← Адаб

Адаб · id 672

قطب السرور في أوصاف الأنبذة والخمور

الرقيق القيرواني

Полный текст (163 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

من الشراب المسكر أقداحاً كثيرة ولا يسكرر، وقد يشرب منه غير القليل فيسكر، وقال المُحِلّون لكل ما أسكر كثيره من النبيذ، إنما حرمت الخمر بعينها، خمر العنب خاصة، بالكتاب، وهي معقولة مفهومة لايمتري فيها أحد من المسلمين، وإنما حرَّمها الله تعبداً لا لعلة الإسكار كما ذكرتم، ولا لأنها رجس ولو كان ذلك كذلك، لما أحلها الله للأنبياء والمتقدمين والأُمم السالفين، ولا شربها أصحاب النبي " ص " في صدر الإسلام. وأما قولكم إنها رجس فقد صدقتم في اللفظ، وغلطتم في المعنى إن كنتم إنما أردتم أنها نَتَنٌ لأن الخمر ليست بمنتنة ولا قذرة، ولا وصفها أح بذلك، وإنما جعلها الله رجساً بالتحريم، وكذلك سمى الله تعالى المحرمات كلها خبائث، وسمي المحللات كلها طيبات، وقد ذكر الله الخمر فيما امتنَّ به على عباده قبل تحريمها فقال: ومنثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سُكراً ورزقاً حسناً. ولو أنها رجس على ما تأولتم، ما جعلها الله في جنته وسمّاها: لذة للشاربين، فإن قلتم إن خمر الجنة ليست كخمر الدنيا وإن الله نفى عنها عيوب خمر الدنيا، فقال: لا يُصدعون عنها ولا يُنزفون. وكذلك قوله في فاكهة الجنة: لا مقطوعة ولا ممنوعة، فنفى عنها عيوب فواكه الدنيا لأنها تأتي في وقت، وتنقطع في وقت. وما سمعنا أحداً وصف الخمر إلا بضدّ ما ذكرتم، من طيب النسيم وذكاء الرائحة، قال الأخطل: كأنما المسك نهباً بين أرجلنا ... إذا تضوع من ناجودها الجاري وقال الحسن: فتنفست في البيت إذ مُزجت ... كتنفس الريحان في الأنف وقال: نحن نخفيها ويأبى ... طيب عَرفٍ فتفوح وإنما قوله: رجس، كقوله: فأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم. أي كفراً إلى كفرهم. وأما منافعها التي ذكرها الله في قوله: يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثمٌ كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما، فإنها كثيرة لا تحصى، قدَّمنا منها في صدر كتابنا ما فيه كفاية. واحتجوا في قول رسول الله " ص ": كل مسكر حرام، وما أسكر الفرق منه، وهو ستة عشر رطلاً، فملء الكف منه حرام. مما رواه مالك بن أنس عن أبي سعيد الخدري أنه قدم من سفرٍ فقُدِّم إليه لحم من لحوم الأضاحي، فقال: ألم يكن رسول الله ﷺ قد ناهكم عن هذا بعد ثلاثة أيام، فقالوا: قد كان بعدك من رسول الله " ص " فيها أمر، فخرج إلى الناس، فسألهم، فأخبروه، أن رسول الله " ص " قال " كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام، فكلوا وادخروا وتصدقوا، وكنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها ولا تقولوا هُجراً. والحديثان صحيحان رواهما مالك وأثبتهما في موطئه، وإنما هما ناسخ ومنسوخ [وإنما] نهينا عن النبيذ الشديد وأن نشربه حتى نسكر، ولو كان ما يسكر كثيره يسمى قليله مسكراً أما أباح لنا منه شيئاً. وقد شرب رسول الله " ص " من سقاية العباس فوجده شديداً فقطَّب بين عينيه، ودعا بذنوب من ماءِ زمزم فصبَّ عليه، وقال: إذا كان هكذا فاكسروه بالماء. ولو كان حراماً لأراقه وما صبَّ عليه من ماء ثم شربه، فقد نسخ بشربه الصُّلب في حجة الوداع ما كان قبله. والدليل على ذلك أنه كان نهى وفد عبد القيس عن شرب المسكر، ثم وفدوا عليه بعد ذلك فرآهم مصفرةً ألوانهم، سيئة حالهم، فسألهم عن قصتهم، فأعلموه: أنهم كان لهم شراب فيه قوام أبدانهم فمنعهم منه، فأذن لهم في شربه. وأن ابن مسعود قال: شهدنا التحريم وشهدتم، وشهدنا التحليل وغبتم، وأنه كان يشرب الصلب من نبيذ الجر، حتى كثرت الروايات به عنه وشُهرت وأُذيعت واتبعه عليها التابعون من الكوفيين وجعلوه أعظم حججهم: قال في ذلك شاعرهم: من ذا يُحرِّم ماء المزن خالطه ... في جوف خابيةٍ ماء العناقيد إني لأكره تشديد الرواة لنا ... فيها ويعجبني قولُ ابن مسعود وإنما أراد أنهم كانوا يعمدون إلى الرب الذي قد ذهب ثلثاه فيزيدون عليه من الماء قدر ما ذهب منه يتركونه حتى يغلي ويسكن جأشه ثم يشربونه.

стр. 107

وكان عمر يشرب على طعامه الصلب ويقول: يقطع هذا اللحم في بطوننا. وقال الشعبي: شرب أعرابي من إداوة خمرٍ فحدَّه عمر للسكر لا للشرب. ودخل عمر على قوم يشربون فقال: نهيتكم عن معاقرة الشراب فعاقرتم وهمَّ بتأديبهم، فقالوا: مهلاً يا أمير المؤمنين، نهاك الله عن التجسس فتجسستَ، ونهاك عن الدخول بغير إذن فدخلتَ، فانصرف وهو يقول: كل الناس أفقه منك يا عُمر. وإنما نهاهم عن المعاقرة، وإدمان الشراب حتى يسكروا ولم ينههم عن الشرب. وأصل المعاقرة من عقر الحوض وهو مقام الشاربة، ولو كان عنده، ما شربوا، خمراً، لحدهم. وقيل لسعيد بن سالم: أتشرب النبيذ؟ قال: لا، قيل: ولِمَ؟ قال: أترك كثيره لله وقليله للناس. وكان سفيان الثوري يشرب النبيذ الصُّلب الذي تحمر منه وجنتاه. واحتجوا من جهة النظر أن الأشياء كلها حلال إلا ما حرم الله، قالوا: فلا نزيل يقين الحلال باختلاف ولو كان المختلفون أكثر الناس. وأهل الكوفة فقد أجمعوا على التحليل لايختلفون فيه، وتلوا قول الله : أفرأيتم ما أنزل الله لكم من رزقٍ فجعلتم منه حراماً وحلالاً، قل الله أذن لكم أم على الله تفترون. قال عبد الله بن مُصعب لشريك بن عبد الله: يا أبا عبد الله، أتشرب النبيذ، قال: نعم. فقال: سبحان الله، وكيف تشربه وقد جاء في الحديث: ما أسكركثيره فقليله حرام، قال شريك: اختلف الناس فيه، فشربنا ما اختلفوا فيه، فليتك تدعُ ما أجمعوا على تحريمه. واحتجوا في تحليل قليله بحديث علي بن أبي طالب " رض ": أن القوم يجلسون على الشراب وهو حلال فلا يزالون حتى يكون عليهم حراماً. وقال بعض أهل النظر، قال الله : إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. فنصَّ على الخمر ولم يذكر غيرها مع كثرته وشهرته، فعلم أنه قد تركه على إباحته، ولو كان أراد تحريمه لذكره ونصَّ عليه، فوجب أن القليل من هذه الأشربة الذي لا يكون منه سكرٌ، حلالٌ، للإجماع على تحريم السكر. ويُروى عن ابن مسعود أنه قال: رأيت رسول الله " ص " يطوف بالبيت فاستسقى فأُتي بقدح من نبيذ فشمَّه، وقطب، ثم دعا بماءٍ من زمزم فصبَّه فيه وشرب ثم قال: إذا اشتد عليكم نبيذكم فاكسروه بالماء. وما تقدَّم من قول ابن قتيبة أقرب إلى الصواب في التأويل. وقد قال القوم من أهل النظر: إن السكر حرام، وما كان دون السكر أو بعيداً منه فلا بأس به. واحتجوا أن عصير العنب، ما دام حلواً، فهو حلال مطلق، وكذلك إذا استحال وصار خلاً، وإنما يُحرم منه ما أسكر بالسبب المتوسط بين الحالين. وقال بعض أهل النظر: إذا انقلبت العين بطبخٍ أو مزج ماءٍ أو غيره فقد زال التحريم على القياس. وروي عن ابن عباس أنه قال: إذا كان الإنسان منتهى سكره من هذا النبيذ عشرة أقداح فشرب ثمانية أقداح أو تسعة فلم يسكر فهو رُخصة في ذلك لقول رسول الله " ص " كل مسكر حرام وفي رواية أُخرى: كل سكرٍ حرام. وروي عن عثمان بن أبي العاص أن عمر " رض " لما فطر قال: أعندكم من شرابكم شيء، قالوا: نعم، فأتوه به فشمه فسطع في خياشيمه فكسره بالماءِ وشربه. وعن أبي هريرة أن عمر شرب في جفنةٍ لناسٍ من أهل الطائف، فلما ذاقه قطَّب وقال: إذا اشتد متنه فاكسروه بالماءِ، ثم قال: إن نبيذ الطائف له عرامٌ، ثم شربه. وعن حسان بن مخارق أن رجلاً كان صائماً فأهوى، حين أفطر إلى قربةٍ فشرب منها فسكر، فأُتي به عمر ﵀، فقال الرجل: إنما شربتُ من قربتك، فقال عمر: إنما أجلدك لسكرك لا لشربك وقال: من رابه ريبٌ فليُسبحه بالماءِ. وروي عن عمرو ابن ميمون أن عمر قال: إنا لنشرب من النبيذ الشديد ليقطع لحوم الإبل في بطوننا، قال: وشربت مما عُمِل له فكان نبيذاً شديداً. وعنه قال: شهدت عمر حين طُعن فجاءه الطبيب فقال: أيُّ الشراب أَحبُّ إليك؟ قال: النبيذ، فأتي بالنبيذ فشربه فخرج من إحدى طعنتيه. وروى الأعمش عن النخعي عن علقمة قال: شربت عند ابن مسعود نبيذاً صُلباً آخره يسكر. وعن ربعيٍّ بن حراش أن عمر " رض " أتى قوماً فأخرجوا إليه نبيذاً حلواً، فقال: أعندكم ما هو أشد من هذا؟ قالوا: نعم ولكن كرهنا أن نأتيك به، فأتوه به فكسره بالماء وشرب حتى روي، ثم أعطاه الذي عن يمينه.

стр. 108

وكتب يعلى بن أُمية إلى عمر " رض " إنا نؤتى بقوم شربوا الشراب، فكتب إليه: من أُتيت به فاستقرئه أُم الكتاب وألقِ رِداءَه وأردية [أُخرى] فإن لم يعرف رداءه فأقم عليه الحد. وروى نافع بن الحارث: أن عمر قال: اشربوا هذا النبيذ فإنه يقيم الصُّلب ويهضم ما في البطن وإنه لن يغلبكم ما وجدتم الماء. وروى الأعمش 'ن موسى بن طريف عن أبيه، أن علياً " رض " كان يشرل النبيذ في الجرِّ الأخضر. وسأل رجلٌ علياً قال: أفتني في النبيذ، قال: إشرب ولا تسكر. وروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه قال: تعشيت عند علي " رض " فسقاني طلاءً فلما قمت لأخرج، كان الطريق يمنةً فأخذت يسرة، فدعاني عليّ فقال: لعل شرابنا أخذ برأسك. يا جارية، خذي معه قبساً. وروي أن رجلاً شرب من إداوةِ عليّ فسكر فجلده عليّ وقال: حدُّ النبيذ إذا أسكر ثمانون كجلد الخمر. وروي عن الحسين بن عليّ أن رجلاً سأله عن النبيذ قال: اشربه فإن خفت أن تسكر فدعه. وعن العمش عن المنذر قال: رأيت محمد بن الحنفية يشرب من نبيذ الدنِّ وكان يشرب الطلاءض الشديد. وروي عن أبي جعفر أن علي بن الحسين كان رجلاً ممعوداً وكان يوافقه انبيذ الصلب فيشربه. وقال عاصم: أدركت أقواماً يتخذون هذا الليل جملاً كانوا يلبسون المعصفر، ويشربون نبيذ الجر، لا يرون به بأساً، منهم، زِر بن حبيش وأبو وائل شقيق بن سَلَمة، وكانا يشربان نبيذ الخوابي. وكان شريح يشرب الطلاء الشديد. وروى الأعمش عن أبي إسحق قال: عرَّست فدعا أبي أصحاب عليّ وعبد الله بن مسعود، فشربوا نبيذ الخوابي وهم يرونها يسقي منها بالزواريق. والأحاديث عن هذه الطبقة من أصحاب علي " رض " كثيرة جداً. وعن غيلان ابن زيد قال: رأيت أبا عبيدة بن عبد الله يشرب النبيذ في جرٍ أخضر ويقول: إن محرم ما أحل الله كمستحل ما حرَّم الله ، وكان يشرب الطلاء حتى تحمر عيناه. وقال مكحول: إذا شرب الرجل النبيذ فطابت نفسه وطرب فليحرم بقيته عليه فإنه ليس بعد الطرب إلا السكر. وكان إبراهيم النخعي وعامر الشعبي يشربان المسكر من النبيذ، وكان يقول لا خير في النبيذ إلا الشديد منه. وقال: أفسد الناسُ النبيذ بميم زادوها في الحديث، قالوا: كل مسكر حرامٌ، وإنما هو كل سكرٍ حرام. وقال: الشربة التي تسكر من النبيذ حرام، ولم يكن يرى بنقيع الزبيب بأساً، ولم يكن يرى على سكران النبيذ حدًّا، ويقول اكتموه عن أصحاب النبيذ. وعن إسماعيل بن عبد الله قال: رأيت سعيد بن جبير يشرب نبيذ الخوابي. وحضر الحسن البصري وليمةً ومعه عشرة من أصحابه فأُتوا بطعامٍ فأكل ثم أُتي الحسنُ بنبيذ شديدٍ فشرب منه ثم ناول القوم فشربوا فقال أحدهم: الماءُ أحبُّ إليَّ، فقال الحسن: إن ذلك عليك لبيِّن. وسئل مطرف بن عبد الله بن الشخِّير عن النبيذ فقال: اشرب ما لا يهلك فيه مالك أو يذهب منه عقلك. وعن أنسٍ قال: كانت أُم سُليم تنبذ نبيذاً لها في جرٍّ أخضر، فكان رسول الله " ص " يجيءُ فيشرب منه. وسئل الضحاك بن مزاحم عن نبيذ الجرِّ فقال: لا بأس به. وسئل أبو بكر الهُذلي عن النبيذ فقال: تمادى فيه السفهاءُ حتى كرهه العلماءُ. وقال أبو بكر بن عباس المنتوف: أجمع الفقهاء على أن المسكر والخمر حرام وإذا اشتد النبيذ كُسِر بالماء وهذا لا بأس به، والله لو كان النبيذ حراماً ما اختلف فيه اثنان. وكانوا يرون ما اشتد من الأشربة التي قد طبخت على النار، حلالاً، إلا ما كان من عصير العنب فإنهم تحرجوا منه إلا ما ذهب ثلثاه وبقي عسلاً لا يشتد فإنهم أجازوا ثلثه. وكان أبو حنيفة يرى أن شرب النبيذ من السنة. وقال ابن المبارك: أما النبيذ الذي كثيره [حرام] فلو أن رجلاً شدد فيه لم أُنكر عليه ولو أن رجلاً رَخَصَ فيه لم أُنكر عليه. قال ابن المبارك: روي عن ثقات أهل الكوفة عن عمر " رض " تحليله، وروي عن ثقات أهل المدينة تحريمه، فمثله عندي كمثل رجلين تنازعا في سلعةٍ في يد أحدهما، كل واحد يقول: هي لي، وليس لواحد منهما بينة، فأقضي بينهما، فلا أقول حلالاً ولا حراماً. وقد فرقَتِ العرب بين الخمر وبين سائر الأشربة، قال الفرزدق: إن الأخامرة الثلاثة أهلكت ... مالي وكنت بها قديماً مولعاً الخمر واللحم السمين أحبُّه ... والزعفران به أروح من وعا وقال حسَّان:

стр. 109

إذا ما الأشربات ذُكرن يوماً ... فهنَّ لطِّيب الراحِ الفِداء ونشربها فتتركنا ملوكاً ... وأسداً ما ينهنهنا اللقاء وقال القلمس: نهاني امرؤٌ عن لذتي أن أنالها ... فقلت دع التقييد في الشرب للخمرِ تقضت لذاذاتي فلم تبقَ لذةٌ ... سوى شربها صهباءَ طيِّبة النشرِ إذا ما حساها المرءُ ظلَّ مرنحاً بسورتها يهذي مراراً ولا يدري أروي بها نفسي فتحيا بشربها ... ولا أشتهي شرب النبيذ من التمر ففرق بينها وبين النبيذ. وقال سوادة بن الصامت: الكأس همي والندى هِمَّتي ... والموت عندي شرب صفو النقيع والعيش صفوُ الراحِ صرفاً إذا ... نادى المنادي بصلاةِ الجميع ففرق بينها وبين النقيع ولم يعدَّه خمراً. وقد جاء أبو الأسود الدُّؤلي بأوضح من هذا فقال: دعِ الخمر يشربها الغُواة فإنني ... رأيتُ أخاها مغنياً بمكانها فإلاَّ يكنها، أو تكنه، فإنه ... أخوها، غذته أمه بلبانها فهؤلاء فُصحاء العرب، فرَّقوا بين عصير العنب وغيره فسمَّوه خمراً دون سائر الأشربة، وهكذا صفتها بكل لسان وعند كل أُمةٍ. وقد أجمعوا أن قليل الخمر وكثيره حرامٌ. وأكثرهم يشرب ما دون السكر من سائر الأشربة لأنها لا تُعرف عندهم بخمر، ولو كانت خمراً لكان القليل منها حراماً. وقد رووا عن ابن عباس، عن النبي " ص " أنه قال: حرِّمت الخمر بعينها والسكر من كل شراب. فلو أن الأشربة الشديدة كلها محرمة لما كان لقوله: حُرمت الخمر بعينها، معنىً، لأن ذلك إنما يقال لما حُرِّم وحده، فإن قال قائل: قد روينا عن جماعة من أصحاب رسول الله " ص " منهم عمر " رض " أنهم قالوا: إن الخمر من الزبيب والتمر والعسل والحنطة والشعير والذرة، وأن الخمر ما خامر العقل. وما رُوي عن أنس أنه كان يسقي عمومته من الأنصار، حتى دخل عليهم داخل فقال: إن الخمر قد حُرِّمت فأمروه بإراقتها ولم يكن خمرهم يومئذٍ إلا الفضيخ. وما شابه ذلك من الأخبار. قيل له إن هذه أخبار آحادٍ لا يثبت بها أن يُطبقوا على تحريم سائر الأشربة الشديدة لوجود اسم الخمر لها عندهم، فلما لم تُجمع المسلمون على هذه التسمية ولا اشتهرت عن العرب وجب بطلان ما ادعاه من سمَّى هذه الأشربة خمراً إذ كانت الأسماء لا تؤخذ بالقياس. وقد صحَّ بالأخبار المتواترة أن نبيذ التمر كان فاشياً بالمدينة يشربه أهلها غنيهم وفقيرهم ويجري عندهم مجرى أقواتهم، فلولا أنه أراد إطلاق الأشربة لهم لنصَّ عليه كما نص على الخمر لأن النص عليه أولى لشهرته وكثرة متناوليه ولقلة الخمر، فإنها لا تكاد توجد عندهم. العلماءُ في هذه الأشربة طبقتان: طبقة تحلُّها وطبقة تحرِّمها، وتذهب في تحريمها إلى القياس على الخمر وإلى أخبار آحادٍ جاءَت بتحريمها، نحو الخبر: بأن كلَّ مسكرٍ حرام، والخبر الآخر: ما أسكر كثيره فقليله حرام. ولم يذهب أحد في تحريمها إلى أن اسمها خمر، وقد اضطربت الرواية في هذا المعنى واختلفت اختلافاً يدل على فسادها. وهو أن بعضهم روى أن الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة. وروى آخر أنه، ﵇، قال: كل مسكرٍ خمراً، فقد صارت الخمر من مائة شيءٍ مثلاً، ومن قال أنها من شيئين كان قوله فاسداً، وكذلك من قال أنها من خمسة أشياء. ووجه آخر يوجب بطلان قول من حمل هذه الأحاديث على ظاهرها وهو أن كل مسكرٍ حرام، منها أن اللبن الرائب يسكر كثيره كقول بشر بن أبي خازم: فأما تميم، تميم بن مُرٍّ ... فألفاهُم القوم روبي نياماً قال: شربوا الرائب حتى سكروا، وليس أحد من المسلمين يُسمي اللبن خمراً. والبنج يسكر، والنوم يسكر، وإذا جاز أن تخرج هذه الأشياء من جملة قوله: كل مسكر خمر، جاز أن تخرج سائر الأشربة الشديدة التي من عصير العنب، من جملة الخمر.

стр. 110

ومنها ما جاء بأن الخمر ما خامر العقل، وقد يخامر العقل النوم، والبنج، والإغراق في الفكر، والغشي، وما أشبه هذا مما يعرض للدماغ، فظاهر الخبر يوجب أنه خمر. وقد روى ابن عباس قوله " ع ": حُرِّمت الخمر بعينها والسكر من كل شراب، فقد أباح بقوله هذا القليل مما لا يسكر كثيره، وأوجب أنها لا تكون خمراً، إذ قليل الخمر وكثيرها حرام بالإجماع. ورووا عن عليٍّ (رض) أنه قال: ما أُبالي أخمراً شربت أم مسكراً، ففرق بين الخمر والمسكر، ولو كان الخمر عنده ما أسكر، لما كان لقوله هذا معنى لأنه قال: ما أُبالي شربت خمراً أو شربت مسكراً، وهذا من قول عليٍّ، مع سائر الأخبار المروية في تحليل النبيذ الشديد، يدل على أن هذه الأشربة لم تكن خمراً عند أحدٍ، ولو كانت خمراً في الحقيقة، ما أقدموا على شرب قليلها وإنما أراد القائل منهم، حُرِّمت، وهي من خمسة أشياء، إلى ما يقيمونه مقامها من خمسة أشياء، وما يتناولونه عَرَضاً منها، من خمسة أشياء تفعل فعلها كقول القائل: فلان يأكل الخبيص، وما خبيصنا إلا التمر، وكذا قول عائشة (رض) وقد ذكرت الطيِّب فقالت: وما كان طيبهم إلا الماء. وكذلك قوله (ص) : كل مسكر حرام، أي يقوم مقام الخمر ويكون فيه من الصد عن ذكر الله، وفساد العقل ما يكون في الخمر، وكذلك قوله: ما خمرته فهو خمر، أي هو في معنى الخمر لشدته، ومعنى قول النبي (ص) : لا تشربوا مسكراً، يعني القدح الذي يوجب شربُكم له السكر، وذلك هو الآخر مما يشرب إذا كان الأول لم يوجب ذلك، ولا كان الإنسان عند شربه إياه سكران. وأما قوله: ما أسكر كثيره فقليله حرامٌ، فإنما أُريد به قليل ما قُصد إلى السكر بكثيره، لأن من قصد ذلك فشربه لأول قدح يشربه، عليه حرام، لأنه قصد أن يدوم فيه إلى السكر. وسُئل ابن عباس عن قول النبي (ص) : كل مسكر حرام، فقال: إن شرب أحدكم تسعة أقداح فلم يسكر فهو حلالٌ وإن شرب العاشر فسكر فهو حرام، وروى الضحاك عن ابن عباس قال: شهدت تحريم النبيذ كما شهدتم ثم شهدت تحليله فحفظت ونسيتم، وأما شراب ملوك الروم فإنه شراب يطبخ من عصير العنب وتطرح فيه الأفاويه فتعبق روائحها وطعومها وتزداد حرارة وطيب نكهة، وأهل الشام يسمونه الرساطون، والإسفنط لتطييبه، النفس وروى شريك عن عمرو بن حُريث، قال: سقاني ابن مسعود نبيذاً شديداً من جرِّ أخضر. وروى ابن قتيبة يرفعه إلى أنس بن مالك، أنه كان يشرب النبيذ الصلب الذي يكون في الخوابي. وقد أجمع الناس جميعاً على تحريم الخمر بكتاب الله إلا قوماً من مجَّان أصحاب الكلام فإنهم قالوا ليست الخمر محرمة، وإنما نهى الله عن شربها تأديباً كما أنه أمر في الكتاب بأشياء ونهى عن أشياء على جهة التأديب وليس فيها فرضٌ، كقوله في العبيد والإماء، فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً، وكقوله في النساء: واهجروهن في المضاجع واضربوهن، وكقوله: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط، وقالوا: لو أراد تحريم الخمر لقال: [حرمت عليكم الخمر كما قال] حرمت عليكم الميتة والدم، وليس قول هؤلاء حجة على ما أوردناه من الإجماع على تحريمها. وكان عبد الله بن داوود يقول: ما هو عندي وماء البركة إلا سواء. وقال لا بأس أن يشربه الرجل على أثر الطعام كما يشرب الماء، وأكره إدارة القدح. وقال: من أدار القدح لم تجز شهادته وشهد [رجل] عند سوَّار القاضي، فلم يُجز شهادته، فقال: أما النبيذ فإني لست تاركه ... ولا شهادة لي ما عاش سوار وكان كثير من الحجازيين يترخص فيه حتى غلط فيه مالك. وما حرَّم الله شيئاً إلا عوض ما هو خير منه، ما يطيِّب النفس ويصفي اللون ويهضم الطعام، فلا يبلغ منه إلى ما يذهب العقل ويصدع الرأس وإن كان يشرك الخمر في جناياتها وجميع آفاتها. قالوا وأما قولكم إن الخمر ما خُمِّر والنبيذ كله يُخمَّر فهو خمر، فإن الأشياء قد تتشاكل في بعض المعاني فيُسمى بعضها بعلةٍ فيه، ولا يطلق ذلك على الاسم الآخر، ألا ترى أن اللبن قد يخمر بروبة تُلقى فيه ولا يسمى خمراً، وأن نقيع التمر يسمى سُكراً ولا يُسمى غيره من النبيذ سكراً، وإن كان يسكر، وهذا في كلام العرب أكثر من أن يحاط به، ورأيت اللبن قد يسكر إسكاراً النبيذ، يقال قوم ملبنون، وقوم روبي إذا شربوا الرائب فسكروا منه. قال بشر بن أبي خازم

стр. 111

فأمَّا تميم، تميم بن مُرٍّ ... فألفاهمُ القومُ رَوْبي نياما وأما قولكم للرجل: مخمورٌ وبه خمار، إذا أصابه صداع من الخمر وأنه يقال مثل ذلك لمن أصابه صداع من النبيذ، فيقال: به خمار، ولا يقال به نُباذ، فإن حجتنا فيه أن الخمار إنَّما يعرض مما أسكر من النبيذ، وذلك حرام لا فرق بينه وبين الخمر عندنا، فيقال فيه ما ياقل في الخمر، وإنما كان شربةُ النبيذ من أسلافنا يشربون منه اليسير على الغداء والعشاء وما لا يعرضُ منه خمار. وحدَّث إسحق بن راهويه قال: سمعت وكيعاً يقول: النبيذ أحلُّ من الماء. وعابه الناس بذلك فقالوا: كيف يكون أحلَّ من الماء، إذا كان حلالاً. وليس على وكيع في هذا عيب، ولا يُرجع عليه فيه بكذب، لأن كلمته خرجت مخرج كلام العرب في مبالغتهم، كما يقولون: هو أشهر من الصبح، وأسرع من البرق، وأبعد من النجم، وأحلى من العسل، وأحرُّ من النار، ولم يكن أحد من الكوفيين يحرِّم النبيذ غير عبد الله بن إدريس وكان بذلك معيباً. وقيل [لابن] إدريس: من خيار أهل الكوفة؟ فقال: هؤلاء الذين يشربون النبيذ. قيل وكيف، وهم يشربون ما يُحرِّم عندك، قال: ذلك مبلغهم من العلم. وكان ابن المبارك يكره شرب النبيذ ويخالف رأي المشايخ، وقال له أبو بكر بن عياش: من أين جئت بهذا القول في كراهيتك للنبيذ ومخالفتك أهل بلدك، قال: هو شيء اخترته لنفسي، قلت له: فتعيب من يشربه، قال: لا، قلت: فأنت وما اخترت لنفسك. وعن أبي سلمة يحيى بن دينار قال: بينا زيد بن عليّ في بعض أزقة الكوفة إذ بصر برجلٍ ن الشيعة فدعاه إلى منزله وأحضر له طعاماً، فتسامعت به الشيعة فدخلوا عليه حتى غصَّ المجلس بهم فئاكلوا معه ثم استسقى، فقيل له: أي الشراب نسقيك يا ابن رسول الله؟ قال: أصلبه وأَشدُّه، فأتوه بعُسٍّ من نبيذ فشربه، وأدار العُس عليهم فشربوا، ثم قالوا: يا ابن رسول الله، لو حدثتنا في هذا النبيذ بحديث رويته عن أبيك عن جدك، فإن العلماء يختلفون فيه، فقال: حدثني أبي عن جدي أن النبي (ص) [قال] لتركبن [أُمتي] طبيعة بني إسرائيل حذو القُذَّة بالقُذَّة والنعل بالنعل حتى لو أن رجالاً من بني إسرائيل نكحت نساءَها بالأسواق لكان فيكم من يفعل ذلك، ألا وإن الله ابتلى بنهر طالوت أحلَّ منه الغرفة والغرفتين وحرَّم الري، وابتلاكم بهذا النبيذ، أحلَّ منه القليل وحرَّم عليكم الكثير. وكان أهل الكوفة يسمون النبيذ نهر طالوت، قال فيه الشاعر: اشرب على طربٍ من نهرِ طالوت ... حمراءَ صافيةً في لون ياقوت من كف ساحرةِ العينين شاطرةٍ ... تُربي على سحر هاروت وماروت وحضر ابن أبي الحواري بالشام، وكان معروفاً بالرقائق والزهد مع فقهاء البلد، فبعث إليه صالح العباسي بقدحٍ من نبيذ فشربه، ثم بعث إليه بثانٍ فامتنع من شربه، فأخذه الناس بألسنتهم وقالوا: شربت المسكر لهؤلاء فصرت لهم حجة، فقال: أحسبتم أن أكون ممن قال الله فيه " يستخونَ من النَّاس ولا يستخفون من الله وهو معهم " فكيف كنت أدعه لكم وأشربه لغير الله. وقال بعض القضاة لرجلٍ كان يعدله ويعتب عليه بقوله: بلغني أنك تشرب المسكر، فقال: ما أشرب المسكر ولكني أشرب النبيذ الصلب ولا أسكر منه. وعن هُشيم بن بشير قال: ربما شربت من هذا النبيذ ثم أركب ناقتي ما أُبصر أُذنيها. وقال علقمة: سألت الشعبي عن النبيذ فقال: ما اشتد فهو أحب إليَّ. وعن مجاهد عن ابن عباس أنه قال: النبيذ حلالٌ والمسكر حرامٌ. وشرب النبيذ جلَّة من قضاة أهل القيروان وفقائهم.

стр. 112

ذكر عن ابن البرغوث المُقري قال قال لي عبد الرحمن بن أبي حسان وجَّه إلي الأمير زيادة الله بن إبراهيم، فدخلت عليه فوجدت عنده أبا محرز وأسد بن الفرات فقال لي يا ابن أبي حسان ما تقول في النبيذ الشديد؟ فقلت أيها الأمير أنت تحله وتشربه، وهذان قاضيان يُحلاتنه ويشربانه فما عسيت أن أقول؟ قال لا بدّ، قلت شرب الكثير منه حتى يزيل العقل محرَّم عند جميع الناس، وقد أحلوا منه القليل الذي لا يسكر؛ فكانت عند زيادة الله مأدبة جمع لها وجوه أهل القيروان وأهل العلم والفقه فجلس على مائدة جمع لها وجوه أهل القيروان وأهل العلم والفقه فجلس على مائدة بين يديه سحنون بن سعيد وابن أبي حسان ومعمر ابن منصور الفقيه وعمران بن أبي محرز، فاستسقى معمر ماءً فقال له الأمير إن عندنا شراباً كثيراً؛ عندنا الماء، وشراب الورد وشراب الجُلاَّب وما أشبههما، ومطبوخ العنب، ومطبوخ الزبيب، ونبيذ العسل، ونقيع الزبيب، فاختر أيها شئت [فطلب نبيذاً] فأمر أن يؤتى به، فسقاه أحد الغلمان ثلاثة أقداح، فالتفت إليَّ فقال ما تقول في النبيذ؟ فقلت أنت تراني أيها الأمير أشربه وتسألني عنه روينا عن عبد الله بن عباس قال حُرِّمت الخمر بعينها والسكر من كل شراب، وأتى بأحاديث كثيرة يحتج بها في تحليله، فقال لسحنون ﵀ وأنت ما تقول؟ قال اختلف الناس فيه، وأنا أقول بتحريمه، فقال لعمران بن أبي محرز فأنت؟ قال كان أبي وأخي يشربانه وكنت أشربه ثم تركت شربه، قال ولِمَ؟ والله إن أباك وأخاك خير منك، قال إن ذلك لعلةٍ وهو لا يوافقها. وكان معمر لا يستأثر في شرب النبيذ، وكان لسحنون بن سعيدٍ خلاًّ وصديقاً لا يغير ذلك ما بينهما وكان يفتقده كثيراً ويزوره. فيقال أنه دخل يوماً إليه وكأس كبير ملآن بالنبيذ مكشوف بالقرب منه، فقال: ألا تخاف عليه من الذباب؟ قال: هو أمنع جانباً من ذلك. ودخل معمر يوماً على زيادة الله بن إبراهيم فقال له: يا معمر إني أحب النبيذ، وما تراني أصبر عنه، فما ترى لي أن أشرب منه؟ فقال: أرى أن تشرب قدحاً واحداً، قال: لا يقوم بي، قال: قدحين، قال: لا يقومان بي، قال: فثلاثة، قال: لا تكفيني، قال: وثلاثمائة ما لم تسكر. وأتاه رجل فقال: أصلحك الله ما تقول في نبيذ هذا الزبيب الطرقوني، المنقع المضروب بالعسل، فقال له معمر: بختك أشقى من أن يكون هذا في بيتك. قال معمر بن زرزور: سمعت معمراً، وأتاه رجل يسأله عن النبيذ النقيع الذي يعمل من الزبيب، يقول: يا شحيح، يا بخيل، أهدِ لنا منه جرَّة. ولمعمر في تحليل النبيذ كتاب حسن يدل على حذقه ومعرفته، وكان أخذ تحليله من عبد الله بن فروخ، وكان عبد الله على زهده وورعه وصيانته يحلل النبيذ ويرى شربه غير مستترٍ فيه. وروي أنه حضر يوماً عرساً بالقيروان لبعض إخوانه فلما أُتي بالطعام جلس إلى جانب ابن فروخ رجل متصوف ممن يرى تحريم النبيذ، فنظر إليه ابن فروخ، وقد أخذ دجاجة من على المائدة فلفها في منديله وجعلها تحت المائدة، ثم أُتي بالنبيذ فدُفع إلى ابن فروخ قدحٌ كبير فشربه، ثم مُلئ فدُفع إلى ذلك الرجل الذي كان إلى جانبه فامتنع من شربه وامتعض وغضب وأظهر كراهة شديدة، وقال: أنا أشرب النبيذ؟ فالتفت إليه ابن فرّوخ كأنه يُساره وقال: اشرب يا سارق الدجاجة، لأنه أخذها من غير إذن صاحبها. وعن علقمة بن قيس قال: أكلت مع عبد الله بن مسعود خبزاً ولحماً وأُتي بنبيذ شديد فشرب من وسقاني. وعن علقمة قال: سألت عبد الله بن مسعود عن حديث رسول الله (ص) في المسكر فقال: الشربة الآخرة منه حرام. وقال: دُعي أبو موسى الأشعري إلى وليمةٍ فأتي بطعام فأكل ثم أتي بعسٍّ فشرب منه وناول رجلاً عن يمينه، قال: فشربت فإذا طلاءٌ شديد. وكان عمر بن (الخطاب) يتزود الراوية من نبيذ الزبيب، وعن مجاهد قال: قلت لابن عباس: فسِّر لي قوله (ص) كل مسكر حرام، قال: تشرب الشراب وهو لك حلال، فإذا سكرت منه فهو حرام. وسئل أيضاً عن مثل ذلك فقال: الشربة التي تسكر منها (حرام) . وسئلت عائشة عن النبيذ فقالت: اشربوا ولا تسكروا. وعن قتادة بن دعامة قال: سألت أنس بن مالك عن النبيذ فقال: ما سمعت عن النبي (ص) فيه شيئاً.

стр. 113

وقال العبر بن حريث: سقاني أنس (رض) طلاءً من زقٍّ مُقير. وعن الشعبي قال: شهد عندي عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه شرب نبيذاً شديداً في جرٍّ أخضر عند البدرية من أصحاب محمد (ص) وعن عوف بن أبي جحيفة قال: زوجني أبي وأعرس عليَّ وأولم فأُهدي لي عشرون دناً من طلاء قد طبخ على النصف فسقى الناس من ذلك الطلاء. وروي عن أبي حازم الثوري قال: بعثني الربيع ابن خثيم ابتاع له طلاءً فأتيته به وفيه بعض الحلاوة فقال: ردَّة واشترِ لي ما هو أشد منه. ذكر ما جاء في تحريم الخمر وشدَّة النهي عنها قال الله : قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق. وقال: وذروا ظاهر الإثم وباطنه، إن الذين يكسون الإثم سيُجْزون بما كانوا يفترون. ثم قال في موضع آخر: يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثمٌ كبير ومنافع. فدخلت الخمر في اباب ما حرَّمه القرآن، لأنه أخبر بتحريم الإثم وجعله في الخمر كبيراً. فأما شدة النهي فقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون، إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون. فقالوا انتهينا، فصَّح في العقل أنَّ كلَّ ما خُمِّر من عنبٍ وزبيب وتمرٍ وعسلٍ وحنطة وغير ذلك، فاذهب العقل، وأوقع العداوة والبغضاء، وصدَّ عن ذكر الله وعن الصلاة، وثبتت فيه هذه المعاني فهو خمرٌ محرَّمٌ. ويروى عن أنس بن مالك أنه قال: كنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح وأبا طلحة وأُبيَّ لن كعب شراباً من تمر فضيخ، فأتاهم آتٍ فقال: إن الخمر قد حُرِّمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها، فقمت إلى مهراسٍ لنا فضربته بأسفله حتى تكسر. وروي عن أبي مالِك الأشعري أن رسول الله (ص) قال: ليشربن ناسٌ من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، ويُضرب على رؤوسهم بالمعازف، يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم قردةً وخنازير. رواه سحنون قال: لأنهم يسمونعها نبيذاً واستحلوها فأخبر الله بذلك نبيَّه أنه سيكون في أُمته فحذَّرهم منه. ولم يروِ من قال بإحلال النبيذ الشديد عن رسول الله (ص) حديثاً واحداً مكشوف المعنى مشروحاً يُثبت مثله أهل المعرفة بالحديث. وروا في ذلك أحاديث لا تقوم بها حجة. ومن الناس من يشرب المسكر ويعلم أنه حرام فإذا عوقبوا على ذلك قالوا: نشربه، ونعلم أنه ذنب، ونستغفر الله منه، أحب إلينا من أن نشربه مستحلين له غير مستغفرين منه ويحتجون بقول المأمون: سأشربها وأزعَمُها حراماً ... وأرجو عفو ربٍّ ذي امتنانا ويشربها ويزعمها حلالاً ... وتلك على الشقيِّ خطيئتان وهذه جرأة على الله وطمع في المغفرة، وأنى لهم المغفرة وهم مصرون، لا ينصرم عنهم يوم إلا عقدوا النية على شربه في الغد وبعد الغد وإنما يغفر الله بالاستغفار للمُقلعين. وماذا يقولون في رجل زنى وهو لا يعلم أن الله حرم الزنى وآخر زنى وهو يعلم أن الزنى من الكبائر التي تسخط الله وتوجب النار، أيهما أقرب إلى السلامة وأولى من الله بالعفو؟ الذي لا يعلم، لا حدَّ عليه ولا رجم، وعلى الآخر حدّ البكر أو الرجم إن كان مُحصناً. وروي عن أبي هرريرة أنه قال: صنعت لرسول الله (ص) نبيذاً في الدُّباء وكان صاعاً فجئت به عند إفطاره، فقال: أدنِهِ، فأدنيته منه فإذا هو ينشُّ، فقال: اضرب به الحائط فإن هذا شراب من لا يؤمن بالله واليوم الآخر. وقال ﷺ : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن. وقال الله تعالى فاجتنبوا الرجسَ من الأوثان واجتنبوا قول الزور، فجعل الأوثان رجساً وجعل الخمر رجساً.

стр. 114

وروى مالك عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله (ص) كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، مع أحاديث كثيرة، هذا أشدُّها إفصاحاً وأبعدها من حيلة التناول. والشاهد على ذلك من النظر، أن الخمر إنما حرمت لإسكارها وجرائرها على شاربها، وسائر هذه الأنبذة تفعل كما تفعل. ويوروى عن رسول الله (ص) أنه قال: أكبر الكبائر قتل النفس التي حرَّم الله، وشرب الخمر وعقوق الوالدين وقذف المحصنات، والرار من الزحف، وترك الصلاة متعمداً، فمن فعل منها شيئاً فهو بريء من الإيمان. وعن أبي موسى الأشعري أنه قال: والله ما كنت أُبالي شربت قدح خمر أو عبدت هذه السارية من دون الله، سمعت رسول الله (ص) يقول: لا يزال المؤمن في فسحةٍ من دينه ما لم يشرب خمراً أو يهرق دماً. وعن عائشة ﵂: سئل عن البتع، وهو نبيذ العسل فقا: كل شراب أسكر فهو حرام، [و] قال: ما أسكر كثيره فقليله حرام. وقال (ص) من شرب شراباً حتى يذهب بعقله الذي أعطاه الله فقد أتى باباً من أبواب الكبائر. وعن مسروق بن الأجدع قال: شارب الخمر كعابد وثن. ومدمن الخمر كعابد الات والعُزى. وعن شعيب بن حرب قال: قال الله : لأن يسرق أَحبُّ إليَّ من أن يسكر لأنهإذا سكر لم يعرفني. وعن أبي سعيد الخدري أن النبي (ص) قال: إن المؤمن إذا تناول الخمر ليشربها قال الله تعالى، عبدي راقِبني في شربها، فوعزتي وجلالي لئِن شربتها لأسقينك من طينة الخبال. فمن شربها صباحاً أمسى وهوكافر بالله، ومن شربها مساءً أصبح كعابد اللات والعزى وإنه لبريء من الإيمان والإيمان بريءٌ منه، وإن مات على ذلك مات ميتة جاهلية وحشر يوم القيامة مع عبدة الأوثان والأصنام إلى النار. وعن جعفر بن محمد قال: قا رسول الله (ص) : من أدخل عِرقاً من عروقه قليل ما أسكر كثيره، عذَّب الله ذلك العرق بثلاثمائة وستين لوناً من العذاب. وعنه أن رسول الله (ص) قال: لا أشفع لمن تهاون بطلاءٍ ولا أشفع لمن شرب مسكراً. وقال (ص) : من شرب الخمر لم يقبل الله له صلاةً أربعين يوماً فإن عاد لم يقبل [له] الله صلاة ثمانين يوماً، فإن عاد كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال، قيل: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: صديد أهل النار وقيحهم. قال: وسمعت رسول الله (ص) يقول: لُعن شارب الخمر وساقيها وعاصرها وبائعها وشاريها وحاملها والمحمولة إله وآكل ثمنها. وقال سمعته (ص) يقول: من قعد على مائدة فيها شراب فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه. قال: وسمعته (ص) يقول: من مات والخمر في جوفه قبض ملك الموت روحه وهو سكران، ودُليَّ في قبر هـ وهو سكران وأُمر لبه إلى النار وهو سكران. قال، وسمعته يقول: من شرب من الخمر شربةً لم يشربها وإن دخل الجنة، يسلبه الله ذكرها وشهوتها ولا يدعو بها في الجنة. وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله (ص) : من شرب الخمر فاجلدوه، وإن عاد فاجلدوه، وإن عاد فاجلدوه، وإن عاد الرابعة فاقتلوه، قال، فأتي رسول الله (ص) برجل من الأنصار يقال له نُعيمان، شرب الخمر فجلده، ثم عاد فجلده ثم عاد فجلده، ثم عاد الرابعة جلده، فرأى المسلمون أنَّ الحد قد ثبت وأن القتل قد رفع، وكان لا يزال يؤتى به شارباً فيقول: اضربوه فيضربونه بالجريد والنعال، فقال رجل من القوم، إلعنه، ما أكثر ما ؤتى به، فقال رسول الله (ص) لا تسبه فإنه يحب الله ورسوله. وقيل لعدي بن حاتم: ما لك لا تشرب النبيذ؟ قال: لئلا أُصبح حليم قومي واُمسي سفيههم. وقيل لعثمان بن عفان (رض) ما منعك من شرب الخمر، ولا حرج عليك في شربها؟ قال: لأني رأيتها تذهب العقل جملةً، وما رأيت شيئاً ذهب جملةً فعاد جملةً. وقال عبد العزيز بن مروان لنُصيب: هل لك فيما يُحسن المجالسة وينتج المؤانسة، فقال: أصلح الله الأمير، الشعر مفلفل، واللون مُرمد ولم أقرب إليك بكلام عنصر ولا حسن منظر وإنما هو عقلي ولساني، فإن رأيت ألا تفرق بيني وبينهما فأفعل. وقال النعمان العبدي لابنه ساعدة: يا بني إن كثررة الشراب تفسد القلب وتغير اللب، واعلم أن الظمأ الذابح خير من الرِّيِّ الفاضح؛ وقال بعض الحكماء: الشراب أول الخراب ومفتاح كل باب، يمحق الأموال ويذهب الجمال ويهدم المروءة ويوهن القوة ويضع الشريف ويهين الظريف ويُذل العزيز ويبيح الخريز ويفلس التجارة ويهتك الأستار، وقال الشاعر:

стр. 115

تركتُ الخمور لأربابها ... وأقبلت أرشب ماءً قَراحا ود كنت حيناً بها معجباً ... كحبِّ الغلام الفتاة الرَّداحا وما كان تركي لها أنني ... يخاف نديمي علي افتضاحا ولكنَّ قولي له مرحباً ... وأهلاً مع السهل وانعم صباحاً وكان رجل من الأزد يكنى أبا شملة قد تتابع في الخمر وغلبت عليه، فأُتي به رسول الله (ص) وهو سكران فخلّى سبيله، ثم أُتي به وهو سكران، فأخذ رسول الله (ص) قبضة من تراب فضربه بها، وقال: اضربوا الخبيث فضربه الناس بأيديهم وبالنعال وأطراف النخل، فلما وُلِّي أبو بكر، أُتي بسكران فسأل: كم ضرب رسول الله (ص) أبا شملة، قالوا: ما ندري، قال: كم كنتم؟ قالوا: عشرين رجلاً، قال: فكم ضربه كل واحد منكم؟ قالوا: الضربة والضربتين، فضربه أربعين، فلما ولي عمر كتب إليه أبو عبيدة بن الجراح من الشام، إن الناس قد تتابعوا في شرب الخمرة، وقد ضربت فيها الأربعين فلم تغن شيئاً، فجمع عمر رجالاً من أصحاب رسول الله (ص) فشاورهم، فقال عليّ: إني لا أرى أحداً أشبه بحدِّ الفِرية منه لأن الرجل إذا سكر هذىوإذا هدى افترى، فقال عمر للرسول: قد سمعت ما قال، فمر رأبا عبيدة أن يضربها فإنا ضاربوها، فضرب أبو عبيدة ثمانين، وضربها عمر بالمدينة. وقال الضحاك بن مزاحم لبعض أصحابه: مالك ولشرب النبيذ؟ قال: يهضم طعامي، قال: والله لما يهضم من عقلك ودينك أكثر. وسُئل شريك بن عبد الله عن النبيذ قال: إشرب منه ما لا يشرب عقلك. ويُروى أن عثمان بن عفان (رض) خطب الناس يوماً فقال: أيها الناس، اجتنبوا الخمر فإنها أُم الخبائث، ومفتاح كل شر، وإني سمعت رسول الله (ص) يقول: من شرب الخمر في الدنيا حرَّمها الله عليه في الآخرة، أيها الناس اتقوا الخمر فإنها من أجل الذنوب وأكبر الكبائر، ومن شرب الخمر وقع على أمه وأخته وهو لا يعلم، فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يشرب الخمر ولا يقعد على مائدة يُشرب عليها الخمر فإنَّ اللعنة تنزل عليهم ما داموا في مجلسهم ذلك. ومن عيوب الشراب أن صاحبه يتكرهه عند شربه ويكلحُ عند شمِّه ويغتم أن يفضل منه شيءٌ في قدحه، ويكثر عتاب ساقيه ويمزجه ليغيِّر طعمه ويتجرعه ولا يكاد يسيغه ويستعين بالنقل من بعده ليغيِّر طعمه ويلقى من الدوار والخمارما لا قوام له، مما يكدر كل لذة وينغص كل طيبة، كما قال بعض الحكماء: اولا أن المخمور يعلم علته لأوصى وصيته، وقد رأيت كثيراً من الناس خدعوا أنفسهم بقول الأعشى: وكأسٍ شربت على لذةٍ ... وأُخرى تداويت منها بها وقولهم الخمر علاج الخمار، فأتبعوا السكر سكراً فعرضت لهم أمراض صعبة منها الفالج والسكتة. وإن فعل ذلك قوم وسلموا من الأمراض لصحة أبدانهم وقوة أعضائهم فإن ذلك ليس بمخرجهم من الخطأ في فعلهم ولا يُحتج بهم على غيرهم. وذكروا أن رجلاً شرب عند خمار نصراني أياماً فأصبح ميتاً فاجتمع الناس عليه وقالوا: قتلته، فقال: لا والله ما قتله إلا استعماله ما كان يغني فيه من هذا الشعر: داوِ الخُمار بخمرة الكأس المعتقة العُقار لو خامرت عقل العزير لزلَّ عن ظهر الحمار وقوله: وكأس شربت على لذةٍ ... وأُخرى تداويت منها بها وإكثاره منها على قلة الطعام فصار إلى ما ترون. وقال عبد الملك بن مروان وذكر الخمر: إن أولها لمُرّ، وآخرها لسُكر وإنها لتُذهب العقل وتكسب الجهل وتسقط المروءة وتفسد الفتوة، وتدعو إلى عشرة الوضيع وتحط درجة الرفيع، ولهي أسرع في عِرض الرجل وماله من النار في يبس العرفج. قال الزبير بن بكار، ذكر أبو الزناد، أن رجلاً من ثقيف جُلد في الشراب في خلافة عثمان بن عفّان (رض) وكان لذلك الرجل مكان من عثمان ومجلس في خلوته فلما جُلد أراد ذلك المجلس فمنعه عثمان إياه وقال له: لا تعود إلى مجلسك أبداً إلا ومعنا ثالث. وعمل محمد بن عبد الملك الزيَّات أبياتاً، وكتبها في كتاب وعنونه إلى إبراهيم بن رياح وختمه ودسَّ رجلاً فدفعه إليه وهو متولي ديوان الضياع، فلما فضَّه إبراهيم تغير لونه وأمر فطلب الرجل فلم يوجد، وإذا في الكتاب أبيات منها: يا أبا إسحق إن الراح ضدٌّ للفلاح ؟ خدمة الواثق والطاسات في أيدي الملاحِ

стр. 116

ليس يلتامان فاختر خدمةً أو شرب راح فرفع صاحب الخبر ذلك إلى محمد بن عبد المك الزيات فضحك وقام من وقته إلى الواثق فعرَّفه وأنشده الأبيات فقدح ذلك في قلب الواثق فصرف إبراهيم بن رياح ونكبه وأخذ ماله وضياعه. وقال النميري: خلا بين ندمانيّ موضع مجلس ... ووقرني بعد الشباب مشيب ورُدَّت على الساقي تفيض وربَّما ... رددتُ إليه الكأس وهي سليبُ وما اشتهر اللذاتِ والنشوة الفتى فكان له في المكرمات نصيبُ وعن عبد الله بن عمر، أنه قال: والذي نفسي بيده لقد أُنزل تحريم الخمر بالمدينة وما بها زبيبة واحدة. عروة عن عائشة أنها كانت تقول: من تداوى بالخمر فلا شفاه الله. وقيل لعائشة: إن النساء يمتشطن بالخمر، فنهت عن ذلك وقالت: إنها رجس. وقال (ص) : ثلاثة حرم الله عليهم الجنة؛ مدمن الخمر، وقاطع الرحم، والشيخ الزاني؛ وولى عمر (رض) النعمان بن نضلة العدوي بميسان فأراد رحيل امرأته معه، فكرهت، فلما وصل إلى ميسان أراد أن يُغيرها فترحل إليه فكتب إليها: ألا هل أتى الحسناءَ أن حليلها ... بميسان يُسقى في زُجاج وحنتم إذا شئتُ غنتني دهاقين قريةٍ ... وصناجة تجثو على كل مِيسمِ فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني ... ولا تسقني بالأصغر المتثلمِ لعل أمير المؤمنين يسوؤه ... منادمنا في الجوسقِ المتهدم فبلغت عمر، فقال: أي وأبيك، إنه ليسوؤني، يا غلام، اكتب بعزله، فلما قدم على عمر بكتَهُ بها، فقال: يا أمير المؤمنين، ما شربتها قط، ولا قلت الأبيات إلا لسبب كذا، فقال عمر: أظنُّ ذاك، ولكن لا تعمل لي أبداً. وقال أبو نواس: أيها الرائحان باللوم لوما ... لا أذوق المدام إلا شميما نالني بالملام فيه إمامٌ ... لا أرى لي خلافه مستقيما فاصرفاها إلى سواي فإني ... لست إلا على الحديث نديما كبر حظِّي منها إذا هي دارت ... أن أراها وأن أشم النسيما فكأني وما أزيِّنُ منها ... قَعَديٌّ يزيِّن التحكيما كلَّ عن حمله السلاح إلى الحرب فأوصى المطيق ألا يقيما وما سبقه أحد إلى هذا المعنى وزعم بعض بني نوبخت أن آخر ما سمع من أبي نواس قوله: شعر ميت أتاك من لفظ حيٍّ ... صار بين الحياة والموت وقفاً قد برت جسمه الحوادث حتى ... كاد عن أعين الحوادث يخفى لو تأملتني لتثبت وجهي ... لم تَبِن من كتاب وجهي حرفا ولكرَّرت طرف عينك في جسمٍ برته الهموم حتى تعفى ثم التفت إلى من حوله وقال: لا تشربوا الخمر صرفاً فإنها أحرقت كبدي ومات. وسأل رجل شريكاً عن النبيذ فقال: حلال، قال: قليله خير أم كثيره؟ قال: قليله، قال الرجل: ما رأيت خيراً إلا وكثيره خير من قليله إلا هذا. وقيل لابن شبرمة: لِم تركت النبيذ؟ فقال: إن كان حلالاً فحظي تركت، وإن كان حراماً فبالحزم أخذتُ. وقيل لأعرابي: ما لك لا تشرب النبيذ؟ قال: لثلاث خصال فيه: مَتلفة للمال مَذهبة للعقل مسفهة للحلم. قال عبد الله بن إبراهيم: لو كان العقل يُشترى ما كان عِلقٌ أنفس منه، والعجبُ العجبُ لمن يشتري ذهابه بماله فيدخله رأسه فيقيء في جيبه، ويسلح في ذيله ويمسي عديماً ويصبح فضيحة. وقال عيسى بن مريم (ع) : الهوى رأس كل خطيئة، والنساء حِبالة الشيطان والخمر داعية كل سوء. ويروى عن أُم سَلَمة أنها قالت: اشتكت ابنة لي فنبذت لها في كوز فدخل عليَّ النبيُّ (ص) وهو يغلي فقال: ما هذا؟ فقلت: ابنة لي اشتكت فنبذت لها هذا النبيذ فقال: إن الله ﵎ لم يجعل شفاءَكم حراماً. وقال بعض العلماء: رخَّص الله للمضطر في الميتة والدم ولحم الخنزير ويم يرخِّص في الخمر لمضطر ولا غيره، وقال رجل من قريش: ومن تقرع الكأسُ اللئيمة سِنهُ ... فلا بد يوماً أن يسيء ويجهلا ولم أرَ مشروباً أشد سفاهةً ... وأوضع للأشراف منها وأخملا

стр. 117

أجمع الناس على أن الخمر المحرمة في كتاب الله، عصير العنب، وهو ما غلا وقذف الزبد من عصير العنب من غير أن تمسه النار ولا يزال خمراً حتى يصير خلاً، وذلك إذا غلبت عليه الحموضة وفارقته النشوة، لأن الخمر ليست محرمة العين كما حُرِّم عين الخنزير، وإنما حُرِّمت لعرضٍ دخلها فإذا زايلها ذلك العرض عادت حلالاً كما كانت قبل الغليان حلالاً، وعينها في كل واحدة قائمة، وإنما انتقلت أعراضها من حلاوة إلى مرارة ومن مرارة إلى حموضة كما ينتقل طعم الثمرة إذا أينعت من حموضة إلى حلاوة والعين قائمة، وكما ينتقل طعم الماء، بطول المكث، فيتغير طعمه وريحه والعين قائمة، وكذلكسبيل المِسك، الذي هو دمٌ غليظ حرمٌ، ثم يجف فيصير طيباً حلالاً. باب ما جاء في الخمر من الشعر مرتباً على حروف المُعجم حرف الألف قال أبو نواس: دع عنك لومي فإن اللوم إغراءُ ... وداوني بالتي كانت هي الداءُ صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ... لو مسَّها حجرٌ مسَّتهُ سرَّاءُ من كف ذات حرٍ في زِيّ ذكرٍ ... لها محبان لوطيٌّ وزناءُ قامت بإبريقها والليل معتكرٌ ... فلاح من وجهها في البيت لألاءُ فأرسلت من فم الإبريق صافيةً ... كأنما أخذها بالعين إغفاءُ رقَّت عن الماءِ حتى ما يلائمها ... لطافةً وجفا عن شكلها الماءُ فلو مزجت بها نوراً لمازجها ... حتى تولََّ أنوار وأضواءُ دارت على فتية دان الزمان لهم ... فما يصيبهم إلا بما شاؤوا وقال أيضاً: وكأس كمصباح السماءِ شربتها ... على قبلةٍ أو موعدٍ بلقاءِ أنت دونها الأيام حتى كأنها ... تساقُط نورٍ من فتوق سماءِ ترى نورها من ظاهر الكأس ساطعاً ... عليك ولو غطيتها بغطاءِ فإن تكن الصهباء أودت بتالدي ... فلم تنسني أُكرومتي وحيائي وقال أيضاً: يا رب مجلس فتيان نزلت به ... والليل ملتحفق في ثوب ظلماءِ يلهو بصافية كالشمس مشرقة ... تغشى عيون نداماها بلألاءِ كأن قرقرة الإبريق بينهم ... رجع المزامير أو تغريد فأفاءِ وقال أيضاً: ومدامة سجد الملوك لذكرها ... جلَّت عن التصريح بالأسماءِ شمطاء تذكر آدماً وزمانه ... وتخبر الأخبار عن حواءِ والكوبُ يضحك كالغزال مسبحاً ... عند الركوع بلثغة الفافاءِ وكأن أقداح الرحيق إذا جرت، جنحَ الظلام، كواكبُ الجوزاءِ وقال الحسن بن وكيع: هيفاء تبدي طُرَّةً في غُرةٍ ... كسواد غدرٍ في بياض وفاء بذؤابتين على الغلالة حاكتا ... ألفَيْنِ وسط صحيفةٍ بيضاء وافت بكأس الراح تحمل نارها ... تحت الظلام براحةٍ من ماءِ راح حكت بحبابها شمس الضحى ... قد قُلِّدت بكواكب الجوزاء وقال أيضاً: قم هاتها مشمولةً ... تسرع في ثلم الحجا تحكُم في الهمِّ كما ... يحكم في الصبِّ الهوى كأنها أهدت لها ... خلعتها شمس الضحى كأنها في كأسها ... ذوب عقيق قد جرى ألذ من عافيةٍ ... وافت على طول الضنى وموعد طال على ... وعد حبيب فوفى تسعى بها وافرة الأرداف هيفاء الحشا كأنما قرونها ... تعشق ما تحوي البرى وقال صريع: خطبنا إلى الدهقان بعض بناته ... فزوجنا منهنَّ في خِدرها الكبرى وما زال يغلي مهرها ويزيده ... إلى أن بلغنا فيه غايته القصوى فتاه أبوها الماءُ والكرم أُمها ... وحاضنها حرُّ الهحير إذا يحمى وقال ابن المعتز: وكأس حيرية شكَّت بمبزلها ... أحشاء مُشعرةٍ بالقار كلفاء أجرى الفرات إليها من سلاله ... نهراً تمشى على أحشاء ميثاءِ

стр. 118

يسقيكها خَنَثُ الأعطاف ذو هيفٍ ... كأن ألحاظه أفرقن من داءِ لها شعاع على كفيه ملتهب ... كأن أطرافه عُلَّت بحناءِ كأنه صبَّ سلسال المزاج على ... سبيكة من بنات التِّبر صفراءِ وقال أيضاً: داو الهمومَ بقهوةٍ عذراءِ ... وامزج بنار الراح نور الماءِ لم يترك منها تقادُمُ عهدها ... في الدنِّ غير حشاشةٍ صفراء بُزِلت كمثل سبيكة قد أُفرغت ... أو حية وثبت من الرمضاءِ واستبدلت من طينةٍ مختومةٍ ... تفاحةً في رأسِ كل إناءِ وقال ابن المعتز: رب يومٍ عامر الكأس ظَلنا ... نقرع القهوة فيه بماء في دجى الليل وطيِّ الحواشي ... مدنف الريح قصير البقاء أسقط الأقطار حتى تثنى ... النور وابتل جناح الهواء زمن مدَّ لنا في نعيم ... في صباحٍ غافلٍ ومساءِ وقال دعبل: شفاءُ ما ليس له شفاءُ عذراء تختال بها عذراء حتى إذا ما كُشف الغِطاء وملكت أحلامنا الصهباءُ وخطب الريح إلينا الماءُ جرى لنا الدهر بما نشاءُ وقال آخر: مُرْ لي على رغم الحسود بقهوةٍ ... بكرٍ ربيبة حانةٍ عذراءِ موج من الذهب المذاب تضمه ... كأس كقشرِ الدُّرة البيضاءِ وقال البحتري: إشرب على زهر الرِّياض يشوبه ... زهر الخدود وزهرة الصهباء من قهوةٍ تُنسي الهموم وتبعث الشوق الذي قد ضلَّ في الأحشاء يُخفي الزجاجة لونها فكأنها ... في الكف قائمة بغير إناءِ ولها نسيم كالرياض تنفست في أوجه الأرواح والأنداءِ وحبابها مثل الدموع ترددت ... في صحن خدِّ الكاعب الحسناءِ يسقيكها رشأٌ يكاد يزيدها ... سكراً بفترةِ مقلةٍ حوراء يسعى بها وبمثلها من طرفِهِ ... عوداً وإبداءً على الندماء وقال ابن المعتز: ملكته السلافة العذراءُ ... فلها ودُّ قلبه والصفاء روح دنٍّ لها من الكأس جسمٌ ... هي فيه كالنار وهو هواء فكأن النديم يلثُمُ منها ... كوكباً كفُّهُ عليه سماءُ وكأن الحباب إذ مزجوها ... وردة فوق درةٍ بيضاءُ وقال: مررت بكرمةٍ جذبت ردائي ... سُقيت الغيث جاذبة الرداء فقالت: لِم مررت ولم تُسلم ... وقد رويت عروقُك من دمائي وقال الخليع: فضَّت خواتمها والصبحُ منتبهٌ ... عن مثل رقرقة في جفن مرهاءِ تمازج الروح في أقصى مداخلها ... كما تمازح أضواءٌ بأضواءِ كأنما هي إذ صُبَّ المزاج بها ... سَلخ تجللها عن بطن رقشاء وقال الصنوبري: قم فاسقني كأساً كأن حبابها ... طلٌّ أحاط بوردة حمراء والنجم في أُفق السماء كأنه ... عين تخالسُ أعين الرقباءِ وقال دعبل بن عليّ: شربت وصحبتي يوماً بغمرٍ ... شراباً كان من لطف هواءَ وزَنَّا الكأس فارغةً وملأى ... فكان الوزن بينهما سواءَ حرف الباء قال أبو نواس: أعاذلَ أعتبت الإمام وأعتبا ... وأعربت عمَّا في الضمير وأعربا وقلت لساقينا أجزها فلم يكن ... ليأبى أمير المؤمنين وأشربا فجوزها عني عُقاراً ترى لها ... إلى الشرف الأعلى شعاعاً مطنبا إذا عبَّ فيها شارب القوم خلته ... يقبل في داجٍ من الليل كوكبا ترى حيثما كانت ن البيت مشرقاً ... وما لم تكن فيه من البيت مغربا يطوف بها ساقٍ أغنَّ ترى له ... على مستدار الخدِّ صُدغاً معقربا سقاهم ومنانيّ بعينيه قُبلة ... فكانت إلى قلبي ألذ وأعجبا وقال: ساعٍ بكاسٍ إلى ناشٍ على طرب ... كلاهما عجبٌ في منظرٍ عجبِ

стр. 119

قامت تريني وجنح الليل منسدلٌ ... صبحاً تولِّدَ بين الماء والعنب كأن صغرى وكبرى من فوقعها ... حصباءُ على أرض من الذهب وقال: قُطْرُبُّل مربعي، ولي بقرى الكرخ مصيفٌ، وأمي العنب ترضعني درَّها وتلحفني ... بظلها والهجير يلتهب إذا ثنته الغصون جللني ... فينان ما في أديمه جوَبُ ترنُّ في مأتم حمائمهُ ... كما تُرِنُّ الفواقدُ السلب يهب شوقي وشوقهن معاً ... كأنما يستخفنا الطَّربُ فقمت أحبو إلى الرضاع كما ... تحامل الطفل مسَّه السَّغبُ حتى تحيرت بنتَ دسكرةٍ ... قد عجمتها السنون والحِقبُ هتكت عنها والليلُ معتكر ... مهلهل النسج ما له هُدُبُ من نسج خرقاء ما تُشَدُّ لها ... آخيةٌ في الثرى ولا طُنُبُ ثم توجأتُ خصرها بشبا الأشفى فجاءت كأنها لهب أقول لما تحاكيا شبهاً ... أيهما للتشابه الذهب هما سواءٌ وفرقُ بينهما ... أنهما جامدٌ ومنسكبُ ملسٌ وأمثالها محفَّرةٌ ... صُوِّرَ فيها القسوس والصلب يتلون إنجيلهم وفوقهم ... سماءُ خمرٍ نجومها الحببُ كأنه لؤلؤ تبعثره ... أيدي عذارى أفضى بها اللعبُ وقال أيضاً: أيا باكي الأطلال غيَّرها البلى ... بكيت بعين لا يجف لها غرْبُ أتنعت داراً قد عفت وتغيرت ... فإني لما سالمت من نعتها حربُ وندمان صدقٍ باكر الراح سُحْرَةً ... فأضحى وما منه اللسان ولا القلب فأنتبهته كيما يفيق فلم يُفق ... إلى أن رأيت الشمس قد حازها الغرب فقام يخال الشمس لما ترحلت ... فنادى: صبوحاً، وهي قد قربت تخبو فناولته كأساً جلت عن فؤاده ... وناولته أُخرى فثاب له لب إذا ارتعشت يمناه بالكأس رقَّصت ... بها ساعة حتى يسكنها الشُّربُ وقال ابن وكيع: ماذا انتظارك باللذات والطرب ... قل للسقاةِ صلوا الأقداح بالنُجب وأفرغوا الماءَ في راحٍ معتقةٍ ... ما أحسن الفضة البيضاء في الذهبِ آخر: أديرا علي كؤوس المُدام ... يدر فلكُ اللهو [ثم] الطرب أما تريان نجوم السماء ... تلوح لنا في سواد الغَهَبْ كأن الدجى فرسٌ أدهمٌ ... وأنجمه لببٌ من ذهب وقال آخر: لا تدع عُمرك يمضي باطلاً ... لست تعتاض بعُمرٍ إن ذهب ليس من عمرك يومٌ [لم] تُقِمْ ... فيه سوقاً للملاهي والطرب وقال آخر: لا ووعد اللحظ بالوصل على رغم الرقيبِ واختلاس القُبل الحلوة من خدِّ الحبيبِ وسماع مستطابٍ جاء في لفظ مصيبِ ما سوى الراح لداءِ الهم عندي من طبيب وقال ابن الرومي: طربت إلى ريحانة الأنف والقلبِ ... وأعمالها بين العوازف والشرب فلا عيش إلا بين أكواب قهوةٍ ... توارثها عقبٌ من الفرس عن عقبِ تأنت أكف القاطفين قِطافها فسالت بلا عصر ودرت بلا عصب أطافت بها الأيام حتى كأنها حُشاشة نفسٍ شارفت منقضى نحب لها منظر في العين يشهد حُسنُهُ ... على مخبرٍ يُهدي السرور إلى القلب تردُّ صفاء العيش مثل صفائها ... وتكشِف عن ذي الكرب غاشية الكرب فلو رفعت في رأسٍ علياء لاهتدى ... بكوكبها السارون في الشرقِ والغربِ غنيٌّ عن الريحان مجلسُ شُربها ... بنشرٍ كنشرِ المِسْكِ في مُحتوى نهب ولم تر مرَموقاً إلى النفس مثلها ... يُشمُّ فيُلقي بالعبوس وبالقطبِ لها مكرعٌ سهلٌ يُخبِّر أنَّها ... ذلولٌ وفيها سورةُ الجامح الصعِب

стр. 120

وكم مثلها من بنت كرمٍ جلوتها ... على كل خرقٍ ماجد الجدِّ من صحبي له خُلُقٌ عذب المذاقِ ولن ترى ... مزاج كئوس الراح كالخُلق العذب بمونقة الرُّواد، حُوٍّ تِلاعها ... تُراعي بها الأُدمان آمنة السِّرب صففنا أباريق اللُّجين حيالها ... فمثَّلن سِرباً مُشرئباً إلى سرب تظل تُرانيها الظباءُ تخالها ... ظباءً، وتدنو فهي منا على قُربِ وقال آخر: ما زلت أشربُها سُلافاً قرقفاً ... والصبح دُرِّيُّ الغِلالةِ أشهبُ حتى نظرت إلى الكواكب قد دنت ... في جوِّها، والليل داجٍ غيهبُ فكأن جنح الليل طرفٌ أدهمٌ ... وكأن أنجمه لجامٌ مُذهبُ وقال: أتى البدرُ يحمل تحت الدُّجى ... مُشعشعة اللون كالكوكبِ تميت القنوط، وتُحيي الرجاءَ ... وتهدي الشباب إلى الأشيبِ وتصلح ما بين شرابها ... وبين زمانهم المُذنب أسَرُّ من المُلك بعد الخمولِ ... ومن طلعة الولد المُنجب وقال: خليليَّ لا ترقبا مأثما ... فعُمر المُراقب لا يحسبُ وهُبا إلى شرب مشمولةٍ ... يتوب لها الزمن المذنب بكفَّي أغرَّ ترى خده ... إلى الراح في صبغها يُنسبُ إذا اجتمعا اشتبها للنديم ... فلم يدر أيهما يشرب وقال: وشمس راحٍ يديرها قمرٌ ... شاهده فتنةٌ وغائبه أقبل في كفِّهِ مشعشعة ... عائبها كاذب وعائبه تحت ظلامٍ كأنما نَفَضَت ... عليه من صبغها ذوائبُهُ وقال كُشاجم: كأنما الراووق وانتصابه ... خرطوم فيل سقطت أنيابهُ طفنا به وكلنا يهابُهُ ... وهو كطيرٍ مِتأقٍ إهابهُ مُخضبُ وحبذا خضابُهُ مجَّ رحيقاً غدقاً سَحابه فالبيتت من عبِقٌ ترابُهُ ... سال براحٍ قرقفٍ لعابُهُ رُضابُ من أعشقه رُضاب ... من لم يَرُق بمثله شرابُهُ لم يدر كيف العيش واكتسابه وقال أيضاً: إذا ما اصطحبت وعندي الكبابُ ... وكان الطَّباهِجُ من جانب وكانت رياحيننا غضَّةً ... وصفراء من صنعة الراهب فليس الخليفة في ملكه ... بأنعم مني ومن صاحبي وقال ابن المعتز: قم فاسقني [قهوة] عروس دساكير عليها طوقٌ من الذهب وصبَّ في الكأس من أبارقنا ... ماءَين من فضة ومن ذهبِ في مجلس غاب عنه عاذبه ... نطرد عنه الهموم بالطرب كم من عناقٍ لنا ومن قُبلٍ ... مختلسات حذارَ مرتقب نقر العصافير وهي خائفةٌ ... من النواطير، يانِع الرُّطب والزق في روضة، تسيل دماً ... أوداجه، جاثياً على الركب وقال التميمي: لكأس المدام بماء الغمام في مجلسٍ مُونقٍ معجب أسَرُّ إلى القلب من مقنبٍ ... يجرُّ المنايا إلى مقنبِ ألم تر أن فصول الزمان يلعبن بالحُولِ القُلَّبِ وقال الرقاشي: إذا ما الماءُ أمكنني ... وصفو سلافة العنبِ صببتُ الفضة البيضا ... ءَ فوق قراضة الذهب فأسبك منهما طرباً ... فزرني تلفِ ذا طربِ تجد عندي مساعدةً ... وما أحببتَ من أدبِ وقال عكاشة العمي: يا ليلة جمعت لنا أحبابنا ... لو شئت دام لنا النعيم وطابا بتنا نُسقاها شمولاً قرقفاً ... تَدَعُ الصحيح بعقله مُرتابا ومن كفِّ جاريةٍ كأن بنانها ... من فضةٍ قد طوقت عُناباً وكأن يمناها إذا نطقت بها ... تُلقي على يدِها اليسار حِسابا وقال الأمير تيم: إشرب فإن الزمان غضٌّ ... وصرفُهُ ليِّنُ الجنابِ من قهوةٍ مُزَّة كُميت ... تُذكرني غرَّة الشباب

стр. 121

أرق من أدمع التصابي ... ولمعة الآل والسرابِ صاغ لها النسجُ حين شُجَّت ... نِطاقَ درٍّ من الحبابِ كأن في كأسها صباحاً ... والليل محلولك الثياب يسعى بها ساحرُ المآقي ... لا يمزجُ الوصلَ بالعتاب كأنها لونُ وجنتيه ... وطيب ألفاظه العذابِ وقال أيضاً: يا مهمل العيش إن الدهر ذو نُوبٍ ... جمّ الحوادث صعبٌ غير منجذبِ كم من مؤخر أمرٍ، حين يمكنه ... إلى غدٍ، وغد في قبضة الكذب فاستنهض العيش بالصهباء مُعمِلةً ... وافر الهموم بسيف اللهو واللعب سلافة ورثتها عاد عن إرمٍ ... كانت ذخيرة كسرى عن أبٍ فأبِ في جوف أكلف قد طال الوقوف به ... لا يشتكي الساق من لينٍ ولا وصب وانظر إلى الكأس في كفِّ المدير لها ... كفضةٍ حملت ذوباً من الذهبِ وقال صريع: وقهوةٍ من بنات الكرم قلدَها ... طوقاً من الدُّرِّ في كاساتها الحببُ حمراء إن برزت، صفراء إت مزجت ... كأن فيها شرارَ النارِ تلتهبُ محمرة كفُّ ساقيها بحمرتها ... كأنما هو بالفرصاد مُختضبُ وقال ابن المعتز: نبَّهتُ ندماني فهبَّا ... طرباً إلى كأسي وأبا نشوان يحكي ميلُهُ ... غصناً من الريحان رطباً ما زال يصرعه الكرى ... وأذبُّ عنه النوم ذبا وسقيته كأساً على ... مضضِ الخُمار فما تأبّى والليلُ مشمطُّ الذُّرا ... والصبح زاد صِبا وشبا وقال أيضاً: يا من يفندني في اللهو والطرب ... خذ ما تراه ودع لومي فحسبك بي وقد يباكرني في الساقي فأشربها ... راحاً تريح من الأحزان والكُرب فسبَّح القومُ لما أن رأوا عجباً ... نوراً من الماءِ في نارٍ من العنب لم يُبقِ منها البِلى شيئاً سوى شبحٍ ... يقيمه الظنُّ بين الصدقِ والكذبِ وقال أيضاً: سقتني في ليلٍ شبيهٍ بشعرها ... شبيهةَ خدَّيْها بغير رقيب فأمسيتُ في ليلين بالشعر والدجى ... وشمسين من خمرٍ وخدِّ حبيب وله: قهوةٌ زُوجت بماءِ سحاب ... فكسا وجهها نقابَ حبابِ مثل نسج الدُّروع أو مثل واواتٍ تدانت أشكالها في كتاب فتراها وكأسها مثل شمسٍ ... طلعت في مُلاءَةٍ من شرابِ وله: وبكرٌ مَجوسيةٌ ... عليها قِناعُ الحببْ صفت من قذاها كما ... يُنقي أديمُ الذهبْ وطال زمانٌ بها ... ودارت عليها الحِقب يطوف بها شادنٌ ... مليح الرضى والغضب وقال أيضاً: وصفراء باكرتُها والنُّجوم خافقة كفؤاد يُحِبّ كأن الحباب إذا صُفقتْ ... سموطٌ من الدرِّ فوق الحبب وقال أيضاً: وساقٍ إذا ما الخوف أطلق لَحظَهُ ... فلا بدّ أن يلقى بتسليمه صَبَّا يطوف بإبريق علينا مُفَدَّمٍ ... فيسكب في أقداحنا ذهباً رطبا وقال الصنوبري: ومجلسٍ لا ترى فيمن يطوف به ... إلا فتىً صيغ من ظَرفٍ ومن أدب نلهو بعذراء لا تُفتضُّ عُذرتها ... إلا بكف الذي يحويه من نشب بكف ساقٍ كأَّن الكأس في يده ... جسمٌ من النور أو روحٌ من الحببِ كأنما الماءُ لما سال من يده ... في كأسها، فضةٌ سالت على ذهب ناهيك من فضةٍ تجري على ذهب ... نور من الماءِ في نارٍ من العنب تخال هذا وذا في الكأسِ، إذ جمعا، ... ماءَ اللُّجين، على ماءٍ من الذهب وقال الأمير تميم بن المعز: وراحٍ بزلنا دنَّها فتفجرت ... بأحمر قانٍ مثل ما سطع اللهبْ فلما شربناها طربنا كأننا ... شربنا السرور المحض واللهو والطرب

стр. 122

كأن كئوس الشَّرب وهي دوائرٌ ... قطائع ماءٍ جامد يحمل اللهب يمدُّ بها كفا خصيباً مديرُها ... وليس بشيءٍ غير حِنائها اختضب فبتنا نُسقى الشمس، والليل راكدٌ ... ونقرب من بدر السماءِ وما اقترب كأن الثريا تحت حالِك ليلها ... مداهنُ بلورٍ على الأُفق تضطرب آخر: قم يا غلام فهاتها مشمولةً ... ذهبية تنفي الهموم فتذهب وأدر علينا في الزجاجة قهوةً ... حمراء شمس شعاعها لا تغربُ فأدر بها لين الزمان فإنه ... زمنٌ على أبنائه يتقلب وقال آخر: الكأس قطبُ السرور والطربِ ... فاظَ بها قبل حادث النُّوبِ أما ترى الليل كيف تفضحه ... راياتُ صبح مبيضة العَذَبِ كراهب حنَّ للدجى طرباً ... يشُقُّ جلبابه من الطرب وقال آخر: يووم سعدٍ قد أطرق الدهر عنه ... حاسداً لي، وما رأته الخطوبُ فيه ما يشتهي نديم وريحانٌ وراح وقينة وحبيبُ ولنا موعد إذا هدأ النُّوام عنَّا والليل منا قريبُ وقال الصنوبري: يومٌ ذيولُ سحبه ... على الثرى منسحبة برزقةٍ سافرةٍ ... وشمسه منتقبة والرعد في أرجائه ... ذو أَلسنٍ مصطخبة أما ترى سماءَه ... ضاحكة منتحبة نشربُها عذراء قد ... قامت بحقِّ الشربة كأنما الراحات من ... شعاعها مختضبة متى سكبناها تقلْ ... عقيقةٌ منسكبة في مجلسٍ أطنابه ... على العلى مُطَنَّبة بين رياضٍ كلُّها ... في حُلل مكتبة فروضة مشرقةٌ ... وروضة ملتهبة تذهب فيها العين في ... مثل الحُلى المُذهبة أعذب به يوماً مضت ... ساعاته المستعذبة كلحظة مخلوسةٍ ... وقبلةٍ مُستلبة قال ابن المعتز: وإلف ساعاتٍ دعاني دعوةً ... والصبحُ بالليل البهيم منتقبْ قال اسبقِ الصبحَ بها نوريةً ... كالصبح إلا أنها من العنب مقتولة قتالةٌ مغلوبةٌ ... غلابةٌ جرّدَها مرَ الحِقب وقال أيضاً: عاد الزمان بمن نحبُّ فأعتبا ... يا صاحبيَّ فسقياني واشربا من قهوة ما خامرت ذا لوعةٍ ... إلا تعرَّض للحقوف تصوبا قام الغلامُ يديرها من كفهِ ... فحسبت بدر التِّمِّ يحمل كوكبا وقال الأعشى: وكأسٍ كلون التبر باكرتُ شُربها ... بفتيان صدقٍ والنواقيس تُضربُ سلافٌ كلون الزعفران وعندمٌ ... تصفق في راووقها حين تقطُبُ لها أرَجٌ في البيت عالٍ كأنما ... ألم بنا من بحر " دارين " أركب وقال ابن المعتز: وحلو الدلالِ مليح الغضب ... يشوب مواعيده بالكذب سقاني وقد سُلَّ سيف الصباح ... والليل من خوفه قد هرب عقاراً إذا مزجتها السقاة ... ألبسها الماءُ تاج الحبب فكم فضةٍ فضها في سرورٍ ... هناك ومن ذهب قد ذهب فتصلِحُ بيني وبين الزمان ... وتُبدِلُني بالهموم الطرَبْ لدى مجلسٍ أرضه نرجسٌ ... وأوتار عيدلنه تصطخب وحيطانه خِرطُ كافورةٍ ... وأعلاه من ذهب يلتهب وقال آخر: وما بقيت من اللذات إلا ... محادثة الرجال على الشراب ولئمك وجنتي قمرٍ منيرٍ ... يجول بوجهه ماءُ الشباب ابن المعتز: سعى إلى الدنِّ بالمبزال ينقُرُه ... ساقِ توشَّح بالمنديل حين وثبْ لما وجاها بدت صفراء فاقعةً ... كأنما قد سيرا من أديم ذهب وقال: ألا فاسقنيها قد نعى الليل ديكه ... وعُرِّي ثوبُ الأُفق فهو سليبُ

стр. 123

وقد لاح للساري " سهيلٌ " كأنه ... على كل نجمٍ في السماءِ رقيبُ وقال أيضاً: وكأن الراح لمّا مُزجت ... حُليت بعد عقيق ذهبا وتخال الظبيَ إذ طاف بها ... بعد أن أعطاكها مختضبا مزجوها قهوةً مُحمرةً ... فأثار الماءُ فيها حببا مرحباً بالبدر لما حملت ... كفه شمساً بليل مرحبا آخر: ادنُ من الدنِّ بي فِداك أبي ... واشرب وهات الكبير وانتخبِ أما ترى الطلَّ كيف يلمع ف ... عيون نورٍ يدعو إلى الطرب والصبح قد جُردت صوارمه ... والليل قد هَّم منه بالهرب فهاتها كالعروس مُحمرة الخدينِ ي مِعجرٍ من الذهبِ كادت تكون الهواء في أرج العنبرِ لو لم تكن من العِنب وقال ابن المعتز: أدر الكأس علينا ... أيها الساقي لِنطرب ما ترى الليل تولى ... وضياءُ الصبح يقرب والثريا مثل كأسٍ ... تارة تطفو وترسُبْ فكأن الشرقَ يسقس ... وكأن الغربَ يشربْ وقال: أما ترى يومنا قد جاء بالعجب ... فلا تعطله من لهوٍ ومن طرب فقام مثل قضيبٍ حركته صباً ... حلوُ الشمائل مطبوعٌ على الأدب يزف كأساً، بمنديل، متوَّجةً ... ورأسها فضةٌ والجسمُ من ذهب حرف التاء وخاتمي سما في فرع مكرمةٍ ... من معشرٍ خلقوا في الجود غاياتِ ناديته بعدما مال النجوم وقد ... صاح الدَّجاج ببشرى الصبح مرَّاتِ فقام والليل يجلوه النهار كما ... جلا التبسُّم عن دُرِّ الثَّنياتِ يا أحمد المرتجى في كل نائبةٍ ... قم سيدي نعصِ جبار السماوات وهاكها قهوةً صهباءَ صافيةً ... منسوبةً لقرى هيتٍ، وعاناتِ ألزُّه بحمياها وأبسطه ... باللين طوراً، وبالتشديد تاراتِ حتى تغنى وما تمَّ الثلاثُ له ... حلوَ الشمائلِ، محمودَ السجيَّات: " يا ليت حظي من مالي ومن ولدي ... أني أُجالس لبنى بالعشيات " وقال أيضاً: يا رُبَّ خمَّارةٍ بالفم حانتُها ... عادية ذات أطمارِ مهاريت في روضةٍ من رياض الفم مشرقةٍ ... تنوح فيها مشاكيل الفواخيت نبهتها سُحرةً والليل معتكر ... والديك يخلط تصفيقاً بتصويتِ فأوجست خيفةً مني وما علمت ... أني طروقٌ لرباتِ الحوانيتِ فقلت: عندك خمرٌ تُمتعين بها ... يكون حكمكِ فيها كلَّ ما شيتِ قالت: أصبت المنى من عاتقٍ عُتقت ... في الدنِّ من صاحب اليقطين والحوتِ فودجت خصْر دنٍّ في زجاجتها ... فأبرزت قهوةً في لونياقوت فقلت لما رأيتُ الخمر مقبلةً تجلو الظلام: ألا يا خمرُ، حُيِّيتِ ترى لها في أعالي كأسها حدقاً ... بلا جفونٍ كأحداق المباهيت يرفضُّ منها شرار كلّما مُزجت ... كالشهب تنقضُّ في إثر العفاريت ترى وجوههم منها إذا سكروا ... [منها] تلألأ حسناً كالمصاليتِ وقال أيضاً: وحامل كأساً على كفه ... صبغتها تقرب من صبغته حبابها كالدر من ثغره ... زطعمها كالعذب من ريقته وانتشرت أنفاسها بيننا ... فخلتها تصدر عن نكهته فهو إذا غابت بديلٌ لها ... وهي بديلٌ منه في غيبته وقال ابن المعتز: ومدامة يكسو الزجاج شعاعها ... حُللا مُذهبة إذا ما سُلتِ حُبست ولم تر غيرها في دنها ... فتعطرت من نفسها، وتحلتِ قد حثَّني بكئوسها ذو عغُنَّةٍ ... صامت له صور الملاح وصَلَّتِ وقال أيضاً: بُدلت من ليل كظل حصاةِ ... ليلاً كظل الرُّمح غير مواتي وتجارب الإنسان عدة عقله ... لحوادث الدهر الذي هو آتِ

стр. 124

ولقد علمت بأن شرب ثلاثةٍ ... ترياق همٍّ مسرعٍ بنجاتي فاشرب على مُوق الزمان ولا تمت ... أسفاً عليه دائم الحسرات وانظر إلى دنيا ربيع أقبلت ... مثل البغيّ تبرَّجت لِزُناةِ جاءتك زائرة كعام أولٍ ... وتلبست وتعطرت بنبات وإذا تعرى الصبح من كافوره ... نطقت ضروب طيوره بلغات والورد يضحك من نواظر نرجسٍ ... [نديت وآذن حَيُّها بممات] وتتوج الزرع الفتي بسنبلٍ ... غض المكاسر أخضر الشعرات آخر: إن أذكر الكرخ لا أنسى الدويراتِ ... وبالمطيرة أيامي وليلاتي منازل لم يُضر عُنقود كرمتها ... أن لم يكن بقرى هيت وعاناتِ حتى إذا تمَّ أهدته معاصره ... للشمس بين دساكير وحاناتِ حاموا علينا بأنهارٍ مفجَّرة ... من [نهر] دجلة تجري بين جنات فظل خمارُ [نا] يكسوه من مدرٍ ... قلانساً رُكبت في غير هامات يا مستطيلاً على ذلي بعزَّته ... وفارغ القلب من داءِ الصبابات ماذا ترى في جريحٍ أن من حُرق ... مقسمٍ بين أفواه المنياتِ ويح المحبين ما أشقى جدودهم ... إن المحبين أحياءٌ كأموات وقال أيضاً: لا والمدامة، ويكَ، لا وحياتها ... وذمامِ عاصرها وحَقِّ سُقاتها ما هم قلبي أن يهيم بغيرها ... فلذاك قلبي مغرمٌ بصفاتها لا شيء أحسن في المسامع نغمة ... من قول هاك إذا طربت وهاتها جاءَتك بِكرٌ من يدي بِكرٍ غدت ... حركات قلبك في الهوى حركاتها وقال الصنوبري: يا أيها الساقي قد ضُمِّنتْ ... أجفانه هاروت أو ماروتا ليت الغزال رآك حتى كان لا ... يرتاب أنك منه أملحُ لِيتا أودعت في بطن الزجاجة شربةً ... جعلت تودع درةً ياقوتا وصبغت منها إذ صبغت أكفاً ... صبغاً يشبه عندما أو توتا وفتيتَ مِسك في الأُنوف بمزجها ... لما استماحت مِسكها المفتوتا وأرق فوق النار جوهر جسمها ... أحبِب بذلك جوهراً منحوتا وقال آخر: أهل النبيذ هُمُ أهلُ المروءات ... العالمون بآداب الفُتواتِ أهل الوقار عليه والسكينة لا ... أهل التنازع فيه والملاحاةِ إن يطوَ، يُطو على صُلح بساطهم ... لأن زلاتهم ليست بزلات حرف الثاء قال عبد الله بن المعتز: وفتيةٍ لا يخوض الشكُّ رأيهم ... مؤيدين بعزمٍ غير منكوثِ لما طفا النجم من بحر الدُّجى وصلوا ... حبل السُّرى بذميل غير تلبيث حتى إذا هزم الإصباحُ ليلهم ... بعسكرٍ من جنود النور مبثوثِ وصفق الدِّيك من وجدٍ ومن أسفٍ ... على الظلام وناداهم بتغويثِ حطوا الرِّحال إلى خمَّار دسكرةٍ ... مستعجل بانفتاح الباب محثوث تميل من سكرات النوم قامته ... كميل ماشٍ على دُف بتخنيث ففض خاتمهُ عن رأس مدخر ... من الدنان قديم العهد موروث تُحيي زجاجته هذا وتقتلُ ذا ... فالناس ما بين مقتولٍ ومبعوث استرزق الله عطف الحبّ من رشأٍ ... يشوب تذكير عينيه بتأنيثِ كأن في طرفِهِ هاروت يُقعدني ... منه بسحرٍ إلى الأحشاء منفوث وقد بدا الحبُّ في دمعي وفي نظري ... فلا تسل غير هذا من أحاديثي آخر: إن عوني على الهموم ثلاث ... مُترعاتٌ من بعدهن ثلاثُ بعدها أربعٌ تتمةُ عشرٍ ... لا بِطاءٌ، لكنهن حِثاثُ حرف الجيم قال كشاجم: بليتُ ولجَّ بي وجدي بظبيٍ ... يَصُدُّ وما به إلا اللجاجُ

стр. 125

وعذبني قضيبٌ في كثيبٍ ... تشارك فيه لِينٌ واندماجُ أغارُ إذا دنت من فيه راحٌ ... على دُرٍّ يقبله زُجاج وقال الأمير تميم: وراحٍ عليها كالجمان المُدحرج ... تلوح كماء الوجنة المتضرجِ ملأنا بها بيض الكئوسِ فأقبلت ... تُحَثُّ علينا في رياض بنفسجِ وخلف رداءِ الغيم شمس منيرةٌ ... تلوح كوجه الغادة المتبرِّجِ وقال ابن المعتز: وعروسٍ زفت على بطن كفٍّ ... في قميص منقَّشٍ بزجاج هي بعد المزاج توريدُ خدٍّ ... وهي مثل الياقوت قبل المزاج وقال الأمير تميم: نقبت وجهها بخزٍّ وجاءت ... بشرابٍ منقبٍ بزجاج فتأملت في النِّقابين منها ... قمراً طالعاً وضوءَ سراج فاسقياني بلا مزاجٍ فإني ... في المعالي صرفٌ بغير مزاجِ وأنظر الأُفق كيف قلَّده الإصباحُ من بعد آبنوسٍ بعاجِ آخر: ولي صاحب كالشهد والمسك طبعُهُ ... إذا وجد الصهباء لم يتحرجِ منيع نواحي السرّ، طوع يد الصِّبا ... أغرُّ كريعان الضحى المتبلجِ وقال الصنوبري: بيضاء تُجلى للعيون فتنجلي ... ورداً يلوح على صفيحة عاج ولقد أُنازعها سلافة قرقفٍ ... كدم الذبيح جرى من الأوداج حمراء تزهر في الإناء كأنها ... ياقوتة كُسيت قميص زجاج وقال ديك الجنّ: وليلةٍ بات طلُّ الغيث يَنسجها ... حتى إذا كملت أضحى يدبجها يبكي عليها بكاء الصب فارقه ... إلفٌّ ويضحكها طوراً ويُبهجها إذا تضاحك فيها الورد نرجسها باهى زكيَّ خزاماها بنفسجُها فقلت فيها لساقينا، وفي يده ... كأسٌ كشُعلةِ نارٍ بات يوهجها لا تمزجنها بغير الماءِ منك فإن ... تبخل يداك، فدمعي سوف يمزُجُها أقلُّ ما بي من حبِّيك أن يدي ... إذا سمت نحو قلبي كاد يُنضجها وقال أبو نواس: كل ميت مُحرم فأدرها ... غير مقتولةٍ بسيفِ المِزاج وأُسليت إلى السِّراج فكانت ... هي في ضوئها سِراجَ السِّراج ضحكت في الزجاج، إذ صبَّها الساقي، فكادت تذيب جسم الزجاج زقال ابن المعتز: قُم يا غلام فهاتِها كرخية ... حمراء تحكي حمرة الماذينج وأنظر إلى حسن الهلال كأنه ... نونٌ مذهبةٌ على فيروزجِ وكأن أنجمه فرادى نرجسٍ ... خضل تطلع من رياض بنفسج ناغى بها كأساً كأن حبابها ... خرزات دُرٍّ في العقيق مُدحرج يسقيكها خنث الجفون كأنها ... معصورة من خدِّهِ المتضرج حرف الحاء قال أبو نواس: ذكر الصبوح بسحرةٍ فارتاحا ... وأمله ديك الصباح صياحا أوفى على شعف الجدار بسُدفةٍ ... غرداً يصفق بالجناح جناحا بادر صباحك بالصَّبوح ولا تكن ... كمسوِّفينغدوا عليك شحاحا وخدين لذات، معلل صاحب ... يقتات منه فكاهةً ومراحا نبهته والنوم ملتبسٌ به ... وأزحت عنه رقاده فانزاحا قال: ابغني المصباح قلت له اتئِدْ ... حسبي وحسبُك ضوءُها مصباحا فسكبت منها في الزجاجة شربةً ... كانت له حتى الصباح صباحا من قهوةٍ جاءتك قبل مزاجها ... عُطلاً فألبسها المزاج وشاحا شك البزال فؤادها فكأنها ... أهدت إليك بريحها تُفاحا صفراء تفترس النفوس فما ترى ... منها بهنَّ سوى النُّعاس جراحا عمرت يكاتمها الزمانُ حديثه ... حتى إذا بلغ السآمة باحا وقال أيضاً: جريتُ مع الصبا طلق الجُمُوح ... وهان عليَّ مأثور القبيحِ وجدتُ ألذ عارية الليالي ... قرانَ النغم بالوتر الفصيح

стр. 126

ومسمعةٍ إذا ما شئت غنَّت: ... متى كان الخيام بذي طُلوح تمتع من شبابٍ ليس يبقى ... وصِل بعُرى الغبوق عُرى الصَّبوح وخذها من مشعشعةٍ كميتٍ ... تنزل دِرَّة اللحزِ الشَّحيح تخيرها لكسرى رائداهُ ... لها حظان من طعم وريحِ ألم ترني أبحت اللهو مالي ... وعضَّ مراشف الظبي المليح وله: غرَّد الديك الصَّدوح ... فاسقني طاب الصَّبوحُ اسقني حتى تراني ... حسناً عندي القبيحُ قهوةً تُذكر نوحاً ... حين شاد الملك نوحُ نحن نخفيها ويأبى ... طيب نشرٍ فتفوحُ فكأن القوم نهبٌ ... بينهم مسكٌ يفوحُ وله: ومدامة سجد الملوك لها ... باكرتها والديك قد صدحا صرفٍ إذا استنبطت سورتها ... أدت إلى معقولك الفرحا وكأن فيها من جنادبها ... فرساً إذا سكنته رمحا ولقد حزنت فلم أمت حزناً ... ولقد فرحت فلم أمت فَرَحا وقال إبراهيم النظّام: ما زلت أستلُّ روح الدنِّ في لُطفٍ ... وأستقي دمه من جوف مجروحِ حتى انثنيت ولي روحان في جسدي ... والدنّ منطرحٌ، جسم بلا روحِ وقال أبو شراعة: لا خير في العيش فاسمع قول ذي نُصُح ... إن أنت لم تغدُ سكراناً ولم ترح من قهوةٍ كشعاع الشمس صافيةٍ ... تنفي الهموم بأنواع من الفرح ما زلت أشربها والليل معتكرٌ ... حتى أكبَّ الكرى رأسي على قدحي وقال ابن وكيع: قد عُزل الليل على رغمه ... وقد أتتنا دولةُ الصبح فانهض إلى الراح فقفل الأسى ... ما لم تدرها عَسِرُ الفتح واربح على دهرك في شربها ... فلذة العاقل في الربح راح إذا دارت على قاطبٍ ... عاد بها ذا خُلقٍ سمحِ إذا الفتى أغضبه دهرُهُ ... فإنها واسطة الصلح وقال أيضاً: رفعت كفُّهُ إلى شفتيه ... كأسه والظلام وحف الجناح فكأن العقار فوق ثناياه بهارٌ مقبِّل للأقاح وقال كشاجم: أطلق عقال الروح والراحِ ... إني إليها جدُّ مرتاح قد كدت الحكمة روحي فزوِّجها بأوتار وأقداحِ وقال أيضاً: ما ترى في الصَّبوح أيدك الله فهذا أوانُ طيب الصَّبوح غسقٌ راحلٌ وديك صدوحٌ ... فأجب دعوة المنادي الصَّدوح وكأن الصباح أوجُهُ رهبانٍ تطلَّعن من خلال المُسوح وقال ابن المعتز: عناني صوتُ مُسمعةٍ وراحُ ... يباكرني إذا برق الصباحُ ومعشوق الشمائلِ عسكريٌّ ... له من لحظ عينيه سِلاحُ كأن الكأس في يده عروسٌ ... لها من لؤلؤٍ رطب وشاح وقائلةٍ متى يفنى هواه ... فقلت لها: إذا فني المِلاحُ وقال: لبسنا إلى الخمار والنجم غائر ... غلالة ليلٍ طُرزت بصباحِ وظلت تدير الراح أيدي جآذرٍ ... عِتاق دنانير الوجوه مِلاحِ وقال أيضاً: خليليَّ اتركا قول النصيح ... وقوما فامزجا راحاً بروحِ فقد نشر الصباح رداءَ نورٍ ... وهبت بالندى أنفاس ريحِ وحان ركوع إبريق لكأسٍ ... ونادى الدّشيك حيّ على الصبوح هل الدنيا سوى هذا وهذا ... وساقٍ لا يخالفنا مليح وقال: طافت علينا بماء المزن والراح ... معشوقةٌ مزجت راحاً بأرواح مخلوقةٌ من نعيم كلها بِدعٌ ... كأن وجنتها محمر تفاح وقال: ما العذر في حبس كأسٍ ... المِسكُ منها يفوحُ والغيم رطبٌ ينادي ... يا غافلين الصبوح فقلت أهلاً وسهلاً ... ما دام في الجسم روحُ وقال الصنوبري: لاح لك الصبح فقمْ فاصطبح ... واربح على دهرك فيمن ربح

стр. 127

الديك قد صاح مراراً وما ... عليك، صاح الديك أم لم يصح هاك انتخب، هاك اقترح ما الفتى ... إلا فتىً منتخبٌ مقترح ووالٍ بين الكأس والطاس أو ... يبطحك الزِّقُّ كما قد بطح ذا دمه ينصبُّ من حلقه ... كما رأينا حبشياً ذُبِح ما العيش إلا في ركوب الهوى ... وأن تُرى منهمكاً مفتضح في فتيةٍ ما شئت من فتيةٍ ... يحلو في مدحهم الممتدح إبريقهم بينهم ضاحكٌ ... باكٍ كإنسانٍ حزينٍ فَرِحْ وقال: وحاملٍ جسماً من النور قد ... صُيِّرت الراحُ له روحا إذا سقانا منح الكأس من ... صفاته ما كان ممنوحا من خده لوناً ومن ريقه ... طعماً ومن نكهته ريحا وقال: لائمي في النبيذ لم أر من قبلِك من لام في الحلال المباحِ هي مفتاح قفل كل سرورٍ ... أيُّ قفلٍ يُرى بلا مفتاح جمحت بي الكئوس في حلبة اللهو فمن ذا يردُّني عن جماحي إذ تدير الكئوسَ كلُّ هضيم الكشح ريّا السِّوار غرثى الوشاح من عُقارٍ يَغني الندامى بها عند حلول الدجى عن المصباح وإذا ما المدام دارت رأيت الشرب صرعى وما بهم من جراح وتراها قد استباحت من القوم حريماً ما كان بالمستباحِ أنا لولا هذا لما كنتُ إلاَّ ... رجلاً سائحاً مع السُّياحِ وقال: حنت أباريقي وأقداحي ... وارتاح ريحاني إلى الراح واشتاق مصباحي إلى ضوئها ... فإنها مصباح مصباحي وافتقد التفاح خد الذي ... في خده وردي وتفاحي هذا حديثي يا عليَّ العُلى ... فمن منادِيَّ بإصلاحِ وقال: من ذا يكون مبشِّري بالصبح قد طاب الصَّبوحْ وعلى النصيح ملامتي ... وعليَّ أن أعصي النصوح فلأطلبن مسرتي ... ما دام لي جسدٌ وروح وقال: دُرَّةٌ حيثما أُديرت أضاءت ومشم من حيث ما شُمّ فادحا لونها كالعقيق وهي نسيمٌ ... ومُدام تحكي لنا التفاحا وقال: ومدامة علت الأكف كئوسها ... فكأنها من دونها في الراحِ وكأنما الكاسات فيما بيننا ... من نورها يسبحن في ضحضاح لو بُثَّ في غسق الظلام شعاعُها ... طلع الصباحُ بغرةِ الإصباح وقال: وعواتقِ باكرات بين حدائقٍ ... ففضضتهنَّ وقد عَيين، صِحاحا أبرزتهن من الخدور حواسراً ... وتركت صونَ حريمهن مباحا وموشح نازعت فضل وشاحه ... وكسوته من ساعديَّ وشاحا وصبحته كالورسِ بثّض روائحاً ... كالورد باكره النسيمُ ففاحا وفعلتُ ما فعل المشوقُ بليلهِ ... عادت لذاذته عليَّ جماحا وقال أبو نواس: لا تحفِلنَّ بقول الزاجر اللاَّحي ... واشرب على الورد من مشمولة الراح كأسٌ إذا مزجت والليل معتكر ... أغناك لألاؤها عن كل مصباح ما زلت أسقي نديمي من مُجاجتها ... والليل ملتحف في ثوب أمساح حتى تغنّى وقد مالت سوالفه: ... [يا دير حنّة من ذات الأُكيراح] وقال علي بن العباس الرومي: ومدامة أغنت عن المصباح ... يلقى المساءَ إناؤها بصباح لطفت مسالكها وخُصَّ محلها ... فكأنها اشتقت من الأرواح بكرٌ تردُّ على الكبير شبابه ... فتراه بين صبابةٍ ومراح من قهوةٍ تهب المكارم للفتى ... فتراه بين شجاعةٍ وسماحِ وتعير نكهتها النديمَ لأية حالةٍ ... يدعونها في الشرب باسم الرَّاحِ ألريحها أو روحها تحت الحشا ... أم لارتياح نديمها المرتاح وأنار منها الماء لما صُفِّقَت ... ناراً بنور طوالِع الأقداح

стр. 128

فتغللت من تبرها بغلالةٍ ... وتوشحت من دُرِّها بوشاح وقال ديك الجن: خليليَّ هُبا عَلِّلاني مُدامةً ... معتقةً مما تخير نوحُ فما العيش إلا أن أفوز بسكرةٍ ... وما الغبن إلا أن يقال صحيح سأجمح في حبِّ البطالة والصّشبا ... وإن لام فيه عاذلٌ ونصيحُ وقال ابن الصائغ: رأيت دجناً فقلتُ الراحُ أشبه بي ... فقم بنا أيها المخمور نصطبحُ فقام يمسح وجهاً كله قمرٌ ... وقمتُ ألثمه من شدة الفرح وقلت قم فاسقني صرفاً فقد طلعت ... شمسان، من وجه ساقينا، ومن قدحي آخر: ولقد قال لي نديمي والليلُ على الأرض رفرفٌ وجناحُ داوِ همّي ببنت كرمٍ لها نفحة مِسكٍ تحيا بها الأرواحُ فحسرت اللثام عن خندريسٍ ... ضحكت عن شعاعها الأقداح آخر: حبذا صبحٌ تبدى ... والدجى وحف الجناح طلعت لي فيه شمسٌ ... أشرقت حتى الصباح وشربت الراح صرفاً ... من ثنايا كالأقاح من غزالٍ شرقِ الخلخالِ عطشان الوشاح وقال: وليلةٍ أحييتُها بالرَّاحِ محسنةٌ مسيئة الصَّباح مقمرة مرفضَّة الرياح أمنت فيها سخط اللواحي الحسين بن الضحاك الخليع: ماذا انتظارك بي إن كنت مصطبحاً ... لا نِمتَ إن لم أكن قد نمتُ ما صلحا قم يا نديمي فأحيِ الليل والفرحا ... أما ترى الليل تحت الصبح مفتضحا أمِت بكاسك عني الهمَّ والترحا ... واصدح بعودك، هذا الديك قد صدحا لا تبرح الدهر عنِّي بالشمول وقلْ ... للدهرِ شأنك فاقطع حبل من نزحا لله في اللوح شيءٌ لست ماحيه ... إن شاء أثبته أو إن يشاء محا إني لأُوقن ما قالوا وما كتموا ... علماً وأعلم أن الرشد قد وضحا لكن قيادي في كف فقد ... أضحى الذي غشَّ عندي كالذي نصحا وقال التميمي: إله بالبيض الملاح ... وبقينات وراحِ لا يصدنك لاحٍ ... هو عن سكرك صاح ليس للهم دواءٌ ... كاغتباقٍ واصطباح ولعمري ما يداوي الهمُّ بالماءِ القراحِ وقال أبو نواس: دعِ الأعاريب تندب الشيحا ... والقفر والبيد والصحاصيحا وعوج بنا نصطبح معتقةً ... تُذكر من قدم عهدها نوحا كأنها في الإناء إذ برزت ... شعلة نار تقابل الريحا وقال: طاب شربُ الراح مصطبحا ... لا تدعْ من كفِّك القدحا إنما عمر الفتى فرحٌ ... فاغتنم من عمرك الفرحا حرف الدال قال أبو نواس: لا تبك ليلى ولا تطرب إلى هندٍ ... واشرب على الورد من حمراء كالورد كأساً إذا انحدرت في حلق شاربها ... أجدته حمرتها في العين والخدِّ فالخمر ياقوتةٌ والكأس لؤلؤةٌ ... من كفِّ جارية ممشوقة القدِّ تسقيك من عينها خمراً ومن يدها ... خمراً فما لك من سُكرين من بُدِّ لي نشوتان وللندمان واحدةٌ ... شيءٌ خصصت به من بينهم وحدي وقال أيضاً: قد أسحب الزقَّ يأباني وأكرهه ... حتى له في أديمِ الأرض أُخدودُ لا أشرب الراح إلا أن يكون لنا ... ساقٍ بُمنتخلِ الأشعار غِرِّيدُ فاستنطق العود قد طال السكوت به ... لا ينطقُ اللهوُ حتى ينطق العودُ وقال: سقياً لغير العلياء والسَّنَدِ ... وغير أطلال ميَّة الجُدد ويا صبيب الغمام إن كنت قد ... جُزت اللوى مرَّة فلا تَعُدِ أحسن عندي من انكبابك بالفِهر ملحاً بها على وتدِ يسقيكها من بني النصارى رشا ... منتسبٌ عيده إلى الأحد إذا بنى الماء حولها حبباً ... صلب فوق الجبين بالزبدِ

стр. 129

أشرب من كفه شمولاً ومن ... فيه رضاباً يجري على بردِ فذاك خيرٌ من البكاءِ على [الربع] وأنمى في الرُّوح والجسد وقال: جاءتك من بيت خمار بطينتها ... صفراء مثل شعاع الشمس تَتَّقدُ وقام كالبدر قد شُدَّت مناطقه ... ظبيٌ يكاد من التهييف ينعقدُ فاستلها من فم الإبريق فانبعثت ... مثل اللسان جرى واستمسك الجسدُ فلم نزل في صباح السبت نأخذها ... والليل يأخذنا حتى بدا الأحد واستشرفت غرَّة الإثنين واضحةً ... والجدْيُ معترضٌ والطالعُ الأسد وفي الثلاثاء أعملنا المطيَّ بها ... صهباء ما قرعتها بالمزاج يدُ والأربعاء كسرنا حدَّ شِرَّتها ... [والكأس يضحك في تيجانها الزبد] ثم الخميس وصلناه بليلته ... قصفاً وتم لنا بالجمعة العددُ يا حسننا وبحار اللهو تغمرنا ... في لجة القصف والأوتار تغترد في مجلس حوله الأشجار محدقةٌ ... وفي جوانبه الأنهار تطردُ لا نستخف بساقينا لعِزته ... ولا يرد عليه حكمه أحد وقال أيضاً: رضعت والدهر ثدياً ... وتلته في الولادِ فهي فيها كل ما يبلغ مقروحُ الفؤاد فشربنا شرب قومٍ ... عطشوا من عهد عاد بين افنان عريشٍ ... عمدوه بعماد ودنانٍ مسنداتٍ ... معلمات بسواد أنفذوهن بطعنٍ ... مثل أفواه المزاد ثم لمَّا مزجوها ... وثبت وثبَ الجرادِ ثم لما شربوها ... أخذت أخذ الرقادِ وقال ابن وكيع: أقول والكأس على خده ... تلمع مثل الكوكب الواقدِ أكأسه من خدِّه صبغها ... أم صبغها من عصفرٍ واحدِ وله: قمْ فأدرها عليَّ راحاً ... تطرد طيف الهموم طردا تثني رجاء القنوط بسطاً ... فيما تمنى وكان حقدا كأن أقداحها بهارٌ ... يعود فوق الخدود وردا وله: وكأسٌ كنجح الوعد ممن أحبه ... تناولتها منه على غير موعد شربت مُجاج الكرم تحت ظلاله ... على وجه معشوق الشمائل أغيدِ كأن عناقيد الكروم وظلها ... كواكب درٍّ في سماء زبرجدِ وقال بشار: وصفراء مثل الزعفران شربتها ... على صوت صفراء الترائبِ رثودِ حسدت عليها كلَّ شيءٍ يحبها ... وما كنت لولا حبُّها بحسود ظللنا بذاك الديدن اليوم كلَّهُ ... كأنا من الفردوس تحت خلود وقال أبو العتاهية: قلتُ والإصباح قد ألبسه ... سُدُفُ الليل ستور السوادِ أسقني واشرب عتيقة راحٍ ... حبباً يحكي عيون الجرادِ تلك مني بمكانٍ عزيزٍ ... أرشدتني أم أرادت فسادي وقال المعتز: ونار قدحناها سريعاً بسحرة ... متى ما تُرق ماءً عليها توقد يجول حباب الماءِ في جنباتها ... كما جال دمع فوق خدٍّ مُوردِ وقال كشاجمك ويوم تشهد الأيام حُسناً ... وطيباً أنه فيهن فرد لبست نهاره حتى تقضى ... بلهوٍ لا يُعد ولا يُحدُّ وراح يقدحُ النيران منها ... مُعاقرها إذا لم يور زندُ ويعلوها إذا مُزجت حبابٌ ... كما نصبت خلال الشرب بُردُ بكف رشاً لها شِبهان منه ... شفاؤك فيهما ريقٌ وخدُّ وله: بدر بدا يحمل شمساً غدت ... وحدها في الحُسن من حدِّهِ تغربُ في فيه ولكنها ... من بعد ذا تطلع في خده وقال الصنوبري: هل لك في ليلةٍ بيضاء مقمرةٍ ... كأنها فضةٌ سالت على البلد وقهوةٍ كشعاع الشمس صافية ... كأن أقداحها غُشين بالبرد وقال ابن المعتز: [و] قُمْ فاسقني والنجم يلمع في الدجى ... عقاراً لها في الدنِّ عهد ثمودِ

стр. 130

وللصبح سلطانٌ على الليل قاهرٌ ... يُرحِّلُهُ عنَّا بغير جنودِ وله: إشرب هنيئاً على وردٍ وتوريد ... ولا تبع طيب موجودٍ بمفقود نحن الشهود وخفق العود خاطِبُنا ... نزوج ابن سحابٍ بنت عنقود كأساً إذا أبصرت في القوم محتشماً ... قال السرور له: قم غير مطرود وله: ومشمولة قد طال في الدنِّ حبسُها حكت نار إبراهيم في اللون والبردِ حططنا إلى خمارها بعد هجعةٍ ... رحال مطايا لم تزل يومها تخدي ملوك بلذات الشباب تواصفوا ... ولم يحفلوا فيها بلومٍ ولا حمد فباتوا لدى الخمار في بيت حانةٍ ... وأخلوا قصوراً بالرصافة والخلد فطاف عليهم بالمدام ممنطق ... بزناره، حلو الشمائل والقدِّ يمج سلاف الخمر في عسجديةٍ ... توقد في يمناه كالكوب الفردِ محفّرةٌ فيها تصاوير فارسٍ ... وكسرى غريقٌ حوله خرِق الجند وله: خليليَّ قد طاب الشرابُ المُبرد ... وقد عدت بعد النسك والعود أحمد فهاتا عقاراً في قميص زجاجةٍ ... كياقوتةٍ في درةٍ تتوقدُ يصوغ عليها الماء شباك فِضةٍ ... له حلقٌ بيضٌ تحل وتُعقدُ سقاها بعاناتٍ خليعٌ كأنه ... إذا صافحته راحة الريح يبرُدُ وله: قم يا نديمي نصطبح بسواد ... قد كاد يبدو الفجر أو هو بادِ وأرى الثريا في السماء كأنها ... قدم تبدَّتْ من ثياب حِداد فاشرب على طيب الزمان فقد حدا ... بالصيف من أيلول أسرع حادِ وأشمَّنا في الليل بردَ نسيمهِ ... فارتاحت الأرواح في الأجساد تبدو إذا جاد السحابُ بقطره ... فكأنما كنّا على ميعاد وله: يا ليلةً وفيتُ ميعادها ... وقد أراد الصبح إفسادها فبتُّ أُسقى ن يدي بدرها ... كأساً كساها الماء ازبادها لها عناكيب القرى حاكةٌ ... دائبةٌ تنسج أبرادها أُمُّ سنينٍ مزمنٌ عهدها ... قد نسي التاريخ ميلادها أما ترى الدنيا، فداك الورى ... كهرةٍ تأكل أولادها وله: ما زال يسقيني على وجهه ... بدرٌ منير طالع بالسعود حتى توفي السكرُ عقلي فألقاني صريعاً بين ناي وعود جدد لي أحمد فرط الهوى ... يا قلب أبشر بشفاء جديد عجل بوصلٍ منك يا سيدي ... لا فضل في عمري لطول الصدود وله: يا رب صاحب جانةٍ نبهته ... والليل قد كحل الورى برقاد في ساعةٍ فيها الجفون سواكنٌ ... قد سِمْنَ أعينهن في الأغماد فمشى وقد أخذ النعاس برجلِهِ ... مشي الأسير يميس في الأقياد لا تسقني حبشيةً ذاذية ... صبغت بياض زجاجها بسواد فأتى بها كالنار تأكل كفَّهُ ... بشعاعها من شدَّةِ الإيقاد وله: غدا بها صفراء كرخيةً ... كأنها في كأسها تتقد وتحسب الماء زجاجاً جرى ... وتحسب الأقداح ماءً جَمَدْ وله: قم يا نديمي من منامك واقعدِ ... حان الصباحُ ومقلتي لم ترقُدِ أما الظلام فحين رقَّ قميصُهُ ... وارى بياض الصبح كالسيف الصدي وله: عللاني بصوت ناي وعود ... واسقياني دمَ ابنةِ العنقود يا ليالي بالمطيرة والكرخ ودير السُّوسيِّ بالله عودي كنت عندي أنموذجاتٍ من الجنة لكنها بغير خلود وله: ألا رب يومٍ بالدويرة صالح ... فكيف بيومٍ بعده لي فاسد ظللت به أُسقى سلافة كرمةٍ ... بكف غزالٍ ذي جفونٍ صوائد على جدولٍ ريان لا يكتم القذى ... كأن سواقيه متون المبارد وله:

стр. 131

ومقتول سكرٍ عاش لي إذ دعوته ... فبادر مسروراً يرى غيَّه رُشدا وقام بكفيه بقايا خُماره ... وعيناه من خديه قد جَنَتا وردا وقال كشاجم: للمهرجان عليك حقٌّ سَنَّهُ ... آباؤك المتقدمون فأدِّهِ باكره بالراح الشمول تحثُّها ... صرفاً على زهر الربيع وورده كأساً ترى فيها مثالك من يدي ... رشأٍ يريك مثالها من خدِّه وقال الناشئ: ومدامة لا يبتغي من ربه ... أحدٌ حسا دمها لديه مزيدا في كأسها صُورٌ تُخال لحسنها ... عرباً برزن من الحجاب وغيدا وإذا المزاج أثارها فتقسمت ... ذهباً ودراً توأماً وفريدا فكأنهن لبسن تلك مجاسداً ... وجعلن ذا لنحورهن عقودا وقال ابن المعتز: وليلٍ قد سهرتُ ونام فيه ... ندامى صُرعوا حولي رقودا أُسامرُ فيه قهقهة القناني ومزماراً يحدثني، وعودا فكاد الليل يرجمني بنجمٍ ... وقال أراك شيطاناً مريداً وقال أيضاً: قل لأحلى العباد شكلاً وقدا ... ألجد ذا الهجر أم ليس جدا ما بذا كانت المنى وعدتني ... لهف نفسي أراك قد خنت عهدا بيننا الله والمواثيق لا تقطع حبلاً ولا تُغير وُدا إن زَنَتْ عينه بغيرك فاضربها بسوط السُّهاد والدمع حدا صاحِ إني ملكتُ رقيَ مولىً ... لا يراني في الحب أصلحُ عبدا أهيف القدِّ قد تورد خداه ... بنورين؛ جُلناراً ووردا رب كأسٍ شربتها من يديه ... وصباحٍ بوجهه كان سعدا حيث لا تهتدي الهموم إلينا ... ونظن السرور والقصف خُلدا في دساكير تحت ظل ظليل ... نتلقى بها نسيماً وبردا بين كأسٍ ومزهرس وصفَ الصوت بألفاظه الفصاح فأدا ودنانٍ كمثل صفِّ رجالٍ ... قد أقيموا ليلعبوا دست بندا إذ جعلنا الورد الجنِّي علينا ... مطراً، والغمام عوداً وندا وقال كشاجم: سعت علينا بنور الماء تسكبه ... على حشاشة نارٍ جسمها بردُ يزيدها المزج وقداً في قرارتها ... فكلما أُطفئت بالنار تتقدُ كانما بطن الياقوت لؤلؤةً ... جوفاء صيغ [لها] من فضةٍ زردُ وله: أهلاً وسهلاً بالناي والعود ... وشرب كأسٍ من كفِّ مقدود قد انقضت دولة الصيام وقد ... بشَّر سقمُ الهلالِ بالعيد يتلو الثريا لاكفاغر شره ... يفتح فاه لأكل عنقود وقال الحسين بن الضحاك: ومورد الخدين يخطر حين يخطر في مُورد يسقيك من جفن اللُّجين إذا سقاك دموع عَسْجد حتى تظن النجم ينزل ... أو تظن الأرض تصعد حيَّاك بالياقوت ثم الدر من تحتِ الزبرجد وقال أبو نواس: وجدة من زمان نشرت يده ... على الربا حُللاً من وشيه جُددا والجو قد رقَّ والريحان قد لبست ... أوراقه حُللاً والماء قد بردا والكأس في كف ساقيها قد اتقدت ... كأنها خدُّ ساقيها إذا اتقدا وقال أيضاً: بتنا نُعلل من ساقٍ أغنَّ لنا ... بحُمرتين من الصهباء والخد كأنه حين أذكى نار وجنته ... سُكرٌ، فأسبل [منه] فاحمِ الجعد وقال ابن الرومي: شمسٌ من الراح في غيم من الزبد ... تمشي الهويني كمشي الراح في الجسدِ لها شعاع إذا صفقتها، وثبت ... وثب الدنانير عن إحرار منتقد وقال الناشئ: ولكرم من كرم الطباع وفضلها ... والراح روح أخي الغرام الجاهد وكذاك سُميت الشمول لجمعها ... شمل الخليط وضمَّها للفارد وتفاءَلوا باسم المدام لأن في ... إدمانها إسعادَ كل مساعد وهي العقار لأنهم عقروا بها ... ما جمعوا من طارفٍ أو تالد فاعتض بها من كل شيءٍ فائتِ ... واغضض بها عين العدو الحاسد وقال ابن المعتز:

стр. 132

ربما طاف بالمُدام علينا ... عسكريٌّ كغصن بانٍ يميدُ يكرع الكرعة الرَّوِيَّةَ بالكاس ولحظي بلحظه معقودُ حرف الذال قم فاسقني بالرّطل والخرذاذ ... إن العدول عن المدامة هاذي فكأنهن بيننا ... بيضاً لبسن غلائلاً من لاذِ حرف الراء قال أبو نواس: أعطتك ريحانها العُقارُ ... وحان من ليلِك انسفارُ فانعم بها قبل رائعاتٍ ... لا خمرَ فيها ولا خمارُ ووقِّرِ الكأس عن سفيه ... فإنما شأنها الوقار فلم تزل تأكل الليالي ... جثمانها، ما لها انتصار حتى إذا مات كل ذامٍ ... وخُلِّصَ السرُّ والجهارُ عادت إلى جوهرٍ لطيفٍ ... عِيان موجوده ضِمارُ كأن في كأسها سراباً ... يُخيله المهمه القِفارُ كأنها ذاك حين تُزهى ... لو لم يشب لونها اصفرارُ لا ينزل الليلُ حيث حلَّت ... فدهر شرابها نهارُ حتى لو استودعت سراراً ... لم يخف في ضوئها السِّرارُ ما أسكرتني الشمول لكن ... مدير طرفٍ به احورارُ وله: هي الخمرُ لا زالتتذيع فضائحي ... وتفعل ما شاءَت [بي] الخمرُ من أمرِ متى اكتسبت مالاً فللخمر شطرُهُ ... ويحكم ربُّ الخُرَّدِ العينِ بالشطر وله: ألا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمرُ ... ولا تسقني سراً إذا أمكن الجهر فما الغبن إلا أن تراني صاحياً ... وما الغنم إلا أن يتعتني السُّكر فبح باسم من تهوى ودعني من الكُنى ... فلا خير في اللذات من دونها سترُ وخمارة نبهتُها بعد هجعةٍ ... وقد غابت الجوزاءُ وارتفع النسر فقالت: من الطُرّاق، قلنا: عصابةٌٌ ... خفاف الأداوي، يُبتغى لهم خمرُ ولا بد أن يزنوا، فقالت: أو الفدا ... بأبلج كالدينار في طرفه فترُ فقلت: فهاتيه، فما إن لمثلنا ... فديناك بالأهلين عن مثله صبرُ فجاءت به كالبدر ليلةَ تِمِّه ... تخال به سكراً وليس به سكرُ فقمنا إليه واحداً بعد واحدٍ ... فكان به من صوم غربتنا فِطرُ وبتنا يرانا الله شرَّ عُصابةٍ ... نجرِّر أذيال الفسوقِ ولا فخرُ وله: دع لباكيها الديارا ... وانفِ بالخمر الخُمارا وأدرها من كُميتٍ ... تدع الليل نهارا بنت عشرٍ لم تعاينْ ... غير نار الشمس نارا لم تزل في قعر دَنٍّ ... مشعر زفتاً وقارا ثم شجت فأدارت ... فوقها طوقاً فدارا كاقتران الدرِّ بالدُرِّ ... صغارا وكبارا فإذا ما اعترضته العين من حيث استدارا خلته في جنبات الكأس واواتٍ صغارا من يدَيْ ساقٍ طريف ... كسي الحُسن شعارا ومغنٍّ كلما شئت ... تغنى وأشارا: صاحٍ هل أبصرت ... بالحيَّينِ من أسماء نارا وله: إذا كان يومي ليس يوم مدامةٍ ... ولا يوم فتيان فما هو من عمري وإن كان معموراً بعودٍ وقهوةٍ ... فذلك مسروق لعمري من الدهر وله: ألف المدامة فالزمان قصير ... صافٍ عليه وما به تكدير وله بدورِ الكأس كل عشية ... حالان، موتٌ مرَّةً ونشور حمراءُ صفراءُ الترائب رأسها ... فيه لِما نسج المزاج قتيرُ وله: وفتيان صدقٍ قد صرفت مطيَّهم ... إلى بيت خمَّارٍ نزلت بها ظهرا فلما حكى الزُنار أن ليس مسلماً ... ظننا به خيراً، فظن بنا شرا فقلنا: على دين المسيح بن مريم؟ ... فأعرض مزوراً، وقال لنا هُجر!

стр. 133

ولكن يهوديٌّ، يحبُّك ظاهراً ... ويضمر في المكنون منه لك الخترا فجاء بها زيتية ذهبيةً ... فلم نستطع دون السجود لها صبرا خرجنا على أن المقامَ ثلاثةٌ ... فطابت لنا حتى أقمنا بها عشرا عصابة سوءس لا ترى الدهر مثلهم ... وإن كنتم منهم لا براءً ولا صِفرا إذا ما دنا وقت الصلاة رأيتهم ... يحثونها حتى تفوتهم سُكرا وله: مضى أيلول وارتفع الحرور ... وأذكى نارها الشِّعرى العبورُ فقول ما فامزجا خمراً بماءٍ ... فإن نتاج بينهما اسرور إذا ما الكأسُ كرَّ بها علينا ... تكون بيننا فلك يدور تسير نجومه عجلاً ووثباً ... مشوفة وتاراتٍ تغورُ إذا لم يجرهن القطبُ مشياً ... ففي دورانهن لها نشور وله: يقولون في الشيب الوقارُ لأهله ... وشيبي بحمد الله غير وقار إذا كنت لا أنفك ذا أريحيةٍ ... إلى رشأٍ يسعى بكاسِ عُقارِ شمولٌ إذا شجت تقولُ عقيقةٌ ... تنافسَ فيها السومُ بين تِجارِ كأن بقايا من عقار حبابها ... تفاريق شيبٍ في سواد غمار تردت به ثم انفرى عن أديمها ... تفرِّي ليلٍ عن بياض نهارِ يعاطيكها كفٌّ كان بنانها ... إذا عارضتها العين صفُّ مداري وله: وخمارٍ أنختُ إليه وهناً ... قلائِصَ قد وَنينَ من السفارِ فجمجم، والكرى في مقلتيه ... كمخمورٍ شكا ألم الخُمارِ أبنْ لي، كيف صِرتَ إلى حريمي ... وجفنُ الليل مكتحلٌ بقارِ فقلت له: ترَّفق بي فإني ... رأيت الصبح من خللِ الديار فكان جوابُهُ أن ليس صبحٌ ... ولا ضوءٌ سوى ضوءِ العُقارِ وقام إلى الدِّنان فسدَّ فاها ... فعاد الليلُ مسدولَ الإزارِ فودَّجَ خصرَها في قعر كأسٍ ... محفرةِ الجوانب والقرارِ وجال الفرس حول ركاب كسرى ... بأعمدةٍ وأقبيةٍ قصارِ وقال ابن المعتز: وراحٍ من الشمس مخلوقةٍ ... بدت لك في قدحٍ من نهارِ هواءٌ ولكنه جامدٌ ... وماءٌ ولكنه غير جارِ فهذا النهاية في الابيضاضِ ... وهذا النهايةُ في الاحمرارِ كأن المدير لها باليمين، إذا قام للسقي، أو باليسار تدرع ثوباً من الياسمين له فردُ كمٍّ من الجُلنارِ وقال أيضاً: وليلٍ بتُّ أُسقاها سُلافاً ... معتَّقةُ كلون الجُلنارِ نعمت بشربها طرباً وعندي ... بناتُ اللهوِ تعبثُ بالوقار ونجم الليل يركض في الدياجي ... كأن الصبح يطلبه بثارِ قال ابن وكيع: وحديثٍ كأنه ... أوبةٌ من مسافرِ كان أشهى من الرُّقادِ إلى طرف ساهر بتُّ ألهو بطيبه ... في رياضٍ زواهرِ بين ساقٍ وسامرِ ... ومُغنٍّ، وزامر ليلة غاب شخصها ... عن عيون الدوائر كان ذهن الزمان ... [عندها] غير حاضرِ وقال أيضاً: وليلة ساهرتها ... إلى طلوع السَّحرِ سهرتها من طربٍ ... يا طيب طعم السَّهرِ رأيت فيها منظراً ... يجلو القذى عن بصري شمساً بكفَّي قمرٍ ... يديرها في قمرِ وقال أيضاً: حملت كفُّه إلى شفتيه ... كأسه والظلامُ مُرخى الإزار فالتقى لؤلؤاً حبابٍ وثغرِ ... وعقيقانِ من فمٍ وعقار وقال أيضاً: رأيت الدهر حالاً بعد حال ... كأنَّ صروفه فينا قمارُ فلا تسخط على ذنبٍ أتاه ... فليس له من الذنب اعتذار وخذ كأس العُقار فربَّ جرمٍ ... له عقبٌ مفاتحه العقار إذا ضاع السرور سلكت منها ... إليه مسلكاً فيه اختصار

стр. 134

وقال أيضاً: وليلةٍ بتُّ في ظلماتها طرباً ... يسعى إلي بشمس القهوة القمرُ سهرتها سهراً من طيب لذته ... وددت لو أن عمري كله سهرُ وقال أيضاً: ليهنكَ نيروزاً أتاك كأنهُ ... رسول حبيب بالأمان من الهجرِ فبادر إلى لذات يوم كأنه ... من الحُسن قرط لاح في أُفق الدهر وخذها على رغم الحسود مُدامةً ... أرق من الشكوى وأحلى من النصر لها صورةٌ في الكأسِ عند اجتلائها ... حكت صورة الإقبال في فسحة العُمر وقال أيضاً: وحانةٍ خمارٍ أنخت مطيتي ... إليه وقد أرخى الظلام له سترا وقد زهرت وسط السماء نجومُها ... كديباجةٍ زرقاء قد نقطت تبرا فأبرز لي صهباء يهدي نسيمها ... إليَّ إذا ما فاح فائحها عصرا ودارت لنا كاساتها بمدامة ... ترى دُهم خيلٍ صرن من نورها غُرا تُشتِّت شملَ الهم حتى كأنها ... إذا نزلت بالهم، طالبةٌ وترا إذا التقيا في القلب ولَّت جيوشه ... بخذلان مهزوم وأُعطيت النصرا إذا ضاق صدر المرء بالهمِّ وانثنى ... إلى كأسها ألفيته يحمد الدهرا فما زال يسقيني ويشرب مسعدا ... عليها غزالٌ طوفُهُ ينفث السِّحرا إلى أن رأيت الشمس قد خلعت لنا ... على الأُفق من أنوارها خلعاً خضرا وقال أيضاً: اشرب فقد طابت العُقارُ ... وابتسم الورد والبهارُ لها جيوشٌ من الملاهي ... للهمِّ قدمها فرار لألاؤها في الدُّجى نهارُ ... يُظلم من نوره النهار إذا استقرت حشى وقورٍ ... رأيته ما له وقار فالحزن عن أهلها مُطارُ ... والحلمُ في إثره مُطار يسعى بها جؤذرٌ غريرٌ ... في لحظ أجفانه احورار أغار منيّ عليه حتى ... عليه من نفسه أغار كلَّ جمالٍ ترى فمنه ... إذا تأملت مستعارُ وقال أيضاً: قم فاسقني كأساً كأنَّ نسيمها ... مِسكٌ تضوعه يدا عطار أحكامها في العقل إن هي حُكمت ... أحكام صرف الدهر في الأحرار يرضى عن الأقدار شاربها الذي ... ما زال ذا سخطٍ على الأقدار وكأنها والكأس ساطعةٌ بها ... ذوبٌ تحلل من عقيق جارِ لا سيما من كفٍّ أغيد شادِنٍ ... يسبي العقول بطرفِهِ السَّحارِ فضل الغصون لأنها من غرسنا ... عند التأملوهو غرسُ الباري وقال أيضاً: يا لائماً يعذلني في طربي ... حسبُك قد أكثرت من هذا الهذرْ أعرف فضل العقل إلا أنه ... بدلّ طعم العيش صفواً بالكدر الجهلُ ينبوع مسراتِ الفتى ... والعقل ينبوع الهموم والفِكر فاجسر على ما تشتهي جهالةً ... ما فاز باللذة إلا من جَسَرْ واشرب عقاراً لو أصابت حجراً ... لطار من خفته ذاك الحجر عدوةُ الحزن الذي ما ظفرت ... قط به إلا أساءت في الظفر لو رام أن يجيره من كيدها ... صرف القضاء الحتم يوماً ما قدر أرقها الدهر إلى أن شاكلت ... من رقةٍ شعر جميلٍ وعُمر خفية الحيلة في جسم الفتى ... تحدث في الجسم دبيباً وخدر كأنما الأوطار فيها جمعت ... فليس في العيش لجافيها وطر لا سيما من كف ظبي لم يُشن ... بفرط طولٍ لا ولا فرط قِصر له سهام من لحاظٍ صُيَّبٍ ... كأنما يرمين عن قوس القدر لو لم يكن زناره في وسطه ... يُمسك ضعف الخصر منه لانبتر وبان منه نصفه عن نصفه ... لكنه جاء له على قدر يا لك منه منظراً أشهى إلى ... قلبي من جنةِ عدنِ وأسرّْ

стр. 135

يا طيب ذي الدنيا لنا منزلةً ... لو لم نكن نُزعجُ منها بسفَر وقال أيضاً: ظفرتُ بقبلةٍ منه اختلاساً ... وكنت من الرقيب على حذار ألذ من الصبوح على غمامٍ ... ومن برد النسيم على خُمار وقال تميم: إذا رحت من سكرٍ غدوت إلى سكرٍ ... وأنفقت في لهوي وفي لذتي عُمري ولم لا أَجرُّ الذيل في ساحة الصبا ... وشرخ شبابي قائمٌ لي بالغدر ومهتزة الأعطاف، تهتز للصبا ... كما اهتز غصن البان في الورق الخُضر مهفهفة صفراء، إلا لآلئاً ... إذا ابتسمت بيضاً يلحن من الثغر قطعتُ بها ليل التمام وبدرُهُ ... إذا ما رآها ظنَّها غرَّة البدر وقال: وقهوة في كأسها تزهرُ ... يفوحُ منها المسك والعنبرُ وردية يحتثها أحورٌ ... كأنها من خدِّهِ تُعصر مهفهف لم يبتسم ضاحكاً ... مذ كان، إلا كسد الجوهرُ وقال أبو العتاهية: لهفي على الزمن القصير ... بين الخورنق والسدير إذ نحن في غُرف الجنان نعوم في بحر السرور في فتيةٍ ملكوا عنان الدهر أمثال الصقور يتعاورون مدامةً ... صهباءَ من حلب العصير عذراء ربَّاها شعاع الشمس في حرِّ الهجير ومقرطقٍ يمشي أمام القوم كالرشأ الغرير بزجاجةٍ تستخرج السرَّ الدفين من الضمير زهراء مثل الكوكب الدِّري في كف المدير وقال ايضاً: أحلَّ العراقي النبيذ وشربه ... وقال: الحرامان المدامة والسكر وقال الحجازي الشرابان واحد ... فحلَّت لنا بين اختلافهما الخمرُ سآخذ من قوليهما طرفيهما ... وأشربها، لا فارق الوازر الوِزرُ وقال تميم: السكر في أسكر عندي وقارْ ... فاخلع بها للهو عنك العِذار ولا تطع في نشوةٍ لائماً ... إن قبول اللوم في السكر عار وهاكها تسلب عقل الفتى ... وحُلْمه في لطف واختصار حمراء في الكأس فإن شعشعت ... ولد قرع الماء فيها اصفرار في قدحٍ ليس له مشبهٌ ... إلا صفا الماء وضوء النهار كأنما الساقي إذا مجه ... في صفوها يجمع ثلجاً ونار فرُح صريع الكأس إن كنت من ... أبنائها واغدُ خليع العذار أما ترى النيل وريح الصبا ... تنظم فيه زردات صغار لا سيما إن غرد النايُ أو ... ناولك الكأس صموتُ السُّوار وبتَّ تجني لعساً أشنبا ... مستعذب الظلم برود القطار ومقلة مضمرة فتكةً ... ووجنة منبتة جُلنار كأن لامَ الصُّدغ في عاجها ... ليلٌ تبدى جنحُه في نهار وقال أيضاً: ربَّ صفراءَ عللتني بصفراء وجنح الظلام مُرخى الإزارِ بين ماءٍ وروضة وكرومٍ ... وروابٍ أنيقة الأزهار تثنى بها الغصونُ علينا ... ويجيب القيان فيها القُماري وكأن الدُّجى غدائر شعرٍ ... وكأن النجوم فيها مداري وانجلى الغيم عن هلال تبدى ... في يد الأُفق مثل نصف سوار فأسقياني فأنني أطلب المجد بثأرٍ والحادثات بثار وندامى لو لم يكونوا من الإنس لما ناسبوا سوى الأقمار بتُّ أسقيهم ويسقونني الراح على طيب رَنة الأوتار وبساطٍ من الحديث شهيٍّ ... كنبات النسرين بين البهار لم نزل نلثُم الكئوس إلى أن ... دُفن الليل في فؤاد النهار وقال عبد الله بن المعتز: وقد يباكرني بالراح صافيةً ... كأنها قبسٌ بالكف مشهور يريق في كأسها من صوب غادية ... فالخمر ياقوتةٌ والماءُ بلور وقال صريع: وبنت يهودي حضرت زفافها ... وقد حُليت دراً تزين به النحرا

стр. 136

بعثت إلى خطابها فأتوا بها ... وسقت لها عنهم إلى ربها المهرا فجاءتهم بكراً [بخاتم] ربِّها ... محجبةً قد عتقت حججاً عشرا أناخ عليها أغبر اللون أجوفٌ ... فصارت له قلباً وصار لها صدرا أبت أن ينال الدنُّ مسَّ أديمها ... فحاك لها الإزباد من دونها سترا قلوب الندامى في يديها أسيرةٌ ... يصيدونها مكراً وتقتلهم قهرا إذا ما تحسَّاها النديم أخو الهوى ... أسرَّ بها تيهاً وأبدى بها كبرا أخص الندامى عندها وأحبُّهم ... إليها الذي لا يعرف الظُهر والعصرا إذا مسَّها الساقي أعارت بنانهُ ... جلابيب كالجادي في لونها صُفرا إذا ما أدار الكأس ثنى بطرفه ... فعاطاهم خمراً وعاطاهم سِحرا وقال: ومشمولةٍ مما تُعتق بابلٌ ... كأن شعاع الشمس في كأسها انتشر سلافة كرمٍ بنت خمسين حجةً ... إذا ما علاها الماء تقذف بالشرر يطوف بها ساقٍ أغنُّ متوجٌ ... بوجنته خالٌ، وفي طرفه حور عليه أكاليلٌ من الآسِ رصِّعت ... بأصناف ألوان الشقائق والزَّهر فبت أُسقاها بأنعم ليلةٍ ... معتقةً حتى بدت غرَّةُ السَحر وقال ابن المعتز: وجاءني في قميص الليل مستتراً ... يستعجل الخطو من خوف ومن حذر ولاح ضوء هلالِ كاد يفضحُهُ ... مثل القلامة قد قُدَّت من الظفر وكان ما كان مما لست أذكره ... فظنَّ خيراً ولا تسأل عن الخبر ومغرم باصطباح الراح نادمني ... لم تبق لذته وفراً ولم تذرِ ما زلت أسقيه من حمراء صافيةٍ ... عجوز دسكرةٍ شابت من الكبر راح الفرات على أغصان كرمتها ... بجدولٍ من زلال الماء منفجر حتى إذا حرُّ آب جاش مرجلهُ ... بفائرٍ من هجير الشمس مستعر ظلت عناقيدها يخرجن من ورقٍ ... كما احتبى الزنج في خضر من الأُزر وكان قاطفها يسعى فأسلمها ... إلى خوابي قد عُمِّمن بالمدر وقال: خطبنا إلى الدهقان إحدى بناته ... فزوجنا منهن في خدرها الكبرى فبينا نراها في الندامى أسيرةً ... لهم إذ مشت فيهم، فصاروا لها أسرى وقال: تذكر الصبح في غُمى فما صبراوارتاح لما رأى الإصباح قد نُشرا وقال قوموا فكم من مسعدٍ عجلٍ ... أجاب دعوته الأولى فما انتظرا ثم ابتدرنا نبيح الأرض مركبنا ... على قوارح خيل تنفض العُذرا حتى أتينا على علياء يضربها ... برد النسيم فيضحي ماؤها خَصرا وفوقها من دنانٍ فُرغ شُرفٌ ... كالرازقي أقاموا فوقه الدُررا كانت غنى العلج أحياءً مملأةً ... فما جزاهن أمواتاً ولا شكرا وكان خدرها حيناً فصلبها ... على الجدار تقاسي الريح والمطرا وسقيا واشربا راحاً معتقةً ... تستأصل الهمَّ والأحزان والفكرا لما وجاها بدت حمراء قانيةً ... كأنما ملئت من نفسها سكرا وقال: أشكو إلى الله خواناً سلافجا ... وحوَّل الوصل والأرسال والنظرا يحرك القدُّ في أثوابه غُصناً ... ويُطلعُ الحسنُ من أزراره قمرا وقال: حننتُ إلى الندامى والعُقار ... وشربٍ بالصغار وبالكبارِ وساقي حانةٍ يغدو علينا بزُنارٍ وأقبية صغار أما وفتور مقلةِ بابليٍّ ... بديع القدّ ذي صُدُغٍ مُدارِ لقد فضحت دموع العين سِري ... وأحرقني هواه بغير نار ويخجل حين يلقاني كأني ... انقط خدَّه بالجلنار وبيضاء الختام إذا اجتلتها ... عيونُ الشَّربِ حمراء الإزار

стр. 137

جموح في عنان الماء تنزو ... إذا ما راضها نزو المهاري فضضت ختامها عن روح راحِ ... لها جسدان من خزف وقار تنقاها لكسرى رب كرمٍ ... يعد من الفلاسفة الكبار وسقفها العريش فحمَّلتهُ ... عناقيداً كأثداء الجواري نواعم لا تذلُّ بوطء رجلٍ ... وتعصر نفسها قبل اعتصار فأودعها الدِّنانَ مصففاتٍ ... وأسلمها إلى شمس النهار وألبسها فلانس معلماتٍ ... وصاحبها بصبرٍ وانتظار فلما جاوز عشرين عاماً ... مخدرةً وقرت في قرار أُتيح لها من الفتيان سمحٌ ... جوادٌ لا يشح على العُقار فأبرزها تحدث عن زمانٍ ... كمثل الآل في البلد القفار وقال: وكرخيَّة الأنساب أو بابليةٍ ثوت حقباً في ظلمة القار لا تسري أرقت صفاء الماء فوق صفائها ... فخلتهما سُلاَّ من الشمس والبدرِ وكم ليلةٍ باللهو قصَّرت طولها ... بساقية العينين والكف للخمر وإني وإن كان التصابي يحثني ... لأبلغ حاجاتي وأجري على قدر ظللت بملهى خير يومٍ وليلةٍ ... تدور علينا الكأسُ في فتيةٍ زهر بكف غزالٍ ذي دلالٍ وطُرةٍ ... وصُدغين كالقافين في طرفي سطر لدى نرجسٍ غصن وسروٍ كأنه ... قدود جوارٍ ملن في أُزر خضر انتهى السفر الأول من كتاب قطب السرور في أوصاف الخمور والحمد لله رب العالمين على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلَّم. كتابنا هذا له رونقٌ ... كرونق الحبات في عقدها كادت تواليف الورى عنده ... تموت بالخجلة في جلدها هذا كتاب نفيس ... لكشف همي ادخرتهُ إلا برهنٍ وثيقٍ ... لصاحبٍ قد عرفته فمن أراد كتابي ... فالشرط ما قد ذكرته السفر الثاني من كتاب قطب السرور في وصف الخمور تصنيف العلاَّمة الأديب أبي إسحق إبراهيم المعروف بالرقيق النديم رحمه الله تعالى آمين هذا كتاب لو يباع بوزنه ... ذهباً لكان البائعُ المغبونا أو ما من الخسران أنك آخذٌ ... ذهباً، وتارك جوهراً مكنوناً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وقال ابن المعتز أيضاً: يا رب يوم سرورٍ ... بالماردين قصيرِ لو بعته بسنينٍ ... واعصر ودهور وكلها في نعيم ... ما كنت بالمغدور بكِّر عليَّ بكأسٍ ... فالخير في التبكير أما ترى النجم ولى ... وهمَّ بالتغوير [اليوم قصف وبسط ... فسقني بالكبير] من كف ظبيٍ مليحٍ ... ساجي الجفون غرير يزهى بوردة خدٍّ ... قد خُدشت بعبيرِ وشعره من ظلامٍ ... ووجهه من نور وقال أيضاً: ذُرى شجرٍ للطير فيه تشاجرُ ... كأن سقيط الطل فيه جواهر كأن القماري والبلابل فوقه ... قيانٌ وأوراق الغصون ستائرُ شربنا على ذاك الترنم قهوة ... كأن على حافاتها الدُرَّ دائر كأن نسيم الروض في جنباتها ... لخالخُ، فيما بيننا، وذرائرِ وقال: سقِّني الراحَ في شباب النهار ... وانف همِّي بالخندريس العقارِ قد تولت زُهرُ النجوم وقد بَشَّر بالصبح طائر الأشجار ما ترى نعمة السماءِ على الأرض وشكر الرِّياض للأمطار وغناءَ الأطيار في فلق الصبح وحَلْيَ الأشجار بالنُّوار وكأن الربيع يجلو عروساً ... وكأنا من قطره في نثار وقال: أقولُ لساقي القوم لا تعقرنها ... بماءٍ وأحزاني بصرفك فاعقر ولا تسقنيها بنت عامٍ فإنها ... كما هي في عنقودها لم تغير قريبة عهد بالغصون وبالثرى ... وبالشرب من ماءِ الرفات المفجر

стр. 138

ولكن عقاراً أم دهر تقادمت ... فلم يبق منها [غير] ريح ومنظرِ على دنِّها وسمٌ لعادٍ وتُبَّعٍ ... وفيه علامات لكسرى وقيصر وقال: ومختضب بحناء العُقارِ ... سقتني كفُّه والليل ساري وفي يمناه إبريق وماءٌ ... وكأس الخمر في يده اليسار وقال كشاجم: وندمانٍ أخىٍ ثقةٍ ... كأنَّ حديثه حبره يسرك حسن منظره ... وتحمدُ منه مُختبره ويستر عيب صاحبه ... ويسترُ أنه ستره ابن المعتز: شربنا بالصغير وبالكبير ... ولم نحفل بأحداث الدهور وقد ركضت بنا خيل الملاهي ... وقد طرنا بأجنحة السرور وقال: ونديمٍ قمرَتهُ ... عقله الكاسُ العُقارُ لم يزل ليلته في فلكِ السّكر يُدار قهوة سِرُّ الفتى فيها لعينيك جهار فترى كأساتها يُقدحُ فيهن الشرارُ وكساها الماءُ شيباً ... لم يكن فيه وقار وقال أيضاً: نمُجُّ من أقداحنا قهوةً ... تضوع بالمِسك وبالعنبر كأنما أقداحنا فضةٌ ... قط بطنت بالذهب الأحمر وقال: ثم فاسقني من سُلاف ما يُعصرْ ... كالشمس عند السعود في المنظر عروس خِدرٍ، يزفها قدحُ، ... مجلوةٌ في غلائل العنبر تعمل بالهم في الضمير كما ... يعمل في الفتك صاحب الخنجر وقال: من لامني اليوم في سكرٍ فلا عذرا ... هاتِ الكبير وغيري سقِّ ما صغُرا غدت منكرة للمزن فاحتجت ... شمس النهار ولم نعرف لها خبرا واغرورقت بانسكاب الماء مقلتها ... جاءت بثلجٍ كوردٍ أبيضٍ نثرا وقال: وزعفرانيةٍ في الكأسِ تحسبُها ... إذا تأملتها في ثوب كافور كأن حبّ سقيط لاالطلّ بينهما ... دمع تحدَّر من أجفان مهجور وقال: قم فاسقني من عقار ... حمراء كالجُلنار واركض إلى السكر ركضاً ... قبل انتصاف النهار فالسكر أوطأ فراشٍ ... والسكر أدفا دثار وشرب رطلٍ وثانٍ ... درياق كل خُمار زفت إليك عروسٌ ... من حانة الخمّار وتاجها من طينٍ ... ودرعها من قار وكأسها ملء كفٍ ... وريحها ملء دار وقال الصنوبري: نار راحٍ، ونار خدٍّ، ونارُ ... لحشا الصبِّ بينهن استعارُ ما أُبالي، ما كان ذا الضيف عندي ... كيف كان الشتاء والإمطارُ وقال: ضحك الورد في قفا المنثور ... واسترحنا من رعدة المقرور واستطيب المقيل في " برد " ظلٍ ... وشممنا الريحان بالكافور فالرحيل الرحيلَ يا عسكر اللهو إلى كل روضةٍ وغدير واهجر البيت، وامزج الراح بالثلج وأطفئ بالخمر حرَّ الهجير وقال: اشرب الراح بكرةً بالكبير ... واصطحبها غداة يومٍ مطير من عُقارٍ ألذ من نكهة الورد وأصفى من دمعة المهجور أشبهت في ضيائها بهجة الشمس ... وفي لونها دم اليعفور قُرعت بالمزاج في صحن كأسٍ ... فارتدت كأسها بحلة نور فاغتنم غفلة الزمان وخذها ... بنشاطٍ من كف ظبيٍ غرير ربَّ يوم قصرت فيه عن اللهو ببيضاء ذات طرفٍ سحور لم أعرج على طول بتيماء ... ولم أسرِ في الدجى بالعير إنما عِيرنا الكئوس تراها ... سائراتٍ تُحدى ببمٍّ وزير في رياضٍ إذا بدا القطر أبدت ... عن شموسٍ طوالعٍ وبدور فإذا هبت الصِّبا في رباها ... خلتَ ريا الصَّبا نسيم عبير وقال تميم: أما ترى حركات الريح مخبرةً ... أن الغمام يجود الأرض بالمطر والجو ملتحف قُمصاً مفوَّفةً ... زُرَّت عليه من القوهي والحبر

стр. 139

كأن برد نسيم الأرض حين بدا ... بردا ارتشاف حبيب زار في السحر فأجر فيه حقوق الكأس دائرةً ... ما بين رجع حنين الناي والوترِ واعلم بأن الليالي غير باقيةٍ ... فلا تبقِّ على وفرٍ ولا تذرِ وقال: يا ربَّ ليل بتُّهُ ناعماً ... بين ربا المختار والجسرِ أخرج فيه لصِبا من صِبا ... واستحث الخمرَ بالخمرِ وعذبةِ الألفاظ معشوقةٍ ... طوع الصِّبا مرهفةِ الخصر كأنما البدران في وجهها ... فهي سماءُ الشمسِ والبدر فلم أزل أشرب من كفها ... واجتني الشهد من الثغر حتى تضجَّعت وبي مثلما ... بلحظ عينيها من السحر والبدر قد مدَّ على نيله ... منطقةً من خالص التبرِ وقال ابن المعتز: قد سقتني خمراً، وريقاً كخمرِ ... بنت عشرٍ في كفِّها بنت عشرِ ذرَّ في وجهها الملاحة ذراً ... خالقٌ هزَّ غصنها تحت بدرِ وقال: ومغرمٍ باصطباح الراح نادمن ... لم تُبقِ لذته وفراً ولم تذر ما زلت أسقيه من حمراء صافيةٍ ... عروس دسكرة شابت من الكِبر راح الفرات على أغصان كرمتها ... بجدولٍ من زلال الماء منفجر حتى إذا حرُّ آبٍ جاش مرجله ... بفائرٍ من هجير الشمس مُستعر ظلت عناقيدها يخرجن من مدرٍ ... كما احتبى الزنج في خضرٍ من الأُزر وطاف قاطفها يسعى فأسلمها ... إلى خوابي قد عُمِّمن بالمدرِ وقال: من معيني على السهر ... وعلى الغم والفكر وابلائي من شادنٍ ... كبُر الحبُّ إذ كبر قام كالغصن في النقا ... يمزج الشمس بالقمر غافلاً عن بليتي ... قاتلاً لي وما شَعَر صاح إن أمكنتك لذةُ عيشٍ فلا تذر وتقدم ولا تخف ... فاز بالوصل من جسر كم عذول على الخطيئة واللهُ قد غَفَرْ فسقاني المُدام والليلُ بالصُّبح مؤتزر والثريا كنور غصنٍ على الغرب قد نُثر وقال أبو الشيص: نهى عن خلَّة الخمر ... بياض لاح في الشعر وقد أغدو وعين الشمس في أثوابها الصفر على صهباء كالشمس ... وكالكافور في النشر وظبيٌ يعطف الأرداف من متنيه والخصر على ألطف ما شدَّت عليه عُقد الأُزر رهيفٌ يرتمي الألباب عن قوسٍ من السِّحر له طرف يشوب الخمرَ للنُّدمان بالخمرِ عجوزٌ نسج الماءُ لها طوقاً من الشذر كأن الذهب الأحمر من حافاتها يجري وقال آخر: وليلةٍ من حسنات الدهر ما يمَّحى موضعها من ذكري ولا تسلاَّها بنات صدي سريت فيها بخيول شقِر سياطها ماء السحاب الغُرِّ فلم تزل تحت الظلام تجري محثوثةً حتى بلغت سُكري في روضا مقمرة بالزهرِ وشادنٍ ضعيف عقد الخصرِ يمضي بموجٍ ويجي ببدرِ مكحولة أجفانه بسحر في خده عقارب لا تسري من سبح قد قيدت بعطرِ تلسع أحشائي وليس تدري يا ليلة سرقتها من دهري ما كنت إلا غرة في عمري أما وريقٍ باردٍ وثغر ما الموت إلا الهجر أو كالهجر وقال: قم فاسقني قبل أصوات العصافير ... أما ترى الصبح قد أبدى بتنوير حمراء من خمر بيروتٍ معتقة ... ترمي الندامى بتخدير وتفتير يسعى بها ساحرُ الألحاظ زينهُ ... ثوبان قد قُلصا عنه بتشمير إذا تناول كأساً ثم قام بها ... حياً وجوها كأمثال الدنانير وقال: وشرابٍ أرقَّ من دمعة الشكوى على خدِّ عاشقٍ مهجور خلتها في كئوسها إذا أُديرت ... زعفراناً جرى على كافورِ وقال في نبيذ الدوشاب: أخي رُدَّ كأسَ الخمر عني فلا خمرا تبدلت منها أسوداً حالكاً مُرا كأن الندامى حين عاطوا كئوسه ... محابر وراقين قد مُلئت حِبرلاا وقال:

стр. 140

ولقد تعدى على همِّ نفسي ... من بنات الكرم عذراء بكرُ بيدي ريمٍ بقلب طرفاً ... فيه للعشاق موت ونشرُ ومغنٍّ ملحق كلَّ نفسٍ ... بهواها، فهو للسكر عُذْرُ الأخطل: نازعته طيِّب [الراح] الشمول وقد ... صاح الدجاج وحانت وقعةُ الساري من خمر عانة، ينصاع الفراتُ لها ... بجدولٍ صخبِ الآذيِّ موارِ كنت ثلاثة أحوالٍ بطينتها ... حتى إذا سكنت من بعد تهدار آلت إلى النصف من كلفاء أنزعها ... علجٌ ولثمها بالجص والقار صهباء قد عنست من طول ما حُبست ... في مخدع بين جناتٍ وأنهار عذراء لم يجتل الخُطاب بهجتها ... حتى اجتلاها عبادي بدينار الصنوبري: ومدامة بُزلت ... فاشبه فتلها فتل السوار لي من زجاجتها ومنها لمحتا نورٍ ونارِ قصرتُ أيامي بها ... واهاً لأيامي القِصارِ وقال آخر: عَدِّ عن لومي فلست أرى ... في اصطباح الراح من ذكر فلئن أصبحت مصطبراً ... ما أنا عنها بمصطبر قهوة في الكأس مطرقةٌ ... كهدوِّ الحية الذكر إن يوماً لست أشربها ... ليس ذاك اليوم من عُمري فإذا قرَّ القرارُ بها ... أخذت بالسمع والبصر وهو أذكى في تنفسها ... من نسيم الروض في السحر علنيها شادنٌ غَنَجٌ ... كُحلت عيناه بالحورِ وكأن الراحَ في يده ... قمر في راحة القمرِ ابن الرومي: سُقي الشباب وإن عفا ... آثار معهده القتير تشدو لنا ريا البنان كأنها قمرٌ منيرُ وشرابنا وردية لكئوسها شررٌ يطير [واهاً لقولي للمدير، وقد سقيناها المديرُ] أعصير خمرك هذه ... من ماءِ خدك أم عصيرُ وقال أبو الهندي: حبذا العيش بدارين وقد ... بتُّ أُسقاها وقد لاح القمرُ عندنا شاديةٌ رقاصةٌ ... وغلامٌ كلما شئنا زمر وإذا قلنا له [قم] فاسقنا ... قام يمشي مشي غصنٍ قد مُطر وترى الإبريق فيما بيننا ... ماثلاً كالظبي ملثوماً أغر أو كفرخ الماء في غيضته ... حذر الصقر فأقعى ونظر وقال: وقهوةٍ كالعقيق صافيةٍ ... يطير في كأسها لها شررُ زوجتها الماء كي تذل له ... فامتعضت حين مسَّها الذكرُ كذلك البكر عند خلوتها ... يظهر منها الحياء والخفر وقال صريع: ويوم كأن الشمس فيه مريضةٌ ... من الدجن مطلول الضُّحى والظهائر ظللنا، وما تنفك فينا ذبيحةً، ... نمج نجيعاً من دماء المعاصر رحيقاً، تعالى في المزاج، كأنه ... شهاب غضى في كف ساعٍ مبادر إذا دبَّ فيها الماء قارن صعةً ... جنوحاً عليه سهلة في الحناجر وقال الراضي: يا لك من ليلةٍ محسدةٍ ... تُعد في الدهر غرَّة الدهر سعدت فيها بذي مساعدة ... اقبض بالوصل مهجة الهجر واجتلى الخمر في غلائلها ... حتى تعرت غلالة الفجر وقال العطوي: قم سيدي قد تنفس السَحَرُ ... والماءُ من برد ريحه خَصرُ والراح قد صفِّفت أبارقها ... موقوفة والسقاة تنتظر وزهرة أشرقت مصابحها ... لولا الندى طار حولها شررُ دنا إليها في الليل مقتبسٌ ... لما رآها كالنار تستعرُ رعت نجوم السماء باهتةً والليل داجي القناع معتكر بعين يقظى وجيد ناعسةٍ ... دام عليها الوقوف والسهرُ وقال ابن المعتز: اشرب وسقِّ ابن بشر من مشعشعة ... كأن في كأسها ناراً بلا نار قامت ثمانين حولاً في معاصرها ... تسامر الدهر في ليلٍ من القار وقال البحتري:

стр. 141

نزلنا منزل الحسن بن وهب ... وقد درست مغانيه القِفارُ تلقينا الشتاء به وزرنا ... بنات اللهو إذ قرب المزار تنازعنا المدامة وهي صرفٌ ... وأعجلنا الطبائخ وهي نار ولم يك ذاك سخفاً غير أني ... رأيت الشرب سخفهم الوقار وقال الأمير تميم: قد اجتمع البستان والروض والخمرُ ... وحُركت الأوتار وارتفع الزمرُ فما لك لا تعدو على الراح عدوة ... يبيحُك فيها كل كا تشتهي السكر هل العيش إلا قينةٌ ومدامةٌ ... وساقٍ مليحٌ ليس يُعصى له أمرُ فبادر بقايا العمر ما دمت قادراً ... وما جرَّ أرسان البقاء لك العمر وقال: ومودعةٍ بطن مغبرةٍ ... تحدث عن عهد سابورها حججنا إلى بيت خمارها ... لنشربها في معاصيرها سلاف تسلف منها الزمان ... قواها وأبقى على خيرها يقبل منها النديمُ الصباح ... ويصبغ كميه من نورها فلا تعذر النفس في تركها ... فلست عليه بمعذورها وشاطرة الزِيّ مخطوفة ... إذا برزت في زنانيرها أدارت علينا كئوس المدام ... وتأثيرها فوق تأثيرها كأن لبانة الحاظها ... تحاول بسط معاذيرها [و] لا خير في الراح إن لم تُعَنْ ... بسقم الجفون وتفتيرها وقال كشاجم: أتلفت مالي في العُقار ... وخرجت فيها عن عقاري قالوا الشهادة بالعشيّ ونحن في صدر النهار فاجبتهم ردوا الكتاب ولا تُعنوا بانتظاري لو كنت أخرج بالعشي لما سمحتُ ببيع داري صريع: سقِّني من معتقات الخمور إن يوم الأثنين يومُ سرور عاطنيها حمراء، مثل دم الخش ... ف عليها كاللؤلؤ المنثور لا تُطل حبسها عليَّ وخذها ... واسقني واسق صاحبي بالكبير قد جعلنا الإثنين عيداً جديداً ... واتخذناه جنَّة للدهور ديك الجن: بها غير معدول فداوِ خُمارها ... وصل بعشيات، الغبوق ابتكارها ونل من عظيم الردف كل عظيمة ... إذا ذكرت خاف الحفيظان نارها وقم أنت فاحثث كأسها غير صاغرٍ ... ولا تسق إلا خمرها وعُقارها فقام تكاد الراح تخضب كفَّهُ ... وتحسبه من وجنتيه استعارها ظللنا بأيدينا نتعتعُ روحها ... وتأخذ من أقدامنا الراح ثارها موردة من كف ظبي كأنما ... تناولها من خده فأدارها وقال حاتم الطائي: أماوي إما مِتُّ فاسعي بنطفةٍ ... من الخمر ريَّا فانضحن بها قبري فلو أن عين الخمر في رأس شارف ... من الأسد وردٍ لاعتلجنا على الخمر إسماعيل بن صالح بن علي: ما ترى في اصطباحنا من عقار ... ونعيم بوجه شمس النهار وسجود إلى جبين هلالٍ ... طالع من سحائب الأزرارِ وصلاة على صريع مدام ... صعقٍ بين ألسن الأوتار وسماء منهلة بكباءٍ ... في رياض من نرجس وبهارِ وقال الأمير تميم: وراح تخضب الراحات ورساً ... وتفتق طيلسان الليل نورا كأن الماء يطربها فتبدي ... إذا مزجت به دراً نثيرا بدت في الكأس للندماء شمساً ... وفاحت في أُنوفهم عبيرا وكانت قهوةً صِرفاً فلما ... أداروها شربنا [ها] سرورا فلم أر مثلها أنفى لهم ... إذا شربت ولا أحلى سُدورا وقال نفطويه: قمر طالع وكأسٌ تدور ... ونعيم ولذة وسرور فأقلوا المزاج، واستعملوا الصرف، وهاتوا الكبير، هذا صغيرُ قد مضى الليل والعقول صحاحٌ ... وزقا الديك والكلام كثير أفقدونا عقولنا ساعة إذ ... في افتقاد العقول عيش غرير حرف الزاي

стр. 142

قال [ابن] المعتز بالله: يا صاح يشغل قلبي عن عواذله ... قرع الكئوس بأفواه القوازيز أصغى بإبريقه من تحت مبزلها ... حتى تملأ من أحشاء موخوز يضاحك الأُقحوان الغض في فمه ... تفاح خدٍّ، بخال الخد، مغروز كأن ديباجةً من خده نُشرت ... وطرزته بحُسنٍ أيَّ تطريز فنحن منه ومن أيامه أبداً ... في مهرجان نغاديه ونيروز إذ لا يزال من الفتيان ذو طربٍ ... يغب في ذهب قد ذاب، إبريز دام عليه هجير الشمس يسكبه ... فميز الصفو منه أيَّ تمييزِ تُقارع الماء في الأقداح إذ مزجت ... بصارم من سيوف النور مهزوزِ وزادت سخطٍ على الأرزاق قلت لها ... عنيتني، فارجعي باللوم أو جوزي لا خير في ماجدٍ يهدى عواذله ... وأي غصنٍ نضير غير مغموز لا يقعد السكر عزمي عند نهضته ... وليس رأسي عن حزمي بمحجوز وقال الأمير تميم: يا رب ليلٍ من ليالي الكوز قطعته بعاتقٍ عجوز معشوقة المخبر والبروز أذنابها حر لظى تموز حتى بدت كالذهب الإبريز أرق من فهمي ومن تمييزي ؟ حرف السين قال أبو نواس: ودار ندامى عطلوها وأدلجوا ... بها أثرٌ منهم جديدٌ ودارسُ مساحبُ من جر الزقاق على الثرى ... وأضغاث ريحانٍ جنيٌّ ويابس حبست بها صحبي فجددت عهدهم ... وإني على أمثال تلك لحابسُ ولم أدرِ من هم غير ما شهدت به ... بشرقي ساباط الديار البسابس أقمنا بها يوماً، ويوماً، وثالثاً ... ويوماً له يوم الترحل خامس تدار علينا الراح في عسجدية ... حبتها بأنواع التصاوير فارسُ قراراتها كسرى وفي جنباتها ... مهاً تدريها بالقسي الفوارس فللخمر ما زرت عليه جيوبها ... ولماء ما دارت عليه القلانس وقال: نبِّه نديمك قد نعس ... يسقيك كأساً في الغلس صرفاً كأن شعاعها ... في كف شاربها قبس مما تخير كرمها ... كسرى بعانة واغترس تذر الفتى وكأنما ... بلسانه منها خرس يدعى فيرفع رأسه ... فإذا استقل به نكس يسقيكها ذو قرطقٍ ... يُلهي ويُعجل من حبس خنث الجفون كأنه ... ظبي الرياض إذا نعس أضحى الأمير محمد ... للدين نوراً يقتبس ورث الخلافة خمسةٌ ... وبخير يضحك إن عبس ابن وكيع: غرَّد الطيرُ فنبه من نعس ... وأدر كأسك فالعيش خُلس سل سيف الفجر من غمد الدجى ... وتعرى الصبح من قُمص الغلس وبدا في حُلل فضية ... ما لها من ظلمة الليل دنس فاسقني من قهوةٍ مسكيةٍ ... في رياضٍ عنبريات النفس وقال: قم فاجعل اليوم حُسناً ... ولذةً مثل أمسِ مرة المرءِ سعدٌ ... والهمُّ طالع نحس فقم أدرها علينا ... صفراء في ثوب ورس يحكى الحباب عليها ... غمامة مثل شمسِ وقا تميم: حبذا طيبُ يومِنا المأنوسِ ... بين شدو الغنا، وحثِّ الكئوسِ من مدامٍ بها يعيش التصابي ... وتُداوى مُعللات النفوسِ غربت في الشفاه ماء ولكن ... طلعت في الخدود مثل الشموس وكأن النجوم في غسقِ الليل جُمان يلوحُ في آبنوس وقال بشار: قومي اغبقيني فما صيغ الفتى حجراً ... لكن رهينه أحجار وأرماسِ اليوم خمرٌ ونغدو في غدٍ خبرا ... والناس ما بين إنعامٍ وإبآسِ روِّي عظامي لكي أنفي الهموم بها ... لا يصحب الهم قرع السن بالكاس علي بن جبلة:

стр. 143

دع الدنيا فللدنيا أُناسُ ... ألذُّ العيش إبريقٌ وطاسُ وصافيةٍ لها في الرأس لينٌ ... ولكن في النفوس لها شماسُ كأن يد النديم تديرُ منها ... شعاعاً لا يحيط عليه كاسُ معتقةٍ إذا مزجت أضاءت ... فأمكن قابساً منها اقتباس تخال بعين شاربها نُعاساً ... وليس سوى المدام به نعاسُ عبد الله بن المعتز: سقاني الخمر من يده سُحيراً ... وفي أجفانه مرضُ النعاس ويسراه مقرطقةٌ بكوزٍ ... ويُمناه مُتوجةٌ بكاسِ وقال: غدوت إلى كاسِ ورحت إلى كاسِ ... ولم أر فيما تشتهي النفس من باس ومشتبهٍ بالبدر في أعين الورى ... من الناس إلا أنه أملحُ الناس سقاني خمراً من يديه ولحظه ... فأسكرني سكرين من بين جُلاسي إذا جاد لي عند الخِلاس بقبلةٍ ... وجدتُ لها برداً على حر أنفاسي وقال تميم: ناولتها شبه خدَّيها معتقةً ... خمراً كأن سناها ضوءُ مقياسِ فقبلتها وقالت وهي ضاحكةٌ ... وكيف تسقي خدود الناس للناسِ قلت اشربي إنها دمعي وحمرتها ... دمي وطابخها في الكأس أنفاسي قالت إذا كنت من حبي بكيت دماً ... فسنيها على العينين والراسِ يا ليلةً بات فيها البدر معتنقي ... وباتت الشمس فيها بعض جُلاسي وبت مستغنياً بالثغر عن قدحٍ ... وبالخدود عن التفاح والآسِ ابن المعتز: وعاقد زنار على غُصنُ الآس ... مليح دلال مُخطف الكشح مياس سقاني عقاراً صبَّ فيها مزاجها ... فاضحك عن ثغر الحباب فم الكاس وقال: اشرب فقد دارت الكئوسُ ... وفارقت يومك النحوسُ في كل يومٍ جديدُ روضٍ ... عليه دمعُ الندى حبيسُ ومأتم في السماء يبكي ... والأرض من تحته عروسُ الصنوبري يا نديمي دع المكاس وهاك الراح خذها ولات حين مكاس لم تشعشع في الكأس إلا كستنا ... حللاً من شعاعها في الكاسِ هاكها عُصفرية اللون إلا ... أنها عنبرية الأنفاس الأمير تميم: قد دعانا إلى الصبا الناقوسُ ... حين حنَّت إلى الصباح النفوسُ ورداء الهواء قد رقَّ حتى ... كاد يخفى نسيمه المحسوس وكأن الصباح والليل لمَّا ... أسفر الفجر أسعد ونحوسُ حبذا الراح كلما شيع الراح بألحاظه الغزال الأنيس واستحث الكئوس وهي صباحٌ ... وسقانا المدام وهي شموسُ وقال: طاب شربُ الخندريس ... ومعاطاةُ الكئوسِ بسماع يخلق اللذات في سرِّ النفوس من وجوه زاهراتٍ ... لم تكدر بعبُرس علي بن جبلة: وشمولٍ أرقها الدهر حتى ... ما تُوارى قذاتها بلبوس وردة اللون في خدود الندامى ... وهي صفراء في خدود الكئوس وكأن الشعاع منها على الكف جسادٌ على مذال عروس لطفت فاغتدت تحل من الأجساد، من لطفها، محل النفوس حرف الضاد قال عبد الله بن المعتز بالله: ذهب كئوسك يا غلام فإن ذا يومٌ مفضض والجو يُجلى في البيضا وفي حُلى الكافور يُعرض ورد الربيع مُلون ... والورد في كانون أبيض وقال أيضاً: كأنما الغيم لما حثَّ أوله ... مضارب الحيَّ تعلو ثم تنخفض كأنما الشربُ والساقي يحثهم ... طبيب رفق وأقوامٌ بهم مرضُ وقال: ألا يقساني والظلامُ مقوض ... ونجم الدجى في حلبة الليل يركضُ كأن الثريا في أواخر ليلها ... تفتح نورٍ أو لجامٌ مفضضُ وقال: لا شرب إلا بكفِّ جارية ... ذات دلال في طرفها مرضُ كأن في الكأس حين تمزجها ... نجوم رجمٍ تعلو وتنخفضُ حرف العين بخلوّ الطاء والظاء قال عبد الله بن المعتز:

стр. 144

ورضيعٍ راضعت في كبر السنِّ فأضحى أخاً لديَّ مُطاعا لم يكن بيننا رضاع ولكن ... صيَّرت بيننا الكئوس رضاعا تميم: الراح أجمع للسرور وأنفع ... في مثل ذا اليوم الذي يتلمع صحو وغيمٌ في سماءٍ أصبحت ... وكأنها بهما غراب أبقع يومٌ كأن الريحَ في أرجائه ... لحفٌ مشققةٌ تمرُّ وترجعُ فاشرب فذا وجه الرِّياض مرصع ... واطرب فذا وجه السماء مُجزع وقال ابن بسَّام: أما ترى اليل قد ولّت غياهبه ... وعارض الفجر بالإشراق قد طلعا فاشرب على وردة [حمراء قد] قَدُمت ... كأنها خد ريمٍ ريم فامتنعا وقال ابن المعتز: وراهبةٍ أفنت قروناً وأعصرا ... لها برنس قارٌ ورأس مقنَّعُ ظفرنا بها في الدنِّ بكراً وبينها ... وبين قطاف الكرم عاد وتبع فلما استقرت في الزجاج حسبتها ... سنى البرق في داجٍ من الليل يلمعُ وساقٍ له سبعٌ وسبعٌ كأنه ... هلالٌ [له] خمسٌ وخمسٌ وأربع تناقلُها منها كأنها ... نجومٌ على أيدي المديرين وقَّعُ إذا قرعوها بالمزاج رأيتها عليهنَّ أحياناً تغيب وتطلع فبتنا وبيتَّتنا الهوى في إنائها ... خليط مقيم لا خليط مودِّع وقال: وشمس نهار قد سبقت طلوعها ... بشمسٍ عقارٍ في الزجاجة تطلع فما انبلج الإصباح حتى رأيتني ... أقوم إلى برِّ النديم فأركع وقال أبو نواس: أعاذل إن اللوم منك وجيع ... ولي إمرةٌ أعصي بها وأُطيع كفيت الصبا من لا يهش إلى الصبا ... وجمعت منه ما أضاع مُضيع أعاذل ما فرطت في جنب لذةٍ ... ولا قلت للخمار كيف تبيعُ أسامحه، إن المكاس [ضراعة] ... ويرحل عرضي عنه وهو جميع وقال أيضاً: ما مثل هذا اليوم في حسنه ... عُطل من لهوٍ، ولا ضُيعا فما ترى فيه، وما الذي ... تريد في ذا اليوم أن تصنعا هل لك أن تغدو على قهوةٍ ... تسرع في المرءِ إذا أسرعا ماوجد الناسُ ولا جربوا ... للهم شيئاً مثلها مدفعا حرف الغين قال الشاعر: صفراء تُطرق في الزجاج فإن سرت ... في الجسم هبَّت هبَّ صِلٍّ لادغ خفيت على شرابها فكأنما ... يجدون رِياً في إناءٍ فارغِ حرف الفاء قال أبو نواس: ومدامة تحيا النفوس بها ... جلت مآثرها عن الوصفِ قد عُتِّقت في دنها حقباً ... حتى إذا آلت إلى النصف سلبوا قناع الدنِّ عن رمقٍ ... حيِّ الحياة، مشارف الحتف فتنفست في البيت إذ مزجت ... كتنفس الريحان في الأنف من كف ساقيةٍ مقرطقةٍ ... ناهيك من حسن ومن ظرفِ نظرت بعيني جؤذرٍ خرقٍ ... وتلفتت بسوالف الخشفِ فشربت من يدها ومن فمها ... ورشفت منه أطيب الرشف قالت وقد جعلت تمايلُ لي ... كتمايل الماشي على الدف وجهي إذا أقبلت يشفع لي ... وبلاءُ قلبك حسنُ ما خلفي وقال علي بن وكيع: أما ترى الليل كيف قد خَرِفا ... وستر نور الصباح قد كشفا وأقبل الفجر في عساكره ... وظل والي الظلام قد صُرفا فقم بنا نصطبح مشعشعةً ... تُشرِّدُ الهمِّ أينما ثقفا إذا علت في اللبيب سورتها ... أنكر من حكمه الذي عرفا كأنها في الكئوس إذ جُليت ... من عسجدٍ رقَّ لونُهُ وصفا أغضبها الماءُ حين خالطها ... فأزبدت في كئوسها أنفا در حبابٍ يود مبصره ... لو كان يوماً لأُذنه شنفا وإن سرت والظلام معتكرٌ ... كان من الشمس نورُها خلفا

стр. 145

مع رشإٍ تمَّ في ملاحته ... تخاله من رشاقةٍ ألفا يهزُّ قلبي اهتزازه حذراً ... أخاف ينقدّ من رشاقةٍ ألفا يهز قلبي اهتزازه حذراً ... أخاف ينقد قدُّه قصفا يزينه في قوامه هَيَفٌ ... خادع قلبي على النهى فهفا خاف احتراقاً بنار وجنته ... عذاره حين ظل منعطفا لا أشرب الراح حين تحضرني ... حسبي خمرٌ بطرفِهِ وكفا وقال تميم: وساقٍ يدير على إلفه ... لهيباً من النار في كفه عُقاراً كخديه محمرها ... وإسكارها كظبا طرفه تحملت من حبه فوق ما ... تحمل خصراهمن ردفه وصيرت نُقلي على كاسه ... شِفاءَ شفاهي في رشفهِ وقال ابن المعتز: عاطِ المدامة إخواناً تُسرُّ بهم ... فما لهذين إن فاتاك من خلفِ وسامح القوم، واشرب ما سقوك فإن ... سقوك صرفاً فقد قالوا لك انصرف وقال: وندمان سقيت الراح صرفاً ... وأُفق الليل مرتفع السجوف صفت وصفت زجاجتها فجاءت ... كمعني دقَّ في ذهنٍ لطيفِ وقال: بشَّر بالصبح طائرٌ هتفا ... مستعلياً للجدار مشترفا مذكرا بالصبوح صاح بنا ... كخاطبٍ فوق منبرٍ هتفا صفَّق إما ارتياحه لسنا الفجر وإما على الدجى أسفا فاشرب عُقاراً كأنها قبسٌ ... قد سبك الدهرُ تبرها فصفا يدمى لِثامُ الإبريق من دمها ... كأنه راعفٌ وما رعفا وقال: بنفسي مستسلمٌ للرُّقاد ... يكلمني السُّكرُ من طرفه سريعٌ إلى الأرض من جنبه ... بطيءٌ إلى الكأس من كفه قال تميم: هزني للصبوح صبحٌ تبدى ... من خلال الدجى كغرة طرف ونسيمٌ مُضَمَّخٌ بعبير الروض يُحيي من الخمار ويشفي خذلته القوى وحركه الحرُّ بلين من الهواءِ ولُطفُ هو برد على جوى كل قلبٍ ... وعبيرٌ يفوح في كل أنفِ كلما هبَّ هبَّ فينا نشاطٌ ... وارتياح لكل عزفٍ وقصفِ [و] كأن الهلال في الغرب يحكي ... متوفىً دعا به المتوفي وكأن السحاب إذ نثر القطر محبٌ يبكي على بين إلفِ فأديرا المدام صرفاً وإلاَّ ... فاسقياني إن شئتما غير صرفِ في كئوسٍ تكاد تخطئها الأعين لحظاً من رِقّةِ المستشف وقال كشاجم: بات يعاطيني على حسنه ... خمراً بعينيه ومن كفه وكان فيما بين دار بها ... أدنيت خلخاليه من شنفه وقال: ألا سقِّنيها قد مشى الصبح في الدجى ... عقاراً كلون النار حمراء قرقفا فناولني كأساً أضاءَت بنانه ... تدفق ياقوتاً ودراً مجوفا ولما أريناها المزاج تسعرت ... فخلت سناها بارقاً قد تكشفا يطوف بها ساقٍ من الإنس شادنٌ ... يقلب طرفاً فاتر اللحظ مُدنفا عليمٌ بألحاظ المحبين حاذقٌ ... بتسليم عينيه إذا ما تخوفا فظل يناجيني بتقليب طرفه ... بأطيب من نجوى الضمير وألطفا وقال: سقى الله نهر الكرخ ما شاء ديمةً ... فإني بها حتى الممات مُكلفُ منازل لهوٍ لا " كجرّ سويقةٍ ... وعرفان " لا زالت بها الجن تعزف تدور علينا الراح من كف شادن ... له لحظ عينٍ يشتكي السقم مُدنفُ كأن سُلاف الخمر من ماءِ خده ... وعنقودها من شعره الجعد يُقطفُ أتعذلني في يوسف وهو من ترى ... ويوسف أبلاني ويوسف يوسُف وقال الخليع: ونديم حلو الشمائل كالدينار محض الخدود عذب مصفى لم أزل بالخداع منّي أفديه وقد قام مائلاً يتكفى قلت عبد العزيز يا بأبي أنت، فلبى، فقلت: لبيك ألفا هاكها قال: هاتها قلت: خذها ... فثنى كفه إليها وأغفى وقال ابن وكيع:
следующие страницы →