائر قوادِهِ ورجاله، في ضيافته أربعين يوماً، يأكلون ويشربون ويسمعون كل ملهيةٍ ومُلهٍ كانوا ببغداد، وكتب رقاعاً صغاراً، فيها أسماء ضياع ومستغلات وعدد أموالٍ، وجعلها في بنادق مسكٍ وعنبر، ونثرت على القواد والوجوه، فما وقع منها بيد كل واحدٍ، مضى بها إلى وكلاء الحسن فتسلم ما فيها. ولما جُليت بوران على المأمون، أُشعلت بين يديه شمعة عنبر فيها مائة رطلٍ، وفرش له حصير من ذهب مرصع بالجوهر، وجيء بمكتلٍ من ذهب مرصعٍ بالجوهر فيه حبُّ دُرٍّ، فنثر على ذلك الحصير فقال المأمون: قاتل الله أبا نواس، كأنه كان يشاهد هذا حيث قال: كأن صغرى وكبرى من فواقعها حصباء دُرٍّ على أرض من الذهب قال الحسن بن رجاء: فكنا نُجري على ستة وثلاثين ألف ملاَّح بالسفن، المقيمين بمقام المأمون عنده، وبلغ إنفاق الحسن في هذه الوليمة، أربعة آلاف ألف دينار، فعاتبه المأمون في حملِهِ على نفسه، فقال: يا أمير المؤمنين أترى هذا من مال سهل؛ والله ما ههو إلا من مالك. وكتب الحسن بن سهل إلى الحسن بن وهب، وقد اصطبح في يوم غيم لم يمطر: أما ترى تكافؤ الطمع واليأس، في يومنا بقرب المطر، وبُعده [في] قول كثير: وإني وتهيامي بعزَّةَ بعدَماا ... تخليتُ مما بيننا وتخلتِ كالمرتجي ظِل الغمامة كلَّما ... تبوأَ منها للمقيل اضمحلتِ

стр. 14

وما أُمنيتي إلا في لقائك، ورقعتي هذه، وقد أدرتُ زجاجات أخذت من عقلي، ولم تتحيفه، وبعثت نشاطاً حركني على الكتاب إليك، فرأيك في إنظاري سروراً بسار خبرك، إذ حرمت السرور بالمطر في هذا اليوم، موفقاً إن شاء الله. فكتب الحسن بن وهب: وصل كتاب الأمير أيده الله، ويدي عاملة، وفمي طاعم، ولذلك تأخر الجواب قليلاً، وقد رأيت تكافؤ إحسان هذا اليوم وإساءته، وما استحق ذماً لأنه إن أشمَسَ حكى ضياءك وحسنك، وإن أمطر أشبه سخاءك وبرَّك وجودك، وإن أغام ولم يشمس ولم يُمطر، فقد أشبه طيب ظلك ولذة فنائِك، وسؤال الأمير، أيده الله، عنّي، نعمة من نِعَم الله عليَّ، أُعفي بها آثار الزمان المسيء، وأنا، كما يحب الأمير، صرف الله الحوادث عنه وعن حظِّي منه. وقال أحمد بن أبي سلمة الكاتب: حضرت مجلساً فيه عمرو بن مسعدة وأحمد بن يوسف، فغنت قينة صوتاً أجادته وهو: أُناس مضوا كانوا إذا ذكر الأُلى ... مَضوا قبلهم صلُّوا عليهم وسلموا فقال عمرو بن مسعدة: هو والله حسن، إلا أنه بيت مفرد، فأضيفوا إليه بيتاً آخر فإنه أحسن له، وأمكن للغناء فيه، فقال أحمد بن يوسف: وما نحن إلا مثلهم غير أننا ... أقمنا قليلاً بعدهم وتَقدموا فأضيف إلى البيت الأول، وغنَّت فيه القينة، وطربوا وشربوا عليه بقية يومهم، وما زال أحمد بن يوسف مكيناً عند المأمون، يتولى له ديوان الضياع، حتى غضب عليه. وكان سبب ذلك؛ أن المأمون جلس يوماً فقال لأصحابه: نجلس غداً مصطبحين، نجلس خلوةً فلا يكون معنا من نحتشمه، ثم أقبل على أحمد بن يوسف، فقال: كن المختار لمن يجالسنا في غدٍ، فقال: نعم، يا أمير المؤمنين: إبراهيم بن المهدي يلهيك ويؤنسك، وابن سمير يحدثك، قال نعم، وأنت يا أحمد، قال: وأنا يا أمير المؤمنين. وبكروا، فحجب الناس، وجاء الحسن بن سهل فاستُؤذن له فقال: يدخل، فقال أحمد: وكان الحسن اصطنعه، يا أمير المؤمنين، هذا خلاف ما ضمنت، قال: ويحك، أبو محمد لا يُحجب، فدخل فقال له المأمون، يا أبا محمد، هذا مجلس اقتضبناه ولولا ذلك لبعثت إليك، فأقم عندنا، فقال: يا أمير المؤمنين، تمم الله لك السرور، وأنا أجد في بدني شيئاً يمنعني من خدمة أمير المؤمنين، وحضور مجلسه، فإن رأى أن يأذن لي في الانصراف، وأَلحَّ المأمون في مسألته، ثم أذن له لما امتنع، فلما خرج، قال أحمد، يا أمير المؤمنين: [ليتك] ما اعتذرت إلى الحسن، قال: ليس هو باعتذار، قال أحمد: فترضى بإبراهيم بيننا حكماً، فأعانه إبراهيم، فقال له المأمون: لقد شاورت الناس فيك فكلهم أشار بقتلك، وما منعني من ذلك غير أبي محمد، وهو أجلسك هذا المجلس، فإذا لم تشكره فأنت حرٍ، أَلا تشكر غيره، والله لا جلست مجلسك هذا أبداً، وألزمه منزله حتى مات. قال سليمان بن وهب: لما نكبني الواثق قال لمحمد بن عبد الملك، عذب سليمان بن وهب، وضيّق عليه وطالبه بالأموال، قال: فألبسني جبة صوف وقيَّدني، وكان يحضرني دار الخليفة، ويخاطبني أغلظ مخاطبة، ويتهددني، ويعاملني أقبح معاملة وأشنعها، ويُثبت أصحاب الأخبار بالخبر إلى الواثق فيعجبه ذلك، وإذا كان الليل، أمر بنزع قيودي وأخذ الجبة عني وخَلَع عليَّ، فنأكل ونشرب ونأنس، ونخرج إلى خواص جواريه تخدمنا ويفضي إليَّ بأسراره وأُموره، فإذا كان وقت انصرافنا، ضرب بيده على يدي وقال: يا أيوب أَيُوب، هذا حق المودة، وذاك حق السلطان، فلا تنكر هذا ولا تنكر ذاك، فأشكره على فعله، فإذا كان من غدٍ عدنا إلى ما كنا عليه كأنا ما تعارفنا، وهذا حديث غريب عن ابن الزيات.

стр. 15

وكان الحسن بن وهب يتعشق [بنان] جارية ابن حماد، وكان لا ينقطع عن منزلها، وأنفق عليها أموالاً جسيمة، وبلغ من اشتهاره بها أن الواثق أمر إيتاخ بعمل حُلتين على صورة دفعها إليه، فتقدم إيتاخ بذلك إلى سليمان بن وهب، وهو يومئذٍ كاتبه، فجد في أمر الحلتين حتى فرغ الصنّاع منهما وأُحضرتا، وعرضتا على الواثق، فاستحسنهما وأمر بقطعهما، وسأل سليمان الحسن النيابة عنه في ذلك، فقطع إحداهما وخلعها على " بنان " واتصل الخبر بسليمان، فقامت عليه القيامة وأمر بإحضار الوشائين وطلب شكلاً لهما فلم يجده، فابتاع ما يقاربهما بخمسة آلاف دينار، وصدق إيتاخ عن خبره، وطلبهما الواثق، فرافعه إيتاخ، وتعلل عليه، إلى أن فَرَغَ الخياطون منهما، فلما رآهما الواثق أنكرهما، ودعا بإيتاخ، فسأله عن السبب فصدقه، فضحك ضحكاً شديداً، ونفَّذ خادماً إلى الحسن وأمره بإحضاره، فلما دخل إليه قال له: تأخذ ثوبي وتقطعه لصاحبتك، جرأة عليَّ، قال: يا أمير المؤمنين أنت تقدر على أمثاله وأنا لا اقدر على ذلك، فازداد ضحكاً، وخلع عليه وصرفه. وسأل الحسن " بَنان " زيارته فقالت: أفرقُ من مولاي، فقال: ويقول الحبيب أفرقُ مولاي فقل لي، مولاي، من مولاكا لك عبدٌ، عبيدُه فوق مولاكَ، ومولاك ليس ينكر ذاكا قال أبو الفرج الأصبهاني: كان الحسن بن وهب قد عشق " بنان " جارية محمد بن حمَّاد عشقاً مبرحاً، وكانت من الحسن والظرف والأدب وجودة الغناء، على غاية ما تسمو إليه النفوس، فأنفق عليها في مدة قريبةٍ ثلاثين ألف دينار، وإنما يزورها في بيت مولاها، فلامه بعض إخوانه على ذلك وعَذَله، وقالوا: لو أعطيت مولاها بعض ما أنفقت عليها لباعها فحظيت بملكتها، ولم تشارك فيها، فقال: هيهات، عندي ثلاثون جارية ما منهن واحدةٌ دونها، لو سُئِلتُهُن بساعةٍ منها لبذلتُهُن ثمناً لها، إن الملكة والإحاطة، تورث الملالة، وإنكم لا تدرون طعم لذة الممانعة، وكيف طيبُ المسارقة، والمخالسة، واستغفال الرقيب بانتهاز الفرصة وإيقاع المكشحَةِ بالمولى. قال: وغضبت عليه مرة غضباً شديداً، فأعرضت عنه وهجرته، فقامت قيامته، ولم يدر كيف يترضاها، فركب إلى أحمد بن المدبر وعليه ثياب سوادٍ، فقال: ما هذا اللباس وليس من عادتك، قال: غضبت عليَّ " بنان " فلبست الحداد حتى أموت أو ترضى، وقد عولتُ عليك في ترضِّيها لي، قال: فركب إليها أحمد بن المُدبر فلم يزل يستعطفها بلطافته وبلاغته ويترضاها حتى قالت: قد رضيت عنه بشفاعتك فيه، على أن تلبث عندي وترسل إليه حتى يجيء فأكايده بك قليلاً، ووقع ابم المدبر من قلبها موقعاً لطيفاً، فقال: نعم، وأرسل إليه، يعلمه أنها قد رضيت عنه، ويسأله أن يصير إليها، حتى يتولى بينهما العهد وتأكيد الصلة، فأقبل مسرعاً لا يعقل سروراً، فلما رأته أعرضت عنه وأقبلت على ابن المدبر بالضحك والمداعبة والمجاذبة، والحسنُ بنُ وهب جالسٌ في ناحية، فلما طال عليه ذلك، دعا بدواةٍ وقرطاسٍ وكتب إليه: بعثت رسولاً، فأضحى خليلاً ... على الرغم مني فصبراً جميلاً وكنت الخليلَ وكان الرسول ... فصرتُ الرسول وصار الخليلا كذا من يوجِّه في حاجةٍ ... إلى من يحب رسولاً نبيلا ثد دفع القرطاس إليها، فلما قرأت ما فيه استحيت، وتذممت وأقبلت عليه، بالرضا والضحك، وعانقته وعانقها وتفرقوا ومضى من فوره، الحسنُ بن وهب، فأهدى إليها ثوباً بمائتي دينار، مُمسكاً بمائتي دينار، مبروداً في العنبر، والعنبر محشوٌ في برنيةِ بلور. وكان قد تعلق فيما بينها وبين ابن المدبّر، في مجلسها ذلك، هوىً أخذ بقلبيهما معاً، فبعث ابن المدبر يستزيرها فزارته، ولبست ذلك الممسك، فقال: ما هذا؟ قالت: أهداه وحياتك لي أمس، حسن ابن وهب فلبسته اليوم وجئتك به، قال: فليس يجب أن نقصر في حقِّه ولا نعطله من برِّهِ، قالت: رأيك أرشد وأمرك طاعة، وقربك أسعد السعادة، فقام إليها فأشبعها عملاً فيه ثم كتب إلى الحسن: أهدى إليها قميصاً ... والنَّيْكُ فيه لغيره فيها سعادة حرِها ... ويا شقاوة أَيْرِهِ

стр. 16

فاشتهر ذلك بسُر من رأى وبلغ عذال الحسن فيها ونُصحاءه فقالوا له، قد نصحناك فلم تقبل، فلا يُبعد الله إلا رأيك، فيقال إنه مات على إثر ذلك، حسرة وكمداً، وبلغها أمرُهُ فلبست حداداً وندبته وكانت كما قيل: لا أعرفنك بعد اليوم تندبني ... وفي حياتي ما زوَّدتني زادا وحجبها ابن حمَّاد مرَّة ومنعها منه، وبلغ الحسن أنه دعا جماعةً من إخوانه، في يوم جمعة وعزم على إخراجها إليهم، فكتب الحسن إليها: يومنا يوم جمعةٍ بأبي أنتِ وعند الوضيع لا شكَّ قومُ فامنعيهم منك البشاشة حتى ... يتغشاهم من البرد نومُ وليكن منكِ، طول يومِكِ، لله، صلاةٌ إلى المساء وصومُ وارفعي عنهم الغِناء، وإن نابكِ عذلٌ من الوضيع ولومُ واذكري مغرماً، بحبِّك أضحى ... همُّه أن يَسُره منك يومُ فوقعت الرقعة في يد ابن حمَّاد، فعلم أن جاريته، ستفعل ما أمر به الحسنُ، ومتى فعلت فسد مجلِسُهُ فكتب إليه يسترضيه، وسأله أن يصير إليه. ففعل الحسن ذلك وصَلُح ما بينهما وفيه يقول: ما لمولاكِ عاجلته المنايا ... وعلا فوقَهُ صفيح وتُربُ قد حمانيكِ قاصداً لي بما أكرهُ عمداً وأنت للناس نهبُ وكان الحسن لا يصحو من الشراب، فقال له سليمان أخوه: أراك اليوم فارغاً. قال: نعم، ولذلك لا أعده من عمري، وأنشده بديهةً: إذا كان يومي غير مُدامةٍ ... ولا يوم فتيانٍ فما هو من عمري وإن كان معموراً بعودٍ وقهوةٍ ... فذلك مسروق لعمري من الدهر وكان يوماً يشرب عند محمد بن عبد الله بن طاهر فعرضت سحابةٌ فبرقت ورعدت ومطرت فقال له: يا أبا علي، قل في هذا شيئاً، فقال: هطلتنا السماءُ هطلاً دراكا ... عارض المِرْزمانِ فيه السِّماكا قلت للبرقِ إذ توقَّد [ليلاً] ... يا زناد السماء من أدراكا أتشبهت بالأمير أبي العباس في جوده، فلست هناكا وحضرت [بنان] جارية محمد بن حمَّاد عند الحسن في يوم باردٍ وبين يديه كانون فيه فحمٌ فأمرت أن يُزال من المجلس، فقال الحسن: بأبي، كرهت النار حتى أُبعدت ... فعلمت ما معناك في إبعادها هي ضرة لك في التماع ضيائها ... وبحسن صورتها لدى إيقادها وأرى صنيعكِ في القُلوب صنيعها ... بأراكِها وسيالها وقتادها شركتك في كل الأمور بحسنها ... وضيائها وصلاحها وفسادها وكتب إلى صديق له يدعوه: بحسن هذا الضباب ... وحرمةِ الأصحاب وطيب يوم التَّلاقي ... بطاعةِ الأحباب إلاَّ أَطعت مُرادي ... فكنت، أنت، جوابي وقال الحسن يوماً: شربت البارحة على وجه الجوزاءِ، فلما انتبه الفجر، نمت فما عقلت حتى ألحفني رداء الشمس. وكتب الحسن بن وهب، إلى الحسن بن رجاءٍ في يوم شكٍّ وقد أفطر الخليفة الواثق: هزَزْتُك للصَّبُوح وقد نهانا ... أميرُ المؤمنين عن الصِّيامِ وعندي من قِيان القصر عشرٌ ... يطيب بهنَّ إدمان المُدام فكن أنتَ الجواب فليس شيءٌ ... أسرّ إليَّ من حذفِ الكلامِ فلما قرأ الأبيات، ركب إليه فكان جوابه.

стр. 17

وسأل الحارث بن بُسْخنَّر الرشيد أن يُكرمه ويرفَع ذِكره بزيارته فأجابه، فأنفق أموالاً جليلةً واحتفل ووجَّه إلى ندماء الرشيد يدعوهم إلى مجلسه، ولم يبعث إلى جعفر بن يحيى، فلما همَّ الرشيد بالنهوض إليه؛ قال لجعفر: قم بنا، قال: يا أمير المؤمنين، لم يدعني، فكيف أنهض إليه، فغضب الرشيد واحمرَّ وجهُهُ وقال: ويلي على ابن الزانية، بحياتي إلا ركبت برذوني وتقنعت ومضيت ومعك خدمي حتى تصير إليه، ثم تنزل إلى باب مجلسه وتجلس على فُرشه التي هيأها لي، ولا تكلم أحداً حتى أُوافيك، فإذا طلعتُ عليك، إياك أن تقوم من مجلسك، ففعل ذلك، فلما طلع عليهم جعفر، ونظروا إليه، على برذون الخليفة وحوله مسرور وحسين وخاقان وكبار خدمه يمشون حوله وبين يديه، وقد قنَّع رأسه بطيلسانه، لم يشكوا أنه أمير المؤمنين، فوثبوا إليه وقبَّلوا الأرض بين يديه، فإذا هو جعفر، فدُهشوا، ونزل على الفُرش التي هُيئت للرشيد ولم يكلم أحداً، وجاء الرشيد في إثرهِ، فلم يقُم إليه، وجاء وجلس معه ثم قال: يا أخي، إنه لم يدعُك، فما جلوسنا هنا، وأخذ بيده، وقاما فانصرفا، ولا طعماً ولا شرباً، فخجل القوم، ومات ابن بُسخُنر مما صُنع به، وقام النُّدماء فانصرفوا عنه، وبقي في أخزى حالٍ وأذلها.

стр. 18

وجلس المأمون يوماً للنظر في المظالم فوقف إليه رجل [قال: من أنت؟ قال: محمد بن جميل، أحد كتاب الفضل بن يحيى] فقال: يا أمير المؤمنين كنت في ناحية البرامكة فلما أصابهم قد الله وقبضت ضياعهم، قبضت ضيعتي فيما قبض لهم، وقد أضر ذلك بي، فإن رأيت أن تلحقني بمن شمله عدلُك وغمره فضلُك، وتحقق حسن ظني بك، وجميل أملي فيك فعلت، قال: من أنت، قال: [محمد بن جميل أحد كتاب الفضل بن يحيى] ، فاستحسن المأمون هيئته وكلامه، وقال لأحمد بن أبي خالد: اكتب إليه برد ضيعته وضمه إلى جملته، وأحسن إليه، وكان يحضر طعامه وشرابه فلا يسمع منه حديثاً، إلا الافتخار بأيام البرامكة، وذكر مناقبهم وتعظيم شأنهم، فغاظَهُ ذلك فأمر بحبسه، فأقام في الحبس أربعة أشهر، إلى أن ذكره المأمون فسأل عنه فأخبر بامره، فأمر المأمون بإحضاره على حاله تلك، فحمل إليه فقال له: بلغني ما كان من إطرائك البرامكة فقال: أتكلم بأمان يا أمير المؤمنين، قال: نعم، قال: والله لقد كانوا شِفاء سقامِ دهرهم، وغياث جدب عصرهم، وما زالوا كهفاً للاجئين، ومفزعاً للملهوفين، فإن أمر أمير المؤمنين حدثته ببعض حديثهم فيعذرني على الميل إليهم قال: هات حديثك، قال: يا أمير المؤمنين قد كانت لي بهم حُرمة، وصارت إِليَّ من فضلهم نعمة، فقال لي الفضل يوماً، يا محمد، قلت لبيك، قال: اشتهي أن تدعوني إلى منزلك كما يدعو الصديقُ صديقَه، والأخُ أَخاه فتقعدني، على فرش بيتك وتطعمني من طبيخ أهلك، قلتُ: شأني أصغر من ذلك، وأحقر، وداري تضيق بذلك، فأبى عليَّ، وقال: والله لا قبلت عُذرك، قلت: فاستأجلني حولاً أتأهب فيه لهذه الدعوة، فقال: لا أفعل يا بغيض، من يعطينا أمانهُ من الموت إلى سنة، ولكن قد أجلتك شهرين، فخرجت، فأخذت في إصلاح داري وأثاثي وآلتي إلى انقضاء الشهرين، فقال: يا محمد، ما صنعت، قلت: ما أمر به الأمير، قال: فتأذن في البكور، قلت: يتفضل مولاي الأمير، قال: فبكرَّ عليَّ يحيى والفضل وجعفر في خاصة خدمهم، فقال لي الفضل: إعرض علي ما طبخت، فعرَّفته، فقال: عجل بلونِ كذا فإن الوزير يستطيبه، يعني إياه، فأحضرته وتتابع ما طبخ لهم، فأكلوا وخرج الفضل إلى صحن الدار فقال: من جيرانُك، قلت: عن يميني فلان التاجر وفي ظهر داري رجل قد ابتاع براحاً وجمع إليه الصُناع فهو لا يفترُ ولا يقصِّر في بنائه، قال: يا محمد أفتعرفه، قلت: لا والله، قال: علي ببناء ونجارٍ، فأتي بهما، فقال لهما: افتحا ها هنا باباً، فقلت: بالله أنشدك أن لا تؤذي جاري بسببي، فأبى، ولم أجسر أعاوده، ففتح باباً، ودعا أباه وأخاه، فدخلا معه ودخلت معهم إلى دار لم تر الناس أحسن منها ولا أبهى قد بنيت بالرُّخام والساج ومُرِّهَت بالذهب واللاذورد، وعمل في وسطها بستان قد نقلت إليه الأشجار المثمرة، وصنوف الزهر والرياحين، وإذا غلمان خصيان وفحول مُرد كالدرِّ المنثور، وأقبل الفضل يطوف بالدار والخزائن، وإذا هي مشحونةٌ بكل ما يشاكلها من الفُرش والأنية الحسنة، فقال: يا محمد، أيما أحسن، هذه الدار أم دارك وفرشك وآلتك، فقلت يا سيدي، وهل في الجنة إلا مثل هذه، ولا يجب أن يسكنها أحدٌ غيرك، فملاّك الله وعمَّرَك، قال: يا محمد، أتحب أن تكون لك، قلتُ: لا والله، ما أرى نفسي لها أهلاً، قال: فإنها والله لك، بكل ما فيها من آلةٍ وفُرشٍ وعبيد، فبُهِتُّ لا أُحيرُ جواباً، فقال: يا محمد، لا تستكبر هذا مع محلِّك عندنا ثم دعا بالطعام فأكلنا، وبالشراب فشربنا، فعطف يحيى على جعفر فقال: إن أبا العباس قد سبقك إلى ابتداء هذه المكرمة، فلا تفوتنك خاتمتها، قال: وما ذاك؟ قال: إن محمداً قد حصل في هذه الدار بما فيها من الحشم والغلمان ولا نادة له يستعين بها عليهم فضررها عليه أكثر من نفعها، وضيعتك الفلانية تقيم أوده وتصلحُ حاله، قال: قد أمرت له بها وحززته إياها ودعا بكتابها فدفعه إليه، فسُرَّ يحيى وقال: لا أخلاكما الله من عارفةٍ تشيدانها ويدٍ عند حُرٍّ تصنعانها وانصرفوا، فقال المأمون: لقد برز القوم في فضلهم فلا لوم عليك في إطرائهم وذكر مفاخرهم، وإفراطُك في شكرهم، يدلّ على صدق حديثك، ويُرَغِّبُ في اصطناعك وأمر له بمائة ألف درهم وأثبته في خواصه، وكان أحسن رجاله حالاً وأعلاهم هِمة.

стр. 19

قال إسحق بن إبراهيم الموصلي: غدوت يوماً إلى الفضل بن يحيى مُسلماً عليه فقال لي: إن أمير المؤمنين بعث إليَّ يعرفني أنه أحب اليوم الخلوة مع الحرُم وأمرني أن لا اركب، وقد كنت على البعثة إليك لنصطبح صبوحاً، وأمر بإحضار الطعام والشراب، ومدَّت الستارة، فطعمنا وشربنا وغنت جواريه فمرَّ لنا أَسرُّ وقت، فقال لي: يا أبا محمد، قد مللت كلَّ ما يمر على سمعي من هذه الصوات وإن كانت في غاية الجودة وإحكام الصنعة فأطرِبني بشيء تصنعُهُ الآن، فعمِلت في الوقت: وقائل لِيَ لمّا أن رأى زَمَني ... برى عظاميَ برَى القدِحِ بالسَّفَنِ هل كانبينكما فيما مضى تِرةٌ ... فصار سعيُك بالأوتار والإِحنِ فقلتُ لو كان لي بالفضل معرفةٌ ... فضل بن يحيى، لأعداني على الزمن هو الفتى الماجدُ الميمونُ طائِرهُ ... والمشتري الحمد بالغالي من الثمنِ وصنعت له لحناً مطرباً فَسُرَّ به واستعادني فيه مراراً، وأمر لي بثلاثمائة ألف درهم وجدتها حين انصرافي قد سبقتني إلى منزلي. وكان محمد بن إبراهيم قد ركبه دينٌ، فقَصَدَ الفضل بن يحيى ومعه حقٌ فيه جوهرٌ وقال له: قَصُرت غلاتنا، وأغفل أمرنا خليفتنا ولَزِمنا دينٌ احتجنا له إلى ألف ألف درهم، وكرهت بذل وجهي للتجار، ولك من يطيعك منهم، ومعي رهنٌ ثقةٌ بذلك. فإن رأيت أن تأمر بعضهم بقبضه وحمل المال إلينا، فدعا الفضل بالحُقّ ورأى ما فيه وختمه بخاتم محمد بن إبراهيم، وقال: تحُوجُ الحاجة أن تقيم اليوم عندنا، فأقام ونهض الفضل فدعا بوكيل له وأمره بحمل المال وتسليمه إلى خادم محمد بن إبراهيم وتسليم الحُقِّ الذي فيه الجوهر بختمه، ففعل الوكيل ذلك، وأقام محمد عنده في أكل وشربٍ ولهوٍ ولعبٍ إلى المغرب وليس عنده خبر، ثم انصرف إلى منزله فوجد المال والحُقّ فغدا على الفضل ليشكره، فوجده قد سبقه بالركوب إلى دار الرشيد فوقف منتظراً له، فقيل له قد خرج من الباب الآخر، فانصرف إلى منزله فوجد الفضل قد حمَّل إلى منزله ألف ألف درهم، فغدا عليه فشكره وقال: ما سبب هذا المال الآخر، جعلني الله فداك، قال: بتُّ ليلتي وقد طالت عليَّ غماً بما شكوته إلي، وأعلمتُ أمير المؤمنين بالحال، ولم أزل أماكِسُهُ حتى أمر بحمل ألف ألف درهم، وذكر أنه لم يصلك بمثلها قط، فقال له: صدق أمير المؤمنين، وإنما تهيأ هذا بك، وعلى يديك، وما أقدر على شيء أقضي به حقَّك، ولا شكرٍ أؤدي معروفك، غير أن عليَّ وعليَّ، وحلف بأيمانٍ مؤكدةٍ، إن وقفتُ بباب أحدٍ سواك أبداً، ولا سألت غيرك حاجةً أبداً، ولو استففتُ التراب، فكان لا يركب إلى غير باب الفضل حتى حدث من أمرهم ما حدث، فلزم بيته، فعوتب في إتيان الفضل بن الربيع فقال: والله لو عُمِّرت ألف عام، ما وقفت بباب أحدٍ بعد الفضل بن يحيى، ولا سألت أحداً بعده حاجة حتى ألقى الله، فلم يزل على ذلك حتى مات. وكان عمرو بن مسعدة، ويُكنى [االفضل: وزرَ للمأمون بعد أحمد بن أبي خالد، وكان من نزاهة النفس وعلو الهمة متشبهاً بالبرامكة، وكان إذا عزم على عمل رسالة شرب ثلاثة أرطال، فصفت قريحته، وانبعثت بديهته: فحكى ميمون بن هرون أن رجلين مرا بقصر عمرو بن مسعدة بعد بنائه إياه، فقال أحدهما لصاحبه، كم أُنفق على هذا القصر، قال: أربعةٌ وعشرون ألف ألف درهم، فقال: تبارك الله وتعالى، هذا قَدِرَ على أربعة وعشرين ألف ألف درهم يصرفها في وجه واحد، وأنا أطلب ثمانية عشر ألفاً لا أقدر عليها، فبلغ قوله عمراً، فاستقصى عنه وعن سبب أمنيته ثمانية عشر ألفاً، فإذا هو يعشق جارية ثمنها عشرون ألفاً وليس في مَلَكته سوى ألفين، فاشتراها له وجهزها وضمَّه إليه، وكان في جملة ندمائه. وحضر عنده عبد الله بن طاهر يوماً، فلما وضع الشراب أخرج جاريةً يقال لها " نعمة "، حسنة الوجه، جيدة الضرب والغناء فافتُتِن بها عبد الله وأخذت بقلبه فتصبَّر ولم يظهر ما به، فلما انصرف كتب إلى عمرو: لعمرك يا عمرو ما بيننا ... إذا حصحص الحق من حِشمةِ وقلبي، وإن كنت في منزلي، ... بدارِكَ، في راحتي، (نعمةِ) فبعث بها إليه بجميع مالها من كسوة وفرش وخدم من ساعته.

стр. 20

دعا محمد بن عبد الله بن طاهر رجلٌ من أصحابه دعوة تقدَّم بها واحتفل فيها، فلما حضر محمد طالبه بالطعام فمطله، ليتلاحق ويتكامل، على ما أَحبّه من الكثرة والاحتفال، حتى تصرم أكثر النهار ومس محمداً الجوعُ، وتنغص عليه يومه، فشرب عنده أقداحاً، وانصرف وأراد بعد ذلك محمد سفراً فشيعه هذا الرجل، فلما دنا منه ليودعه قال: أيأمر الأمير بشيء، قال: نعم، اجعل طريقك في عودتك على محمد بن الحارث بن بسخنر فسله أن يعلمك الفتوة. فمضى حتى دخل على محمد بغتةً وقال: بعثني الأمير إليك لتعلمني الفتوة، فضحك وقال: يا غلام هات ما حضر، فجيء بطبق كبير عليه ثلاثة أرغفة من أنظف الخبز، وثلاث سكرجات من خلّ وملح من أجود ما يتخذ من هذه الأصناف، فأبتدأ يأكل فجاءته فضلة باردة من مطبخه، وتداركها الطباخ بطباهجة، ثم وافاه من منزل حرمه فضلة أخرى، وأهدى إليه بعض غلمانه جام حلوى فانتظم له أمر خفيف ظريف في زمانٍ يسير بغير إحشام ولا انتظار، إلى أن أدرك الطعام وأخذ في الشراب، فقال له: إذا دعوت أحداً من إخوانك، فليكن هكذا عملك، ولا تنتظر استكمال الطعام. وأفطر الواثق في يوم شك فأفطروا فكتب الحسن بن رجاء إلى الحسين بن الضحاك: هززتك للصبوح وقد نهانا ... أمير المؤمنين عن الصيام وعندي من قيان القصر عشرٌ ... يطيب بهنَّ إعمال المدام فكن أنت الجواب فليس عندي ... أحبّ إلي من حذف الكلام قال، فوافق رسوله حُسيناً وقد وردت عليه رقعة محمد بن الحارث بن بُسخُنَّر النديم وقد أنفذها مع غلام له وضيء الوجه كان يتخطاه ومعه غلمةٌ له أقران وقد جعل الرقعة كالمنشور الذي يكتبه السلطان، وختمها في أسفلها، وكتب فيها: سر على اسم الله يا أكمل من غصن لُجينِ في بدورٍ من بني الروم إلى باب الحسين فاحمل الكلَّ إلى مولاك يا قُرةَ عيني أره العنف وطالبه إن استعفى بدين واحذر الرجعة من وجهك في خفي حنينِ قال: فوثب مع غلام محمد بن الحارث وكتب إلى الحسن بن رجاء دعوت إلى مدافعة الصيام ... بإعمال الملاهي والمدام ولو سبق الرسول لكان سبقي ... إليك ينوب عن كل الكلام وما شوقي إليك بدون شوقي ... إلى عهد التصابي والغرامِ ولكن سار في نفرٍ إلينا ... على عجلٍ حبيبُ المستهام فأزعجني بألفاظٍ عذابٍ ... وقد أعطيته طرفي زمامي ولو خالفته لوردت حتفي ... وعممني بمصقولٍ حُسام ودخل آدم يوماً على يعقوب بن الربيع وعنده قوم يشربون فرفعوا ما كان بين أيديهم، فلما دخل رأى في وجوههم أثر النبيذ وشم رائحته، فقال: إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون، فضحكوا، وأخرجوا شرابهم وشرب معهم. أخبار الشعراء والمجان

стр. 21

كان مطيع بن إياس الليثي، ويحيى بن زياد الحارثي وحمّاد الراوية وحمّاد عجرد، يجتمعون على الشراب ولا يكادون يفترقون وكان لأبي الأصبع جارية وكان له عدة قيان غيرها، وكان فتيان الكوفة يألفون منزله وينفقون عنده، وكان هؤلاء الأثدباء الذين سمينا يغشون منزله لجارية له يقال لها مولدة صفراء حسنة الوجه، طيبة الغناء، بارعة الظرف والأدب، وكان لأبي الأصبع ابن يقال له الأصبع، لم يكن بالعراق أحسن منه وجهاً، يتعشقونه فلا يقدرون عليه، وكان يحيى بن زياد كثير الإفضال على أبي الأصبع، وعزم الأصبع، على أن يصطبح يوماً مع يحيى بن زياد؛ فأهدى إليه يحيى جداءً ودجاجاً وفراخاً وفاكهةً وشراباً وقال أبو الأصبح لجواريه: إن يحيى يزورنا فأصلحن له ما يشبه مثله، فلما فرغ من الطعام لم يجد رسولاً يبعث به إليه لأنه وجه بغلمانه في حوائجه فوجه ابنه الأصبع فقال له لا تبرح أو يجيء معك، فلما جاء أصبع قال للغلام ادخله إليَّ، وتنح أنت واغلق الباب فإن أراد اصبع الخروج فامنعه، فلما دخل إليه اصبع وأدى الرسالة راوده عن نفسه فامتنع فثاوره يحيى فصرعه، ورام حلَّ تكته فلم يقدر على ذلك فقطعها وناكه فلما فرغ أعطاه أربعين ديناراً، وكانت عنده تحت مصلاته فأخذها وقال له يحيى: امضِ وأنا في أثرك، فخرج اصبع من عنده، فاغتسل يحيى وجلس يتزين ويتبخر، فدخل إليه مطيع فرأى ما هو فيه فقال له: كيف أصبحت فلم يجبه وشمخ بأنفه وقطب حاجبيه وتعظم وتفخم فقال له: أراك تتبخر وتتزين فإلى أين عزمت، فلم يجبه وازداد قطوباً، فقال له ويحك مالك؟ نزل عليك الوحي؟ كلمتك الملائكة؟ بويع لك بالخلافة، وهو يومئ برأسه، لا لا، فقال له: ما خبرك، قد بهتَّ فلا تتكلم، كأنك والله قد نكت الأصبع، قال أَي والله، الساعة نكتهُ وأعطيته أربعين ديناراً، قال: فإلى أين تمضي، قال: إلى دعوة أبيه، قال مطيع: فأمرأته طالق ثلاثاً إن فارقتك أو أُقبل ايرك فأبداه له يحيى حتى قبله، ثم قال: كيف قدرت عليه، فحدثه حديثه، وقام فمضى إلى منزل أبي الأصبع فأتبعه مطيع، فقال: ما تصنع معي والرجل لم يدعُك، وإنما يريد الخلوة معي، قال: أُشيعك إلى بابه، ونتحدث فمضى معه، فدخل يحيى ورد الباب في وجهه، فصبر مطيع ساعةً ثم دق الباب واستأذن، فخرج إليه الرسول وقال له: أنا عنك مشغول اليوم في شغلٍ لا أتفرغ معه لك فتعذر، قال: فابعث إلي بدواةٍ وقرطاسٍ فكتب إلى أبي الأصبع: يا أبا الأصبع لا زلت على ... كل حالٍ ناعماً متبعاً لا تصيرني في الود كمن ... قطع التكة قطعاً شنعاً وأتى ما يشتهي لم يثنه ... خيفة أو حفظ حقٍ ضيعا لو ترى الأصبع ملقى تحته ... مستكيناً خجلاً قد خضعا وله دفع عليه عجلٌ ... شبقاً، ساءَك ما قد صنعا فادع بالأصبع فأعرف حاله ... سترى أمراً قبيحاً فظعا قال، فقال أبو الأصبع ليحيى: فعلتها يا ابن الزانية، قال لا والله، فضرب بيده على تكة ابنه فوجدها مقطوعة، فأيقن بالفضيحة، فقال يحيى: قد كان الذي كان، وسعى (بي) إليك مطيع ابن الزانية، وهذا ابني وهو والله أفره من ابنك وأنا عربي ابن عربية وأنت نبطي ابن نبطية، فنك ابني عشر مراتٍ، مكان المرة الواحدة التي نكت ابنك، فتكون قد ربحت الدنانير والواحدة بعشرٍ، فضحك أبو الأصبع وضحك الجواري، وقال لأبنه: هات الدنانير يا ابن الفاعلة فرمى بها إليه وقام خجلاً، فقال يحيى، والله لادخلَ مطيعٌ الساعي ابن الزانية، قال أبو الأصبع وجواريه، والله ليدخلن إلينا، فقد نصحنا وغششتنا، فادخل وجلس وشرب معهم، ويحيى يشتمه بكل لسان وهو يضحك. وكانت لبربر المدنيو جارية يقال لها جوهر أحسن الناس وجهاً وغناءً وأتمهم وأكملهم في كل فن، فتنت العالمين وعشقها أكثر فتيان ذلك العصر، وقال فيها الشعراء الأشعار فأكثروا فيها، يقول فيها مطيع ابن إياس: بيضاء واضحة الجبين كأن غرتها نهار تشفي بريقتها السقيم كأن ريقتها العُقارُ القلبُ قلبي وهو عند الهاشمية مُستعارُ

стр. 22

وكان لمطيع بن إياس خاصةٌ يهيم بها، فحكى الهيثم بن عدي قال: اجتمع حماد الراوية، ومطيع بن إياس، ويحيى بن زياد، وحكم الوادي يوماً على شراب لهم في بستان بالكوفة، وذلك في زمن الربيع ودعوا جوهر جارية بربر فقال مطيع في ذلك: حرجنا نجتني الزهرا ... ونجعل سقفنا الشجرا ونشربها معتقةً ... تخال شعاعها الشررا و (جوهر) عندنا تحكي ... بِسُنةِ وجهها القمرا يزيدك وجهاً حسناً ... إذا ما زدته نظرا لها لونٌ كلون الورد لو قطرته قطرا وغنى فيه حكم الوادي لحناً خفيفاً شربوا عليه بقية يومهم وثلاثة أيام متوالية وجوهر بينهم، فقال لهم يحيى بن زياد: ويحكم لنا ثلاثة أيام سكارى لا نعقل ولا يصلي أحدٌ منا، قم يا مطيع فأذن، وقالوا: من يصلي بنا، فكلما ذكروا رجلاً أبى، فقال مطيع: عليَّ وعليَّ إن صلى بنا غير جوهر، تقدمي صلي بنا حتى تكون صلاتنا عجباً بين الصلوات، فقالت: كيف تصلي امرأة برجال، قالوا: أنت لم تشربي كما شربنا، فتقدمت وهي تضحك، وصلت بهم، فلما سجدت بان فرجها من تحت غلالتها وكانت رقيقة، فوثب مطيع فقبله وقامت الجارية خجلة وجعلت تشتمه وضحك القوم وعادوا إلى شرابهم فقال مطيع في ذلك: ولما بدا حِرُها جاثماً ... كرأس حليقٍ ولم يعتمر خررت عليه فقبلته ... كما يفعل العابد المعتمر فزاد شتمها له والقوم يضحكون منه، وفيها قول مطيع: يا بأبي وجهك من بينهم ... فإنه أحسن ما أبصر جارية أحسن من حليها ... والحلي فيه الدرُّ والجوهر وريحها أطيبُ من طيبها ... والطيب فيه المسك والعنبر جاءت بها (بربر) حتفاً لنا ... يا حبذا ما جلبت بربر كأنما ريقتها قهوةٌ ... صُب عليها البارد الأخصر وشرب دعبل بن علي وصاحبان له في قرية يقال لها " بطياثا " فقالوا: ليقل كل واحدٍ منا بيتاً في يومنا هذا، فقال دعبل: نلنا لذيذ العيش في بطياثا وقال الآخر: لما حثثنا كأسنا احتثاثا وارتج على الآخر فلم يقدر أن يقول شيئاً فاستحيا، فقال: وامرأتي طالقةٌ ثلاثا فقالوا: ويحك وما ذنب امرأتك، قال والله ما لها ذنبٍ إلا أنها قعدت على طريق القافية. وكانت بالمدينة جارية من مولداتها يقال لها (بصبص) أحسن الناس وجهاً وأطيبهم غناء، أخذته عن معبد والغريض وغيرهما من طبقتهما، وكان مولاها يحيى بن نفيس يُقين عليها وكان الأشراف يهدون إليه وينفقون عنده، فاجتمع عنده جماعة منهم فتذاكروا أمر مزيد وبخله، فقالت بصبص: أنا آخذ لكم من دراهمه فقال مولاها: أنت حرة، لئن فعلت، إن لم أشتر لك عقداً بمائة دينار وأجعل لك مجلساً بالعقيق أنحر فيه بدنةً لم تُقنب ولم تُركب، فقالت: جيء به وارفه الغيرة عني، قال: أنت حُرة، لامنعته ولو رأيته بين رجليك إن خلصتِ درهماً، فقال عبد الله بن مصعب الزبيري، أنا لكم به، قال عبد الله: فصليت الغداة في مسجد رسول الله ﷺ وإذا به قد أقبل فقلت يا أبا إسحق، أما تحب أن ترى بصبص فقال: بلى قلت فإذا صليت العصر، فأنني هاهنا، قال امرأته طالق إن برح يومه هذا من هاهنا إلى العصر، قال فتصرفت في حوائجي حتى كانت العصر فدلت المسجد فوجدته بمكانه، فأخذت بيده وأتيتهم به، فأكل القوم وشربوا حتى صليت العتمة ثم تساكروا وتناوموا وأقبلت بصبص على مزيد فقالت: أبا اسحق، كأني بك تشتهي في نفسك الساعة أن أغنيك بصوت الغريض في شعر جميل. ألا ليت أيام الصباء جديد ... ودهراً تولى يا بثين يعود فنغني كما كنا نكون وأنتم ... صديق وإذ ما تبذلين زهيد فقال: امرأته طالق إن لم تكوني تعلمين ما في اللوح المحفوظ، فغنته إياه ساعة ثم قالت: يا أبا إسحق كأني في نفسك تشتهي أن تقوم من مجلسك فتجلس إلى جنبي وتدخل يدك في جلبابي فتقرص عكني قرصات وأغنيك بقول عروة بن أذينة. قالت وابثثتها شجوي فبحتُ به ... قد كنت عندي تحب الستر فاستترِ ألست تبصر من حولي فقلت لها ... غطي هواك وما ألقى على بصري

стр. 23

فقال: امرأته طالق إن لم تكوني تعلمين ما في الأرحام، وما تكسب الأنفس غداً وبأي أرض تموت، قالت نعم. فقام فجلس إلى جانبها، وأدخل يده في جلبابها وقرصها وغنت له، ثم قالت: برح الخفاء، أنا أعلم أنك تشتهي تقبيلي شق التين،اغنيك هزجاً. أنا أبصرت بالليل ... غلاماً حسن الدلِّ كغصن البان قد أصبح مسقياً من الطل فقال: امرأته طالق إن لم تكوني نبية مرسلة، فقبلها وغنته ثم قالت له: إيه: أبا إسحق، أرأيت قط أنذل من هؤلاء، يدعونك ويخرجونني إليك ولا يشترون لنا بدرهم ريحاناً، يا أبا اسحق، هاتِ درهماً نشتري به ريحاناً، فوثب وصاح، واحرباه أي زانية، أخطأت استك الحفرة، انقطع والله عنك الوحي الذي كان يوحي إليك، وتركها وجلس ناحية، وعطعط بها القوم وقالوا لم تنفذ حيلتكِ عليه وجددوا مجلسهم، ولم يعد إليها بعد ذلك. كانت سلاَّمة الزرقاء جارية ابن رامين، مولى بشر بن مروان، أحسن الناس وجهاً وغناءاً، من ساكني الكوفة، وكان ابن رامين مولاها يقين عليها، وينفق الناس في منزله الرغائب، وكان ممن يغشاها من الأشراف، روح بن حاتم المهلبي ومعن بن زائدة الشيباني ونظراؤهما، وكان محمد بن جميل يهواها وتهواه فقال لها: إن روح بن حاتم قد ثقل علي، قالت: وما أصنع وقد غمر مولاي ببره، فقال: احتالي له، فبات عندهم روحٌ ليلةً من الليالي فشرب، فلما سكر ونام أخذت سراويله فقالت: غسلته، فظن أنه قد أحدث فيه فاحتيج إلى غسله، فأستحيا من ذلك فانقطع عنها وخلا وجهها لبن جميل. وحكى حماد بن اسحق عن أبيه قال: حدَّثني عبد الرحمن بن مُقرن، قال: أتيت ابن رامين يوماً فاستأذنت عليه فقال: قد سبقك روح بن حاتم، فإن كنت لا تحتشم منه فهلم، فدخلت، وخرجت إلينا الزرقاء في ثوبين موردين، والله لكأن الشمس طالعةٌ من قرنها إلى قدمها، فغنتنا ساعة، ثم جاء الخدم الذين يستأذنون عليها، وكان الإذن إليها، لا إلى مولاها، فقالوا: يزيد بن عون العُبادي الصيرفي، الملقب بالماجن، بالباب، قالت: ادخله، فأدخل فلما استقبلها سجد لها ثم أقعى بين يديها، قال فتبينت والله فيه الوجد بها، وزاد حتى ظهر لنا ولمن حضر، وكان من أحسن الناس وجهاً، وأشكلهم فأقبلت عليه بغنائها ومُزاحها، ثم أدخل يده في كمه فأخرج درتين ما رأيت مثلهما، ثم قال: أنظري يا سيدتي إليهما جعلت فداكِ، وقال: والله لقد نقدت أمس فيهما أربعين ألفاً؛ قالت: وما أصنع بهما وما عليَّ من ذلك، ثم غنته صوتاً كان يشتهيه عليها، وأقبلت عليه وقالت: يا ماجن هبهما لي، قال: إن شئت والله فعلت، قالت: قد والله شئت، قال: أن تأخذيهما بشفتيك من بين شفتي، قال فأراد روح البطش به، فقلت له: ألك في منزل القوم حقٌ أو لك في رقِّ الجارية ملك، لو كان هذا يُنكر عندهم لأنكره مولاها، وها هو حاضرٌ، وإنما يتكسبون بما ترى، فإن كان لك في عشرتهم حاجة، فأمسك، قال: فعَلِم أني قد صدقته فأمسك، قال: وسمع ابن رامين قولهما فقام كأنه يبول، فقالت له الزرقاء، هاتِهما، فزحف إليها وجثا بين يديها وهما بين شفتيه، فلما ذهبت إليه تناولتهما بشفتيها، وهو يصد عنها يميناً وشمالاً ليستكثر منها، ثم أخذتهما بشفتيها من فيه، وقبلها وقام فرجع وقد لااحمرَّ وجهُها ورشح جبينها عرقاً، حياءً منا، ثم تجلدت علينا وقالت: (المغبون في أسته عود) قال: أما أنا فوالله لا أبالي بهذا، ولا يزال طيبُ هذه الرائحة، والنسيمُ من فيك في فيَّ أبداً ما بقيت. واشترى الزرقاء هذه جعفر بن سليمان أمير البصرة فسألها ذات يومٍ: هل ظفر أحد قط ممن كان يهواك منك بخلوة أو بقبلة، فخشيت أن يكون بلغه ما فعلت مع الماجن، لأنه كان بِحضرة جماعةٍ، فقالت: لا والله، إلا يزيد بن عون العبادي، فأنه قبلني قبلة وأخرج من فيه درتين بأربعين ألف درهم فجعلهما من فيه إلى فيَّ فلم يزل جعفر يحتال له ويطلبه حتى وقع في يده فضربه بالسياط حتى مات. وقال أبو الفرج الأصبهاني، حدثني جحظة قال: حدثني هبة الله بن إبراهيم بن المهدي قال: سمعت أبي يقول: كان، قبل أن يعلم الرشيد أني أغني ويسمعني، سمع حسنة وظلة، جاريتي المهدي عند أخته العباسة بنت المهدي وقد دعته إليها فغنتاه هذا الصوت وهما متراسلتان فيه: ولقد طرقت البيت يُخشى أهله ... بعد الهدوِّ وبعد ما سقط الندى

стр. 24

فوجدت فيه خريدة قد زُيِّنت ... بالحليِ تحسب أنه جمر الغضا واللحن لابن محرز من الثقيل الأول فطرب عليه الرشيد وقال: أحسنتما والله فقالت له ظلة، والله لو سمعت أخاك إبراهيم يغنيه ما استحسنت غناء واحدةٍ منا، قال إبراهيم، ولي يومئذٍ اثنتا عشرة سنة، فقال: ابعثوا إليه فليحضر الساعة، فقالت له حسنة، لا تبعث إليه، فوالله لو أعطيته ملكك أو عرضت عليه السيف ما غنى بحضرتك، قال ولِم، قالت: لجلالتك في صدره وهيبته لك، قال لها فإني أسقيه النبيذ حتى يسكر ويزول عنه الحياء وأطلب منه الغناء، فقالت: لو كان يشرب لتم ذلك، فاكفف عنه حتى نحتال عليه، فلما كان بعد ايام، اصطحبت العباسة، وعندها حسنة وظلة، وبعثت إلي تدعوني، فجئتها وقُدم الطعام فأكلنا، ووضع الشراب فشربت، ثم عمدت إلى طاس ذهب فملأته بياقوت ولؤلؤ وزبرجد لا تُعرف قيمته كثرةً، ثم صبت عليه نبيذاً وقالت لي: فدتك أُختُك، إشرب هذا الكأس، وكل ما فيه من الجوهر فهو لك، فغضبت وتداخلني أمرٌ عظيم، وقلت لها، قد والله كنت عزمت على أن أشرب النبيذ في هذه الأيام، ولو سألتني أن أشربه بغير عوض لفعلتُ، فأما إذ جعلتني فيمن يشربه برشوة، فأُم محمد بنت صالح طالق إن شربت النبيذ إلى سنةٍ، وقمت مغضباً من عندها، وبلغ الرشيد ذلك وكان متعلق القلب بقصتي، فغمَّةُ ذلك وغلظ عليه وفسد قلبه عليَّ، وأظهر إعراضاً عني، وتغير عليَّ، فساءني ذلك وقلت لأُختي عُلية، أما النبيذ فلا حيلة فيه سنتي هذه، ولكن ادعيني واشربي، فإذا سألتك أن تغني، فقولي على شريطة أن تغني لي فإني أُجيب، وابعثي إلى أمير المؤمنين فعرفيه حتى يجيء إليك فيكون بلوغُهُ ما أراد عندك، لا عند العباسة، ففعلت واصطحبت ودعتني وغنّى جواريها فقلتُ لها: يا أُختي غمي لي صوتاً فقالت: على أن تغني أنت، قلت نعم، قالت وحياة أمير المؤمنين، وتربة المهدي أنك لا تغدر بي، فحلفت لها، فغنت، ثم أخذتُ العود فغنيتُ، وبعثتُ إلى الرشيد فجاء مستخفياً حتى وقف، وغمزتني فغنيت الصوت الذي بلغه، فلما سمعه لم يتمالك أن هجم عليَّ وقال: أحسنت بأبي أنت، أحسنت فديتك، هذا عندك وأنت تستره عنيّ، وضمني إليه وأجلسني في حجره، وأمر لي بعشرة آلاف دينار وكسوة وطيب بمثلها، فحُمل ذلك من ساعته إلى منزلي وجلس يشرب والجواري يغنين وقمت قائماً، فأخذت العود فغنيت فأمرني بالجلوس، وقال لا تُغنِّ، فديتك، إلا إذا شئت ونشطت، ولم يزل يبسُطني حتى أنستُ، ولم يكن بعد ذلك يسمعني إلا منفرداً بسماعي، ثم أقسم عليَّ أن يشركه في ذلك جعفر بن يحيى ولا يسألني بعده أن يسمعني أحدٌ، فأجبته على كرهٍ مني، ولم أجبه إلا لما بيني وبينه وبين جعفر: فهذا كان سبب سماعه إياي. وكانت لأُم جعفر زبيدة، جارية من مولدات القصر اسمها، نهار، أحسن الناس وجهاً وغناءً وكان مخارق يتعشقها، فبلغ ذلك زبيدة، فرفضته ومنعته أن يمر ببابها وكان كَلِفاً بها مغرماً، فينا هو ذات ليلة قد انصرف من دار المأمون، إذ مر بباب أُم جعفر وهي تشرف على دجلة، فلما حاذى دارها ورأى الشمع يزهو، وقف وسط دجلة بحيث يعلم أنها تسمع صوته وغنَّى: إن تمنعوني مَمَرِّي عند داركمُ ... فسوف أنظر من بعدِ إلى الدار سيما الهوى عرفت حتى شُهرتُ بها ... إني مُحبٌ وما بالحب عارِ ما ضرَّ جيرتكم، والله يُصلحُهم ... لولا شقائي، بإقبالي وإدباري لايقدرون على منعي وإن جهدوا ... إذا مررتُ، وتسليمي بإضماري فقالت أُم جعفر، مخارق والله، ردوه فصاحوا بملاحِهِ؛ قدم، فقدَّم، وأمر الخدم بالصعود فصعد، وأمرت له أم جعفر بِتُكأَة وصينية فيها نبيذ، وخلعت عليه خلعة حسنة وأمرت الجواري فغنين له، ثم أمرته أن يغني، فأول صوت غناه: أغيب عنك بودٍ لا يغيرهُ ... نأَىُ المحلِّ ولا صرف من الزمنِ فإن أَعِش فلعل الدهر يجمعنا ... وإن أمت فبطول البث والحزنِ فاندفعت نهار في تمام الشعر مجيبة له فغنت: تعتل بالشغل عنَّا لا تكلمنا ... والشغل للقلب ليس الشغل للبدنِ قد حسَّن الله في عيني ما صنعت ... حتى أرى حسناً ما ليس بالحسن

стр. 25

ففطنت أُم جعفر لهما، وأنهما تراسلا بما في نفوسهما، فضحكت وقالت: ما سمعت بأملح مما صنعتما، هي لك يا مخارق، انصرفي، في حفظ الله، مع مولاكِ بجميع مالك عندنا، فقبلا الأرض بين يديها وقاما فانصرفا. وهذه الأبيات للعباس بن الأحنف، واللحن لمخارق رمل. قال الجُمحي: خرج الأخطل وصاحب له إلى نزهة وحملا سُفْرةً وزُكرة وجَلسا بين غدير وروضة فبينما هما على ذلك من شرابهما إذ طرأ عليهما طارئٌ لا يعرفانه فجلس إليهما وثقَّل عليهما فقال الأخطل: وليس القذا بالعود يسقط في الإنا ... ولا بذباب خطبُهُ أَيْسَرُ الأمرِ ولكنَّ شخصاً لا تُسرُّ بقربه ... رمتنا به الأقدار من حيث لا ندري فلما سمع ذلك نهض وتركهما. ولما مات أو محجن الثقفي، وقف رجل على قبرِهِ فقال: يرحمك الله لقد كنت قليل المِراءِ، جيد الغناء غير نعاسٍ ولا حباسٍ للكأس. وقال أبو بكر بن الأنباري، كان العباس بن علي عمّ المنصور يأخذ الكأس بيده، ثم يقول: أما النفس فتُسخِّين، وأما القلب فتشجعين، وأما الهم فتطردين، أفتراك مني تفلتين، ثم يشربها ويميل على جنبه. وذكر سليمان بن سهل بن نوبخت قال: مرّ بي أبو نواس في غداة يومٍ من أيام الربيع وقد أتت السماءُ بطشٍّ ورذاذ فقال: ما مثل هذا اليوم في طيبه ... عُطِّلَ من لهوٍ ولا ضُيعا فما ترى فيه، وماذا الذي ... تُحبُّ هذا اليوم أن نصنعا هل لك أن تغدو على قهوة ... تسرعُ في المرء إذا أسرعا ما وجد الناسُ ولا جربوا ... للهمِّ شيئاً مثلها مَدفعا قال؛ فقلت: ما كان ليُساعدني على مثل هذا إلا مثلك، فأقِم، فهاهنا ما يُصلِحُكَ، فأقام، فمرَّ لي من محادثته وإنشاده أطيبُ يومٍ وألذه. وحكى محمد بن بشر قال: كان أبو نواس وهو غلام معي في مجلسي فحمل عليه النبيذ فانصرف بعد أن جهد به كل من في المجلس أن يقيم عندهم، فأبى وخرجتُ فاعتمد عليَّ يسقط مرِّة ويقوم أخرى ويقول في شدة سكره: قد كنت في منزل رُحابِ ... لكن أتت شِرَّةُ الشباب وشقوة تنحت الرواسي ... جاءَ بها نازِلُ الشراب قال: فجئت به إلى منزلي فنومته، فلما كان في الليل أتيته فحدثته بالحديث وأنشدته البيتين. وروى المدائني قال: بينما إبرهة بن الصبّاح الكندي عند عبد العزيز بفتيةٍ من أهل الشراب لهم جمال ومناظر، قد أُخذوا على شراب لهم، فأمر عبد العزيز أن يضربوا بالسياط، فقال ابرهة: نشدتك الله أيها الأمير أن لا تفضح مثل هؤلاء الفتيان بمصرِنا، فقال عبد العزيز: إن الحق في هؤلاء وفي غيرهم واحد، فقال ابرهة، يا غلام، أصبب من شرابهم في القدح وأدنه مني، فصبَّه ثم ناوله فشمَّهُ ثم شربه وقال: أصلح الله الأمير، ما نشرب في بيوتنا على غذائنا إلا من هذا، فقال عبد العزيز: أطلقوهم، فلما خرج ابرهة قيل له، أشربت الخمر، فقال الله يعلم أني ما شربتها صحيحاً ولا تعالجت بها سقيماً قط، ولكني كرهت أن يفضح مثل هؤلاء الفتية في بلدةٍ أنا فيها. ونزل بأبي عطاء السندي ضيف فبرّه وأكرمه وسقاه خمراً فلما عملت فيه جعل يعرض لامرأة أبي عطاء ويومئ إليها بعينه، فقال أبو عطاء: كل هنيئاً وما شربت مريئاً ... ثم قم صاغراً فغير كريم لا أحب النديم يومئ بالطرف إذا ما انتشى لعِرسِ النديم ونزل آخر برجل، فأحسن ضيافته فتعرضت للضيف امرأة صاحب المنزل فخرج مسرعاً وقال: رب بيضاء كالمهاةِ تهادى ... قد دعتني لوصلها فأبيتُ لم يكن بي تحرُّجٌ غير أنيّ ... كنتُ ندمان زوجها فاستحيت وأصاب آخر مثلُ هذا فقال: سأترك ما أخاف عليَّ منه ... فعالَ السوء عمري ما حيِيتُ ولا والله لا ألفى بليلٍ ... أراقب عِرس جاري، ما بقيتُ أبى لي ذاك آباءٌ كرامٌ ... وأجدادٌ بمجدهمُ رُبيتُ وفي خلاف هذا يقول عبد الرحمن بن أم الحكم: وكأس ترى بين الإناء وبينها ... قذى العين قد نازعت أُمَّ أَبانِ ترى شاربيها حين يغتبقانِها ... يميلان أحياناً ويعتدلانِ

стр. 26

دعتني أخاها بعد ما كان بيننا ... من الأمر ما لا يفعلُ الأخوانِ فما ظنُّ ذا الواشي بأبيضَ ماجدٍ ... وبيضاء خودٍ حين يلتقيان ودخل بعض الأدباء مجلساً فرأى فيه نبيذاً حسناً للأكابر، ونبيذاً دونه لقومٍ دونهم فقال: نبيذان في مجلس واحدٍ ... لإيثار مُثرٍ على مُعسِرِ فلو كنت تَفعلُ فعلَ الكرامِ ... فعلت كفِعل أبي البختري تتبع إخوانه في البلاد ... فأغنى المقلَّ عن المكثر فبلغت الأبيات أبا البختري فبعث إليه خمسة آلاف درهم. وكان لأبي البختري إخوان يغشونه ولا يكادون يفارقونه فلما وُلي القضاء، شَغِل عنهم فقاطعوه، وجعلوا يسبونه ويقعون فيه وينسبونه إلى قلة الوفاء، فلما عُزل وجَّه إليهم فأحضرهم وقال: كأني بكم وقد أخذتم عليَّ في اشتغالي عنكم ونلتم مني إذ جفوتكم، وقد رجوتم نفعي فأسأتم بي ظناً، قالوا: قد كان ذلك، فقال: والله ما قطعتكم إلا نظراً لكم وتوفيراً عليكم، وأمر بإحضار ما اجتمع له أيام عمله من أرزاقه وصلاته، فأُحضرت أكياسٌ فيها عشرة آلاف دينار فقسمها فيهم وأخذ منها مثل ما صار إلى أحدهم وعادوا إلى ما كانوا عليه من المؤانسة. وفي مثل الأبيات الأُول: رأيت نبيذين في مجلسٍ ... فقلت لصاحبنا ما السبب فقال الذي نحن في بيته ... يُفضل قومٌ بسوء الأدبْ وكان المعروف بأبي هريرة المصري، من أهل الحديث والأدب، ظريفاً مليحاً، مُملقاً في حداثته وإنما معاشُهُ من النسخ، قال: فكنت أوانَ الربيع إذا أخذت الأرض زُخرفها، وازينت أخرج متنزهاً إلى بركة الحَبَش، في خُفي بلنسية فيها شراب وفي كُمي منديل نظيف فيه أوساط وكتاب أُنادمه، وأجلو بصري على ذلك الماء الرقيق والروض الأنيق إلى أن تصوب الشمس للغروب فانصرف إلى منزلي وأنا ثمل، فانصرفت عشية، فإذا بفارس خارج من مصر لا يتبين منه غير عينيه، فسلم وقال: من أين أقبل الشيوخ، فقلت في نفسي، أَجُنَّ الرجل، ومن الذي يرى معي، والتفتُّ فإذا ذَودٌ من تيوس يسوقها راعٍ، فقلت: حضرنا نكاح الوالدة حفظها الله، فضحك حتى كاد يسقط من سرجه، فلما كان بعد أيام يسيرة لقيني الأمير بُكير في موكبه، فقال لبعض غلمانه، ألِحقني بالرجل فأرتعت لذلك روعاً شديداً، فلما دخلت عليه، إذا بين يديه كيس فيه ثلاثة آلاف درهم، فقال لي: هذا حق حضور ذاك النكاح فغلمت أنه هو الذي لقيني. وخرج أبو هريرة هذا إلى (دَيْهور) مع إخوان له يشربون فسكروا وناموا، وأتى حمار أبي هريرة وقد عطش إلى جفنة مِزر فشرب حتى سَكِر ورقد، فاستيقظ أصحابه فوجدوه لا يقدر على النهوض، فأرادوا أن يركبوه الحمار سكران، فأكثروا جملاً وعادَلُوا بينه وبين حماره، ودخلوا به فقرعوا بابه، وقالوا لإمه، خذي إليك النديمين فأنهما سكرا جميعاً. ورُوي أن جعفر بن يحيى استأذن الرشيد في ليلة يخلو فيها، فأذن له، فوجَّه إلى كل من يتشوقه من أصحابه، وبعث إلى مسلم بن الوليد فلما صار إليه، قال له جعفر: أنشدني من شعك ما يشاكل ليلتنا هذه، فأني إنما خلوت لفرط صبابة بجارية لِنخَّاس تحكم عليَّ في ثمنها، ووالله ما يزداده ولكني أكره الخديعة، فقال: أصلح الله الأمير، لك أجل المراتب وأعلى الأمثال، وأنا أقول على قدري، وقد كانت لي ليلة مثل هذه فقلت فيها شيئاً، فدعني بخساسة عيشي واجعل وصفها لك فأنت أحقُّ به، فأنشده: تحملتُ هجر الشادِنِ المتدللِ ... وعاصيتُ في حُبِّ الغواية عذَّلي وما أبقت الأيام مني ولا الصِّبا ... سوى كبدٍ حَرَّى وقلبٍ مُقتَّل وكنتُ نديم الكاس حتى إذا طغت ... تعوَّضتُ منها ريق أحورَ عيطل نهاني عنها حبُّها أن أَسوءَها ... بلمسي فلم أفتِك ولم أَتبتل أخذت لطرف العين منها نصيبه ... وأخليتُ من كفّي مكان المخلخَلِ سقتني بعينيها الهوى وسقيتُها ... فدَبَّ دبيبَ الراح في كل مفصلِ وما العيش إلا أن تبيت موسداً ... ،صريع مُدامٍ، كفَّ أحورَ أكحلِ وممكورة رَوْد الشباب كأنَّها ... قضيب على دعصٍ من الرمل أهيل

стр. 27

خلوت بها والليل يقظان قائم ... على قدمٍ كالراهب المتبتلِ فلما استردت من دجى الليل دولة ... وكاد عمودُ الليل بالصبحِ ينجلي كررنا أحاديث الوداع ذميمة ... ليبلغ كلٌّ حاجةً، غير مُعجلِ فلم نرَ إلا عبرةً بعد زفرةٍ ... مودعةٍ أو نظرةً بتأملِ فقال له جعفر: والله لكأنك بلساني نطقت، وعن ضميري عبَّرت، فقال: أيها الأمير أن هذا الشعر لم يُنشر، فأجعله لك، قال: أنا إلى أن أنحلك مالي أحرى أن أنتحل شعرك وأمر له بمالٍ جليل. وكانت البرامكة، ويزيد بن مزيد ومحمد بن منصور بن زياد يُفضلون عليه ويتفقدون من أحواله، فظهر ذات يوم، فلقي يزيد بن منصور الحميري بباب الرشيد فسلَّم عليه وسأله يزيد عن حاله، فخبرَّه أنه كان كاليائس من قرب الخليفة، وأن يُعد في مادحيه، فقال له: سيتأتى وصولك إلى الخليفة، بعد أن أُقرر عنده قرب نسبك، وتقدمك لسلفك، ودخل فأصاب الرشيد قد اشتمل عليه الفكر فقال له يحيى: ما بك يا أمير المؤمنين قال: الفكر في سُرعة تقضي الدنيا وأنَّ ما نحن فيه منها كالظل الزائل، فقال له جعفر: يا أمير المؤمنين أتظن أن هذا شيء يحبس عنك الأيام، كان أنوشروان يقول: من أعظم الخطأ التشاغل بما لا يمكن دفعُهُ، وقال له سليمان بن أبي جعفر: يا أمير المؤمنين يروى عن لقمان أنه قال: الهمُّ نصف الهرم، والفقر الموتُ الأكبر، فكأنه نشط، فقال له الحميري: يا أمير المؤمنين، خلَّفت، بالباب آنفاً رجلاً من إخوانك الأنصار، متقدماً في شعره وأدبه أنشدني قصيدة يذكر فيها صبوته ولهوه ولعبه ومجالسه بأبلغ قول وأحسن وصف، يبعث، والله يا أمير المؤمنين، على الصبابة والفرح ويباعد من الهم والترح، قال، فأستفزه السرور إلى دخوله واستماع قصيدته أن جعل يُتبع الرُسل بعضهم بعضاً حتى دخل إليه، وكان حلواً ظريفاً حسن العبارة، فأمهل حتى تراجع عقله، وسَكَنَ جأشه، ثم أُذن له في الجلوس فأنبرى يُنشد قصيدته، وجعل الرشيد يتطاول لها ويستحسن ما حكاه من وصف شرابٍ ولهوٍ وغزلٍ، فأمر له بمالٍ وقام من ساعته إلى مجلس خلوتِهِ ولهوه، وجعل هو ومن معه يتذاكرون قصيدة مسلم، ويعارضون بها ما هم فيه، وسماه الرشيد يومئذٍ بآخر بيت منها: صريع الغواني، والقصيد: أديرا عليَّ الكأسَ لا تشربا قبلي ... ولا تطلبا من عند قاتلتي ذَحْلي فما حزني أني أموت صبابةً ... ولكن على من لا يَحِلُّ له قتلي أُحبُّ التي صدَّت وقالت لتربها ... دعيهِ، الثريا منه أقربُ من وصلي أماتت وأحيت مهجتي فهي عندها ... معلقةٌ بين المواعيد والمطلِ وما نلت منها نائلاً غير أنني ... بشجو المحبين الأُلى سلفوا قبلي بلى ربما وكلتُ عيني بنظرة ... إليها تزيد القلبَ خبلاً على خبلِ كتمت تباريح الصبابةِ عاذلي ... فلم يدر ما بي، فاسترحتُ من العذل ومانحة شرابها المُلك قهوة ... يهودية الأصهار مسلمة البعل ربيبة شمسٍ لم تُهجن عروقُها ... بنارٍ ولم يجمع لها سعفُ النخلِ بعثنا لها منا خطيباُ لبعضنا ... فجاء بها يمشي العِرِضْنة في مَهل ق استودعت دناً لها فهو قائمٌ ... بها شفقاً بين الكروم على رجلِ فوافى بها عذراء كلَّ أخي ندى ... جزيل العطايا غير نكسٍ ولا وَغْلِ معتقةٌ لا تشتكي وطء عاصِرٍ ... حروريةٌ في جوفها دمها يغلي أغادرت على كفّ المدير بلونها ... فصاغت له منها أنامِلَ كالذُّبلِ أماتت نفوساً من حياةٍ قريبةٍ ... وماتت فلم تُطلب بوترٍ ولا ذَحْلِ شققنا لها في الدنِّ عيناً فأقبلت ... كما أَخضلت عين الخريدة بالكُحلِ كأن فنيقاً بازلاً شُكَّ نحرُهُ ... إذا أسفرت منها الشعاعَ على البزل كأن ظباءً عكَّفاً في رياضها ... أباريقها أوجسن قعقعة النبل

стр. 28

ودارت علينا الراح من كف ظبيةٍ ... مبتلةٍ حوراء كالرشإ الطفل وحنَّ لنا عودٌ فباح بسرنا ... كأن عليه ساق جاريةٍ عُطلِ تُضاحِكه طوراً وتُبكيه تارةً ... خدلجةً هيفاء ذات شوى عَبْل إذا ما اشتهينا الأُقحوان تبسمت ... لنا عن ثنايا لاقصار، ولا ثُعلِ وأسعدَها المزمار يشدو كأنه ... حكى نائحات بتنَ يبكين من ثُكل غدونا على اللذات نجني ثمارها ... ورُحنا حميدي العيش متفقي الشكلِ أقامت لنا الصهباء صدرَ قناتها ... ومالت علينا بالخديعة والختل إذا ما علت منا ذؤابة ماجِدٍ ... وإن كان ذا حُلم دعته إلى الجهل سأنقادُ للذات مُتبع الهوى ... لأمضي هماً، أو أصيب فتىً مثلي وعن المدائني قال: كان الأحوص بن جعفر بن حديث، من كبار المدمنين على الشراب، وكان يجالس حمزة بن بيض وعُيينة بن أسماء بن خارجة الفزاري، وكان يُحمق فغمزوا به جماعة جاءَ كل واحد منهم على إنفراد فقال: أرى وجهك مصفراً، فما تجد، فلما فعلوا ذلك قال لأهله: ويحكم أنا عليل ولم تخبروني ولزم الفراش حتى عاده الناس، فشقَّ على أهله ذلك وبعثوا إلى شراعة وقالوا: إن لم يتكلم شراعة فهو لما به فصار إليه شراعة، وكلمه فلم يجبه ولم ير عليه أثر علةٍ، فأقبل شراعة على صاحب له فقال: كنا أمس بالحيرة فأخذنا الخمر، ثلاثين قنينة بدرهم، والخمر يومئذ ثلاثون قنينة بدرهم فرفع الأحوص رأسه وقال: الكاذب ايري في حِرِ أُمِهِ واستوى جالساً فقال له شراعة: إجلس لا جلست وهات طعامك وشرابك وأخذا في شأنهما. وكان السيّد بن محمد الحميري مطبوعاً في الشعر، جده يزيد بن مُفرغ الحميري. قال المدائني: وُلي الأهواز رجل من بني أسد وكان صديقاً للسيّد فتشدد في الشراب ومنع منه وجلد عليه، فأضر ذلك بالسيّد حتى نحف وهزل فدخل عليه يوماً فقال: ما لي أراك عليلاً، قال: كنت أصيب من الشراب فيقوى به بدني ونفسي، فلما حرَّمته تركته، فقال الأسدي: حقٌ لمن يمدح آل بيت محمد ﷺ أن يُحتمل له الشراب، وكتب إلى عامله: أَحمل إلى أبي هاشم مائتي زورق شراباً. وأنشد إسحق الموصلي: مثل لون الفصوص ينفي قذاها ... قد تعللتها بماء سحاب زعم الشاربون أن قذاها ... ليس بالعود ساقطاً في الشراب بل قذاها نديم سوء عليها ... مُولعٌ بالمِراءِ أو بالشبابِ وهذا مأخوذ من قول الأخطل حيث يقول: ألا فأسقياني وأنفيا عنكما القذى ... فليس قذاها العود يسقط في الخمر وليس قذاها زائرٌ لا يضيرها ... ولا بذباب فزعه أيسرُ الأمر ولكن قذاها زائر لا نريده ... أتتنا به الأقدار من حيث لا ندري ومنهم الكَسكَري، وهو الذي يقول: قد تولى النهارُ واستقبل الليلُ خليليَّ فاشربا وأسقياني شربةً تترك الفقير غنياً ... حسن الظنِّ واثقاً بالزمانِ وهذا مالك بن أسماء بن خارجة من بيت بني فزارة، جاهليتها وإسلامها، لا يُدفع عن الخطابة والبلاغة والسخاء والظرف، قال لابن عم له يقال له موسى، وقد تجهز الناس للحج: هل لك في الحج قال: نعم، فتجهزوا وخرجا حتى إذا حاذيا زُرارة وهي أكثر الأرض كروماً وثماراً وأطيبها خمراً، فقال لابن عمه: هل لك أن تعدل إلى زرارة فنقيم بها ونتنعَّم إلى أن ينصرف الناس، قال: ذلك إليك فعطفا إليها وأقاما بها معكفين على الشراب إلى أن انصرف الناس فانصرفا معهم فقال مالك: ألم ترنا ومالك قد حججنا ... وكان الحجُّ من خير التجارة خرجنا طالبي سفرٍ بعيدٍ ... فحال بنا الطريق إلى زرارة فآب الناس قد بَروا وحجوا ... وأُبنا موقرين من الخسارة وأبو دلامة، مع ظرفه ومجونه وحلاوة شعره، من المشتهرين بالشراب وقد ذكرنا خبره مع أبي العباس السفاح أمير المؤنين.

стр. 29

وحجَّ موسى بن داوود بن علي وأمره بالحجِّ معه ليأنس به وبنوادره وأشعاره في طريقه، ووصله بعشرة آلاف درهم وأعطاه جمالاً، فباع الجمال، وهرب إلى سواد الكوفة وانغمس في بيوت الخمارين وطلبه موسى فلم يجده فقال: دعوه إلى نار الله وأليم عذابه، ورَحًلَ فلما شارف القادسية، وإذا أبو دلامة قد خرج من قرية، يريد أُخرى فقبضوا عليه وأتوه به فقال: يا عدو الله يا فاجر، تفر من الحق إلى الباطل، ومن الحج إلى حوانيت الخمارين، فقيدوه ورموه في بعض المحامل فلما سارت الإبل صاح أبو دلامة بأعلى صوته: يا أيها الناس قولوا أجمعين معي ... صلّ الإله على موسى بن داوود كأن ديباجتي خديه من ذهب ... إذا تبلج في أثوابه السود نبئت أن طريق الحج معطشةٌ ... من الطلاء وما شربي بتصريد والله ما فيَّ من أجرٍ فتطلبَهُ ... ولا الثناء على ديني بمحمود إني أعوذ بداوودٍ وتربته ... من أن أحج بكرهٍ يا ابن داوود فقال موسى: ألقوه عن المحمل، فعليه لعنة الله، ومضى موسى لوجهه. وهذا أبو الشِّيص، نقيُّ الكلام متخيَّرُ الألفاظ، مداحٌ للخلفاء، لاحقٌ للفحول، وهم عم دعبل بن علي يصف نفسه بالندام فيقول: وكميت أرقها وَهَجُ الشمسِ ... وصيفٌ يغلي بها وشِتاءُ طبختها الشِعري العَبُورُ وحثت نارها بالكواكب الجوزاءُ محضتها كواكب القيظ حتى ... أقلعت عن سمائها الأقذاءُ هي السُرج في الزجاج إذا ما ... صبَّها في الزجاجة الرصفاءُ ودم الشادن الذبيح وما يحتلِبُ الساقيان منها سواءُ قد سقتني والليل قد فَتَق الصبح بكأسين، ظبيةٌ حوراءُ عن بنانٍ كأنها قُضُبُ ... الفضةِ حَنّا أطرافها الحِناءُ وهو الذي يقول وقد اصطبح: عاطِني كأسَ سلوةٍ ... عن أذانِ المؤذنُ ما ترى الصبح قد بدا ... في إزارٍ متبنِ فاسقينها سُلافةً ... والطُمَنيّ وأرمني وقام فعثر [بد كدا] فسقط عليها وكسرها فذبحته ذبحاً. وكان أشجع وحمزة ويزيد السُّلَمُّيون ندماء لا يفترون فمروا بقبر أبي زبيد الطائي وكان نديماً للوليد بن عقبة بن أبي مُعيط فدفن إلى جبه، فقال حمزة: مررت على عظام أبي زبيد ... وقد لاحت ببلقعةٍ صلودِ وقد كان الوليدُ له نديماً ... فجاور قبرُهُ قبرَ الوليد وما أدري بمن تبدا المنايا ... بحمزة أم بأشجع أم يزيد فمات حمزة ثم أشجع ثم يزيد. وخرج ثلاثة فتيان إلى سجستان في بعث، فكانوا يتنادمون فتوفي أحدهم فكان صاحباه يغدوان بطعامهما وشرابهما إلى قبره فيشرب كل واحدٍ منهما قدحاً ويصبان قدح الميت على قبره، ثم توفي أحدهما فدفنه الآخر إلى جانب صاحبه، وضرب على قبريهما قبة وجعل يشرب قدحاً ويصب على على قبريهما قدحاً ويبكي ويقول: خليليَّ هبّا طالما قد رقدتما ... أَجدَّ كما ما تقضيان كراكما ألم تعلما أن ليس لي من مُحدثٍ ولا بسجستان نديمٌ سواكما مقيم على قبريكما لست نازحاً ... طوال الليالي أو يجيب صداكما وأبكيكما بالوجد مني وما الذي ... يُرَدُّ على ذوي لوعة إن بكاكُما وكان يحيى بن زياد الحارثي ذا لامروءةٍ وظرفٍ، وهو الذي يقول: أعاذلُ ليت البحر خمرٌ وليتني ... مدى الدهر حوتٌ ساكنٌ لجةَ البحر فأُضحي وأُمسي لا أفارق لجةً أُرَوي بها عظمي وأشفي بها صدري طوال الليالي ليس عني بناضبٍ ولا ناقصٍ حتى أُساق إلى الحشرِ وكان حمران بن إسحق بن أبان اللاحقي، ماجناً مدمناً وكان أبوه يعذله، فخرج إلى ماخور بعيدٍ من البصرة وكتب إليه أبوه يلومه ويسأله الرجوع إليه؛ فكتب إليه: يا أبي لا ترث لي من غربةٍ ... أنا في عيشٍ وخفضٍ ودعة وسجولِ خمسةٍ أو ستةٍ ... وإذا قلوا فعندي أربعة وخوابٍ هادراتٍ دهرها ... وقناني ملاءٍ مُترعة ومغنٍّ هزج يطربني ... وإذا شئت، تغنيت معه

стр. 30

لا نبالي من لحا في شربها ... أبداً حتى يوافي مصرعه قال: فيئس أبوه من صلاحه وفلاحه فأعرض عن ذكره. وشرب رجلٌ في بيت خمارٍ فأصبح ميتاً، فقيل للخمار: أنت قتلته، قال لا والله، ما قتلته إلا شربُهُ على غير طعامٍ. وكان والبة بن الحُباب من كبار المدمنين، لو قلتُ إنه سنَّ الفتوَّةَ وشرع المنادمة لقلت حقاً، وهو الذي يقول: وندمانٍ يزيد الكأسَ طيباً ... حليمٍ عند طيشِ ذوي الحُلوم دعوت (لليلةٍ) وثنيتُ أُخرى ... بتغذية الخؤلة والعموم فقلت ألا اصطبح، أصبحتُ إلاَّ بقايا غابر الليل البهيم معتقةٌ كأن المسكَ فيها ... محرَّمة على الرّجُلِ اللئيمَ وحسبُكَ بي، بها خبراً وعلماً ... ملأتَ يديك من رجلٍ كريم وكان لوالبة إخوانٌ مثلُهُ في الفتوة والظرف وإدمان القصف واللهو قد خلعوا العِذار وأنفقوا الطارف والتليد، منهم، عُباد بن عُباد الذي يقول فيه: عُبادُنا أطيبُ الخلائق لا الغادر يوماً إذا هُمُ غدروا أصبحت؛ ماذا بالسكر تنتظرُ ... دونكها قد تبلَّجَ السَحَرُ دونكها يا عُبادُ صافيةً ... كأنها في الزجاجة الشَّرَرُ ومنهم مسعود بن عمرو وعمرو، اللذان يقول فيهما: لما رأيتُ الصبح قد لاحا وأقبل الفجر وقد لاحا نبهتُ مسعوداً وعَمْراً لها ... فقلتُ قُوما فاشربا الرّاحا كرخيَّةً كالمسك معشوقةً ... يحسبها الشارب تفاحا ومنهم أبو الغرثان حفص بن غيلان الذي يقول فيه: قلت لما بَرَق الفجر وأبصرت الصباحا ورأيت الديكَ قد أكثر في الصبح الصياحا أسقِ حفصاً يا أبا الغرثان من كفيكَ راحا قهوةً أذكى من المسكِ ... إذا ما المسكُ فاحا مُرة تأبى إذا ما ... مُزجت إلا جماحا ومنهم عبد الله بن عمرو، الذي يقول فيه: ونديم حُلوِ الشمائل كالدينار محض النجار سهل مُصَفَّى قلت عبد الإله قم بأبي أنت، فلبىَّ، فقلت لبيكَ ألفا هاكها، قال: هاتها، قلت: خذها [قال لا أستطيعها] ثم أغفى. ولو لم يكن من ظرف والبة إلا أنه أُستاذُ أبي نواسٍ لكفاه. وناهيك بالحسين بن الضحاك وأبي نواسٍ في صنعة الخمر ونعتها وفي الإدمان لشربها، والحضِّ على المثابرة عليها، ووصف المجالس وما فيها، والسقاةِ وبراعة جمالها و [آنيتها] واختلافِ نعوتها والحاناتِ ومن يُلِمُّ بها والخمارين ومسامحةِ بعضهم في بيعها، ومغالاة بعضهم فيها، قال الحسين: وندمان صدقٍ لا ترى بين جهرِهِ ... وبين الذي تخفي سريرتُهُ فرقا تنبَّه للناقوس أَوَّلَ نقرةٍ ... ولم تبقَ لذات الكرام له عِلقا أتانا بها زيتية ذهبية ... كأنَّ حبابا دُرّها، حدقاً زرقا وهو القائل: ومهفهف نازعتُ فضلَ وشاحه ... وكسوتُهُ من ساعديَّ وِشاحا ما زال يَضْحَكُ [بي] ويضحكني به ... لا يستفيق دُعابة ومزاحا وعواتِقٍ باكرت بين حدائقٍ ... ففضضتهن وقد عَيِين صِحاحا أتبعتُ وخزة تيكَ وخزةَ هذه ... حتى أنتزفت دماءَهن جراحا ولربَّ ملتبسِ الجفون بسكرةٍ شرّدتْ عنه منامه فأنزاحا فكأَنَّ رَيَّ الكأس حين ندبتُهُ ... للشرب أنهض في حشاه جناحا وقال إسحق بن إبراهيم: كان الأخطل نازلاً على عكرمة الفيّاض فإنه خرج من عنده يوماً فمر بفتيانٍ يشربون، وعندهم قينة يقال لها شقراء، فأقام عندهم أياماً، فلما أتى عكرمة، سأله أين كان فأخبره بخبره فبعث [إلى الفتيان] بألف درهم وأعطاه خمسة آلاف، فمضى بها إليهم وقال: أستعينوا بهذه على أمركم ولم يزل ينادمهم حتى رحل وقال: لعُمركَ ما لاقيتُ يوم معيشةٍ ... من الدهر إلا يوم شقراء أقصرُ حواريةٌ لا يدخل الذمُّ بيتها ... مطهَّرةٌ يأْوي إليها مطهَّرُ

стр. 31

وخرج الفرزدق إلى الشام فلما كان في بعض طريقه، رُفع له بيت أحمر من أَدَم ودنا منه وسأل فقيل للأخطل، ونزل به، والأخطل لا يعرفه إلا أنه ضيفٌ فأحضر له طعاماً، فلما أكل قال: أنتم معشر الحنيفية لا ترون أن تشربوا من شرابنا، فقال له الفرزدق: خفض عليك وأسقنا من شرابك فشربا وجلسا يتحدثان ويتناشدان، فوثب الأخطل وقال له: بحق من تعبد، أنت الفرزدق؟ قال: نعم، فجدَّد له التحية، وزاده في برِّهِ وإكرامه، وتحدثا وتناشدا إلى أن قال له الأخطل: والله إني وإياك لأشعر من جرير، ولكن يسير له من الشعر ما لا يسير لنا، لقد قلت بيتاً ما أعلم أحداً قال أهجى منه: قومٌ إذا استنبح الأضياف كلبَهُم ... قالوا لأُمهِمِ؛ بولي على النار فقلَّ من يرويه، وقال هو: والتغلبيُّ إذا تنحنح للقرى ... حَكَّ أستَهُ وتمثَّل الأمثالا فلم تبق سقاة ولا أمثالها إلا رووه وسار له؛ فأقاما نصطبِحين أياماً كثيرة ثم افترقا. ومن المستهترين بالشراب، المدمنين عليه، إبراهيم بن هرمة، ولما مدح أبا جعفر المنصور بقصيدته: نضا ثوبهُ عنك الصِّبا المتخايِلُ حتى بلغ إلى قوله: كريمٌ له وجهان، وجه لدى الرضى ... أسيلٌ ووجهٌ في الكريهة باسِلُ له لحظات عن حِفافَيْ سريره ... إذا كرَّها، فيها عقابٌ [و] نائِلُ فأُمُّ الذي آمنت آمنةُ الرَّدى وأُمُّ الذي أوعدت بالثكل ثاكِلُ وكان زياد بن عبد الله، قد جلده الحدَّ مراتٍ في خلافةِ أبي العباسِ السفَّاح، واستحسن أبو جعفر شعرَهُ وقال: سلحاجتك، فقال: تكتب إلى عامل المدينة أن لا يَحُدَّني إذا أُتي بي سكران، فقال أبو جعفر: هذا حدٌ من حدود الله ، فلا يجوز لي أن أُعطِّلَهُ، قال: فاحتَّلْ لي يا أمير المؤمنين فكتب إلى عامل المدينة؛ من أتاك بابن هرمة سكران فاجلده (مائة) جلدةً، واجلد ابن هرمة ثمانين فكان العَوْن يمر به وهو سكران، فيقول: من يشتري مائة بثمانين. فلما ولى الحسن بن زيد العلوي المدينة قال لابن هرمة: إني لست كمن باع لك دينه رجاء مدحِك أو خوف ذمِّك، قد رزقني الله بولادة نبيه ﷺ الممادح، وجنبني القبائح وإنَّ من حقِّهِ عليَّ أن لا أعصي في تقصير في حق ربيّ، وأنا أقسم لئِن أُتيتُ بك سكران، لأضربنكَ حَدَّ الخمر وحدَّ السكر ولأزيدنك لموضع حُرمتك بي؛ فليكن تركك لها لله تُعَنْ عليها ولا تدعها للناس فتتوكَّل عليهم، فنهض ابن هرمة وهو يقول: نهاني ابن الرسول عن المدام ... وأدبني بآداب الكرامِ وقال لي اصطبر عنها ودعها ... لخوفِ الله لا خوف الأنام وكيف تصبري عنها وحبي ... لها حبٌ تمكَّن في عظامي أرى طيبَ الحلال عليَّ خبثاً ... وطيبُ النفس في حُبِّ الحرامِ وهو القائل: هلم اسقني كأسي ودع عنك من أبى ... وروِّ عظاماً قصرُهُنَّ إلى بِلى فأَنّ نديمي، غير شَكٍّ، مُكرَّمٌ ... لديَّ وعندي من هواه الذي ارتضى ولست له في فضلةِ الكأس قائلاً، ... لأصرعهُ سكراً، تحسَّ وقد أبى ولكن أُحييه واكرمُ وجههُ ... واشرب ما بقي واسقيه ما اشتهى ومنهم، أبو محجن الثقفي، وكان مولعاً بالشراب، مشتهراً فيه، شاعراً، فارساً، فحُدَّ مراتٍ، وحضر القادسية مع سعد بن أبي وقصاص وكان سعد لا يزال شارباً، فلما طال عليه أمره ضربَهُ وقيدَّه وحبسه، فلما تواقع القوم يوم القادسية وأبو محجن مشرفٌ عليهم نظر إلى المسلمين وقد فشلوا فأنشأ يقول: كفى حزناً أن تردي الخيلُ بالقنا ... وأُترك مشدوداً عليَّ وثاقيا إذا قمتُ عناني الحديد وأُغلقت ... مصارع من دوني تُصمُّ المناديا

стр. 32

فلما سمعته إمرأة سعد، قالت له: أعطني عهد الله أت ترجع إلى محبسك حين أُطلقك، فأعطاها عهد الله إن هي حلَّته من وثاقه أن يعود إليها حتى تعيده في محبسه؛ وإن قُتل فالقتل أكبر مما أرادوا به، فَحَلَّته وأعطته سلاحاً، وركب فرساً لسعدٍ بلقاء، فخرج فجعل يشقُّ الصفوف مقبلاً ومدبراً، ويشد على المشركين حتى هزموا وسعد يقول: أما الفرس ففرسي وأما الشدّات فشدّات أبي محجن، فلم يزل يشدّ ويقتل حتى انهزم المشركون ورجع إلى إمرأة سعدٍ، فنزل عن الفرس وألقى سلاحه وردَّت رجليه في قيوده، فلما رجع سعد إلى منزله دعا بأمرأته فسألها: هل ركب أبو محجن فرسهُ، فأنكرت ذلك، فأقسم عليها، فأخبرته الخبر، فدعا أبا محجن، وقال: والله لا اعاقبك فيها أبداً، قال: وأنا والله لا أشربها أبداً، إنما كنت أشربها حين كنت أُحَدُّ عليها فيكون الحدُّ كفارةُ لشربها، فأما اليوم فلا ذقتها أبداً، وقال: إن كانت الخمر قد عزَّت وقد مُنعت ... وحال من دونها الإسلام والحَرجُ فقد أُباكرها صهباء صافيةً ... صرفاً وأطرب أحياناً، فأمتزجُ وقد تقوم على رأسي مُنَعَّمةٌ ... فيها، إذا رفعت من صوتها غَنَجُ ترفِّع الصوت أحياناً وتخفضهُ ... كما يطن ذباب الروضةِ الهَزِجُ ودخل إبن أبي محجن على معاوية، فقال له: أبوك الذي يقول: إذا متُّ فادفني إلى جنب كرمةٍ ... تروي عظامي بعد موتي عروقُها ولا تدفني في الفلاةِ فإنني ... أخاف إذا متُّ، أن لا أذوقها فقال ابن أبي محجن، لو شئت ذكرت أحسن من هذا من شعره، قال وما ذاك قال: قوله: لا تسألي الناس ما مالي وكثرتُهُ ... وسائلي الناس ما حزمي وما خُلُقي القوم اعلم أني من سراتهم ... إذا تطيش يد الرعديدة الفرقِ أُعطي السنان غداة الرَّوع حصَّتُه ... وعامل الرُّمح أرويه من العَلَقِ قد أركب الهولَ مسدولاً عساكره ... وأكتم السِرَّ فيه ضربةُ العُنُق فحكى من رأى قبر أبي مِحجن في أرمينية [أنه] بين شجرات كرمٍ، وفتيان أرمينية يخرجون بطعامهم وشرابهم فيتنزهون عنده، فإذا شربوا [صبّوا] كأسه على قبره. ومنهم، أبو الهندي، عبد المؤمن بن عبد القدوس بن شَبَث بن رَبَعِّي اليربوعي وهو القائل: إذا صليتُ خمساً كل يوم ... فإن الله يغْفِرُ لي فُسُوقي ولم أُشرك بربِّ الناس شيئاً ... فقد أمسكت بالحبل الوثيقِ فهذا الدين ليس به خفاءٌ ... فدعني من بُنيات الطريق وكان أبو الهندي كثيراً ما يقول في صفة الخمر، ومن مشهور أخباره أن قُدَيْد بن مَنبع المنقري دعاه إلى أن يكفَّ عن الشراب، ويقلعَ عما هو عليه من الأستهتار به على أن يزوجه ابنته، ففعل ذلك اياماً، وكان لقُديْد غلامٌ يقال له سالم، يغدو كلَّ يومٍ على أبي الهندي بوطب لبنٍ قيشرب منه، فمرَّ بأبي الهندي بعض من كان ينادمه، فقال له: هل لك يا أبا الهندي في شراب لم يُعاين مثله، ومجلسٍ لذيذٍ، ولم يزل به حتى أنطلق معه، فلما شرب وعاد إلى ما كان عليه، أنشأ يقول: يقول أبو الهندي إذ طاب ليلُه ... وحلَّقتِ الجوزاءُ بالكوكبِ الفردِ سيُغني أبا الهندي عن وطبِ سالمٍ ... أباريق لم يعلق بها وضَرُ الزُّبْدِ مُفَدَّمةٌ قُزٌّ كأن رقابها ... رقاب بنات الماءِ تفزع للرَّعدِ يمجُّ سُلافاً في قوارير صورت ... وكاسات صدقٍ كلها حَسُن القَدِّ كميت إذا ما ذاقها المرءِ أرعَشت ... مفصاله وازداد مجداً على مجد ويبكي على ما فاته من شبابه ... بكاءَ أسيرٍ في الصفاد وفي القِدِّ شهدتُ بفتيانٍ تميمٌ أَبوهُمُ ... حسانُ وجوهٍ من ربابٍ ومن سعد وحجَّ به نصر بن سيار مرةً، فلما ورد الحرم قال له نصر: إنك بفناء بيت الله ومحل حَرَمِهِ فدع الشراب، فوضعه بين يديه وجعل يشرب ويبكي ويقول: رضيع مدامٍ، فارق الراح رُوحُهُ ... فظلَّ عليها مستهِلَّ المدامعِ

стр. 33

أديرا عليَّ الكأسَ إني فقدتها ... كما فقد المفطوم دَرَّ المراضِعِ وكان يشرب مع قيس بن أبي الوليد الكناني، وكان أبو الوليد الكناني ناسكاً، فاستعدي عليه وعلى ابنه فهربا منه، فقال أبو الهندي: قل للسريّ أبي قيسٍ أتهجرنا ... ودارنا أصبحت من داركم صددا أبا الوليد أما والله لو عَمِلت ... فيك الشمولُ لما فارقتها أبداً ولا نسيت حميّاها ولذَّتها ... ولا عدلت بها مالاً ولا ولداً وكان بسجستان رجل صُلب أبوه في خرابة وهي سرقة الإبل، فجلس إلى أبي الهندي، وطفق يعرض له بالشراب، فقال أبو الهندي: أحدهم يرى القذارة في عين أخيه ولا يرى الجذع في است أبيه، ومرَّ به نصر بن سيار وهو يميل سكراً، فقال له: أفسدت شرفك، فقال: لولا أني أفسدت شرفي لم تكن أنت والي خراسان. ويقال إنه تاب في آخر عمره وترك شرب الخمر وقال: تركت الخمور لأربابها ... وأقبلت أشرب ماءً قُراحا ولم يبق في الصدرِ من حبها ... سوى أن إذا ذُكرت قلت آحا وقد كنت حيناً بها معجباً ... كحبِّ الغلامِ الفتاةَ الرَّداحا وما كان تركي لها أنني ... يخاف نديمي عليَّ افتضاحا [و] لكنَّ قولي له مرحباً وأهلاً مع السهل وأنعم صباحا وهو القائل: أُعاذلُ لو شربت الراح حتى يكون لكل أُنُملةٍ دبيبُ إذن لعذرتني وعلمت أني ... لِما أَنفقتُ من مالي مصيب وأبو الهندي [هو] القائل: أتلف المال وما جمعته ... طلبُ اللذات من ماءِ العِنب واستبائي الزِق من حانوته ... شائل الرجلين معصوب الذنب كلما كُبَّ لشربٍ خاتَهُ ... حبشياً قُطعت منه الرُّكب وكان عمر بن عبد العزيز وهو أمير على الحجاز أُتي بالصلت ابن أبي العاصي المخزومي سكران فجلده الحدَّ فغضب ولَحِقَ بالروم فتنصر، وبعث عمر رجلاً إلى ملك الروم في فداء من عندهم من الأسرى، قال: بينا أنا أجول في أزقة القسطنطينية إذ سمعت غناءً بلسانٍ فصيح عربيٍّ وصوت شجيٍّ في هذا الصوت: وكم بين الفرات إلى المصلَّى ... إلى أُحدٍ إلى ميقات ريم إلى الجمّاءِ من ثغرٍ نقيٍّ ... عوارضه ومن دلٍ رخيمِ ومن عين مكحلة المآقي ... بلا كحلٍ ومن كشحٍ هضيم فلم أسمع قط أطيب منه، ولم أدرِ، أهو كذلك حسن، أم لغربة العربية في ذلك الموضع، ودنوت من الصوت فلما قربت منه إذا هو في غرفة، فنزلت عن دابتي وصعدت إليه فسلمت فردَّ السلام وهو يبكي فقلت له: أبشر، فقد فك الله أسْرَك؛ بعثني أمير المؤمنين في فداء من بهذا البلد من المسلمين فما قصتك، قال: هربت إلى هذا البلد غصباً لما جرى عليَّ من عمر بن عبد العزيز، فمررت يوماً بهذا المكان وأشرفت على جارية من أحسن الناس وجهاًفعشقتها وكلمتها فقالت: إن دخلت في ديني لم أُخالفك، فدعتني شدة الوجد بها إلى أن تنصرت. فقلت له، أكنت قارئاً للقرآن، قال نعم، قلت فما بقي معك منه، قال لا شيئ إلا هذه الكلمة: [ربَّما يوَدُّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين] قلتُ يا هذا، أتقِ الله وعاوِد الإسلام فإن الله يقول، [إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان] قال: وكيف، بعد عبادة الصليب وشرب الخمر وأكل لحم الخنزير، انطلق صَحبك الله. وحُكي عن يونس الكاتب، قال: كنّا متنزهين بالعقيق أنا وجماعة من قُريش، فبينا نحن في أكلٍ وشربٍ ومذاكرة طلع علينا ابن عائشة، فلما رأى جماعتنا وسمعني أُغني في شعر جميل: إن المنازل هَيَّجت أطرابي ... واستعجمت آياتها بجوابي قفرٌ تلوح بذي الأراك كأنها ... تجير وشيءٍ أو سطور كتابِ لما وقفتُ بها القلوص تبادرت ... مني الدموع لفرقةِ الأحبابِ وذكرت عصراً يا بثينة شاقني ... إذ فاتني، وذكرت شرخ شبابي

стр. 34

جاءَنا فسَلَّم علينا وجلس فتحدث معنا، وكانت الجماعة تعرف سوء خُلقِهِ وغضبه إذا سئل أن يغني، فأقبل بعضهم على بعض يتحدثون [بأحاديث كثيِّر وجميل يستجرون] بذلك أن يطرب فيغني، فقلت: لقد حدثني اليوم بعض الأعراب حديثاً مليحاً، وإن شئتم حدثتكم به، قالوا هات: قلت: حدَّثني أنه أقبل من الربذة قال، فمررت بغدير، وإذا صبيان يتغاطسون فيه وإذا شابٌ جميل منهوك الجسم عليه أثر العلة، والنحولُ في جسمه بين وهو جالسٌ ينظر إليهم فسلمتُ عليه فردَّ السلام وقال من أين وَضَح الراكبُ، قلتُ من الحِمى، قال: ومتى عهدك به، قلت رائحاً، قال، واين كان مبيتك، قلت، بفناء فلان، فتأوه وألقى بنفسه على ظهره، وتنفس ظننت أنه خَرَق حجاب قلبه ثم أنشأ يقول: سقى بلداً أمست سليمي تحلُّهُ ... من المزن ما يروى به ويُسيمُ وإن لم أكن من قاطنيه فإنه ... يحلُّ به شخصٌ عليَّ كريم ألا حبذا من ليس يَعدلُ قُربُه ... لديَّ، وإن شطَّ المزار، نعيم ومن لامني فيه حبيبٌ وصاحبٌ ... فردَّ بغيظٍ، صاحبٌ وحميمُ ثم سكن كالمغشي عليه، فصحت بالصبية، فأتوا بماءٍ فنضحتُ على وجهه فأفاق وأنشأ يقول: إذا الصبُّ الغريب رأى خشوعي ... وأنفاسي تزيَّن بالخشوع ولي عينٌ أَضرَّ بها التفاتي ... إلى الأجزاع مطلقةُ الدُّموع إلى الخلوات، تأْنسُ فيك نفسي ... كما أَنس الوحيدُ إلى الجميع فقلت: ألا أَنزل فأُساعدك أو أكثر عودي على بدئي إلى الحمى، في حاجةٍ إن كانت لك، أو رسالةٍ، فقال: جزيت خيراً وصحبتك السَّلامة، إمض لِطيَّتِكِ، فلو علمت، أنك تُغني لي شيئاً لكنت موضعاً للرغبة، ولكنك أدركتني في صُبابةٍ من حياتي يسيرة، قال: فانصرفت وأنا لا أراه يُمسي ليلته إلا ميتاً، فقال القوم: ما أعجب هذا الحديث، فطرب ابنُ عائشة وقال ليونس الكاتب: أعِد علي الشِّعرين، فأعادهما عليه، فصاغ للأول منهما لحناً في خفيف الرَّمل المطلق في مجرى الوسطى، وقيل إنه منسوب إلى معبد، فأخذه ابن عائشة وعمل في الثاني لحناً في خفيف الثقيل وغناهم فيهما، قالوا فما سمعنا قط مِثاه ثم ختم مجلسنا بهذا الصوت: أفاطمُ إن النأي يُسلي ذوي الهوى ... ونأيك عن زادني بكُمُ وجدا وما هبَّ عرْفُ الريح، من نحو أرضكم ... فيبلغني، إلا وجدت له بردا على كبدٍ قد كاد يبدب بها الهوى ... صدوعاً، وبعض القوم يحسبني جلدا وجعل يعيده ونحن نشرب حتى ما عقل كلُّ واحدٍ منا كيف وصل إلى أهله سكراً. وحكى إسحق بن إبراهيم الموصلي، عن أبي عبيدة قال: قدم الفرزدق المدينة فنزل على الأحوص فقال له الأحوص: ما تشتهي، قال: شواء، ووطاء، وغناء، فأتاه بذلك وقينة من قيان أهل المدينة فشرب وغنته بهذا الصوت: ألا حيِّ الديار بسُعدَ إني ... أُحبُّ لُحبِّ فاطمةَ الديارا إذا ما حلَّ أهلُك يا سليمي ... بدارة جُلجُلٍ شحطوا مزارا أراد الطاعنون ليحزنوني ... فهاجوا صدع قلبي فاستطارا فقال الفرزدق: ما أرق أشعاركم يا أهل الحجاز وأملحها، قال: أو ما تدري لمن هذا الشعر، قال: لا والله، قال: هو لجرير يهجوك به، قال: ويل ابن المراغة، ما كان أحوجه مع صلاحه إلى صلابة شعري، وأحوجني مع قسوتي إلى رقة شعره. قال إبراهيم: كنت في زمان شبابي أُلازم الخمارين بِقُطْرُبُّل فجئت يوماً إلى خمارٍ ما رأيت أنظف منه، فقلت: ما عندك؟ قال: عندي شيءٌ يوافقك، وأخرج لي شراباً كشعاع الشمس لم أر مثله، فقلتُ: اكتل لي منه، وكنت قد صنعت في الوقت لحناً: اِشرب الراح وكن في ... شُربكَ الراح وقورا اِشرب الراح رواحاً ... وظلاماً وبكوراً

стр. 35

وطريقته: خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى، فجعلت أترنم به وأُردده لكي يستوي [وكان] الخمَّار قد قرَّب الإناء واكتال فيه حتى امتلأ وفاض وهو يزيد فيه والشراب يجري حتى استغدر بين يديه، فقلت له: ويحك، أتلفتَ شرابك وهرَقَت، فما بالك، فقال: والله يا مولاي، ما هو إلا أن سمعت ترجيعك في هذا الصوت فذهب عقلي فما أسمع ولا أُبصر، فذهبت لأزن له ثمن شرابه فحلف بدينه ألا يأخذ مني ثمناً ولو حملت كل ما في حانوته، وقبَّل أطرافي ورغب إلي في المُقام عنده، فأقمت في ضيافته ثلاثاً، لأولاني فيها من الخدمة والبر والإكرام ما لا أقدر على صفته، فكنت بعد ذلك لا أُفارقه زمناً طويلاً. وحكى جحظة عن موسى بن هرون، قال: كنت مع إسحق بن إبراهيم الموصلي في نزهة فمرَّ بنا أعرابي، فوجه اسحق غلامه زياداً فجاء بالأعرابي فلما شرب وسمع حنين الوتر والدَّواليب، قال: حنَّت وليس تحن عن وَجدِ ... وأَحِنُّ من طرب إلى نجد لو قيس وجدُ العالمين إلى ... وجدي لزاد عليه ما عندي قال: فما انصرف إسحق إلى بيته إلا محمولاً من السُّكر، وما شرِبَ إلا على هذه الأبيات، وغنى فيها إسحق بالبِنْصَر. وكان عُروة بنُ الوَرد أحد الصعاليك المجَّان المشهورين، مشتهراً بالشراب، فشرب الخمر بكل شيءٍ يملكه حتى ارتهن امرأته سلمى الغفارية ثم ندم وقال: أرقت وصحبتي بمضيق عمروٍ ... لبرقٍ من تهامةَ مستطيرِ لآنسةِ الحديث رضابُ فيها بُعَيدَ النوم كالعنب العصير سقوني الخمر ثم تكنفوني ... عُداةُ الله من كذب وزور فلا والله لو مُلِّكت أمريومن لي، بالتدبُّر في الأُمور فيا للناس كيف غُلبت أمريعلى شيءٍ ويكرُهُه ضميري وعن إسحق بن إبراهيم قال: كانت بالبصرة قينة لبعض ولد سليمان بن عليّ، وكانت محسنة بارعةً، وكان بشار صديقاً لسيدها، فحضر مجلساص يوماً والجارية تغني، فإذا سكتت أخذ بشارٌ في إنشاده ونوادره، فسُرَّ الرجل ببشار وشرب حتى سكر ونام، ونهض بشار، فقالت له الجارية: يا أبا معاذ، أُحبُّ أن تذكر يومنا هذا في قصيدة ولا تذكر اسمي ولا اسم سيِّدي، فانصرف وكتب إليه: وذات دَلٍّ كأن البدر صورتُها ... باتت تغني عميد القلب سكرانا [إن العيون التي في طرفها حورٌ قتلننا ثم لم يحيين قتلانا] [يَصرَعنَ عن ذا اللبِّ حتى لا حراك به وهنَّ أضعف خلق الله إنسانا] فقلتُ أحسنتِ يا سؤلي ويا أملي ... فأسمعيني جزاكِ اللهُ إحسانا [يا حبَّذا جبلُ الرَّيان من جبلٍ وحبَّذا ساكن الرَّيان من كانا] فقلتُ أحسنتِ أنت الشمس طالعةً ... أضرمت في القلب والأحشاءِ نيرانا فأسمعيني صوتاً مطرباً هَزَجاً ... يزيد صبًّا محباً منك أشجانا يا ليتني كنتُ تفاحاً تقبله ... أو كنت من قضب الريحان أفنانا حتى إذا وجدت ريحي فأعجبها ... ونحن في خلوةٍ مُثِّلت إنسانا [أصبحت أطوعَ خلق اللهِ كلَّهِمُ لأكثر الخلق لي في الحب عصيانا] لو كنت أعلم أن الحب يقتلني ... أعددت لي فيك إذ لقاك أكفانا فلما وقف على الأبيات سُرَّ بها وبعث إليه ثلاثة آلاف درهم. وحكى إبراهيم الموصلي قال: حدَّثني رجل ظريف من أهل الطائف قال: عشق العرجي امرأة من قريش فجعلني رسولاً إليها، فأتيتها برسالته وأخذت موعدها لزيارته لموضعٍ سمَّاه، ثم بكرت أنا وهو وحملنا معنا سُفرة وزُكرة على أتانٍ، فجاءت ومعها جارية، وجاءَ على حمار ومعه غلام، فأكلا وشربا وتحدثا ثم قمت عنهما فوثب عليها، ووثب الغلام على الجارية، والحمار على الأتان، وقعدت أسمع النخير من كل ناحية، فأنعظت ولم يكن لي حيلة إلا أن جلدتُ عُميرة، فرفع العرجيُّ إلي رأسه وقال: هذا يومٌ غابت عواذله؛ فما لي حسنة أرجو ثوابها رجائي لثواب ذلك اليوم.

стр. 36

وكان سعيد بن القعقاع الطائي يتقدم بشاراً في المجانة، وكان لا يزال ينادمه، فقال له: ويحك يا أبا مُعاذ، إن الناس ينسبون إلينا الزندقة، فهل لك في أن تحج حجة تنفي بها عنا ذلك، فقال له: نِعم ما رأيت، فاشتريا بعيراً ومحملاً وركبا حتى مرا بضيعة كثيرة البساتين والخمر، يقال لها زُرارة فقال له: ويحك يا أبا معاذ: مل بنا إلى زرارة ننعم بها فإن الحج بعيد، فإذا قفل الحاجُّ عارضناهم وكنا معه، فلم يشك الناس أنا جئنا من الحج، فقال له بشار: نِعم ما رأيت، لولا خبث لسانك فإني أخاف أن تفضحنا، قال: لا تخف، ومالا إلى زرارة، فما زالا يشربان الخمر ويفسقان حتى نزل الحاج بالقادسية راجعين، فحلقا رأسيهما وأقبى، وتلقاهما الناس يهنئونهما، فقال سعيد بن القعقاع: ألم ترني وبشاراً حججنا ... وكان الحج من خير التجارة خرجنا طالبي سفرٍ بعيدٍ ... فمال بنا الطريق إلى زُرارة فآب الناس قد حجوا وبروا ... وأُبنا موقرين من الخسارة وقال السندي بن الصبَّاح: شهد بشار مجلسنا، وقال: لا تصيروا مجلسنا هذا شعراً كلَّه، ولا حديثاً كلَّه، فإن العيش فرصٌ، ولكن غنوا؛ وتحدثوا، وتناشدوا، وانتهبوا العيش انتهاباً. وكان بالكوفة ثلاثة نفرٍ يقال لهم الحمَّادون: حماد عجرد، وحماد الراوية، وحمَّاد بن الزبرقان، يتنادمون على الشراب، ويتناشدون الأشعار، ويتعاشرون ولا يكادون يفترقون، فكانوا كأنهم نفس واحدة، وكانوا يرمون بالزندقة جميعاً. ودخل مطيع ابن إياس ويحيى بن زياد على حماد الراوية، فإذا سراجُهُ على ثلاث قصبات قد جمع أعلاهن وأسفلهن بطين، فقال له يحيى بن زياد: يا حماد إنك لمسرفٌ تبذل حُرَّ المتاع، وقال له مطيع: ألا تبيع هذ المنارة وتبتاع أقل ثمناً منها وتنفق على نفسك الباقي وتتسع فيه، فقال له يحيى: من أين يكون له مثل هذه، أظنها وديعة عنده أو عارية، فقال مطيع: أما إنه لعظيم الأمانة عند الناس حين أودعوه مثلها، قال يحيى: ما أظنها عارية ولا ويعة، ولكني أظنها مرهونة عنده على مالٍ، وإلا فمن يُخرج هذه عن يده، فقال لهما: قوما يا ابني الزانيتين اخرجا من منزلي، فشر منكما من يدخلكما منزله هذا. وقد كان أحد خلفاء بني أُمية يصلُهُ بماية ألف فيتلف كلَّ ما أفاد في إدمان الشراب. وقال إسحق الموصلي: حدثني أبو يعقوب الخُرَيمي قال: كنت في مجلسٍ فيه حماد الراوي ومعنا غلام أمرد فجعلنا نشرب، وينظر إليه حمَّاد، فقال لي: يا أبا يعقوب، قد عزمت الليلة أن أفتك بهذا الغلام، فقلت: شأنك، فلما سكرنا ونمنا لم أشعر إلا وحمَّاد ينيكُني، فكرهت أن أتكلم فينتبه الناس فأفتضح، فأخذت بيده فوضعتها على عيني العوراء ليعرفني، فقال لي: قد عرفتك الآن، فيكون ماذا، وفديناه بذبح عظيم، فما برح وأنا أُعالجه جهدي فلا ينفعني حتى أنزل. قال أبو العباس المبرد، حدثني عبد الصمد بن المعذل، قال: سمعت إسحق بن إبراهيم الموصلي يقول: حججت مع أمير المؤمنين الرشيد، فلما قفلنا ونزلنا آخيت بها رجلاً كانت له سنٌ ومعرفةٌ وأدبٌ وكان يُمتِعُني، فإني ذات ليلةٍ في منزلي إذا بصوته يستأذن عليَّ، فظننت أمراً أقدمه وفزع إليَّ فيه، فأسرعت نحو الباب وقلت: ما جاء بك؟ قال: إذن أُخبرك: دعاني صديق لي إلى طعام عتيدٍ وشرابٍ عتيقٍ وحديثٍ ممتع وغناء مطرب، فأقمت عنده إلى هذا الوقت، لإاخذت مني حميَّا الكأسِ مأخذها ثم غنيت بقول نُصيب: بزينب أَلْمِمْ قبل أن يرحل الركبُ ... وقُل إن تملينا، فما مَلَّكِ القلبُ فكدت أطير طرباً، ثم وجدت نقصاً في الطرب، إذ لم يكن معي أحد يفهم هذا كما فهمتُهُ، فنزعت إليك لأصف ذلك لك ثم أرجعُ إلى صاحبي، وضرب بغلته مولياً، فقلت: قف أُكلمك، قال: ما بي إلى الوقوف إليك من حاجةٍ.

стр. 37

وجرى بين معبد المغني وبين الأحوص كلام، فحلف معبد لا يكلمه ولا يغني في شعره، فشقَّ ذلك على الأحوص، فلما طالت هجرته إياه رَحَلَ نجيباً له وجعل زُكرةَ خمرٍ في حقيبته وأعدَّ معه دنانير ومضى نحو معبد فأناخ ببابه ومعبد جالس بفنائه، فنزل إليه الأحوص وكلَّمه فلم يكلمه معبد، فقال: يا عبّاد، أتهجرني وقد عرفت مودَّتي وصحبتي؟ فخرجت إليه امرأته أُم كردم فقالت: أتهجر أبا محمد، والله لكلَّمته، فاحتمله الأحوص وأدخله البيت وقال: والله لا رمتُ هذا البيت حتى آكل الشواءَ وأشرب الطلاء وأسمع الغناء، فقال له معبد: أخزاك الله، هذا الشواء أكلته، وهذا الغناء سمعته، أنى لك بالطلاء، قال: قم إلى تلك الحقيبة ففيها زُكرة خمرٍ ومعها دنانير فأصلح بها ما تريد من أمرنا، ففعل، فقالت أُم كردم: معبد، أتهجر من إن زارنا أغدر فينا نَيْلاً وفضلاً وأكلاً وشرباً! وغناه معبد، ثم انصرف الأحوص مع العشاء يميل بين شِقَّيْ راحلته. وقال أبو الفرج الأصبهاني: حكى يونس الكاتب، أنَّ معبداً، كان علَّم جارية لبعض أهلِ المدينة تسمى ظبية، وعُنيَ بتخريجها حتى حذقت عنه، فاشتراها من أهلها رجل عراقي وتوَّجه بها إلى البصرة، فغلبت عليه وشغف بها غاية الشغف، وعَلَّمَت له عدة جوارٍ ثم ماتت عنده، فكان لشدة وجده بها وأسفه عليها لا يزال يهذي بمعبد ويسأل عنه ويظهر له التعصب إلى أن بلغ معبداً خبرُهُ وعرف أنه من أهل اليسار والمروءة، وأنه لو قصده انتفع به فمضى نحوه. فلما قدم البصرة سأل عنه فقيل: اليوم انحدر إلى الأهواز، فأسرع معبد في أثره ليلحق به فطلب زورقاً فصادف الزورق الذي فيه الرجل، فقال له الرجل: أين تريد؟ قال: الأهواز، قال: وما تصنع هناك؟ قال: أنا رجل أُغني وأحببتُ أن أقصد بها الفتيان وأهل المروءة، فلما سمع الرجل ذلك قربه وأكرمه وفرش له موضعاً في الزورق من غير أن يعرف أحدهما الآخر، فلما حضر الطعام أكلا جميعاً وأتى بالنبيذ فشرب، وكان مع الرجل جوارٍ ممن كانت ظبية علمتهن، فأمرهن أن يغنين، فغنَّت إحداهن: بانت سعاد وأمس حبلها اتخذما ... واحتلت الغور والأجراع من إضما إحدى بَليٍّ وما هام الفؤاد بها ... إلا السفاه وإلا ذِكرةً حُلُما والغناء لمعبد [تجد أداءَه] فقال لها معبد: إن غناءَك هذا ليس بمستقيم، فقال له الرجل: أبلغ من قدرك في الغناء أن تميز هذا الصوت، فالزم شأْنك؛ فأَمسك، وغنت بعده عدة أصوات وهو ساكت، ثم غنَّت لحناً فاختلَّت به، فقال لها معبد: يا جارية قد أخللت بهذا الصوت إخلالاً شديداً، فقال له الرجل: ويلك مالك والفُضول، فسكت حتى فرغت الجارية، واندفع معبد يغني الصوت الأول حتى فرغ منه، فصاح الجواري: أحسنت والله، أَعِده علينا، قال: لا والله، ولا كرامة، ثم اندفع في الصوت الثاني، فقلن لسيِّدِهن: هذا والله أحسن الناس غناءً، فسلْهُ أن يعيده علينا ولو مرة واحدة لعلنا نأخذه عنه فإنا لن نجد مثله أحداً، فقال: أسلفنا عنده إساءة وقد سمِعتن جوابه، وانا أخشى إن سألته مسألةً، فما فرغ الصوت حتى زلزل الأرض، فوثب الرجل فقبَّل رأسه واعتذر إليه، ولم يزل به حتى سكن، فقال له: من أين لجواريك هذا الغناء؟ قال: أخذنَهُ عن جارية كانت لي يقال لها ظبية ابتعتها من الحجاز من تعليم الأُستاذ معبد، وكانت تحل مني محلَّ روحي من جسدي، فاستأثر الله بها، فأنا إلى الآن أَتعصب لمعبد ولغنائه، فقال له معبد: وإنك لأنت هو، فأنا والله معبد، وإليك أردتُ ولك قصدتُ، فسُرَّ الرجل به وقبَّل رأسه، وخرج الجواري فقبلن يديه ورجليه، فقال له معبد: والله لأُقيمن عندك حتى أصير جواريك مثل ظبية وأكثر، فأقام عنده سنة، وانصرف عنه وقد أجزل صلتهُ وجائزته وأحسن إليه. قال إبراهيم الموصلي: حُدِّثتُ أن ابن عائشة وأصحاباً له كانوا يجتمعون كلَّ يوم عند واحد منهم ويطربون وبلغت النوبةُ إليه ولم يكن عنده ما يقوم به يومهم، فصاغ صوتاً في شعر مَدَحَ به العباس بن عليّ بن عبد الله بن العباس، فغدا عليه والعباس مريض وعند عُوادُه، فلما دخل إليه اندفع يغني: أسهر بالليل من تذكُّرِ ما ... تسهَرُ منه والناس قد هجعوا

стр. 38

فليت ما بي من صحةٍ بك أفديك وبي [منك] لا بك الوجع قال: فتهلل وجه العباس واستوى قاعداً ثم قال: يا غلام الدنانير، فجاءَ بها فقال: أُحشُ لي فيه، قال: فرأيته يوسع في شدقيه ودعا له بتخت ثياب، فلما خرج، عدَّ الدنانير فإذا هي تسعون ديناراً تنقص واحداً أو تزيد فأنفقها على أصحابه. وقال إسحق: حدثني مصعب بن عبد الله الزبيري، قال: كان عبد الله بن عمرو بن عثمان يلي صدقات عثمان بن عفان ﵁ وأحباسه وأوقافه وله أخٌ من أبيه يقال له عثمان بن عمرو ويلقب ب (خرا الزنج) سفيه مخنَّث مهتوك، فقيل له: ويلك أخوك من الجلالة والفضل على ما قد عَلِمه الناس، وهو يلي صدقات جدِّك، وأنت سفيه مهتوك، فلو لزمت المسجد واستقام مذهبك، جُعلت لك يدٌ مع أخيك، ولعلها كانت تفضي إليك بعده، وجعل قومٌ يحسدون عبد الله ويغرون أخاه بذكر هذا، وكان عبد الله أجمل أهل زمانه وكان يلقبب " قبة الديباج "، فذكر الماجشون قال: كان الناس يختلفون إليه وإلى عبد الله بن عبد الله بن عباس وهما بالمسجد يتأملون حسنهما ويزعمون أنهما أجمل أهل زمانهما فلزم " خرا الزنج " المسجد والصلاة والجماعة والقراءة حتى عُرف بالخير، ثم خاصم أخاه عبد الله عند القاضي وكان القاضي سيء الرأي في عبد الله فوجد " خرا الزنج " أن يدخل يده مع عبد الله في الوقف، ولم يأمنه عبد الله أن يفعل، لِلذي بينهما من الخلاف، فضاق به أمره، وكان يمزح مع أشعب، وجاءه أشعب فرآه مغموماً، فقال: ما لك يا سيدي يا ابن الشهيد، فعرَّفه، فقال: إن احتلت الآن لتصرفه عن رأيه فلك مائة دينار، فإنه يقبل منك لما بينك وبينه، فقال له أشعب: كفيتُك، وجاء أشعب حتى أتاه في المسجد فقال له: ويلك ما هذا الشؤم الذي ألزمته نفسك، ما لك وللصلاة والقراءة ولزوم المسجد، تركت اللهو والطرب والغناء وشرب النبيذ والأكْبار والنايات والطبول، فقال له " خرا الزنج ": ويلك أنا أُخاصم عبد الله أخي في الوقف وقد وعدني القاضي أن يدخل يدي مع يده، فإذا فعل رميت بهذا كله وعدت إلى كل شيءٍ تعرف فلا تغتَّم، قال: فاحتل عليَّ في يومٍ واحدٍ تذكرني به أيامنا، قال: واله ما عنديفي هذا الوقت شيءٌ، قال له أشعب: فأنا أستلف لك من فلان التاجر مائة دينار، قال: فافعل ذلك، فمضى أشعب إلى التاج فقال: قد علمت أن " خرا الزنج " يأخذ منك الدرهم بعشرة، وغداً يُدخل القاضي يدَه مع أخيه فلا يذهب لك عليه درهم واحد، فقد احتاج إلى مائة دينار تعامله عليها، فعرف التاجر الخبر بما ذاع عن القاضي فأعطاه المال وخرج " خرا الزنج " إلى قصره بالعرصة وأمر بفسطاط فضرب له هناك، وقال لأشعب: ويلك هل علم بنا أحد، قال: لا وحق أبيك الطيب، قال: اذبحوا لنا كذا، واطبخوا لنا كذا، فقال أشعب: يا سيدي أي شيء تأكل إلى أن يُدرك هذا الطعام؟ فإن: انتظاره يطول علينا، قال: ما تشتهي، قال: الرؤوس، قال: ويلك إن بعثت غلاماً لي إلى السوق في ابتياع الرؤوس لم آمن أن يسأل أحدٌ عنا فيخبر بموضعنا ويتصل بالقاضي فلا يتم ما نؤمله فقال له أشعب: فأنا يا سيدي أتلطف وآتيك بكل ما تحتاج إليه من غير أن يعلم أحد، قال: فدونك فركب دابةً وركض إلى السوق فأرهج السوق واشترى كل رأسٍ فيه، وجعل أهل السوق ينكرون ذلك لكثرة ما اشترى منها، فيقال له: ويلك يا أشعب ما تصنع بهذه كلها فيقول:

стр. 39

لابن الشهيد، لأنه أخرجنا إلى النزهة في قصره بالعرصة ومعنا الأكبار والطبول والنايات والعيدان والمخانيث وكل شيء طيب فملأ به الدنيا، ومر أشعب بعبد الله بن عمرو فقال له: وافِني وقت كذا بمن قدرت عليه من العدول إلى قصر أخيك بالعرصة؛ ووافى أشعب بالرؤوس فقال: يا سيدي ما علم بنا أحدٌ من خلق الله، فقال: أحسنت ولطفت، فأكلوا وقدَّموا النبيذ وتضمَّخوا بالخلوق ولبسوا المصبغات والحُلي والشنوف؛ ثم أرسل عبد الله إلى أهل المسجد وأهل الفضل ووجوه الناس فقال: إن أخي عثمان تحامل عليَّ في حائطٍ بيني وبينه ولست آمن أن يقع بيننا اختلاف فأحبّ أن تحضروا معي حتى تحملوني وإياه على الحقَّ. فأسرع الناس معه وجعل " خرا الزنج " يقول لأشعب: ويلك غنَّني، فيغنيه من أجود أغاني الناس، لابن سُريج ومعبد ومالك ابن أبي السمح و " خرا الزنج " يقول له: دعني من هذا يا ابن الفاعلةة ويعطف على من معه من المخانيث ويقول: شدوا طبولكم وأنفخوا في السريانات وغنوا معي، وارهجوا الأكبار والطبول والسريانات، وجعلوا يغنون معه: يا أُم حوفزانة ... هيِّ لنا الأتانة فما زالوا على هذا حتى هجم عليهم عبد الله بن عمرو ومن معه من الفقهاء والعدول وفي عنق عثمان وهو خرا الزنج كبرٌ، وفي عنق أشعب طبل وقد سكرا، فقال عبد الله للعدول: هذا الذي يريد القاضي [أن] يدخل يده معي في الوقف، فقال القوم: كلاّ والله، ما ذلك له، ولا هذا الرجل بأهلٍ أن يؤمن على نفسه فكيف يُؤمن على مال غيره، قبَّح الله هذا. فالتفت " خرا الزنج " إلى أشعب [وقال] : ماذا صنعت يا ابن الزاني، قتلني الله إن لم أقتلك فقال أشعب: يا مشؤوم، قد علمتث أنك متحوفز إلى النار حين جعلت تقترح عليَّ يا أُم حوفزانة، وقال للقوم: احملوني معكم وإلا قتلني، وجعل يحدثهم حديثه وهم يضحكون و " خرا الزنج " يعدو خلف دوابهم ويصيح: ردّوا عليَّ نديمي والقوم يلعنونه ويخنثونه حتى دخلوا المدينة فلقوا القاضي فأعلموه ما رأوا ولاموه في أمر عبد الله فعاد إلى إجلاله وتعظيمه وطرد " خرا الزنج " وإبعاده ووفى عبد الله لأشعب بالمائة دينار.

стр. 40

قال مخارق المغني: لقيني أبو العتاهية فقال: أنا شديد الصبابة بك، متشوق إلى مجلس منك، كثير الوله نحوك، فقلتُ له: وما ذاك؟ قال: تمتعني بمجلسٍ منك، قلت: نعم، قال: فمتى، قلت: متى شئت، قال: غداً، ثم قال لي: إني والله إن فارقتك على ميعاد ثم أخللت به اقترقنا، فندمتُ وقلتُ في نفسي: أنا عبد مملوك، فلا أدري ما يتهيأ لي من هذا، ولعل أمير المؤمنين يطلبني، وأبو العتاهية لا يقبل عذراً، و [أَمّا] أنا فلا طاقة لي بلسانه فما صنعت بنفسي، ولم أنم من الفكرة حتى أضاء الفجر فحمدت الله تعالى إذ لم يأتني رسول، غدوت إليه فوجدته قاعداً يُسبِّح بعد الصلاة فسلمت عليه فرَّحب بي وقصصت عليه ما أصابني فشكر ذلك وجزاني خيراً وأخذنا في الحديث وهو قاعد في غرفةٍ له مشرفةٍ على بستان قد فتح إليه أبواباً صغاراًتقابله، فمرة ينظر إلى البستان، ومرة ينظر إلى من يمُر في الطريق ونحن في أطيب موضع وقد أوسعني والله سروراً وفوائد وطرائق اختبار، ثم قال: هل اشتهيت الطعام، قلت: نعم، فقال لغلامه: أحضر الطعام، فقرب الوضوء فغسلنا أيدينا ثم جاء بخوانٍ لطيف عليه سُكرُّجات في إحداهن ملحٌ وفي الأخرى مرق، ثم أقبل الغلام برغيفين واسعين حسنين، على كل واحد منهما دجاجة باردة وسكين، فأصاب وأصبت منها ثم أقبل بطبق عليه سكرجات مثل الأول ثم برغيفين مثل الأَولين عليهما دجاجتان مشويتان حارتان وسكين فأصبت وأصاب ثم رفع باقي الدجاجتين والرغيفين، ثم جدَّد طبقاً آخر مثل الأول عليه سكرجات ورغيفان عليهما فرخان باردان ثم مثل ذلك حارَّان ثم طبق عليه جامان فيهما سُرَّتا حوت مملوحة، ثم مثل ذلك عليهما سثرتا حوتٍ طريٍّ، مثل ذلك من جدي بارد، ثم حارٍّ، وذلك سوى ما على المائدة من كل لونٍ حارٍ وبارد، ثم أتى الغلام فقال: فرغت من الطبيخ وعندي كذا وكذا حتى عدَّد ألواناً كثير، فالتفت إلي وقال: أدعُ بما شئت، فقلت: لم أُبقِ من شهوتي في الطعام شيئاً لما يأتي، فقال: الحمد لله، ثم جاء بالوضوء فغسلنا أيدينا، ثم جاء بحوضين من ساجٍ مرصعين، في كل واحدٍ منهما صينية فيها خرداذي، وقدح ومغسل وكوز ماءٍ باردٍ من نبيذٍ مصفَّى رقيق، ثم شرب وشربتُ حتى استوفينا ستةً وستةً، ثم قال: يا مخارق، غنِّ: ذهب الشبابُ وليته لم يذهبِ ... ونعى الشباب مخبرٌ لم يكذب بينا الشباب تسُرُّنا أَيامُهُ ... ونشوب لذته بلهوٍ معجب نزل المشيب وقال جانب عقبتي ... وإخال أني سابق بك فأركب فأندب عشيات الشباب فلن ترى ... مثل الشباب مودِّاً لم يُندب فغنيته فبكى ثم قال: غنِّ: بان الخليط، ولو طووعتُ ما بانا ... وقطَّعوا من حبال الوصل أقرانا إن العيون التي في طرفها مرضٌ ... قتلننا ثم لم يُحيين قتلانا يصرعنَ ذا اللب لا حراكَ به ... وهنَّ أضعف خلق الله إنسانا فغنيته ثم قال: غنِّ: أتصحو أم فؤادك غير صاح ... عشيَّة همَّ صحبُك بالرَّواحِ تقول العاذلات علاك شيبٌ ... أهذا الشيب يمنعني مراحي ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح
следующие страницы →