Полный текст (163 стр.). Показаны 141–163 · переход к 146.
стр. 141
نزلنا منزل الحسن بن وهب ... وقد درست مغانيه القِفارُ
تلقينا الشتاء به وزرنا ... بنات اللهو إذ قرب المزار
تنازعنا المدامة وهي صرفٌ ... وأعجلنا الطبائخ وهي نار
ولم يك ذاك سخفاً غير أني ... رأيت الشرب سخفهم الوقار
وقال الأمير تميم:
قد اجتمع البستان والروض والخمرُ ... وحُركت الأوتار وارتفع الزمرُ
فما لك لا تعدو على الراح عدوة ... يبيحُك فيها كل كا تشتهي السكر
هل العيش إلا قينةٌ ومدامةٌ ... وساقٍ مليحٌ ليس يُعصى له أمرُ
فبادر بقايا العمر ما دمت قادراً ... وما جرَّ أرسان البقاء لك العمر
وقال:
ومودعةٍ بطن مغبرةٍ ... تحدث عن عهد سابورها
حججنا إلى بيت خمارها ... لنشربها في معاصيرها
سلاف تسلف منها الزمان ... قواها وأبقى على خيرها
يقبل منها النديمُ الصباح ... ويصبغ كميه من نورها
فلا تعذر النفس في تركها ... فلست عليه بمعذورها
وشاطرة الزِيّ مخطوفة ... إذا برزت في زنانيرها
أدارت علينا كئوس المدام ... وتأثيرها فوق تأثيرها
كأن لبانة الحاظها ... تحاول بسط معاذيرها
[و] لا خير في الراح إن لم تُعَنْ ... بسقم الجفون وتفتيرها
وقال كشاجم:
أتلفت مالي في العُقار ... وخرجت فيها عن عقاري
قالوا الشهادة بالعشيّ ونحن في صدر النهار
فاجبتهم ردوا الكتاب ولا تُعنوا بانتظاري
لو كنت أخرج بالعشي لما سمحتُ ببيع داري
صريع: سقِّني من معتقات الخمور إن يوم الأثنين يومُ سرور
عاطنيها حمراء، مثل دم الخش ... ف عليها كاللؤلؤ المنثور
لا تُطل حبسها عليَّ وخذها ... واسقني واسق صاحبي بالكبير
قد جعلنا الإثنين عيداً جديداً ... واتخذناه جنَّة للدهور
ديك الجن:
بها غير معدول فداوِ خُمارها ... وصل بعشيات، الغبوق ابتكارها
ونل من عظيم الردف كل عظيمة ... إذا ذكرت خاف الحفيظان نارها
وقم أنت فاحثث كأسها غير صاغرٍ ... ولا تسق إلا خمرها وعُقارها
فقام تكاد الراح تخضب كفَّهُ ... وتحسبه من وجنتيه استعارها
ظللنا بأيدينا نتعتعُ روحها ... وتأخذ من أقدامنا الراح ثارها
موردة من كف ظبي كأنما ... تناولها من خده فأدارها
وقال حاتم الطائي:
أماوي إما مِتُّ فاسعي بنطفةٍ ... من الخمر ريَّا فانضحن بها قبري
فلو أن عين الخمر في رأس شارف ... من الأسد وردٍ لاعتلجنا على الخمر
إسماعيل بن صالح بن علي:
ما ترى في اصطباحنا من عقار ... ونعيم بوجه شمس النهار
وسجود إلى جبين هلالٍ ... طالع من سحائب الأزرارِ
وصلاة على صريع مدام ... صعقٍ بين ألسن الأوتار
وسماء منهلة بكباءٍ ... في رياض من نرجس وبهارِ
وقال الأمير تميم:
وراح تخضب الراحات ورساً ... وتفتق طيلسان الليل نورا
كأن الماء يطربها فتبدي ... إذا مزجت به دراً نثيرا
بدت في الكأس للندماء شمساً ... وفاحت في أُنوفهم عبيرا
وكانت قهوةً صِرفاً فلما ... أداروها شربنا [ها] سرورا
فلم أر مثلها أنفى لهم ... إذا شربت ولا أحلى سُدورا
وقال نفطويه:
قمر طالع وكأسٌ تدور ... ونعيم ولذة وسرور
فأقلوا المزاج، واستعملوا الصرف، وهاتوا الكبير، هذا صغيرُ
قد مضى الليل والعقول صحاحٌ ... وزقا الديك والكلام كثير
أفقدونا عقولنا ساعة إذ ... في افتقاد العقول عيش غرير
حرف الزاي
стр. 142
قال [ابن] المعتز بالله:
يا صاح يشغل قلبي عن عواذله ... قرع الكئوس بأفواه القوازيز
أصغى بإبريقه من تحت مبزلها ... حتى تملأ من أحشاء موخوز
يضاحك الأُقحوان الغض في فمه ... تفاح خدٍّ، بخال الخد، مغروز
كأن ديباجةً من خده نُشرت ... وطرزته بحُسنٍ أيَّ تطريز
فنحن منه ومن أيامه أبداً ... في مهرجان نغاديه ونيروز
إذ لا يزال من الفتيان ذو طربٍ ... يغب في ذهب قد ذاب، إبريز
دام عليه هجير الشمس يسكبه ... فميز الصفو منه أيَّ تمييزِ
تُقارع الماء في الأقداح إذ مزجت ... بصارم من سيوف النور مهزوزِ
وزادت سخطٍ على الأرزاق قلت لها ... عنيتني، فارجعي باللوم أو جوزي
لا خير في ماجدٍ يهدى عواذله ... وأي غصنٍ نضير غير مغموز
لا يقعد السكر عزمي عند نهضته ... وليس رأسي عن حزمي بمحجوز
وقال الأمير تميم:
يا رب ليلٍ من ليالي الكوز
قطعته بعاتقٍ عجوز
معشوقة المخبر والبروز
أذنابها حر لظى تموز
حتى بدت كالذهب الإبريز
أرق من فهمي ومن تمييزي
؟ حرف السين
قال أبو نواس:
ودار ندامى عطلوها وأدلجوا ... بها أثرٌ منهم جديدٌ ودارسُ
مساحبُ من جر الزقاق على الثرى ... وأضغاث ريحانٍ جنيٌّ ويابس
حبست بها صحبي فجددت عهدهم ... وإني على أمثال تلك لحابسُ
ولم أدرِ من هم غير ما شهدت به ... بشرقي ساباط الديار البسابس
أقمنا بها يوماً، ويوماً، وثالثاً ... ويوماً له يوم الترحل خامس
تدار علينا الراح في عسجدية ... حبتها بأنواع التصاوير فارسُ
قراراتها كسرى وفي جنباتها ... مهاً تدريها بالقسي الفوارس
فللخمر ما زرت عليه جيوبها ... ولماء ما دارت عليه القلانس
وقال:
نبِّه نديمك قد نعس ... يسقيك كأساً في الغلس
صرفاً كأن شعاعها ... في كف شاربها قبس
مما تخير كرمها ... كسرى بعانة واغترس
تذر الفتى وكأنما ... بلسانه منها خرس
يدعى فيرفع رأسه ... فإذا استقل به نكس
يسقيكها ذو قرطقٍ ... يُلهي ويُعجل من حبس
خنث الجفون كأنه ... ظبي الرياض إذا نعس
أضحى الأمير محمد ... للدين نوراً يقتبس
ورث الخلافة خمسةٌ ... وبخير يضحك إن عبس
ابن وكيع:
غرَّد الطيرُ فنبه من نعس ... وأدر كأسك فالعيش خُلس
سل سيف الفجر من غمد الدجى ... وتعرى الصبح من قُمص الغلس
وبدا في حُلل فضية ... ما لها من ظلمة الليل دنس
فاسقني من قهوةٍ مسكيةٍ ... في رياضٍ عنبريات النفس
وقال:
قم فاجعل اليوم حُسناً ... ولذةً مثل أمسِ
مرة المرءِ سعدٌ ... والهمُّ طالع نحس
فقم أدرها علينا ... صفراء في ثوب ورس
يحكى الحباب عليها ... غمامة مثل شمسِ
وقا تميم:
حبذا طيبُ يومِنا المأنوسِ ... بين شدو الغنا، وحثِّ الكئوسِ
من مدامٍ بها يعيش التصابي ... وتُداوى مُعللات النفوسِ
غربت في الشفاه ماء ولكن ... طلعت في الخدود مثل الشموس
وكأن النجوم في غسقِ الليل جُمان يلوحُ في آبنوس
وقال بشار:
قومي اغبقيني فما صيغ الفتى حجراً ... لكن رهينه أحجار وأرماسِ
اليوم خمرٌ ونغدو في غدٍ خبرا ... والناس ما بين إنعامٍ وإبآسِ
روِّي عظامي لكي أنفي الهموم بها ... لا يصحب الهم قرع السن بالكاس
علي بن جبلة:
стр. 143
دع الدنيا فللدنيا أُناسُ ... ألذُّ العيش إبريقٌ وطاسُ
وصافيةٍ لها في الرأس لينٌ ... ولكن في النفوس لها شماسُ
كأن يد النديم تديرُ منها ... شعاعاً لا يحيط عليه كاسُ
معتقةٍ إذا مزجت أضاءت ... فأمكن قابساً منها اقتباس
تخال بعين شاربها نُعاساً ... وليس سوى المدام به نعاسُ
عبد الله بن المعتز:
سقاني الخمر من يده سُحيراً ... وفي أجفانه مرضُ النعاس
ويسراه مقرطقةٌ بكوزٍ ... ويُمناه مُتوجةٌ بكاسِ
وقال:
غدوت إلى كاسِ ورحت إلى كاسِ ... ولم أر فيما تشتهي النفس من باس
ومشتبهٍ بالبدر في أعين الورى ... من الناس إلا أنه أملحُ الناس
سقاني خمراً من يديه ولحظه ... فأسكرني سكرين من بين جُلاسي
إذا جاد لي عند الخِلاس بقبلةٍ ... وجدتُ لها برداً على حر أنفاسي
وقال تميم:
ناولتها شبه خدَّيها معتقةً ... خمراً كأن سناها ضوءُ مقياسِ
فقبلتها وقالت وهي ضاحكةٌ ... وكيف تسقي خدود الناس للناسِ
قلت اشربي إنها دمعي وحمرتها ... دمي وطابخها في الكأس أنفاسي
قالت إذا كنت من حبي بكيت دماً ... فسنيها على العينين والراسِ
يا ليلةً بات فيها البدر معتنقي ... وباتت الشمس فيها بعض جُلاسي
وبت مستغنياً بالثغر عن قدحٍ ... وبالخدود عن التفاح والآسِ
ابن المعتز:
وعاقد زنار على غُصنُ الآس ... مليح دلال مُخطف الكشح مياس
سقاني عقاراً صبَّ فيها مزاجها ... فاضحك عن ثغر الحباب فم الكاس
وقال:
اشرب فقد دارت الكئوسُ ... وفارقت يومك النحوسُ
في كل يومٍ جديدُ روضٍ ... عليه دمعُ الندى حبيسُ
ومأتم في السماء يبكي ... والأرض من تحته عروسُ
الصنوبري
يا نديمي دع المكاس وهاك الراح خذها ولات حين مكاس
لم تشعشع في الكأس إلا كستنا ... حللاً من شعاعها في الكاسِ
هاكها عُصفرية اللون إلا ... أنها عنبرية الأنفاس
الأمير تميم:
قد دعانا إلى الصبا الناقوسُ ... حين حنَّت إلى الصباح النفوسُ
ورداء الهواء قد رقَّ حتى ... كاد يخفى نسيمه المحسوس
وكأن الصباح والليل لمَّا ... أسفر الفجر أسعد ونحوسُ
حبذا الراح كلما شيع الراح بألحاظه الغزال الأنيس
واستحث الكئوس وهي صباحٌ ... وسقانا المدام وهي شموسُ
وقال:
طاب شربُ الخندريس ... ومعاطاةُ الكئوسِ
بسماع يخلق اللذات في سرِّ النفوس
من وجوه زاهراتٍ ... لم تكدر بعبُرس
علي بن جبلة:
وشمولٍ أرقها الدهر حتى ... ما تُوارى قذاتها بلبوس
وردة اللون في خدود الندامى ... وهي صفراء في خدود الكئوس
وكأن الشعاع منها على الكف جسادٌ على مذال عروس
لطفت فاغتدت تحل من الأجساد، من لطفها، محل النفوس
حرف الضاد
قال عبد الله بن المعتز بالله:
ذهب كئوسك يا غلام فإن ذا يومٌ مفضض
والجو يُجلى في البيضا وفي حُلى الكافور يُعرض
ورد الربيع مُلون ... والورد في كانون أبيض
وقال أيضاً:
كأنما الغيم لما حثَّ أوله ... مضارب الحيَّ تعلو ثم تنخفض
كأنما الشربُ والساقي يحثهم ... طبيب رفق وأقوامٌ بهم مرضُ
وقال:
ألا يقساني والظلامُ مقوض ... ونجم الدجى في حلبة الليل يركضُ
كأن الثريا في أواخر ليلها ... تفتح نورٍ أو لجامٌ مفضضُ
وقال:
لا شرب إلا بكفِّ جارية ... ذات دلال في طرفها مرضُ
كأن في الكأس حين تمزجها ... نجوم رجمٍ تعلو وتنخفضُ
حرف العين بخلوّ الطاء والظاء
قال عبد الله بن المعتز:
стр. 144
ورضيعٍ راضعت في كبر السنِّ فأضحى أخاً لديَّ مُطاعا
لم يكن بيننا رضاع ولكن ... صيَّرت بيننا الكئوس رضاعا
تميم:
الراح أجمع للسرور وأنفع ... في مثل ذا اليوم الذي يتلمع
صحو وغيمٌ في سماءٍ أصبحت ... وكأنها بهما غراب أبقع
يومٌ كأن الريحَ في أرجائه ... لحفٌ مشققةٌ تمرُّ وترجعُ
فاشرب فذا وجه الرِّياض مرصع ... واطرب فذا وجه السماء مُجزع
وقال ابن بسَّام:
أما ترى اليل قد ولّت غياهبه ... وعارض الفجر بالإشراق قد طلعا
فاشرب على وردة [حمراء قد] قَدُمت ... كأنها خد ريمٍ ريم فامتنعا
وقال ابن المعتز:
وراهبةٍ أفنت قروناً وأعصرا ... لها برنس قارٌ ورأس مقنَّعُ
ظفرنا بها في الدنِّ بكراً وبينها ... وبين قطاف الكرم عاد وتبع
فلما استقرت في الزجاج حسبتها ... سنى البرق في داجٍ من الليل يلمعُ
وساقٍ له سبعٌ وسبعٌ كأنه ... هلالٌ [له] خمسٌ وخمسٌ وأربع
تناقلُها منها كأنها ... نجومٌ على أيدي المديرين وقَّعُ
إذا قرعوها بالمزاج رأيتها عليهنَّ أحياناً تغيب وتطلع
فبتنا وبيتَّتنا الهوى في إنائها ... خليط مقيم لا خليط مودِّع
وقال:
وشمس نهار قد سبقت طلوعها ... بشمسٍ عقارٍ في الزجاجة تطلع
فما انبلج الإصباح حتى رأيتني ... أقوم إلى برِّ النديم فأركع
وقال أبو نواس:
أعاذل إن اللوم منك وجيع ... ولي إمرةٌ أعصي بها وأُطيع
كفيت الصبا من لا يهش إلى الصبا ... وجمعت منه ما أضاع مُضيع
أعاذل ما فرطت في جنب لذةٍ ... ولا قلت للخمار كيف تبيعُ
أسامحه، إن المكاس [ضراعة] ... ويرحل عرضي عنه وهو جميع
وقال أيضاً:
ما مثل هذا اليوم في حسنه ... عُطل من لهوٍ، ولا ضُيعا
فما ترى فيه، وما الذي ... تريد في ذا اليوم أن تصنعا
هل لك أن تغدو على قهوةٍ ... تسرع في المرءِ إذا أسرعا
ماوجد الناسُ ولا جربوا ... للهم شيئاً مثلها مدفعا
حرف الغين
قال الشاعر:
صفراء تُطرق في الزجاج فإن سرت ... في الجسم هبَّت هبَّ صِلٍّ لادغ
خفيت على شرابها فكأنما ... يجدون رِياً في إناءٍ فارغِ
حرف الفاء
قال أبو نواس:
ومدامة تحيا النفوس بها ... جلت مآثرها عن الوصفِ
قد عُتِّقت في دنها حقباً ... حتى إذا آلت إلى النصف
سلبوا قناع الدنِّ عن رمقٍ ... حيِّ الحياة، مشارف الحتف
فتنفست في البيت إذ مزجت ... كتنفس الريحان في الأنف
من كف ساقيةٍ مقرطقةٍ ... ناهيك من حسن ومن ظرفِ
نظرت بعيني جؤذرٍ خرقٍ ... وتلفتت بسوالف الخشفِ
فشربت من يدها ومن فمها ... ورشفت منه أطيب الرشف
قالت وقد جعلت تمايلُ لي ... كتمايل الماشي على الدف
وجهي إذا أقبلت يشفع لي ... وبلاءُ قلبك حسنُ ما خلفي
وقال علي بن وكيع:
أما ترى الليل كيف قد خَرِفا ... وستر نور الصباح قد كشفا
وأقبل الفجر في عساكره ... وظل والي الظلام قد صُرفا
فقم بنا نصطبح مشعشعةً ... تُشرِّدُ الهمِّ أينما ثقفا
إذا علت في اللبيب سورتها ... أنكر من حكمه الذي عرفا
كأنها في الكئوس إذ جُليت ... من عسجدٍ رقَّ لونُهُ وصفا
أغضبها الماءُ حين خالطها ... فأزبدت في كئوسها أنفا
در حبابٍ يود مبصره ... لو كان يوماً لأُذنه شنفا
وإن سرت والظلام معتكرٌ ... كان من الشمس نورُها خلفا
стр. 145
مع رشإٍ تمَّ في ملاحته ... تخاله من رشاقةٍ ألفا
يهزُّ قلبي اهتزازه حذراً ... أخاف ينقدّ من رشاقةٍ ألفا
يهز قلبي اهتزازه حذراً ... أخاف ينقد قدُّه قصفا
يزينه في قوامه هَيَفٌ ... خادع قلبي على النهى فهفا
خاف احتراقاً بنار وجنته ... عذاره حين ظل منعطفا
لا أشرب الراح حين تحضرني ... حسبي خمرٌ بطرفِهِ وكفا
وقال تميم:
وساقٍ يدير على إلفه ... لهيباً من النار في كفه
عُقاراً كخديه محمرها ... وإسكارها كظبا طرفه
تحملت من حبه فوق ما ... تحمل خصراهمن ردفه
وصيرت نُقلي على كاسه ... شِفاءَ شفاهي في رشفهِ
وقال ابن المعتز:
عاطِ المدامة إخواناً تُسرُّ بهم ... فما لهذين إن فاتاك من خلفِ
وسامح القوم، واشرب ما سقوك فإن ... سقوك صرفاً فقد قالوا لك انصرف
وقال:
وندمان سقيت الراح صرفاً ... وأُفق الليل مرتفع السجوف
صفت وصفت زجاجتها فجاءت ... كمعني دقَّ في ذهنٍ لطيفِ
وقال:
بشَّر بالصبح طائرٌ هتفا ... مستعلياً للجدار مشترفا
مذكرا بالصبوح صاح بنا ... كخاطبٍ فوق منبرٍ هتفا
صفَّق إما ارتياحه لسنا الفجر وإما على الدجى أسفا
فاشرب عُقاراً كأنها قبسٌ ... قد سبك الدهرُ تبرها فصفا
يدمى لِثامُ الإبريق من دمها ... كأنه راعفٌ وما رعفا
وقال:
بنفسي مستسلمٌ للرُّقاد ... يكلمني السُّكرُ من طرفه
سريعٌ إلى الأرض من جنبه ... بطيءٌ إلى الكأس من كفه
قال تميم:
هزني للصبوح صبحٌ تبدى ... من خلال الدجى كغرة طرف
ونسيمٌ مُضَمَّخٌ بعبير الروض يُحيي من الخمار ويشفي
خذلته القوى وحركه الحرُّ بلين من الهواءِ ولُطفُ
هو برد على جوى كل قلبٍ ... وعبيرٌ يفوح في كل أنفِ
كلما هبَّ هبَّ فينا نشاطٌ ... وارتياح لكل عزفٍ وقصفِ
[و] كأن الهلال في الغرب يحكي ... متوفىً دعا به المتوفي
وكأن السحاب إذ نثر القطر محبٌ يبكي على بين إلفِ
فأديرا المدام صرفاً وإلاَّ ... فاسقياني إن شئتما غير صرفِ
في كئوسٍ تكاد تخطئها الأعين لحظاً من رِقّةِ المستشف
وقال كشاجم:
بات يعاطيني على حسنه ... خمراً بعينيه ومن كفه
وكان فيما بين دار بها ... أدنيت خلخاليه من شنفه
وقال:
ألا سقِّنيها قد مشى الصبح في الدجى ... عقاراً كلون النار حمراء قرقفا
فناولني كأساً أضاءَت بنانه ... تدفق ياقوتاً ودراً مجوفا
ولما أريناها المزاج تسعرت ... فخلت سناها بارقاً قد تكشفا
يطوف بها ساقٍ من الإنس شادنٌ ... يقلب طرفاً فاتر اللحظ مُدنفا
عليمٌ بألحاظ المحبين حاذقٌ ... بتسليم عينيه إذا ما تخوفا
فظل يناجيني بتقليب طرفه ... بأطيب من نجوى الضمير وألطفا
وقال:
سقى الله نهر الكرخ ما شاء ديمةً ... فإني بها حتى الممات مُكلفُ
منازل لهوٍ لا " كجرّ سويقةٍ ... وعرفان " لا زالت بها الجن تعزف
تدور علينا الراح من كف شادن ... له لحظ عينٍ يشتكي السقم مُدنفُ
كأن سُلاف الخمر من ماءِ خده ... وعنقودها من شعره الجعد يُقطفُ
أتعذلني في يوسف وهو من ترى ... ويوسف أبلاني ويوسف يوسُف
وقال الخليع:
ونديم حلو الشمائل كالدينار محض الخدود عذب مصفى
لم أزل بالخداع منّي أفديه وقد قام مائلاً يتكفى
قلت عبد العزيز يا بأبي أنت، فلبى، فقلت: لبيك ألفا
هاكها قال: هاتها قلت: خذها ... فثنى كفه إليها وأغفى
وقال ابن وكيع:
стр. 146
هتك الفجر عن سنا الصبح سجفا ... يا نديمي فسقني الراح صِرفا
في رياض إن هبَّ منها نسيمٌ ... رشفته القلوب بالسم رشفا
تستفيد القلوب إن هبَّ يوماً ... قوة منه كلما ازداد ضعفا
آخر:
إذا ما تسلفنا من الكرم لذةً ... تقاضى الكرى منا الذي نتسلف
وصرعة مخمورٍ رفعت بقرقفٍ ... وقد صرعتني قبل ذلك قرقف
نموت ونحيا تارةً بعد تارةٍ ... فتخلفنا أيدي المدام ونتلف
وقال أبو نواس:
غاد المدام بكفِّ ظبيٍ أهيف ... يسقيكها صِرفاً وغير مصرف
مشت العُقار بوجنتيه فأبدتا ... للعين ورد حديقةٍ لم تقطف
ثقلت عجيرته وأُرهف خصره ... لا بالرقيق ولا السمين المسرف
فالق الحرام إذا التقيت بمثله ... وامزج سلافة ريقه بالقرقف
وارتك مقال الناس عنك بمعزل ... وإذا مررت بربع قصف فاقصف
وقال:
وربَّ ندامى أوردتني أكفُّهم ... حياض سرورٍ من معتقةٍ صرف
بحمراء قبل المزج صفراء بعده ... رقاق حواشيها تجل عن الوصف
فلما تقضى الليل إلا حُشاشةً ... وضوء نهارٍ في بقاياه مستخفي
وصلنا صبوحاً بالغبوق تحثنا ... على الشرب أنواع اللذاذة والقصف
وقال ديك الجن:
أما ترى راهب الأسحار قد هتفا ... وحث تغريده لما علا الشعفا
أوفى بصبغِ أبي قابوس مفرقه ... لوجهه التاج لما عوليت شرفا
مُشنفاً بعقيق حول مذبحه ... هل كنت في غير أُذن تعقد الشنفا
كأنما التف في هُداب راهبةٍ ... يستوحش الأُنس إلا بيعه أنفا
لما أراحت رعاة الليل عارية ... من الكواكب كانت ترتعي السدفا
هز اللواء على ما كان من سنةٍ ... واهتز ثم علا، وارتج ثم هفا
ثم استمر كما غنى على طربٍ ... مرنحٌ قد علا تطريبه وصفا
إذا استهل استهلت حوله عُصبٌ ... كالحي صيح صياحاً فيه فاختلفا
فاصرف بصرفك وجه الماء يومك ذا ... حتى ترى نائماً منهم ومنصرفا
فقام ملتحفاً كالبدر مطلعاً ... والظبي ملتفتاً والغصن منعطفا
رقت غلالةُ خديه فلو رميا ... باللحظ أو بالمنى هما بأن يكِفا
كأن قافاً أُديرت فوق وجنته ... واختط كاتبها من فوقها ألفا
فاستل راحاً كبيض وافقت حجنا ... خلالنا أو كنارٍ صادفت سعفا
فكان في ضوئها، إذ قام مصطبحا، ... وضوءِ وجنته ما عمنا وكفى
صفراء أو قل ما اصفرت فأنت ترى ... ذوباً من الدر رصوا فوقه صدفا
فلم يزل في ثلاث واثنتين وفي ... خمسٍ وعشرٍ وما استعلى وما لطفا
حتى حسبت أنوشروان من خولي ... وخلت أن نديمي عاشِر الخُلفا
الصنوبري:
وجه الصِّرف في وجوه الصروف ... آلفاً من صباك خير أليف
إنها دولة الرياحين والراح ومستقبل الزمان اللطيف
ما قضى في الربيع حق الفتوات مضيعٌ لها أوان الخريف
نحن منه على تلقي شتاءٍ ... يوجب القصف أو وداع مصيف
في قميصٍ من الزمان رقيقٍ ... ورداء من الهواء خفيفِ
يرعد الماء منه خوفاً إذا ما ... لمسته يد النسيم الضعيف
سكنت فورة الهواجر عنا ... وكفتنا جور الزمان العنيف
في ليالٍ نجومها كالعذارى ... يتراءَين من خلال السجوف
أيهذا الصاحي من الوجد والناظرُ من غنجه بعين النزيف
ما لأقداحنا كرحل حيارى ... وأباريقنا كركبٍ وقوف
أوفِ كاساتنا ألست ترى العود يلوم السقاة في التطفيف
بركٌ توصف الجواشن فيها ... وسواقٍ تُسلُّ سلَّ السيوف
стр. 147
وغصونٍ يخفقن فوق رياضٍ ... خفقان الأعلام فوق الصفوف
عبد الله بن ذكوان:
وعذراء بكرٍ في الصباح افتضضتها ... وحادي الدُّجى ينعي الظلام ويهتف
وقلت لأصحابي اشربوها فإنني ... بأمثالها رحب اليدين مكلفُ
فما نور الإصباح حتى رأيتهم ... سكارى وبعضٌ بعضهم ليس يعرفُ
فلما أفاقوا قلتُ عودوا لمثلها ... فعادوا فظلت كأسهم تتلقف
سرت فيهم راحٌ عقارٌ سلافةٌ ... يظلُّ أخوها بالأنامل يزحف
إذا صدمته الكأس ظلَّ كأنه ... أميرٌ على أعواده يتشرَّفُ
حرف القاف
[قال ابن المعتز] :
أتاني والإصباح ينهضُ في الدجى ... بصفراءَ لم تفسد بطبخٍ وإحراقِ
فناولنيها والثريا كأنها ... جنى نرجسٍ حيا الندامى به الساقي
الأمير تميم:
شربنا على نوح المطوَّقة الوُرقِ ... وأردية الروض المفوفةِ البلقِ
معتقةً أفنى الزمانُ وجودها ... فجاءت كفوت اللحظ أورقة العِشقِ
إلى أن تولى النجمُ وهو مغربٌ ... وأقبلن رايات الصباح من الشرق
كأن السحاب الغر أصبحن أكؤساً ... لنا وكأن الراح فيها سنى البرقِ
كأن سواد الليل والصبح طالعٌ ... بقية لطخ الكحلِ في الأعين الزرق
ابن المعتز:
أباح عيني لطول الليل والأرق ... وصاح إنسانها في الدمع بالغرق
ظبيٌ مُخلى من الأحزان أودعني ... ما يعلم الله من حزن ومن قلق
كأنه وكأن الكأس في فمه ... هلال أول شهر عبَّ في شفقِ
وقال:
وحمراءَ قبل المزج صفراء بعده ... أتت بين ثوبي نرجسٍ وشقائقِ
حكت وجنة المعشوق صرفاً فسلطوا ... عليها مزاجاً فاكتست لون عاشِقِ
ومن عرف الأيام لم يغترر بها ... وبادر باللذات قبل العوائق
وقال:
وندمانٍ دعوت فهبَّ نحوي ... وسلسلها كما انخرط العقيقُ
كأنَّ بكاسِها ناراً تلظى ... ولولا الماءُ كان لها حريقُ
كأن غمامة بيضاءَ بيني ... وبين الراح تحرقها البروقُ
وقال أبو نواس:
وكأس مدامةٍ في كفِّ ساق ... تضيء الليل مضروب الرِّواقِ
بلونٍ رقَّ حتى كاد يخفى ... على عيني، وطاب على المذاقِ
أتت من دونها الأيام حتى ... عدمنا جسمها والروح باقِ
وقال ابن المعتز:
قمر طالع وروض أنيقُ ... وغناءٌ حلوٌ وزمرٌ رقيقُ
وكئوسٌ كأنهنَّ قشور اللؤلؤ الرطب حشوُهُنَّ بروق
وحنين الأوتار حين هذا الليل وطابت لسامعيها الحلوق
آخر:
ومغرم باصطباح الراح باكرها ... في فتيةٍ باصطباح الراحِ حُذاق
فكل كفٍّ رآها ظنها قدحاً ... وكل شخصٍ رآه ظنَّه الساقي
ابن وكيع:
وشمس سلاف كأن العبير من ريح فائحها استنشقا
تناولها من يدي صاحبي ... وثوب دجا الليل قد أخلقا
فكان له فمُها مغرباً ... وكان لها خدُّه مشرقاً
وقال:
قم فاسقني صافيةً ... تهتك ستر الغسقِ
أما ترى الصبح بدا ... في ثوب ليلٍ خلقِ
أما ترى جوزاءَه ... كأنها في الأُفقِ
منطقةٌ من ذهبٍ ... فوق قِباءٍ أزرقِ
وقال:
وصفراء من ماءِ الكروم كأنها ... فراقٌ عدوٍّ أو لقاءُ صديقِ
كأن الحباب المستدير بطوقها ... كواكب درٍّ في سماء عقيقِ
صببت عليها الماء حتى تعوضت ... قميص بهارٍ من قميص شقيق
وقال:
سُكرانِ ما أنا منهما بمفيق ... ما عشت، سكرُ هوىً وسكر رحيق
قم يا غلام أدِر مدامك بيننا ... بالجام والطاسات والإبريق
لا سيما والرِّيح تحمل نحونا ... أنفاس مسكٍ في الرياض فتيق
стр. 148
والطلُّ من فوق الشقيق كأنه ... دُررٌ نُثرن على بساط عقيق
ابن المعتز:
من أعان الهموم والدهر والبين على نفسه بحزنٍ وضيق
فأنا أدفع البلية عني ... بثلاثٍ رواتقٍ للفتوق
فالرزايا ليست تداوى بشيءٍ ... كمدام وقينةٍ وصديق
عديّ بن زيد:
بكر العاذلون في فلق الصبح يقولون لي ألا تستفيق
ويلومون فيك يا ابنة عبد الله والقلب عندكم موهوق
لست أدري إذ أكثروا من ملامي ... أعدوٌ يلومني أم صديق
ثم نادوا إلى الصبوح فقامت ... قينةٌ في يمينها إبريقِ
قدمته على عقار كعين الديك ... صفَّى سلافها الراووق
مزَّةٌ قبل مزجها، فإذا ما ... مُزِجت لذَّ طعمها من يذوق
الحسين بن الضحاك:
وأبيض في حمر الثياب كأنه ... إذا ما بدا نسرينةٌ في شقائق
سقاني بكفيه رحيقاً وسامني ... فسوقاً بعينيه ولست بفاسِقِ
تصرم إدلاجي وقلَّ تروحي ... إلى كاس راحٍ أو نديم موافق
وكنت وما أنفك بين دساكرٍ ... أُباكر رقراقاً على وجه رائِقِ
إذا عبَّ في الصهباء راعك خدُّه ... بصفحة بدرٍ عبَّ في ضوء بارِقِ
وقال:
ألا غنياني قبل أن نتفرقا ... وهات اسقني صِرفاً شراباً مروقا
فقد كاد ضوء الصبح أن يفضح الدُّجى ... وهمَّ قميص الليل أن يتمزقا
وقال الصنوبري:
قم فاسقني راحاً نسيها ... مسكاً تضوع في الإناء فتيقا
شقَّت قناع الليل لما غادرت ... كفُّ النديم قناعها مشقوقا
صبغت سواد دجاه حمرةً لونها ... فكأنه سبج أُعيد عقيقا
ولقد أقول لصاحبي ألا صلا ... لي بالصبوح على الرفات غبوقاً
إن الرفات هو الرحيق وإنما ... يتعاطيان على الرحيق رحيقا
وقال آخر:
وسلافةٍ كدم الغزال كأنما ... مزجت بماء الورد والدرياق
باكرتها لما انجلى غسقُ الدجى ... وظلامه عن سائر الآفاق
وإذا بها الساقي أشار منازلاً ... خلت الثريا في يمين الساقي
وقال آخر: نور تحدر من فم الإبريق في ريح كافور ولون عقيق
صبغ الظلام ضياؤها لما بدت ... أستاره بلوامع وبروق
فكأنها سبجٌ رمى بثيابه ... ثم ارتدى منها بثوب شقيق
وكأنها وشعاعها متطايرٌ ... والماءُ يطفئها ضرام حريق
وقال آخر:
لا شيء أحسن في الدنيا ولذتها ... من عاشق قد خلا فرداً بمعشوقِ
نفسي الفداء لظبي بات يسعدني ... ليلاً على قبض أرواح الأباريقِ
حرف الكاف
قال ابن المعتز:
عاذلي في المدام لا أُرضيكا ... إن جهلاً ملامُ من يعصيكا
لا تسمِ المُدامَ إن لمت فيها ... فتشين اسمها المليح بفيكا
فاسقيانا يا ساقيينا عقاراً ... بنت عشر تخال فيها السبيكا
وإذا الماءُ شجَّها خلتَ فيها ... لؤلؤاً فوق عسجدٍ مسبوكا
وقال ابن وكيع:
يقول الناس قد تبتَ من الراح وحاشاكا
إذا تبتَ من الراح فقد طلقت دنياكا
وقال:
قم فاسقني قهوةً إذا انبعثت ... في باخلٍ جاد بالذي ملكه
كأن أيدي الرياح قد نسجت ... لنا على [سطح] مائه شبكة
وقال:
فتكَ الصبح بالظلام فقم أنت فافتِك
واشرب الراح خالعاً ... لثياب التنسكِ
إنما العيش كله ... في الصبا والتهتُّك
ما ترى الصبح قد بدا ... في قميصٍ ممسَّكِ
ابن المعتز:
أديرا عليَّ الكأس ليس لها التركُ ... ويا لائمي، لي فتنتي ولك النُّسكُ
وخلوا فتىً باللهو والكاسِ مغرماً ... فما عنده سمعٌ، فهل عندكم ترْكُ
ديك الجن:
وقنانٍ زواهرٍ هنَّ بالشمس من الشمس بالقلائد أحكا
стр. 149
يتبسمن قائماتٍ صفوفاً ... فإذا ما ركعن قهقهن ضحِكا
قلتُ خذها وعاطنيها سلافاً ... ذهباً في الزجاج يُسبك سبكا
وقال آخر:
ومشمولةٍ صاغ المزاج لرأسها ... أكاليل درٍّ ما لمنظومها سِلك
جرت حركات الدهر فوق سكونها ... فجاءت كذوب التبر أخلصه السبك
يطوف بها ساق نبيلٌ بمبزلٍ ... كخنجر عيارٍ صناعته الفتكُ
وحُمٍّل آذريونةً فوق أذنه ... ككأس عقيق في قراراتها مِسكُ
وأدرك منها الآخرون بقية ... من الروح في جسم أضربه النهكُ
فردَّت علينا الشمس ترفل في الدجى ... فكان لستر الليل من نورها هتكُ
إذا سكنت قلباً تروَّح همُّه ... فطابت له دنياه واتسع الضنك
وما المُلك في الدنيا بهمٍّ وحسرةٍ ... ولكنما ملك السرور هو الملك
الحسين بن الضحاك:
ساقٍ ترى الشمس فوق راحته ... والليل في لجةٍ من الحلك
أُعطيه مشمولةً فيأخذها ... أخذَ عزيز أوفى على دركِ
كأنما نُصب كأسه قمرٌ ... يكرع في بعض أنجم الفلك
حرف اللام
قال أبو نواس:
وخيمة ناطور برأس منيفةٍ ... تهم يدا من رامها بزليل
وضعنا بها الأثقال قبل هجيرةٍ ... عبورية تُذكى بغير فتيلِ
حلبتُ لأصحابي بها دُرة الصبا ... بصفراء من ماء الكروم شكولِ
إذا ما أتت دون اللهاة من الفتى ... دعا همهُ من صدره برحيل
فلما توفى الشمس جنحٌ من الدُّجى ... تصابيت واستجهلتُ غير جهول
وأنزلت حاجاتي بحقوي مساعدٍ ... وإم كان أدنى صاحبٍ ودخيلِ
وعاطيت من أهوى الحديث كما بداوذللتُ صعباً كان غيرَ ذليلِ
فغنى وقد وسدت يسراي خدَّه ... ألا ربما طالبتُ غير مُنيل
كفى حزناً أن الجواد مقترٌ ... عليه ولا معروف عند بخيلِ
وقال:
يا رب صاحب حانةٍ قد رُعتُهُ ... فبعثته من نومه المتزمل
ولها دبيب في العظام كانه ... قبض النعاس وأخذه بالمفصل
مما تخيره التجار، ترى لها ... قرصاً إذا ذيقت كطعم الفُلفُلِ
عبقت كفوفهم بها فكأنما ... يتنازعون بها سِخاب قرنفلِ
تسقيكها كفُّ إليك حبيبةٌ ... لا بدَّ، إن بخلت وإن لم تبخلِ
وقال:
كان الشبابُ مطيةَ الجهل ... ومحسن الضحكات والهزلِ
كان الجميل إذا ارتديت به ... ومررت أخطر صيَّت النعلِ
كان الفصيحَ إذا نطقتُ به ... وأصاخت الآذان للمُمْلي
كان المشفع في مآربه ... عند الفتاة ومدرك التبلِ
والباعثي والناس قد رقدوا ... حتى أبيت خليفة البعلِ
والكأس أهواها وإن رزأت ... وفر المعاش وقللت فضلي
صفراء مجدها مرازبُها ... جلَّت عن النظراء والمثلِ
ذخرت لآدم قبل خلقته ... فتقدمته بخطوةِ القبل
فأتاك شيءٌ لا تلامسه ... إلا بلطفِ غريزة العقل
فإذا علاها الماءُ ألبسها ... حبباً شبيه خلاخل الحجلِ
حتى إذا سكنت جوامحها ... كتبت بمثل أكارع النملِ
خطين من شتى ومجتمع ... غفل من الإعجام والشكل
فاعذر أخاك فإنه رجلٌ ... مرنت مسامعه على العذل
وقال:
لا تُعرِّج بدارس الأطلالِ ... واسقنيها رقيقة السِّربال
مات أربابها وبادت قُراها ... وبراها الزمان بري الخلال
فهي بكر كأنها كلُّ شيءٍ ... حسنٍ طيِّبٍ لذيذٍ زلالِ
عتقت في الدِّنان حتى استعارت ... نور شمس الضحى وبرد الظلالِ
стр. 150
ولعمرُ المدام إن قلت فيها ... إن فيها لمسرحاً للمقال
وقال:
وخمرٍ سباها التجر من أرض بابلٍ ... كرفةِ ماء الحسن في الأعين النُّجل
إذا مزجت بالماءِ خلتَ حبابها ... عيون الدبا من تحت أجنحة النمل
إذا ما تحساها النديم رأيته ... خلياً من الأحزان مجتمع الشملِ
وقال:
وخندريس باكرتُ حانتها ... فودجوا خصرها بمبزالِ
فدرَّ عِرقٌ على ترائبها ... كأن مجراه فتلُ خلخالِ
وبتُّ أسقى ومن كلفتُ به ... سلافةً صُفِّقت بسلسالِ
وقال ابن وكيع:
أعفِ قلبي من العتاب وسمعي من العذل
فبه عن جميع من لام في لذة ثَقِل
واسقني أو ترى خضاب دجى الليل قد نصل
من سلافٍ كأنها ... هي في كأسها زُحل
ليس إلا بها يتم السرور منها لِمن عقل
دولة للسرور ناهيك عن سائر الدول
فاجلها في مورداتٍ وصفرٍ من الحُلل
إنما العيش فرصة ... فانتهز فرصة الأمل
وقال:
اسقني الراح برغم العاذلِ ... قهوة تفسدُ عقل العاقل
اسقني حتى تراني جاهلاً ... إن أحلى العيش عيش الجاهل
مسلك الحق شديد فازوني ... عنه واسلك بي طريق الباطل
وقال:
علل فؤادك فالدنيا تعاليل ... لايشغلنك عن اللهو الأباطيلُ
ولا يصدَّنك عن أمرٍ هممت به ... من العواذل لا قالٌ ولا قيلُ
قم فاسقني النص مما حرموه ولا ... تعرِض لما كثرت فيه الأقاويل
عروس كرم أتت تختال في حُللٍ ... صفرٍ على رأسها للمزج إكليل
كأنها بأكف القوم إذ جليت ... ذوب من الذهب الإبريز محلول
في فتيةٍ جعلوا للهو طاعتهم ... فما لهم عن طريق اللهو معدول
وقال:
لا تقبلن من الرشيد كلامه ... وإذا دعاك أخو الغواية فاقبلِ
ودع التزهد والتجمل للورى ... فالعيش ليس يطيب للمتجمل
وقال ابن المعتز:
ألا عللاني قبل أغبر مظلمٍ ... بعيدٍ من الخلان من هو نازله
رأيت الفتى إن مات يورث مالُهُ ... وتنكح أزواجاً سواه حلائله
ذراني أنعم في الحياة معيشتي ... وآكل مالي قبل من هو آكله
وقال تميم:
سقِّياني فلست أُصغي لعذلٍ ... ليس إلا تعلة انفس شغلي
أأطيع العذول في ضدِّ ما أهوى كأني اتهمت رأيي وعقلي
عللاني بها فقد أقبل الليل كلون الصدود من بعد وصلِ
وانجلى الغيم بعدما أضحك الروض بكاء السحاب فيه بوبلِ
عن هلالٍ كصولجان نُضارٍ ... في سماء كأنها جام ذبلِ
وقال ابن المعتز:
سقى الله في " غُمى " بقية منزلٍ ... ترامت به أيدي جنوبٍ وشمأل
ألا رب يوم فيه قصر طوله ... دم الزِّقِّ منزوفا بهات وعجلِ
معي كل مجرور الرِّداء سميذعٍ ... جوادٍ بما يحويه غير مُبخلِ
فإن تطلبنه تقتنصه بحانةٍ ... وإلا ببستان وكرمٍ مُظلل
فلست تراه سائلاً عن خليفةٍ ... ولا قابلاً من يعزِلون ومن يلي
ولا صائحاً كالعير في يوم لذةٍ ... يناظر في تفضيل عثمان أو علي
ولكنه فيما عناه وسرَّه ... وعن غير ما يعنيه، ناءٍ بمعزل
آدم بن عمر بن عبد العزيز:
هاك فاشربها خليلي ... في دجى الليل الطويل
قهوةً في ظل كرمٍ ... سبئت من نهر " بيل "
عتِّقت حولاً وحولاً ... بين كرم ونخيل
في لسان المرءِ منها ... مثلب طعم الزنجبيل
قل لمن يلحاك فيها ... من نصوحٍ أو عذول
إن تدعها، ترجُ أُخرى ... من رحيق السلسبيل
تبق بين الباب والدار على نعت الطلولِ
ابن أبي سلمة:
يا صاحبي ارتعا قليلاً ... فقد شجت قلبي الطلولُ
أرى عِراصاً معطلاتٍ ... فأين سكانها حلول
стр. 151
ما طرد الهمَّ مثل كاسٍ ... ترقص [في] قعرها الشُمولُ
جوهرة طُوِّقت ببدرٍ ... فهي رحيقٌ وسلسبيلُ
وقال ابن المعتز:
لا تقف بي في دارس الأطلال ... شُغل فعلي بها وشغل مقالي
إن دمعي لضائعٌ في رسومٍ ... وسؤالي محيلةً من محالِ
فاسقني القهوة التي تصف العِتق بلونٍ صافٍ وطعمٍ زلال
طعنت نحرها الأكفُّ ولكن ... تأخذ الثأر من عقولِ الرجال
حلف العلجُ أنهم طبخوها ... فرضينا ولو بعُود خلالِ
فأدرنا رَحَى السرور عليها ... بحرام مشبه بحلالِ
وقال:
أحسن من وقفةٍ على طللِ ... ومن بكائي في إثر مُحتملِ
كأسَ صبوحٍ أعطتك فضلتها ... كفّ حبيب والنقلُ من قُبَلِ
في مجلسٍ جالت الكئوس به ... فالقوم من مائلٍ ومنجدل
يطوف بالراح بينهم رشأٌ ... محكَّمٌ في القلوب والمقلِ
يكاد لحظُ العيون حين بدا ... يسفِك من خدِّه دم الخجل
وقال:
لا تلمني يا عذوليفي هوى الخمر الشَّمول
قهوة تذهبُ عنا ... بهمومٍ وعقولِ
خدِّرت من بعد نارِ الشمس في ظلِّ ظليلِ
بين أنهار وجناتٍ وكرمٍ ونخيل
فاستعن بالراح يا صاح على الليل الطويل
ويح نفسي من حبيبٍ ... خائن العهد ملولِ
وقال آخر:
وكأسٍ كمعسول الأكاني شربتُها ... ولكنها أجلت وقد شربت عقلي
إذا عوتبت بالماء كان اعتذارها ... لهيباً كوقع النار في الحطب الجزل
إذا [هي] دبَّت في الفتى خال جسمه ... لما دبَّ فيه قريةً من قُرى النملِ
إذا ذاقها وهي الحياة رأيته ... يعبِّسُتعبيس المقدم للقتل
إذا اليد نالتها بوترٍ توقرت ... على ضعفها ثم استقادت من الرجل
وقال ابن الرومي:
وقهوةٍ صهباءَ مشمولةٍ ... إحدى السبايا من قرى بابل
ما نزلت بالهمِّ إلا دعا ... للآهل الويل من النازِلِ
وقال ابن وكيع:
نادم مدامك دون الناس كلهم ... فرداً وحيداً ففيها عنهم شُغُلُ
مات الذين إذا حدثتهم فرحوا ... بما تقول وإن خاطبتهم عقلوا
لم يبق إلا أُناسٌ فاض عيبُهُم ... فجملة الأمر فيهم أنهم سَفَلُ
إن حدثوا كذبوا أو حُدثوا عرضوا ... أو مُوزحوا سخُفوا أو جُولسوا ثقلوا
وقال كشاجم:
حيِّ الربيع تحية المستقبِل ... أهدى السرور لنا بغيث مسبَل
جاءت بعزل الجدب فيه فبشرت ... بالخصب أنواءُ السِّماك الأعزلِ
فاعرف له حقَّ القدوم بقهوةٍ ... عذراء تُمزج بالزلال السَّلْسَلِ
صفراء تُجلى في الزجاج ويُتقى ... منها أليم القتلِ إن لم تُقتلِ
كالخد لاقته العيون فعصفرت ... مبيض وجنته بلحظٍ مخجلِ
من كف ميَّاس القوام كأنه ... ريحانة ريَّانة لم تذبُلِ
وقال ابن المعتز:
قم فاسقني يا خليلي ... من المُدام الشَّمولِ
أولى الشهور بقصفٍ ... شعبان في أيلول
قد زاد في الليل ليلٌ ... وطاب بردُ المقيلِ
حرف الميم
قال أبو نواس:
يا شقيق النفسِ من حكمِ ... نمت عن ليلي ولم أنمِ
فاسقني البكر التي اعتجرت ... بخمار الشيب في الرحم
عُتِّقت حتى لو اتصلت ... بلسانٍ ناطقٍ وفمِ
لاحتبت في القوم ماثلةً ... ثم قَصَّت قِصَّة الأُممِ
قرعتها بالمزاج يدٌ ... خلقت للسيف والقلمِ
في ندامة سادةٍ زهرٍ ... أخذوا اللذات من أممِ
فتمشت في مفاصلهم ... كتمشي البُرءِ في السقم
فعلت في البيت إذ مُزجت ... مثل فعل الصبح في الظلمِ
стр. 152
فاهتدى ساري الظلام بها ... كاهتداء السَّفر بالعَلَمِ
وقال صريع:
إذا شئتما أن تسقياني مدامة ... فلا تقتلاها؛ كل ميتٍ محرَّمُ
خلطنا دماً من كرمةٍ بدمائنا ... فأظهر في الألوان منا الدَّمَ الدَّمُ
وقال أبو نواس:
صفة الطلول بلاغة الفدمِ ... فاجعل صفاتك لابنة الكرم
لا تُخدعن عن التي جُعلت ... سُقم الصحيح وصحة السُّقمِ
وصديقة النفس التي حُجبت ... عن ناظريك، وقيم الجسمِ
شجت فعالت فوقها حبباً ... متراصفاً كتراصُفِ النظم
ثم انبرت لك عن مدب دبا ... عجلان صعَّدَ في ذرا أكمِ
فكأن عقبي طعمها صَبِرٌ ... وعلى البديهة مُزة الطعم
فعلام تذهل عنمشعشعةٍ ... وتهيم في طللٍ وفي رسمِ
وإذا وصفت الشيءَ متبعاً ... لم تخلُ من سقطٍ ومن وهمِ
وقال أيضاً:
اسقني يا ابن أدهما ... واتخذني لك ابنما
اسقنيها سلافةً ... سبقت خلق آدما
فهي كانت ولم يكن ... ما خلا الأرض والسَّما
وهي روح مخلِّصٌ ... فارق اللحم والدما
وقال أيضاً:
وكأس كعين الديك باتت تروقني ... على وجه معبود الجمال رخيم
إذا قلت عللني بريقك أقبلت ... مراشفه حتى يصبن صميمي
بنينا على كسرى سماءَ مدامة ... مكللةٍ حافاتها بنجوم
فلو رد في يحيى بن ساسان روحُهُ ... إذن لاصطفاني دون كل نديم
وقال:
وشرابٍ ألذ من نظر المعشوق في وجه عاشقٍ بابتسامِ
لا غليظ تنبو الطبيعة عنه ... نبوة السمع عن شنيع الكلام
بنت عشرٍ صفت فلو صُبَّت على الليللا راح كل ظلام
في رياض ربعيةٍ بكر الروض عليها بمستهلِّ الغمام
فتوشت بكل نورٍ أنيقٍ ... من فرادى نباته وتُؤامِ
فترى الشرب كالأهلة فيه ... يتحسون خُسروي المُدام
وقال:
أتدري من تلوم على المدام ... فتىً فيها أصمَّ عن الملام
فتىً لا يأخذ النشوات إلاَّ ... بإبريق وطاسات وجام
أنا ابن الكأس أرضعها ومالي ... إلى يوم القيامة من فطام
وأشربها مع الفتيان مثلي ... فتمتزج الكريمة بالكرام
أجلُّ عن اللئيم الكأس حتى ... كأن الخمر تعصرُ من عظامي
وقال ابن وكيع:
أسقني من قهوةٍ مشمولةٍ ... تخلص النفس بها من همِّها
لا تذقها الماءَ في كاساتها ... حسبها ما شربت في كرمها
وقال أيضاً:
إشرب فقد طابت المُدام ... وافترَّ عن ثغره الغمامُ
من قهوةٍ حُرِّمت علينا ... فالصبر عن مثلها حرامُ
إذا استذم الأسى إليها ... فما له عندها ذمام
طوَّقها الماءُ طوق دُرٍّ ... ليس لمنثوره نظام
كأنها تحته كُميت ... عليه من فضة لجام
إذا بدت للهموم ظلت ... وهي لإعظامها قيامُ
تلوذ منها فلا لياذٌ ... ينفع منها ولا اعتصامُ
في فتيةٍ كلهم كريم ... وخير من يصحب الكرامُ
تكسد سوق الفتاة فيهم ... ظرفاً ولا يكسدُ الغلامُ
أئمة كلهم عليمٌ ... بكلِّ ما فعله أثام
لكنني فيهم على ما ... وصفت من فعلهم إمامُ
وعندنا شادنٌ غريرٌ ... في لحظ أجفانه سقامُ
للحسنِ قدَّامَهُ جيوشٌ ... للصبر قدامها انهزامُ
يخف في حبه التصابي ... كمثل ما يثقل الملامُ
ذا العيش فافطن له وبادرمن قبل أن يفطُن الحمامُ
فانعم فيومُ السرور عندي ... يومٌ، ويومُ الهمومِ عامُ
الأمير تميم:
مزاجكما الخمرَ بالماءِ لُومُ ... دعاها كما ولدتها الكروم
стр. 153
وحُا ولا تخشيا نشوتي ... فغيري المُسيءُ عليها الملومُ
لأني يَسُرُّ ارتياحي المدا ... مَ ويرضى خصالي عليها النديمُ
خليليَّ أسبل ثوبُ الدُّجى ... وطاب الهواءُ ورقَّ النسيمُ
فإن لم يكن فيكما مُسعِدٌ ... فإني بإسعاد نفسي زعيمُ
الحسيم بن الضحاك:
ليت نجوم السماءِ واقفةٌ ... على دجى ليلنا فلم ترِمِ
ما لسروري بالشك ممتزجاً ... حتى كأني أراه في الحلم
أمسح عيني مستتبعاً نظري ... إخالني نائماً ولم أنم
سقياً لليل أفنيتُ مدته ... ببارد الرِّيق طيب النسم
أبيض مرتجةٌ روادفه ... ما عيب من قرنه إلى القدم
إذ عاكفات الظلام تسترنا ... حتى تجلت أواخر الظُّلم
أباحني نفسه ووسدني ... يُمنى يديه وبات ملتزمي
حتى إذا نفس المقدس في ... سحره أحوى أحم كالحُمم
عدنا إلى مسند بحانته ... كأنه مُقعدٌ من الهرم
عودته حكمه فأسرع بالبزل كعاداته ولم يسم
فاستلها كالشهاب ضاحكةً ... عن بارقٍ في الإناء مبتسمِ
في كل لونٍ من لونها شبهٌ ... إن أفردته العيون لم يقمِ
صفراء زيتية مُلمعةٌ ... بأُرجوان مُلمع ضرِم
عفو سلاف الربا بأكثرها ... مرّ الليالي ونكهة العدم
فالنشر عطرٌ والجسم رقرقة ... كالآل بين العيان والعدم
فلو ترانا في الفجر نأخذها ... لخلتنا عُكفاً على صنمِ
فتلك ريحانة أراحُ لها ... دبَّ فتوني بها مدب دمي
فراجع العذر إن بدا لك في الغدر وإن عدت لائماً فلُمِ
وقال:
كأن أباريق اللجين لديهم ... ظباءٌ بأعلى الرقمتين قيامُ
وقد شربوا حتى كأن رقابهم ... من اللين لم تخلق لهن عظام
وقال أيضاً:
من لصبٍّ لا يرعوي لِملام ... نضو سُكرين من هوى ومُدام
عاذَ من لوعة الصبابة بالكا ... سِ وخلىّ الملامَ للوامِ
يا نديميَّ لا تناما عن الراح ولا ترقبا سُفور الظلام
هاجني للصَّبوح نقرُ النواقيس ونجوى حمامةٍ وحمامِ
فاصبحاني قبل الصباح مُداماً ... قهوةً مرَّة بماءِ غَمام
وألماً على المنازل بالقُفص فنوحا نِياحة المستهام
وقال أيضاً:
باكر الصبحة هذا ... يوم عودٍ ومدام
ما ترى بالله أحسن آداب الغمام
بدأ الطلُّ بليلٍ ... ثم ثنى برهامِ
وانجلى مثل انجلاء الغمدِ عن متنِ الحُسام
فاشرب الراح بأرطالٍ وطاسات وجام
إنما الدنيا كوهمٍ ... أو كأحلام منام
كل شيءٍ يتوفى ... نقصه عند التمام
كشاجم:
يا ريم كم أدنو وأنت تريم ... وتنام عن ليلي ولست تُنيم
قم غير مذموم النِّدام فإنها ... ستقوم سوق اللهو حين تقوم
هذا الصباح فأضحك الإبريق عن ... شمس عليها في الزجاج نجوم
فأدارها والصبح في خلل الدجى ... كالجيش زنجياً غزته الرُّوم
فشربتها من طرفه وإناؤها ... في كفه، ورحيقها مختوم
راحٌ كأنَّ نسيمها متولدٌ ... من نشره، ومزاجها تنسيمُ
جاءت بنكهته وجاء بلونها ... في خدِّه فصبا إليه حليمُ
وكأن كسرى في الزجاجة سابحٌ ... في الماء يغرق تارةً ويعومُ
أُسقى على تمثاله برحيقه ... فكأنه لي صاحب ونديم
في مجلسٍ حبس الزمانُ صروفه ... عنا فظل العيش وهو نعيم
ابن المعتز بالله: إذا شئت غادتني السُّقاة بكاسها وقد فتح الإصباح في ليلةٍ فما
فخلت الدجى، والفجر قد مدَّ خيطه، ... رداءً موشىًبالكواكب مُعلما
وقال:
стр. 154
قد أظلم الليل يا نديمي ... فاقدح لنا النار بالمُدام
كأنني، والورى رقودٌ ... أُقبل الشمس في الظلام
وقال:
مولايَ أجدرُ من حكم ... صبراً عليه وإن ظَلَمْ
لعب القِلى بعهوده ... وكأنها كانت حُلُم
ومصرعين من الخُما ... رِ على السواعد واللمم
قتلتهُمُ خمَّارةٌ ... عمداً ولم تؤخذ بدم
وسقتهم مشمولةً ... ظلت تحدث عن إرم
لما أرتهم كأسها ... شربوا، وما قالوا بكم
ولو أنها قالت لهم ... صلوا لها، قالوا: نعم
هم عاكفون على الهوى ... لا يعرفون سوى الكرم
وقال:
يا ربِّ ليللٍ سحرٌ كلهُ ... مفتضحُ البدر عليلُ النسيم
يلتقط الأنفاس بردُ الندى ... فيه فيهديه لحرّ الهموم
لم أعرف الإصباح في ضوئه ... لما بدا إلا بسكر النديم
لبست فيه بالتذاذ الهوى ... ولذة الراح ثياب النعيم
وقال أيضاً:
قم فاسقني والظلامُ منهزم ... والصبح بادٍ في كفِّه عَلَمُ
والطير قد صفرت وأفصحت الألحان منها وكلها عُجمُ
وميلت رأسها الثريا إلى الغرب بأسوار وهي تحتشمُ
في الشرق كأسٌ وعند مغربها قرطٌ، وفي أوسط السما قدمُ وقال ابن الرومي:
ويتيمةٍ من كرمها ونديمها ... لم يُبق منها الدهر غير صميمها
لطفت فكادت أن تكون مُشاعة ... في الجو، مثل شعاعها ونسيمها
صفراء تنتحل الزجاجةُ لونها ... فتخال ذوب التبر حشو أديمها
ريحانةٌ لنديمها، درياقةٌ ... لسليمها، تنفي سقام سقيمها
الأمير تميم:
إشرب فما لؤم الزمان، وإنما ... أبناؤه مسخوا المكارم لُوما
ظهروا فكانوا للعيون مدامعاً ... وخفوا فكانوا للنفوس هموما
فلذاك آثرت التفرد والنوى ... وغدوت للراحِ المُدام نديما
وقال:
سقياني على العناقيد مما ... عصرته الأكف منها قديما
ما ترى الكرم كيف نضد ياقوتاً وأبدى زُمرداً منظوما
فهو يبدي للعين حباً ويخفي ... عسلاً في ظروفه مختوما
كنواصي القيان نظماً وكالشهد مذاقاً وكالعبير نسيما
غلطوا حين سموا الكرم كرماً ... لو أصابوا القياس قالواالكريما
فاسقني يا نديم واشرب بكاسي ... واقسم اللهو بيننا والنعيما
لا شربتُ المدام إن لم أُعظمْ ... فوق نفسي، على المدام النديما
ابن المعتز:
لم ينم ليلي ولم أنم ... نهب كفِّ الوجد والسقم
في سبيل العاشقين هوى ... لم أنل منه سوى التُّهم
ولقد أغدو على طربٍ ... والحيا راضٍ عن الديم
فاسقياني الراح صافيةً ... تُظهر الإصباح في الظلم
لا تلم عقلي ولُم طربي ... إن عقلي غير متَّهم
وقال:
يا حسدي للكئوس في يده ... تنال ما تشتهيه من فمه
يا ليتني نلتُ ما ظفرن به ... كئوسه من لذيذ مثلمه
شرابه مثل لون وجنته ... حبابه مثل دُرِّ مبسمه
وقال:
الآن تمَّ، فأهدى مقلةَ الرِّيم ... واهتز كالغصن في ميل وتقويم
قد بتُّ ألثمه والليل حارسُنا ... حتى بدا الصبحُ مُبيض المقاديم
وقام ناعي الدجي فوق الجدار كما ... نادى على مرقبٍ شارٍ بتحكيم
والبدرُ يأخذه غيم ويتركه ... كأنه سافر عن خدِّ ملطوم
فظن ما شئت من حاجات ذي طربٍ ... مقتضيةٍ وسؤالٍ غير محروم
إثنان كالفرد من طول اعتناقهما ... باتا بعيشٍ حميدٍ غير مذمومِ
يا ليلة الوصل ليت الصبح يهجرنا ... يا ليلة الوصل دومي هكذا دومي
باتت أباريقنا حمراً عصائبها ... بيضاً ذوائبُها غُصَّ الحلاقيم
стр. 155
رواكعاً كلما حثَّ السقاةُ بها ... تلقى الكئوس بتكبيرٍ وتعظيم
فلم نزل ليلنا نُسقى مشعشعة ... كأنما الماءُ يغريها بتضريم
أبقى الجديدان من موجودها [عجباً] ورائحةً في غير تجسيم
حمراء، أو قلما أحمرَّت، موردة ... طافت علينا فسرَّت كل مهموم
كأن في كاسِها والماءُ يقرعُها ... أكارع النمل أو نقش الخواتيم
لا صاحبتني يدٌ لم تُغنِ ألف يدٍ ... ولم ترد القنا حُمرَ الخياشيم
بادر بجودك بادِرْ قبل عائقةٍ ... فإن مطل الفتى عندي، من اللوم
وقال:
أخذت من شبابي الأيام ... وتولى الصِّبا ﵇
وارعوى باطلي وبرَّ حديث النفسُ مني وعفت الأحلام
ونهاني الإمام عن سفه الكاس فرُدت على السقاة المُدام
ولقد حثَّ بالمدامة كفِّي ... غصن بانٍ عليه بدرُ تمام
عجبٌ يبهت العيون ويشتا ... قُ إليه التقبيل والالتزام
وندامايَ في شباب وحسنٍ ... أتلفت ما لهم نفوسٌ كرامُ
بين أقداحهم حديثٌ قصيرٌ ... هو سحرٌ وما سواه كلام
وغناءٌ يستعجل الراح بالراح كما ناح في الغصونِ الحمامُ
وكأن السقاة بين الندامى ... ألفاتٌ على السطور قيامُ
وقال:
قد نعى الديكُ الظلاما ... فاسقني الراح المُداما
قهوة بنت دنان ... عتقت خمسين عاما
خلتها في البيت جنداً ... صُفِّفوا حولي قياما
جعل العِلجُ لها من مدراتِ الطينِ هاما
معلماتٍ بمدادٍ ... خلته فيهن شاما
وتراها، وهي صرعى ... فرغٌ بين الندامى
مثل أبطال حروبٍ ... قُتلوا فيها كراما
وقال:
ألا عُج على دار السرور فسلم ... وقل: أين لذاتي وإن لم تكلم
وقل ما حلت بالعين بعدك لذة ... سواك فإن لم تعلمي ذاك فاعلمي
وصفراء من صبغ الهجير لرأسها ... إذا مزجت، إكليلُ درٍّ منظم
وقال:
يا رب يومٍ قد مضى ... بالقادسية لو يدوم
في ظل كرمٍ لا يطوف به الهجير ولا السمومُ
وسماؤه الورق الجديد وأرضه الوق الهشيم
ويحثني بالكاسِ ساقٍ ... لحظُ مقلتِهِ سقيمُ
أغرى بقبلته كما ... يُغرى بمرضعة فطيم
يا من يلوم على الهوى ... دعني فذا داءٌ قديم
وقال أبو نواس:
شُققتُ من الصِّبا واشتُقَّ مني ... كما اشتُقَّت من الركم الكروم
فلست أُسوفُ اللذات نفسي ... وأدفعها كما دفع الغريمُ
وندمان دعوت فهبَّ وهناً ... وقد أخذت مطالعها النجوم
أجر الزقَّ وهو يجر رجلاً ... يجوزُ بها النعاس، ويستقيم
إسحق الموصلي:
وصافية تغشى العيون رقيقةً ... رهينة عامٍ في الدنان وعام
أدرنا بها الكأس الروية موهناً ... من الليل حتى إنجاب كل ظلام
فما ذر قرن الشمس حتى رأيتها ... من العين تحكي أحمد بن هشام
الصنوبري:
وليلةٍ كالزخرف المُعلم ... محفوفة الظلماءِ بالأنجمِ
تعلق الصبحُ بأرجائها ... تعلق الأشقر بالأدهم
عدلتُ فيها بين خمرين من ... خمر العناقيد وخمر الفم
تناولُ الجام يدي من يدي ... موشية الراحة والمعصم
شبهتُ ذُوب الراح في جامها ... بذوبِ دينارٍ علىدرهم
وقال ابن المعتز:
يا خليليَّ هُبا ... واسقيانا المُداما
قد لبسنا صباحاً ... وخلعنا الظلاما
وتروم الثريا ... في الغروب المراما
كانكباب طمرٍ ... كاد يُلقي اللجاما
أبو محمد التيمي:
هلاَّ استعنت على الهموم ... صفراء من حلب الكروم
ووهبتَ للعيشِ الحميد بقية العيش الذميم
стр. 156
وحسبت أيام الشبا ... ب على النواعمِ والنعيم
أقداحها وسُقاتُها ... مثل الأهلةِ والنُّجوم
يُهدي التحية بينهم ... نظرُ النديم إلى النديم
فانعم بذاك فليس يكرم نفسه فير الكريم
ابن المعتز:
لا يطيب العيش إلاَّ ... بمدامٍ ونديم
فاسقني قبل طلوع الشمسِ من ماءِ الكرومِ
صِلْ بنور الكأس نور الشمس يا خير حميم
فهما شمسان في الصبح وفي الليل البهيم
حرف النون
قال أبو نواس:
أسقني يا ابن أذين ... من شراب الزَّرجون
أسقني حتى ترى بي ... جِنة غير جنونِ
قهوةً عُميَ عنها ... ناظرا ريب المنون
عُتقت في الدن حتى ... هي في رقة ديني
ثم شجت فأدارت ... فوقها مثل العيون
حدقاً ترنو إلينا ... لم تُحدق بجفون
ذهباً يُثمر دراً ... كل إبانٍ وحين
بيدي ساقٍ عليه ... حلةٌ من ياسمين
وعلى الأُذنين منه ... وردتا آذريونِ
غاية في الظرف والشكل، وفردٌ في المجون
غني يا ابن أذين [ولها بالماطرون]
وقال:
قد تعزيتُ بصرفٍ عقارٍ ... نشأت في حجر أُم الزمان
فهي سِنُّ الدهر إن هي فرت ... نشأا وارتضعا من لبان
وتناساهما الجديدان حتى ... هي أنصاف شطورِ الدِّنان
فافترعنا مُزة الطعم فيها ... نزقُ البكرِ ولينُ العوان
لم يجُفها مبزلُ القوم حتى ... نجمت مثل نجوم السِّنان
أو كقرن الشمس ينشق عنه ... شُعبٌ مثل انفراج البنان
فلي الصهباء أبكي عليها ... والمغاني لبكاة المغاني
وقال الخليع:
أنا لولا الخمر والوجهُ الحسن ... لم أكن والله مخلوع الرَّسن
ذقت هذين وجربتهما ... فإذا هذان أسباب الفِتن
لم أقل يوماً لذنبٍ منهُما ... ليت هذا الذنب مني لم يكن
وقال أبو نواس:
قد هجرت المُدام والنُّدمانا ... وتمتعت ما كفاني زمانا
وأبى لي خليفةُ الله إلا العزف عنها، وقد عزفت أوانا
ولقد طال ما أبيت عليه ... في أُمور خلعت فيها العنانا
وغزالٍ عاطيته الراح حتى ... فترت منه، مقلة وجنانا
قال: لا تسكرنني بحياتي ... قلتُ: لا بد أن تُرى سكرانا
إن ل حاجة إليك إذا نمت وإن شئت فاقضها يقظانا
فتلكا تلكؤاً في انخناثٍ ... ثم أصغى لما أردت، فكانا
وقال أيضاً:
ألا دارِها بالماء حتى تُلينها ... فلن تكرم الصهباء حتى تُهينها
أُغالي بها حتى إذا ما ملكتها ... أهنتُ لإكرام الخليل مصونها
وحمراء قبل المزج صفراء بعده ... كأن شعاع الشمس يلقاك دونها
ترى العين تستعفيك من لمعانها ... وتحسر حتى ما تُقلُّ جفونها
كأن يواقيتاً بصحن إنائها ... وزُرقَ سنانيرٍ تدير عيونها
وشمطاء حلَّ الدَّهرُ منها بنجوةٍ ... دنوت إليها فاستللت جنينها
كأنا حلولٌ بين أكناف روضةٍ ... إذا ما سلبناها مع الليل طينها
وقال:
أربعة مذهبةٌ ... لكل همٍّ وحزنْ
الماءُ والقهوة والبستان والوجه الحسن
وقال:
غننا بالطلول كيف بلينا ... واسقنا نعطِك الثناء الثمينا
من سُلافٍ كأنها كل شيء ... يتمنى مخيرٌ أن يكونا
أكل الدهر ما تجسم منها ... وتبقى لُبابها المكنونا
فإذا ما اجتليتها فهباءٌ ... يمنع الكفّ ما تبيحُ العيونا
ثم شجت فاستضحكت عن لآلٍ ... لو تجمعن في يدٍ لاقتُنينا
في كئوسٍ كأنهن نجومٌ ... جارياتٌ بروجها أيدينا
стр. 157
طالعاتٌ مع السقاةِ علينا ... فإذا ما غربن يغربن فينا
لو ترى الشرب حولها من بعيدٍ ... قلت قومٌ من قُرةٍ يصطلونا
وغزالٍ يديرها ببنانٍ ... ناعماتٍ يزيدها العمرُ لينا
كلما شئتُ علني برضابٍ ... يترك القلب للسرور قرينا
ذاك عيشٌ لو دام لي غير أني ... عفتُهُ مُكرها وخفت " الأمينا "
وقال: وبكر سلافةٍ من بيت حانٍ لها درعان من قارٍ وطين
تحكم علجها إذ قلتُ سُمني ... على غير البخيل ولا الضنين
فضضت ختامها والليل داجٍ ... فدرَّت درة الودج الطعين
بكفِّ أغن مختضب بناناً ... مُذال الصدغ مضفور القرون
لنا من بعينيه عِداتٌ ... يخاطبنا بها كسر الجفون
كأن الشمس مقبلةٌ علينا ... تمشى في غلائل ياسمينِ
وقال:
وخرقٍ يجل الكأس عن منطق الخنا ... وينزلها منه بكل مكان
تراه كما شاء الندامى ابن علةٍ ... وللشيء لذوه رضيع لبان
إذا هو لقى الكأس يمناه خانها ... أماويت منها وارتعاش بنان
تمتعتُ منه ثم أقصر باطلي ... وصممت كالجاري بغير عِنان
وقال:
لا تبك للذاهبين في الظعنِ ... ولا تقف بالمطيِّ في الدمن
وعج بنا نصطبح معتقةً ... من كف ظبي يسقيكها فطنِ
ما تبصر العين منه ناحيةً ... إلا أقامت منه على حسن
قال له الله كن على قدرٍ ... في الحسن بين الهزال والسِّمنِ
تخبر عن طرفه محاسنه ... مكتحل الناظرين بالفتن
تعقد زناره أنامله ... في الخصر بين الكثيب والغُصنِ
نازعته الراح وهي مثل دم الشادن تنفي طوارق الحزن
قلتُ له والكرى يجشمه ... هل لك في النوم، قال: لم يحنِ
حتى إذا ما النعاس أقصده ... نام فنلت المأمول من سكني
كأننا والعناق يجمعنا ... تحت الدجى، طائران في غُصن
فلم أقل بعد ما ظفرت به ... يا ليت ما كان منه لم يكنِ
لا تركبن اللذات مختفياً ... وامضِ إليهن خالعَ الرَّسَنِ
وقال:
ذراني أُبادر ما هويت ذراني ... فقد ملكت أيدي المجون عِناني
وشأنكما والرشد فاعتصما به ... ولا تعذلاني، فالغواية شاني
فما العيش إلا في مُدام تحثها ... مثالث يهدمن الأسى ومثاني
عقار كعين الديك في فرط نورها ... وإغشائها العينين باللمعان
لها حببٌ يحكي رؤوس أسنةٍ ... تجمعن في بحرٍ من الدم قان
تراها حذار الماء حين يشوبها ... كقلب محبٍّ دائم الخفقان
وقال تميم بن المعز:
ومعشوق اللمى خنث الجفون ... كذوب الوعد معتل اليمين
أتاني والدجى حلك الخوافي ... كأن نجومه زرقُ العيون
فلما توج اليُسرى بكأسٍ ... وصار الرطل قرطاً لليمين
سقاني مثل خديه مداماً ... تُلين جوانب الدهر الحرون
كأن الراح وردة جلنارٍ ... تبدلت في غلالةِ ياسمين
وقال بعض إخوانه وقد تنزه في البستان المعشوق فكتب بها إليه:
قل للأمير ابن الإمام الذي ... أمننا من نائبات الزمان
لو صورت أخلاقُك الغُرُّ ما ... أصبحن إلا أوجُها للحِسان
نحن من " المعشوق " في لذةٍ ... زادت على لذةِ طيب الأمان
فأي شيءٍ ابتدي وصفه ... منه وقد أفرط في كل شان
نلقى الصِّبا فيه بحرِّ الصِّبا ... ونطرد الهمَّ ببنت الدنان
صفراء لولا طيبُ أنفاسها ... غابت عن الحس ولطف العِيان
نشربها صرفاً ومزجاً وما ... لنا سوى المثلث من تُرجمان
فأجابه:
لا تقتل الأحزان إلا بما ... أودعه الإبريق دمع الدِّنان
стр. 158
صفراء في الكأْس خلوقيَّةٌ ... مخلوقة من قبل خلق الزمان
أدقُّ محسوساً إذا صُفِّقت ... من رقةِ الفهم وسحر البيان
كأنما الكأسُ بها ثلجةٌ ... يكتال ساقيها بها زعفران
أو درةٌ ضُمت على عسجدٍ ... أو عسجدٌ قد ذاب في أُقحوان
دونكموها فاشربوا صِرفها ... هناكم القصفُ وطيب المكان
وإن أغِب عنكم فإني كمن ... يراكم في القُرب رأيُ العيان
آخر:
رهبان ديرٍ سقوني الخمر صافيةً ... مثل الشياطين في دير الشياطين
راحوا إلى الراحِ مشيَ الرخِ وانصرفوا ... والراح تمشي بهم مشي الرفازين
لله درهُمُ من فتيةٍ قعدوا ... مثل القضاة وعادوا كالمجانين
ابن المعتز:
قد مضى آبُ صاغراً لعنةُ الله عليه ولعنةُ اللاعنينا
وأتانا أيلول وهو ينادي ... الصبوح الصبوح يا غافلينا
ديك الجن:
أفديكما من حاملي قدحين ... قمرين في غصنين في دعصين
رود مهفهفةٌ ومهضوم الحشا ... للعالمين منىً وقرَّة عينِ
فإلى كأسكما على ما خُيِّلت ... كالتبر ممزوجاً بماءِ لُجين
ابن المعتز:
يا نديمي اشربا واسقِيانا ... قد بدا الصبح لنا واستبانا
واقتلا هميّ بصرفٍ عُقارٍ ... واتركا الدهر فما شاء كانا
إن للمكروه لذعةَ همٍّ ... فإذا دام على المرءِ هانا
وامزجا كأسي بريقةِ شِرٍّ ... طاب للعطشان ورداً وحانا
من فمٍ قد غُرس الدُّرُّ فيه ... ناصِح الريق، إذا الريقُ خانا
ونديمٍ أمرض السكرُ منه ... مقلة فاترة ولسانا
قد فديناه من الكأس حتى ... هشَّ للسَّاقي ومدَّ البنانا
لم يزل يركض وهو مخلىْ ... ثم علَّقنا عليه العِنانا
وقال:
دعني فما طاعة العذال من ديني ... ما سالم القلب في الدنيا كمفتون
أقررت أني مجنون بحبكم وليس لي عندكم عذرُ المجانين
وصاحبٍ بعد مسِّ النوم مقلته ... دعوته ولسان الصبح يدعوني
نبهته ونجوم الليل راكعةٌ ... في حالكٍ من بقايا ليلها الجونِ
ركوع رهبان دير في صلاتهم ... سودٍ مدارعهم شمط العثانين
فقام يمسح عن عينيه وسنته ... بعُقدة النوم من فيه يلبيني
وطاف بالدنِّ ساقٍ وجهه قمرٌ ... فشكَّهُ بسريع الحدّ مسنون
ذو طرةٍ نظمت في عاج جبهته ... من شعره حلقاً سودَ الزرافين
كأن خط عذارٍ شقَّ عارضه ... ميدان آسٍ على وردٍ ونسرين
مستودعٌ ذيله معلاق منطقةٍ ... يضمُّ غصنَ نقاً يهتز من لِين
وخُط فوق حجاب الدُّر شاربُهُ ... كنصف صادٍ ودار الصُدغ كالنون
فجاء بالراح تحكي ورد وجنته ... مُقرطقٌ من بني كِسرىوشيرين
عليه إكليل آسٍ فوق مفرقه ... قد رصعوه بأنواع الرياحين
وقال:
صحوتُ ولكن بعد أيّ فنون ... فلا تسأليني سلوةً ودعيني
وخمارةٍ يُعنى المسيحُ بدينها ... طرقت وضوء الصبح غير مبين
فلما رأتني أيقنت بمعذلٍ ... قليل بقاء الوفر غير ضنين
فقامت وفي أجفانها سِنة الكرى ... تفضُّ بكفيها خواتم طين
فلما رآها الليل حثَّ جناحه ... مخافة صبحٍ في الدِّنان كمينِ
فجاءت بها في كأسها ذهبيةً ... لها حدقٌ لم تتصل بجفونِ
مخدرةٌ تُقصي الهجير ظلالها ... ببيت إذا فار النهار كنين
تجاورُ أتراباً وقوفاً صوافنا ... حملن ولم تعلم بحمل جنينِ
فما زلت أسقاها بكف مقرطقٍ ... كغصن ثنته الريح بين غصون
لوى صُدغه كالنون من تحت طُرَّةٍ ... ممسكةٍ تُزهى بعاج جبين
стр. 159
وقال الصنوبري:
يا صاحبيَّ اسقياني لا عدمتكما ... جزاكم الله بالإحسان إحسانا
هُبا فقد هبت الأطيار تخبرنا ... من الغصون بأن الصبح قد حانا
وعاطياني كُميت الراح صافيةً ... مما تخيره كِسرى بن ساسانا
بكف ساقٍ رخيم الدلّ تحسَبُهُ ... لِما حوى من فتور الطرف وسنانا
إذا رأت مقلتي بستان وجنتِهِ ... فحسبها أن ترى ما عشتُ بُستانا
لا تسكراني من الصهباء ها أنا ذا ... من لوعة الحب قد أصبحت سُكرانا
وقال:
أيهذا العزيز قد مسَّنا الضُّرُّ وعاينت مذ هجرت المنونا
جُد بنزرٍ من الرقاد لطرفٍ ... أنت فجرت فيه ماءً مَعينا
طاف في قُرطقٍ وقد عقد الزنار من فوق خصره تسعينا
بعقارٍ تنفي الهموم وتستخرج شوقاً من الفؤاد دفينا
غاص فيها ماءُ المِزاج فأبدت ... لؤلؤاً من عيونها مكنونا
ثم جالت فيها فصارت حداقاً ... غير أن لا ترى لهنَّ جفونا
قام يسعى بها فخلتُ طلوع الشمس ليلاً والبدر مما يلينا
ولقد راع ذاك قوماً على بعدٍ فصاحوا: الصلاة يا غافلينا
وقال:
أيا ساقي الخمر لا تنسنا ... ويا ربة العود حُثِّي الغِنا
فقد نشر الدَّجنُ بين السماء والأرض مُطرَفَهُ الأدكنا
وقال:
ربَّ يومٍ قطعته بسرورٍ ... شرطه السُّكر وانعقاد اللسانِ
وحبيب مساعدٍ فيه أحياني ببعض الريحان، إذ حياني
وعروسٍ حجابها بطنُ دنٍّ ... عُمرت في دساكر الرُّهبان
لبسها من عناكب بغُزُولٍ ... خلتُها قد تجسمت من دخانِ
دوحة للفرات من زعفرانٍ ... تلد الدرَّ في رؤوس القِيان
وعليها غلائلٌ من زجاجٍ ... واضحاتٍ قليلةِ الكتمان
ظلتُ يومي أنفي بها الحزن عني ... فهي ترياقُ لاعج الأحزان
مع فتيان لذةٍ صحبوها ... كلُّهم مسعدٌ مطيعُ العنان
وعلى هامهم أكاليل آسٍ ... في مكان اللُّجين والعِقيان
وقال أبو تمام:
أفيكم فتىً حرٌّ فيخبرني عني ... بما شربت مشروبة الراح من ذهني
غدت وهي أولى من فؤادي بعزمتي ... ورحت بما في الدنِّ أولى من الدنِّ
هي اختدعتني والغمامُ ولم أكن ... بأول من أعطى المقادة للدَّجن
تقلب روح المرء في كل وجهةٍ ... وتدخل منه حيث شاءت بلا إذن
ومُسمعاً طفل البنان وعنده ... لنا كل نوعٍ من قرى العين والإذن
لنا وترٌ منه، إذا ما استحثهُ ... فصيحٌ، ولحنٌ في أمانٍ من اللحن
البحتري:
أُغادي أُرجوان الراح صرفاً ... على تفاح خدّ أُرجواني
إذا مالت يدي بالكأس رُدت ... بكف خضيب أطراف البنان
تأمل من خلال السِّجف فانظر ... بعينك ما شربتُ ومن سقاني
تجد شمس الضُّحى تدنو بشمسٍ ... إلى من الرحيق الخُسرواني
وقال:
كلُّ ماضٍ أنساه غير ليالٍ ... ماضيات لنا بتلِّ (بونا)
مغرم بالمدام يترع كأساً ... ساطعاً ضوءُها ويبزل دنا
حيث لا أرهب الزمان ولا أُصغي إلى العاذل المكثر إذنا
وقال:
شبيبة لهوٍ تلقيتها ... فسايرت بالراح ريعانها
ولا أريحية حتى تُرى ... طروب العشية نشوانها
وليست مُداماً إذا أنت لم ... تواصل مع الشرب إدمانها
وقال أبو نواس:
ما لذة العيش إلا شرب صافيةٍ ... في بيت خمارةٍ أو ظل بستان
صهباء صفراء كالعيقان إن مزجت ... كأنها وجلٌ يعلوه لونان
من كفِّ أغيد مرتجٍّ روادفه ... كالبدر أو في على غصنٍ من البانِ
فتارةً هو ميدان نروضُ به ... ضوامراً قُرحاً ليست بثنيان
وتارة هو ساقينا ونرجسنا ... يا حبذا ذاك من ساقٍ وندمان
стр. 160
وقال عليُّ بن محمد:
بارزة في يوم قربانها ... بين نصاراها ورهبانها
سارقتها اللحظ وقد أقبلت ... ترشقُ أحشائي بأجفانها
فانبتت عينايَ في خدِّها ... شقيقةً في غير إيانها
والراحُ لا يعجبني شربُها ... إلا لإعجابي بندمانها
شأني صلاح العِرض منها إذا ... أضحى فسادُ المال من شانِها
ما أحسن الدنيا ولكنها ... دانيةٌ في كلِّ ولدانها
والدهر لا يبقى فلا تُبقِ في ... تمزيق دنيا عند إمكانها
شبيبةٌ تمضي فلا تنسني ... وروني من ماء ريعانها
ابن وكيع:
خليا عنكما عتاب الزمان ... وذراني من لومه واعفياني
إن لوم الزمان فيما جناه ... هو عندي ضرب من الهذيان
هو سلطاننا المحكمُ فينا ... أيُّ معدٍ يُعدي على السلطان
ما أرى لي عوناً عليه سوى الراح فحُثا كئوسها واسقياني
آخر:
رب نديمٍ صريع سكر ... مُرنح مُرعش اليدين
كأن أجفانه احمراراً ... ناظرةٌ من شقيقتين
ناديته للصبوح فجراً ... فهبَّ يهتز كالرُّديني
ناولته قهوةً سناها ... يحول ما بينه وبيني
أخدع للعقلِ من أمانٍ ... ووعد وصل بلحظ عين
وقال آخر:
قم فاسقني من قبل وقتِ الأذانِ ... سلافةً تُحكمُ عقد اللسانِ
أسر من عودةِ وصل الصِّبا ... إلى فتىً مشتهرٍ بالغواني
البحتري:
وفي القهوة أشكالٌ ... من الساقي وألوانُ
حبابٌ مثل ما يضحك عنه وهو جذلان
وسكر مثل ما يسكر طرفٌ وهو وسنانُ
وطعم الرِّيق إذ جاد ... به والصبُّ هيمان
لنا من كفِّه راح ... ومن ريَّاه ريحان
وقال:
ما أُبالي إذا شربت ثلاثاً ... من غدا راضياً ولا من جفاني
من سُلاف عتيقةٍ سلسبيلٍ ... بنت عشرٍ تجيد عقد اللسان
تركتني على فصاحة نطقي ... وأنا مُحوجٌ إلى ترجمان
كلما ساءَني شكوت إليها ... فتغطِّي القبيح بالإحسان
هي نعم الرفيقُ لي إن دهتني ... نائبات الزمان والأحزان
لو أماني الأيام صُورن شخصاً ما عدا جميع الأماني
وإذا ما الزمان أفسد شأناً ... كان فيها صلاحُ ذاك الشان
لائمي في السرور دع عنك لومي ... إنني قد خلعت فيه عناني
إنما العيش قهوةٌ وسماعٌ ... ساعدته مثالث ومثاني
فإذا ما أردت رشدي فخذلي ... من صروف الردى كتاب أمان
وقال:
يا ليلة جمعت لي طيب أربعة ... ونبهت فرحتي والدهر وسنان
الريحُ شرقيةٌ والراح مشرقةٌ ... والبدر مبتدرٌ والروحُ ريحان
وله:
قومي امزجي الدرَّ باللجين ... واحملي الرطل باليدين
واغتنمي غفلة الليالي ... فربما أُوقظت لحيني
فقد لعمري أقرَّ منا ... هلالُ شوالَ كل عين
ذات الخلاخيل أبصته ... كنصف خلخالها اللجيني
أبو الشيص:
وصهباء لم تفترعها السقاةُ ... ولا استامها الشرب في بيت حانِ
ولا احتبلت درَّها أرجلٌ ... ولا وسمتها بنارٍ يدان
ولكن غذتها بألبانها ... ضروعٌ يحف بها جدولان
إلى أن ترحل عنها الصبا ... وأهدى الفطام لها المرضعان
فأحسبها وهي مكروعةٌ ... تمج سلافتها في الأواني
عناقيد أخلافها حُفلٌ ... تدر بمثل الدماء القواني
يطوف علينا بها أحورٌ ... يداه من الكأس مخضوبتان
ابن المعت:
سلط على الأحزان بنت الدنان ... وارحل إلى السكر برطلٍ وثان
ومتع النفس بما تشتهي ... ما دمت في غفلة صرف الزُّمان
стр. 161
أتلف وأخلف وأفد، واستفد ... وأنزل المال بدار الهوان
وهاتها بنت يهودية ... سحَّارة تُحكم عقد اللسان
يكتب فيها ماؤها أسطرا ... حروفها من شعر الزعفران
نعم قِرى السمع على شربها ... نفخ المزامير وعزف القيان
وقال:
مالي وللباكيات في الظعُن ... ومقفرات الطلول والدمن
شغلي عنها بالراح في غلس ... ووضع ريحانة على الأُذن
وشرب كأسٍ في مجلس بهجٍ ... لم أر هما به ولم يرني
من كف ظبي مقرطق غنجٍ ... يعذرني من عليه يعذلني
تلوحُ صلبانه بلبتهِ ... كنور خيرية على غصن
جاء بها كالسِّراج صافيةً ... سلافة لم تُدس ولم تهن
من ماء كرمٍ قد عُتقت حقبا ... في بطن أحوى الضمير مختزن
ميتٌ وفيه الحياة كامنةٌ ... يدرجه العنكبوت في الكفنِ
حرف الهاء
[بخلو حرف الواو] قال أبو نواس:
خلوت بالراح أُناجيها ... آخذ منها، وأُعاطيها
نادمتها إذ لم أجد صاحباً ... أرضاه أن يشركني فيها
لم تنظر العينُ إلى منظرٍ ... في الشكل والحسن يدانيها
مذ كان مولاه أميراً له ... فالراح مولاة مواليها
عليّ بن وكيع:
مازج بروحك روح الراح تُحييها ... فالراح كالروح تجري في مجاريها
واشرب عقار أتسر النفس طلعتها ... كأنما جُمعت فيها أمانيها
كأسٌ إذا ما دنيءُ القومُ عُلَّ بها ... رأى الخليفة من أتباعه فيها
إذا تسمحت الدنيا دعوتُ بها ... فحسنتها وكفت عن مساويها
وإن شكوت من الأيام مظلمة ... أعدت عليها وكفت من تعديها
وإن تقلدت الأحزان قلب فتىً ... أتاه توقيعُها في عزلواليها
ما زال يأكلها طوراً وتأكله ... عمرُ الزمان، وتبليه ويُبليها
قد مل منها وملت طول صحبته ... حتى أتتك وقد رقَّت حواشيها
فصار موجودها من رقةٍ عدما ... فالحسُّ يثبتها والطرف ينفيها
تسعى عليك بها خودٌ منعمةٌ ... أنفاس خمرتها يصدرن من فيها
مرت بحسن الورى عيني فما نظرت ... من منظرٍ حسنٍ في الناس يُرضيها
حتى إذا بلغتها دونهم وقفت ... فأقسمت بالهوى ألا تُعديها
كأن قامتها، والريح تعطفها ... تثني القلوبَ إليها في تثنيها
عجبت من خمرةٍ في صحن وجنتها ... يشكو فؤادي احتراقاً من تلظيها
لما تناهت رآها الحسنُ كاملةً ... فيه فخاف عليها من تناهيها
وأحدث العُجب فيها كي يكون لها ... عيباً، فيصرف عنها عين رائيها
ابن المعتز:
ألا من لقلبٍ في الهوى غير مُنته ... وفي الغي مطواع وفي الرشد مكره
أُشاوره في توبةٍ فيقول: لا ... فإن قلت: تأتي لذة قال: أين هي
فيا ساقيَّ اليوم عودا كامسنا ... بإبريق خمرٍ في الكئوس مُقهقهِ
أورث نفسي ما لها قبل وارثي ... وأُنفقه فيما أُحب وأشتهي
وقال:
هاك فاشرب واسقنيها ... قهوة لا عيب فيها
بنت كرمٍ عتقت حولين في صُلب أبيها
قلت للخمار لما صبها في الكأس إيها
هذه الخمر التي كنت زماناً أشتهيها
وقال:
لي حبيب يقول لي: فرِّغ الكاس وفيه بقية أشتهيها
لا تظنن أني أخلِّفُ في كأسك فضلاً وأنت ناولتنيها
وقال:
إنما العيش بلوغُ السؤلِ مما تشتهيه
ومدامٌ تصطفيها ... ونديم ترتضيه
ورخيم ساحر المقلة معدومُ الشبيه
جمع التفاح والراح بخديه وفيه
آخر:
ولقد سقاني والنعا ... س مرنق في مقلتيه
رقراقةً تجلو الهمو ... م أرق من قلبي عليه
стр. 162
مُزجت فخلت لهيبها ... في:اسها شوقي إليه
فشربتها فكأنني ... في الشرب ألثُمُ وجنتيه
وقال أبو نواس:
يا ليلة لست أنسى طيبها أبداً ... كأن كلَّ سرورٍ حاضرٌ فيها
باتت وبتُّ وبات الزقُّ ثالثنا ... حتى الصباح تُسقيني وأسقيها
كأن سود عناقيدٍ كلمتها ... أهدت سلافتها صرفاً إلى فيها
حرف لام ألِف
قال أبو نواس:
أما ترى الشمس حلت الحملا ... وقام وزن الزمان فاعتدلا
وغنت الطيرُ بعد عُجمتها ... واستوفت الخمرُ حولها كملا
واكتست الأرض من زخارفها ... وشي نبات تخاله حُللا
فاشرب على جِدة الزمان فقد ... أصبح وجه الربيع مُقتبلا
كرخية تترك الطويل من العيش قصيراً وتبسط الأملا
تلعب لُعب السراب في قدح [القوم] إذا ما حبابها اتصلا
وقال:
خليليَّ هُبا قد نعى الليل ديكه ... وسلَّ عليه الفجر من نوره نصلا
فقوما نطلق همَّنا بمدامةٍ ... إذا جليت كان السرور لها بعلا
ولا تعطياها بعض عقلكما فما ... تنالان بعض العيش [أو] تأخذ الكُلا
يقول لها ذو الهم أهلاً وهمه ... يقول لها من تحت ذا القول لا أهلا
إذا نحن غاضبنا الزمان وصرفه ... سعت بيننا حتى تعيد لنا الوصلا
وقال صريع:
عذراءُ يُرعد بعضها من بعضها ... لم تتخذ غير المزاج خليلا
لا تسقني الماءَ القراح وهاتها ... عذراء واضحة الأديم شمولا
قُتلت وبادرها النديم يحثها ... فإذا به قد صيرته قتيلا
اطفَ المزاج [لها] فزين كاسها ... بقلادةٍ جُعلت لها إكليلا
وقال ابن المعتز:
أيا عاذلي اليوم لا تكثرا العذلا ... ومهلاً دعاني من ملامكما مهلا
ولُوما مشبي إن كبرت فإن لي ... شباباً أصمَّ الأُذن لا يسمع العذلا
إبراهيم بن العباس:
وخليلٍ لي أرضاه لأخواني خليلا
لم يزل يقتلها حتى خلت عنه قتيلا
في ندامى باكروا الراح فحثوها شمولا
وقال صريع:
يا رب خدنٍ قد قرعت جبينه ... بالطاس والإبريق حتى مالا
وكأنما الساقي يدير كئوسها ... بدرٌ أنار ضياؤه وتلالا
يسقيك بالعينين كأس صبابةٍ ... ويعيدها من كفه جريالا
أنهضته من بعد ما أسكرته ... فمشى كأن برجله عُقالا
إبريقنا سلب الغزالة جيدها ... وحكى المدير بمقلتيه غزالا
الصنوبري:
لا تبك ربعاً عفا ولا طللاً ... ولا تصف ناقةً ولا جملا
وعاطني قهوةً إذا مزجت ... أرتك منها في كأسِها شُغلا
بكف ساقٍ يزهى على غصن البان إذا ما انثنى أو اعتدلا
مكحل ما رآه عاشقُهُ ... إلا رآه بالسِّحر مكتحلا
إذا سقاني العقار خمَّشه ... طرفي فيحمر خدُّه خجلا
ابن المعتز:
ولربَّ ليلٍ لا تجف جفونه ... من دمعه، ملقٍ عليَّ سدولا
ماتت كواكبه وأمسى بدره ... في الأُفق متهم الحياة عليلا
دربت بنا في غمرة مشمولةٌ ... حتى توهمنا الصباح أصيلا
صفراء تحسبُها إذا ما صُفقت ... ذهباً حوته كأسها محلولا
كشاجم:
ألست ترى الظلام وقد تولى ... وعنقود الثريا قد تدلى
فدونك قهوة لم يُبق منها ... تقادمُ عهدها إلا الأقلا
بزلنا دنها والليل داجٍ ... فصيرت الدجى شمساً وظلا
حرف الياء
قال ابن وكيع:
قم فاسقني الصفوَ من رحيقٍ ... مشعشع اللون كسروي
أما ترى أنجم الدياجي ... تُزهر في جوها النقي
تحكي لنا لؤلؤاً نثيراً ... على بساطٍ بنفسجي
وقال كشاجم:
عندي معتقةٌ كوِّدك صافية ... ونديمك الدمث الرقيق الحاشية
стр. 163
فإذا طربت إلى السماع ترنمت ... بيضاء زاهية تسمى زاهية
وتُجيبُها سوداء تُعمل نايها ... فتريك كافوراً يقاوم غالية
فاحضر فقد حضر السرور ولا تدع ... يوماً يفوتك فهي دنيا فانية
تصل الغناء يمينها بشمالها ... كمثلثٍ أضلاعه متساوية
وقال عمرو بن الإطنابة:
علِّلاني وعلِّلا صاحبيا ... واسقياني من المدامة رِيا
إن فينا القيان يعزفن بالدُّفِّ لفتياننا وعيشاً رخياً
وقال ابن المعتز:
قل لمن حيا فأحيا ... ميتاً يُحسب حيا
ما الذي ضرَّك لو بقيت لي في الكاسِ شيّا
أتراني كنت إلا ... مثل من قبل فِيا
يا خليليَّ اسقياني ... قهوةً ذات حُميا
إن يكن رُشداً فرُشداً ... أو يكن غيًّا فغيّا
قد تولى الليل عنّا ... وطواه الغرب طيّا
وكأن الفجر لمّا لاح من تحتِ الثُّريا
[ملكٌ أقبل في تاجٍ يُفدَّى ويُحيا] آخر:
اسقني صِرفاً حُميا ... تترك الشيخ صبيا
وتُريه الغيَّ رُشداً ... وتريه الرُّشدَ غَيَّا
أسقني حتى تراني ... ميتاً يُبكي عليَّا
كَمُل السفر الثاني وهو آخر الديوان ولله تعالى الحمد على الصحة والسداد ونسأله حسنَ الخاتمة ليوم المعاد، فهو الكريم الرحيم، الملك الجواد وكان إنجازه في يوم الثلاثاء من شهر ربيع الآخرة سنة ثمانية وتسعين وسبعماية هجرية وصلى الله على سيدنا محمد وآله.