← Адаб

Адаб · id 672

قطب السرور في أوصاف الأنبذة والخمور

الرقيق القيرواني

Полный текст (163 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وكان سعيد بن القعقاع الطائي يتقدم بشاراً في المجانة، وكان لا يزال ينادمه، فقال له: ويحك يا أبا مُعاذ، إن الناس ينسبون إلينا الزندقة، فهل لك في أن تحج حجة تنفي بها عنا ذلك، فقال له: نِعم ما رأيت، فاشتريا بعيراً ومحملاً وركبا حتى مرا بضيعة كثيرة البساتين والخمر، يقال لها زُرارة فقال له: ويحك يا أبا معاذ: مل بنا إلى زرارة ننعم بها فإن الحج بعيد، فإذا قفل الحاجُّ عارضناهم وكنا معه، فلم يشك الناس أنا جئنا من الحج، فقال له بشار: نِعم ما رأيت، لولا خبث لسانك فإني أخاف أن تفضحنا، قال: لا تخف، ومالا إلى زرارة، فما زالا يشربان الخمر ويفسقان حتى نزل الحاج بالقادسية راجعين، فحلقا رأسيهما وأقبى، وتلقاهما الناس يهنئونهما، فقال سعيد بن القعقاع: ألم ترني وبشاراً حججنا ... وكان الحج من خير التجارة خرجنا طالبي سفرٍ بعيدٍ ... فمال بنا الطريق إلى زُرارة فآب الناس قد حجوا وبروا ... وأُبنا موقرين من الخسارة وقال السندي بن الصبَّاح: شهد بشار مجلسنا، وقال: لا تصيروا مجلسنا هذا شعراً كلَّه، ولا حديثاً كلَّه، فإن العيش فرصٌ، ولكن غنوا؛ وتحدثوا، وتناشدوا، وانتهبوا العيش انتهاباً. وكان بالكوفة ثلاثة نفرٍ يقال لهم الحمَّادون: حماد عجرد، وحماد الراوية، وحمَّاد بن الزبرقان، يتنادمون على الشراب، ويتناشدون الأشعار، ويتعاشرون ولا يكادون يفترقون، فكانوا كأنهم نفس واحدة، وكانوا يرمون بالزندقة جميعاً. ودخل مطيع ابن إياس ويحيى بن زياد على حماد الراوية، فإذا سراجُهُ على ثلاث قصبات قد جمع أعلاهن وأسفلهن بطين، فقال له يحيى بن زياد: يا حماد إنك لمسرفٌ تبذل حُرَّ المتاع، وقال له مطيع: ألا تبيع هذ المنارة وتبتاع أقل ثمناً منها وتنفق على نفسك الباقي وتتسع فيه، فقال له يحيى: من أين يكون له مثل هذه، أظنها وديعة عنده أو عارية، فقال مطيع: أما إنه لعظيم الأمانة عند الناس حين أودعوه مثلها، قال يحيى: ما أظنها عارية ولا ويعة، ولكني أظنها مرهونة عنده على مالٍ، وإلا فمن يُخرج هذه عن يده، فقال لهما: قوما يا ابني الزانيتين اخرجا من منزلي، فشر منكما من يدخلكما منزله هذا. وقد كان أحد خلفاء بني أُمية يصلُهُ بماية ألف فيتلف كلَّ ما أفاد في إدمان الشراب. وقال إسحق الموصلي: حدثني أبو يعقوب الخُرَيمي قال: كنت في مجلسٍ فيه حماد الراوي ومعنا غلام أمرد فجعلنا نشرب، وينظر إليه حمَّاد، فقال لي: يا أبا يعقوب، قد عزمت الليلة أن أفتك بهذا الغلام، فقلت: شأنك، فلما سكرنا ونمنا لم أشعر إلا وحمَّاد ينيكُني، فكرهت أن أتكلم فينتبه الناس فأفتضح، فأخذت بيده فوضعتها على عيني العوراء ليعرفني، فقال لي: قد عرفتك الآن، فيكون ماذا، وفديناه بذبح عظيم، فما برح وأنا أُعالجه جهدي فلا ينفعني حتى أنزل. قال أبو العباس المبرد، حدثني عبد الصمد بن المعذل، قال: سمعت إسحق بن إبراهيم الموصلي يقول: حججت مع أمير المؤمنين الرشيد، فلما قفلنا ونزلنا آخيت بها رجلاً كانت له سنٌ ومعرفةٌ وأدبٌ وكان يُمتِعُني، فإني ذات ليلةٍ في منزلي إذا بصوته يستأذن عليَّ، فظننت أمراً أقدمه وفزع إليَّ فيه، فأسرعت نحو الباب وقلت: ما جاء بك؟ قال: إذن أُخبرك: دعاني صديق لي إلى طعام عتيدٍ وشرابٍ عتيقٍ وحديثٍ ممتع وغناء مطرب، فأقمت عنده إلى هذا الوقت، لإاخذت مني حميَّا الكأسِ مأخذها ثم غنيت بقول نُصيب: بزينب أَلْمِمْ قبل أن يرحل الركبُ ... وقُل إن تملينا، فما مَلَّكِ القلبُ فكدت أطير طرباً، ثم وجدت نقصاً في الطرب، إذ لم يكن معي أحد يفهم هذا كما فهمتُهُ، فنزعت إليك لأصف ذلك لك ثم أرجعُ إلى صاحبي، وضرب بغلته مولياً، فقلت: قف أُكلمك، قال: ما بي إلى الوقوف إليك من حاجةٍ.

стр. 37

وجرى بين معبد المغني وبين الأحوص كلام، فحلف معبد لا يكلمه ولا يغني في شعره، فشقَّ ذلك على الأحوص، فلما طالت هجرته إياه رَحَلَ نجيباً له وجعل زُكرةَ خمرٍ في حقيبته وأعدَّ معه دنانير ومضى نحو معبد فأناخ ببابه ومعبد جالس بفنائه، فنزل إليه الأحوص وكلَّمه فلم يكلمه معبد، فقال: يا عبّاد، أتهجرني وقد عرفت مودَّتي وصحبتي؟ فخرجت إليه امرأته أُم كردم فقالت: أتهجر أبا محمد، والله لكلَّمته، فاحتمله الأحوص وأدخله البيت وقال: والله لا رمتُ هذا البيت حتى آكل الشواءَ وأشرب الطلاء وأسمع الغناء، فقال له معبد: أخزاك الله، هذا الشواء أكلته، وهذا الغناء سمعته، أنى لك بالطلاء، قال: قم إلى تلك الحقيبة ففيها زُكرة خمرٍ ومعها دنانير فأصلح بها ما تريد من أمرنا، ففعل، فقالت أُم كردم: معبد، أتهجر من إن زارنا أغدر فينا نَيْلاً وفضلاً وأكلاً وشرباً! وغناه معبد، ثم انصرف الأحوص مع العشاء يميل بين شِقَّيْ راحلته. وقال أبو الفرج الأصبهاني: حكى يونس الكاتب، أنَّ معبداً، كان علَّم جارية لبعض أهلِ المدينة تسمى ظبية، وعُنيَ بتخريجها حتى حذقت عنه، فاشتراها من أهلها رجل عراقي وتوَّجه بها إلى البصرة، فغلبت عليه وشغف بها غاية الشغف، وعَلَّمَت له عدة جوارٍ ثم ماتت عنده، فكان لشدة وجده بها وأسفه عليها لا يزال يهذي بمعبد ويسأل عنه ويظهر له التعصب إلى أن بلغ معبداً خبرُهُ وعرف أنه من أهل اليسار والمروءة، وأنه لو قصده انتفع به فمضى نحوه. فلما قدم البصرة سأل عنه فقيل: اليوم انحدر إلى الأهواز، فأسرع معبد في أثره ليلحق به فطلب زورقاً فصادف الزورق الذي فيه الرجل، فقال له الرجل: أين تريد؟ قال: الأهواز، قال: وما تصنع هناك؟ قال: أنا رجل أُغني وأحببتُ أن أقصد بها الفتيان وأهل المروءة، فلما سمع الرجل ذلك قربه وأكرمه وفرش له موضعاً في الزورق من غير أن يعرف أحدهما الآخر، فلما حضر الطعام أكلا جميعاً وأتى بالنبيذ فشرب، وكان مع الرجل جوارٍ ممن كانت ظبية علمتهن، فأمرهن أن يغنين، فغنَّت إحداهن: بانت سعاد وأمس حبلها اتخذما ... واحتلت الغور والأجراع من إضما إحدى بَليٍّ وما هام الفؤاد بها ... إلا السفاه وإلا ذِكرةً حُلُما والغناء لمعبد [تجد أداءَه] فقال لها معبد: إن غناءَك هذا ليس بمستقيم، فقال له الرجل: أبلغ من قدرك في الغناء أن تميز هذا الصوت، فالزم شأْنك؛ فأَمسك، وغنت بعده عدة أصوات وهو ساكت، ثم غنَّت لحناً فاختلَّت به، فقال لها معبد: يا جارية قد أخللت بهذا الصوت إخلالاً شديداً، فقال له الرجل: ويلك مالك والفُضول، فسكت حتى فرغت الجارية، واندفع معبد يغني الصوت الأول حتى فرغ منه، فصاح الجواري: أحسنت والله، أَعِده علينا، قال: لا والله، ولا كرامة، ثم اندفع في الصوت الثاني، فقلن لسيِّدِهن: هذا والله أحسن الناس غناءً، فسلْهُ أن يعيده علينا ولو مرة واحدة لعلنا نأخذه عنه فإنا لن نجد مثله أحداً، فقال: أسلفنا عنده إساءة وقد سمِعتن جوابه، وانا أخشى إن سألته مسألةً، فما فرغ الصوت حتى زلزل الأرض، فوثب الرجل فقبَّل رأسه واعتذر إليه، ولم يزل به حتى سكن، فقال له: من أين لجواريك هذا الغناء؟ قال: أخذنَهُ عن جارية كانت لي يقال لها ظبية ابتعتها من الحجاز من تعليم الأُستاذ معبد، وكانت تحل مني محلَّ روحي من جسدي، فاستأثر الله بها، فأنا إلى الآن أَتعصب لمعبد ولغنائه، فقال له معبد: وإنك لأنت هو، فأنا والله معبد، وإليك أردتُ ولك قصدتُ، فسُرَّ الرجل به وقبَّل رأسه، وخرج الجواري فقبلن يديه ورجليه، فقال له معبد: والله لأُقيمن عندك حتى أصير جواريك مثل ظبية وأكثر، فأقام عنده سنة، وانصرف عنه وقد أجزل صلتهُ وجائزته وأحسن إليه. قال إبراهيم الموصلي: حُدِّثتُ أن ابن عائشة وأصحاباً له كانوا يجتمعون كلَّ يوم عند واحد منهم ويطربون وبلغت النوبةُ إليه ولم يكن عنده ما يقوم به يومهم، فصاغ صوتاً في شعر مَدَحَ به العباس بن عليّ بن عبد الله بن العباس، فغدا عليه والعباس مريض وعند عُوادُه، فلما دخل إليه اندفع يغني: أسهر بالليل من تذكُّرِ ما ... تسهَرُ منه والناس قد هجعوا

стр. 38

فليت ما بي من صحةٍ بك أفديك وبي [منك] لا بك الوجع قال: فتهلل وجه العباس واستوى قاعداً ثم قال: يا غلام الدنانير، فجاءَ بها فقال: أُحشُ لي فيه، قال: فرأيته يوسع في شدقيه ودعا له بتخت ثياب، فلما خرج، عدَّ الدنانير فإذا هي تسعون ديناراً تنقص واحداً أو تزيد فأنفقها على أصحابه. وقال إسحق: حدثني مصعب بن عبد الله الزبيري، قال: كان عبد الله بن عمرو بن عثمان يلي صدقات عثمان بن عفان ﵁ وأحباسه وأوقافه وله أخٌ من أبيه يقال له عثمان بن عمرو ويلقب ب (خرا الزنج) سفيه مخنَّث مهتوك، فقيل له: ويلك أخوك من الجلالة والفضل على ما قد عَلِمه الناس، وهو يلي صدقات جدِّك، وأنت سفيه مهتوك، فلو لزمت المسجد واستقام مذهبك، جُعلت لك يدٌ مع أخيك، ولعلها كانت تفضي إليك بعده، وجعل قومٌ يحسدون عبد الله ويغرون أخاه بذكر هذا، وكان عبد الله أجمل أهل زمانه وكان يلقبب " قبة الديباج "، فذكر الماجشون قال: كان الناس يختلفون إليه وإلى عبد الله بن عبد الله بن عباس وهما بالمسجد يتأملون حسنهما ويزعمون أنهما أجمل أهل زمانهما فلزم " خرا الزنج " المسجد والصلاة والجماعة والقراءة حتى عُرف بالخير، ثم خاصم أخاه عبد الله عند القاضي وكان القاضي سيء الرأي في عبد الله فوجد " خرا الزنج " أن يدخل يده مع عبد الله في الوقف، ولم يأمنه عبد الله أن يفعل، لِلذي بينهما من الخلاف، فضاق به أمره، وكان يمزح مع أشعب، وجاءه أشعب فرآه مغموماً، فقال: ما لك يا سيدي يا ابن الشهيد، فعرَّفه، فقال: إن احتلت الآن لتصرفه عن رأيه فلك مائة دينار، فإنه يقبل منك لما بينك وبينه، فقال له أشعب: كفيتُك، وجاء أشعب حتى أتاه في المسجد فقال له: ويلك ما هذا الشؤم الذي ألزمته نفسك، ما لك وللصلاة والقراءة ولزوم المسجد، تركت اللهو والطرب والغناء وشرب النبيذ والأكْبار والنايات والطبول، فقال له " خرا الزنج ": ويلك أنا أُخاصم عبد الله أخي في الوقف وقد وعدني القاضي أن يدخل يدي مع يده، فإذا فعل رميت بهذا كله وعدت إلى كل شيءٍ تعرف فلا تغتَّم، قال: فاحتل عليَّ في يومٍ واحدٍ تذكرني به أيامنا، قال: واله ما عنديفي هذا الوقت شيءٌ، قال له أشعب: فأنا أستلف لك من فلان التاجر مائة دينار، قال: فافعل ذلك، فمضى أشعب إلى التاج فقال: قد علمت أن " خرا الزنج " يأخذ منك الدرهم بعشرة، وغداً يُدخل القاضي يدَه مع أخيه فلا يذهب لك عليه درهم واحد، فقد احتاج إلى مائة دينار تعامله عليها، فعرف التاجر الخبر بما ذاع عن القاضي فأعطاه المال وخرج " خرا الزنج " إلى قصره بالعرصة وأمر بفسطاط فضرب له هناك، وقال لأشعب: ويلك هل علم بنا أحد، قال: لا وحق أبيك الطيب، قال: اذبحوا لنا كذا، واطبخوا لنا كذا، فقال أشعب: يا سيدي أي شيء تأكل إلى أن يُدرك هذا الطعام؟ فإن: انتظاره يطول علينا، قال: ما تشتهي، قال: الرؤوس، قال: ويلك إن بعثت غلاماً لي إلى السوق في ابتياع الرؤوس لم آمن أن يسأل أحدٌ عنا فيخبر بموضعنا ويتصل بالقاضي فلا يتم ما نؤمله فقال له أشعب: فأنا يا سيدي أتلطف وآتيك بكل ما تحتاج إليه من غير أن يعلم أحد، قال: فدونك فركب دابةً وركض إلى السوق فأرهج السوق واشترى كل رأسٍ فيه، وجعل أهل السوق ينكرون ذلك لكثرة ما اشترى منها، فيقال له: ويلك يا أشعب ما تصنع بهذه كلها فيقول:

стр. 39

لابن الشهيد، لأنه أخرجنا إلى النزهة في قصره بالعرصة ومعنا الأكبار والطبول والنايات والعيدان والمخانيث وكل شيء طيب فملأ به الدنيا، ومر أشعب بعبد الله بن عمرو فقال له: وافِني وقت كذا بمن قدرت عليه من العدول إلى قصر أخيك بالعرصة؛ ووافى أشعب بالرؤوس فقال: يا سيدي ما علم بنا أحدٌ من خلق الله، فقال: أحسنت ولطفت، فأكلوا وقدَّموا النبيذ وتضمَّخوا بالخلوق ولبسوا المصبغات والحُلي والشنوف؛ ثم أرسل عبد الله إلى أهل المسجد وأهل الفضل ووجوه الناس فقال: إن أخي عثمان تحامل عليَّ في حائطٍ بيني وبينه ولست آمن أن يقع بيننا اختلاف فأحبّ أن تحضروا معي حتى تحملوني وإياه على الحقَّ. فأسرع الناس معه وجعل " خرا الزنج " يقول لأشعب: ويلك غنَّني، فيغنيه من أجود أغاني الناس، لابن سُريج ومعبد ومالك ابن أبي السمح و " خرا الزنج " يقول له: دعني من هذا يا ابن الفاعلةة ويعطف على من معه من المخانيث ويقول: شدوا طبولكم وأنفخوا في السريانات وغنوا معي، وارهجوا الأكبار والطبول والسريانات، وجعلوا يغنون معه: يا أُم حوفزانة ... هيِّ لنا الأتانة فما زالوا على هذا حتى هجم عليهم عبد الله بن عمرو ومن معه من الفقهاء والعدول وفي عنق عثمان وهو خرا الزنج كبرٌ، وفي عنق أشعب طبل وقد سكرا، فقال عبد الله للعدول: هذا الذي يريد القاضي [أن] يدخل يده معي في الوقف، فقال القوم: كلاّ والله، ما ذلك له، ولا هذا الرجل بأهلٍ أن يؤمن على نفسه فكيف يُؤمن على مال غيره، قبَّح الله هذا. فالتفت " خرا الزنج " إلى أشعب [وقال] : ماذا صنعت يا ابن الزاني، قتلني الله إن لم أقتلك فقال أشعب: يا مشؤوم، قد علمتث أنك متحوفز إلى النار حين جعلت تقترح عليَّ يا أُم حوفزانة، وقال للقوم: احملوني معكم وإلا قتلني، وجعل يحدثهم حديثه وهم يضحكون و " خرا الزنج " يعدو خلف دوابهم ويصيح: ردّوا عليَّ نديمي والقوم يلعنونه ويخنثونه حتى دخلوا المدينة فلقوا القاضي فأعلموه ما رأوا ولاموه في أمر عبد الله فعاد إلى إجلاله وتعظيمه وطرد " خرا الزنج " وإبعاده ووفى عبد الله لأشعب بالمائة دينار.

стр. 40

قال مخارق المغني: لقيني أبو العتاهية فقال: أنا شديد الصبابة بك، متشوق إلى مجلس منك، كثير الوله نحوك، فقلتُ له: وما ذاك؟ قال: تمتعني بمجلسٍ منك، قلت: نعم، قال: فمتى، قلت: متى شئت، قال: غداً، ثم قال لي: إني والله إن فارقتك على ميعاد ثم أخللت به اقترقنا، فندمتُ وقلتُ في نفسي: أنا عبد مملوك، فلا أدري ما يتهيأ لي من هذا، ولعل أمير المؤمنين يطلبني، وأبو العتاهية لا يقبل عذراً، و [أَمّا] أنا فلا طاقة لي بلسانه فما صنعت بنفسي، ولم أنم من الفكرة حتى أضاء الفجر فحمدت الله تعالى إذ لم يأتني رسول، غدوت إليه فوجدته قاعداً يُسبِّح بعد الصلاة فسلمت عليه فرَّحب بي وقصصت عليه ما أصابني فشكر ذلك وجزاني خيراً وأخذنا في الحديث وهو قاعد في غرفةٍ له مشرفةٍ على بستان قد فتح إليه أبواباً صغاراًتقابله، فمرة ينظر إلى البستان، ومرة ينظر إلى من يمُر في الطريق ونحن في أطيب موضع وقد أوسعني والله سروراً وفوائد وطرائق اختبار، ثم قال: هل اشتهيت الطعام، قلت: نعم، فقال لغلامه: أحضر الطعام، فقرب الوضوء فغسلنا أيدينا ثم جاء بخوانٍ لطيف عليه سُكرُّجات في إحداهن ملحٌ وفي الأخرى مرق، ثم أقبل الغلام برغيفين واسعين حسنين، على كل واحد منهما دجاجة باردة وسكين، فأصاب وأصبت منها ثم أقبل بطبق عليه سكرجات مثل الأول ثم برغيفين مثل الأَولين عليهما دجاجتان مشويتان حارتان وسكين فأصبت وأصاب ثم رفع باقي الدجاجتين والرغيفين، ثم جدَّد طبقاً آخر مثل الأول عليه سكرجات ورغيفان عليهما فرخان باردان ثم مثل ذلك حارَّان ثم طبق عليه جامان فيهما سُرَّتا حوت مملوحة، ثم مثل ذلك عليهما سثرتا حوتٍ طريٍّ، مثل ذلك من جدي بارد، ثم حارٍّ، وذلك سوى ما على المائدة من كل لونٍ حارٍ وبارد، ثم أتى الغلام فقال: فرغت من الطبيخ وعندي كذا وكذا حتى عدَّد ألواناً كثير، فالتفت إلي وقال: أدعُ بما شئت، فقلت: لم أُبقِ من شهوتي في الطعام شيئاً لما يأتي، فقال: الحمد لله، ثم جاء بالوضوء فغسلنا أيدينا، ثم جاء بحوضين من ساجٍ مرصعين، في كل واحدٍ منهما صينية فيها خرداذي، وقدح ومغسل وكوز ماءٍ باردٍ من نبيذٍ مصفَّى رقيق، ثم شرب وشربتُ حتى استوفينا ستةً وستةً، ثم قال: يا مخارق، غنِّ: ذهب الشبابُ وليته لم يذهبِ ... ونعى الشباب مخبرٌ لم يكذب بينا الشباب تسُرُّنا أَيامُهُ ... ونشوب لذته بلهوٍ معجب نزل المشيب وقال جانب عقبتي ... وإخال أني سابق بك فأركب فأندب عشيات الشباب فلن ترى ... مثل الشباب مودِّاً لم يُندب فغنيته فبكى ثم قال: غنِّ: بان الخليط، ولو طووعتُ ما بانا ... وقطَّعوا من حبال الوصل أقرانا إن العيون التي في طرفها مرضٌ ... قتلننا ثم لم يُحيين قتلانا يصرعنَ ذا اللب لا حراكَ به ... وهنَّ أضعف خلق الله إنسانا فغنيته ثم قال: غنِّ: أتصحو أم فؤادك غير صاح ... عشيَّة همَّ صحبُك بالرَّواحِ تقول العاذلات علاك شيبٌ ... أهذا الشيب يمنعني مراحي ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح

стр. 41

فغنيته فبكى، ثم قال: يا أبا المهنأ على اللهو السَّلام، والله لا يراني الله بعد هذا اليوم حاضراً لهواً ولا لعباً ولا ذائقاً مسكراً وقد ختمت الدنيا بغنائك، ثم عانقني وقال: [انصرف] إذا شئت، قال: وكنت من شدة حذري ركبت إليه وليس معي غلامٌ ولا شاكري ولا يعلم أحد في منزلي إلى أين غدوتُ، ورسلُ الرشيد في طلبي قد ربعوا بغداد وهم يضربون غلامي يسألونه عني ولا يعلم لي موضعاً حتى برزت من سكة أبي العتاهية فابتدرني غلامٌ لي ومعه الرسل، فكان وجهي معهم إلى القصر، فلم أُسأل عن شيءٍ حتى بطحت فضربت مائة مقرعة، ثم قيل لي: يقول لك أمر المؤمنين: أين كنت اليوم؟ فقلت: إن لي عذراً لا أتكلم به حتى أرى وجهه، فدعاني فقصصتُ قصتي وقصته من أولها إلى آخرها على ما كانت، فقال الرشيد: فجعتنا والله بأبي العتاهية، إني لإخاله خاتمة لهونا، ثم قال: غني أصواته، فكررتها عليه صوتاً صوتاً، ثم حدثته عن طعامنا وشرابنا ومجلسنا، فقال: ما أحسن كلّ شيءٍ كنتم فيه، ثم قال: يا غلام، عشر بِدر، فلما أُتي بها ووضعت بين يديه قال: هذه المائة بتلك المائة، فقلت: يا سيدي، وددت والله لو كانت مائتين، فضحك، وأمر بعشرٍ أُخرى، فانصرفت بمائتي ألف وغدوتُ على أبي العتاهية فحدثته بما جرى وعرضت عليه المال، فقال: وددت يا أخي أني وقيتك الضرب وأنهم أضعفوا لك الصلة. وحكى أحمد بن يحيى ثعلب عن عمرو بن شبَّة عن مخارق، قال: دخلت على أبي العتاهية في مرضه الذي مات فيه فلما رآني هشَّ إليوقال: ادنُ مني بأبي أنت وأمي فدنوت منه [وقلت] ما تحب، فقال: أحب أن أسمع منك: أحمدٌ قال لي ولم يدر ما بي ... أتحب الغداة (عتبة) حقا فتنفست ثم قلت: نعم حُباً جرى في العروق عرقاً فعرقا لو تبينت ما يجن فؤادي ... لرأيت الفؤاد قرحاً تفقا قال: فغيته، فقال: كأني حييت بك واستعاده مرارا فأعدته فقال: انصرف راشداً، وسألني أن آتيه في غدٍ وقال: إن لم تأتني متُّ فجئته من الغد فقال: غنِّي: إذا ما انقضت عني من العيش مُدتي ... فإن غناء الباكيات قليل ستُعرض عن ذكري وتنس مودتي ... ويحدث بعدي للخليل خليل فغنيته وأُغمي عليه وخرجت من عنده فلحقني من عرَّفني بوفاته. واجتمع دعبل وصريع الغواني وأبو نواس وأبو الشِّيص فقال أبو نواس: إن مجلسنا هذا قد شهر باجتماعنا فيه ولهذا اليوم ما بعده، فليأت كل امرئ بأحسن ما قاله فليُنشده، فأنشد أبو الشيص: وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخرٌ عنه ولا متقدمُ وأنشد صريع: أُجررت حبل خليعٍ في الصِّبا غَزِلِ ... وقصرت همم العذال عن عذلي أنشد دعبل: أين الشباب وأيةً سلَكا ... لا أين يطلب، ضلَّ، بل هلكا ثم سألوا أبا نوا أن ينشدهم فأنشد: لا تبك ليلى ولا تطرب إلى هندِ ... واشرب على الورد من حمراءَ كالورد فسجدوا له فقال: أفعلتموها أعجمية، لا كلمتكم ثلاثاً ولا ثلاثاً ولا ثلاثاً، ثم قال: تسعة أيام في هجر الإخوان كثيرة، وفي هجر بعض يوم استصلاح المفاسد وعقوبةٌ على الهفوة، فإن أيام العمر أقلُّ من أن تمحق بالهجر. وأُشيع عنه أنه نزع عما كان عليه من البطالة وشرب الخمر، فاجتمع أصحابه وأقبلوا عليه يهنئونه بذلك، فوضع بين يديه باطية وجعل لا يدخل عليه أحد يهنئه إلا شرب رطلاً وأنشد: قالوا انزعت ولمّا يعلموا وطري ... في كل أغيد ساجي الطرف ميّاسِ كيف النزوع وقلبي قد تقسمه ... لحظ العيون وقرع السن بالكأس لا خير في العيش إلا المجون مع الأكفاء والراح والريحان والآسِ ومسمع يتغنى والكئوس لها ... حَثٌ علينا بأخماس وأسداس يا موري الزَّند قد أعيت قوادحه ... اقتبس إذا شئت من قلبي بمقباس ما أقبح الناس في عيني وأسمجهم ... إذا نظرت فلم أُبصرك في الناس

стр. 42

وكان أبو عبّاد النميري يقول: لو وجدت خمراً زيتية ذهبية أصفى من عين الديك وعين الغراب ومن ماء المفاصل، وأحسن حمرةً من الزاد ومن نجيع غزال ومن قوة الصباغ، لما شربتها حتى أعلم أنها من عصير الأرجل وأنها من نبات القُرى ووسط دسكرة وأن العنكبوت قد نسج عليها، وحولها دجاج وفراريج، وتمام ما أُريد أن تكون رقطاء، ويكون بائعها شيخاً، لا يفصح بالعربية مجوسياً اسمه شهريار أو يهودياً اسمه شلوما أو نصرانياً اسمه يامروا. وفي وصية أبي ثمان الجاحظ لشطار اللصوص: إياكم وحبَّ النساء وسماع ضرب العود وشرب نبيذ الزبيب واللعب بالشطرنج، وعليكم باتخاذ الغلمان، فإن غلامك غداً أنفع لك من أخيك وأعونُ لك من ابن عمك، وعليكم بنبيذ التمر وضرب الطنبور واللعب بالنرد وما كان عليه السلف، واجعلوا النقل باقلاء، وإن قدرتم على السفرجل ووالتفاح والفستق واللوز، واتخذوا الريحان، وإن قدرتم على الورد والياسمين، واجعلوا لهوكم الحمام وهراش الكلاب، وإن قدرتم على الكباش والصقور والفهود والديكة فلا تقصروا في أمره، فإن له صبراً ونجدةً ورغواناً وتدبيراً وإعمالاً للسلاح، هذه وصيتي فافهموها واعملوا بها ولا تتعدوها. ودعا الأخطل شابٌ من شباب الكوفة فقال: يا ابن أخي، أنت لا تحمل مئونتي، فلم يزل يسأله حتى مضى معه فأتى البا فنادى: يا شقراء، فخرجت إليه أمه، فقال لها: هذا ضيفي أبو مالك فباعت غزلاً لها واشترت له لحماً ونبيذاً وريحاناً فأكل وشرب فقال: لعمرك ما لاقيت يوم معيشةٍ ... من الدهر إلا يوم شقراء أقصرُ حوارية لا يدخل الفقر بيتها ... مطهرةٌ يأوي إليها مطهرُ إذا قلت يا شقراءُ قامت كأنها ... من الوحش ظبيٌ فاتر الطرف أحور أقمنا بها نسقي سلافة قهوةٍ ... تموت بها أوصالنا ثم تنشر كأن جلود القوم من طيب نشرها ... يُعَلُّ بها مسك ذكيٌ وعنبر وكان جحظة من أنبناءِ البرامكة، كاتباً شاعراً ومغنياً حاذقاً، وكان مع ذلك قبيح الوجه، جاحظ العينين، مشوه الخِلقة، فحدث عنه علي بن سعيد الكاتب قال: حدَّثني جحظة قال: إن كتمت عليَّ حدثتك بحديث ما مرَّ على مسامعك قطُّ مثله، قلت: أنا موضع لسرِّك والمجالس بالأمانة قال: بينا أنا جالس على باب داري يوماً إذ أقبلت جاريةٌ متنقبة راكبة على حمارٍ، بين يديها وصائف كالغزلان يحففن بها، ويمسكن عنان حمارها، وقد سطعت السكة من روائح طيبها، فبقيت حائراً مبهوتاً أعجب من كمال خلقها، ونور ما بدا لي من وجهها، فلما حاذتني وقفت فسلمت عليَّ بعد أن تأملتني ساعة، فرددت عليها أحفي سلام وأبرَّه، وقمت على قدميَّ إجلالاً لها وإعظاماً، فقالت: يا فتى هل لك في منزلك محتَمَل للقائلة، في هذا اليوم، قلت: يا سيدتي، على الرحب والسعة ولك الفضل والمنة، فما كربت أن ثنت رجلها ونزلت وقالت: ادخل بين يديَّ، وأمرت جواريها فتوارين بموضعٍ أشارت إليه ثم دخلت وأنا أحسب جميع ما أراه نوماً لا يقظة وشكاً لا يقيناً، فلما استقر بها المجلس، مدت يدَها إلى خمارها فحلَّته، فكانت كما قال أبو حيَّة النُّميري: فألقت قناعاً دونه الشمس واتَّقت ... بأحسن موصولين كفًّا ومعصما

стр. 43

ثم فكرتُ في أمري وأنا لا أعقل من السرور، فقلت هذه جارية مغنية بلغها صوت من صنعتي فأرادت أن تأخذه عني، فقلت: يا سيدتي: أتأذنين في أن أقرّب ما حضر من طعام وشراب وأُغنيك ما لعله بلغك عني من متخيَّر أصواتي، فقالت: ما على ذلك من فوتٍ ولكن قُم الآن وشأانك، فاقض حاجتك ثم تصير إلى ما تريد، فقمت إليها وقد أخذني الزَّمع حتى لا أملك نفسي مهابةً لها فلما فرغت مما لك أكن آملُهُ لا تسمو همَّتي إليه قلت: يا سيدتي هل لك في الطعام وأدعو بالعود فأُغنيك ما قصدتِ إليه قلت: يا سيدتي هل لك في الطعام وأدعو بالعود فأُغنيك ما قصدتِ إليه، قالت: عسى أن يكون ذلك في يوم غير هذا، ومدت يدها إلى قناعها فاعتجرت به ونهضت مسرعةً ولم أُحر جواباً وبقيت متحيراً فلما صارت إلى الدهليز ودعت بجواريها قلت: سألتك بمن ترتجين شفاعته ما خبرك؟ قالت: لو تركت المسألة كانت أَحب إليك وأعود عليك، قلت: لا بد لي من علم حالك، قالت: أما إذا آليت فسأصدقك: لي ابن عمٍّ، وهو بعلي، وكان يضنُّ بي وأضنُّ به، وكلانا معجَب بصاحبه، فخالفني إلى حبشية لي مشوهة المنظر، فأقسمت بالأيمان المحرجة أن أطوف بغداد حتى أبذل نفسي لأقبح من أرى وجهاً، وأوحش من أقدر عليه صورة، فأنا أنصرف من الفجر إلى هذه الساعة من الهاجرة، فما رأيت بها على غاية ما طلبته، سواك، فبررت قسَمي، وإن عاد إلى مثل فعله عدتُ إليك لأني لم أجد أقبح منك. وهذا يسيرٌ في جنب ما تبلغه الغيرة بصاحبها، ثم تولت عني، وبقيت أخزى ممن دخل النار، فوالله يا أبا الحسن ما ظننت أن فرط القبح ينتفع به قط حتى كان ذلك اليوم، قلت: هوِّن عليك فإن القرد إنما يقعُ السرور به والضحك منه لتجاوزه الحّد في قبح الصورة، قال: فاكتم ذلك عليَّ، قلت: نعم. وحكي أن أبا نواس والحسين بن الخليع وصريعاً والعباس ابن الأحنف خرجوا إلى متنزه لهم ومعهم رجل يقال له يحيى بن المعلى، فحضرت الصلاة، فقام يصلي بهم فنسي الحمد وقرأ: قل هو الله أحد فأُرتج عليه في نصفها، فقال أبو نواس: أكثر يحيى غلطاً ... في قل هو الله أحد وقال الخليع: قام طويلاً راكعاً ... حتى إذا أعيا سجد وقال ابن الأحنف: يزحرُ في محرابه ... زحير حبلى بِوَلَد وقال صريع: كأنما لسانُه ... شُدَّ بحبل من مَسَد قال محمد بن يزيد المبرِّد: خرج أبو تمام إلى خالد بن يزيد بن مزيد بأرمينية فامتدحه، فأمر له بعشرة آلاف درهم فقبضها، وسأله الإذن له في رحيله، فأعطاه نفقةً لسفره وودعه، ومضت أيام كثيرةٌ، فركب خالد متصيداً، فرآه تحت شجرةٍ وقدامه زُكرة فيها نبيذ وغلام حسن الوجه بيده طُنبورٌ يغنيه، فقال: حبيبٌ قال: نعم، خادمك وعبدك، قال: ما فعل المال، قال: علمني جودُك السماح فما ... أبقيتُ شيئاً لديَّ من صِلَتِكْ ما مرَّ شهر حتى سمحت بِهِ ... كأن لي قدرةً كقدرتك تنفق في اليوم، بالهبات وفي ... أشياءَ ما تجتنيه في سَنَتِكْ فلست أدري من أين تنفق لولا أنَّ ربي يُمدُّ في هبتك فأمر له بعشرةِ آلاف أُخرى فأخذها وانصرف.

стр. 44

وروى المبرِّد قال: كان حارثة بن بدر الغداني رجل بني تميم في وقته، وكان قد غلب على زيادٍ، وكان الشراب قد غلب عليه، فقيل لزياد: إن هذا قد غلب عليك وهو مشتهرٌ بالرشاب، فقال زياد: كيف لي باطِّراح رجلٍ يسايرني مذ دخلت العراق، فلم يَصْكك ركابي ركابه، ولا تقدَّمني فنظرت إلى قفاه، ولا تأخر عني فأدرت عنقي إليه، ولا أخذ عليَّ الشمس في الشتاء قط، ولا الرَّوْح في صيف قط، ولا سألته عن علمٍ إلا ظننت أنه لا يحكم غيره، فلما مات زياد جفاه عبيد الله فقال له حارثة: أيها الأمير ما هذا مع معرفتك بالحال عند أبي المغيرة، فقال له عبيد الله: إن أبا المغيرة قد كان برع بروعاً لا يلحقه معه عيبٌ، ولا حدث، وإنما أُنسب إلى من يَغْلب عليَّ، وأنت رجل تُديم الشَّراب فمتى قرَّبتك وظهرت رائحة الشراب منك، لا آمن أن يُظن بي، فدع النبيذ وكن أول داخِل وآخر خارج عني، فقال له حارثة: أنا لا أدعه لمن يملك ضرِّي ونفعي، أفأدعه للمال عندك، قال: فاختر من عملي ما شئت، قال: توليني رام هرمز، فإنها أرض طيبة وسُرق فإن شراباً وُصف لي، فولاّه إياها، فلما خرج شيَّعه الناس، فقال أنس بن أبي أُنيس: أحار بن بدر قد وليت ولايةً ... فكن جُرذاً فيها تخون وتسرق ولا تحقرن يا حار شيئاً وليته ... فحظك من ملك العراقيين (سُرقُ) وباهِ تميماً بالغنى، إن للغنى لساناً به المرءُ الهيوبة ينطق فإن جميع الناس إما مكذِّبٌ ... يقول بما تهوى وإما مصدِّقُ وحكى الهيثم بن عدي قال: بعث الحجاج بن يوسف أربعة آلاف رجل من أهل الكوفة إلى خراسان فاصطحب في الجيش ثلاثة فتيان يقال لأحدهم أوس بن خلد، وللآخر نصر بن غالب والآخر أُنيس بن بدر، فنزلوا مدينة مَرْو فأقبلوا على لذتهم، مدمنين على شرابهم بالخوض في مستعذب الحديث وإنشاد الشعر ومذاكرة أيام الناس والمؤانسة، فاعتلَّ أوسٌ فمات، فاشتد عليه جَزَعُ أخويه وطال بكاؤهما وحنينهما إليه وكانا يخرجان كل يومٍ إلى قبره فيرثيانه ويتحدثان ويتناشدان كالذي كانوا يفعلون، وإذا دارت الكأس شرب كل واحدٍ كأسه لاوصبَّا على قبر أوس كأساً، فإذا أمسيا رجعا إلى رحلهما فلبثا على ذلك برهةً من زمانهما، ثم إن أُنيساً مرض أياماً فمات، فدُفن إلى جنب صاحبه، فكان نصر يخرج كل يوم فيجلس بين قبريهما فيرثيهما ويبكي عليهما، وكلما شرب كأساً صبَّ على قبر كل واحدٍ منهما كأساً ومعه غلام كان يخدمهم، قال: فلما عمل الشراب فيه ذات يوم جعل يلزم هذا القبر تارةً وهذا أُخرى ويبكي ويقول: خليليَّ هبَّا طالما قد رقدتما ... أجِد كما ما تقضيان كراكما أجِد كما ترثيان لموجعٍ ... حزينٍ على قبريكما قد رثاكما أُقيم على قبريكما لست نازحاً ... طوال الليالي أو يجيب صداكما تنامان عمَّن لا ينام صبابةً ... كأن الذي يسقي العقار سقاكما أُناديكما وجداً وشوقاً إليكما ... فلا تسمعان الصوت ممن دعاكما أصبُّ على قبريكما من مدامتي ... فإلاَّ تذوقاها تروِ ثراكما سأبكيكما طول الحياة وما الذي ... يُرَدُّ على ذي لوعةٍ إن بكاكما فلم يزل يردد هذا الشعر حتى زفر زفرةً فاضت فيها نفسه فدفن إلى جانب صاحبيه، فقبورهم تسمى قبور الإخوة، وفتيان المدينة ينتابون قبورهم فيشربون ويصبون من شرابهم عليها. وكان يحيى بن عبيد الله الحارثي ماجناً شاعراً متهماً في دينه، وهو القائل: أقول لذي طربٍ فاتكٍ ... إذا ملَّ ذو النسك من نُسكه دع النسكَ ويحكَ لا تبغِهِ ... وعاون أخاك على فتكه لا تقع الدهر في صاحبٍ ... وإن أكثروا فيه بل نَكِّهِ ولا تبكين على ناسك ... وإن مات ذو طربٍ فابكِهِ ومنهم عليٌّ بن الخليل وكان مشتهراً في الشراب مدمناً عليه، وهو الذي قال: لا تكمل اللذات إلا بالقيان وبالخمور هتك الستور وإنما اللذاتُ في هتك الستور واخلع عذارك في الهوى ... واصبر لنوبات الدُّهور ودع العواذل لا يفقن عليك من دقِّ الصدور واعلم بأنك راجعٌ ... حقاً إلى ربٍّ غفور

стр. 45

ومنهم حمَّاد عجرد وكان خليعاً ماجِناً متهماً في دينه، وفيه يقول الشاعر: نعم الفتى، لو كلن يعرف ربَّهُ ... ويقيمُ وقت صلاته حمَّادُ هدلت مشافرَهُ الدِّنانُ وأنفه ... مثل القدوم يسُنُّها الحدَّادُ وابيضَّ من شرب المدامة وجهُهُ ... فبياضُه يوم الحساب سوادُ وكان يهاجي بشاراً، وكان حمَّاد يؤدب ولد الربيع الحاجب، فقال بشار: يا أبا الفضل لا تنم ... وقع الذئبُ في الغنم إن حماد عَجْردٍ ... شيخ سوءٍ كما اعتلم بين فخذيه حربةٌ ... في غلافٍ من الأدم فهو إن راءَ غفلةً ... مجمج الميم بالقلم فلما بلغت البيات الربيع صرف حماداً عن تأديب ولده. ومنهم والبة بن الحباب الأسدي وهو الذي ربّى أبا نواس وأدَّبه وعلَّمه الفتوة وقول الشعر، وكان والبة ظريفاً، شاعراً ماجناً، يقال إنه كشف يوماً عن فقْحةِ أبي نواس فأعجبه حُسنها، فضرط عليه أبو نواس، فقال له والبة: ما هذا؟ فقال: أما سمعت المثل: جزاءُ من قبَّل الاست ضرطة، فزاد عجباً، وعَلِكم أنه سيخرج ماجناً، ووالبة القائل: مزجت له مشعشعة شمولاً ... معتقةً كرقراق الشراب فخلت على ترائبها نجوماً ... مطوفةً على ذهبٍ مذابِ ومنهم فضل القراشي، وكان شاعراً ماجناً خليعاً يهاجي أبا نواس، وهو القائل: ألا لا تعذلاني قد وهبت للذتي نسبي إذا ما الماء أمكنني ... وصفو سلافة العنب صبيت الفضة البيضاء فوق قُراضة الذهب فأَسبُك منهما طرباً ... فزرني تلفِ ذا طربِ ومنهم سلم الخاسر، وكان شاعراً ماجناً، وسميَّ الخاسر لأنه باع مصحفاً ورثه عن أبيه واشترى بثمنه طنبوراً، وهو القائل: أمزج الراحَ براح ... واسقني قبل الصباح ليس من شأني فدعني ... شربُ ذا الماء القراح ونظر رجل إلى أبي نواس وهو بقُطْرُبُّل وفي يده كأسٌ وبين يديه عنب وزبيب، فقال له: ما هذا يا أبا علي، قال: الأب والابن والروح القدس، وهو القائل: إن تكونا كرهتما لذة العيش م حذار العِقاب يوم العقاب فدعاني وما ألذ وأهوى ... وادفعاني في نحر يوم الحساب وروى أحمد بن صالح قال: رأيت أنا نواس يوماً وقد كنس مسجداً ورشَّه ونفض ترابه فقلت له: ما هذا، قال: يرتفع إلى السماء خبر ظريف! وروى الحِرمازي قال: قدم البصرة أعرابيان يقال لأحدهما جيدان وللآخر سيدان من تهامة، فقصدا الوالي وقد امتدحاه، فبينما هما في بعض الطرقات إذا هما ببرذون عابر فاتقاه جيدان فطرده عن نفسه فعاج على رجل سيدان فقطع اصبعاً من أصابعه، فتعلقا بالبرذون ولحقه صاحبه فقدماه إلى الوالي فأخذ لهما منه أرْشَ الإصبع خمسمائة درهم فقال جيدان لسيدان: ما تبغي من الوالي وهذه الدراهم معنا، مِل بنا إلى دار الخمار فإذا أنفدنا ما معنا رجعنا إليه فمالا إلى بيت خمَّار، فلما سكر جيدان أنشأ يقول: فلا عطش ما دام في الدنِّ قطرةٌ ... وما بقيت في رجل سيدان إصبع قال أبو جعفر الحنفي: دعاني يوماً بعض إخواني فوجدت عنده العباس بن الأحنف وأبا نواس فما زالا لا يتذكران ويتناشدان إلى ان قام العباس، فقلت لأبي نواس: كيف رأيك في العباس؟ قال: هو أرق من الوهم وأحسُّ من الفهم، ثم عاد وقام أبو نواس فسألت العباس عن رأيه فيه، فقال: أبو نواس أقر للعيون من إنجاز وعدٍ بعد يأسٍ، فلما أخذ الشراب منا مأخذه قال أبو نواس: إذا آخيت ذا مجدٍ ... فلا تعدل بعباس فنعم المرء إن نازعت يوماً ذروة الكاس فقال العباس: إذا نازعت صفو الكاس يوماً ... أخا ثقة فمثل أبي نواس فتى يرضى الخليل ويصطفيه ... إذا ما خَلَّة نزلت بناس ثم تناول أبو نواس قدحه فقال: أيا عباس خذ كأسك إني آخذ كاسي فأخذه وقال: نعم يا واحد الناس على العينين واراس فقال أبو نواس: فقد طاب لنا المجلسُ بالنسرين والآس فقال العباس: وأقوامٌ بها ليلٌ ... كرامٌ غير أنكاسِ فكنا في أطيب يوم بهما، قد شغلانا عن السماع بما يدور بينهما.

стр. 46

وحُكي عن الحسين الخليع أنه قال: كنت مع أبي نواس إذ سمع غلاماً يقرأ: كلما أضاءَ مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا، فقال اسمع، وأنشدني: وسيارة ضلت عن القصد بعدما ... تجلَّلهم جنح من الليل مظلم فلاحت لهم منا على البعد قهوةٌ ... كأن سناها ضوءٌ نار تَضرَّم إذا ما حسوناها أقاموا مكانهم ... وإن مزجت حشو الركاب وأمموا فلُمتُه على التعرض لمثل هذا، فقال: لسان نطق عن خاطرٍ لا يعتقد. وقال محمد بن مصعب: لم يسرق أأبو نواس هذا من القرآن ولكنه أخذه من قول شاعرٍ سبقه: وةليلٍ بهيم كلما غورت لهم ... كواكبه عادت فما تتزيَّلُ يتيهون، إما أومض البرق يمَّموا ... وإن لم يلح فالقوم بالسير جُهل وذكروا أن أبا نواس، وداوود بن رزين وحسين الخليع وعمراً الوراق وحسيناً الخياط، اجتمعوا في منزل عنان جارية الناطفي، فتذاكروا وتناشدوا، فلما أرادوا الانصراف قالوا: أين نحن العشية، فقال كل واحد منهم عندي، فقالت عنان: بالله إلا قال كلُّ واحدٍ منكم شعراً وتراضيتم بحكمه فيكم، فقال داوود بن رزين: قوموا إلى طيب لهو ... في ظل بيت كنين فيه من الورد والمزرجوش والياسمين وريح مسكٍ ذكيٍّ ... من ابنة الزرجون وقينة ذات غنجٍ ... وذات عقل رصين تشدو بكل ظريفٍ ... من محكم ابن رزينِ وقال أبو نواس: لكن إليَّ ثقاتي ... قوموا بنا بحياتي قوموا نلذ جميعاً ... بقول هاكَ وهاتِ فإن أردتم فتاةً ... أتيتكم بفتاةِ وإن أردتم غلاماً ... صادفتموه مواتي فساوروه جميعاً ... في وقت كل صلاةِ وقال الخليع: أنا الخليع فقوموا ... إلى شراب الخليع إلى شراب ولهوٍ ... وأكل جدي رضيع ونيك أحوى رخيمٍ ... بالخندريس صريع في روضة جادها صوب غاديات الربيع قوموا تنالوا جميعاً ... منال ملك رفيع وقال عمرو الوراق: قوموا إلى بيت عمرو ... إلى سماع وخمر وقُرطُقيٍّ رخيم ... يزهي بجيدٍ ونحرِ فذاك برٌ وإن شئتمُ أتينا بهُجر هذا وليس عليكم ... أولى ولا وقت عصر وقال حسين الخياط: قضت عنان علينا بأن تزوروا حسينا وأن تقروا لديه ... باللهو والقصف عينا فما رأينا كظرف الحسين فيمن رأينا قوموا قولوا أجزنا ... ما قد قضيت علينا وقالت عنان: لكن لدينا أقيموا ... بالله كي نتسلى وكي تنالوا لدينا ... أشهى النعيم وأحلى فإن عندي حراماً ... من الشراب وحِلاّ لا تطعموا في سوايَ ... من البرية كلاّ يا إخوتي خبروني ... أجاز حكمي أمْ لا؟ فقالوا كلهم بكلمة واحدة: قد رضينا بحكمك وأجزنا اختيارك وأقاموا عندها فمرّ أطيب ليلٍ وألذه. قال الكلبي: صحب ذو الرمة رجلاً من بني أسد فيما بين البصرة والكوفة، فلما دنوا من الكوفة، جعل ذو الرمة يتشهى النبيذ والأسدي يشتهي الخمر فقال رجل من القوم: يا أبا الحارث هل لك في النبيذ إذا دخلت الكوفة، فقال ذو الرمة: فكيف لنا بالشرب إن لم يكن لنا ... دراهم عند الخاتوي ولا نقدُ أنحتال أم ندان، أم ينبري لنا ... فتىً مثل نصل السيف شيمته الحمد له معشر بيض الوجوه مصالتٌ ... سما بهم آباؤهم وسما الجدُّ قال: فسما له الأسدي، وقال: أنا والله أنبري لك يا ذا الرمة، فأدخل ناقةً له السوق فباعها بأربعمائة درهم فقصف بها عليهم. يروى أن الفرزدق قدم المدينة ونزل على الأحوص فأكل وشرب وقال: وددت لو سمعنا غناءَ، فأتاه بمغنٍ فغناه: أتنسى إذ تودعنا سليمى ... بفرعِ بشامة سقي البشام ولو وجد الحمام كما وجدنا ... بسُليمان لاكتأب الحمام فطرب الفرزدق، وقال: لمن هذا الشعر فقالوا: لجرير: ثم غناه:

стр. 47

أسرى لخالدة الخيالُ ولا أرى ... عيشاً ألذَّ من الخيال الطارق إن البلية من تملُّ حديثه ... فانقع فؤادك من حديث الوامق فقال: لمن هذا الشعر، فقيل: لجرير، ثم غناه: إن الذين غدوا بلبِّك غادروا ... وشلاً بعينك لا يزال معينا غيضن من عبراتهن وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا فقال: لمن هذا الشعر، فقيل لجرير، فقال الفرزدق، ما أحوجه مع عفافه إلى خشونة شعري وأحوجني مع فسوقي إلى رقة شعره. وكان العماني الراجز مداحاً للملوك من بني أمية وبني العباس مشتهراً بالشراب وهو الذي يقول لجاريته: قومي أنظري كيفف نبيذي يا مُلَحْ ... إن لم يكن جاد فبولي في القدح وناولينيه وقولي قد صَلحْ قال أبو محجن الثقفي: إذا متُّ فادفني إلى جنب كرمةٍ تروي عظامي بعد موتي عروقها ولا تدفني في الفلاة فإنني ... أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها فأخذ أبو نواس هذا المعنى فقال: خليليَّ إن متُّ لا تحفرا ... لي القبر إلاَّ بقُطْرُبّلِ خلال المعاصرِ بين الكروم ... ولا تكثرا لي من الجندلِ لعلي أسمع في حفرتي ... إذا عصرتْ موقع الأرجل وأخذه بعد أبي نواس بكر بن خارجة فقال: ادفنوني إن متُّ في أصلِ كرمٍ ... إن روحي تحيا بماءِ الكروم واحنطوني بتربتها ثم رشوا ... كفني من رحيقها المختوم وادفنوني بحانةٍ عند دنٍّ ... بفِنا عسكرِ الدنان مقيم وقال أبو الهندي: إذا حانت وفاتي فادفنوني ... بكرم واجعلوا زقاً وسادي وإبريقاً إلى جنبي، وطاساً ... تروي هامتي وتكون زادي أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: مرَّ العجير السلولس بإخوانٍ له يشربون فعوه لمنادمتهم، فنزل عن ناقته وشرب، واحتاجوا إلى طعام على النبيذ فقال: هذه ناقتي فانحروها وكلوا لحمها، فنحروها وبقروا خاصرتها وأكلوا من كبدها وسنامها، وجعل العجير يتغنى: عللاني إنما الدنيا عَلَل ... ودعاني من عتابٍ وعَذَلْ إدرأا باللهو يوماً صالحاً ... واسقياني علَلاً بعد نَهَلْ وانشلا ما اغبَّر من قِدرَيْكما ... واصبحاني، أبعد الله الجَمَلْ وحكى الهيثم بن عدي قال: خرج عمارة بن الوليد، وكان أجمل فتيان قريش وأسمحهم، متنزهاً، فمرَّ بقوم يشربون فعرضوا عليه، فنزل عن ناقته فجعلوا يسقونه ولا يشربون، فقال لهم: لم لا تشربون؟ قالوا: نبيذنا قليل وقد أحببنا أن نؤثرك به، فقال لفتى منهم، يقال له غياث بن ديهب، اذهب بناقتي هذه فبِعها ولا تماكس، وابتع بثمنها شراباً، ففعل، وأنشأ عمارة يقول: خليليَّ قد خف الشراب ولم أجد ... له سورةً في عظم رأسٍ ولا يد خليليَّ هذي ناقتي فاشربا بها ... فلا خيرَ في الشرب القليل المصرد ولا تبعثا إلا غياث بن ديهبِ ... إذا سيم عند البيع لم يتشددِ وجاء الشراب فشربوا وانصرف إلى امرأته، فسألته عن ناقته فأخبرها الخبر فقالت: كلاّ ولكنهم أسكروك وخدعوك فقال: أسَرَّك لما صُرع القومُ نشوةً ... أن أخرج عنهم غانماً غير غارم وحتى كأني لم أكن قبلُ فيهمُ ... وليس خداعٌ من فعال الأكارم ولكننا شربٌ كرامٌ نديمنا ... بنا بَهِجٌ باللهو ليس بواجِمِ وشرب مالك بن أسماء مع إخوانٍ له، ففني شرابهم ولم يحضره نقدٌ فأعطاهم مُطرفاً كان علي، فاشتروا بثمنه شراباً، فلما عاد إلى منزله لامته جاريته فقال: يسُرُّك أن أكون، وذاك عيبٌ ... عليَّ، كمن ينال ولا يُنيلُ ويغرم من ينادمه اغتناماً ... وذاك على أخي جودٍ ثقيلُ أبت لي ذاك، مأثرةٌ نماها ... كريمٌ، فضلُ نائلِهِ جزيلُ ودخل رجل على قومٍ يشربون وعندهم قينة تغنيهم فقيل له: أي صوت تشتهي أن تغني لك، وكان جائعاً فقال: لشيش مقليٌّ. وقيل لأعرابي: كم تشرب من النبيذ، فقال: على قدر النديم.

стр. 48

ودخل حارثة بن بدر الغداني على زياد، وكان مدمناً للشراب وبوجهه أثر، فقال له زياد: ما هذاالأثر بوجهك؟ فقال: أصلح الله الأمير، ركبت فرساً أشقر فجمح بي حتى صدمني الحائط، فقال زياد: [لو] ركبت الأشهب لم يُصبك مكروه. وسقى قوم أعرابياً فقالوا له: ألا تمزج كأسك، فقال: حسبها ما شَرَبَت في كرمها. دعا أعرابي فقال: اللهم أسألك ميتة كميتة أبي خارجة، قيل له: وما ميتته؟ قال: أكل لحم جمل وشرب نبيذ عسلٍ ونام في الشمس، فمات شبعان ريَّان دفآن. وقال يحيى بن خالد: الأيام أربعة؛ ويوم الغيم للصيد، ويوم المطر للشرب، ويوم الشمس للحوائج. وكان رجلٌ من الأزد يكنى أبا شملة قد تتابع في الخمر وغلبت عليه، فأُتي به رسول الله (ص) وهو سكران، فأخذ رسول الله (ص) قبضة من تراب فضربه بها وقال: اضربوا الخبيث، فضربه الناس بأيديهم وبالنِّعال وأطراف النخل، فلما وليَ أبو بكر ﵁، أُتي بسكران، فسأل: كم ضرب رسول الله (ص) أبا شملة؟ قالوا: ما ندري، قال: كم كنتم؟ قالوا: عشرين رجلاً، قال: فكم ضرب كل رجل؟ قالوا: الضربة والربتين والثلاث، قال: فلو رددنا قليل ذلك على كثيره فجعلنا لكل رجل ضربتين، فضربه أربعين. فلما ولي عمر بن الخطاب ﵁، كتب إليه أبو عبيدة ابن الجراح (رض) من الشام: إن الناس قد تتايعوا في شرب الخمر، وقد ضربت فيها الأربعين فلم تغن شيئاً، فجمع عمر رجالاً من أصحاب رسول الله (ص) فشاورهم، فقال عليّ: إني لا أرى حداً أشبه بحد الفرية منه، إن الرجل إذا سكر وإذا هذى افترى، فقال عمر للرسول: قد سمعت ما قال فمر أبا عبيدة أن يضربها، فضرب أبو عبيدة بالشام ثمانين، وضربها عمر بالمدينة. وعرض عبد الملك بن مروان على الأخطل الإسلام، فقال: يا أمير المؤمنين إني مشغوف بالخمر، أفرأيت إن أسلمت تدعني وشربها؟ قال: لا يا أخطل، لا أُحل لك ما حرم الله عليك، وإن أسلمت ثم شربتها حددتك، قال: لا حاجة لي في الإسلام، ودين آبائي أحبُّ إليَّ، فقال عبد الملك: وما تبلغ الخمر منك؟ قال: فلسن بصائمٍ رمضان طوعاً ... ولست بآكلِ لحمَ الأضاحي ولست بقائمِ أبداً أُنادي ... كمثل العير، حي على الفلاح ولكنِّي سأشربها شمولاً ... وأسجدُ عند مُنبلجِ الصباح ودخل الأخطل على عبد الملك وهو سكران، فقال: ما هذا يا أبا مالك فقال: إذا شرب الفتى منها ثلاثاً ... بغير الماء حاول أن يطولا مشى قرشيَّة لا عيب فيها ... وأرخى من بنائقه فضولا قال أبو أُمية التميمي: دخلتُ على الأخطل وبين يديه شراب، فناولني منه كأساً، وقال: أنعم حيَّاك الله، فقلت: إني حنيف، ولا تحلُّ لي الخمر، فكلح في وجهي ثم قال: ما أدخلك عليَّ؟ قلت: إني رجل أُحبُّ أحاديث العرب وأشعارها فأحببت الاجتماع بك، قال: فسُرِّيَ عنه، ثم قال: أما والله ما نعتها أحدٌ نعتي لها، يعني الخمر، فقلتُ: وما صلت يا أبا مالك، قال: قلت: وإذا تعاورت الأكفُ زجاجتها ... نفحت فنال رياحَها المزكوم وكأن شاربها أصاب لسانه ... من دار خيبر أو تهامة مُومُ قال: قلت ولابن عمِّك الأعشى (مثلُها) قال: وكيف قال؟ قلت: قال: من خمر عانة قد أتى لعصيرها ... حول تسلُّ غمامة المزكوم قال: فضرب بكأسه الأرض وقال: أنا والله ما رأيت كاليوم قطّ، أني جعلته يجد ريحها، وأنه استلَّها استلالا. وحكى ربعي الأنصاري: أن عجوزاً من الأعراب جلست في طريق مكة إلى فتيان يشربون نبيذاً لهم فَسَقَوْها قدحاً، فطابت نفسها، وتبسمت، ثم سقوها قدحاً آخر، فاحمرَّ وجهها وضحكت فسقوها قدحاً ثالثاً فقالت: خبِّروني عن نسائكم بالعراق أيشربن من هذا الشراب؟ قالوا: نعم، قالت: زَنَيْنَ وربِّ الكعبة، والله لئن صدقتم لما فيكم أحد يعرفُ من أبوه.

стр. 49

وكانت طيف جارية عُلية بنت المهدي، مولدة عراقية حسنة الوجه والغناء، فلما ماتت عُلية خرجت من دارها وهي حرة فتزوجها رجل مقيِّن يُقيِّن عليها، وحضر عندها يوماً أبو نواس والحسين الخليع وجماعة من الأُدباء فأكلوا وشربوا وغنَّتهم، واقترح عليها أبو نواس صوتاً فكايدته وأبت أن تغنيه فقال لها كالعابث بها: رأيت البارحة في النوم كأني راكب على رَمَكة شهباء وعليها جُلٌّ وكانت عليها غلالة خضراء، فعلمت أنه يعرض بها فقالت له: إن صدقت رؤياك استدخلت في استك فجلة، فضحك والله كل من حضر، وخجل أبو نواس وغضب ولم يُنتفع به ذلك (اليوم) ، ولم يحضر مجلسها بعد ذلك. وأما عبد الصمد بن المُعذل، فسلك طريقة أبي نواس والحسين الضحاك فتوةً وظرفاً وإدماناً وشعراً، وهو الذي يقول: لما رأيت الدِّيك قد صاحا ... والكوكب الدرِّيَّ قد لاحا والليل قد أسبل ثوب الدُّجى ... والورد والخيريّ قد لاحا ناديت فتياناً ترى فيهم ... للكأسِ إفساداً وإصلاحا من هاشمٍ في بيت أكرومةٍ ... طووا على اللذات أكشاحا يا إخوتي نال الكرى حظه ... فاغتبقوا الريحان والراحا فرافعٌ رأساً ومستلقياً ... ونائم سكراً ومرتاحا ومن عجيب قوله: أسقني إن سقيتني بالكبير ... إنَّ في شربه تمام السرور أنا والله لست أكذبكم آنفُ من أن أُرى صريع صغير وكان الأُقيشر الأسدي، مولعاً بالشراب وهو الذي يقول: وصهباء جرجانيةٍ لم يطُفْ بها ... حنيفٌ ولم تَنْغِرْ لها ساعة قِدرُ أتانب يها يحيى وقد نمت نومةً ... وقد غادرت الجوزاءُ أو خفق النسر ولم يَحْضُضِ القس المتيم نارها ... طروقاً ولم يشهد على طبخها جمر فقلتُ اغتبقها أو لغيري أسقها ... فما أنا بعد الشيب، ويبك، والخمر تعففت عنها في العصور التي خلت ... فكيف التصابي بعدما كلأ العمر إذا المرء وفىّ الأربعين ولم يكن ... له، دون ما يأتي، حياءٌ ولا سترُ فدعه ولا تنفِس عليه الذي ارتأى ... وإن جرَّ أسباب الحياة له العمرُ وكان له جار صالح يقال له يحيى فقال: يا فاسق، أ، اجئتك بها، فقال له: يرحمك الله، ما أكثر يحيى في الناس. قال إسحق الموصلي: أنشدت أُم الهيثم الإعرابية: وكأس سلافٍ يحلف الديك أَنَّها ... لدى المزج من عينيه أصفى وأحسن فقالت: لقد بلغني أن الديك من صالحي طيوركم وأعرفها بأوقات الصلاة، وما أحسبه كاذباً. وقال أبو يوسف القاضي: كان لأبي حنيفة جارٌ كيال وكان لا يبيت إلا سكران، وكان أبو حنيفة طويل قيام الليل فكان الكيال إذا سكر غرَّد بصوتٍ عالٍ: أضاعوني وأيَّ فتىً أضاعوا ... ليوم كريهةٍ وسدادِ ثغرِ وفقد أبو حنيفة صوته ليلةً أو ليلتين، فقال لجاريته: ما فعل جارنا الكيَّال؟ قالت: أخذه صاحب الحرس، فلما أصبح أبو حنيفة أتى باب عيسى بن موسى فاستأذن به فأذن له، وكان قليل الزيارة للسلطان، فلما دخل عليه، قام إليه ورفع مجلسه وقال: أمرٌ ما غدا بك أبا حنيفة، قال: نعم، جارٌ لي أخذه صاحب العسس منذ ثلاث ليالٍ، فأمر عيسى أن يخرج كل من أخذ تلك الليلة إكراماً لصاحب أبي حنيفة، وانصرف أبو حنيفة، فلما صار ببابه فإذا الكيال يقفوه، فقال، وتبسم إليه: هل أضعناك يا فتى، قال: لا والله، جعلتُ فداك، بل حفظت وأكرمت. وقال المتوكل لبختيشوع الطبيب: ما أفضلُ النُقل على النبيذ؟ قال: نقلُ أبي نواس. قال: وما هو؟ قال: قوله: ما لي في الناس كلّهم مَثَلُ ... مائي خمرٌ، ونُقلي القُبَلُ يوميَ حتى إذا العيونُ هَدَت ... وحان نومي فمفرشي كَفَلُ

стр. 50

وشرب أحمد بن أبي طاهر وأبو هفان حتى فني ما معهما وكانا بجوار المعلى بن أيوب، فقال ابن أبي طاهر لأبي هفان: تماوت حتى أسأل المعلى في كفنك، فسجَّاه بثوبٍ وخرج إلى المعلى فقال: أصلحك الله، نزلنا في جوارك، فوجب حقنا عليك، وقد مات أبو هفّان، وليس له كفنٌ، فقال لوكيله: امضِ معه لتشاهده وادفع إليه كفناً، فأتاه فوجده مسجىً، فنقر أنفه فضرط، فقال: ما هذا؟ قال: أصلحك الله، عُجلت له ضرطة القبر لأنه مات وعليه دين، فضحك وأمر لهما بدنانير. ودعا ابن المعتز جماعة من المغنين فخلع عليهم، ولم يكن جحظة حاضراً، فبعث إليه خلعةً إلى منزله وزاده عليهم فرساً، فغاظهم ذلك، فنالوا منه، وبلغه قولهم، فكتب إلى ابن المعتز: أطال لك العمر ربُّ السماءِ ... وزادك في الخير من خيره أتاني الكُميت بلونٍ غريبٍ ... يباري الجنائب في سيرهِ فأقعدتني منه في ظهرهِ وأُم الحسودِ على أيرهِ وقال أبو العنبس: دخلت على محمد بن إبراهيم بن مُصعب وهو على الرَّيّ فقال: يا أبا العنبس، إني سائِلُك عن ستة أشياء فأَعِّدَّ لهن جواباً، [فإني سائِلُكَ] عن أطيب الطعام وألذالشراب وأذكى الرائحة وأمتع الغناء، وأشهى النساء، وأفره الخيل، قلت: أيها الأمير، ومتى عوَّدتك إعداد الجواب؟ سلْ عما أحببت بديهةً، فقال: ما أطيب الطعام؟ قال: طعامٌ وافق الجوع بلونٍ زافق الشهوة. قال: صدقت، فما ألذُّ الشراب؟ قال: كأس راحٍ يعاطيكها خليل، أو شربة ماءٍ باردٍ يُنقع بها غليلك، قال: صدقت، فما أذكى الرائحة؟ قال: رائحة بدنٍ تحبه أو ولدٍ تربه قال: صدقت، فما أشهى النساء؟ قال: التي تخرج من عندها كارهاً وتعود إليها والهاً، قال: صدقت، فما أفره الخيل؟ قال: الأسوق الأعنق الذي إذا طلب لم يُسبق، وإذا طُلب لم يُلحق، وإذا صهل أطربك، وإذا نظرت إليه أعجبك. قال: صدقت وأجدت، يا غلام أعطه مائة دينار، قال: قلت، أصلح الله الأمير، ومايتا دينار تكفيني، قال: وقد زدت نفسك مائة، يا غلامُ أعطه مائتي دينارٍ. وقالوا: ثلاث يضيِّقن الصدر: رسولٌ بطيء، وسراجٌ لا يضيء، ومائدةٌ ينتظرُ لها من يجيء. وقال أبو الرقعمَق: كان لي أخوانٌ أربعةٌ وكنتُ أُنادمهم في أيام الأُستاذ كافور، فجاءَني رسولهم في يوم بارد وليست لي كسوةٌ تحصنني من البرد، فقال الرسول: إخوانك يقرؤون عليك السلام ويقولون: ذبحنا اليوم إرخة سمينة فاختر ما يعمل لك منها مما تشتهيه، فكتب إليهم: إخواننا عزموا الصبوح بسُحْرةٍ ... فأتى رسولُهُم إليَّ خصوصا قالوا اقترح لوناً يجاد طبيخُهُ ... قلتُ اطبخوا لي جبةً وقميصا فذهب الرسول بالرقعة فما شعرتُ حتى عاد ومعه أربع خلع وأربع صررٍ في كل صرةٍ عشرة دنانير، فلبست إحدى الخِلع وعدتُ إليهم. وقيل لأبي الطمحان الشاعر: أخبرنا عن أدنى ذنوبك، اقال: ليلةُ الدير، قيل: وما ليلةُ الدير؟ قال: نزلتُ على نصرانية فأطعمتني طَفَيْشلاً بلحم خنزير، وسقتني خمراً، وزنيتُ بها، وسرقتُ كُساها. قال قتيبة بن مُسلم لقاضي مَرو: بلغني أنك تشرب النبيذ، فقال: نعم أصلحك الله أَشرب منه ما يبل العقل ويُطيب النفس ويغني عن الماء ويهضم الطعام، قال: فما أبقيت منه، قال: أبقيت أخبثه وأرداه؛ الاتكاء على الشمال، ومنادمة الأوغاد والاختلاف إلى المَبال. ومات ابنٌ للعُتبي فجاء بعض معاشريه يعزيه فقال: رحم الله ابنك، فوالله ما حَبَسَ دوراً ولا ردّ تحية ولاتبرم من رطلٍ ولا فرَّ من دعوة، ولا سبق إلى خدر غلامٍ، ولا عربد على جليس، فقال العتبي: والله لقد سليتني عنه. وقال يعقووب بن بشر: كنت مع إسحق بن إبراهيم الموصلي في نزهةٍ فمرَّ بنا أعرابي، فأرسل إليه غلامه زياداً الذي يقول فيه: وقولا لساقينا زيادٍ يُرِقُّها ... فقد هدَّ بعض القوم سَقْيُ زيادِ فأتى الأعرابي فلما شرب وسمع حنين الدواليب قال: حنَّت وليس تحنُّ من وجد ... وأحِنُّ من طربٍ إلى نجد فدموعها تحيا الرياضُ بها ... ودموعُ عيني أقرحت خدي وبساكني نجدٍ كلفت وما ... يغني بهم كلفي ولا وجدي لو قيس وجد العاشقين على ... وجدي لزاد عليه ما عندي

стр. 51

فطرب إسحق وشرب حتى ما مضى إلى منزله إلاَّ محمولاً. وقال إسحق: كنا في مجلسٍ ومعنا مغنية طيبة وعندنا غادي المدني، وكان طيباً حاضر النادرة، فتحركت الجارية فضرطت فتغافلنا فخجلت وقطعت الوتر، فلما سكنت التفتت إلى غادي وقالت: أيّ شيء تشتهي أُغنيك قال: غنِّني؛ يا ريح ما تصنعين بالدمن. فكان خجلها من قوله أشدَّ من خجلها لِما بدر منها ولم ننتفع بها سائر يومها. وخرج إبراهيم الموصلي، وإسماعيل بن جامع إلى روضة معشبةٍ فتغديا وشربا فقال إبراهيم: غنِّني صوتاً خفيفاً ... واسقني سقياً عنيفاً وامزج الكأس بماءٍ ... تلثم الخمر الشنوفا وغنَّيا فيه بقية يومهما. دخل مجنون على محمد بن سلاَّم مولى خزيمة بن خازم عندما قُتل أَبوه وهو كئيب حزين، فقال له المجنون: ما لي أراك مغموماً؟ قال: وكيف لا أغتم، وأخٌ قد قتل، وسلطان جائر، ومكروهٌ يُتوقع، فقال له المجنون: إذا أصبتَ يوماً صالحاً فأسلخ جلده قبل أن يجيء سوم سوءٍ فيسلخ جلدك، فضحك ودعا بالطعام والنبيذ. قالوا: أراد نصراني الانحدار إلى واسط، فاكترى زورقاً مفرداً وجلس فيه وحده، فلما همَّ بالانحدار وثب رجلٌ وثبةً فصار معه، فقال: ما هذا، ما هو زورق كِراء. قال: قد علمتُ ولكن لا بدَّ أن تحملني، فسارا وأخرج النصراني سفرته، فتقدم الرجل، فقال النصراني: إن هذا اللحم لحم خنزير. قال: معاذ الله، لحم خنزير بغداد لا يوجد رطلٌ منه بألف دينار، قال: فإني ذبحته بيدي، قال: تراني أقبل دعواك واندفع يأكل، ثم أخرج شرابه، وقال: هذه خمرة كما ترى، قال: معاذ الله أن تكون خمراً، قال: أنا عصرتها بنفسي، قال: أنت عصرتها بيدك؟ قال: عصرها يهودي، قال: ما يكون إسناد أضعف من هذا، نصراني عن يهودي، نحن نكذِّب أكثر من يروي عن سفيان الثوري،ابي حنيفة، والله لو لم أشربه إلا كياداً لهذا الإسناد الضعيف [لفعلت] . وأخذ الطائف رجلاً صفعان وهو سكران فقال: اصفعوه، فقال وهو يُصفع: هكذا كنا نعمل منذ الغداة، فعلم أنه صفعان فتركه. وكان للضحاك بن مزاحم صديق نصراني، فقال له: ما يمنعك من الإسلام؟ فقال له: حبِّي للخمر، فقال له: أَسلم واشربها، فأسلم، فقال له الضحاك: يا هذا إنك قد أسلمت، فإن شربتها حددْناك وإن رجعت قتلناك، فحسُن إسلامه. قال الموصلي: ضُرب صهيبٌ المدني في الشراب، وكان الجلاَّد قصيراً دميماً فقال له: تقاصر لينالك السوط، فقال: ويلك، إلى أكل الخبيص تدعوني والله لو وددت أني أكون أطول من عوجٍ وأنت أقصر من يأجوج ومأجوج. وقال جحظة البرمكي: خرج عبد الله بن محمد بن عبد الملك الزيات إلى المطيرة متنزهاً ومعه جاريته شَمول، وكانت من المحسنات فاستطاب المكان فأقام به مدةً طويلةً وكتب إليَّ: شربنا بالمطيرة ألف يومٍ ... صبوحاً قبلَ أن يبدو النهار وأفنينا العقار بها جرااً ... فلم يصبح بحانتها عُقار فضج البائعون بها وقالوا ... أُناسٌ يشربون أم البحار هُمُ ناسٌ ولكن أي ناسٍ بصحبة مثلهم خلع العذار وسألني أن أصنع فيه لحناً فصنعته هزجاً وزرته فأقمت عنده أياماً في ألذ عيشٍ وأطيب متنزه، فلما انصرفت وصلني بأربعمائة دينار. وكان الجمَّاز واسمه محمد بن عمرو صاحباً لأبي نواس حتى فرَّق بينهما الدهر، وقيل له: صف لنا أبا نواس، فقال: كان أظرف الناس منطقاً وأغزرهم أدباً وأقدرهم على كلامٍ وأسرعهم جواباً، وأكثرهم حياءً، وكان أبيض اللون جميل الوجه مليح النغمة والإشارة، لا بالطويل ولا بالقصير، حسن العينين والضحك، فصيح اللسان، عذب الألفاظ حلو الشمائل كثير النوادر وأعلم الناس بكلام العرب راوية للأشعار علاَّمة بالأخبار. قال ابن عائشة: مات رجل من أهل الشام فحضر الحجاج جنازته، وكان عظيم القدر فيهم فصلىّ عليه وجلس على قبره وقال: لينزل قبره بعض إخوانه؛ فنزل نفرٌ منهم فقال أحدهم وهو يسوِّي عليه: رحمك الله أبا فلان فلقد كنت، ما علمتُ، تجيد الغناء وتسرعُ ردَّ الكأس، ولقد وقعت بموضع سوء لا تخرج منه إلى يوم القيامة، قال: فما تمالك الحجاج أن ضحك، كان لا يضحك في جدٍّ ولا هزل، وقال للرجل: هذا موضعُ هذا، لا أُم لك، فقال: أصلح الله الأمير، فرسي حبيس في سبيل الله لو سمعه الأمير يتغنَّى:

стр. 52

يا لُبينيَ أوقدي النارا ... إن من تَهْوين قد حارا رب نارٍ بتُّ أرمقها ... تقضمُ الهنديَّ والغارا عندها ظبيٌ يؤرثها ... عاقد في الجيد تِقصارا لأنبس الأمير على سَعَنَة، وكان الأمير يُلقب سَعَنة، وكان أقبح خلق الله صورة، فقال الحجاج: بالله أخرجوه من القبر، يا أهل الشام، ما أبين حجة أهل العراق في جهلكم، فلم يبق أحدٌ حضر القبر إلا استفرغ ضحكاً. وقال سليمان بن أبي جعفر للأمين: لقد صحَّ عندي يا أمير المؤمنين أن أبا نواس زنديق، وشهد عليه جماعةٌ أنه أبرز كأس خمرٍ إلى المطر، فقيل له: لِم فعلت ذلك؟ قال: لأنهم يزعمون أن مع كل قطرةٍ ملك فأنا أشرب عدداً من الملائكة فأمر بحبسه. ودخل الحسن خال الفضل بن الربيع، وكان يتعهد المحبوسين ويشفع فيهم، وكانت غفلة فقال لأبي نواس: ما جُرمُك حتى حُبست في حبس الزنادقة، أزنديق أنت؟ قال معاذ الله، قال: أفتعبد الكبش؟ قال: لا والله ولكن آكله بصوفه، قال: أفتعبد الشمس؟ قال: والله ما أجلس فيها من بغضها فكيف أعبدها؟ قال: أفتعبد الديك؟ قال: لا والله بل آكله، ولقد نقرني ذيكٌ مرةً فذبحتُ من أجله ألف ديك. قال: فلأي شيءٍ حبست؟ قال: لأني أشرب شراب أهل الجنة وأنام خلف الناس. قال: وأنا أيضاً أفعل ذلك، ثم خرج إلى الفضل، فقال: ما أحسنتم جواز نِعَمِ الله، تحبسون من لا ذنب له، سألت رجلاً في الحبس عن ذنبه فقال كذا وكذا، وعرَّفه بكل ما جرى بينه وبين أبي نواسٍ فضحك، ودخل على الأمين فأخبره، فأمر بتخليته، وقال في هذا: يا ربّ إن القوم قد ظلموني ... وبلا اقتراف خطيئةٍ حبسوني أما الأمين فلست أرجو دَفعَه ... عنِّي فمن لي اليومَ بالمأمونِ فبلغت المأمون وهو بخراسان فقال: والله لئن بقيتُ له لأرفعنَّ شأنه، فمات قبل دخول المأمون بغداد سنة أربع ومائتين. ولما بعث المأمون طاهر بن الحسين فظفر بعلي بن عيسى بن ماهان عمل كتباً، فقرأ على المنابر بخراسان معائب الأمين يقول فيها: وإنَّ نديمه وجليسه رجل شاعر ماجن كافر يعرف بأبي نواس استخلصه دون سائر الناس لشرب الخمور وارتكاب المآثم وانتهاك المحارم، ويقوم رجل بين يديه فينشد للحَسَن مثل قوله: ألا سَقني خمراً وقل لي هي الخمر ... ولا تسقني سراً إذا أمكن الجهر وبح باسم من تهوى ودعني من الكُنى ... فلا خير في اللذات من دونها ستر وقوله: يا أحمد المرتجى في كل نائبةٍ ... قم سيدي نعصِ جبار السموات فقام والليل يجلوه النهار كما ... جلا التبسم عن غرِّ الثَّنياتِ وقوله: ما جاءَنا أحدٌ يخبر أنه ... في جنةٍ من مات أو في نار وقال إسحق بن إبراهيم: كان عندي أعرابي له فصاحة، فذكرته للفضل بن الربيع، فقال لي: أرسل به إليَّ، فلما دخل إليه قال: فيم كنتم، قال: في قدرٍ تفور، وكأس تدور، وغناءٍ يصور، وساقٍ لا يحور. وقال بعض الأدباء: رأيت قاضياً يقصُّ ويعظ، ثم رأيته بالعشيِّ في بيت نبَّاذ، فقلت: ما هذا. فقال: أنا بالغداة قاضٍ وبالعشي ماضٍ. ودخل أبو الطيب المتنبي على عليّ بن إبراهيم التنوخي، فعرض عليه كأساً فيها شراب أسود من الدُّوشاب [فقال] : أغار من الزجاجة وهي تجري ... على شفة الأمير أبي الحسينِ كأن بياضها والراح فيها ... بياضٌ محدقٌ بسوادِ عَيْنِ ورآه قد شرب كأس خمرٍ فقال: مرَتْكَ ابن إبراهيم صافية الخمر ... وهُنئتها من شاربٍ مسكرِ السكرِ رأيت الحميا في الزجاجة بكفهِ ... فشبهتها بالشمس في البدر في البحر وكان بدر بن عمار قد تاب عن الشراب مرةً بعد أخرى فدخل عليه أبو الطيب وهو يشرب فقال: يا أيها الملك الذي ندماؤه ... شركاؤه في مِلكِهِ لا مًلكِهِ في كل يومٍ بيننا دمُ كرمةٍ ... لك توبةٌ من توبةٍ في سفكه والصدق من شيم الكرام فقل لنا أَمِنَ الشراب نتوب أم من تركِهِ وشرب عنده ليلةً، فلما أراد الانصراف قال: مضى الليل والفضل الذي لك لا يمضي ... ورؤياك أحلى في العيون من الغمضِ

стр. 53

سلام الذي فوق السموات عَرشُه ... تُخَصُّ به يا خير ماشٍ على الأرض ولما كان في غدٍ عرض عليه الصَّبوح فقال: رأيتُ المدامة غلاَّبة ... تُهيج للقلب أشواقه تُسيء من المرءِ تأديبه ... ولكن تحسنُ أخلاقه وقد مُتُّ أمسِ بها موتةً ... وهل يشتهي الموت من ذاقه وشرب مع أبي محمد الحسن بن عبيد الله وأتى ببخور فقال: أنشر الكباءِ ووجه الأمير ... وحسن الغناءِ وصافي الخمور فداوِ خُماري بشربي لها ... فإني سكرتُ بشرب السرور وشرب عند سيف الدولة كأساً فوصفها، فقال أبو الطيب: ألا أَذّنْ فما أَذكرت ناسي ... ولا لينت قلباً وهو قاسي ولا شُغل الأميرُ عن المعالي ولا عن حق خالقه بكاس قال ابن نوبخن: توفي أبو نواس في منزله فشيعته [وكان] يوم مات يترنم بشيءٍ سألته عنه فأنشدني: باح لساني بمضمر السرِّ ... وذاك أني أقول بالدهر وليس بعد الممات منقلبٌ ... وإنما الموت بيضة العُقر والتفت إلى من حوله فقال: لا تشربوا الخمر صِرفاً فإنها أحرقت كبدي ثم طَفَى. والأُقيشر من شعراءِ بني أسد وحلفائهم وفتيانهم، مدمن للشراب، وكان له حمارٌ يكنيه أبا المضاءِ، يركبه كل يوم إلى الحيرة ومعه درهمان هما قوته لطعامه وشرابه. ومدح قيس بن محمد الأشعث فأعطاه ثلاثمائة درهم، فقال: لا أُريدها جملة، لكن تأمر وكيلك يعطيني كلَّ يوم درهمين، ففعل ذلك، فكانت إذا نفدت أمر له بمثلها. وكان أبو دلامة ظريفاً ماجناً حلو الشعر مدمناً للشراب. دخل على إسحق بن الأزرق وهو عليل وعنده الأطباءُ يصفون له ضروباً من الأدوية، فقال بديهةً: نحِّ عنك اطبيب، واسمع لنعتي ... إنني ناصح من النُّصَّاح لا تعرج على دواءٍ ولكن ... غادِ هذا الكباب كل صباحِ وإذا ما عطشت فاشرب ثلاثاً ... من عتيق في الشم كالتفاح ثم عند المساءِ فاعكف على ذا ... وعلى ذا بأعظم الأقداح فتقويالضعيف منك وتُلفى ... عن قريب أصحَّ كل الصحاح وهذا أبو الشِّيص، نقيُّ الكلام متخير الألفاظ، مدَّاحٌ للخلفاءِ، لاحق بالفحول، يقول الشعر وهو مدمن على الشراب، قال فيها: وكُميتٍ أرقَّها وضحُ الشمس وصيفٌ يغلي بها وشتاءُ طبختها الشِّعري العبور وحثَّتْ ... نارها بالظهائر الجوزاءُ كدم الشادن الذَّبيح إذا ما ... صبَّها في الزجاجة الوُصفاءُ قد سقتني والليل قد فتق الصبحَ بكأسين ظبيةٌ حوراءُ عن بنانٍ كأنها قضب الفضة حنّى أطرافها الحِنَّاءُ وهو الذي يقول: وصهباء لم تفترعها السقاةُ ... ولا استامَها الشربُ في بيت حانِ ولا احتبلتْ درَّها أرجلٌ ... ولا وسمتها بنارٍ يدان ولكن غذتها بألبانها ... ضروع يحفّ بها جدولان إلى أن ترحل عنها [الصبا] ... وأهدى الفُطام لها المرضعان فيا حسنها عند شكِّ البِزال ... يمج سلافتها في الأواني يطوف علينا بها أحورٌ ... يداه من الخمر مخضوبتان وهذا أشجع السُّلمي يقول لصديق له وقد هاجره: ولو كنت العُقارَ فإن روحي ... تعيش إذا تمازجها العُقار لما انصرفت إليك الدهر نفسي ... ولو كانت على الأحشاء نار وكان الرقاشي من المدمنين وهو الذي يقول: وهبتُ للذتي نشبي ... ومني العِرضَ لم أهبِ إذا ما الماءُ أمكنني ... وصفوُ سلافةِ العِنَبِ صببت الفضة البيضا ... ءَ فوق قُراضة الذهبِ فأسبكُ منهما طرباً ... فزُرني تُلفِ ذا طربِ وهو الذي يقول: وسقِّ إخوانك النبيذ على حسن سماعٍ يزيد في الطرب لا تَحْسُنُ الراحُ عند شاربها ... إلا بحسنِ الحديث والأدب ودعا عبد الصمد بن المعذل صديقٌ وكان يشربُ من نبيذ طيِّب بين يديه ويسقي عبد الصمد من نبيذ حامض، فقال:

стр. 54

شربت مدامةً وسَقيتَ خلاً ... لقد جاوزت في اللؤم اللئاما شراباً كان للمقرور دهراً ... فجُرِّع من يُسَقَّاه الحِماما أُشبِّهُهُ بوجهك فهو وجه ... عبوس قمطرير لن يُراما وأما أحمد بن يوسف فأظرف الكتاب وأكمل الناس مروءة وأشهرهم في إدمان الشراب وهو القائل: فأصبحت مخموراً أُحدث عن نفسي ... وما لي علم بالذي كان بالأمسِ سقاني عبيدٌ من يديه ثلاثةً ... وأعجلني فيها ولام على الحبسِ فيا رب يومٍ قد حمدت مساءَه ... وباكرني ذمٌّ له مطلع الشمس فأصبحت قد حدثت نفسي بتوبةٍ ... ويعتادني للهوِ عندي إذا أُمسي ودعا محمد بن هارون بن أبان صديقاً له يوم عَرفة فتأخر عنه فكتب إليه: باكِر الصهباء يوم عرفة ... من عقارٍ جاوزت حدَّ الصِّفةْ بنت حولين إذا ما صفقت ... خِلتَ فيها سُرُجاً مختلفة إنما النُّسك لمن حلَّ (مِني) ... ولِمن أصبح (بالمزدلفة) فاشرب الراح وداهِن كأسها ... لا تكوننَّ قليل المعرفة وعلى دجلة بين حدِّ السَّواد وأرض تكريت دير قديم يعرف بدير الجاثليق، وعنده كانت الحرب بين عبد الملك بن مروان ومصعب بن الزبير، فقال ابن الرُّقَيَّات: لقد أورث [المصريون] حزناً وذِلَّة ... قتيل بدير " الجاثليق " مقيمُ فما قاتلت في الله (بكر بن وائلٍ) ... ولا صبرت عند اللقاءِ (تميمُ) وكان بكر بن خارجة يتعشق غلاماً نصرانياً كان فيه فقال بكر: فبالإنجيلِ تتلوه شيوخٌ ... رهابنةٌ بدير " الجاثليقِ " وبالقربان والصلبان إلاّ ... رثيت لقلبي الدِنفِ المشوقِ أَجِرني، متُّ قبلك من همومي ... وأرشدني إلى نهج الطريق فقد ضاعت عليَّ وجوه أمري ... وأنت المستجار من المضيقِ وكان دعبل بن عليّ يستحسن قوله فيه: زناره في خصره معقودُ كأنه من كبدي مقدود وكان كثير المقام بهذا الدير مشتهراً بالشراب فيه افتتاناً بهذا الغلام النصراني وفيه يقول أُرجوزة مليحة منها قوله: من عاشِقٍ ناءٍ هواه دانِ ... ناطق دمع صامِتِ اللسانِ موثَقِ قلبٍ مطلَقِ الجثمانِ ... معذب بالصَّدِّ والهجران من غير ذنب كسبت يداهُ ... إلاّ هوىً نمت به عيناه شوقاً إلى رؤية من أشقاه ... كأنما عافاه من أبلاه يا ويحه من عاشقٍ ما يلقى ... بأدمعٍ منهلةٍ ما ترقا ذاب إلى أن كاد يخفى عشقا ... وعن دقيق الفكر فيه دقّا لم يبق فيه غير طرف يبكي ... بأدمعٍ مثل نظام السِّلكِ كأنه قطرَ السماء يحكي ... يُخمد نيران الهوى ويذكي إلى غزالٍ من بني النصارى ... عِذارُ خديه سبى العذارى يترك ألباب الورى حيارى ... في ربقةِ الحب له أَسارى ريم بدير الروم رام قتلي ... بمقلةٍ كحلاء لا من كُحلِ وُطرَّةٍ بها استطار عقلي ... وحسنِ دلٍّ وقبيح فعل ها أنا ذا من قدِّهِ مقدودُ ... والدَّمع من خدِّي له أُخدود ما ضرَّ من قلبي به معمود ... لو لم يكدِّر صفوه الصدود يا ليتني كنت له صليباً ... فكنتُ منه أبداً قريبا أُبصر حسناً وأَشمُّ طيبا ... لا واشياً أخشى ولا رقيبا أو ليتني كنتُ له قُربانا ... أَلثُمُ منه الفمَ والبنانا أو " جاثليقاً " كنت أو مطرانا ... كيما يرى الطَّاعة لي إيمانا أو ليتني كنتُ له زنارا ... يدور بي خصراه حيث دارا حتى إذا الليل طوى النهارا ... صرت له تحت الدُّجى إزارا يا ليتني في النحر منه عُوذَة ... أو خمرةٌ يشربني ملذوذة

стр. 55

أو حلة يلبسني مقدودة ... ليست إذا ما أخلقت مقدودة يا ليتني كنت لعمرو مُصحفاً ... أو قلماً يكتب بي ما ألفا من حسن أشعارٍ له قد صنفا ... فإن لي من بعض هذا ما كفى يا للَّذي بحسنِهِ أضناني ... وابتز صبري والضنى كساني ظبيٌ على البعاد والتداني ... حلَّ محلَّ الروح من جثماني واكبدي من خدِّه المضرَّج ... واحزني من ثغره المفلج لا شيء مثل الطرف منه الأدعج ... أذهبُ للنُّسك وللتحرج إليك أشكو يا غزال الأُنسِ ... يا من هِلالي وجهُه وشمسي ما بي من الوحشة بعد الأُنسِ ... لا تُقتل النفسُ بغير النفسِ ها أنا في بحر الهوى غريق ... سكران من حبَّك لا أُفيق محترقٌ ما مسني حريقُ ... يَرحمني العدوُ والصديقُ ويقول فيها: يا عمرو ناشدتُك بالمسيح ... ألا سمعت القول من نصيحِ يُعرب عن قلبٍ له قريح ... ليس من الحبِّ بمستريح يا عمرو بالحق من اللاَّهوت ... والرُّوح روح القدس والناسوت ذاك الذي قد خُصَّ بالنعوتِ ... النطق في المهد وبالسكوتِ بحقِّ من في شامخ الصَّوامع ... من ساجدٍ لرَبِّهِ وراكِع يبكي إذا ما نام كلُّ هاجع ... خوفاً من الله بدمع هامِع ثم يقسم عليه بكل قسمٍ يعرفه النصارى ويقول: إلاَّ نظرتَ يا أَمير أَمري ... محتسباً فيَّ عظيمَ الأَجر منافع الأشربة ومضارُّها على مذاهب الفلاسفة قال يحيى بن ماسويه: نبيذ الزبيب في جميع الأشربة المتخذة من الكرم يغدو غذاءً محموداً. كما قال " أبقراط "؛ الشراب ينفع من الأوجاع الحادَّة التي تكون من الدم الغليظ لأنه يقوِّي الأعضاء ويقوي الحرارة الغريزية ويهضم الطعام ويسخِّن المعدة ويحسِّن اللون بتوليده دماً صحيحاً محموداً، فإن شئت النبيذ بالماء البارد برِّده لإيصاله إلى الأعضاء الداخلية بلطف حرارته، ولذلك قال جالينوس: النبيذ يغدو غذاءً محموداً إذا شُرب منه بمقدار تنقيته الأوساخ من البدن وتحليله بلطافته الأخلاط الغليظة وفتحه ما في العروق من السُّدد، ولا يدع خلطاً ينعقد في البدن. والأحمر منه يولِّد دماً كثيراً، وكلما اشتدت حمرته وغلظ كان توليده للدم أكثر فعلاً، وما كان منه عفصاً، كان توليده للدم أقل من توليده إياه، وأقل الشراب غذاءً ما كان في بياضه يشبه الماء، وكان لطيفاً فلا يغذو ولكنه يدرُّ البول. والنبيذ العتيق الذي قد أتت عليه السنون يا بس في آخر الدَّرجة الثانية حار في الدرجة الثالثة. فإذا ما أتت عليه سنة فهو حارٌ في الدرجة الأُولى يابسٌ ويُبسه أقلّ. والطريُّ منه يولد نُفَّاخاً وهو عسير الانهضام مدرٌّ للبول. وما أفرط عتقه أضرَّ بالعصب والحواسِّ لحرارته ويُبسه ويضرُّ بالمحرورين وإقلالٌ منه أصلح من الإكثار. وأحمدُ الشراب لكل الناس وفي جميع الأوقات ما توسطت حاله بين العتيق والحديث. وينبغي أن يُمنع منه الأطفال لضعف أدمغتهم وعصبهم. والأبيض اللطيف منه سريع النفوذ في البدن مدرٌ للبول محلِّلٌ للبخار الذي ليس بمحسوس، والأسود من النبيذ بطيء في المعدة عسير الانهضام سريع الإسكار لغلظه وكثرة تبخيره إلى الرأس، إلا أنه إذا انهضم انهضاماً جيداً غدا غذاءً كثيراً. والحلو منه كثير النفخ بطيءُ الانهضام يولد قراقر ونفخاً في المعدة والمِعاء، مُليِّنٌ للطبيعة، دافع للفضول المنحدرة إلى المعدة.

стр. 56

ومن كتاب روفس في الشراب ترجمة قسطا بن لوقا قال: إن النبيذ يهضم الطعام هضماً جيداً ويزيد في جوهره، وهذا الفعل إنما يكون بالحرارة، وليس يوجد شيءٌ يُعين الحرارة ويوقدها غيره إذا كان ملائماً لها خاصياً بالطبيعة، وإن أنت غذيت رجلين غذاءً واحداً، وجعلت شراب أحدهما الماءَ والآخر النبيذ، وجدتَ بينهما من الاختلاف في مقدار الحرارة بوناً بعيداً. وإذا انهضم الطعام في المعدة وسائر أعضاء البدن انهضاماً جيداً كان ذلك معيناً على دولم صحة البدن بقوة وزيادة. ولما كان النبيذ يزيد في الحرارة الغريزية والدَّم جميعاً، زاد لون البدن عند شربه إشراقاً وحسناً. ويرى أن تقوية النبيذ وتغذيته ليست تخص البدن دون النفس لأنا قد نجد من شرِب سريع الحركة إلى الأعمال بسهولة من غير أن ينالُه تعب ولا إعياء، وكذلك [من] أصاب منه عند الحرب كان في نفسه حرباً وفي أعضائه قوياً.

стр. 57

وأما ما يفعله النبيذ في النفس من الطرب والفرح والسرور والنشاط وتنسية الأحزان، وتسلية الهموم، فليس إلى ذكره حاجةٌ لأن أحداً لا يجهله. ومن فضائله العجيبة أنه موافق للناس جميعاً في الأسنان والأزمان والبلدان كلها. وينبغي أن يعطى منه الأطفال والصبيان بقدر احتمالهم وفوق ذلك، للأحداث والشباب والكهول، فأما الشيوخ فليس يوجد شيءٌ أعونُ على سلامتهم وصحة أبدانهم منه، إذ كانت حاجتهم إلى ما يسخنهم شديدة. وأما الصبيان فيحتاجون إلى ما يفيدهم حرارته إذ كانت الحرارة لم تبلغ فيهم نهايتها. فأما من كان في نهاية الشباب فإن النبيذ يُلائمه بمشابهته إياه وزيادته بجوهره في جوهره. ومثل هذا القول، في الأزمان، لأنا لم نر طبيباً يطلق شربه في الصيف ويمنع منه في الشتاء، ويأمر باستعماله في الخريف ويأباه في الربيع إلا أن يكون ذلك في الزيادة والنقصان والكثرة والقلة على سبيل الاستظهار والتوقي. والمواضع الباردة يحتاج أهلها إليه ليسخنهم. [و] المواضع الحارة يحتاج [أهلها] إليه ليرطبهم إذ كانت شدة حرارة البدن تيبسهم، والنبيذ يقوم مقام الطعام لمن كانت له الشهوة الكلبية فإنه يأكل دائماً ولا يشبع، فإن سُقي النبيذ أعان على شبعه وذهب بجوعه. وأما العطش الشديد المفرط الذي لا يقطعه الماء، فإن النبيذ الممزوج بالماء يقطعه ويذهب بغلظ الماء وكذلك إن كان الماء رديئاً لم يوجد شيءٌ يصلح رداءَته وفساده أقوى فعلاً من النبيذ. وكذلك من يسكن السِّباخ والمواضع اللثقة العفنة الرديئة المياه، ليس لهم أنفع من أن يمزجوا مياههم بالنبيذ ويشربوه، وكذلك الذين مياههم مالحة أو فيها آفات تفسدها. فأما المياه الباردة ومياه الثلوج فإنها مضرة، شديدة إن هي شُربت مفردة من غير أن تُمزج بالنبيذ لأنها تولد انفجار عروق الصدر ونفث الدم ووجع البطن وتشنجاً وضيق نَفَس [و] فالجاً، فإذا خالطتها حرارة النبيذ مع ما تفيدها من الذلة، مُنع أذاها وضُرُّها. والإكثار في النبيذ يجاوز الرجل فيه مقدار طاقته يلزمه الخطأ في رأيه والضعف في بدنه فتقبح أفعاله ولا يحمده جميع من يحضره. والشرب الكثير للنبيذ والتمادي عليه يورث في الجسم أمراضاً كثيرة منها الداء المعروف ب (الماخوليا) ، والوساوس السوداوية، ويخفق منه القلب ويذهب بالمروءة ويتلف المال. فإذا شرب بقصدٍ بين القلة والكثرة كان محموداً. وينبغي لشارب النبيذ أن يفتقد نفسه وبدنه فمتى أنكر رأيه وفكره وحركات بدنِهِ وقوته أمسك عن شربه ولم يتماد فيه حتى يبلغ السُّكر، لأن السكر إنما يكون من بخاراتٍ نيةٍ غير نضجة ترتفع إلى الدماغ فتستره كما يستر السَّحاب الشمس فتحول بينه وبين عقله. وكانت الفرس تشرب عند المناظرات والمشاورات والمفاوضات في الرأي والتدبير. أما اليونانيون فإنه يستعملونه عند ضرب العيدان والغناء وإنشاد الأشعار ليعلموا مبلغهم من الفكر والتمييز وقوة البدن، لأن من شربه منهم لا يحمل نفسه على ذهاب عقله ونهك بدنِهِ بل يشربه بمقدار ما يقطع العطش ويولِّد الطرب والسرور وينفي الهموم ويُنسي الأحزان، فإذا جرى النبيذ هذا المجرى انتفع به البدن منفعةً كبيرةً لأنه على هذه الحال ينقي المثانة ويجلو العروق وينضج ما كان نِياً فَجاً فيهضمه ويحلله إلى خلطٍ جيِّد محمود. وينبغي أن يتوقى شربه في حالٍ يبلغ خطل (الرأي) والمنع من القيام بحق الله في فرائضه. وأن يُريد منزلة فلا تهتدي إليه مع سوء العاقبة في العلل المزمنة والأمراض المردية. ويجب أن يستعمل الاستحمام بالماء الحار ويتوقى طول المكث في الحمام لأنه يُخِل البدن ويضر بالرأس، وكثير من الناس يرى أن طول المكث في الحمام وإخراج الكثير من العرق يجلي العروق فيعين ذلك على الإكثار من الشراب، وذلك أضر الأشياء لمن شرب النبيذ. ويجب ألا يكون شربُهُ بالمبادرة والسرعة، بل بتؤدةٍ وأمانٍ وأناةٍ من غير تعبٍ بتصرف أو مشيٍ وغير ذلك. ويجب لأصحاب النبيذ ألا يأكلوا طعامهم في أكلة واحدةٍ، فإنهم يكثرون من الطعام، وإذا خفف أحدهم في غدائه وجعل تمامه في عشائه كان ذلك عوناً له على الشرب وزائداً فيه وأما النقل فإنه يبقى في المعدة غير منهضم ويُولد رياحاً وصداعاً فإن نال منه القليل كان مستدعياً لشرب النبيذ، فاتحاً للشهوة.

стр. 58

وقال جالينوس: أوفق الشراب كله لتوليد الدم ما كان أحمر غليظاً فإذا مزج يسيراً ينقلب فيصير دماً. وأما الشراب الأسود الغليظ فيولد دماً غليظاً، وأقل أنواع الشراب كلها غذاءً ما كان لونه أبيضَ وقوامه رقيقاً وكان شبيهاً بالماء. والشراب الغليظ أكثر غذاءً من الرقيق. والشراب الحلو أسرع انهضاماً في المعدة من الشراب القابض وأسرع نفوذاً إلى الكبد وإلى سائر الأعضاء لأن قوته أسخن. وما غلظ من الشراب كثيراً فهو أبطأ انهضاماً ونفوذاً إلى الكبد وإلى الأعضاء إلا أنه إن صادف معدةً لها فضل قوةٍ حتى ينهضم على ما ينبغي، غذيّ البدن غذاءً كثيراً. وقال إسحق بن عمران في النبيذ المطبوخ من الزبيب، إنه دواء. وقال في النبيذ النقيع إنه يغذي البَدَن كاللبن للمولود وبخاصةٍ للشباب والصفراويين، وغذاءُ كل شراب بمقدار غلظه، وأوفق الأغذية للبدن الضعيف الشرابُ الحلوُ، ولا سيما لمن لم يكن في كبده ولا طحاله ولا كلاه آفةٌ وأوفقها لما كان في عروقه خلطٌ. وما كان من الشراب طيبَ الرائحة فالدم الذي يتولد منه أجودُ. والشراب اللطيف أعون على إدرار البول. وينبغي أن يجتنب من الشراب ما كان غليظاً كريه الطعم قابضاً لأنه أردى غذاءً. والأشربة القابضة لا تولد دماً محموداً وإن كانت قد تقوي المعدة إذا استرخت وضعفت، وكذلك البطن لا سيما إذا كانت علة البطن والمعدة من مزاجٍ حار، وإنما تستعمل الأشربة القابضة عند الحاجة إلى حبس البطن المنطلق، وأما في غير ذلك فلا ينبغي لأنه ليس بجيدٍ لنفوذ الغذاء ولا لتوليد الدم ولا لجودة الغذاء ولا لدرور البول وخروجه، ولا لإطلاق البطن. وما كان من الشراب أصفر يضرب إلى الحلاوة طيِّب الرائحة، فلا ينبغي أن يشربه من كان الغالب عليه المرار ولا من أصابه حرٌّ أو تعب أو اغتم، ولا في الأوقات الحارة والبلدان الحارَّة. وهذا الشراب الأصفر جيِّد التسخين لمن كان الغالب عليه البرد والبلغم والمزاج البارد، ولمن في بدنه أخلاطٌ نِيَّة ولِمَن شأنه السكون والخفض في البلاد الباردة، وفي الشتاء والهوى البارد. وينبغي أن يجتنب من الشراب ما عتق حتى صار مُراً فإنه يسخن أكثر مما ينبغي، والشراب الحديث جداً لأنه يسخن ولا يُمري الطعام، وهو بطيئ الانحدار، بطيء النفوذ، وليس يُدرُّ البول ولا يعين على توليد الدم ولا يغذي البدن لبقائه في المعدة مدةً طويلةً طافياً في أعلاها مثل الماء. فإن شرب منه قليلاً أسرعت إليه الحموضة، ومن كان مزاج بدنه مفرط الحرارة، فشرب الماء أوفق له من شرب الشراب، فإن احتاج إلى الشراب شرب منه ما كان رقيقاً معتدلاً فيه قبض. وما كان من الشراب الحلو صافياً وكان لونه إلى الصفرة والحمرة الناصعة، ولَّد دماً متوسطاً بين اللطيف والغليظ. وأما الغليظ الأسود فيملأ العروق دماً غليظاً، والشراب الأبيض اللطيف يقطع الأخلاط الغليظة وينقي الدم ويخرج فضله في البول. والشراب الغليظ الحلو إذا خلط بشيءٍ من الأدوية المطلقة نفع أصحاب العِلل التي في الصدر والرئة إذا لم يكن فيه قبضٌ. وقال أبقراط: إن الخمر الحديثة أغذى وأعون على تليين البطن من العتيق. والشراب العطري الطيِّب الرائحة أغذى وألطف وأنفذ مما لا رائحة له. وأما دياسقوريدس فإنه قال: إن الشراب العتيق يضر بالعصب وسائر الحواس فينبغي أن يحذره من كان به شيءٌ في هذه الأعضاء، وأما الأصحاء، فإن شربوا منه المكسور بالماء لم يضرهم. وأما الحديث فنافخ عَسِرُ الانهضام يولّد أخلاطاً رديئة ويكثر البول. والمتوسط بين العتيق والحديث أفضل إذ لا مضرة فيه. وأما الشراب الأبيض الرقيق فإنه سريع الانهضام والنفوذ. وأما الشراب الأسود فإنه أبطأ انهضاماً ونفوذاً. وما يعرض منه في السُّكر أشد وغذاؤه أكثر ويزيد في اللحم. والأحمر الناصع متوسط بينهما. والشراب الحلو الغليط نافع للمعدة والأمعاء، مطلقٌ للبطن، وسكره أقلّ وهو نافع للكلى والمثانة. والشراب العَفِص يشُدُّ البطن ويدر البول ويصدِّعُ الرأس ويسكره. والشراب الذي فيه قبض هو معتدل سريعثالنفوذ مقوٍّ للمعدة مُهيج لشهوة الطعام صالح للغذاء، للغذاء، جالبٌ للنوم محلِّلٌ للنفخ ويحبس الاختلاف ويقطعُ العرقَ الذي يكون من ضعف القوة.

стр. 59

وقال هيوفراطيس: الشراب دواءٌ من الأوجاع الحادة التي تكون من الدم الغليظ لأنه يقوي الأعضاء ويحيي الحرارة الغريزية ويهضم الطعام ويسخِّن المعدة ويحسن اللون بتوليده الدم الصحيح المحمود، فإن شرب النبيذ بالماء برد لإيصاله إياه إلى الأعضاء الداخلية بلطف حرارته. وقال جالينوس: إن الشراب يغدو غذاءً محموداً إذا شرب بمقدار، لتنقية الأوساخ من البدن وتحليله بلطافته أخلاطهُ الغليظة، وفتحه ما في العروق فإن النبيذ لا يدع خِلطاً غليظاً ينعقد في البدن، والأحمر منه يولِّد دماً كثيراً، وكلما اشتدت حمرته كان في توليده الدم أثر فعلاً. وأما شراب العسل فيغذو ويهضم ولا سيما إذا كان حلواً ولا يفعل ذلك إذا كان عفصاً أو مراً. وأَحْمَدُ الشراب لكل الناس وفي كل الأوقات ما توسطت حالته بين الحديث والعتيق، وهو نافع لصاحب المِرةالصفراء، لأن الشراب يزداد حراً ويبساً على مرور الدهر وليلق [صاحب الصفراء في شرابه التفاح والسفرجل والورد وليُكثر مزاجه، وليلق صاحب البلغم] في نبيذه المصطكي والحلبة ويتجنب الأشربة الحلوة الغليظة التي ليست بصافيةٍ ولا رقيقة فإنها تورث السَّدد. ونبيذ الزبيب المتخذ مع العَسَل يجفف المعدة والأمعاء، وفعله كفعل المطبوخ فيه صلاحٌ للرطوبات العارضة للبدن، فإن عتَّق المطبوخ كان أقوى فعلاً. ونبيذ الزبيب المطبوخ أخفُّ وأقل رطوبةً من النقيع وأَنفع لأصحاب البلغم. والنبيذ النقيع أنفع لأصحاب الصفراء من المطبوخ لرطوبة الماء الذي معه. وينبغي لمن أراد الإكثار من النبيذ أن يأكل من الطعام ما خفَّ وليُقللْ. فإن كان محروراً أكل السَّمك الطَّري، وإن كان صاحب بلغم فيأكل اللحم المتَّخذ بالكرنب، والكرنب نفسه معينٌ على الإكثار من شراب النبيذ وليس بمحمودٍ لتوليده السوداء. وكلما انتقل على النبيذ ولَّد على الكبد والعروق والمفاصل سُدداً إلا أن المحرور يمصُّ الرمَّان الحلو. ومصُّ الرمّان نافع من الالتهاب الذي يكون في الكبد من شرب النبيذ. وعصير ماءِ الرمان بقشرِهِ الداخل يسهل المُرَّة الصفراء ويقوي المعدة ويشد الثّات. ومصّ السفرجل العذب والتفاح المرّ والأجاص اليابس ينقيّ جسمه. ومص السفرجل يمنع من بخار النبيذ أن يترقى إلى الدماغ. وليس ينبغي أن يكثر من مصِّه لئلا يُخرج ما في المعدة قبل هضمه، لأن السفرجل مسهل للطبيعة بعصره، وإن أراد عقل طبيعته فليأكله قبل طعامه وليؤخر أكل الطعام إلى أن يتمكن فعل السفرجل من معدته. وأحمدُ النَّقل لأصحاب البلغم اللوز المرّ والسفرجل والفستق المملح ولا سيما إذا أراد تفتيح السُّدد وجلاء ما في المعدة والكبد. قال محمد بن زكريا الرازي: منافع الشراب عظيمة منها إمداده الحراة الغريزية ونشره لها في أقطار البدن بأوفق وأصلح من جميع الأغذية وذلك أنه يبعث إلى المغشي عليه الغذاء بسرعة فيرد قوته وينعشه ويدفع ضرر السموم التي خاصيتها تجميد الدم وإطفاؤه للحرارة الغريزية كالأفيون والسيكران ونهش الأفاعي ولدغ الحيات وما أشبه ذلك لأن مادته موافقة لاغتذاء الحرارة الغريزية التي بها قوام الحياة وله مع ذلم ما ليس لشيء من الأغذية من طرد الفكرة الباطلة وبسط النفس وشرحها، حتى أنه من أعظم علاج [المالخوليا] إذا استعمل على ما ينبغي، وهو سبب لجلب النوم اللذيذ فيصير ذلك سبباً لجودة الهضم وتوليده للدم الغريزي الكثير وإخصابه البدن وتحسينه اللون والذبول والهرم والإبطاء به، وهو يفتح السُّدد والمجاري وينفِّذ الفضول حتى يبرز من البدن بسهولة النجو والبول والعرق ويقوِّي جرم المعدة وتسخينها، ويسخِّن الكبد ويمنع عظام الطحال ويلطف. وكثيراً ما يدفع المِرار الأصفر في البول، ولا سيما إذا كان في جنسه رقيق القوام وأكثر مزاجه فيكسر عاديته في البطن والكبد حتى لا تكون له حِدَّة ورداءة.

стр. 60

قد ذكرنا من منافعه هذه الجملة فينبغي أن نذكر جملةً من مضاره لئلاَّ يحملَ الجاهلُ على الانهماك به. ومن مضارِّه العِظام الإضرار بالدماغ والعصَب إذا أدمَنَ [شاربه] ، ولا سيَّما إذا كان الشارب ضعيف العصب أو متهيئاً للأمراض الكائنة من ضعف العصب والدماغ، فإن إدمان الشرب يوقعه في الفالج والرعشة سريعاً، وقد يوقع بعضهم في الهذيان والوسواس، ويجلب أيضاً إحماء الكبد وورمها والحمَّيات الحارة والصداع والرمد والأورام والجرب والخوانيق والشوصه ونحو ذلك من الأمراض التي تحدث من حدَّة الدم أو من كثرته. وذلك أن الشراب في الجملة يزيد في الدم وفي سخونته وحدته لا سيَّما إذا كان المزاج متهئياً لذل. وقال: يحتاج إلى شرب الشراب ضرورة من إذاا لم يشربه أبطأ هضمه وتجشأ جُشاءً حامضاً وقلت شهوتُهُ للغذاء. وإذا شرب الماء ثقل عليه، وثقل الطعام في جوفه وكثر النفخ والقراقر في بطنه، فإذا أمسك هؤلاء عن الشراب وقعوا في الأمراض الباردة. ويحتاج إلى تركه ضرورة من إذا شرب وحمي جسده أصابه صداعٌ أو عطش شديد وتجشأ جُشاء دخانياً وخمر عليها خُمارارً شديداً وأصابه الغشي وسقوط الشهوة وفساد الطعام في معدته، فأما شربُه للسُّكر فلا خير فيه فإنه لم يعقب قط إلا مضَّرة أو علة عظيمة كالسكتة والاختناق وفساد الكبد والرعشة والفالج ونحو ذلك، فأما السَّكرة، تقع في الأيام الكثيرة ولا تكون مع ذلك مفرطة جداً، فإنها تنفع في الأكثر لأنها تفتح مجاري الدم وتذيب خلطاً منعقداً أو جامداً وتنشر الحرارة الغريزية وتدفع الفضول غاية الدفع فيكون ذلك سبباً لدفع الأمراض الباردة ولانفتاح المجاري والمسام وذلك ينفع في حفظ الصحة. وأحوج الأسنان إلى استعمال الشراب المشائخ، وذلك أن أبدانهم تبرد وتجف والشراب يسخنها ويرطِّبها، ونومهم قليل فالشراب يُعينهم ويذهب عنهم الحكة التي تعتري المشايخ في أجسادهم لترصيقة لجلودهم وتوسيعه مسامهم وتجويد هضمهم. ويمنع سرعة الهرم ويدفع عنهم النزلة والزكام والسُّعال الذي لا يزال يعتريهم ويبسط من أنفسهم. وهم بالجملة أحوج الأسنان إليه وأكثرهم عليه سلامة من الكهول والشيوخ ولا سيمَّا من كان منهم حارَّ المزاج ملتهباً فإنه يُحمي كبده ويكثر صُداعه ويسقط شهوته، فالماء لهم أوفق من الشراب، فأما الصبيان فغير محتاجين إلى الشراب.

стр. 61

فأمّا الصيف كلّه فليشرب فيه رقيقه ويكثر مزاجه ويتنقل الفواكه الحامضة ويشرب السَّكنجبين الساذج الحامض بعد الإفاقة منه، ويُتوقى السُّكر في هذا الزمان فإنه يجلب الأمراض الحادة. وأما في الخريف فيستعمل العتيق منه بمزاجٍ كثيرٍ، وإن كان حديثاً فليختر أرقه. فإذا برد أول النهار وآخره، فأصلح الشراب له ما يطيب نفسه، فإن ذلك أمانٌ من التسكير والقشعريرة. وإذا جاء الشتاء فليكن الشراب أقوى وأكث مقداراً مما يستعمل في سائر الأزمان، فإن الأبدان تحتمل في هذا الزمان ما لا تحتمل في غيره. ليس للخُمار فيه سورة، والخمار في الصيف داءٌ، وفي الشتاء دواءٌ. وأما استعمال الشراب بحسب مزاج الأبدان، فالبدن النحيف أحوج الأبدان إليه، ولكن يكثر المزاج ويجدد القُوى، واللحيم من الأبدان، أقلها حاجةً إلى الشراب، فقد يعتريها منه حمأٌ وأمراض حادة، وأما الشحمية فتحتاج إلى المقدار اليسير من الشراب القويّ الصِّرف منه ويضرهم المزاج الكثير ويؤديهم إلى الأمراض البلغمية. وينبغي أن يُجتنب الشراب بعقب الخروج من الحمّام سريعاً، وبعقب التعب إلا بعد ساعتين وأكثر، وبعقب الصُّداع والرَّمد والزكام والتثاؤب والتمطِّي، وعند الغضب وهمِّ النفس المفرط، وبعقب كثرة الجماع وطول السهر وإسهالٍ عنيف ولا يُكثر حين يَسْكر، وبعقب أخذ الغَسْل أو الرُّطب أو الدواء أو غذاءٍ حادٍّ حريف ووجع لا يُعرف سببه. وأوفق الأحوال له إذا كان البدن هادئاً ساكناً في حركاته الجسدانية وهمومه النفسانية، وفي حال نشاط النفس وانشراحها وشوقها إلى الطعام الذي يتقدم الشراب، وينبغي أن يشرب المحرورون والشباب، في الأزمان الحارة، على الأطعمة الباردة الحامضة، مثل ما أُتخذ من ماء الحِصرم وماء الرمان والسِّكباج ونحو ذلك. ولا ينبغي أن يخلو هذا الطعام من لدونة أو دهن، وليكن الطعام في الشتاء للمبرودين، الأغذية التي معها أدنى حرارة كاللفتية والكرنبية والمغمومة الكثيرة البصل والمطجنات والمالح ونحو هذا. ولا يشرب على طعام ليس فيه دسم كمن يقتصر على الخبز والزيتون والكوامخ والسمك المالح فإن ذلك رديء جداً يودع العروق أخلاطاً رديئة تفسد الدم، وأضر ما يكون ذلك بالأبدان النحيفة. والنقل لأصحاب الأبدان النحيفة، السفرجل المز والرمّان الحامض والأُترج، وأما الحصرم فيفسد الشراب في المعدة ويمنعه من النفوذ إلاّ أن يُقل منه، وأما أصحاب الأبدان المعتدلة فالرمّان والسُّكر الطبرزد الأبيض واللوز المقشَّر. وأما المشايخ والمبردون، فالفستق وحبّ الصنوبر وبزر الكتان والسمسم المقلو والجوز والكعك. وأما العشاء على الشراب فإنه في أكثر الأمر مضر إلا أن يكون الطعام قبله قليل المقدار أو رقيق القوام سريع النفوذ. ولكن لا ينبغي أن يشرب بعد الأكل والعشاء البتة. فإن كان، وحدث في البطن قراقر ونفخ وغثى فليبادر إلى القيء وطول النوم والإمساك عن الطعام ثم الاستحمام بعد ذلك وتلطيف الغداء وترك الشراب. وأما الطيب على الشراب فمن كان محروراً وافقه اشتمام الصندل والكافور وماء الورد. والبخور ليس بموافق لمن يُسرع إليه الصداع، ومن كانت به الرعشة نفعه شم الغالية والمسك على الشراب، وذلك أضر الأشياء لمن يتأذى بالشراب، والبخور بالجملة يملأ الرأس ويسرع السِّكر ويسقط شهوة الطعام، وأما الجِماع فمضرٌ في أكثر الأوقات وعظم ضرره بمن يعتريه النِّقرس وأوجاع المفاصل وضعف العصب فإنه يجلب التشنج، وبحسب بطء إنزالهم وجَهدهم أنفسهم في ذلك، يكون قد ضررهم ولا سيما إن كان في نهاية السُّكر، والبطن ممتلئ يتخضخض فيه الشراب. وأما إذا كان على تناول شيءٍ من الشراب مع خفةٍ في البطن فليس بضارٍّ إلا أصحاب الأبدان النحيفة، لأن الجماع يضر بهم ليبس أبدانهم، فإن فعل فبعد مداعبةٍ طويلة ليسرع إنزاله وليستلق بعده على قفاه ساعة ثم يتطهر بالماء البارد إن لم يكن في زمانٍ بارد، وإلا فالماء الفاتر.

стр. 62

وأما المُغرى بالسكر، المسرف فيه الذي إذا صحا اغتَّم ولزمته كآبة وحزن حتى يبادر إلى الشراب، فينبغي أن يشتغل بأشغال اضطرارية تمنعه من الشراب، ويتدرَّج في ذلك لأنه لا يطيق الإقلاع عنه ضربةً [واحدة] وتعرض له على ذلك أعراض قوية صعبة تؤدي إلى أمراض رديئة، والموت فجأة، والاختناق والسعلة، فإذا رأيت السكران قد اربدَّ وجهُهُ ودرَّت أوداجه واحمرَّت عيناه وضاق نفسه بعد الشرب بأقداح كبارٍ فاعلم أنه مشرف على الاختناق، فليُقطَع عنه الشراب، فإن نقصت الأعراض دلَّ على خير، وليمتنع من النوم ليلته تلك إلى [أن] تسكن الأعراض. فإن تزيَّدت فليفصد في كلتا يديه، وليخرج من الدم إلى أن يغشى عليه، وليمتنع أيضاً من النوم ليلته تلك، فإنه بذلك يسلم من الاختناق. وأما إذا رأيت السكران قد قلَّت شهوته للطعام، فليدرج على تقليل الشراب وأكل الأغذية الرطبة في كل ساعةٍ حتى ينال منها الكثير إلى أن يعتدل ويعود إلى حالته الطبيعية، وإلا فقد وقع في الدِّق والذبول والسهر والوسواس، ومتى رأيت السكران قد بدت به عند الصحو بلادة أو ثقل لسانٍ أو رعشة أو اختلاج في البدن، فليقطع الشراب البتة وليتجنب الحمام وليشرب الماء البارد ويغتسل به، ويلزم الأغذية التي تُسخن وتجفف كالقلايا بالزيت والتوابل فبذلك يسلم من السكتة والفالج ونحوهما من أمراض الدماغ والعصب. والعرق من الشراب أنفع للبطن وأضر بالرأس والممزوج أوفق لمن يسرع إليه الصداع. والصِّرف في الأبدان والأزمان الباردة الشديدة البرد والكثيرة الرطوبة أنفع من الممزوج ومضرة الصِّرف في الصيف أشد، ومضرة الممزوج في الشتاءِ أشد، لنفع الصِّرف في الشتاء والكثير المزاج في الصيف. ولا ينبغي أن يتعرَّض للصِّرف من به صداع أو ضعف دماغ في العصب والعين أو حدة في الكبد، ومن تسرع إليه الحميات والخراجات. ومن لم يجد عند الطواعين وكثرة العفونة في الهواء فإن الصرف في هذه الأحوال شيءٌ قاتل. والصِّرف نافع لمن يحتاج إلى ترطيب بدنه كالناقهين والمسلولين، والكثير المزاج ضارٌ لأصحاب القولنج والطحال وتقطير البول وما أشبه ذلك. ويحتاج إلى إدمان الشراب من لا يستمرئ طعامه إلا عليه، وإذا فارقه تجشأ جُشاء حامضاً وكثرت به القراقر والنفخ والرياح فإن هؤلاء متى لم يدمنوا الشراب نما هضمهم وانطلقت طبائعهم انطلاقاً رطباً وأداهم ذلك إلى فساد المزاج. وأما الذين تحمى أكبادهم إذا شربوا وإذا امتنعوا منه أياماً كثيرة لم يجدوا في هضمهم نقصاً ولا اعتراهم النفخ والقراقر ويجدون عند تركهم، أبدنهم أقوى، وحركاتهم أخف فاغتيابهم عنه أفضل، ويؤمر بعد اليوم الذي يشرب فيه الشراب بشرب الماء. ويُسرع بالسكر قلة الطعام وقرب العهد بالحمام وبالتعب وبالمشي المفرط أو شربه على أغذية كثيرة التبخير إلى الرأس كالباقلاء والبصل والثوم أو طعام يكثر فيه الزعفران أو سائر الأفاويه الحارَّة أو البخور العودي الذي يملأ الرأس كالعود والندّ وريح القار أو الكبريت. ومما يُسكر السُّكر القويَّ، الشراب الذي نُقع فيه العود الهندي والسَّعدي والقرنفل، ومن أحبَّ أن يبطئ بالسكر ويستكثر من الشراب فليكن عهده بالنوم الطويل قريباً، وليأكل من الأغذية اللدنة مقداراً معتدلاً وما يضادّ الشراب كالكرنب وما اتخذ من الطعام بالحصرم وبحماض الأُترج، ويتنقل باللوز المُرّ. ويشتم الصندل والكافور وماء الورد، ويشرب من الماءِ البارد بين الأقداح إن لم تنضر معدته.

стр. 63

ومما يُفيق من السكر تجرُّع الخلّ والشرب منه وصبّ الماء البارد على الرأس والشرب منه. ومما يقطع ريح النبيذ هو السعدى إذا مضغ وابتلع ماؤه والكسفرة الرطبة واليابسة والباقلا والكبابة وشرب الخل والأخذ من حب المسك ومصّ الكرفس والتمضمض بماء الورد وشرب السكنجبين، والشراب المطبوخ أشد إسخاناً وتخفيفاً للبدن، فهو موافق لمن احتاج إلى هذا وكذلك المشمش، إلا أنه ضارٌ لأصحاب الأبدان الملتهبة، يسرع إليهم بالحميَّات ويُسرع بالدم إلى العفونة ويصدِّع بسورته، لكنه نافع من الرياح والنفخ والقراقر وتبلغ حرارته إلى الأعضاء البعيدة بغوصه ولطفه. ويطيب ريح العرق والبول والنجو ولا يضر بالنكهة كالشراب. وأما نبيذ الزبيب فهو أشد لتقوية المعدة وأقل إسخاناً وأكثر غذاء من الشراب. والدم المتولد منه أغلظ وأفرط في الاستحالة إلى السوداء، وأنفع لأصحاب الذرب وضعف المعدة. ومن يلتهب من الشراب فالمطبوخ والعسل يزيده إسخاناً وقوةً وصعوداً إلى الرأس، وهو يُدر البول ويسخن الكُلى والمثانة ويخرج منها الفضول والحجارة ويصلح الصدر والرئة، وأما نبيذ العسل فقويّ الإسخان سريع الاستحالة إلى المرار الأصفر، ضارٌ بصاحب المزاج الحارّ ويصلح للمشايخ والمبلغمين وهو أوفق الأنبذة للذين بهم ضعف العصب، وأضرُّها بأصحاب المعدة والأكباد الحارَّة. وأما النبيذ الذي يطرح فيه اللوز المرّ فإنه يزيده إسخاناً ولطافة ونفوذاً جيداً لأصحاب السُّدَد في الكبد وعظم الطحال. غير أنه سريع الاستحالة إلى المرار مصدع مورِّث للرمد وأما الرادي فإنه مصدع ليس يجيد للمعدة ويصلح لأصحاب البواسير، وأما ألأفاويه فإنها تزيد النبيذ إسخاناً وتصديعاً وتقوي المعدة وتخففها كالسعدى والمسك والمصطكي والزعفران إلا أنه يصدع وإن كان أكثر في بسط النفس وتفريحها، وإذا أكثر منه حدثت بسببه الرعونة. وأما نبيذ التمر والدوشاب فوخمٌ ثقيل قريب من الماءِ، يولد النفخ والقراقر ويضر بالمعدة والأمعاء، وخيره العتيق وأرداه الطريّ وهو يزيد في أعصاب البدن وإسمانه لحلاوته وكثرة غذائه، وأما نبيذ التين فجيد للصدر والرئة والكلى والمثانة، مسمِّنٌ مخصب للبدن بدفعه للفضول. يولد جرباً وحكةً ويقمّل. ومن الشراب أبيض وأصفر وأحمر، وبين الصفرة والحمرة، وهو الزيتي، فأبردها الأبيض، وأكثرها إدراراً للبول وأوفقها للمحرورين وأسخنها الأصفر الناريّ. وأما الأحمر فمعتدلٌ بينهما. وأما الأسود فإنه دون الأصفر في حرارته، وهو أكثر في إخضاب البدن. وأما الشراب الأحمر اللون الطيِّب الريح الذي إلى الحلاوة فأعدل الأشربة وأوفقها للأصحاء والمعتدلي المزاج. [و] العتيق أوفق لمن يحتاج إلى تخفيف بدنه، وأنفع لأصحاب المرة الصفراء من مطبوخه لرطوبة الماء الذي معه. ونبيذ القَنَدْ والعسل ألين وأسهل للطبيعة وأنفع للمرة الصفراء ومن كانت به علةٌ في صدره وكلاه ومثانته فالزبيب والدوشاب غير محمودٍ، وهو يسهل الطبيعة لرطوبته التي خصَّ بها من الماءِ. والزبيب والتمر أكثر فساداً، وأرادوا ما فيه التمر، والمطبوخ، إذا كان صافياً تقرب أحواله من أحوال الخَمر، يولد دماً صحيحاً، فأما العسل المطبوخ بالماءِ فنافع من برد المعدة، ومن الورم البارد فيها، ومن وجعه المتولد من البلغم المانع من شهوة الطعام، نافع من الرطوبة واللقوة وهو لأصحاب الفالج أنفع من النبيذ لقلة تبخره إلى الرأس، ويغدو غذاءاً حسناً هاضماً يدر البول، ويجلو الأخلاط الغليظة الرديئة. وقال حنين بن إسحق في كتاب " الكرمة ": إن عددت ما فيها من الأدوية والأغذية لم أجد في سواها من سائر الشجر ما يشبهها.

стр. 64

وقال أرسطاطاليس: إن الذي استخرج القوة التي غيرت ماءَ الكرم حتى صيرته خمراً يتولد عنها لشرابها الفرح والسرور، قد أتى بشيءٍ تقصر عنه عقول المستنبطين، وقد أتى بما فاق وعلا كلَّ قوة شجرية، ولقد أشرقت الأرض بفعله، وأزهرت بصنيعه لأن نور الخمرة لا يعدله نور من الأنوار الأرضية، وإذا عدَّت المحاسن كلها وجدتها قد كملت فيها فصارت غاية المحبوب ونهاية المطلوب. وكما أنها ملكة الأشجار، صار من يشربها مَلِكاً بها. ومن فضائلها أنها لا تدع الشارب لها من الطرب والفرح والسرور [يكتم] ما يحسن من الملاهي والموسيقى والنغم التي في الخمرة إلاَّ أبداه وأَخرجه، ولو أنه كان زاهداً من الزهاد، أو عابداً من العبَّاد. ومن فضائلها أن الذي يميل إليها ويهواها لا يصبر عنها ولا يلهو عن ذكرها ولا يقبل فيها لوم لائم ولا عدل عادل ولا يجد في ملاذ الدنيا ما يكون له عوضاً عنها. وقال أفلاطون: كم غدرة لأصحاب الشراب إذا ذكروها رجعوا إليها، وكم حلف يمين حنث أصحابها، وكم عهد نُقِض بسببها، وكم كفارة أُديت عنها، لأنه لا صبرَ دونها ولا احتمال على تركها. وقال اصطفن الرهاوي: على أي شيءٍ نشكر رب الكل ومبدع الأشياءِ، أعلى اصطناعه الخمرة أم على أنه ملكنا إياها وأباحها لنا مع ما أباح من الذهب والفضة، فمن بيم محروم وبين مرزوق، لأن هذه الثلاث معادن بها قوام هذا العالم، والخمرة أفضل الثلاثة لأن الاثنين جوهرٌ للبدن، والخمرة جوهر الروح لأن النفس تتربى بالخمر وتسرُّ بها وتفرح لها، والبدن يتربى بالآخرين ويشربهما ويفرح لهما، والخمرة تستعمل من داخل والجوهر من خارج، والداخل أفضل. وقال الحكيم في شعره: الخمرة جوهر ذائب، والجوهر خمرة جامدة. وقال أرسطاطاليس، في كتاب " الكرمة " أيضاً: كلها منافع، لد جاءت الحكمة في أمرها، ودقت العظمة والقدرة في خلقها محضة المنافع، وإن أحدثت مضرة، فإنما ذلك بسوء تدبير من يستعملها بالخروج عن التقدير. وقال بيلسون: عجبت لمن يأكل ثمرتها إذا بلغت بقصدٍ، ويشرب من خمرتها بقصدٍ كيف يمرض مرضاً عرضياً أو يألم بأحد الآلام إلا أن يقع في الأمر إفراطٌ في شيء من الأشياء. واليونانيون يسمون هذه القوة التي تعيد ماء الكرمة خمراً، القوة المتقدمة في الشرف على جميع الأنوار لأنها أشرف الشجر، وماؤها أشرف المياه لأنها تولد السرور والفرح، ففي خيرها أكون باقي حياتي. وقال شاعر آخر وذكر الشراب: هو أخو إخوانٍ ونديم ندمانٍ، يشربه أقوامٌ كرام يشاكلونه في الأفعال، يتصاحبون وينزاورون ويتحابون ويتآلفون، لا كأقوامٍ يرون الحسنات مساوئ والمساوئ حسناتٍ، غفران الذنوب طبعٌ لهم، وترك الأحقاد سنةً لهم، لا يتجاوزون طبعهم ولا يتركون سنَّتهم، الحسنة الصغيرة عندهم عظيمة، والسيئة العظيمة عندهم صغيرة مغفورة. وهذا بكلام اليونانيين شعر موزون. وقال لبيروس: يُنتقد بالخمرة الناس، فيعرف الزائف منهم والمغشوش كالحجر اليذ يُحلُّ به الذهب فيعرف خالصُهُ من مغشوشه، كذلك الخمر في الأشربة إن عُدَّت فيما يطرب النفس وينشر السرور والفرح ويسليّ الأفكار الرديئة كانت حقيقة بذلك، وإن عُدَّت فيما يُزيل الهموم ويذهب الغموم اجتمع ذلك فيها، وإن قلنا إنها تنشط الكسلان وتروي العطشان وتشجع الجبان وتسخِّي البخيل، فيعطي الجزيل ويراه نزراً قليلاً، وتعزِّي عن المصائب وتسلي عن العشق المبرح، ولولاها لم تعمل الملاهي، ولكانت الأحزان والهموم دائمة لا تبرح، لكنها تزيلها وتذهب بها وتبدلها بأضدادها. وقالت فيها طريطاوس الشاعرة: الشراب معدن اللذات وجالب المسرات، يُطيب النفوس ويصرف البوس ويُعفي على النحوس، ويُولد طرب الجليس ويشد القلب ويُزيل الكرب، ويُذكي الأذهان ويغسل الأدران، ويُنير البصر ويُصفي الكبد ويغرس العلوم ويُوفر الحلوم إذا كان بقصدٍ واعتدالٍ، وإذا جتاوز الحد، وزاد، عادت أفعاله إلى الأضداد. وقال جالينوس: لولاه لما تمازجت الأدوية المختلفات، ولولا وقوعه في الدرياق الكبير لما صار الرئيس على سائر المعجونات.

стр. 65

وأما منافع الكرمة على مذاهب الأطباء فإن الغالب على عروقها التي في الأرض طبائع البرودة واليبوسة فمتى جُففت في الظل وسحقت ونثرت على المواضع العميقات من الخراجات، أنبتت فيها اللحم بسرعة، وهي تنشف الرطوبات التي في الجراحات العظام وتلحم قطع السيف والسكين، ومتى نثرت على المواقع التي فيها الشوك من البدن جذبته وأخرجته. ومن منافعها الكبرى أنها إذا نثرت على الإحليل المختون أبرأته في الوقت ولم تقلع إلا بالبرء، وقشور هذه العروق إذا طرحت مع أدوية الحقنة وطبخت معها وحُقن بها أسهلت للوقت وأبرأت من القولنج، وإذا شربت نفعت من المغس الشديد، وإذا احتملت مسحوقة بدهن الورد حبست الدم من المقعدة، وأما حطب الكرم فإنه إذا أحرق وسحق من رماده درهم في كل يوم مع درهم خل خمرٍ سبعة أيام نفع منفعة عظيمة في تفتيته الحصى الكائنة في المثانة ونفع من المغس وسكَّنه، وإذا أخذ عوده الرقيق الملتف وشُرب منه كلَّ يوم خمسة دراهم سبعة أيام نفع نفث الدم من الصدر، وإن كان من الرئة لم ينفعه، وبه يفرق بينهما، وإذا دُقَّ بعد جفافه وسحق وعجن بماءِ الورد وطلي على الأورام وبخاصة في الأرنبتين وتحت الإبطين حللهما وأبراهما وإن كانت رياحية لم يعمل فيها، وإذا أخذت أطراف ورقة الغصن وجففت وسُحقت وأُخذ منها وزن ثلاثة دراهم في كل يوم مع مثلها سكر نفع من القروح الكائنة في الصدر منفعة عظيمة، ومتى دُقَّ واستخرج ماؤه بالعسل وخل الخمر وطُلي منه بالحمام فتَّح المسام وسمَّن البدن وقوَّاه ومنع من البثور والقروح التي تخرج من الجلد، وأما ورقه اليابس فإذا دقَّ وسحق وغُسل به الرأس مع الخطمي وخل الخمر أذهب الإبرية والحزاز من الشعر وقوىّ أُصوله وإذا دق ونُثر على السعفة بعد أن يندَّى بالخمر العتيق مراراً سكن ضربانها ومنعها من التزيُّد والترقي،. وإذا نثر على السعفة وقطع عنها بالكليَّة بعد ذلك نزيدت السَّعْفة وعظمت فصار داءً بعد أن كان دواءً، ومضرةً بعد أن كان منفعة. وأما الحصرم فإذا دُقَّ وعُصر ماؤه وطبخ إلى أن يبقى منه النصف وجفف في إناء في الظل وقُرِّص وجُفف أيضاً ورُفع فيحك منه على المسن بماءٍ وتكحل بع العين الجربة فإنه يذهب الجرب في مدة قريبة. وإذا عجن بمائه الأُشنان الأبيض، كانت المنفعة فيه سريعة. وإذا جعل منه جزءٌ في التوتيا جلا البصر وقواه قوة عجيبة. قال أبقراط: ومما يخص به الشراب من المسامع أنه يذكي الذهن تذكية عجيبة إذا شرب بمقدار ويسدّد الرأي ويدل على الصواب ويغسل الأدران والأوساخ التي في بطون الدماغ ويقوي المسامع ويفتح السُّدد ويصفي الكدر الذي يحدث في العصبتين المجوفتين اللتين يخرج منهما النور من الدماغ إلى العينين ويقويّ البصر ويحفظه ويجوّد النظر ويبقيه مدة طويلة لا يتغير، ويظف ما بين الدماغ والأنف حتى يشُمَّ الأشياء بسرعةٍ وجودة ويقوي اللسان وعصَبَه، ويغسلُ اللهوات فيذوق الإنسان الأشياء بجودةٍ ويميز بينها وبين غيرها، فهو يحفظ البصر والشمَّ والسمع والمذاق. ومنها أنه يقوي سائر الأعضاء ويشدها ويقويِّ الحفظ ويذهب بالنسيان ويغسل الأوساخ الرطبة والأدران اللزجة التي قد سدَّت أوعية المنيّ ومنعته من الخروج إلى الأُنثيين فيمتنع الرجل من الجماع فيقول من لا بصر له، إنه مربوط من السحر، وإذا انفتحت الطرق المسدودة جرى المنيُّ وعاد الجماع إلى حاله. وإذا استعمل الرجل في كل يوم ثلاث أواقٍ منه مع ثلاثة أمثاله لبن حليب غنميّ شهراً عمل له منياً كثيراً غزيراً، والمولود الذي يتولد من هذا المنيِّ يخرج جميلاً نقي البياض حسن اللون رطب البدن حسن الصورة تام القد.

стр. 66

ومن منافعه أنه يسلس اللسان الثقيل من البلغم إذا شرب منه كل يوم أوقيتين على الرِّيق بوزن درهم دار صيني مسحوق، سبعة أيام، ويُقطع عنه أربعة عشر يوماً، يفعل ذلك إلى أن يبرأ، وإذا أدمن الاستنجاء به أصحاب البواسير نفعها ودملها وذهب الصفار من وجوه أصحابها. ومن منافعه أنه يقوي المعدة، ويسُدُّ خَمَلها ويحفظ القوى الأربع التي فيها: الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة، ويجلو الرطوبات الراكدة المفسدة من سائر البدن، وإذا غسلت به الجراحات، أذهبت الأدران والأوساخ منها، وإذا نام الإنسان عليه من غير سكر نعم البدن وسمَّنه وحسنَّ اللون. ويجلو الطحال من الأخلاط العكِرة، ويغسل الأمعاء من بقايا الأدوية المسهلة إذا شُرب مفتَّراً ممزوجاً. ومنها أن البدن يغتذي به غذاءً محموداً ويزيد في أفكاره وقوته، ومنها أنه يبرئ الأسقام الطويلة المزمنة، ويُحسِّنُ الخلقَ السيِّئ الشديد. ومنها أنه ينفع من الحمى الرِّبع الطويلة إذا شُرب منه في كل يوم الشيء اليسير الخفيف مقدار خمسة دراهم بالماء، وهو مع ذلك يسهّل سلوك الماء ويُنفذه إلى الأعضاء التي قد جفَّت من الحمّى، ويرطبها إذا كُسر بالماء، تكون واحدة شراباً وخمسة ماءً، [فإنه] ينفع صاحب حمّى يومين الحادثة من الأرق والسهرِ، يرطبه ويصيره إلى النوم، وكذلك الحمّى المتولدة من الحرِّ والغضب لأنه يصير إلى الرضى والسرور، وينفع من الغثيان الدائم إذا شُرب بالماء الحار وألقي فيه شيء من الخل الخمر، لأنه إن كان من مرار أحدره إلى أسفل، وإن كان من بلغم أثاره إلى فوق، وأصحاب الوسواس السوداوية إذا سُقوا منه وأُسمعوا الألحان والملاهي، ويكون ممزوجاً، فإن ذلك يرطب من يبس أدمغتهم ويسكِّن من كثرة كلامهم وينومهم. ومنها أنه يثير الرارة الغريزية وينبهها حتى تدور في البدن، ومنها أنه يشدُّ القوى انفسانية التي بها تقوى الحواس والأعضاء، وتحدث النشاط، وجملة الأمر في الشراب، أنه إذا شرب على هدوءٍ وسكون ومع من يُحب أن يشرب معه وبمقدار كان الدواء أقرب منه إلى الداء.

стр. 67

وأما أبو بكر محمد بن زكريا الرازي فإنه قال: منافع الشراب المتخذ من العنب كثيرة، منها أنه يمد الحرارة الغريزية وينميها وينشرها ي جميع أقطار البدن بأوفق وأنفذ وأسرع وأصلح من جميع ما يعرف من الأغذية، ومنها أنه يدفع ضرر السموم التي حاصتها تجميد الدم وإطفاء الحرارة الغريزية كنَهَش الأفاعي ولدغ العقارب وأكل الأفيون وما أشبه ذلك، فهو كأنه مادة متهيئة موافقة لإنماء الحرارة الغريزية التي بها قوام الحيوان وله مع ذلك ما ليس لشيءٍ من الأغذية من طرد الفِكر الباطنة وبسط النفس وانشراحها حتى أنه من أعظم علاج للماليخوليا إذا استعمل ما ينبغي، وهو سبب لجلب النوم وجودة الهضم وتوليد الدم الغريزي وإخصابه البدن وتحسينه اللون ورفع اليبس والذبول والهرم، ومع ذلك يفتح السُّدد والمجاري وينفذ الفضول حتى يبرز من البدن بسهولة النجو والبول والعرق، ويقوي المعدة ويسخنها ويسخِّن الكبد ويمنع من عظم الطحال ويلطفه ويدفع المرار الأصفر في البول ويكسر عادية ما تبقى منه في البطن والكبد وحتى لا تكون له حدة ولا رداءة مفرطة، وذلك إذا أكثر مزاجه وأغب شربه، وأعظم منافعه في شرب القدر من غير إفراط فيه، فإن الإسراف منه يضر بالدماغ والعصب ويوقع السكتة والفالج والرعشة وربما وقع في الهذيان والوسواس، وإدمانه ربما أحمى الكبد وللد فيها الورم وأورث الحميّات الحادَّة والصُّداع والرمد والخراجات والأورام والشوصة ونحو ذلك من الأمراض التي تحدث من حِدَّة الدم أو كثرته، وذلك أن الشراب بالجملة يزيد في الدم وحِدَّته لا سيما إذا كان المزاج متهيئاً لذلك؛ ويحتاج إلى الشراب ضرورة من إذا لم يشربه أبطأ هضمه وتجشأ جُشاءً حامضاً وقلَّت شهوته للغذاء، ومن إذا شرب الماء ثقل عليه بدنه وثقل الطعام في معدته وكثر النفخ والقراقر في بطنه، فمثل هذا متى أمسك عن الشراب وقع في الأمراض الباردة. وأحوج الناس إلى استعمال الشراب الشيوخُ، وذلك أن أبدانهم تبرد وتجفّ، فالشراب يسخنها ويرطبها، ونومهم قليل، فالشراب ينعشهم ويذهب الحكة التي تعتري الشيوخ في أجسادهم بتوسيعه مسامهم وترقيقه لجلودهم ويجود هضمهم ويُمسك الهَرَم أن يسرع إليهم ويدفع عنهم النزلة والبحوحة والزكان والسعال الذي لا يزال يعتريهم، وينشطهم ويبسط من أنفسهم وهم بالجملة أحوج الناس إليه وأكثرهم سلامة عليه، ويتلوهم في الحاجة إلى الشراب الكهول. فأما الشباب فأقل حاجةً إلى الشراب لا سيما من كان منهم حار المزاج ملتهباً فإنه يزيد في سخونة بدنه ويحمي كبده ويسقط قوته، والماء أوفق لهؤلاء من الشراب.

стр. 68

وأما الصبيان فليس يحتاجون إليه وخاصةً من كان منهم حسن اللحم سريع النمو وقد يحتاج إليه منهم من كان بضدِّ ما وصفنا فيُسقي المائي القليل السِّورة. فأما الحاجة إلى الشراب بحسب الأزمان فإنه ينبغي أن يكون شرب الشراب في آخر الربيع والصيف كلّه على أقل ما يمكن وليختر رقيقه وليكثر مزاجه في صميم الحرارة وشدة الصيف وليتنقل عليه الفواكه الحامضة ويستعمل السكنجبين الساذج الحامض بعد الإفاقة منه، وينبغي إلا يسكر في هذا الزمان فإن ذلك مخوفٌ جالبٌ للأمراض الحارة، وبقدر كثرة شربه في الصيف والتعرض للشمس يقع في الحميّات، فإذا جاء الخريف فينبغي أن يستعمل العتيق منه ممزوجاً، ويختار من الحديث أرقه، فإذا جاء الشتاء فليكن الشراب أقوى ويُستعمل صرفاً ويكون أكثر مقدارارً وأطول زماناً مما يستعمل في أكثر الأزمان، فإن الأبدان تحتمل منه في ذلك الزمان ما لا تحتمل في غيره، وليس للخمار فيه سورة عظيمة، بل كثيراً ما ينتفع به لأن الخمار في الشتاء دواءٌ وفي الصيف داءٌ، والبدن النحيف أحوج الأبدان إليه إذا أكثروا المزاج ويجتنبون القويَّ والصِّرف من الشراب، وينبغي أن يُجتنب الشراب بعد الخروج من الحمام وبعد التعب بساعتين وأكثر، وبعقب كثرة الجماع وطول السهر وإفراط الإسهال، فإن احتاج إليه فليكن القليل منه ولا يبلغ السكر، ويستعمل بعقب الإمتلاء من العسل والرطب أو غذاءٍ حادٍّ حريّف يُسرع النفوذ إلى الكبد، وأوفق أحواله إذا كان البدن ساكناً هادئاً في حركاته الجسدانية وهمومه النفسانية، وفي حال نشاط النفس وانشراحها وتشوقها إليه، وينبغي أن يشرب المحرورون والشباب في الأزمنة الحارة على الأطعمة الباردة الحامضة كالتي تتخذ من ماء الحصرم وماء الرمان والكباجة ونحوها، مع لدونة ودسمٍ، وأما في الشتاء للمبرودين، فالأغذية التي فيها أدنى حرارة كالمغمومة الكثيرة البصل، والمطجنات بالزيت والمريّ ونحوه، [و] لا ينبغي أن يشرب على طعام عديم الدَّسم، كمن يقتصر على الخبز والزيتون والكوامخ والسمك المالح ونحوها فإن ذلك رديء يودع العروق أخلاطاً مفسدة وأضر ما يكون هذا بأصحاب الأبدان النحيفة، وأنفع النَّقل للمحرورين السفرجل والتفاح المزّ، وإن كان حار الكبد فالرّمان الحامض وحُماض الأُترج، وأما أصحاب الأبدان المعتدلة الخصيبة فالرمان الحلو والسكر الطبرزد باللوز المقشر، وأما الشيوخ والمبرودون فالفستق والصنوبر وبذر الكتان والسمسم المقلو وما أشبه ذلك.

стр. 69

والجماع على الشراب مؤذٍ في أكثر الأحوال، وأعظم ضرره أن يعتريه النقرس وأوجاع المفاصل والظهر والكلى. ومن كان ضعيف العصب جلب عليه التشنج، وقد ضرره بقدر بطء إنزاله وإجهاده نفه. وهو أقل ضرراً بالقويِّ العصب، الصلب اللحم إذا لم يكن إنزاله بحركةٍ شديدةٍ أو طويلة، ولم ولم يكن في نهاية السكر، والبطن يتخضخض بما فيه، والجماع في تناول شيءٍ من الشراب وخفةٍ من البطن ليس بضائر، وأما الزبيب فطبعه الحرارة واليبوسة لأن الزمان قد أفنى أكثر رطوبته ولم يترك منها إلا الشيء القليل وفيه عشر منافع تغذو البدن غذاءً أجود من غذاء سائر الأشياء الحلوة ويقويّ المعدة ويشدها وينشف الرطوبات من المعدة، المنحدرة إليها من الرأس، ويمنع من سرعة الشيب ومن اجتماع البلغم في موضعٍ من البدن وإذا أُكل بحبه أسمن البدن وإذا أُكل بغير حبه عدل الطبيعة وأصلح مزاج البدن لأنه يحدث الرطوبات المفرطة فيه ويحمي البرودة الزائدة التي فيه، والمدمن عليه لا تناله الأمراض بسرعة بل تندفع أبداً عنه وهو يعدّ في الأغذية الدوابية والأدوية الغذائية، وهو أوفق من العسل في كثير من المعجونات إذا أخرج حبُّهُ، والشراب الذي يتخذ منه فيه منافع كثيرة، وأما العنب فهو على الجملة خير من الفاكهة كلها، لا مضرة فيه ولا أذى إذا بلغ في شجرة وهو يغذي البدن غذاءً محموداً ويزيد في لحمه وشحمه لا سيما ما كان منه صادق الحلاوة يعدِّلُ الطبيعة ويبيض اللون ويوَرِّده ويزيد في المنّي ويُنهض إلى الجماع بقوة، ويزيد في شحوم النساء ولحومهن وينعِّم أبدانهن ويصفيها من الأدران ويذهب النمش والكلف من وجوههن، وإن أكلته الحوامل وأدمن عليه خرج الولد في نهاية ما يكون من السِّمن والبياض، ويكون قليل الأمراض قليل البكاء قليل الجدري والحصباء ويحفظ الصحة على الأصحاء. وهو غذاءٌ موافق للناس كلهم ومن أدمن على أكله قام له مقام الخبز واللحم وهو أجود كل غذاء يخرجه الشجر لأنه وحده الراكب والشجر بين يديه يمشون رجاله حفاةً كعلو الإنسان على سائر الحيوان، وليست على الجملة، فيه مضرة إلا أن خرج من الإكثار منه عن الحد. قد أَثبتُّ لك أعزك الله من قول الفلاسفة والحكماء بعض ما شرطته لك في أول هذا الكتاب وقصد الصواب إن شاء الله تعالى. ذكر ما جاء في مبادرة اللذات بأوَّل من فتح هذا الباب امرئ القيس فقال: تمتَّع من الدنيا فإنكفان ... من النشوات والنساء الحسان وأبو داود الإيادي فإنه قال: تأتي الأمور وأنت منتبهٌ لها ... فإذا مضت فكأنها أحلامُ وقال الطِّرماح: إنما ذِكرك ما قد تقضى ... ضلة مثل حديث المنام وقال إبراهيم بن العباس الصولي: إنما المرء صرة ... حيث تمَّت تناهت أنا مذ كنت في التصرف لي مثل ساعتي وقال أحمد بن علي الماذرائي: عاقِر الراح ودع نعت الطَّللْ ... واعصِ من لامك فيها أو عَذَلْ غادِها، واغن بها واسعَ لها ... وإذا قيل تصابى، قل: أجَل إنما دنياك، فاعلم، ساعةٌ ... أنت فيها وسوى ذاك أملْ يزيد بن معاوية: أقول لصحبٍ ضمَّتِ الكأس شملهم ... وداعي صبابات الهوى يترنَّمُ خذوا بنصيبٍ من نعيمٍ ولذةٍ ... فكلٌّ وإن طال المدى يتصرمُ ألا إن أحلى العيش ما سمحت به ... صروف الليالي والحوادث نُوَّمُ ابن المعتز: ألا علِّلاني إنما العيش تعليل ... وما لحياةٍ بعدها ميتةٌ، طولُ خذا لذةً من ساعةٍ مستفادةٍ ... فليس لتعويق الحوادث تمهيل دعاني والدنيا أنل من نعيمها ... فإني عنها بعد ذلك مشغولُ وأنشد المبرد للرياشي: بادر صَبوحك بالتي ... تنفي همومك والفِكر خذ من زمانك ما صفا ... ودع الذي فيه الكدر فالوقت يقصر عن معاتبة الخليل على الغِيرْ عبد الله بن الحسين القُطرُّبلي: دنياك شيئان فانظر ... ما ذانِك الشَّيانِ ما فات منها فحُلمٌ ... وما بقي فأماني عبد السلام بن رغبان (ديك الجن) :

стр. 70

تمتَّع من الدنيا إذا هي ساعدت ... فإنك في أيدي الحوادث عانِ ولا تنتظر باللهو يوماًإلى غدٍ ... فمن لك منها في غدٍ بأمان فإني رأيتُ الدهر يُسرع بالفتى ... وينقله؛ حالان مختلفان فأما الذي يَمْضي فأحلام نائمٍ ... وأما الذي يبقى له فأماني أبو العتاهية: كلّنا يأمُلُ مدًّا في الأجل ... والمنايا ماثلات بالأمل ما صفا عيشك فاستمتع به ... وارضَ بالرزق وإن رزقك قلّْ إنما الدنيا كظلٍّ زائلٍ ... حل فيه راكبٌ، ثم رَحلْ المُهَلبي: بَكِّر على غَيْمٍ أتاك مُجدَّدِ ... طَلَعتْ عليك نجومُهُ بالأسعد وبعقب ليلٍ ثرَّةٍ أخلافه ... رقد المُحب [و] عينُهُ لم ترقُدِ يومٌ يردُّ على الفتى أطرابهُ ... ويكفُّ عادية الزمان المعتدي لبس السحائبَ جوُّه وكأنه ... يختال بين مُمسكٍ ومُوردِ إن السرور قصيرة أيَّامُهُ ... إن لم تبادر وقته، لو يوجدِ وأنشد النوبختي: قد ظهر اليومُ من عجائبهِ ... ما يُسعِدُ الصبَّ في مآربه وأصبح الجوُّ في مُمسكةٍ ... ينسجها الغيمُ من سحائبهِ والغيمُ منهلَّةٌ مدامعه بِواكف القطر أو بساكبِه يبكي على لئوم من يضيعه ... مخافة اللومِ من معائبه فبادر العيش إنه خُلسٌ ... مُقبلهُ سُرعةً كذاهِبِه ابن المعتز بالله: تعالوا فشقّوا أنفساً قبل موتها ... فتمضي إلى الداعي وهنَّ رِواءُ نبادر أيام السرور فإنها ... سراع وأيام الهموم بطاءُ وخل عنان الحادثات لوجهها ... فإن عنان الحادثات عناءُ وأنشد يعقوب بن الربيع: أظلَّلكَ شهر الصومفاطلب مساعداً على الراح فيه وانتهاك المحارم فإنك لا تدري أتُدرك فَطرَهُ ... وأنت سليم فيه أو غير سالم فاتصل هذا الشعر بأخيه الفضل، فكتب إليه يعاتبه على ذلك ويقول: أخشى أن يتصل هذا بأمير المؤمنين مع تثاقلك عن خدمته فيعاقبك، فكتب إليه: إاذ كان عندي قوت يوم وليلةٍ ... من الراح تنفي الهمَّ عني إذا اكتنع فلست تراني إنس سائلاً عن خليفةٍ ... ولا عن وزير للخليفة ما صنع وأنشد لعلي بن بسام: واصِل خليلَك إنما الدنيا مواصلة الخليلِ وانعم ولا تتعجل المكروه من قبل النزول بادر بما تهوى فما تدري متى وقت الرحيلِ وارفض ملامة لائم ... إن الملامَ من الفضولِ أبو العتاهية: اقنع النفسَ بالكفاف وإلاَّ ... طلبت منك فوق ما يكفيها ليس فيما مضى ولا في الذي لم يأتِ من لذةٍ لمستحليها إنما أنت، طول عمرك، ما عُمِّرت، في الساعة التي أنت فيها ومثله قول عمران بن حِطَّان: يأسف المرءُ على ما فاته ... من لبانات إذا لم يقضِها وتراه فرحاً مستبشراً ... بالتي أمضى كأن لم يُمضها إنها عندي كأحلام الكرى ... لقريبٌ، بعضها من بعضِها وأنشد أحمد بن أبي طاهر: مضى أمسِ بما فيه ... ويومي أنا راجيه ولي في غدٍ الجائي ... خطبٌ سأُلاقيه فإمَّا هو يُمضيني ... وإمَّا أنا أُمضيه ومحمد بن يحيى الصولي: عاقِر عُقارك واصطبح ... واقدح سرورك بالقدح واخلع عذارك في الهوى ... وأرح عذولك واسترِح وافرح بيومِك إنما عمر الفتى يوم الفرح وأنشد العلاءُ بن برد: إن كنت تعلم حين تصبح سالماً ... أن المنية ما أقمتَ تقيمُ فاركب هواك بما اشتهيت فإنه ... لامثل يومك في النعيم نعيم يزيد المهلبي: احمدوا اللهَ وحُثوا كأسكم ... إنما المغبون من لا يَحمُده أعجزُ الناسِ مضيعٌ يومَهُ ... وهو لا يعلم ما يجني غَدُه أعرابي: بادِر إلى اللذات يوماً ما أمكنت ... بركوبهنَّ بوادر الآفاتِ

стр. 71

كم من مضيعٍ لذةً قد أمكنت ... لغدٍ، وليس غدٌ له بمواتي حتى إذا فاتت وفات طلابُها ... ذهبت عليه نفسه حسراتِ ابن المعتز: ألا فاسقياني قبل أغبرَ مظلمٍ ... بعيدٍ من الخِلاَّنِ من هو نازلُهْ رأيت الفتى إن مات يورث مالُهُ ... وتنكح أزواجاً سواد حلائله ذران أنعم في الحياة معيشتي ... وآكل مالي قبل من هو آكلهْ محمد بن أُمية: أما ترى اليوم قد رقَّت حواشيهِ ... وقد دعاك إلى اللذات داعيهِ وجاد بالقطر حتى خلتَ أن له ... إلفاً نآه فما ينفك يبكيه فبادِر اللهو واغنم طيبَ ساعته ... فإن للدجن ديناً يَقتضِنِيهِ وقال آخر: اعصِ من لامكَ في الشُّرب تعِش عيشاً لذيذاً ليس من عمرك يومٌ ... لم تذق فيه نبيذا وقال آخر: ومن عَرَفَ الأيام لم يغترر بها ... وباكَرَ باللذات قبل العوائقِ بحمراءَ قبل المزج، صفراء بعده ... أتت بين ثوبي نرجسٍ وشقائقَ حكت وجنة المعشوق صرفاً فسلَّطوا ... عليها شعاعاً فاكتست لون عاشِقِ عبد الوهاب: كن عن العَذلِ ذا صَمَمْ ... وانف عن نفسِك النَّدم واقطع الدهر بالسرو ... ر على رغم من رغم فالذي تتقي وترجوه قد خطَّهُ القلمْ ذكر ما جاء في المنادَمَة قالوا: اشتقاقُ النديم من النَّدم لأنه يُندم على فراقه، وقد فخر امرؤ القيس مع شرفه وملكه فقال: ونادمت " قيصر " في ملكِهِ ... فأوجهني وركبت البريدا وقالت الخِرنِق بنت بدر التغلبية ترثي بشرَ بن عمرو زوجها وبنيها، وكانت العرب لا ترثي إلاَّ بأفضل الأشياءِ وأرفعها: فكم بعُلاه من أوصالِ خرقٍ ... أخي ثقةٍ وجمجمةٍ فليق ندامى للملوك إذا لقوهم ... حُبوا وسُقوا بكاسات الرحيقِ وقوالوا: لسان الملك كاتبه، ووجهه حاجبه، وجليسه كلّه، وقالوا: إذا وليت عملاً فانظر من كاتبك، فإنما يعلم مقدارك من بعد عنك بكاتبك، وأنظر حاجبك، فإنما يقضي عليك الوفود قبل الوصول إليك بحاجبك، واستكرم نديمك وجليسك، فإنما يزنك الداخل عليك بمثقال من يراه معك، وقال رسول الله (ص) : المرءُ على دين خليله فلينظر أحدٌ من يخالِل. وقال طرفة: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرينٍ بالمقارنِ مقتدي وفاخر كاتبٌ نديماً، فقال الكاتب: أنا معونة وأنت مئونة، وأنا للجد وأنت للهزل، وأنا للشدة وأنت للذَّة، وأنا للحرب وأنت للسلم، فقال النديم: أنا للنعمة وأنت للخدمة، وأنا للحضرة وأنت للمهنة، تقوم وأنا جالس، وتحتشم وأنا مؤانس، تدأب لراحتي وتشقى لما فيه سعادتي، وأنا شريك وأنت مُعين، كما أنك تابع وأنا قرين. وقال بعضهم في فضل النديم: أرى للكأس حقاً لا أراه ... لغير الكأْس إلا للنديم هو القطب الذي دارت عليه ... رحى اللذات في الزمن القديم ولم تفتتح أبيات في مدحِ نديمٍ بأحسن مما ابتدأ به أبو مسهرٍ الطائي: وندمانٍ يزيد الكأس طيباً ... سَقيْتُ وقد تغوَّرتِ النجومُ رفعت برأسه وكشفت عنه ... بمعرفةٍ ملامة من يلومُ فلما أن تنشَّا قام خرق ... من الفتيان مختلقٌ هضيم إلى وجناء ناجيةٍ فكاست ... وهي العرقوب منها والصميم فأشبع شربه وجرى عليهم ... بإبريقين كأسهما ردُوم تراها في الإناء لها حميّا ... كُميتاً مثل ما فقع الأديمُ فنشرب ما شربنا ثم نصحو ... وليس بجانبي أحدٍ كُلُوم فبتنا بين ذاك وبين مسكٍ ... فيا عجباً لعيشٍ لو يدوم نطوِّف ما نطوِّف ثم يأوي ... ذوو الإكثار منا والعديمُ إلى حفرٍ أسافلهن جوفٌ ... وأعلاهنَّ صُفاحٌ مُقيمُ

стр. 72

معنى قوله: فنشرب ما شربنا، البيت، وصفهم بطهارة الأخلاق وأنه لا يخرج أحدٌ منهم إلى أن يطلق يده، ولا لسانه على جليسه، وهذا حسن وأمدح من قول حسان: نوليها الملامة إن ألِمنا ... إذا ما كان مغث أو لِحاءُ وللعطوي أشعار كثيرة في النِّدام كلُّها مختارة، فمنها قوله: يقولون قبل الدار جارٌ موافق ... وقبل الطريق النهج أُنسُ رفيقِ فقلت وندمان الفتى قبل كأسِه ... فما حثَّ كأسَ المرءِ مثل صديقِ وقال أيضاً: ما حثَّ كأسك كالصديق الوامِقِ ... ونفى همومك كالشراب العاتِقش الكأسُ والندمان أحسن منظراً ... من كل ملتف الحدائق رائِقِ فإذا جمعت صفاءَها وصفاءَه ... فاقذف بكل ملَّمةٍ من حالِقِ ومثله قول الآخر: ورضيع راضعت في كبر السنِّ أخاً لديَّ مُطاعا لم يكن بيننا رِضاعٌ ولكن ... صيَّرت بيننا الكئوس رِضاعا قالوا: وليس أحد من أصحاب الملوك ولا من خلطائهم هو أولى باجتماع محاسِنِ الأخلاق وأفاضل الآداب وطرائف الملح وغرائب النتف من النديم، حتى إنه يحتاج أن تكون فيه أشياء متضادة، فيكون فيه مع شرف الملوك تواضعُ العبيد، ومع عفاف النسَّاك، مجون الفُتَّا، ومع وقار الشيوخ مزاح الأحداث وكل واحدةٍ من هذه الخلال هو مضطر إليها في حالٍ لا يحسن أن يُخِلَّ بها، ووقتٍ لا يسعه العدول فيه عنها، وإلى أن يجتمع له من قوة الخاطر ما يفهم به ضمير الرئيس الذي ينادمه على حسب ما يتلوه من خلائقه، ويعلم من معاني لحظه وإشارته ما يغنيه عن تكلف عبارته فيسبقه إلى إرادته ويبدُرُهُ إلى شهوته كما قال بعض الكتاب: ونديم حلو الحديث يجاريك بما تشتهيه في ميدانِك ألمعيٌّ كأنَّ قلبَكَ في أضلاعه أو كلامه بلسانِك وكما قيل: إن غلاماً كان يحضر مجلس الواثق، قائماً برسم نديم، وكان صغير السنّ، فلم يكن لهذه العلة، يُلحقه في الجلوس بمراتب الشيوخ والأكابر، وكان مع ذلك قد أُذن له في المفاوضة معهم في كل ما يخوضون فيه، والتكلم بما اعتلج في صدره، من مثلٍ سائرٍ، أو بيتٍ نادرٍ، وحديثٍ ممتعٍ وجواب مُسرعٍ، فقال الواثق: وكان من شدة الشهوة للطعام على الحال المشهورة، ما تختارون في النقل؟ فبعض قالوا: نبات، وقال بعض: رمّان، وقال بعض: تفاح، وقال بعض: قصب سكر في ماء ورد، ويعضٌ تناعص فقال: ملح يعطى تحففاً بمذاههب النبيذيين، فقال: ما صنعتم شيئاً، فما تقول أنت يا غلام، فقال: خشكنانِك مُتَنَّر، فوافق بذلك إرادته وأصاب به ما كان في نفسه، فقال له: أصبت وأحسنت، اجلس بارك الله عليك، فكان ذلك أول جلوسه. وكما فعل بعض ندماء بشر بن مروان بحسن قريحته ولطف حيلته، وكان عبد الملك بن مروان ولَّى بشراً الكوفة ووجَّه معه روح بن زنباع الجذامي وقال له: يا بنيَّ، روحٌ عمُّك، فلا تقطع أمراً دونه لصدقه وعفافه ومحبته لنا أهل البيت، وقال لروح أخرج مع ابن أخيك فخرج معه حتى قدم الكوفة، وكان بشرٌ أديباً ظريفاً أريباً يحب الشعر والسَّمر والسَّماع والنِّدام، فراقب روحاً، واحتشم منه وقال لندمانه: أخاف أن يكتب هذا إلى أبي بأخبارنا فيقبل منه، وإني لأُحب من الأُنس والاجتماع ما يحبه الشباب، ولكني أجتنب ذلك لمكانه، فضمن له بعض ندمائه أن يكفيه أمره، ويردَّه إلى عبد الملك، من غير سخط ولا لائمة، فسرَّ بذلك ووعده المكافأة عليه بأعظم الحِباء، وكان روحٌ غيوراً، إذا خرج من منزله أقفله ثم ختمه بخاتمه حتى يعود إليه فيفضّه بيده، فأخذ الفتى دواةً وقلماً ثم أتى باب روحٍ ممسياً فقعد بالقرب منه مستخفياً، وخرج روحٌ للصلاة، فتوصل الفتى إلى أن دخل الدهليز وكمَنَ تحت درجةٍ فيه، وعاد روحٌ ففتح الباب ثم أغلقه على نفسه ودخل، فعمد الفتى إلى الحائط فكتب في أقرب المواضع من مَمَرِّ روح: يا روح من لُبنَيَّاتٍ وأرملةٍ ... إذا نعاك لأهلِ المشرقِ الناعي إن ابن مروان قد حانت منيَّتُهُ ... فاحتل لنفسِك يا روح بن زنباع ولا يغرك أمرٌ قد ظفرت به ... واسمع هُديت مقال الناصح الداعي

стр. 73

ثم رجع إلى مكانه من الدهليز فبات به، فلما أصبح روحٌ خرج في الغلس للصلاة ومعه غلمانه فاختلط الفتى في جملتهم، فلما عاد روح وأسفر الصبح تأمل الكتاب وقرأه فراعه وأنكره، وقال: ما هذا، والله ما يدخل حجرتي إنسيٌ سواي، ولاحظَّ لي بالمقام بالعراق، ثم نهض من ساعته فدخل على بشر فقال له: يا ابن أخي وصِّني بما أحببت من حجةٍ أو سببٍ عند أمير المؤمنين فقال: ولِمَ يا عم، هل سمعت شيئاً كرهته، أو رأيت أمراً أنكرته فلم يسعك المقام معه، فقال: لا والله بل جزاك الله عن نفسك وعن سلطانك خيراً، ولكن، أمرٌ حدثَ لا بدَّ من الشخوص له، فأقسم عليه أن يخبره، فقال: إن أمير المؤمنين قد مات، أو هو ميتٌ إلى أيام، فقال له بشر: ومن أين علمت ذلك؟ فأخبره بخبر الكتاب، وقال: ليس يدخل أحدٌ حجرتي غيري وغير جاريتي فلانة فمن كتب ذلك إلاَّ الجنّ أو الملائكة، فقال له بشر: أقم، فأرجو ألاَّ يكون لهذا حقيقة، فلم يثنه ذلك عن الخروج، فسار إلى الشام، وأقبل بشرٌ على الشراب واللهو والطرب، فلما وافى روحٌ عبد الملك أنكر أمره، قال: ما أقدمك، الحادثة حدثت على بشر، أم لأمر كرهته، فشكر حسن سيرته، ووصف سلامته في نفسه، وقال: بل جئتُ لأمرٍ لا يمكنني ذكره حتى تخلو، فقال عبد الملك لمن حضر: إذا شئتم، وخلا بروحٍ فأخبره بقصته، وأنشده الأبيتات، فضحك عبد الملك حتى استغرب، وقال: ثقلت على بشرٍ وأصحابه حتى احتالوا لك ما رأيت فلا تُرع لذلك، ووفى بشر لنديمه بما وعده وأجزل جائزته. وكان محمد بن يزيد المبرِّد يقول: لم أرَ في أهل زماننا من الرؤساء وأصحاب السلطان أشدَّ رغبةً في الأدب ولا في مواظبةٍ عليه ومحبة له من محمد بن عبد الله بن طاهر والفتح بن خاقان، فأما الفتح فبلغ من شهوته للأدب أنه كان يذهب من مجلس المتوكل إلى علماء المذهب فيغنم زمان تلك الخلوة اليسيرة فلا يقطع مسيره بادئاً ولا راجعاً إلا بالنظر في كتاب، فعلمت أنه لم يكن لينال تلك المنزلة في النِّدام إلا بهذه القريحة، وأما العبث والمزاح، فله من المنادم موقع لطيف وموضع خصيص إذا تبين النديم منه نشاطاً لذلك. وقال قائل للمأمون: أيأذن أمير المؤمنين في المداعبة، فقال: وهل العيش إلا فيها. واجتمع على مائدة أبو عيسى بن الرشيد وطاهر بن الحسين، فأخذ أبو عيسى ورقة من الهندباء فغمسها في الخل وضرب بها عين طاهر الصحيحة، فغضب طاهر وقال: يا أمير المؤمنين، إحدى عينيَّ ذاهبة والأخرى على يديْ عدل، ويُفعلُ في هذا بين يديك، فقال: يا أبا الطيب: إنه والله ليعبث معي أكثر من هذا العبث فاضحك له. وروي عن إسحق الموصلي أنه قال: مكثت أيام الرشيد أغدو إلى هشام ووكيع فأسمع منهما وآتي إلى عاتكة بنت شهدة فتطارحني صوتين، ثم إلى زلزل فيلقي عليَّ من الضروب طريقين، ثم أوجِّه إلى الأصمعي وأبي عبيدة فلا يزالان عندي إلى الظهر، ثم أروح إلى أمير المؤمنين. وقال إبراهيم بن المدبر لمحمد بن يزيد المبرِّد: أُحبُّ أن تنظر لي جليساً يجتمع مع إيناسي ومنادمتي، فناديت ولدي فبعث إليه علي بن سليمان النحوي، وكتب إليه معه هذا: أنفذت إليك أعزَّك الله فلاناً وجملة أمره كما قال الشاعر: إذا زرتُ الملوكَ فإنَّ حسبي ... شفيعاً عندهم أن يخبروني ومما يزيد النديم في المحل تقدماً، وعند نفسه تمكناً أن يكون عالماً. وقيل لأعرابي: كم تشرب من النبيذ، قال: على قدر النديم، وقالوا: من شرط المنادمة قلة الخلاف، والمعاملة بالإنصاف، وترك الجواب، والمسامحة في الشراب، وإسقاط التحيَّات واجتناب اقتراح الأصوات وإدمان الرضى واطراح ما مضى وإحضار ما تيسر، وأكل ما حضر وستر العيب وحفظ الغيب. ومن صفات الندامى قول أبي عبد الرحمن العطوي: اخطب لكاسِك ندماناً تسرُّ به ... أولا فنادم عليها حكمة الكتب اخطبه حراً كريماً ذا محافظة ... يرى نِدامَكها من أقرب النسب فإن لم يكن حلبَ الأيام أشطرَها ... وقومته وراضته يد الأدبِ فقد ملأتَ به كفيك من رجل ... يرعى ذمامك رعيَ الواصل الحَدِب وقال أيضاً: جَدِّدا مجلساً لعهد الشباب واسقياني على الهوى والتصابي في كهولٍ إذا استدرت حمَّيا الكأس لم ينطقوا بغير الصواب

стр. 74

نظروا في الكلام والنحو والشعر فهم حجَّة على الألباب وإذا ما هفا النديم أقالوه ... وردوا الأحلام دون الوثاب وقال آخر: وما خير ندمانٍ صموتٍ كأنما ... يدور عليه الكأس وهو كئيبُ إذا ما نفوس القوم طابت فنفسه ... أبت، لا تراها عند ذاك تطيبُ وقال آخر: لا تشرب الراح إلا مع أخي ثقةٍ ... إن سيل أعطى، وإن غنَّيته طَرِبا تزيده الكأسحلماً، والغنا طرباً ... والسكرُ تقوى، وما سقيته شُربا فاشدد يديك عليه، إن ظفرت به ... واكثر مودته، لا تكثر الذَّهبا وقال ابن المعتز: وما أنا للندمان في الشرب مكرهاً ... على الكأس، يأبا [ها] ، ولا قائلاً هُجرا وإن ردَّ فضلاً في الإناء شربتُه ... ولم أسقِهِ كَرهاً لأصرعه سكرا أُفديه أحياناً بنفسي ووالدي ... وأجعل ما يهوى لما رابه سِترا وإن نام لم يوقظ، وإن قام لم يُرَع ... وإن قال لي: يا صاح، لبيته عشرا أرى ذلك حقاً للنديم، وإنني ... لأحفظه سِراً، وأحفظه جهرا وقال آخر: وبالشام فاطلبني إذا ما فقدتني ... وداوِ همومي بالتي تطرد الهَما وفتيان صدقٍ لا ضغائن بينهم ... إذا شربوا زادهم شربُها حلما إذا جلسوا، جاؤوا بكلِّ غريبةٍ ... فيزداد بعض القوم من بعضهم علما وقال أبو عبد الرحمن العطوي: حقوق الكأسِ والندمان خمس ... فأولها التزيُّن بالوَقارِ وثانيها مسامحةُ الندامى ... فكم حَمَت السماحةُ من ذِمارِ وثالثها، ولو كنت ابن خيرِ البرية محتداً، تركُ الفخارِ ورابعها وللندمان حقٌّ ... سوى حقَّ القرابة والجوارِ إذا حدثته، فاكسُ الحديث الذي يصغي له، ثوبَ اختصارِ فما حُثَّ النبيذُ بمثل حسن الأغاني والأحاديث القصارِ وخامسةٌ يدُلُّ بها أخوها ... على كرم الخليقةِ والنِّجار حديثُ الأمسِ ننساهُ جميعاً ... فإن الذنب فيه للعقار ألم تر أن شرب الراحِ صِرفاً ... ومزجاً بالصغارِ وبالكبارِ يرد الشيخ ذا الستين غِراً ... غلاماً، ما يُفيق من الخُمار فمن حكمت كأسك فيه فاحكم ... له بإقالة عند العثارِ وقال آخر: لعهدي بالنبيذ وشاربيه ... إذا شربوا زادهُم سكونا وحيَّا بعضُهم بعضاً عليه ... ولم يُلفوا عليه مُعربدينا فما بال النبيذ أحال عهدي ... وأورث من يعاقره جنونا أم الندماء قد رَذَلوا فليسوا ... كما كان النَّدامى الأولونا وقال العطوي: طيب النديم يفوق طيبَ الرَّاحِ ... ويحثُّ شاربها على الأقداحِ تصفوا الزجاجة بالنديم إذا صفا ... ويكدِّرُ النَّدمان صفو الراحِ وفي مراضعة الكأس يقول بعضهم، وقيل إنه لابن الزيَّات: اذكر أبا جعفرٍ حقاً أَمُتُّ به ... إني وإياكَ مشغوفان بالأدبِ وأننا ضد رضعنا الكأس درَّتها ... والكأس درَتَها أولى من النسب وقال آخر: ونديمٍ نادمتُ في كِبَرِ السِّنِّ فأضحى [فيه] أخاً لي مُطاعا لم يكن بيننا رضاع ولكن ... ولدت بيننا المُدامُ رضاعا وقال آخر: ألم تعلمي يا سلم أني موكَّلٌ ... بما سرَّ ندماني في العُسر واليُسرِ وإني لم أبسط لساني ولا يدي ... لوجه نديمي حين خالطني سُكري وقال آخر: وندامى تفردوا بالرحيق ... واصلوا من صبوحِها بالغَبُوقِ كلما دارت الكئوس عليهم ... ملكوا للعلوم كلَّ طريق وتعاطوا على المُدام حديثاً ... مونِقَ النصِّ مُحكَمَ التنميقِ سبقوا كل سابقٍ للمعالي ... واستبدوا بكل فهمٍ دقيق

стр. 75

فهم بين لذةٍ كجَنَى اللثمِ وشِعرٍ كلذةِ التعنيقِ وقال آخر: ولي أملٌ بعيدٌ ليس أثثني ... على شيءٍ سواه وهو سُوْلي أخٌ يلقي نحفظه إذا ما ... خلت بشمائلي شيَمُ الشَّمولِ فأما هيبة نديم السلطان فإنه يلزمه أن يحضر في الزي الذي يُعرف به من غير أن يتفضل أو يشتهر، فإن شاء الرئيس أن يغيِّر زيَّهُ بشيءٍ من ثيابه حَسُن أن يلبس ذلك في وقته حتى ينقضي المجلس ولم يَحْسُن أن يظهر به في مجلسٍ ثانٍ لأنه شيءٌ اختاره الرئيس في شاعةِ طربِهِ وتبذُّلهِ لا في كلِّ أوقاته. وأما العمامة والخفّ فلا يُخَلُّ بهما، وإنما الغرض في ذلك إجلال السلطان عن مشاركته فيما اتسع له من التبذل، وتخيُّر الزِّي الذي لا يثقل عليه، والانفراد به عمَّن هو دونه، وهذا إنما سلك به مسلك الأعاجم، وكانوا قد رسموا لكل طبقةٍ من طبقات أهل مملكتهم برسمٍ من الزِّي ليتميزوا، ولا يتشبه سوقةٌ بملكٍ ولا دنيء بشريف ولا تابع برئيس. ومما يأخذ به نفسه الإسراع في الخطو إذا كان يراه الرئيس، ولهذا، وما أشبهه صار نِدامُ الرؤساء أنعَمَ وأترف، وإن كان ندامُ العظماء أجلَّ وأشرف. وخُبِّرت عن الطبقة العالية من ندامى الخلفاء الماضين أنهم كانوا يجتمعون في منزل أحدهم، فإذا مشى بعضهم في ذلك الموضع مشى مسرعاً وسُئل أحدهم عن السبب في ذلك فذكر أنه إنما يفعله في كل موضعٍ، وإن كان لا يلزمه إلاَّ في موضع الخلافة حذراً من أن يخل بالعادة فينساها في موضعها، وهذه رياضةٌ حسنةٌ، ومما يلزمه أيضاً أن يتحفظ منه ويروض نفسه به، أن لا يصبِّحه ولا يُمسيه ولا يشتمه ولا يستخبره، وإنما ترك ذلك كله لما فيه من تكلف الجواب. وليس من حق ذي الرياسة والسلطان إذا تبين لنديمه منه لينُ الخلوة [و] وِطاء الكتف وخلع ثوب الكبر، أن يستعمل معه من الدالة ما يُنقصه به حقَّ الرئاسة ويقدح في سلطانه. وقالوا: ينبغي لمن خُصَّ بالسلطان أن يكون آنسَ ما يكون به وأوحش ما يكون منه. وقال عبد الله بن جعفر: من أعظم الخَرَق الدالة على السلطان والوثبة قبل الإمكان. وبينما المأمون ينادم إبراهيم بن المهدي، بعد رضاه عنه، وتعمده ما كان منه، تبيَّن منه دالة أذكرته ما تقدم من ذنبه فنهض وأمر بإقراره ومن كان معه على حالتهم، ثم صار إلى مجلسِ جده وتزيَّا بِزِّيِ الخلافة، واستوى على سريره وأذن للجيوش في السَّوادِ والأسلحة، ومُدَّ السماطان وشهرت السيوف، ثم أحضر إبراهيم مغتبقاً مَعْسوفاً، فلما مَثَل بين يديه أطرق عنه مَلياً، ثم رفع طرفه وإبراهيم يُرعد، فقال: يا إبراهيم، من حملك على ما كان، فقال: قد سبق [من] عهد أمير المؤمنين ما لا أخاف عليه التغيير، واعتذر بعذرٍ قبله منه، وردَّه إلى مكانه، وعاد المأمون من وقته إلى مجلس النَّدام. وكان يزيد بن معاوية ينادم الأخطل النصراني. وهجا الأخطل النصرانيُّ الأنصار كثيراً اعتدَّ به على بني أُمية في قوله: بني أُميَّة، قد ناضلتُ دونكُمُ ... أبناء قومٍ، هُمُ، آووا، وهم نَصَروا فأجازه، وكان يُسوي بينه وبينه في أكثر المواضع من مجلسه. وحُكي عن الشريد من كرم المجالسة وحسن البرِّ والمؤانسة ما يجاوز هذا كله وهو أن الفَزازي قال: دخلت عليه بالرقة، ولم يكن معنا ثالث، فتحادثنا ملياً ثم أومأ إلى خادم له فجاء بطبق كبير مغطى بمنديل فوضعه بين يديه فاستخرج من تحت المنديل رطبةً فأكلها ثم استخرج أُخرى فأومأ بها نحوي، فقمت وتناولتها وقبَّلتُ يده وأكلتها، ثم رفع المنديل ولم أرَ في الطبق شيئاً، فقال: أُهدي لنا من العراق هاتانِ الرُّطبتان ولاتَ حينَ الرُّطب، قال: فعلمت أنه أمر بتغطيته لئلا أرى ما فيه فأمتنع من الأكل. وقد رأينا جماعة من جلَّة الرؤساءِ يَتَبدلون أتباعهم ويمتهنونهم من الخدمة فيما يرفعون عن مثله بعض مماليكهم، فإذا خلوا معهم للعشرة والمنادمة استوت بهم العشرة وأوسعوهم من البرِّ والتكرمة حتى إنهم ربما خدموهم أو أخدموهم فلا يقدح ذلك في رئاستهم ولا يحطّ من منزلتهم بل يسترقُّ لهم قلوبهم وتخلص به نياتهم. قال الشاعر: وإني لعبد الضيف ما دام ثاوياً ... وما فيَّ إلا تلك من شيم العبد وقال العطوي: نبيذان في مجلس واحد ... لإيثار مُثرٍ على مُعسرِ
следующие страницы →