← Адаб

Адаб · id 672

قطب السرور في أوصاف الأنبذة والخمور

الرقيق القيرواني

Полный текст (163 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

كم من مضيعٍ لذةً قد أمكنت ... لغدٍ، وليس غدٌ له بمواتي حتى إذا فاتت وفات طلابُها ... ذهبت عليه نفسه حسراتِ ابن المعتز: ألا فاسقياني قبل أغبرَ مظلمٍ ... بعيدٍ من الخِلاَّنِ من هو نازلُهْ رأيت الفتى إن مات يورث مالُهُ ... وتنكح أزواجاً سواد حلائله ذران أنعم في الحياة معيشتي ... وآكل مالي قبل من هو آكلهْ محمد بن أُمية: أما ترى اليوم قد رقَّت حواشيهِ ... وقد دعاك إلى اللذات داعيهِ وجاد بالقطر حتى خلتَ أن له ... إلفاً نآه فما ينفك يبكيه فبادِر اللهو واغنم طيبَ ساعته ... فإن للدجن ديناً يَقتضِنِيهِ وقال آخر: اعصِ من لامكَ في الشُّرب تعِش عيشاً لذيذاً ليس من عمرك يومٌ ... لم تذق فيه نبيذا وقال آخر: ومن عَرَفَ الأيام لم يغترر بها ... وباكَرَ باللذات قبل العوائقِ بحمراءَ قبل المزج، صفراء بعده ... أتت بين ثوبي نرجسٍ وشقائقَ حكت وجنة المعشوق صرفاً فسلَّطوا ... عليها شعاعاً فاكتست لون عاشِقِ عبد الوهاب: كن عن العَذلِ ذا صَمَمْ ... وانف عن نفسِك النَّدم واقطع الدهر بالسرو ... ر على رغم من رغم فالذي تتقي وترجوه قد خطَّهُ القلمْ ذكر ما جاء في المنادَمَة قالوا: اشتقاقُ النديم من النَّدم لأنه يُندم على فراقه، وقد فخر امرؤ القيس مع شرفه وملكه فقال: ونادمت " قيصر " في ملكِهِ ... فأوجهني وركبت البريدا وقالت الخِرنِق بنت بدر التغلبية ترثي بشرَ بن عمرو زوجها وبنيها، وكانت العرب لا ترثي إلاَّ بأفضل الأشياءِ وأرفعها: فكم بعُلاه من أوصالِ خرقٍ ... أخي ثقةٍ وجمجمةٍ فليق ندامى للملوك إذا لقوهم ... حُبوا وسُقوا بكاسات الرحيقِ وقوالوا: لسان الملك كاتبه، ووجهه حاجبه، وجليسه كلّه، وقالوا: إذا وليت عملاً فانظر من كاتبك، فإنما يعلم مقدارك من بعد عنك بكاتبك، وأنظر حاجبك، فإنما يقضي عليك الوفود قبل الوصول إليك بحاجبك، واستكرم نديمك وجليسك، فإنما يزنك الداخل عليك بمثقال من يراه معك، وقال رسول الله (ص) : المرءُ على دين خليله فلينظر أحدٌ من يخالِل. وقال طرفة: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرينٍ بالمقارنِ مقتدي وفاخر كاتبٌ نديماً، فقال الكاتب: أنا معونة وأنت مئونة، وأنا للجد وأنت للهزل، وأنا للشدة وأنت للذَّة، وأنا للحرب وأنت للسلم، فقال النديم: أنا للنعمة وأنت للخدمة، وأنا للحضرة وأنت للمهنة، تقوم وأنا جالس، وتحتشم وأنا مؤانس، تدأب لراحتي وتشقى لما فيه سعادتي، وأنا شريك وأنت مُعين، كما أنك تابع وأنا قرين. وقال بعضهم في فضل النديم: أرى للكأس حقاً لا أراه ... لغير الكأْس إلا للنديم هو القطب الذي دارت عليه ... رحى اللذات في الزمن القديم ولم تفتتح أبيات في مدحِ نديمٍ بأحسن مما ابتدأ به أبو مسهرٍ الطائي: وندمانٍ يزيد الكأس طيباً ... سَقيْتُ وقد تغوَّرتِ النجومُ رفعت برأسه وكشفت عنه ... بمعرفةٍ ملامة من يلومُ فلما أن تنشَّا قام خرق ... من الفتيان مختلقٌ هضيم إلى وجناء ناجيةٍ فكاست ... وهي العرقوب منها والصميم فأشبع شربه وجرى عليهم ... بإبريقين كأسهما ردُوم تراها في الإناء لها حميّا ... كُميتاً مثل ما فقع الأديمُ فنشرب ما شربنا ثم نصحو ... وليس بجانبي أحدٍ كُلُوم فبتنا بين ذاك وبين مسكٍ ... فيا عجباً لعيشٍ لو يدوم نطوِّف ما نطوِّف ثم يأوي ... ذوو الإكثار منا والعديمُ إلى حفرٍ أسافلهن جوفٌ ... وأعلاهنَّ صُفاحٌ مُقيمُ

стр. 72

معنى قوله: فنشرب ما شربنا، البيت، وصفهم بطهارة الأخلاق وأنه لا يخرج أحدٌ منهم إلى أن يطلق يده، ولا لسانه على جليسه، وهذا حسن وأمدح من قول حسان: نوليها الملامة إن ألِمنا ... إذا ما كان مغث أو لِحاءُ وللعطوي أشعار كثيرة في النِّدام كلُّها مختارة، فمنها قوله: يقولون قبل الدار جارٌ موافق ... وقبل الطريق النهج أُنسُ رفيقِ فقلت وندمان الفتى قبل كأسِه ... فما حثَّ كأسَ المرءِ مثل صديقِ وقال أيضاً: ما حثَّ كأسك كالصديق الوامِقِ ... ونفى همومك كالشراب العاتِقش الكأسُ والندمان أحسن منظراً ... من كل ملتف الحدائق رائِقِ فإذا جمعت صفاءَها وصفاءَه ... فاقذف بكل ملَّمةٍ من حالِقِ ومثله قول الآخر: ورضيع راضعت في كبر السنِّ أخاً لديَّ مُطاعا لم يكن بيننا رِضاعٌ ولكن ... صيَّرت بيننا الكئوس رِضاعا قالوا: وليس أحد من أصحاب الملوك ولا من خلطائهم هو أولى باجتماع محاسِنِ الأخلاق وأفاضل الآداب وطرائف الملح وغرائب النتف من النديم، حتى إنه يحتاج أن تكون فيه أشياء متضادة، فيكون فيه مع شرف الملوك تواضعُ العبيد، ومع عفاف النسَّاك، مجون الفُتَّا، ومع وقار الشيوخ مزاح الأحداث وكل واحدةٍ من هذه الخلال هو مضطر إليها في حالٍ لا يحسن أن يُخِلَّ بها، ووقتٍ لا يسعه العدول فيه عنها، وإلى أن يجتمع له من قوة الخاطر ما يفهم به ضمير الرئيس الذي ينادمه على حسب ما يتلوه من خلائقه، ويعلم من معاني لحظه وإشارته ما يغنيه عن تكلف عبارته فيسبقه إلى إرادته ويبدُرُهُ إلى شهوته كما قال بعض الكتاب: ونديم حلو الحديث يجاريك بما تشتهيه في ميدانِك ألمعيٌّ كأنَّ قلبَكَ في أضلاعه أو كلامه بلسانِك وكما قيل: إن غلاماً كان يحضر مجلس الواثق، قائماً برسم نديم، وكان صغير السنّ، فلم يكن لهذه العلة، يُلحقه في الجلوس بمراتب الشيوخ والأكابر، وكان مع ذلك قد أُذن له في المفاوضة معهم في كل ما يخوضون فيه، والتكلم بما اعتلج في صدره، من مثلٍ سائرٍ، أو بيتٍ نادرٍ، وحديثٍ ممتعٍ وجواب مُسرعٍ، فقال الواثق: وكان من شدة الشهوة للطعام على الحال المشهورة، ما تختارون في النقل؟ فبعض قالوا: نبات، وقال بعض: رمّان، وقال بعض: تفاح، وقال بعض: قصب سكر في ماء ورد، ويعضٌ تناعص فقال: ملح يعطى تحففاً بمذاههب النبيذيين، فقال: ما صنعتم شيئاً، فما تقول أنت يا غلام، فقال: خشكنانِك مُتَنَّر، فوافق بذلك إرادته وأصاب به ما كان في نفسه، فقال له: أصبت وأحسنت، اجلس بارك الله عليك، فكان ذلك أول جلوسه. وكما فعل بعض ندماء بشر بن مروان بحسن قريحته ولطف حيلته، وكان عبد الملك بن مروان ولَّى بشراً الكوفة ووجَّه معه روح بن زنباع الجذامي وقال له: يا بنيَّ، روحٌ عمُّك، فلا تقطع أمراً دونه لصدقه وعفافه ومحبته لنا أهل البيت، وقال لروح أخرج مع ابن أخيك فخرج معه حتى قدم الكوفة، وكان بشرٌ أديباً ظريفاً أريباً يحب الشعر والسَّمر والسَّماع والنِّدام، فراقب روحاً، واحتشم منه وقال لندمانه: أخاف أن يكتب هذا إلى أبي بأخبارنا فيقبل منه، وإني لأُحب من الأُنس والاجتماع ما يحبه الشباب، ولكني أجتنب ذلك لمكانه، فضمن له بعض ندمائه أن يكفيه أمره، ويردَّه إلى عبد الملك، من غير سخط ولا لائمة، فسرَّ بذلك ووعده المكافأة عليه بأعظم الحِباء، وكان روحٌ غيوراً، إذا خرج من منزله أقفله ثم ختمه بخاتمه حتى يعود إليه فيفضّه بيده، فأخذ الفتى دواةً وقلماً ثم أتى باب روحٍ ممسياً فقعد بالقرب منه مستخفياً، وخرج روحٌ للصلاة، فتوصل الفتى إلى أن دخل الدهليز وكمَنَ تحت درجةٍ فيه، وعاد روحٌ ففتح الباب ثم أغلقه على نفسه ودخل، فعمد الفتى إلى الحائط فكتب في أقرب المواضع من مَمَرِّ روح: يا روح من لُبنَيَّاتٍ وأرملةٍ ... إذا نعاك لأهلِ المشرقِ الناعي إن ابن مروان قد حانت منيَّتُهُ ... فاحتل لنفسِك يا روح بن زنباع ولا يغرك أمرٌ قد ظفرت به ... واسمع هُديت مقال الناصح الداعي

стр. 73

ثم رجع إلى مكانه من الدهليز فبات به، فلما أصبح روحٌ خرج في الغلس للصلاة ومعه غلمانه فاختلط الفتى في جملتهم، فلما عاد روح وأسفر الصبح تأمل الكتاب وقرأه فراعه وأنكره، وقال: ما هذا، والله ما يدخل حجرتي إنسيٌ سواي، ولاحظَّ لي بالمقام بالعراق، ثم نهض من ساعته فدخل على بشر فقال له: يا ابن أخي وصِّني بما أحببت من حجةٍ أو سببٍ عند أمير المؤمنين فقال: ولِمَ يا عم، هل سمعت شيئاً كرهته، أو رأيت أمراً أنكرته فلم يسعك المقام معه، فقال: لا والله بل جزاك الله عن نفسك وعن سلطانك خيراً، ولكن، أمرٌ حدثَ لا بدَّ من الشخوص له، فأقسم عليه أن يخبره، فقال: إن أمير المؤمنين قد مات، أو هو ميتٌ إلى أيام، فقال له بشر: ومن أين علمت ذلك؟ فأخبره بخبر الكتاب، وقال: ليس يدخل أحدٌ حجرتي غيري وغير جاريتي فلانة فمن كتب ذلك إلاَّ الجنّ أو الملائكة، فقال له بشر: أقم، فأرجو ألاَّ يكون لهذا حقيقة، فلم يثنه ذلك عن الخروج، فسار إلى الشام، وأقبل بشرٌ على الشراب واللهو والطرب، فلما وافى روحٌ عبد الملك أنكر أمره، قال: ما أقدمك، الحادثة حدثت على بشر، أم لأمر كرهته، فشكر حسن سيرته، ووصف سلامته في نفسه، وقال: بل جئتُ لأمرٍ لا يمكنني ذكره حتى تخلو، فقال عبد الملك لمن حضر: إذا شئتم، وخلا بروحٍ فأخبره بقصته، وأنشده الأبيتات، فضحك عبد الملك حتى استغرب، وقال: ثقلت على بشرٍ وأصحابه حتى احتالوا لك ما رأيت فلا تُرع لذلك، ووفى بشر لنديمه بما وعده وأجزل جائزته. وكان محمد بن يزيد المبرِّد يقول: لم أرَ في أهل زماننا من الرؤساء وأصحاب السلطان أشدَّ رغبةً في الأدب ولا في مواظبةٍ عليه ومحبة له من محمد بن عبد الله بن طاهر والفتح بن خاقان، فأما الفتح فبلغ من شهوته للأدب أنه كان يذهب من مجلس المتوكل إلى علماء المذهب فيغنم زمان تلك الخلوة اليسيرة فلا يقطع مسيره بادئاً ولا راجعاً إلا بالنظر في كتاب، فعلمت أنه لم يكن لينال تلك المنزلة في النِّدام إلا بهذه القريحة، وأما العبث والمزاح، فله من المنادم موقع لطيف وموضع خصيص إذا تبين النديم منه نشاطاً لذلك. وقال قائل للمأمون: أيأذن أمير المؤمنين في المداعبة، فقال: وهل العيش إلا فيها. واجتمع على مائدة أبو عيسى بن الرشيد وطاهر بن الحسين، فأخذ أبو عيسى ورقة من الهندباء فغمسها في الخل وضرب بها عين طاهر الصحيحة، فغضب طاهر وقال: يا أمير المؤمنين، إحدى عينيَّ ذاهبة والأخرى على يديْ عدل، ويُفعلُ في هذا بين يديك، فقال: يا أبا الطيب: إنه والله ليعبث معي أكثر من هذا العبث فاضحك له. وروي عن إسحق الموصلي أنه قال: مكثت أيام الرشيد أغدو إلى هشام ووكيع فأسمع منهما وآتي إلى عاتكة بنت شهدة فتطارحني صوتين، ثم إلى زلزل فيلقي عليَّ من الضروب طريقين، ثم أوجِّه إلى الأصمعي وأبي عبيدة فلا يزالان عندي إلى الظهر، ثم أروح إلى أمير المؤمنين. وقال إبراهيم بن المدبر لمحمد بن يزيد المبرِّد: أُحبُّ أن تنظر لي جليساً يجتمع مع إيناسي ومنادمتي، فناديت ولدي فبعث إليه علي بن سليمان النحوي، وكتب إليه معه هذا: أنفذت إليك أعزَّك الله فلاناً وجملة أمره كما قال الشاعر: إذا زرتُ الملوكَ فإنَّ حسبي ... شفيعاً عندهم أن يخبروني ومما يزيد النديم في المحل تقدماً، وعند نفسه تمكناً أن يكون عالماً. وقيل لأعرابي: كم تشرب من النبيذ، قال: على قدر النديم، وقالوا: من شرط المنادمة قلة الخلاف، والمعاملة بالإنصاف، وترك الجواب، والمسامحة في الشراب، وإسقاط التحيَّات واجتناب اقتراح الأصوات وإدمان الرضى واطراح ما مضى وإحضار ما تيسر، وأكل ما حضر وستر العيب وحفظ الغيب. ومن صفات الندامى قول أبي عبد الرحمن العطوي: اخطب لكاسِك ندماناً تسرُّ به ... أولا فنادم عليها حكمة الكتب اخطبه حراً كريماً ذا محافظة ... يرى نِدامَكها من أقرب النسب فإن لم يكن حلبَ الأيام أشطرَها ... وقومته وراضته يد الأدبِ فقد ملأتَ به كفيك من رجل ... يرعى ذمامك رعيَ الواصل الحَدِب وقال أيضاً: جَدِّدا مجلساً لعهد الشباب واسقياني على الهوى والتصابي في كهولٍ إذا استدرت حمَّيا الكأس لم ينطقوا بغير الصواب

стр. 74

نظروا في الكلام والنحو والشعر فهم حجَّة على الألباب وإذا ما هفا النديم أقالوه ... وردوا الأحلام دون الوثاب وقال آخر: وما خير ندمانٍ صموتٍ كأنما ... يدور عليه الكأس وهو كئيبُ إذا ما نفوس القوم طابت فنفسه ... أبت، لا تراها عند ذاك تطيبُ وقال آخر: لا تشرب الراح إلا مع أخي ثقةٍ ... إن سيل أعطى، وإن غنَّيته طَرِبا تزيده الكأسحلماً، والغنا طرباً ... والسكرُ تقوى، وما سقيته شُربا فاشدد يديك عليه، إن ظفرت به ... واكثر مودته، لا تكثر الذَّهبا وقال ابن المعتز: وما أنا للندمان في الشرب مكرهاً ... على الكأس، يأبا [ها] ، ولا قائلاً هُجرا وإن ردَّ فضلاً في الإناء شربتُه ... ولم أسقِهِ كَرهاً لأصرعه سكرا أُفديه أحياناً بنفسي ووالدي ... وأجعل ما يهوى لما رابه سِترا وإن نام لم يوقظ، وإن قام لم يُرَع ... وإن قال لي: يا صاح، لبيته عشرا أرى ذلك حقاً للنديم، وإنني ... لأحفظه سِراً، وأحفظه جهرا وقال آخر: وبالشام فاطلبني إذا ما فقدتني ... وداوِ همومي بالتي تطرد الهَما وفتيان صدقٍ لا ضغائن بينهم ... إذا شربوا زادهم شربُها حلما إذا جلسوا، جاؤوا بكلِّ غريبةٍ ... فيزداد بعض القوم من بعضهم علما وقال أبو عبد الرحمن العطوي: حقوق الكأسِ والندمان خمس ... فأولها التزيُّن بالوَقارِ وثانيها مسامحةُ الندامى ... فكم حَمَت السماحةُ من ذِمارِ وثالثها، ولو كنت ابن خيرِ البرية محتداً، تركُ الفخارِ ورابعها وللندمان حقٌّ ... سوى حقَّ القرابة والجوارِ إذا حدثته، فاكسُ الحديث الذي يصغي له، ثوبَ اختصارِ فما حُثَّ النبيذُ بمثل حسن الأغاني والأحاديث القصارِ وخامسةٌ يدُلُّ بها أخوها ... على كرم الخليقةِ والنِّجار حديثُ الأمسِ ننساهُ جميعاً ... فإن الذنب فيه للعقار ألم تر أن شرب الراحِ صِرفاً ... ومزجاً بالصغارِ وبالكبارِ يرد الشيخ ذا الستين غِراً ... غلاماً، ما يُفيق من الخُمار فمن حكمت كأسك فيه فاحكم ... له بإقالة عند العثارِ وقال آخر: لعهدي بالنبيذ وشاربيه ... إذا شربوا زادهُم سكونا وحيَّا بعضُهم بعضاً عليه ... ولم يُلفوا عليه مُعربدينا فما بال النبيذ أحال عهدي ... وأورث من يعاقره جنونا أم الندماء قد رَذَلوا فليسوا ... كما كان النَّدامى الأولونا وقال العطوي: طيب النديم يفوق طيبَ الرَّاحِ ... ويحثُّ شاربها على الأقداحِ تصفوا الزجاجة بالنديم إذا صفا ... ويكدِّرُ النَّدمان صفو الراحِ وفي مراضعة الكأس يقول بعضهم، وقيل إنه لابن الزيَّات: اذكر أبا جعفرٍ حقاً أَمُتُّ به ... إني وإياكَ مشغوفان بالأدبِ وأننا ضد رضعنا الكأس درَّتها ... والكأس درَتَها أولى من النسب وقال آخر: ونديمٍ نادمتُ في كِبَرِ السِّنِّ فأضحى [فيه] أخاً لي مُطاعا لم يكن بيننا رضاع ولكن ... ولدت بيننا المُدامُ رضاعا وقال آخر: ألم تعلمي يا سلم أني موكَّلٌ ... بما سرَّ ندماني في العُسر واليُسرِ وإني لم أبسط لساني ولا يدي ... لوجه نديمي حين خالطني سُكري وقال آخر: وندامى تفردوا بالرحيق ... واصلوا من صبوحِها بالغَبُوقِ كلما دارت الكئوس عليهم ... ملكوا للعلوم كلَّ طريق وتعاطوا على المُدام حديثاً ... مونِقَ النصِّ مُحكَمَ التنميقِ سبقوا كل سابقٍ للمعالي ... واستبدوا بكل فهمٍ دقيق

стр. 75

فهم بين لذةٍ كجَنَى اللثمِ وشِعرٍ كلذةِ التعنيقِ وقال آخر: ولي أملٌ بعيدٌ ليس أثثني ... على شيءٍ سواه وهو سُوْلي أخٌ يلقي نحفظه إذا ما ... خلت بشمائلي شيَمُ الشَّمولِ فأما هيبة نديم السلطان فإنه يلزمه أن يحضر في الزي الذي يُعرف به من غير أن يتفضل أو يشتهر، فإن شاء الرئيس أن يغيِّر زيَّهُ بشيءٍ من ثيابه حَسُن أن يلبس ذلك في وقته حتى ينقضي المجلس ولم يَحْسُن أن يظهر به في مجلسٍ ثانٍ لأنه شيءٌ اختاره الرئيس في شاعةِ طربِهِ وتبذُّلهِ لا في كلِّ أوقاته. وأما العمامة والخفّ فلا يُخَلُّ بهما، وإنما الغرض في ذلك إجلال السلطان عن مشاركته فيما اتسع له من التبذل، وتخيُّر الزِّي الذي لا يثقل عليه، والانفراد به عمَّن هو دونه، وهذا إنما سلك به مسلك الأعاجم، وكانوا قد رسموا لكل طبقةٍ من طبقات أهل مملكتهم برسمٍ من الزِّي ليتميزوا، ولا يتشبه سوقةٌ بملكٍ ولا دنيء بشريف ولا تابع برئيس. ومما يأخذ به نفسه الإسراع في الخطو إذا كان يراه الرئيس، ولهذا، وما أشبهه صار نِدامُ الرؤساء أنعَمَ وأترف، وإن كان ندامُ العظماء أجلَّ وأشرف. وخُبِّرت عن الطبقة العالية من ندامى الخلفاء الماضين أنهم كانوا يجتمعون في منزل أحدهم، فإذا مشى بعضهم في ذلك الموضع مشى مسرعاً وسُئل أحدهم عن السبب في ذلك فذكر أنه إنما يفعله في كل موضعٍ، وإن كان لا يلزمه إلاَّ في موضع الخلافة حذراً من أن يخل بالعادة فينساها في موضعها، وهذه رياضةٌ حسنةٌ، ومما يلزمه أيضاً أن يتحفظ منه ويروض نفسه به، أن لا يصبِّحه ولا يُمسيه ولا يشتمه ولا يستخبره، وإنما ترك ذلك كله لما فيه من تكلف الجواب. وليس من حق ذي الرياسة والسلطان إذا تبين لنديمه منه لينُ الخلوة [و] وِطاء الكتف وخلع ثوب الكبر، أن يستعمل معه من الدالة ما يُنقصه به حقَّ الرئاسة ويقدح في سلطانه. وقالوا: ينبغي لمن خُصَّ بالسلطان أن يكون آنسَ ما يكون به وأوحش ما يكون منه. وقال عبد الله بن جعفر: من أعظم الخَرَق الدالة على السلطان والوثبة قبل الإمكان. وبينما المأمون ينادم إبراهيم بن المهدي، بعد رضاه عنه، وتعمده ما كان منه، تبيَّن منه دالة أذكرته ما تقدم من ذنبه فنهض وأمر بإقراره ومن كان معه على حالتهم، ثم صار إلى مجلسِ جده وتزيَّا بِزِّيِ الخلافة، واستوى على سريره وأذن للجيوش في السَّوادِ والأسلحة، ومُدَّ السماطان وشهرت السيوف، ثم أحضر إبراهيم مغتبقاً مَعْسوفاً، فلما مَثَل بين يديه أطرق عنه مَلياً، ثم رفع طرفه وإبراهيم يُرعد، فقال: يا إبراهيم، من حملك على ما كان، فقال: قد سبق [من] عهد أمير المؤمنين ما لا أخاف عليه التغيير، واعتذر بعذرٍ قبله منه، وردَّه إلى مكانه، وعاد المأمون من وقته إلى مجلس النَّدام. وكان يزيد بن معاوية ينادم الأخطل النصراني. وهجا الأخطل النصرانيُّ الأنصار كثيراً اعتدَّ به على بني أُمية في قوله: بني أُميَّة، قد ناضلتُ دونكُمُ ... أبناء قومٍ، هُمُ، آووا، وهم نَصَروا فأجازه، وكان يُسوي بينه وبينه في أكثر المواضع من مجلسه. وحُكي عن الشريد من كرم المجالسة وحسن البرِّ والمؤانسة ما يجاوز هذا كله وهو أن الفَزازي قال: دخلت عليه بالرقة، ولم يكن معنا ثالث، فتحادثنا ملياً ثم أومأ إلى خادم له فجاء بطبق كبير مغطى بمنديل فوضعه بين يديه فاستخرج من تحت المنديل رطبةً فأكلها ثم استخرج أُخرى فأومأ بها نحوي، فقمت وتناولتها وقبَّلتُ يده وأكلتها، ثم رفع المنديل ولم أرَ في الطبق شيئاً، فقال: أُهدي لنا من العراق هاتانِ الرُّطبتان ولاتَ حينَ الرُّطب، قال: فعلمت أنه أمر بتغطيته لئلا أرى ما فيه فأمتنع من الأكل. وقد رأينا جماعة من جلَّة الرؤساءِ يَتَبدلون أتباعهم ويمتهنونهم من الخدمة فيما يرفعون عن مثله بعض مماليكهم، فإذا خلوا معهم للعشرة والمنادمة استوت بهم العشرة وأوسعوهم من البرِّ والتكرمة حتى إنهم ربما خدموهم أو أخدموهم فلا يقدح ذلك في رئاستهم ولا يحطّ من منزلتهم بل يسترقُّ لهم قلوبهم وتخلص به نياتهم. قال الشاعر: وإني لعبد الضيف ما دام ثاوياً ... وما فيَّ إلا تلك من شيم العبد وقال العطوي: نبيذان في مجلس واحد ... لإيثار مُثرٍ على مُعسرِ

стр. 76

فلو كنت تفعل ذا في الطَّعا ... م لزمت قياسَك في المسكرِ وكان بعض الكرماءِ يأخذ نفسه بإحضار الدَّنِّ بطينه وينصبه بحيث يراه إخوانه ومنادموه فتُملأ منه الآنية بين أيديهم حتى يتبينوا أن الشراب واحد لا خلط فيه. ومن أكثر الإنصاف في هذا أن يُفرد كل نديم بآلته ومزاجه ويُحكمه على نفسه ويُقلده سقيها على حسب طاقته واحتماله إلا أن من كان غير متسع في الآلة والآنية، فما أعجزه وتعذر عليه منها، فإن العدل في السقي يُمكنه ولا يُعجزه، ويستحسن لأبي نواسٍ قوله: ولست بمستعفٍ من السكر صاحياً ... إذا كان يهوى أن أصير إلى السكر ولكنني أسعى إلى السكر واثقاً ... بما فيه إت أخطأت من سعةِ الصدر فأما طلب الحاجة على النبيذ، فقبيح بالنديم أن يستميح رئيسه على سكره ويُرى ذلك منه يجري مجرى الخديعة ويدخل في باب الحيلة. وكان بعض الأجواد لا يُعطي على الشراب شيئاً حتى يصحو إشفاقاً أن يقال أن السكر جرَّأه على ذلك. فأما إن عدل عن المسألة لنفسه واستماح لغيره فإن ذلك يدخل في باب حسن المحضر، وإذا رفعت الضرورة إلى المسألة فالأحسن في ذلك أن يتوخى له في الأحاديث والمعاريض ما يتدرج السؤال في أثنائِه على ألطف ما يمكن في ذلك وأقربه من النادرة والفكاهة، كما فعل المفضل الضبِّي، وقد رأيت المهدي فلم يزل يحدثه ويناشده حتى جرى ذكر حمَّاد الراوية، فقال له المهدي: ما فعل عياله؟ من أين يعيشون؟ قال: من ليلةٍ مثل هذه كانت له مع الوليد بن يزيد. ذكر عدد الندامى وكثرتهم وقلتهم فأمَّا كثرة عدد الشَّرب وقِلتهم فإنهم يسمّون الإثنين مِنشاراً ويكرهونهما، وكأن الثلاثة أتمُّ مجلساً، لأن الإثنين ينهض أحدُهما لبعض شأنه فيبقى الآخر واجماً منفرداً، فتعرض له الفِكر إذ لم يكن لجليسه من يخلفه في مؤانسته، وليس كذلك أمر الثلاثة، وعندي أن الأربعة أحسن لأن أحد الثلاثة إذا اشتغل الإثنان بحديث لم يعرف الثالث ابتداءه وسببه، احتشم، لا محالة، فمقت نفسه كما قال الشاعر: خِلاَّنِ لي أَمرُهما عجيبُ ... كلاهُما لِخلِهِ حبيبُ ما لي من نجواُهما نصيبُ ... كأنني بينهما غريبُ والأربعة متكافئون وهم أركان المجلس وفيهم [قال] الراجز: إذا عددت صاحبي ونفسي فنحن والشربُ معاً كالنفس وفي الأربعة يقول بعض الكتاب: ثلاثة منحتهم صفائي كأنهم كواكب الجوزاءِ فأراد ثلاثة هو رابعهم. وقال آخر في الثثة: إخالك تدعونا إذا ما دعوتنا ... دعاء يهود مُسْنتين على نهرِ فلا خير في الندمان إلاَّ ثلاثة ... سواء كأمثالِ الأثافي من القدرِ ولمنصور الفقيه إلى بعض إخوانه في ذكر الخمسة: ثم ادعُ منّا خمسةً ... مُتخيرين ولا تزدْ فَدُوَيْنَ هذا وحشةٌ ... وفوَيقَهُ سوقُ الأحدْ وقال آخر في وصفه الندامى من وحدٍ إلى سبعةٍ: إن المعاقر كأسه متفرداً ... من صحبه نكِسٌ لئيمٌ أرجَسُ واثنان يشتد النِّدام عليهما ... وثلاثةٌ بهم يطيبُ المجلسُ ولقد يلَذُّ حديث أربعةٍ لهم ... فيطيبُ مجلسُهم معاً والأنفسُ والغاية القصوى أراها، خمسة ... في دورهم نفسٌ لمن يتنفسُ فإذا هم كثروا فصاروا ستةً ... عطشوا لِحبسِ الكاس [إماّ تُحْبَسُ] وإذا تجمع سبعة في مجلسٍ ... سنحت لهم دون السعود الأنحسُ فظللتَ في سوق المِراء معسكراً ... وترى حلومهم بجهل تُخلسُ وكان رجل من جِلَّةِ الكتاب إذا أصاب أهلَ بلدِهِ شدةٌ رفع الحُوَّارَى عن خُوانه وأكل الكُشكار، ورأى أن يساويهم في أكثر ما يقدرون عليه إذ لم يمكن أن يَعُمَّهم، وهذه مكرمة سبق إليها السابق بالخيرات أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رض) فإنه عامَ الرَّمادة لم يذق لحماً ولا سمناً حتى أحيا الناس، وإنماكان غذاؤه الخبز والزيت حتى وصف لونَهُ بالأُدمة من كان يصفه بالبياض. وذمَّ رجل رجلاً فقال: أَمّا فلانٌ فدعواته ولائم وأقداحه محاجم.

стр. 77

وقال إسحق الموصلي وذكر النُّدماء: الواحد غمٌّ، والإثنان همّ، وثلاثةٌ قِوامٌ، وأربعةٌ تمامٌ، وخمسةٌ زحامٌ، وسبعةٌ جيشٌ لُهام. وأنشد البريدي: وخير الندامى ستَّة من ذوي الحِجى فخمسة إخوانٍ وآخرُ مُسمعُ ويبقى لديهم جاهل ومعربدٌ ... ومبدٍ لأسرار الندامى مُضيِّعُ وقال دعبل، ورويت للفرزدق: إذا ما جاوز الندماء كَفِّي ... بربِّ البيت والساقي الأديبِ فأيري في حِرِ أُمِّ فتىً دعانا ... وأيري في حِرِ أمِّ فتىً مُجيبِ وقال محمد بن أحمد الكاتب: ثلاثةٌ في مجلسٍ طيِّب ... وصاحب المنزل والضاربُ فإن تجاوزتَ إلى ستةٍ ... أتاك منهم شغب شاغِبُ وقال ابن الطليق الثقفي: ولا خير في الندمان إلا ثلاثةٌ ... سواءٌ كأمثال الأثافيّ في القدر فإن كان فيهم رابعٌ كان مُسمِعاً ... يُسلي بأصوات له شجنَ الصدر ذكر ما جاء في طيِّ بساط النبيذ أول من قال ذلك المأمون. قال: النبيذ بساط فإذا رُفع طُوي بما كان عليه. أخذه بعض الشعراء فقال: إذا رفع النبيذ فليس حزماً ... إعادة ما يكون على النبيذِ إعادة ما يكون من السكارى ... ينغِّصُ لذَّة العيش اللذيذِ وكان المأمون قد نقل معلمه أبا محمد اليزيدي إلى حضور مجلس الأُنس والمنادمة فقال المأمون، في بعض حديثه، سداد من عَوَز، فقال له اليزيدي، أخطأت، إنما ياقل: هاهنا سِدادٌ من عوز، ومنه قول العرجي: أضاعوني وأيَّ فتىً أضاعوا ... ليومِ كريهةٍ وسدادِ ثغرِ فقال له: مقبولٌ منك يا أبا محمد، فلما انصرف وصحا من سكره كتب إليه معتذراً: أنا المذنب الخطَّاءُ والعفو زاسع ... ولو لم يكن ذنب لما عُرف العفوُ سكرتُ فأبدت منِّي [الكأسُ] بعض ما ... كرِهتَ، وما إن يستوي السكرُ والصحوُ ولا سيما إذ كنتُ عند خليفةٍ ... وفي مجلسٍ ما إن يجوز به اللغوُ فإن تعفُ عنِّي ألفِ خطوي واسعاً ... وإلا يكن عفوٌ، فقد قَصُرَ الخطوُ فوقع عليه: يا أبا محمد، النبيذ بساط يطوى بما كان عليه، ولا يُنشر، ويُنسى ما كان منه ولا يذكر، فأخذ هذا القول الناشئ فقال: إنما مجلس الندامى بساطٌ ... للأحاديث بينهم بسطوهُ فإذا ما انقضى الشراب وقاموا ... لانصرافٍ من فوقهِ رفعوهُ وشرب مع يحيى بن جعفر بعضُ ندمائه فلما سَكِر كلَّمه كلاماً جفا عليه، فلما صحا ندم، وكتب إليه: سيدي أنت إن تعاظم ذنبي ... فاعف عنِّي فأنت للعفو أهلُ لا تؤاخذ بما جنته يدُ السُّكرِ فتى ما له على الصحوِ عقلُ فوقع إليه: عذرك مبسوطٌ، واللوم عنك محطوط، وحقُّ ما جرى على النبيذ أن يغفر ويُستر وينسى فلا يذكر. وكان الحسين بن الضحاك الخليع ينادم المعتصم، فغضب عليه في شيءٍ جرى على النبيذ أحجبه أياماً فكتب إليه: غضب الإمام أشد من أدبهْ ... وبه استجرتُ وعذتُ من غضبه لا والذي لم يُبق لي سبباً ... أرجو النجاة به سوى سببه ما لي شفيع غير رحمته ولكلِّ من أشفى على عطبه فلما قرئت عليه، التفت إلى الواثق فقال: إن هذا الكلام ليعطف الكرام، لقد زال ما بنفسي عليه، ورضي عنه وأمر بإحضاره. وكان ابن جوار، كاتب العباس بن أحمد بن طولون، ينادم أبا حفصٍ الشطرنجي، فنقل ما يجري في مجلسه إلى العباس، فكتب إليه أبو حفص: إنما مجلس النبيذ مجلس أنسٍ ومسرح لبانة وذائدُهم ومرتع لهوٍ ومعهد سرورٍ وموطن لذَّة، فإذا انقضى طُويَ ما كان فيه ولم يذكر ما دعت إليه دواعيه، ثم قال: ولقد قلت للأخلاءِ يوماً ... قول ساعٍ بالنصح لو قبِلوه إنما مجلس النبيذ بساطٌ ... للمودَّات بينهم وضعوه فإذا ما انتهوا إلى ما أرادوا ... من نعيمٍ ولذةٍ رفعوه

стр. 78

وشرب كوران المغني عند الشريف الموسوي فافتقد رداءه فلما أصبح قال: سُرِقَ ردائي، فقال له الشريف: يا سبحان الله، ما مَعَنا من يُتَّهَم، أو ما علمت أن النبيذ بساط يطوى بما عليه، فقال كوران: انشروا بساطكم حتى أجد ردائي، ثم اطووه إلى يوم القيامة. وشرب الرشيد يوماً وإبراهيم الموصلي يغنه: إلى أن أخذ الشراب من إبراهيم فكلَّم الرشيد كلاماً أغضبه ثم استيقظ إبراهيم لذلك فغناه: ما لعبدٍ أذلهُ مولاه ... ما له شافعٌ إليه سواه يشتكي ما به إليه وخشاه ويرجوه مثل ما يخشاه فقال له: لِيَفْرُخْ رَوْعُك، يا إبراهيم فإنا لا نؤاخذ بما يجري على النبيذ من الزَّللْ واستعادَه فيه مراراً، وأمر له عند انصرافه بصلةٍ سنيَّة. باب الإكثار والإقلال من الشرب الناس في هذا الباب مختلفون، وعلى قدر طبائِعهم متباينون، لأن التركيب والمزاج والقوة والضعف أمرٌ لا يتساوون فيه، فليس من العدل بين المتنادمين أن يُكلفَ القويُّ على الشرب من ضَعُفَ عنه أن يشرب كشربه بل يشرب كل امرئٍ بقدر طاقته، واحتمال مزاجه. قال: ومما يغلط فيه أكثر المتنادمين وجمهور المتعاقرين، افتتاح الشرب بالقدح الصغير، والترقي منه إلى الكبير، وهم [أجدر] بالابتداء بالكبير، في حال جُمامِهم، وحاجتهم إلى هضم طعامهم، وإحماء مجلسهم، حتى إذا ترنحوا وانتشوا كانوا بالنزول إلى الصغير أولى، وبالأبقاء على عقولهم أحرى. وربما لم يكن غناؤهم ممتعاً فيُعفى تعجيلهم الطرب على تقصيره، ويغطي ارتياحهم على معايبه. ولو صادفهم على غير تلك الحال للحقهم الفتور وقل نشاطهم للكبير. فأما الإكثار والإقلال فليس النديم فيهما مختاراً. وقال أبو نواس: الكرم ثلاثة عناقيد، عنقود التذاذ وعنقود سكرٍ وعنقود عربدة. قال كشاجم: قلت لبعض النبيذيين، هذا أميركم وكبيركم أبو نواس يقول: سألت أخي أبا عيسى ... وجبريل له عقلُ فقلت: الراح تعجبني ... فقال: كثيرها قتلُ فقلت له: فبيِّن لي ... فقال: وقوله فَصْلُ وجدت طبائع الإنسان أربعة هي الأصل فأربعة لأربعةٍ ... لكل طبيعةٍ رطلُ يعني جبريل بن بختيشوع، فاقتدِ به في هذا القول، فقال: إنه لم يعترف لنا أن هذا رأيه، وإنَّما حكى عن الطبيب، أنه أشار عليه، وسكوته عن الجواب يدل على أنه لم يرض الابتداء، فأما الرئيس ذو الملك والأمر النافذ فلو كان السكر حلالاً لا اختلاف فيه لكان عليه حراماً لا اختلاف فيه لأن بادرته إلى نفسه وغيره لا تستقال، وأمره لا يراجع ولأنه يَقهر ولا يُقهر، فتقع منه الجناية العظيمة التي تُلحقه الندامة وتلبسه العار والمسبة. الصولي قال: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: كنا عند الحسن بن وهب وبنانٌ تغنِّيه، فابتدأ الحسن يسكر من أول شربه، فقلنا له ذلك، فجذب الدواة وكتب: من كان لا يزعمني عاشقاً ... أحضرتهأوضَحَ برهان إني على رَطلينِ أُسقاهُما ... أروح في أثواب سكران وكنت لا أسكر من سبعةٍ ... يتبعها رطل ورطلان فصار لي من، سكرات الهوى ... والراح؛ سكران عجيبان قال الأعشى: ولقد شربت ثمانياً وثمانياً ... وثمان عشرة واثنتين وأربعا وقال الفرزدق: أسقني خمساً وخمساً ... وثلاثاً واثنتينِ من عقارٍ كدم الجَوْفِ بحرّ الكلبتين واسقِ هذين ثلاثين يروحا فرِحين وقالت الأطباء على الجملة، لا خير في الإكثار من النبيذ لأن الإكثار منه مضرَّة، وكما أن الإقلال منه منفعة وكل ما كان بقدر الحاجة إليه فهو محمود. وقال اليزيدي: ألا قل لإخوان المدام تسمعوا ... فإن كلامَ النُّصح يوعى ويُسمعُ ثلاثة أرطالٍ لدى اللُّب مقْنعٌ ... وفي أربعٍ أُنسٌ له وتمتعُ وقال أبو تمام: شربُ المدام على الطعام ثلاثة ... فيها الشفاءُ وصحة الأبدانِ تمري الطعام وتبتلى بمسرةٍ ... وتزيل كلَّ الهم والأحزانِ واحذر هُديت كثيره فكثيرُهُ ... سَرْجٌ عليك لموكب الشيطان

стр. 79

وقالت الفلاسفة: من أحب ألا يسكر سريعاً فلا ينبغي أن يمتلئ من الطعام جداً ولا يأكل الحلاوة، بل يأكل من ثريدة دسمة ومن اللحم أكلاً معتدلاً، ومما يُعين على الشراب والاستكثار منه أكلُ الكرنبية والقُنّبيطيَّة والعدسية ويتنقل بحماض الأُترج والأشياء المملوحة، ومما يعجل صحو السكران أن يسقى خلاًّ بماءٍ بارد ويجرَّع من لبن رائب شديد الحموضة ويصبُّ على رأسه خل خمر ودهن ورد وشم الكافور والصندل وماء الورد ويضع أطرافه في ماء حار وإن كانت في معدته بقية شراب فليتقيأ ويطعم لُقماً من ماء الحصرم والعدس والكرنب، وقال بعض الكتاب: غادِنا بالمُدام غُرَّة يوم السبت إني أُحب فيه المُداما وأدِرها عليَّ في الأحد المقبل إني نذرت ذاك اغتناما وأطعني في السكر يومَ الثُّلاثا ... واعصِ فيه امرءاً على السُّكر لاما واقطع الأربعاءِ تنفي [بها] النَّحسَ [لئلا] يكون يومُك عاما والخميس الخميسُ أنيسٌ ... فابتسم بالمدام فيه ابتساما وأصبحني من المُدامة في الجمعة تجمع بها سروراً تماما إنما القادر العظيم تعالى ... جدَّه يغفر الذنوب العظاما وقد تقدمن أبو نواس في ذكر هذه الأيام ومواصلتها تقدماً لا يسبق فيه وقد مضت قصيدته الدالية في هذا. ذكر ما جاء في الصبوح لم يُرو أن أحداً من الملوك والسراة المتقدمين والجلة الأولين والآخرين حث على التغليس بالطعام ولا اللِّباس ولا شيء مما يلتذونه غير الشراب فإنهم رأوا الجاشرية وهي شرب السحر عُنماً حاضراً والصبوح حظاً وافراً وأقروا بذلك، واستظرفوا أصحابه ونسبوا مستعمله إلى المروءة ووصفوه بالمروءة، قال شاعرهم: وأبيض، لا وانٍ، ولا واهنُ القوى ... سقيتُ، إذا أُولى العصافير غَنَّتِ وقال آخر: قم فاسقني قبل أصوات العصافير ... أما ترى الصبح ق نادى بتنوير وقال إسحق الموصلي: خليليَّ هيَّا، نصطبح بسواد ... ونَروِ قلوباً هامُهنَّ صَوادِ وقد استقصينا كثيراً مما قيل في الصبوح عند ذكرنا الأشعار التي أوردناها على حروف المعجم في آخر هذا الكتاب. وسأل قيصر ملك الروم قُسَّ بن ساعدة الإيادي: ما أصلح أوقات الشراب، قال: أول النهار، ألا ترى الدواء يبكر به والمسافر يدلج لحاجته، لأن العقول أول النهار أذكى والفِطن أصح. قال والبة بن الحباب: قم يا نديمي ق قضيت لبانةً ... من طول ليلِك في رقادك فاقعُدِ وتداوَ من مرض الخمار بشربه ... تنفي الخُمار وإن بدا لك فارقدِ قال: الصبوح، فقلت: هعات، فقال: خذ منِّ، فقلت: أبتْ تطاوعني يدي فرددت منه الروح فيه بشربةٍ ... درياقةٍ تشفي سليم الأسود وقال آخر: اشرب الراحَ على روحِ السِّحرْ ... وأرِح قلبَكَ من حوكِ الفِكرْ واسقينا قهوةً مشمولة ... ليس للهمِّ لديها مُستقَرٌّ حاجة الروح فإن قضيتها ... فنجاح الأمر يُرجى في البُكرْ أي شيءٍ حسنٍ لم تَرَهُ ... في عروس القُفص تُجلى في القمر وهي عذراءُ ولمَّا تُفتَرع ... عذرة العذراء في مثل السحر واغتنم فيه الهواءَ المُرتدي ... برداءِ الصفوِ من قبل الكدر وارتضع في السَّحرِ الأكبر ما ... ما يترك العَيْنَ من الهمِّ أثَر وقال كُشاجِم: هذا الصباحُ فما الذي ... بصبوح صحبك تنتظرْ خذ من زمانك ما صفا ... ودَع الذي فيه الكَدَرْ فالعمر يقصر عن معاتبة الزمان على الغيرْ وقال: ألذُّ العيشِ إتيان القبيح ... وعصيان النصيحة والنصيح وإصغاءٌ إلى وترٍ ونايٍ ... إذا ناحا على دنٍّ جريح غداةَ دُجنةٍ زطفاء تبكي ... إلى ضحك من الزَّهَر المليح وكان عبد الله بن المعتز ربما كَرِهَ الصبوح فكتب إليه النميري: قبَّح الله شرب كل نبيذٍ ... يُتوخى في وقت شُرب التجار إنما يشربُ الملوك مع الفجر وفي الروح قبل نصف النهار

стр. 80

قد تأذت بنا الشياطين والجنُّ جميعاً وصالح العُمَّار ودعوا ربَّهم علينا وقد أمن أيضاً غلمانُ هذي الدار حيث يحيا ليلُ التمامِ إلى الصبح ويهوي في ساعةِ الانتشار وشُربُ الصَّبوح سمِّي بطلوع الصُّبح، وكل شرب في أول النهار قبل انتصافه فهو صبوح، وإنما أكثر الشعراء في الصَّبوح دون غيره من أوقات الشرب وحَثوا عليه ليسبقوا من يعذلهم قبل أن يعدُو عليهم لأن من شأن العاذِل أن يعدو على من يريد عذله على ما فعل في أمسه لأن ذلك في وقت صحوِهِ وإفاقته من سكره فيعظه عن معاودة مثله ويقرِّعه بزَلَّةٍ إن كانت منه في سُكره، فاستعملوا مسابقة عُذَّالهم بمباكرة صبوحهم في الجاهلية والإسلام. وقال طرفة بن العبد: ولولا ثلاث هُنَّ من لذةِ الفتى ... وجدِّك لم أحفل متى قام عُوَّدي فمنهن سبقي العاذلات بشربةٍ ... كُمَيتٍ متى ما تُعلَ بالماء تُزيدِ وقال القطاميُّ: أفِرُّ أصبحتُ من كل عاذلٍ ... وأُمسي وقد هانت علي العواذلُ وقال ابن الرُّقيات: بكر العواذل في الصباح يلُمنَني وألومُهُنهْ ويقُلن شيبٌ قد عَلاكَ وقد كبرت فقلتُ إنَّهْ إنه: بمعنى نَعَم وقال كشاجم: إذا ما اصطبحت وعندي الكباب وكان الطباهج في جانبي وكانت رياحيننا غضة ... وصفراء من صنعةِ الراهب فليس الخليفة في ملكه ... بأنعم مني ومن صاحبي وقد استحسن أكثرهم الصبوح على الرياض المونقة والأزهار المشرقة والصباح المغيِّم. قال الصنوبري: يومُ دَجنٍ فما انتظاري ويومُ الدَّجن يومٌ إلى القلوب حبيبُ ولزهر الرياض ضحكٌ وللغيم بكاءٌ على الثرى ونحيبُ فالصبوحُ، الصبوحَ، يا سيد النَّاس فمستعملُ الصبوح مصيبُ وقال أبو عبد الرحمن العطوي: قبَّح الله أولَ الناس سَنَّ الشُّرب ظهراً ماذا أتى من خَسارِ مجلس مُونقٌ وكأس وندمانٌ وتأخيرها إلى الأظهارِ نكتةٌ في السرور بادية الشَّيْنِ لأهل العقول والأبصار إن شرب المدام سيرٌ إلى اللهو وخير المسير صدرَ النهار ما رأينا الكواكب الصبح شكلاً ... كنديم مساعِدٍ وعُقار وغناءٍ يفتُّ في عضدِ الحُلم ... ويزرى على النهار الوقار وأحاديث في خلال الأغاني ... كابتسام الرياض غِبَّ القطار وقال عبد الله بن المعتز: لي صاحب قد لامني وزادا في تركي الصبوح ثم عادا قال: ألا تشرب في النهارِ وفي ضياء الفجر والأسحار إذا وشى بالليل صبح فافتضح وذكر الطائر شجوٌ فصدحْ والنجم في حوض الغروب واردُ والفجر في إثر الظلام طاردُ ونفض الليلُ على الأرض النَّدا وحركت أغصانه ريح الصَّبا وقد بدت فوق الهلال كرَتُهْ كهامة الأسود شابت لِحيته فحسَّن الدار ببعض نورِهِ والليل قد رقَّع من سُتورِهِ أما ترى البستان كيف نورا ونشر المنثور بُرداً أصفرا وضحك الورد إلى الشقائِق واغتبق القطر اغتباق وامق في روضةٍ كحلل العَروسِ وخُرَّمٍ كهامة الطاووس وياسمين في ذُرا الأغصان منتظماً كقطع العِقيان والسَّرو مثل قُضُب الزبرجدِ قد استمد الماء من تربٍ نَدِ على رياض وثرى ثَرِيِّ وجدول كالبَرَد المَجلِيِّ وفَرَّخَ الخشخاش جيباً وفتق كأنه مصاحِفٌ بيضُ الورق أو مثل أقداحٍ من البلورِ كأنما تجسمت من نور وبعضه عُريان من أثوابهِ قد خجل البائس من أصحابهِ تبصره بعد انتشار الورد مثل الدبابيس بأيدي الجندِ والسوسنُ الآزرُ منشور الحِللْ كغصن قد مسَّهُ بعض البللْ وقد بدت فيه ثمار الكنكرِ كأنها جماجم من عنبرِ وجلنارٍ كاحمرار الخدِّ أو مثل أعراف ديوك الهندِ والأُقحوان كالثنايا الغُرِّ قد صقلت أنيابه بقطرِ قل لي أهذا حسنٌ بالليل ويلي مما تشتهي وعَولي بتْ عندنا حتى إذا الصبح سَفَر كأنه جدول ماءٍ ينفجر

стр. 81

قمنا إلى زادٍ لنا مُعَدِّ وقهوةٍ صرَّاعة للجِدِّ كأنما حبابها المنشور كواكب في فلكٍ تدور ومسمعٍ يلعب بالأوتارِ أرقّ من نائحة القماري ذكر ما جاء في ذمِّ الصبوح قال عمرو بن بحر الجاحظ: سمعت أبا الفاتك قاضيي الفتيان يقول: أنهاكم عن الصَّبوح فإنه لا يصلح إلاَّ لملك مهيب قد كفاه ما وراء بابه، وزراؤه وأعوانه، فإذا اصطبح وأقبل على لهوه ولذته لم يلمه على ذلك لائم، ولا عذله فيه عاذل، وليكن صبوحه أيضاً: وقتٌ بعد أوقات، فإنه إن أدمنه شغله عن النظر في أمور مملكته ولم يأمن سوءَ عاقبته، فأما من دونه من خدمه وطائفته وبطانته فليجتنبه بالجملة، فإنه قد يعرض للملك حاجة إليه وهو على تلك الحال فربَّما كان في ذلك تلف مهجته وذهاب نعمته، فأما دون هؤلاء من أوساط الناس والتجار وأشكالهم والصناع بأيديهم وأمثالهم فإنه مفسدة لأحوالهم، مشغلة عن قوام معايشهم وما يعود بمصالحهم إلا أن يكون في الفلقة والندرة، أو في يوم غيمٍ مطبقٍ وسماءٍ تهطل وزلقٍ ولثقٍ يمنع من التصرف ويقطع عن قضاء الحاجة. وأما الصَّبوح على هذا الوجه فغلط لا معنى له لما يحدث فيه من الآفات وما يجلبه من الهموم التي لا يفي بصغيرها كثير سروره، ولا يقوم محبوبه بدفع محذوره، أول ذلك تفاوت الندماءِ في اجتماعهم للحاجة فتعرض لأحدهم فلا يجد بداً من النظر في قضائها، فإن انتظروه بطعامهم أفسدوه، فإن أكلوا وشربوا دونه، فإذا جاء طلب ما يأكل، فربَّما لم يحضر وقُدِّم إليه طعام لا يوافقه فلم يستوف منه ما يُذهب به عادية الشراب، ثم بادروا إلى سقيه ما فاته حتى يلحق بهم، فإن كان مساعداً شرب ما لا يطيقه وربما ألفى منه ما أكله، وكان شربه مما يحرق كبده ويطيل كمده، وإن كان حَرِجاً متبرماً صار إلى المحاربة، ووقع القوم في قيل وقال حتى ربَّما خرج الأمر إلى العربدة، وقلَّ صبوح سلِمَ أهله من عربدة، ولا بد أن يرقد القاعد ويقوم الراقد فإذا استيقظ النائم طلب معاودة الطعام فلم يتفق له، وإن وجده وانتبه آخر طلب أيضاً طعاماً فيحصل صاحب المنزل وأهله في الحركة والاضطراب، ومقاساة أليم العذاب، ومع منام من نام وبسكر من يسكر، ذهابُ النقل بسرقة الغلمان ونقل الصبيان وشربهم بالصغار والكبار، ةربما ثقل الغلام يده بالجرة الملأى، أو المنتصفة، وربما مدَّ يدَهُ إلى المنديل والأُشنانة والشيء الخفيف الذي يمكنه أخذه. فإن نام المولى وأراد بعضهم المسير إلى منزله منعه الغلام، وحال بينه وبين ثوبه أو خُفِّه أو نعله، وقال: لا أدعك حتى ينتبه مولاي، لأني أخاف سطوته، وقوله: هلاَّ حبسته حتى ينتبه، فيشتم مولاه فإن غلب عليه [و] خلاَّه كان في خروجه الفضيحة، وقال الناس: لعن الله من أخرجه من منزله على مثل هذه الحال، ولم يعرف ما يجب لضيفه عليه، ولا رعى حقه، وفي خلال ذلك التعرِّي في الدار ومغازلة الخادم والتكشف للبول حيث لا ينبغي مع قلة التحفظ من النجاسة وترك الصلوات وإضاعة المفروضات وشعث الشعور ووسخ الجلود وغير ذلك من الآفات التي يطول ذكرها.

стр. 82

وأما الوجه الآخر، فإن أراد ندماؤكم الانصراف فلا تمنعوهم من ذلك ولا تحبسوهم للمبيت، واحذروا ذلك غاية الحذر، فإنن آفات المبيت أعظم ضرراً مما ذكرنا منن آفات الصبوح لأنه قد يكون في القوم الخفيف المنام، السريع القيام فيفرّ عنه نومُه، ويحتاج إلى المؤانسة فيقيم من يطيب له النوم ويشتد عليه القيام، ويمتنع منه الكلام، فإن ساعده بعضهم، احتاج إلى تجديد المجلس وطلب الطعام، ولعل ذلك يتعذَّر على العيال في جوف الليل فلم يكونوا أعدُّوا منه عُدة، ولو كان معداً، لقد كان في إيقاد السِّراج، وإيقاظ النيام، وإحضار الطعام والشراب أشدّ الإبرام. وإن كان في القوم دبَّابٌ عند إطفاء السِّراج ونزول الظلام. وقد بيَّت على الغلام فأخطأه وأصاب المولى وبعض الندماء، فيا لك من رفسةٍ ولكمةٍ ولطمةٍ وجدع أُذن بكدمةٍ، فإن احتيج إلى إشعال السراج لينظروا من الفاعل ولم يكن في الدار نار وفتح الباب وخرج الغلام ورافق ذلك مرورُ الحرس فقُبض عليه وحُبس فإن أَحسُّوا بهيمنة العربدة، كسروا الباب ودخلوا الدار وولَّد ذلك أكثر مما كانوا فيه وكانت الفضيحة بين الجيران وثقل المغرم لأعوان السلطان، وإن سلموا من هذا كلّه وانتبهوا عند الصباح، طلبوا الرؤوس وعرفوا بالصبوح، ووصلوه بالغبوق، فحلَّ على صاحب المنزل يوم ودعوتان في دعوة، واتصل نصبُه وطال تعبه. وآفات هذا الباب كثيرة، ولو استقصيتها لكم لطال بها الخطاب. والذي أُوصيكم به أن يجوِّدوا نبيذكم ما استطعتم وإن قلَّ طعامكم وتعذَّر، فإن مسافة الطعام قصيرة قليلة، ومسافة الشراب كثيرة طويلة، فإنكم إذا اهتممتم للفتيان في الطعام، وأتيتموهم بالحار والبارد من الجداء والحملان والسمك والدجاج والبط والدُّرَّاج والحلو والحامض ثم قدَّمتم إليهم شراباً غير طيب، نغَّصتم عليهم جميع ما أكلوه عندكم، ولو عظم إنفاقكم عليه ولو أتيتموهم بكل غريب من النقل والريحان والطِّيب والأدهان لما أصلح ذلك كله خسار شرابكم. فإن غبت تشاكوا، وإن حضرت كانت غاية أحدهم حبس كأسه في يده وإن غفل الساقي عنه كبه في ذلك الريحان فيدعي أحدهم مغساً في جوفه، وآخر صداعاً برأسه، وآخر يقول في نفسه ليتني اعتذرت ولم أكن جئت، وأنتم إذا قدَّمتم اليسير من الطعام الذي لا كلفة فيه عليكم وجودتم شرابكم حُمدت دعوتكم ولذَّت معاشرتكم وسَرَّت منادمتكم وعرف موقعها، فأحسنوا التدبير في جودة النبيذ، فإنه من أفضل ما تحوطون به أنفسكم وتحفظون به مروءاتكم وفقكم الله وسدَّدَكم. وقال ابن المعتز في ذم الصبوح: اِسمع فإني للصَّبوح عائبُ عنديَ من أخباره عجائبُ إذا أردت الشرب عند الفجرِ والنجم في لجة ليلٍ يجري وكان بردٌ بالنسيم يرتَعِدْ وريقُهُ على الثنايا قد جَمَدْ وللغلام ضجرة وهَمْهمة وشتمة في صدره مُجمجمة يمشي بلا رجلٍ من النُّعاسِ ويدفق الكأسَ على الجُلاَّسِ ويلعن المولى إذا دعاهُ ووجههُ، إن جاءَ، في قفاه فإن أحسَّ من نديمٍ صوتاً قال مجيباً: طعنةً وموتا أعجل من مسواكهِ وزينتهْ وهيئة تظهر حسن صورتِهِ وإن يكن للقوم ساقٍ يُعشقُ فجفنه بجَفنه مُرَنَّقُ ورأسهُ كمثل فروٍ قد مُطِرْ وصدغهُ كالصولجان المنكسِرْ فإن طردتَ البردَ بالسُّتورِ وجئت بالكانونِ والبخورِ فأي فضلٍ للصبوحِ يعرفُ على الغبوقِ والظلام مُسدفُ ولو دَسَسْت في استِ محمومٍ لما نجوت من قُرادٍ إما صَمَّما تحسب في رياحه الشمائل صوارماُ ترسب في المفاصل وقد نسيت شررَ الكانونِ كأنه نثار ياسمينِ يرمي بها الجمر إلى الأحداقِ فإن وَنَى قرطسَ في الآماق وترك البساط بعد الخمدِ بنقطٍ سودٍ كجلد الفهدِ وقطَعَ المجلس في اكتئابِ وذكر حَرْقِ النار للثياب ولم يزل للقوم شغلاً شاغلاً وأصبحت ثيابهم مناخِلا حتى إذا ما ارتفعت شمس الضحى قيل فلان وفلانٌ قد صحا وربما كان ثقيلاً يحتشِمْ فطوَّلَ الكلام حيناً وجَشَم ورفِعَ الرَّيحان والنبيذ وزال عنا عيشنا اللذيذ ولست في طول النهار آمناً

стр. 83

من حادثٍ لم يك قبل كائنا أو خبرٍ يكرَهُ أو كتابِ يقطع طيبَ اللهوِ والشراب واسمع إلى مثالب الصبوحِ في الصيف قبل الطائر الصدوح حين حلا النوم وطاب المضجعُ وانكسر الحرُّ ولذَّ المهجَعُ وانهزم البق وكن رتَّعا على الدماء وارداتٍ شُرَّعا من بعد ما قد أكل الأجسادا وطيرت عن الورى الرقادا فقرب الزاد إلى نيامِ ألسنهم ثقيلة الكلام من بعد أن دبَّ عليه النملُ وحيةٌ، تقذف سُمًّا، صلُّ وعقرب ممدودة قتالة وجُعلٌ، وفارة، بوَّالة وللمغني عارضٌ في حَلقِهِ ونفسه قد قدحت في حذقِهِ وإن أردت الشُّرب بعد الفجر والصبح قد سَلَّ سيوفَ الحرِّ فساعةٌ ثم تجيءُ الدامغة بنارها فلا تسوغ سائغة ويسخن الشراب والمزاجُ ويكثر الخلاف والضجاجُ من معشرٍ قد جرعوا الحَمِيما وطعموا من زادهم سمُوما وغيمت أنفاسُهم أقدحهم وعذبت أبدانهم أرواحهم وأولعوا بالحكِّ والتفركِ وعصب الآباط مثل المرتكِ وصار ريحانهُمُ كالقَتِّ فكلُّهم لكلِّهمْ ذو مَقْتِ وبعضهم يمشي بلا رجلينِ ويأخذ الكأس بلا يدين وبعضهم عند ارتفاع الشمسِ يحسُّ جوعاً مؤلماً للنفسِ فإن أسرّ ما به تهوسا ولم يُطق من ضعفه تنفُّسا وطاف في أصداغه الصُّداعُ ولم يكن بمثلِهِ انتفاع وكثرت حدَّتُهُ وضجره وصار كالحمى يطير شررُه وهم بالعربدة الوحيَّة وصرف الطاسات والتحيَّة وظهرت شِرَّتُهُ في خُلقِهْ ومات كل صاحب من فَرَقِهْ فإن دعا الشقيُّ للطعام خيَّط جفنيه على المنام وكلما جاءت صلاة واجبة فسا عليها فتوَّلت هاربة فكدَّر العيش بيوم أبلقِ أقطارُهُ بلهوهِ لا تلتقي ومن أدام للشقاءِ هذا من عله والتذَّه التذاذا لم يلفَ إلا دَنِسَ الأثوابِ مُهَوَّساً، مُهَوَّس الأصحاب يزداد سُهداً وضنى وسُقما ولا تراه، الدهر، إلا فَدْما ذا شاربٍ وظُفرٍ طويلِ ينغصُ الزادعلى الأكيلِ وعينه محمرة الآماقِ وأُذنه كجفنة الدَّقاقِ وجسد عليه جلدٌ من وسخ كأنما أشربَ نفطاً أو لَطَخ تخال تحت إبطه إذا عَرِقْ لحية قاضٍ قد نجا من الغَرَقْ وريقه كمثلِ طوقٍ من أَدَمْ وليس من ترك السؤال يحتشِمْ في صدره من واكفٍ وقاطِرِ كأثرِ الذَّرْقِ على الكنادِرِ هذا لنا وما تركت أكثرُ فجربوا ما قلتُهُ وفَكِّروا ذكر ما جاء في التداعي يروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: من دخل على غير دعوةً دخل سارقاً، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله. وعنه " ص " أنه قال: إذا دُعيَ أحدكم فجاء مع رسولٍ فإن ذلك له إذنٌ. ودعا رجل عليَّ بن أبي طالب " رض " إلى طعامٍ فقال: نأتيك على ألاَّ تتكلف لنا ما ليس عندك، ولا تدَّخِر عنا ما عندك. وكان يقول: شرٌ الإخوان من تُكُلِّفَ له. وقال ابن عباس (رض) : من نقل قدمه إلي فله الفضل عليَّ، وكان بعضهم يقول: بليَّةٌ تضني البدنن؛ رسولٌ بطيء، وسراج لا يضيء، وانتظار من لا يجيء. وقال ابن عباس (رض) : دعاني رجل إلى وليمة يوم جمعة، فبكَّرت إلى المسجد، فلم أنصرف إلى العشيِّ، فلقيني الرجل فقال: عصَيْتَ الله في هذا اليوم ثلاث مرات؛ قال الله : إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله، فسعيت قبل النداء، وقال: إذا قُضيت الصلاة فانتشروا في الأرض، فتركت الانتشار إلى العشي، ووعدتني فأخلفت، فلم يكن لي جواب إلاَّ أن قلتُ: لا أعود. وكتب العدوي إلى صديق له: كنتَ المُعَزِّي بفقدي ... وعِشْتَ ما عِشت بعدي أَهدي إليَّ أخٌ لي ... سُلَيْلَ مِسْكٍ وورد أرقَّ من دمع صَبٍّ ... يشكو صبابة وجدِ فاخلع عليَّ سروراً ... بكونك اليوم عندي وكتب محمد بن عبد الله بن طاهر إلى صديق له:

стр. 84

صباحٌ مطيرٌ، ووجهٌ نَضيرُ ... وقدرٌ تفور، وكأسٌ تدورُ وبيني وبينك ما قد علمت ... ببيتٍ يَسُرُّ وشعرٍ يَسيرُ فقم نصطبح قبل فوت الزمانِ ... فإن زمان التلاقي قصير وكتب البحتري إلى المبرِّد: يوم سبتٍ، وعندنا ما كفى الحُرَّ، طعامٌ، والوردُ منّا قريبُ ولنا مجلس على النهر فيَّاح فسيحٌ، ترتاح فيه القلوبُ ودوامُ المُدام يدنيكَ مِمَّن ... كنت تهوى، وإن جفاك الحبيب فأْتِنا يا محمدُ بن يزيدٍ ... في استتارٍ كي لا يراك الرقيب تطرد الهمَّ باصطباح ثلاثٍ ... مُترَعاتٍ، تُنفي بِهِنَ الكروبُ إن في الراح راحةً من جوى الحب وقلبي إلى الأديب طَروبُ لا يرعك المشيب منِّي فإني ... ما ثناني عن التصابي المشيب إبراهيم بن إسماعيل: صباح مطيرٌ، وعيش نضيرُ ... وقدرٌ تفور، وكأس تدور وفينا مساعدة جمَّةٌ ... يتمُّ بها لي فيك السرورُ فإن كان هذا كما قد وصفت فإنَّالتفرُّقَ خطبٌ كبيرُ فقم نصطبح قبل فوت الزمان ... فإن زمان التلاقي قصير قال إسحق: وكتب إلي العباس بن جرير: لو لم يكن في الاجتماع عندنا إلاَّ طرح الحشمة، وتأكيد المودَّة، لكان كافياً، فكيف وفيها من مفارقة الأحزان ما أنت عارف والسلام. وقال آخر: اليوم يوم كتابِ ... ويوم إغلاق بابِ ويوم ناي وعودٍ ... ونرجس وشرابِ وقال آخر: يومنا طيب ولو شاء ربي ... زادني فيه باقترابك طيبا ليس يصفو إلاَّ بقربك لي عيشٌ، ومن لي بأن تكون قريبا ولعمري لو شئت زرتَ، ولو زرت، لما كان ذاك منك عجيبا وكتب ذيك الجن، إلى بعض إخوانه: لك عندي من طِّيب الورد أطباق ملاحٌ تدني بعيد سرورِكْ وشرابٌ كطِيب نشرك يلقي ... فوق أيدي السقاة نوراً كنورِك فبحقي، أهدِ السرور إلى من ... لا يلذُّ الدنيا بغير حضورك وكتب ابن مكرم إلى أبي العيناء: عندي سكباج يرغب [فيه] المحبون، وحديث يطرب المحزون، وإخوانك المحبُّون فلا تعلُ عليَّ وأأتونْ. فكتب إليه أبو العيناء: اخسأُوا فيها ولا تكلِّمون. وكتب كُشاجم إلى بعض إخوانه في يوم شك: هو يوم شكٍّ يا عليُّ وأَمرُهُ قد كان يُحذَرْ والجوُّ حُلَّتُه مُمسكةٌ ومُطرَفُهُ مُعنبرْ ولنا فضيلات تكون ليومنا قوتاً مُقدَّرْ ومدامة صفراءَ أدرك عمرَها كسرى وقيصر فانشط بنا لنَحُثَّ من كاساتنا ما كان أكبر أو لا فإنك جاهل إن قلت إنك سوف تُعْذَرْ وكتب العباس بن جرير: يومنا طاب أولُه ودجا آخرُهُ، مستقبلٌ ذو سماءٍ قد أقشعت بعد أن أروت، وأنت تُكثِّر القليل، ونشفي الغليلَ، فلا توحشنا بتخلفك عنا، ولا تستوحش بتفردك منا فإنك إن تأتنا نشكرُ وإن تخلفت عنا لا نعذر. الفضل بن جعفر: يومنا يوم رقيق الحواشي، ليِّن النواحي وأنت موضع السُّرور، ونظام العيش والحبور، فأقبل إلينا وكن جواب رقعتنا، نَسْعد بك وتسعد بنا. وكتب آخر: يومنا قد أشرق نوره، وكمل سروره، ذو سماءٍ قد هطلت، وجادت بوبلها وأسبلت، وبك تمام كل لذة، فأجمع شملنا بقربك. وكتب آخر: رؤيتك أحسن من العافية وأزين من المال والولد، وقد اشتقت إلى نِعَمِكَ العذاب، فبحف العشرة وعظيم حق الخدمة، إلا مننت برد الجواب فكنته. وكتب آخر: أنا ظمآنٌ إلى رؤيتك، صادٍ إلى تكرار الطرف في غُرَّتك، فإن رأيت أن تبرِّد غليل أخيك، وتبهج وجهه بماءِ وجهك، وتؤنس وحشته بقربك، وتؤثره على كل شغلك، وتدفع همومه بمحاضرتك. سعيد بن حميد: قد جعلك الله للشمل نظاماً، وللسرور تماماً، وجعل مشاهد الأُنس إذا خلت منك رثة المنظر، وجعلها بك محمودة الأُر، فرأيك في إيجاب المنة على أخيك، االزيارة موفقاً. علي بن عبده: الإبطاء ينتج القطيعة، وإدمان العهد ينمي المودة، وعلى حسب تشاكل الأخلاق يدوم التواصل، والحديث يبهج القلوب ويزيد في الأُنس، كما أن المنظر المُونق متنزَّه الأبصار. الصنوبري:

стр. 85

تعالَ، عندي مجلسٌ مونِقٌ ... يزيد أضعافاً على المونقِ ونرجسٌ أبلقُ والنفس لا ... تمَلُّ قرب النرجس الأبلق وكلنا من نمطٍ واحدٍ ... في الرأي والمذهب والمنطق وكتب كشاجم: عندي معتَّقة كودِّك صافية ... ونديمك الدَّمِث الرقيق الحاشية وإذا طربتَ إلى السماعِ ترنَّمت ... بيضاء زاهية تسمىَّ زاهية وتجيبها سوداء تُعمِلُ نايَها ... فتريك كافوراً يقاوم غالية ٣ف - احضُر فقد حضر السرور ولا تدع يوماً يفوتك، فهي دنيا فانية وقد آثر الظرفاء في إسقاط التصنع في هذا الباب ما هو أليق بالمؤانسة وأنفى للانقباض والحشمة، ولو لم يكن في الاحتفال من النقيصة، و [في] الاقتضاب من الفضيلة إلاَّ أن المحتفل قد ضيَّق على نفسه العذر في تقصير كان منه، والمقتضب مُغتفرٌ له ذلك، وكفى ذلك. وكتب محمد بن الحسين إلى صديق له: قم بنا نقتضب صبوحلً مليحاً ... يُسعِدُ الله فيه لي بك جَدِّي لم أُبيتْ له اعتزاماً من الليل ولا قلت كُنْ فديتك عندي فهو طيباً وموقعاً كحبيبٍ ... جاءَني زائراً على غير وَعْدِ وكان محمد بن نصر بن بسَّام يقول: قبَّح الله علياً - يعني ابنه - فما أخوفنا من هجائه، وأَنشَد قوله: خبيصةٌ تُعقد من سُكرة ... وبرمة تطبخ من قُبرَّة وليس ذا في كل أيَّامِهِ ... لكنه في الدعوة المنكرة فأما الأول فإنه يدل على ظرف الطبَّاخ، وظرف يده لأنه من مدحه أن يوصف بأنه يطبخ من الطائر ألواناً، وأما الدعوة المنكرة فإنه جعلني متصنعاً محتفلاً، ولعلَّ نعمتي وهمتي تشهدان بغير ذلك. وكان آخر لا يسرع في شيءٍ من الدعوة حتى يحضر إخوانه ويأمنَ تخلّفهم فحينئذ يأمر بإصلاح ما يقدره لمن حصل منهم، فلا يلحقُ طعامهم حتى يتصرم يومُهم وتضطرم نار الجوع في أحشائهم. وقال فيه بعضهم: خاف الضياع على شيءٍ يعجله ... من المطاعم إن إخوانُه ثقلوا فليس تعلو على الكانون برُمته ... حتى يرى أنهم في البيت قد حَصَلوا قال: حدثني من أثق به عن بعض البخلاءِ أنه دعا قوماً فابتاع لهم جدياً وأشفق أن يذبحه ولا يحضرُه كهيئة المسموط وإن تأخروا استحياه وكفله وربَّاه، وانتهى إليهم الخبر من جهةٍ لطيفةٍ فدعوه إلى منزل بعضهم واحتالوا عليه حتى ظفروا بالجدي فجاؤوه به مُنوراً، فأخجلوه، وفضحوه، وقال بعضهم فيه: ومستظهر مفرط الاحتياط ... بخيل بمذهبه مغتبطْ دعا مرَّة بعض إخوانه ... على غير عمدٍ ولكن غَلطْ فجاء بجديٍ كبعض الجداء ... أعظم من جسمِهِ جسمُ قِط فقال لغلمانهِ نَوِّروه ... على أنه أجردٌ ممتعط فإن جاء من نتقي أن يجيء ... رأى أَنَّه ذابحٌ قد سُمِط وإلا أَمِنا على جدينا ... وكان حقيقاً بأن يرتبط وليس هؤلاء بإفراطهم في الاستظهار القبيح والنظر الدقيق بأَذَمَّ ممَّن يدعى فيجيب، ويوثق منه بالوفاءِ ثم يتثاقل عن الداعي الملهوف حتى يجيعه ويجيع إخوانه وينغص عليهم يومَهم ويبرد طعامهم، ويرد غلامه، ويطيل التشوف إليه، ويوغر بذلك الصدور عليه فجزاء هذا عندي بعد الاستظهار بالحجة، وإعادة الغلام إليه بالرسالة، أن يستأثر إخوانه بالمؤاكلة متعمدين بذلك الاستخفاف به ليؤدبوه بذلك إن كانت به مسكة، وينبهوه إن كانت له فطنة. وكان بدمشق شاعران يتشاعران فكان أحدهما يكثر [الجلوس] عند الآخر، ولا يدعوه ذلك إلى منزله، فكتب إليه: أبداً تحصلُ عندي ... ثم لا أحصل عندك إن تناصفنا وإلاَّ ... بت يا طائيُّ وحدك فبلغ بعض الأدباء فقال: أرى الدعوات قد صارت قروضاً ... وأمراً في البرية مستفيضا وحالي ربما نهضت وحينا ... تضيق فلا أرى فيها نهوضا وأكره أن أجيب فتىً دعاني ... ولا أدعوه، أن أُلفى بغيضا وقال العطوي: قِدران عندي ما للمسك طعمهما ... ونشوةٌ لهما من طبخ بيضاء

стр. 86

ودرهم بين ريحانٍ ومنتقلٍ ... جهدُ المقلّ، ولا كفرٌ بنعماء وكتب بعضهم: أنا في البيت وحيد ... واشتياقيك شديد ولدينا الراح والريحان والعيش الحميد فأْتِ من يبدا بذكراك اشتياقاً ويعيد وكتب كشاجم إلى آخر وقد دعاه فتثاقل عليه: جُعلت فداءك ماذا الجفاء ... قل لي متى كنت عنِّي صبورا رددت الرسول بذلّ الحجاب ... فحجبتَ عن مرسليه السُّرورا وقد حضروا كلُّهم كالنجوم ... ولو قد رأوك لصاروا بدورا وقد أحكم الطبخَ طبَّاخُنا ... وأعجله واستتم القدورا وفاحت بمثل ثناء العفاةِ ... غداة انتحوا لِنداك الغزيرا وبُلَّ لنا الخَيْشُ في قبَّةٍ ... تعيد الشتاء وتنفي الحرورا وحبلٌ تساقَطَ قطرُ المياه ... عنه إلى الأرض دراًّ نثيرا فلو أنها نُصبت في الجحيم ... لغادرها بردُها زمهريرا وعندي ثلجٌ توهَّمتُه ... بياض أيادٍ أصابت شكورا يريك بياض ثغور القيان ... رأين برأس محبٍّ قتيرا ويعدل عن شاربيه المزاج ... ويعدل صفراءَهم أن تثورا وساقٍ أغنّ ومشمولةٌ ... غدا المسكُ من ريحها مستعيرا ومسمعةٍ تطرب السامعين ... برنَّات طفل يشوق الكبيرا وتُهدي إلى القلب زور السرور ... إذا حركت منه مثنىً وزيرا فلا تُخلِنا منك يا سيدي ... وكُنْ بالمسير إلينا جديرا ذكر ما جاء في الثقلاء قيل لبعض الحكماء: لِم صار الرجل الثقيل أثقل من الحمل الثقيل؟ قال: لأن الحمل الثقيل يشارك البدن الروح في حمله، والرجل الثقيل تنفرد الروحُ وحدها بحمله. وقال بعض الأطباء لبعض الملوك: لا تكثرن شرب الدواء فإن أثر الدواء في البدن كأثر الصابون في الثوب ينفقه ويخلقه، فإن كنت لا بدَّ فاعلاً، فاجتنب رؤية الثقلاء إذا شربته، فإن مشاهدة الثقيل حمّى الروح، قال الشاعر: شخصُك في مقلة النديم ... أثقل من رعيةٍ النجوم يا رجلاً ظلُّه علينا ... أثقل من مَنَّة اللئيم إني لأرجو بما أُلاقي ... منك خلاصاً من الجحيم وقيل: ثلاثة تشتدُّ مئونتهم: النديم المعربد، والجليس الثقيل، والمغني البارد. وقال إبراهيم النظام: إذا علم الثقيل أنه ثقيل فليس بثقيل وكان يقال: من خاف أن يثقل لم يثقل. وقال الحسن البصري: ذكر الله الثقلاء في كتابه فقال: وإذا طمعتم فانتشروا، الآية؛ وكان أبو هريرة إذا استثقل أحداً قال: اللهم اغفر له وأرحنا منه. وكان الأعمش قد نقش على خاتمه، وكان حرجاً ضيِّق الأخلاق: أبرمت فقُم، فكان إذا جلس إليه ثقيل ناوله إياه، وقال بعضهم: ونديم جليسه في سياقٍ ... ساعةٌ منه مثل يوم الفراقِ ليته مثل ما أراه يراني ... ليلاقي من الأذى ما أُلاقي ودخل أبو الهندي بيت خمار، فوجد فيه الأخطل وقد سكر فلما رأى أبا الهندي استثقله ولم يعرفه، فقال: ألا فاسقياني وانفيا عنكما القذى ... فليس القذى بالعودِ يسقط الخمرِ ولكن قذاها زائرٌ لا تريده ... رمتنا به الأقدار من حيث لا ندري فقال أبو الهندي: إن كنت ندماني أبا مالك ... فاسقِ أبا الهندي بالكُندره من قهوةٍ صهباء كرخيَّةٍ ... تأخذ بالرأس وبالحنجرة تُسكب من زقٍّ لنا مسندٍ ... أسحم رشاشٍ له قرقرة كأنما أكرعُهُ، إذ بدت، أيدي لصوصٍ، قُطعت، مُنكرة فقام إليه الأخطل فاعتنقه ورحب به، وأقاما متنادمين أياماً كثيرة. وقال أبو المستهل: مشتمل بالبغض لا تنثني ... إليه طوعاً لحظةُ الوامق يظلُّ في مجلسنا مُبغضاً ... أثقل من واشٍ على عاشقِِ وقال آخر: أيا من ضجَّت الأرض ... إلى الرحمن من ثقلِهْ ويا غضب الله على آدم من أجله

стр. 87

وما كان له ذنبٌ ... سوى أنك من نسله وجلس إلى أبي عبد الرحمن العُتبي رجل ثقيل فلم يحدِّث العتبي حديثاً إلاَّ عارضه بجهلٍ وقلة معرفة، فلما أبرمه أنشده: أما والذي نادى من الطور عبده وأنزل فرقاناً وأوحى إلى النحل لقد ولدت حواءُ فيك بليَّةً ... عليَّ أُقاسيها، وثقلاً من الثقلِ وكان رجلٌ من التجار له ولدٌ ثقيل يتقعَّر في كلامه، فجفاه أبوه استثقالاً له وتبرماً به، فاعتَّل الأبُ عِلَّة شديدة أشفى منها على الموت، فاجتمع إليه ولده وقالوا: ندعو بفلانٍ أخينا، فقال: والله هو يقتلني بكلامه، قالوا: ضد ضَمِنا ألاَّ يتكلم بشيءٍ تكرهه، فأذِن لهم، فلما دخل عليه قال: السلامُ عليك يا أبتِ، قل لا إله إلا الله وإن شئت قلتَ لا إله إلا الله، فقد قال الفرَّاء: كلاهما جائز، والأول أحبّ إليَّ، لأنه أخفهما، والله يا أبتِ ما شغلني عنك غير أبي عليٍّ، فإنه دعاني بالأمس فأهرس وأعدسَ وسبدجَ وسكبَج وزرنج وطبهج وأمصل وأمضر وأفرخ ودجج ولوزج وأفلوذج فصاح العليل: السلاحَ اسلاحَ، غمِّضوني فقد سبق ابنُ الزانية ملِكَ الموت إلى قبض روحي. وقال أحمد بن الحسين الكوفي: علامة الثقيل أنه يطيل الجلوس ويصدِّع الرؤوس ويوجس النفوس. وقال أبو العيناء: رب وحشةٍ أمتع من جليس، ووحدةٍ أنفع من أنيس. وقال الأعمش: النظر إلى الثقيل يمييت القلب ويذهل العقل ويسقم البدن. وجلس ثقيل إلى بشار فأطال فضرط بشار، فقال الثقيل لبشار: ما هذا؟ قال: وما هو، أرأيت أم سمعت؟ قال: بل سَمِعتُ صوتاً منكراً، قال: فلا تصدق حتى ترى. وقال ابن وكيع: وبغيض كتب البغض إليه من علامه لست أسطيع من المقت له ردَّ سلامه ما له عاجله الله سريعاً بحمامه وقال الأعمش: من فاتته ركعتا الفجر فليلعن الثقلاء، وكان إذا حضر مجلسه ثقيل قال: فما الفيل تحمله ميِّتاً ... بأثقل من بعض جُلاسِنا وأتى أبو حنيفة الأعمش عائداً في مرضه فقال: لولا أن أُثقل عليك أبا محمد لعُدتك في كل يوم، فقال له الأعمش: والله إنك لتثقل عليَّ وأنت في بيتك فكيف لو جئتني في كل يوم. وقال بشار: ربَّما يثقل الجليس وإن كان خفيفاً في كِفَّةِ الميزانِ ولقد قلت حين وَتَّدَ في البيت ثقيل يُربي على ثهلان كيف لا تحمل الأمانة أرض ... حملت فوقها أبا سفيان وقال حبيب بن أوس الطائي: يا من تبرمت الدنيا بطلعتِهِ ... كما تبرَّمت الأجفان بالرَّمد يمشي على الأرض مختالاً فأحسبُهُ ... من ثقل طلعته يمشي على كبدي لو أن في الخلق جزءاً من سماجته ... لم يقدم الموتُ إشفاقاً على أحدِ وقال أيضاً: وصاحبٍ لي مللتُ صحبته ... أفقدني الله شخصهُ عجلا سرقت سكينه وخاتَمَهُ ... ليقطعا بيننا فما فعلا وقال الصنوبير: أثقلُ من حُمى إذا ما بَدَت ... ترعَدُ بالنافض والصالبِ لو مَرَّ من ميل توهَّمتَهُ ... قد مرَّ بين العين والحاجب ولو مشى في جانب الأرض من ... ثقلٍ إذن مالت إلى جانب باب في أخبار الوحدة هذا باب لا يختاره إلاَّ من فقد نديماً مساعداً وخليلاً موافقاً وتبرَّم من معاشرة ثقيل ممن قدمنا ذكره في الباب الذي قبل هذا، فلزم الوحدة ضرورةً، إذ كانت أدعى إلى السلامة من مخالطة الإنسان غير شكله ونظيره ممن يُخشى بوائقه، ألا ترى قول أبي نواس، وهو أمير هذا الشأن وفارسه، يقول: خلوتُ بالرَّاحِ أُناجيها ... آخذ منها وأُعاطيها نادمتها إذ لم أجد مسعداً ... أرضاه أن يشركني فيها فهذا مما يدلك على فضل النبيذ، وأنه لم ينفرد بالنبيذ مختاراً، وإنما توجد بشربه ضرورةٌ إذ كانت أدعى إلى السلامة من مخالطة الإنسان غير شكله، ولقوله: إذ لم أجد مسعداً، أو ليس هو القائل: والراح طيبة وليس تمامُها ... إلا بطيب خلائق الجلاَّسِ وقال آخر: لما عدمت رفيقاً ... جعلت زقيّ رفيقي فتىً إذا جف ريقي ... بريقه بلَّ ريقي

стр. 88

قالوا: اتخذت صديقا ... فقلتُ: زقيّ صديقي وقال كُشاجم: إذا بدا لي من أخي ودٍّ جَنَفْ ... وراح في أثواب تيهٍ وصَلَف خلوتُ وحدي بمناجاة الصُّحف ... فكان لي فيهنَّ لهوٌ وطُرف وكن لي من كلِّ ما شئت خَلَفْ وله: إذا وجدتَ المُدام فاغْنَ بها ... عن كل من في نِدامهِ سُخُفُ فيها لنا من نِدلمه خَلَفٌ ... وليس فيه من شربها خَلَفُ فلا يُشاركَ في السرور بها ... مشاركٌ، كلُّ شِركةٍ أَسَفُ وقال آخر: لم أجد فيما تصرَّفت على الكأس كريما فشربت الكأس وحدي ثم أقصيت النديما وقال آخر: أيها اللائم الذي لام في الوحدة أقصر فقد لهجتَ بِعَذْلِ كيف لي بامرئٍ توافق روحي ... روحَهُ عند كل جدٍّ وهزلِ وقال أبو الهندي: يدي لا تعاف الكأس أُنساً بشربها ... ولكن تعاف الكأس مع دنسٍ وغد على مثلها مثلي يكون منادمي ... فإن لم أجد مثلي خلوت بها وحدي وكان أبو نواس مع استهتاره بالنبيذ ومحبته للأخوان والمنادمة كثيراً ما يستعمل الخلوة ويغيب الغيبة المنقطعة منفرداً. حكى يوسف بن الداية قال: غاب أبو نواس عن إخوانه فلم يعرفوا له خبراً، ولا وقعوا منه على أثر حتى مضت له سنة فظنوا أنه قد قتل، وبلغ ذلك الرشيد فقال والله لئن صحَّ عندي أنه قتل لأقتلن قاتله ولو كان محمداً، انظروا كلَّ من كان هجا من الناس فاكتبوا اسمه وارفعوه إليَّ، فارتجت بذلك بغداد، فلما كان على رأس الحول إذا نحن به قد وافى فقلنا يا أبا عليّ، غبت هذه الغيبة، فغممتنا، وظننا بأمرك الظنون. قال: كنتُ في موضع أرتضيه وأشتهيه، قلنا: ألم تسمع بافتقادِنا لك وقول الرشيد فيك، ولم يبق أحدٌ من إخوانه إلاَّ عَذَلَهُ وعنَّفه، فأشأ يقول: إني لفي شُغلٍ عن العاذلين ... بالراح والريحان والياسمين عند غلامٍ حسنٍ وجههُ ... قلبي حبيسٌ في هواه رهين قولي إذا صِرتُ على ظهرهِ ... كقولِ قومٍ رحلوا ظاعنين سبحان من سخَّر هذا لنا ... منه وما كنَّا له مُقرنين فلما أنشدنا قال: بحياتي من يساعدني منكم ختى أريه إياه فيعذرني أو فيحسدني، فمضى بنا إلى الموضع فإذا بغلام من أحسن الناس وجهاً، فقال له: بحياتي غنِّ، فإذا هو أحسن الناس غناءً، فقال: من يلومني أن أنقطع عن أهل الدنيا وأعتكف على هذا الوجه، وقد جُمع لي فيه كل شيءٍ أشتهيه. ولو لم تسحبَّ الوحدة على النبيذ إلاَّ لِما امتحن الإنسان به من مثل ما قدمناه من ذكر الجليس الثقيل [لكفى] ، بل تركُ النبيذ بالجملة آنسُ من منادمته، والصبرُ على الوحشة أخفُّ من مؤانسته، فقال أبو نواس: لنا نديم لا أُسميهِ ... لكنني أكني وأعنيه إذا انتشى خاصم في الدين إن صادف إنسناً يماريه ويدَّعي الشرب بلا غايةٍ ... والقدح الواحد يكفيه يحبس كأسَ القوم في كفِّهِ ... حتى إذا قالوا [له] إيهِ أفضل ثلثَ الكأسِ في قعرها ... ومجَّ ثلث الكأس من فيه وقال آخر: ظهروا فكانوا للعيون مدامعاً ... وخَفَوا فكانوا للنفوس هموما فلذلك آثرتُ التفرد والنوى ... وغدوت للراحِ المدامِ نديما الأمير تميم بن المعز: اِشرب فما لَؤم الزمان وإنما ... أبناؤه مَسخوا المكارم لوما قومٌ تناهى الجهل فيهم، وانتهى ... بهم، وعوَّج منهم التقويما ذكر ما جاء في استهداء النبيذ قال مياديس الحكيم: الخمرة لا عارَ على طالبها ولا منقصةَ في استهدائها ولا يجري ذلك في شيءٍ من المآكل، ولا حشمةً في طلب الخمرة ولا حياءَ، فإنك لترى الفقير يطلبها من الغنيِّ والغنيُّ يطلبها من الفقير بلا أنفةٍ لأنها صديقة روحه ومخالطة جسمه، بها ابتهاجه ولذته، ومنها ارتياحه ومسرته. وكان لإسحق بن إبراهيم الموصلي غلامٌ قد رباه وعلَّمه فصار من أحذق الناس نجز له النبيذ يوماً فكتب إلى إبراهيم بن المهدي:

стр. 89

جعلت فِداءَ الأمير، حضرني بيتٌ فصنعت فيه لحناً وروَّيته بُدَيْحاً ووجهته إلى ألمير وأمرته بإنشاده إياه، قال: فسار بديح إلى إبراهيم فغنَّاه الصوت وهو: نديمي قد خفَّ الشراب ولم أجد ... له سورة في عظم رجلٍ ولا يد فضمَّ إليه إبراهيم هذا البيت: فدونك هذا الرِّيَّ فاشرب مُسلماً ... فلا خير في الشرب القليل المصرَّدِ وبعث إليه ثلاثة أبغل عليها ألوان الشراب مجللة بأثواب ديباج وثلاثة غلمان روم وأجاز بديحاً بجائزة سنيَّة حسنة. وكتب محمد بن علي بن بسَّام يستهدي نبيذاً: قد سقتنا من ماءِ مُزنٍ ... فاسقِنا من سُلاف صفو الدِّنانِ ولأعنِّي على الزمان فإني ... بك أرجو دفاع صرف الزمان وكتب إسحق بن إبراهيم الموصلي رقعة إلى أحمد بن معاوية يستهديه نبيذاً فبعث إليه بدنٍّ فلما توسط الغلام الجسر رجمه بعض المارَّة فكسره، فلما صار إلى إسحق وأخبره أعاده إليه برقعةٍ فيها: يا أحمد بن معاوية ... إني رميت بداهية أشكو إليك وأشتكي ... كسر الغلام الخابية يا ليتها سلمت وكان فداءَها ابن الزانيو فبعث إليه بدَنَّيْن. وقال الصنوبري: ما شفاني إلاَّ النبيذ فما رأيُك في أن تجود لي بشفائي وليكن صافياً إذا لحظته العين فازت منه بحسن الصفاءِ فهو مثل الهواء في رقَّة الصنعة بل لا يجوز حدَّ الهواء مُلبِسٌ لونُه الإناءَ شُعاعاً هو من ظاهر الإنا بإناءِ مثل ريق العذراء في اللون والتوريد في صحن وجنة العذراءِ وكشمِّ المعشوق يشتمه العاشِق في غفلةٍ من الرقباء وكتب أبو البصير الشاعر إلى صديقٍ له: كتبت إليك في آخر يوم من أيام الدنيا بخروج شعبان وأول يوم من أيام الآخرة بدخول رمضان، ولا نبيذ عندي فابعث إليَّ من نبيذك ما أكون به ضيفك في بيتي والسلام. واستهدى أبو شراعة من سعيد بن موسى بن سعيد بن مسلم الباهلي نبيذاً، وكان على أبي شراعة يمين ألا يصحو من أيام الأُسبوع يوماً واحداً. وكتب إليه: أستنسئ الله في أجلك، وأستعينه من المحذور فيك، وأستعينه على شكر ما وهب من النعمة بك، الكرم منك سجيَّة مطبوعة، وعن غير كلالة ورثته، موسى أبوك، وسعيد جدُّك، ففي أيِّ درجات المجد يطمع قرينك على أن يستولي على الأمر دونك. فبعث إليه شراباً كثيراً، وكتب إليه: وصلت إليَّ ذات الحسب العتيق والمنظر الأنيق فسرَّت القلب وطردت الغمَّ، ولاءَمت الروح، ونفت الهم، لها نفحة المسك والكافور، وتضوع العنبر والعبير، تدب خلال ضلوع الفتى، دبيب رياَّ الروضة المنعش، إذا فتحت عبقت ريحها بريَّا البنفسج والمردقش. وأهدى عبد الله بن الحسين بن سعيد إلى البحتري شراباً أصفر في زجاج أزرق، فكتب إليه: طرقتنا تلك الهدية والصهباء من خير ما تبرَّعت تُهدي لبست زرقة الزجاج فجاءت ... ذهباً يستنير في اللاَّزوردِ وكتب بعض الكتاب إلى صديق له: عندي غناءٌ وألوانٌ من الزهرِ ... والشرب مجتمع والورد منتثرُ وليس يصلحنا إلاَّ النبيذ وما ... في ظرفنا منه إلاَّ الريحُ والأثرُ فنحن مثل رحى الطحان أحضرها ... حبًّا لتطحنه والقطبُ منكسِرُ وقال آخر: إني لأُظهرُ للرَّبيع محبَّةً ... إذ كنت أعتد الربيع أخاكا ما للمدام تأخرت عن فتيةٍ ... عزموا الصبوح وأملوا جدواكا ما كان صوب المُزنِ يطمعُ قبلها ... في أن يجيء نداه قبل نداكا تجلو برونقها العيون إذا أتت ... عفواً ونشربها على جدواكا يغني النديم عن الغناءِ حديثنا ... بمحاسنٍ لَكَ لم تكن لسواكا قال محمد بن يزيد، وكتب أبو تمام إلى الحسن بن وهب يستسقيه نبيذاً: جعلت فداك عبد الله عندي ... بعقب الهجر منه والبعاد له لُمةٌ من الكتاب بيض ... قضَوا حق الزيارة والوداد واحسب يومهم إن لم تجدهم ... مصادف دعوةٍ منهم جماد فكم يوم من الصهباء سارٍ ... وآخر منك بالمعروف غادٍ وقال ابن المعتز:

стр. 90

أما ترى اليوم في سحائبه ... قد ضحك البرقُ في جوانبهِ وليس في الدنِّ غير قوت فتىً ... يعجز بعضٌ عن قوت صاحبه فامنن علينا من المدام بما ... نقضي به اليوم حقَّ واجبه باب أدب السقاة يروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: ساقي القوم آخرهم شرباً. وأُتي ﵊ بإناءٍ من لبنٍ فشرب منه، وكان على يمينه غلامٌ حديث السن، وعن يساره أبو بكر " رض " ودفعه إلى الغلام، وقال: الأيمن فالأيمن. ومما دلَّ على مذهب الجاهلية في إدارة الكأس على اليمين قول عمرو بن كلثوم: صددت الكأس عنَّا أُمَّ عمرٍو ... وكان الكأس مجراها اليمينا وما شرُّ الثلاثة أُم عمرٍو ... بصاحبك الذي لا تصبحينا قالوا: ولا ينبغي أن يكون الساقي إلا مليح الوجه نظيف الثوب طيب الرائحة أديباً ظريفاً إن سكر أحدٌ من الشراب فأشار إليه بالإعفاء من النبيذ، فعل، ولم يُكره أحداً على الشراب، وأدار الكأس عن يمينه، فإن الأدب فيه موافقة سنَّةِ الإسلام لمذهب الجاهلية. قال عبد الله بن المعتز بالله: قد حثَّني بالكأس أ، َّل فجره ... ساقٍ علامةُ دينه في خصره وكأنَّ حُمرة خدِّه من لونها ... وكأن طيب نسيمها من نشرِهِ حتى إذا صبَّ المزاج تبسمت ... عن ثغرها فحسبتها من ثغِهِ وقال أبو نواس: لا نَستَخِفُّ بساقينا لغِرَّتِهِ ... ولا يَرُدُّ عليه حكمه أحد وقال أبو نواس أيضاً: عوجا بنا نصطبح معتَّقة ... من كفِّ ظبي يسقيكها، فَطِنِ يخبر عن طيبه مُجالسُه ... مكتحلُ المقلتين بالفِتَنِ قال له الله كن على قدرٍ ... فكان بين الهزال والسِّمَنِ حتى إذا ما الجمال تمَّ له ... والظرف، قالا له كذا فكُن ما تنظر العين منه ناحية ... إلاَّ أقامت به على حَسَنِ وقال ابن المعتز: يطوف بالراح بيننا رشُ ... مُحكم في القوب والمُقّلِ أفرغَ نوراً في قشر لؤلؤةٍ ... فحِلَّ عن قيمةٍ وعن مثل يكاد لحظ العيون حين بدا ... يسفِك من خدِّه دمَ الخَجَلِ وحضر قوم من أهل الأدب عند عليٍّ بن محمد العلوي فأبرز غلاماً له نفيساً في قراطقه فجعل يسقيهم ويستحثهم فأخذت عيونهم منه مأخذها، فلما رأى ذلك مولاه أمره بالانصراف وتولى هو سقيهم وخدمتهم وأنشأ يقول: كأنما يسعى، لوجدي به، ... من بينهم في ثِني أحشائي أغار من وقفته كُلَّما ... قال لحاسي الكأس مولائي حتى لقد أمسوا، وهم إخوتي ... من شدةِ الغيرة أعدائي واصطبح أبو تمام يوماً عند الحسن بن وهب، وكان مع أبي تمام غلامٌ له رومي يحبه حباً شديداً، وعلى رأس الحسن غلام آخر كأنه الشمس، فطفق الحسن يلحُّ بالنظر إلى الرومي، فلما أدمَن ذلك؛ دعا أبو تمام بدواة وقرطاس وكتب فيها: سبحان من سبّحته كلُّ جارحةٍ ... ما فيك من طمح العينينِ والنظر إن أنت لم تدع السير الحثيث إلى ... جآذر الرُّوم أعنقنا إلى الخزر فاستحيا الحسن بن وهب، ووهب له الغلام. وقال أبو نواس: غادِ المدام بكفِّ ظبيٍ أهيفِ ... يسقيكها صرفاً وغير مُصَرَّفِ وشت العُقار بوجنتيه فأبدتا ... للناس وردَ حديقةٍ لم تُقطف فالق الحرامَ، إذ لقيت، بمثله ... وامزج سلافة ريقه بالقرقف وقال أيضاً: لا تبكِ ربعاً أقوى ولا طللا ... ولا تصف ناقة ولا جملا وعاطني قهوةً إذا مُزجت ... أرتك منها في نفسها شُغُلا بكف ساقٍ يُزهى على غصنِ البانِ إذا ما انثنى وما اعتدلا إذا سقاني العُقار جمَّشهُ ... طرفي فيحمر خدُّه خجلا وقال أيضاً: طاف في قرطقٍ وقد عقد الزنار من فوق خصره تسعينا بعقار تنفي الهموم وتستخرج شوقاً من الفؤاد دفينا طاف سعياً بها فخلت طلوع الشمس ليلاً والبدرمما يلينا

стр. 91

ولقد راع ذاك قوماً على بعدٍ فصاحوا: الصلاة يا غافلينا وقال أيضاً: وقائلٍ لي: أفق يوماً، فقلت له ... من سكرة الحب أو من سكرة الكاسِ لا أشرب الراح إلا من يدَيْ رشإٍ ... مهفهف كقضيب البان ميَّاسِ قل للذي لام فيه هل ترى كَلِفاً ... بأملح الناسِ إلا أملح الناسِ ومن الناس من يختار سقي الوصائف المقرطقات المنصَّقات المتشبهات بالغلمان رشاقةً وخفةً. قال أبو نواس: من كفِ ذات حِرٍ، في زيِّ ذي ذكرٍ ... لها محبَّان لوطيٌّ وزنَّاءُ قامت بإبريقها والليل معتكر ... فلاح من وجهها في البيت لألاءُ فأفرغت من فم الإبريق صافيةً ... كأنما أخذها بالعقل إغفاءُ رقّت عن الماء حتى يمازجها ... لطافةً، وجفا عن شكلها الماءُ وقال ابن المعتز: لا شرب إلا بكفِّ ساقيةٍ ... ذات دلالٍ في طرفها مَرَض كأن في الكأسِ حين تمزجها ... نجوم درٍّ، تعلو وتنخفض وقال الصنوبري: عاتِقٌ في الدِنان بكرٌ أدارتها علينا عواتِقٌ أبكارُ كل مجدولةٍ يجول الوشاحان على خصرها ويشجى السِوار يُقطف الياسمينُ من جسمها الرَّطب ويُجنى من خدِّها الجُلنارُ وقال ابن المعتز: قد سقتني خمراً وريقاً كخمرٍ ... بنت عشرٍ في كفّها بنت عشر ذرَّ في وجهها الملاحة ذَرًّا ... خالقٌ هزَّ غصنها تحت بدرِ وقال آخر: وساقٍ صبيحٍ دعوته ... فقام وفي أجفانه سنة الغمضِ يطوف بكاساتٍ علينا كأنجمٍ ... فمِن بين منقضٍّ وغير منقضِّ وقد نشرت أيدي الجنوب مطارفاً ... على الجواد دُكنا وهي خضرٌ على الأرض يطرِّزها قوسُ السماءِ بحمرةٍ ... على أخضرِ في أصفرٍ وسط مبيضِّ كأذيال خوْدٍ أقبلتفي لائلٍ ... مصبَّغةٍ والبعضُ أقصَرُ من بعضِ وقال ابن المعتز: لبسنا إلى الخمار والنجم غائرٌ ... غلالة ليلٍ طُرِّزت بصباح فظلت تدير الكأس أيدي جآذرٍ ... عتاق دنانير الوجوه ملاح وقال: درى كيف يطرد أوجاله ... فروى من الخمر أوصاله وبادرها قهوةً مُرَّةتُقرب للمرءِ آمالهُ بكفٍّ هضيم الحشا كالهلال ... أوفى به السعدُ إكمالهُ ولولا مخافة ربِّي لقلتُ لم يخلق الله أمثالهُ وقال: تدور علينا الكأ من كفٍّ شادِنٍ ... له لحظ عين يشتكي السُّقم مُدنفُ كأن سُلاف الخمر من ماء خدِّه ... زعنقودها من شعرها الجعد يُقطف وقال البحتري: ألا ربَّ كأسٍ قد سقاني سلافها ... رهيفُ التثنِّ، واضح الثغر أشنبُ إذا اختضبت أطرافه من شعاعها ... رأيت لجيناً بالمدامة يُذهب وقال أبو نواس: ومهفهف يجري الوِشاح بخصرِهِ ... ويضيق عنه دملُجٌ وسِوارُ نازعته صهباء تحسب أَنَّها ... برقٌ تأَلَق ضَوءُه أو نار وقال الصنوبري: وهضيم الحشى يجول وشاحاه ويشجى الردفين منه الإزار ثغره لُؤلُؤٌ، وريقته خمر شمولٌ وخدُّه جُلنار هو كالبدر بل إن نورَ البدر من نور وجهه يستعارُ صَرَعتني عُقار عينيه سُكراً ... قبل تسطو براحتيه العُقار وقال ابن المعتز: وندامايَ في شبابٍ وعيشٍ ... أتلفت ما لهم نفوسٌ كِرامُ بين أقداحِهِم حديثٌ قصيرٌ ... وهو سحرٌ وما عداه كلام وكأن السُّقاة بين الندامى ... ألفاتٌ على السُّطور قيام باب ما جاء في السكر

стр. 92

يقال: إشرب من النبيذ ما لم يشرب عقلك. وقيل للرِّياشي: ما حدُّ السكر؟ قال: أن تعزُبَ عنه الهموم ويظهر سرُّه المكتوم، والناس في السكر على ضروب؛ منهم من تراه يشرب وهو يتحدث لا تنكر منه شيئاً حتى يغلب عليه السكر ضربةً واحدةً، ومنهم من تراه يأخذ منه النبيذ الأول فالأول. وتراه كيف تثقل حركته، ويغلظ حسُّه ويُمتحق عقله حتى يطمس عليه السكر، ويطبق عليه النوم، ومنهم من يأخذه السُّكر بالعبث لا يعدوه، ومنهم من لا يرضى ما دون السيف، ولا بأن لا يضرب أُمه ويطلق امرأته، ومنهم من يعتريه البكاءُ والضحك، ومنهم من يعتريه الملق والتفدية والتسليم على المجالس والتقبيل لرؤوس الناس، ومنهم من يثبُ ويرقص ويعرض له ذلك لضربين، أحدهما من فضل الأشر والآخر من تحريك المرار، ثم اختلافهم على قدر اختلاف طبائعهم وبلدانهم وأزمانهم وأسنانهم وأخلاقهم، ومن الناس من لا يسكر البتة، كان منهم محمد بن الجهم. وقالوا: العقل كالمرآة يرى صاحبه فيه مساوئه، فلا يزال في صحوه مهموماً حتى يشرب النبيذ فيصدأ عقله بمقدار ما يشرب فإذا كثر، غشيهُ الصدأ كله، فلم تظهر فيه صورة تلك المساوئ له، ففرح ومرح، والجهل كالمرآة الصدِّئة أبدا، فلا يرى صاحبه إلاَّ فرحاً، شرب أم لم يشرب. وسأل قيصر ملك الروم قُسَّ بن ساعدة الإيادي عن السُّكر قال: زعموا أن القلب يُصعد سورة الشراب إلى الرأس بالقوة التي جعلت فيه، فإذا احتوت على الدِّماغ حجبت العقل عن منافذه فاحتجب البصرُ بغير عمىً ولا نوم، والسمعُ بغير صم واللسان بغير خرس، فلا يزال بذلك حتى تفكّه الطبيعة من إسار السكر قال: فتقول، إن السكر يذهب بشيءٍ من عقله، قال: ما أنكر ذلك لأنه يدخل على العقل داخل ليس كالنوم الذي جعل فيه صلاح البدن، فيقهره ويأخذ منه فيوهنه، وكل مأخوذ منه مستفيض، وكل مقهورٍ ضعيف، قال: فتشربه أنت؟ قا: نعم، ولا أشرب منه ما يغير عقلي. قال رجل: رأيت يونس بن عُبيد فضحك، فقلت: ما يضحكك؟ قال: مرَّ بنا سكران فسلَّم علينا، فلم نرد عليه، فقعد يبول في وسطنا فقلنا: ويحك، ما تصنع؟ قال: ما ظننت أن هاهنا أحداً. لقي سكران أبا حنيفة، فقال له: يا أبا حنيفة لقد أحسنت إلينا في تحليلك النبيذ، فقال: ما أحسنتُ حين يشربه مثلك، وقال الشاعر: رهبان دير سقوني الخمر صافيةً ... مثل الطواويس في دور السلاطين مشوا إلى الراحِ مشيَ الرُّخ وانصرفوا ... والرَّاح تمشي بهم مشيَ الفرازين غدوا إليها كأمثال السهام مضت ... عن القِسيِّ وراحوا كالعراجين وكان شربهم في بدءِ مجلسهم ... شرب الملوك وباتوا كالمساكين وقال ابن شُبرُمة: مررت برجل سكران وقد ألقى عنه ثيابه وهو يبكي بكاءَ شديداً، ويقول: وا أسفي عليهم، ليت الأرض أخرجتني إليهم، فقلت: من هؤلاء الذين تتقلب عليهم بهذا الغيظ، قال: إخوة يوسف، ألقوه في البئر حتى أكله الذئب، قلت له: إن الله خلصه من الجُبِّ، ولم يأكله الذئب، ولا الأسد، فقال: بشرك الله خير وأحسن جزاءك، وأغمد خنجره ولبس ثيابه وانصرف. وقال بعض الأُدباء: كنت مستشرفاً على سطح لي بالبصرة، فجاء سكران، ةى فوقف في ظل الجدار، والليل مقمر، فأوهمه السُّكر أن ضوء القمر نهرٌ، فنادى: يا ملاَّح، قرِّب السُّمارية، قرِّب ويحك السُّمارية، مراراً، فلما لم يجبه أحد، وطال ذلك عليه، نزع ثيابه ورمى بنفسه على الأرض كما يرمي السابح نفسه في الماء، فتهشَّم وجهه وتكسر أنفه، وجعل يضرب بيديه ورجليه كأنه يسبح. ونظر رجل إلى صديق له سكران، وقد حمل في كساءٍ على رأس حمال، وأخرج رأسه من الكساء، فقال له: فلان ما هذا؟ قال: بقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة.

стр. 93

قال أبو عثمان الجاحظ: وممن لا يسكر أبو عبد الله العميّ، وإن بني عبد الملك الزيات دعوني مرة ليعجِّبوني منه ولا ينبِّهوني على هذه الخاصية التي فيه، لأكون الذي ينبه عليه، فدخلت على رجل فدمٍ ضخم، غليظ اللسان، عليه من الكلام مئونة شديدة حتى تظن أن كلامه كلام مهموم أو مجنون، فشرب القوم شرب الهيم، وكنت كأني من النظارة، فما زال العمِّي يشرب رطلاً بعد رطل، ولسانه تنحل عُقده وذهنه يصفو وكدره يذهب، فأقبلت على القوم أُعجبهم منه، فقالوا لولا مكان هذا العجب ما عنَّيناك اليوم وعرَّغوني أنه كثير المنازعة عند القضاة، ولكن بعد أن يشرب عشرة أرطال، فإذا فعل ذلك قطع الخصم اللحن بحجته واستمال رأي القاضي القطوب المنعقد. قال الشاعر: وجدت أقلَّ الناس عقلاً إذا انتشى ... أقلهم عقلاً إذا كان صاحيا يزيد حسا الكأس السفيه سفاهةً ... ويترك أخلاق الكرام كما هيا وقد رأينا أسفه الناس صاحياً أحل الناس سكران، ورأينا أحسن الناس خلقاً وأرزنهم حلماً، حتى إذا دخل رأسه رطل نبيذ صار أخف حلماً من فراشه، وأكثر نزقاً من جرادة، وإن المثل بهما يضرب. وكان محمد بن سليمان، إذا كان على البصرة، سقى سائر الحيوان الشراب ليختبر سكرها، فوجدها في اختلاف أحوالها كاختلاف الناس في أحوالهم، فزعم أنه لم يجد في جميع الحيوان شيئاً أملح سكراً من الظبي، وقال ابن ميَّادة: ولقد سبقت العاذلات بقهوةٍ ... حمراء مثل سخينة الأوداج تدع الغوِّي كأنه، في نفسه، ملكٌ يُعصِّبُ رأسه بالتاج ويظل يحسب كل شيءٍ حولَهُ ... تحت العِراق يُشَدُّ بالأحداج وسكر رجل فجعل يبكي بكاءً شديداً فقيل له: ما يبكيك؟ قال: لأن طالوت قتل جالوت ظلماً ولم أحضر لنصرته. ومررت يوماً بحسن المصري وقد انصرف من عند أحمد بن الدهَّان الكاتب، فلما كان ببعض الطريق غلب عليه السكر فسقط ونام فتقيأ وملأ لحيته وثيابه، فجاءَ كلب فجعل يلحس فمه، ففتح عينيه وقال له: خدمك بنوك وبنو بنيك، فلما فرغ منه رفع رجله وبال عليه، وأمرتُ من يحمله إلى داره. وقال بعض العلماء حرَّم الله السكر الذي يزول معه العقل، وكذلك هو في كل شريعة لأن كثيراً من الناس يأتي في سكره من السخف والقبائح والأحوال الدنيئة ما لا يرضى به لنفسه عاقلٌ، كزوال العقل، وبطلان الفهم، وهما أشرف ما في الإنسان مع استرخاء الجوارح، وخدر الأعضاء، حتى إن السكران أن لا يملك دفعاً لمكروه عن نفسه، ومن ضيّع أشرف ما فيه وأبطله وأصار نفسه إلى هذه الحال فقد عرَّض نفسه للتلف إذ كان لو أراده أحدٌ بكيدٍ ما قدر على دفعه، ولو قصده بكل مكروه ما أمكنه أن يمنع نفسه منه، ثم هو مع ذلك يضيع فرائضه وما أخذه الله عليه أن يفعله، وقد ألزمه الله تلك الفرائض ونهاه أن يُدخل على نفسه ما يقطعُهُ عما أمره به فقال : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون. يعني: لا تشربوا ما يكون السكر منه وزوال عقولكم ولا يمكنكم أن تُصلوا وتقيموا قراءتكم وسائر فرائض الصلاة الواجبة عليكم تأديباً منه لعباده وإرادة للمحافظة على الصلاة والقيام بما أوجبه الله علينا منها. والسكران عند العرب هو الذي أزال الشرابُ عقله، ومنه سكرْتُ النهر أي سددت مجراه. ركب المأمون يوماً فإذا بثُمامة بن أشرس سكران، فتوارى ثمامة عنه، فقصده المأمون حتى وقف عليه، وقال ثُمامة؟ قال: إي والله، قال: سكران؟ قال: لا والله، قال: أفتعرفني؟ قال: إي والله، قال: فمن أنا. قال: لا أدري والله، قال: عليك لعنة الله، قال: تترى إن شاء الله، فضحك ثم أمر بتشييعه إلى منزله. وقال الرَّقاشي: حدُّ السكر أن يُعزِبَ عنك الهموم ويظهر منك المكتوم. قال البلاذري: كان ابن هرمة، مغرىً بالنبيذ، فمرَّ يوماً على جيرانه، وهو شديد السكر حتى دخل منزله، فلما كان من الغد، دخلوا عليه فعاتبوه على الحالة التي رأوه عليها، فقال: أما علمتم أني في طلب مثلها منذ دهرٍ، فما قدرت عليها، أما سمعتم قولي: أسأل الله سكرة قبل موتي ... وصياح الصبيان يا سكران قال: فنفضوا ثيابهم وخرجوا وقالوا: ليس يفلح هذا أبداً.

стр. 94

قال سهل بن هرون: ثلاثة من المجانين: الغضبان والسكران والغيران، فقال رجل: والمنعِظ، فضحك وقال: وما شر الثلاثة أُمَّ عمرٍو ... بصاحبك الذي لا تصبحينا وقال المنخل اليشكري: ولقد شربت من المدامة بالصغير ولالكبيرِ ولقد شربت الخمر بالخيل الإناث وبالذكور فإذا سكرت فإنني ... رب الخورنق والسديرِ وإذا صحوت فإنني ... رب الشُّوَيْهة والبعير يا رب يومٍ، للمنخل قد لَهَى فيه، قصيرِ وفي السُّكر يقول الآخر: ولقد شربت الخمر حتى خلتُني ... لما خرجتُ أجرُّ فضل المئزرِ قابوس أو عمرو بن هندٍ قاعداً بحاليه ما دون دارةِ قيصرِ وقال الفلاسفة: ينبغي لشارب النبيذ ألاَّ يتجاوز فيه مقدار طاقته، وأن يتفقد نفسه تفقداً شديداً فمتى أنكر رأيه وفكره وحركات بدنه وقوتِّه أمسك عن شربه ولم يمعن فيه حتى يختلط لأن السكر إنما يكون مع بخاراتٍ غليظة نِيَّة غير نضيجة ترتفع إلى الدماغ فتستره كما يستر السحاب الشمس فيحول ذلك البخار بين العقل وبين ما يشرقُ عليه من قوةِ النفس والطبيعة فتسترخي لذلك الأعضاء والأعصاب كلها، وتضعف الحواس ويفسد الفكر ويغشى النُّعاس. وروي الواقدي أن عبد الله بن عُمر قال: خرجت أنا وأخي عبد الرحمن وعقبة بن الحارث غُزاة، ونحن نريد الإسكندرية، فلّما قدِمنا مصر، شرب أخي وعقبة فسكرا فلما أصبحنا انطلقنا إلى عمرو بن العاص وهو يليها لعُمر فقالا له: طهِّرنا، فإنا قد سكرنا من شراب شربناه؛ فجلدهما الحدَّ في صحن داره، وبلغ ذلك عمر فكتب إلى عمرو بن العاص: أن أبعث إليَّ عبد الرحمن بن عوف، وقال: يا أمير المؤمنين قد أُقيم عليه الحدُّ، وما لك أن نقيمه عليه ثانية، فلم يلتفت عمر إلى قوله وجعل عبد الرحمن يصيح: إني مريض، وأنت قاتلي، فضربه الحد ثانية، فما زال مريضاً حتى مات، وقال له في مرضه هذا: يا أبتِ، قتلتني، فقال له: يا بنيَّ، إذا لقيت ربَّك فقال لك: فيمَ قتلك أبوك، فقل: أيْ ربِّ فيك. قال بعض الحكماء: لا فضيلة في السكر سوى فقدان الهموم وذلك عندنا لا يفي بفقدان العقول. وقالت الفلاسفة: في السكر الشديد أنواع من العلل أقلُّها أنه يورث الارتعاش في اليدين حتى لا يُمسك بهما شيئاً، وقد أكثروا ذلك في أشعارهم، وربَّما أورث السكتة والفالج واللقوة، وقد حمد قوم السكر من الشراب، وقالوا: إنما اللذة كلها فيه لأنه يستطيب من السماع ما لم يكن يستطيبه صاحياً، ويستحسن حديث ندمائه ويخفون على قلبه ويهون عليه ما أنفقه وإن كان جليلاً وتسخو نفسه عنه وإن كان بخيلاً وتنبسط آماله وتذهب غمومه وهمومه وتكثر أفراحه وسروره، وذلك كله قبل الاختلاط وعدم الحِسِّ. وكان السُّرادِقُ الدِّهلي مولعاً بالشراب فمرَّ بمجلسٍ من مجلس الأزد وهو سكران ورِجلاه تضطربان من السكر فتغامزوا عليه، وقال شاب منهم: سكران، سكران، فأقبل عليه السُّرادِق وقال: معاذ إلهي، لست سكرانَ يا فتى ... وما اختلفت رجلاي إلا من الكِبر ومن يك نهباً لليالي ومُرها ... تدعه قليل القلب والسمع والبصر وكان الأُقيشر الأسدي مولعاً بالشراب، فأخذه الأهوان بالكوفة وقالوا: سكران شارب خمرٍ، فأنشأ يقول: يقولون لي أن قد شربت مدامة ... فقلت لهم: لا بل أكلتُ سَفَرجلا وسأل بعض الملوك حكيماً عن السكر وما يُحدثه، فقال: أيها الملك، مسكن العقل في الدماغ، وهو للإنسان كالمرآة يريه محاسنه ومساويه، فإذا شرب الرجل الخمر صعد من بخارها إلى الدماغ ما يحول بينه وبين عقله كما تحول الغمامة بين العيون وبين الشمس المضيئة فيكون مقدار ما يغشى مرآة العقل من الصدأ بقدر إكثاره من الشراب وإقلاله منه، فإذا نام على ذلك ذهب الصدأ شيئاً فشيئاً حتى يصحو، قال: فهل يعود العقل بكمالِهِ، قال: وما أنكر نقصانه، لأنَّا ما رأينا شيئاً ذهب جملةً فعاد جملةً. ولم يصف أحدٌ السكران كما وصف الأخطل فإنه قال: صريع مدام يرفع الشرب رأسه ... ليُحنى وقد ماتت عظامٌ ومفصلُ تهاديه أحياناً، وحيناً تجرُّهُ ... وما كان إلا بالحشاشةِ يعقِلُ إذا رفعوا عظماً، تحامل صدرُهُ ... وآخر مما نال منها مُخبَّلُ

стр. 95

وأخذ الوالي في الليل رجلاً سكران، فقال له: من أنت؟ قال: أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدرُهُ ... وإن نزلت يوماً فسوف تعود ترى الناس أفواجاً إلى ضوءِ ناره ... فمنهم قيام تارةً وقعود فقال: قد جاء عن النبي ﷺ : تجاوزوا عن ذوي الهَنَات، خلّوا سبيله، فلما أُطلق قال له أصحابه إنه ابن باقلاَّني، فقال: إن لم يترك لنسبه تُرك لأدبه. وكان بالبصرة خياط أحدب مولع بالشراب، فشرب ليلةً فوق سطح فمشى وهو سكران فوقع على حدبته فذهبت وصارت به أَدُرة عظيمة، فدخل إليه جيرانه يهنِّئونه، فقال لهم: جئتموني للتهنئة، ولم تعلموا أن الذي جاءَ شرٌ من الذي ذهب. وقال رجل لسعيد العامري: لقد حظيت بكثرة المال، قال: فإني بعتك مالي كله بحبة من عقل عفان الموسوس، قال: وأي شيءٍ رأيت من عقله؟ قال: رأيته يوماً وقد وقف عليه رجلان أحدهما سكران، فجعل السكران يفتري عليه وهو يفتري على الصاحي، فقلت له: ألا تشتم الذي يشتمك؟ قال: لا، لأن معه شيطاناً لا أقوى عليه، فالتفت إليَّ السكران وقال: يا ابن الزانية، تحرضه على شتمي، ورفع حجراً من الأرض فشجَّني به، ومرَّ يعدو، فقال عفّان: من هذا فررتُ. وزار عبادياً رجلٌ من إخوانه فأجلسه على مصلى نظيف وغدَّاه وسقاه، فسكر الضيف وسَلَح على المصَلَّى، فأخذ العبادي بيده وأدخله الكنيف فنام فيه، فقال: فديتك يا سيدي، أنت تخري حيث ينام الناس، وتنام حيث يخرون. وحكي عن ابن أحمد البصري أنه دخل على قومٍ يشربون فرأى فيهم رجلاً سكران، فأقبل يكبِّر ويهلِّل، فقيل له: ما بالك؟ قال: لم أر سكران قبل هذا، قالوا: وكيف ذلك؟ قال: كنتُ أسكر قبل الناس فلا أراهم إذا سكروا. وذكر حمدون النديم أن إبراهيم بن المهدي دعا جماعة من أصحابه بحيث يصطبحون عنده، فجاء مخارقُ سكران لا فَضْلَ فيه، فعاتبه إبراهيم، فقال: لا والله أيها الأمير، ما كانت آفتي إلا أن سُليم بن سلام مرَّ بي فغنى صوتاً له، صنعه قريباً فشربت عليه إلى السحر، قال: وما هو، أنشده وغناه: إذا كنت ندماني فباكر مدامةً ... معتَّقةً زُفت إلى خير خاطب تردَّت رداءَ الحسن في غير ناظرٍ ... ومُدَّ لها عمر فطابت لشارب قال المدائني: لقي طائف من أهل خراسان سكران بالكوفة فأخذه، وقال: أنت سكران، فأنكر ذلك، فقال: إقرأ حتى أسمع، قال: نعم ثم قال: ذكر القلبُ الرَّبابا ... بعدما شابت وشابا إن دين الحب فرضٌ ... لا نرى فيه ارتيابا فخلاَّه، وقال: قاتلكم الله ما أقرأكم للقرآن سُكارى وصُحاة. وقال محمد بن زياد الثقفي: مررت ذات ليلة بباب الشام، والقمر يزهو، فإذا شيخ سكران، متوشِّح في إزارٍ أحمر وبين يديه قنينة، وهو يخاطبها ويقول: عشرون ألف فتىً، ما بينهم رجلٌ ... إلاَّ كألفِ فتىً مقادمةٍ بطل كانت عيابُهُم مملوءةً ذهباً ... ففرَّغوها وأوكوها على الإبل فقلت له: أحسنت لله أنت، أبو من؟ أعزك الله، قال: أبو عيشونة الخياط، قلت: ومن هؤلاء الصعاليك الذين وصفت في شعرك، قال: فتيان الوغى وفرسان الهيجاء، شهدت بهم حروب الأمين وصليت معهم نيران فتنة المستعين ولولا [ما] خامر قلبي من الجوى وأخرس لساني عن الشكوى لحدثتك عن حروبنا يوماً فيوماً وساعةً فساعة، فقد حاربت صعاليك الفتيان وسابقتهم إلى غاية كل ميدان، واعترف إليَّ كل فاتكٍ وأذعن لي كل شاطرٍ، ونزلتُ هذه الدار ثلاثين سنة، وأشار إلى السجن ببغداد، ثم تنفس الصعداء، فقلت: ومن عشيقك هذا الذي همت به حتى أذهل لبَّك وخامر هواه قلبك، قال: حبيب لي بالبصرة، عُلِّقته وهو ابن سبع عشرة سنة، ثم غبت ثلاثاً وأربعين سنة، فلما عيل به صبري، خرجت إلى البصرة فطفت في أزقتها وشوارعها حتى رأيته وقد خضب الشيبُ عارِضَهُ، فما كدت أعرفه إلا بسحر عينيه ورفيف ثِنْيَيه وأنا الذي أقول فيه: لي فؤاد مستهامُ ... وجفون لا تنامُ ودموع مثل صوب القطر في خَدِّي سجامُ وحبيب كلما خاطبتُه قال: سلامُ فإذا ما قلتُ صِلني ... قال لي: ذاك حرامُ وكان فراغ قنينته بفراغه من إنشاد هذه الأبيات، ثم نام فانصرفت متعجباً منه.

стр. 96

وأُتي عليُّ بن أبي طالب (رض) بالنجاشي وهو سكران في شهر رمضان فجلده ثمانين لشربه، وجلده عشرين بعدها، فقال: ما هذه العلاوة يا أبا الحسن، قال: لإفطارك في شهر رمضان وولداننا صيام. وإذا أكثر الإنسان من الشراب وأفرط فيه سدَّ مجاري الروح المنحدرة من الدماغ إلى سائر البدن، فامتنعت الروح من النفوذ إلى الأعضاء فعُدمت عند ذلك الحركة بالحس والنبض والتنفس، وإذا كان كذلك بطل الحيوان لأن الحيوان مشتقٌ من الحياة بالحركة، وإذا لم تكن حركة صار في عِداد الميتة والحجارة والتراب. مثال ذلك؛ إن الماء الكثير يميت النبات ويذهب به، وكان القصد منه حياته وكل مفرط قاتل، وكذلك الدهن إذا كثر حتى يغمر السِّراج أطفأه، وقد رأينا الإكثار من الشراب يولِّد السكتة والفالج وموت الفجأة والأمراض الحادة مثل البرسام والذبحة وآفات كثيرة وبليات عظيمة؛ زونجد الذي يشرب الشراب بهدوء وقرار وسكون وبمقدار معتدل، ويكون إلى النقصان عن الحد أقرب منه إلى الزيادة، كيف يزهر وجهه ويظهر فرحه وسروره مع قلة كلام بل بعقل ورزانة من غير تخليط ولا عيب ولا سوء خلق وشيمة، فكأنه ملك، والذين معه ممن تجاوزوا الحدَّ شياطين، فهو يعجب من أفعالهم ويحصيها عليهم لأنهم خرجوا من حدّ الإنسانية وصاروا في حدِّ القرود فيُكثر الواحد منهم حتى يذهب عقله، ويرمي بنفسه كالميت، هذا إن لم يصارع ويواثب ويقاتل وربما خرج إلى الطرقات وتعرَّض للآفات؛ فأي علةٍ مستعجلة لا تحل بهذا وأي خلط لا يجتمع في بدنه، أم أي مرضٍ لا يحدث به، فإذا انتبه من سكرته، وأفاق من علته، رأيته منكسر اليدين مخموراً مصدَّع الرأس، فإن دخل الحمام على ذلك الامتلاء فأي شيء [مانع] للسكتة أن تناله، والآفات أن تحل به، ثم إنه يعود بعد ساعةٍ إلى شر مما كان فيه، ويوقل: ما دواء الخمار إلا الخمر، فيشرب ولا يقتصد، وقد ضعفت القوى، وكلت الأعضاء فتنحدر إليها المواد لسرعتها إلى العضو الضعيف، فليس نعجب لمن كان هذه حالته أن تكثر أمراضه وتعظم أوصابه، ويقل عمره، وتنصرم ليلته. وسئل بعض حكمائهم عن السكر فقال: مجلبة للبلايا والآفات وسائر الأسقام والعاهات، ومفرِّق بين الأرواح والأبدان، وكل ذلك من الامتلاء والكثرة، وأنشد أبو عبادة النمري قول ابن ميَّادة: حُبِسَتْ ثلاثة أحرسٍ في دارةٍ ... قوراء بين جوازلٍ ودجاج تدع الغويَّ كأنه في نفسه ... ملك يُعصِّب رأسه بالتاج ويظل يحسب كل شيءٍ حوله ... تحت العراق يُشَدُّ بالأحداج فحين سمع أبو عبادة البيت قال: لو وجدت حمراء ياقوتية ذهبية أصفى من عين الغراب وعين الديك وماء المفاصل ولعاب الجندب، وأحسن حمرة من النار ومن نجيع غزالٍ وقوة الصباغ لما استطبتها حتى أعلم أنها من عصير الأرجل وأنها من نبات القرى وأن العنكبوت قد نسج عليها وفي قرية سوادية وحولها دجاج وفراريج وإن لم تكن رقطاء ولم تتم كما أُريد، وأعجب من هذا أني لا أنتفع بشربها حتى يكون صاحبها على غير الإسلام ويكون شيخاً لا يفصح بالعربية، ويكون قميصه منقعاً بالقار، فإن كان مجوسياً كان اسمه شهريار، ومازيار، وما أشبه ذلك، وإن كان يهودياً فاسمه مانشا وشكوما، وإن كان نصرانياً فاسمه يوشع وشمويل وما أشبه ذلك. وقال عطارد الففزاري: شربنا شربة من بيت راسٍ ... بأطراف الزجاج من العصير وأخرى بالمروق ثم رحنا ... نرى العصفور أعظم من بعير وحتى خلتُ ديكَ أبي نُميرٍ ... أمير المؤمنين على السرير كأن دجاجهم في الدار قُطا ... بنات الروم ترقص في الحرير فبت أرى الكواكب دانيات ... يَفلن أنامل الرجل القصير أُدافعهن بالكفين عني ... وأمسحُ جبهة القمر المنير وقيل لبعضهم: لم تركت النبيذ؟ قال: رأيت صاحبه لا يروي منه، ورأيت بعضه يدعو إلى بعض، فتركت قليله لكثيره، قال الشاعر: من عاقر الراح يرجو أن يغالبها ... ثنته عنها بحدٍّ غير مفلول حتى تراه صريعاً لا حراك به ... لايعرف الحد بين لعرض والطول وقال آخر: أسقني بالكبير يا سعد حتى ... أحسب الناس كلَّهم لي عبيدا

стр. 97

وتراني إذا انتشيت كأني ... أعمر الأرض خيفةً أن تميدا لو رأى الناسُ في المدامة رأيي ... لم يبيعوا بدرهم عنقودا وقال أعرابي: كأن أباريق المدام عليهم ... ظباءٌ بأعلى الرقمتين قيام وقد شربوا حتى كأن رقابهم ... من اللين لم يُخلق لهنَّ عظام وقال آخر: بكروا عليَّ بسُحرة فصبحتهم ... من عاتقٍ كدم الذبيح مُشعشع يتبطحون عى الكثيب كأنهم ... يبكون حل جنازة لم تُرفع وأنشد لأعرابي: ولقد شربت الخمر حتى خلتني ... لما خرجت أجر فضل المئزر قابوس أو عمرو بن هند ماثلاً ... بحياله، ما دون دارة قيصر وأنشد لحسان: نوليها الملامة إن المنا ... إذا ما كان مغث أو لحاء ونشربها فتتركنا ملوكاً ... وأُسداً ما ينهنهنا اللقاءُ وأنشد للعباس بن الأحنف: أراني سأُبدي عند أول سكرة ... هوايَ إليها في خفاءٍ وفي ستر فإن رضيت كان الرضى سبب الهوى ... وإن غضبت منه أحلت على السكر وأنشد لآخر: شربت على تذكر آل كسرى ... شراباً لونه كالأُرجوان ورحت كأنيي كسرى إذا ما ... علاه التاجُ يومَ المهرجان وقال الصنوبري: شربنا في بغادينِ ... على تلك الميادينِ على ضحك الهزارات ... على نوح الشَّنانينِ شربنا فتعال أنظر ... إلى شرب المجانين إلى شرب العفاريتِ ... إلى شرب المجانين فطوراً بالهواوين ... وطوراً بالأجاجين فلما أن مشى السكر ... بنا مشيَ الفرازين وملنا فتلوَّينا ... تلوي الثعابين تدافعنا إلى البرك ... ةِمن فوق الدكاكين فرحنا في الخلوقين ... من الخلوق والطين أبو نواس: ومُترَّفٍ عقد الشراب لسانه ... فكلامه بالوحي والإيماءِ حركته بيدي وقلت له انتبه ... يا سيد الكتَّاب والأُمراء فأجابني والسكر يخفض صوتَهُ ... والصبحُ يدفع في قفا الظلماءِ إني لأفهم ما تقول وإنَّما ... غلبت عليَّ سلافةُ الصهباء وأنشد إسحق بن إبراهيم الموصلي: وصافية تغشى العيون رقيقةٍ ... رهينةِ عام في الدِّنانِ وعامِ أدرنا بها الكأس الرويَّة موهناً ... من الليل حتى إنجاب كل ظلام فما ذرَّ قرن الشمس حتى رأيتنا ... من الغيّ نحكي أحمد بن هشام ذكر من حرَّم الخمر في الجاهلية كان ممن حرَّم الخمر في الجاهلية عبد المطلب بن هاشم، وعتبة ابن ربيعة ربيعة بن عبد شمس، وعثمان بن عفّان وورقة بن نوفل والوليد ابن المغيرة، وضرب في شربها هشامٌ أخاه، وصفوان بن أُمية، والعباس بن مرداس السُّلمي، وقال: لا أشرب شراباً أُصبح سيِّد قومي وأُمسي سفيههم، وممن شرب الخمر صِرفاً حتى مات من سادة العرب، عمرو بن كلثوم التغلبي، وكانت الملوك تبعث إليه بحبائه وهو بمنزله من غير أن يفد إليها. فلما ساد ابنه الأسود ابن عمرو، بعث الملوك إليه بحبائه كما بعثت إلى أبيه، فغضب عمرو، وقال: سأُوافي بولي وحلف ألا يذوق دسماً حتى يموت، وجعل يشرب الخمر صرفاً حتى مات. وقد قيل: كان سبب فعله هذا أنه أغار على بني حنيفة باليمامة فأسره يزيد بن عمرو الحنفي، وقال له: ألست القائل: متى تعقد قرينتنا بحبلٍ ... نجذّ الحبلَ أو نعصي القرينا لأقرننَّك بناقتي هذه ثم لأطردنكما جميعاً، فنادى بالربيعة فاجتمعت إليه بنو لجيم ونهته فانتهى وقبل منه الفداء، فلما صار إلى قومه أنف مما جرى عليه فشرب الخمر صرفاً حتى مات.

стр. 98

ومنهم أبو البراء عامر بن مالك بن جعفر، ملاعب الأسنة، عمّ لبيد بن ربيعة، وكان سأل رسول الله (ص) أن يبعث معه قوماً يعرضون على بني جعفر الإسلام ويفقهونهم في الدين؛ فبعث إليهم قوماً من أصحابه فعرض لهم عامر بن الطفيل يوم بئر معونة فقتلهم أجمعين. فاغتم أبو براء غماً شديداً لإخفار عامر بن الطفيل ذمته، ودعا بني عامر إلى الوثوب به فلم يجيبوه، فشرب الخمر صرفاً حتى مات. ومنهم زهير بن جناب الكلبي رأس قضاعة، وكان قد كبر وأسَّن فنازعه الرئاسة ابن أخيه عبد الله، فقال زهير يوماً: ليظعَنِ الحيُّ، فقال ابن أخيه: إن الحي مقيمٌ، فأعادها مراراً وأعادها ابن أخيه مراراً، فقال: من هذا يردُّ عليَّ؟ فقالوا: ابن أخيك. فقال: وما أحدٌ ينهاه؟ قالوا: لا، قال: شرّ الناس للرجل ابنُ أخيه، فشرب الخمر صرفاً حتى مات. وربما بلغت جناية الكأس إلى زوال النعمة وسقوط المروءة وتلف النفس، وأكبر عيوب النبيذ السُّكر، حتى أن المِلل كلها مجتمعة على تحريمه غير مختلفة فيه. ولقد حرَّم الخمر في الجاهلية جماعة من كبراء العرب وأفاضلهم لما نالهم من معرَّة السُّكر، ومنهم قيس بن عاصم المنقريّ، وذلك أن خماراً استجار به فأنزله وأكرمه فسقاه الخمار حتى سكر فأخذ رمحه وشقَّ زِقاق الخمر فوافته أُخته فساورها وأرادها على نفسها فشقَّ ثوبها وخمَّش وجهها، فلما صحا وخرج، نظر إلى الخمر جارية وجاره الخمار يدعو بالويل والثبور، فرجع إلى أخته، فقال: من فعل هذا بجاري اخمار؟ قالت: الذي راود أُخته وفعل بوجهها وثوبها ما ترى، فاستحيا من ذلك وحَرَّم الخمر حتى مات. وقال في ذلك: لعمرك إن الخمر ما دمت شارباً ... لسالبةٌ مالي ومذهبةٌ عقلي وتاركتي بين الضِّعاف قُواهُمُ ... ومورثتي حرْب الصديق بلا تَبل قال أبو عبيدة: شرب البرْجُ بن مسهر الطائي الخمر فسكر، فسمع أُخته تبول، فقال: إني لأسمع شخَّة لا بد أن أزَّجها زجَّة، ووثب على أُخته فنالها، فلما صحا أُخبِر بذلك، فمضى هارباً إلى الشام ثم تنصَّر بها وشرب الخمر صرفاً حتى مات ندامة على ما كان منه. وحرَّم صفوان بن أمية الخمر في الجاهلية، وقال: رأيت الخمر صالحةً وفيها ... مناقب تفسد الرجل الكريما فلا والله أشربَها حياتي ... ولا أشفي بها أبداً سقيما إذا دبَّتْ حمَّياها تبدَّت ... ظوالِعُ تفضحُ الرجلَ الحليما ولا أُعطي بها ثمناً حياتي ... ولا أدعو لها أبداً نديما وحرَّم الخمر في الجاهلية عفيف بن معدي كرب عمُّ الأشعث ابن قيس وقال: وقالت لي هلُمَّ إلى التصابي ... فقلتُ عففتُ عما تعلمينا وودعتُ القِداح وقد أراني ... بها [في] الدهر مشغوفاً رهينا وحرَّمتُ الخمور عليَّ حتى ... أكون بقعر ملحودٍ دفينا وكان اسمه شرحبيل، وإنما سمِّيَ عفيفاً بالبيت الأول، وقال أيضاً: فلا والله لا أُلفى وشرباً ... أُنازعهم شراباً ما حييتُ أبي لي ذاك آباءُ كرامٌ ... وإخوانٌ بعزِهِمُ ربيتُ قال: وحرَّم الخمر في الجاهلية سُويد بن عطاء الطائي، وأدرك الإسلام، وقال: تركتُ الشِّعر واستبدلت منه ... إذا داعي منادي الصبح قاما وودعتُ الخمور وقد أراني ... بها سَدِكاً وإن كانت حراما وشرب مِقْيَس بن صُبابة السَّهمي الخمرَ في الجاهلية فسكر سكراً شديداً قبيحاً حتى مر ينادي قومه ويخطّ ببوله ويقول: أصنع لكم نعامةً أو بعيراً، فلما صحا، خُبِّر بما صنع فحرَّمها على نفسه، وقال: تركت الرَّاح إذا أبصرت رُشدي ... فلست بعائد أبداً لراح أأشرب شربةً تزري بعِرضي ... وأصبح ضحكةً لذوي الصَّلاح معاذ الله لا يُودى بعقلي ... ولا أشري الخسارة بالرَّباح سأترك شربَها وأكفُّ نفسي ... وألهيها بألبانِ اللقاح

стр. 99

وقال حاجب بن زُرارة لبنيه يوصيهم: إياكم والخمر فإنها مُفسدة العقول، ذهابةٌ بالطارف والتليد. وقال بعض الكُتُب، إن إبليس لقي يحيى بن زكريا ﵇ فقال له: ألا أُعلمك أربع خصال تَتَّعِظُ بهنَّ؟ قال: بلى. قال: إياك والحسد فبه سخط الله عليَّ وأُخرجت من الملائكة، وإياك والطَّمع فبه سخط الله على أبيك آدم وأُخرج من الجنة، وإياك والنساء فإنهتَّ مصايدي، وما خلا رجل بإمرأة إلا كنت ثالثهما، وإياك والخمر فإنها حَبلي، ومن جعلت حبلي في عنقه قُدته حيث شئت. وقيل لأعرابي: اشرب النبيذ، قال: لا أشرب ما يفني تالدي ويشغل عن معادي ويذهب عقلي ويكثر خبلي. وقال مقيس بن صبابة حين حرَّمها في الجاهلية: رأيت الخمر طيبةً وفيها ... خصالٌ كلها دنسٌ ذميم فلا والله أشربها حياتي ... طوال الدهر ما طلع النجوم وكان عبد الله بن جدعان قد سكر فجعل يساور القمر فلما أصبح وأُخبر بذلك حرمها وقال: شربت الخمر حتى قال قومي ... ألست عن السفاه بمستفيقِ وحتى ما أُوسدُ في منامٍ ... أنام به سوى الترب السحيق وحتى أغلق الحانوت رهني ... وأنكرت العدوَّ من الصديق وأنشد أبو بكر الأنباري: تركت النبيذ لأهل النبيذ ... وأقبلت أشربُ ماءً نُقاخا رأيت النبيذ يُذِلُّ العزيز ... ويكسو النقيَّ النقيَّ اتِّساخا فهبي عذرت الصبي جاهلاً ... فما العذر فيه إذا المرء شاخا قال الهيثم بن عدي: كنا نقول بالكوفة: إنه من لم يَروِ هذه الأبيات فلا مروءة له، وهي لأيمن بن خُريم: وحمراء جرجانيةٌ لم يطف بها ... حنيف ولم تنغر بها ساعة قِدرُ أتاني بها يحيى وقد نمت نومة ... وقد مالت الجوزاء أو جنح النسر فقلت اغتبقها أو لغيري فاسقها ... فمالي بعد الشيب، ويبك والخمرُ تعففت عنها في العصور التي خلت ... فكيف التصابي بعدما كلأَ العمر إذا المرءُ وفَّى الأربعين ولم يكن ... له دون ما يأتي حياءٌ ولا سترُ فدعه ولا تنفس عليه الذي ارتأى ... وإن جرَّ أسباب الحياة له الدهرُ ؟؟؟ ذكر ما جاء في الخُمار رأيت أكثر الناس اختدعوا بالمثل الذي يضرب وهو: الخمر دواءقللخُمار، فأتبعوا السُّكر فعرضت لهم أمراض صعبة، فإن فعل ذلك قومٌ وسَلموا من الأمراض لِقوة أبدانهم وصحة أعصابهم، فإنَّ ذلك غير مخرجهم من الخطأ في فعلهم. قال بعضهم: داوِ الخمار بخمرة الكأس المشعشعة العُقارِ لو خامرت عقل العُزير لزلَّ عن ظهر الحمارِ وشرب رجلٌ عند خَمَّارٍ نصراني أياماً فأصبح ميتاً فاجتمع عليه الناس وقالوا: قتلته، قال: لا والله، ما قتله إلا قوله: وداوِ بالخمر الخُمارا، واستعماله قول الشاعر: وكأس شربت على لذةٍ ... وأُخرى تداويت منها بها لكي يعلم الناس أني امرؤٌ ... أتيت الفتوَّة من بابها وقال الفرس: بالخمر تُدفعُ الخمرُ، وشبَّهت المكثر منها بدود الخلِّ لا يحيا إلا فيه ولا ينتفع إلا به. قال أبو نواس: اشرب الخمرَ العُقارا ... وانفِ بالخمر الخمارا واسقنيها من سُلافٍ ... تدع الليل نهارا قال الرازي: أعظم علاج الخمار النوم والحمّام، فمن أصابه عليه غثيان وتقلب، شرب اسكنجبين بالماء الفاتر، واستعمل القيء مراراً، فإن اصابه صُداع صبَّ على رأسه ماء ورد بكافور وشرب الجُلاَّب وأكل الرُّمان الحامض. ومن أصابه على الخمار بهتةٌ وبلادة استعمل التَّعب ثم دخل الخمام ليعرق، ومن أصابه طيشٌ وهذيان شرب شراباً كثير المزاج وغرَّق رأسه بدهن البنفسج وغَسَل أطرافه بالماء الفاتر وطلب النوم. ودواء الخمار العسِر البطيء الطويل شربُ اليسير من الشراب الكثير المزاج. وبالجملة إن الشراب صرفاً في الشتاء أنفع من الممزوج، وكذلك الممزوج في الصيف أنفع من الصِّرف، غير أنه لا ينبغي أن يتعرض له من به صُداع أو ضعفٌ في الدماغ والعصب والعين أو حدَّة في الكبد، ومن تسرع إليه الحميات؛ قال أبو نواس:

стр. 100

وندمانٍ ترادفه خُمارٌ ... فأورث في أنامله ارتعادا فليس بمستقلِّ الكأس مالم ... تكن يسراه لليمنى عمادا وقال: وندمانِ صدقٍ باكرَ الراح سُحرةً ... فأضحى وما منه اللسان ولا القلبُ فناولته كأساً جلت من خُمارِهِ ... وأتبعته أُخرى فثاب له لُبُّ وقال الصنوبري: ما دواء العقار [غير] العُقارِ ... لعليلٍ يُدعى قتيلَ الخُمارِ فاشرب البكر من يد البكر واعلم ... أن خير الهوى هوى الأبكارِ واصطبحها على ميادين خيريٍّ ووردٍ ونرجسٍ وبَهارِ جمعت زرقة البنفسج مع خضرة آسٍ وحمرة الجُلنارِ وقال عبد الله بن المعتز: قُم يا نديمي قد قضيت لُبانةً ... في طول ليلِك من رقادك فاقعُدِ فتداوَ من داءِ الخُمار بشُربةٍ ... تنفي الهمومَ وإن بدا لك فازددِ قلت: الصبوح، فقال: هاتِ، [فقلت] ها خذها، فقال: أبت تطاوعني يدي وقال آخر: وصرعغة مخمورٍ دفعتُ بقرقَفٍ ... وقد صرعتني بعد ذلك قرقَفُ فقام يداوي صرعتي متعطِّفاً ... وكنتُ عليه قبلها أتعطَّفُ نموت ونحيا تارةً بعد تارةٍ ... وتخلفنا لأأيدي السقاة وتتلفُ وقال ابن أبي فنن: لما بدا من أواخر الغلَس ... أقبل صُبح كغرَّةِ الفرس نبهتُ ندماني إلى مسعدٍ ... زين بكاسٍ كشعلة القبس فقلت خذ من أخيك صافية ... أطيب من نيل قبلة الخَلسِ فقام من شدة الخمار له ... كف فروقٍ وقلب مفترسِ وقال بعضهم: إذا أنا ميزت الخمارَ وجدته ... يكدِّرُ ما في الخمر من لذَّة الخمر فأحجم عن شرب النبيذ مخافة ... على جسدي من أن يئول إلى الضُّرِّ وإن امرءاً يبتاع لهواً بصحةٍ ... له سكرةٌ تغنيه عن طلب السُّكر ذكر ما جاء في العربدة شرب الحسين بن الضحاك الخليع يوماً عند إبراهيم بن المهدي فجرت بينهما ملاحاة في الدِّين والمذهب، فدعا إبراهيم بالنطع والسيف وقد أخذ منه الشراب، فانصرف الحسين غضبان، فكتب إليه إبراهيم يعتذر من ذلك وسأله أن يجيبه فكتب إليه الحسين: نديمي ليس منسوباً ... إلى شيءٍ من الحيفِ سقاني مثل ما يشرب فِعلَ الضيف بالضَّيفِ فلما دارت الكأس ... دعا بالنطع والسيفِ كذا من يشرب الراح مع التنِّين في الصيف ولم يعد إلى منادمته [ثم أن إبراهيم تحمَّل عليه ووصله فعاد إلى منادمته] . وكان إبراهيم بن المهدي يلقب بهذا البيت أو لقب به من قبل. ويقال أن عمر بن هبيرة الفزاري كان إذا سكر عربد على ندمائه وكان قصيراً، فقال يوماً لنديم له يقال له غيداق وكان طويلاً: أينا أطول، أنا أم أنت؟ فقلت: وقعت والله في شرٍّ، إن قلت أنت قال تهزأ بي، وإن قلت أنا، قال تحقرني، فقلت: أيها الأمير أنا أقصر منك ظهراً وأنت أطول مني ساقاً وفخذاً، فقال لي: ما أحسن ما خلصت منها. وقال محمد بن خالد الأصفهاني: لعمري بالنبيذ وشاربيه ... إذا شربوه زادهُم سكونا وحيّا بعضهم بعضاً عليه ... ولم يُلفوا عليه مُعربدينا فإياك النبيذ أحال بعدي ... فأورث من يعاقره جنونا أرى الندماء قد رذلوا فليسوا ... كما كان النِّدام الأولونا

стр. 101

ومرَّ إبراهيم الموصلي بصبية تُسلي الناس على الجسر اسمها (نَظْم) فسمع لها صوتاً عجيباً أطربه فأمر بحملها إلى منزله وتزوجها وعلّمها الغناء فبرعت فيه، وطرب الرشيد ذات ليلة وقد أخذ منه النبيذ، فركب حماراً وسار إلى دار إبراهيم متنكراً، فأخرج إليه إبراهيم جواريه خلف ستارة، وفيهن نظم، فغنَّت أحلى صوتٍ وأنغمه وأملحه، فقال لإبراهيم: من هذه الجارية؟ فقال: صبيَّة اشتريتها، فأفردها وأمرها فغنَّت مفدرة غناءً أطربه، فوثب إلى الستارة فهتكها، فإذا صبيةٌ ملفوفة، فضحك وقال لإبراهيم: ويلك ما هذه، فأخبره بقصتها، فشرب على غنائها حتى سكر ومكثت في دار إبراهيم إلى خلافة المعتصم، وكانت لها نوبةٌ في داره، وكانت شديدة العربدة، فكلمت المعتصم ذات ليلةٍ بكلام غليظ، قالت له في بعضه: إني أُمٌّ من أُمهاتك تعرَّض لها الرشيد وقد وطِئها؛ فأمر المعتصم بنفيها إلى السند فنُفيت إلى السند. وكان عمر بن موسى البرمكي يلي السند، فعربدت عليه ليلةً فقتلها. قال الشاعر: ونديم معربد ... مفسدٍ كلَّ مقعَدِ إن تعاتبه باللِّسان يعاتبك باليَد وقال آخر: لا تشربن ومعربداً في مجلسٍ ... إلا وعندك من دَمِ الأخوين ريحانُهُ بدمِ الشجاع مخضَّبٌ ... وتحيَّة الندمان لطم العين وقال آخر: رأيت القلب كاد يطير لمَّا ... رأيت معربداً يَهوِي إلينا فقلت وقد سمعت له نخيراً ... حوالينا الصدود ولا علينا وقالت الحكماء: استعذ بالله من جليس السوء فإن الشرَّ منه لا يكاد يخطئك. وحكى عمرو بن بحر الجاحظ عن الأصمعي قال: عربد بعض المجَّان على القمر فقال له: والله إنك لتغيِّر الألوان، وتصفر الأسنان وتخدِّر الأبدان وتفضح السكران وتظهر الكتمان وتبيض الأُرجوان وتلحس الزعفران وتهزل الحيتان وتمحق الأدمغة في النقصان. وقالوا: إن سبب العربدة لا يكون ممَّن بلغ به السُّكر ولا ممن لم يشرب، ولكن يكون ممن توسط هاتين الحالتين لأن من بلغ منه السكر لم تكن له حركة صحيحة ولا إرادة تامة. وأما من لم يشرب فإن عقله ثابت وحكمه، فيما يحكم به، على الصواب، وأما المتوسط، فليس في حدّ من عقله ثابت وتمييزه صحيح، ولا في حدِّ من بلغ في سكره مبلغ من قد بطلت معرفتُهُ. فعند ذلك يكثر فكره ويسوءُ ظنُهُ ويتخيل أشياءَ على غير ما هي عليه في الحقيقة، فيستخف ببعض أصحابه أن بعضهم قد استخف به فيعربد حينئذس من غير أصل. فما وجدت لمن كانت هذه حاله واخترت في مثلها أفعاله إلا كما قال بعضهم: لذتي في اثنتين لي ... من بديع التمرُّدِ صفع من تاه بالغناء وضرب المعربد ولذلك اختار بعضهم التفرد على الصاحب السوء والخدين المعربد للمثل السابق في قولهم: الوحدة خير من خدين السوء. وكان بالبصرة مجنون يقال [له] عبَّاس، فدعا أصحاباً من المجانين وأطعمهم وسقاهم نبيذاً، فعربد أحدهم، فأخذ بيده وأخرجه وأغلق بابه دونه ثم دخل وهو يقول: ومعربدٍ أخرجته ... لما تعرَّض للندامى أغلقت بابي دونه ... وتركته يرعى الخُزامى يرنو بمقلةِ مغضبٍ ... نظر الوصيِّ إلى اليتامى وعربد فتىً من بني هاشم على قومٍ فأراد عمُّه أن يعاقبه فقال: يا عم إني أسأت وليس معي عقلي فلا تسيء بي ومعك عقلك. وحضر مغن مع قوم فعربدوا، فقام ليصلح بينهم فأخذوا بحلقه فجعل يصيح: معيشتي يا قوم، الله الله في معيشتي، يريد أن معاشه من حلقه. وحكى المدائني قال: شرب رجل من بني ثعلبة يقال له المعدل، ورجل من بني عجل، وكانا يتنادمان ويدمنان الشرب، فقال العجلي يوماً وقد سكر: ألا فاسقياني على لذةٍ ... بفضل لُجَيمٍ على ثعلبة فقال المعدل: ومخزية قالها فاسق ... لئيم القفا معرق الأرنبة وضرب العجلي فقتله وهرب فاستجار بنهش بن ربيعة العتكي فأجاره وطلبه بنو عجل فمنعته العتيك وحملوا عند الدية. فقال المعدل: جزى الله فتيان العتيك وإن نأت ... بي الدار عنهم، خير ما كان جازيا خلطوني بالنفوس وأحسنوا ... الثواية، لما حُمَّ ما كان آتيا

стр. 102

كأن دنانيراً على قسماتهم ... إذا الموت في الأبطال كان تحاسيا وقال عبد الصَّمد المعذَّل يهجو المبرِّد: يا رب إن كنت ترى المُبرِّدا إن قاس في النحو قياساً أفسدا ويكسر الشعر إذا ما أنشدا وإن تحسَّةى الكأس يوماً عربدا فاقدُدْ له حيَّة قُفٍّ أسودا أنيابه عوج كأمثال المدى لو نكز الفيل العظيم الأربدا بنابه جرَّعه كأس الرَّدى قال: فقلت له: أتهجوني؟ فقال: ما هجوتك، إنما قلت: إن قاس في النحو قياساً أفسدا. وأنت لا تفسد القياس. وقلتُ: يكسر الشعر، وأنت لا تكسره، وقلت: وإن تحسَّى الكأس يوماً عربدا، وأنت لا تعربد، فما الذي يلزمك من هجائي؟ قال المبرِّد: فعزمت أن أُعربد عليه، فاجتمعنا يوماً، فقام ليبول، فقلت: إلى أين؟ قال: أبول، فقلت منتهراً: وكأنك فضلت البول علينا، فقبَّل رأسي وقال: أنا أعربد منذ ثلاثين سنة ما أحسنت قطّ مثل هذا. ويروى أن سبب تحريم الخمر في أوَّل الإسلام كان من حمزة بن عبد المطلب وعقره بعيري عليّ (رض) وقد تقدمت هذه الحكاية مشروحة في صدر هذا الكتاب. وكان النعمان بن المنذر شديد العربدة قتالاً للندامى، وكان له نديم يقال له عمرو بن عمار الطائي، من أعلم الناس وآدبهم، فنهاه أبو قردودة عن منادمته فلم ينته حتى عربد عليه ليلةً فقتله، فقال يرثيه: إني نهيتُ ابن عمار وقلت له ... لا تأمنن أحمر العينين والشَّعره إن الملوك متى تنزل بساحتهم ... تطر بثوبك من نيرانهم شرره يا جفنة بإزاء الحوض قد هدموا ... ومنطقاً مثل وشي اليمنة الحبِرة وقد تقدم خبر جذيمة الوضاح وعربدته على نديميه، ملك وعقيل، حتى قتلهما بعد أن نادماه أربعين سنة ما أعادا عليه فيها حديثاً، وقد تقدم فيما مضى في بدءِ الكتاب. وقالوا: كان بالبصرة رجل شديد العربدة، وكان له إخوان ظراف صابرون عليه، وهو لا يدع العربدة على حالٍ، فقالوا يوماً: تعالوا نحترز منه ما استطعنا، ولا نجعل له طريقاً إلى العربدة، قال: فأخذوا في تجنبه ومسارعته فساعدوه على كل ما أحب فضاق صدرُه، ولم يجد ما يتوسل به، إذ سمع صائحاً في الدار يقول: يا أبا روح، فنخر وقال: أبو [روح] كنية فرج، وفرج إذا صُحِّف فهو فَرْخ، وفرخ هو ولد زنا، وأنا والله المراد بذلك، ثم أخذ في أخلاقه من العربدة وكسر الماعون وضرب القوم، فعلموا أنه لا يملك الصبر عن أخلاقه فانقطعوا عن عشرته. وكان للنعمان بن المنذر نديم يقال له سعد، فقال له بعض الندماء يا سعد لقد خضمك الهُمام بشرابه حتى لقد كدت تنقد شحماً وتقطر دماً، قال: ذاك لأني آخذ ولا أُعطي، ولا أُلام ولا أُخطي، وأنا الدهر جذلٌ مسرور، وفرحٌ محبور، فسمعه النعمان من حيث لا يعلم، فجرَّد السيف ودخل عليه، فقال: أنت القائلك أُخطي ولا أُلام، فخبطه حتى مات. وكان المتوكل قد دعا أبا يوسف يعقوب بن السكيت إلى منادمته، فشاور بعض إخوانه من العلماء، فكل حذره وأشار عليه ببعد السلطان في تلك الحال، فغلبه هواه، ونادمه أياماً، فسكر المتوكل يوماً ونظر إلى المنتصر والمعتز ولديه قائمين على رأسه، فالتفت إلى ابن السكيت فقال: أيهما أفضل، هذان أم الحسين والحسن ابنا فاطمة، فقال: بل قنبر عبدهما أفضل من هذين ومن أمهما، فقال: خذوا برجل ابن الفاعلة، فجُرَّ برجله من بين يديه وكان آخر العهد به. وأنشد لأبي نواس: وإذا رام نديمي عربدة ... فاقرعن بالكأس من كبده كرِّر الخمر عليه بحْتةً ... كي تقيم الخمر منه أوده ثم وسده، إذا ما غلبت ... سورة الكأس عليه، عضُده خصلتا سوءٍ تشينان الفتى ... حيثما كان، الخنا والعربدة وشياطين من الأُنس هُمُ ... أحدثوا الفتك، غواة مردة قد سَقيت الخمر حتى ثملوا ... ليلةً ذات رياح حَرِدة وقال آخر: ونديم إن أنت نادمته مُتَّ بالندم حجر المنجنيق ليس يبالي بمن صدم وقال آخر: لا تقعدن ومعربداً في مجلسٍ ... إلا وترسٌ في شمالك واقِ وبكفك اليمنى حُسامٌ صارمٌ ... عضبٌ يقط جماجم الأعناقِ

стр. 103

فبذاك تنجو إن نجوت وخير من ... هذا اجتنابُ مجالسِ الفساق ذكر ما جاء من الاختلاف في الأشربة أما تحريم الخمر فمُجمَعٌ عليه، لا اختلاف فيه بين اثنين من الأئمة والعلماء وتحريم النبيذ مختلفٌ فيه بين الأكابر من أصحاب رسول الله (ص) والتابعين بإحسان حتى لقد اضطر محمد بن سيرين مع علمه وورعه، أن يسأل عبيدة السلماني عن النبيذ، فقال له عبيدة: اختلف علينا في النبيذ. وكان عبيدة ممن أدرك أبا بكرٍ وعمر، فما ظنُّك بشيءٍ اختلف فيه الناس وأصحاب النبي (ص) متوافرون، فمن بين مطلِقٍ وكاره، وكلٌّ يقيم الحجة لمذهبه والشاهد على قوله، والنبيذ كل ما نبذ في الدباء والمزفِّت فاشتد حتى يسكر كثيره، وما لم يشتد فليس يسمّى نبيذاً، كما أنه ما لم يغل من عصير العنب فليس يسمى خمراً. قال الشاعر: نبيذ إذا مرَّ الذباب بدنِّهِ ... تقطَّر أو خرَّ الذُّبابُ وقيذا وقيل لسفيان الثوري، وقد دعا بنبيذ فشرب منه، ووضعه بين يديه: أبا عبد الله، لو غطيته لئلا يقع فيه الذباب فقال: قبَّحه الله، إذا لم يذبَّ عن نفسِهِ. قال حفص بن غياث: كنت عند الأعمش، وبين يديه نبيذ، فاستأذن عليه قومٌ من طلبة الحديث فسترته فقال: لم سترته؟ فكرهت أن أقول لئلا يراه من يدخل، فقلت: كرهت أن يقع فيه الذباب، فقال لي: هيهات هو أمنع من ذلك جانباً، ولو كان النبيذ هو الخمر التي حرَّمها الله في الكتاب ما اختلف في تحريمه اثنان. قال محمد بن وضاح: سألت سحنوناً فقلت له: ما تقول فيمن حلف بطلاق امرأته، إن المطبوخ من عصير العنب هو الخمر التي حرَّمها الله في كتابه، قال: بانت منه زوجته. قال أبو محمد بن قتيبة: أما الذين ذهبوا إلى تحريمه كله ولم يفرقوا بين الخمر وبين نبيذ التمر وبين ما طبخ وبين ما نُقع وبين ما اشتد وما سَهُل، فإنهم غَلوا في القول واشتدوا في الحذر ونحلوا قوماً من البدريين ومن خيار التابعين وأئمة السلف المقتدى بهم في الدين شُرْب الخمر، وزيَّفوا ذلك بأن قالوا: شربوها على التأويل، فاتهموا القوم ولم يتهموا نظرهم، ونحلوهم الخطأ وبرَّؤوا منه أنفسهم. وقد كان قوم من الصحابة يرون المتعة بالنساء جائزة ويفتون بها، منهم ابن مسعود وابن عباس، وجماعة غيرهما، ومن التابعين عطاء وطاووس وسعيد بن جبير وهي عند غيرهم زنى، فهل يجوز أن يقال: هؤلاء زَنوا، وأفتوا به على التأويل. وأما الآخرون الذين ذهبوا إلى تحليل ما دون السُّكر منه، فإنهم أفرطوا في الإطلاق كما أفرط الأولون في الحظر، ولو كان ما احتجوا به في حديث ابن مسعود، في نسخ تحريم المسكر بتحليله، وأنه حضر من التحليل ما غاب القوم عنه، صحيحاً لما عدلنا عن القول به إلى غيره ولرأيناه شبيهاً بالمتعة لأن الله جلَّ ثناؤه رخص فيها فقال: لا جناح عليكم فيما استمتعتم به منهنَّ، فأذن رسول الله (ص) بها فاستمتع المسلمون، ثم حرَّمها رسول الله " ص " إلى يوم القيامة، ولم يحضر التحريم إلا ال من الصحابة، وقُبض رسول الله " ص " فأقام كثير منهم على الفتيا بها، فاتبعهم على ذلك قوم من التابعين، وشبيهاً بالظروف التي كان نهى عن الانتباذ فيها ثم أذن في ذلك فقال: انتبذوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكراً، وفي حديث آخر: ولا تسكروا. وكما نهى عن زيارة القبور ثم رخَّص في ذلك فقال: زوروها ولا تقولوا هجراً. وكما نهى عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، وأطلق ذلك، فقال: كلوا وادخروا ما بدا لكم. ولكنا لم نرَ أهل الأثر يثبتونه عندهم، وهم عندنا القدوة في معرفة صحيح الأخبار وسقيمها، وإذا كان ذلك لا يصح فكيف يجوز لنا أن نُحِلَّ المسكر وقد حرَّمه رسول الله " ص " بالأخبار الصحاح [و] الطرق الممتنعة عن حيَل الناس، فإن قال قائل: إن السُّكر هو الشربة المسكرة والقدح المنيم أكذبه النظر، لأن القدح الآخر إنما أسكر بالأول وكذلك اللقمة الأُخرى، إنما أشبعت باللقمة الأُولى، والجرعة الأُخرى إنما أروت بالجرعة الأُولى، وتلك الشربة التي أسكرت المعاقر عندهم لو جعلت [أول] شربة لآخره لم تسكره. وقوى الحبل إذا اجتمعت وأُمرت ثم اتخذ منها مرس يوثق به البعير لم تكن قوة منها أولى بحبس البعير وضبطه من الأُخرى، فكيف يعرِف القدح المسكر [من شرب] فيجتنبه إلا بالظن الذي قد يخطئُ ويصيب.

стр. 104

وأما من قال إن الحديث: كل مسكرٍ حرام، وفي بعضها، كل مسكر خمر، فهل يجوز أن يكون كل مسكر خمراً، وإنما كان له أن يُعارض هذه الأخبار، بهذا التأويل لو وجد له أصلاً في الروايات الصحاح فيجعله شاهداً، لما قال وتوهم على الناقلين لِما خالف مذهبه الغلط، ومن قال أن السكر حرامٌ فإنما ذلك مجاز من القول، والحقيقة، ما يكون منه السكر حرام، ومثل ذلك التخمة، حرام، وإنما يريد أن أكلك ما تكون منه التخمة حرام. وأما الفرقة التي أحلت بالنار، فإنها أيضاً غلت في القول فشربت الشديد والعتيق الذي يسكر بعضُه وحَرَّموا الفقاع لأن النار لم تمسه، وهذا الذي أحلوه أشدُّ إسكاراً من الخمر وأصعب خماراً وأبطأ تحللاً، وأما الذين حرموا بالظروف وأحلوا بها فرأوا الحلوَ والنقيع في الجر حراماً، و ﴿ا، االصلب الشديد في السقاء حلالاً والظروف لا تَحِلُّ ولا تُحَرَّم، وإن ما ذكره رسول الله " ص "، الظروف المزفتة والحنتم، لأن النبيذ يشتد فيهما ويتصلب فنهى عنها، ثم أذن فيها فقال: اشربوا في كل ظرفٍ ولا تسكروا. قال ابن قتيبة: وأما ما نذهب إليه ونراه عدلاً من القول خارجاً عن الإفراط [والتقصير] ، فتحريم الخمر بالكتاب وتحريم المسكر بالسنة، والمحرم ما حرَّمه الله تعالى نصاً في القرآن نحو، الميتة والدم ولحم الخنزير، فهذا فرض على المسلمين أن يجتنبوه، فمن طعم شيئاً منه عامداً غير مستغفر منه ولا نادم عليه كانت النار مثواه إلاَّ أن تلحقه رحمة الله التي وسعت كل شيء وعفوه الذي لا ييأس منه إلا الكافرون؛ وترك الفرائض، نحو الصلوات الخمس وزكاة المال وصوم شهر رمضان، فمن ترك شيئاً من هذا ثم لقي الله غير مستغفرٍ منه ولا نادم عليه فهو بحال الأول. ومحرَّم آخر حرَّمه رسول الله " ص "، كسباع الطير والوحش ولحوم الحمر الأهلية، وكتحريمه الحرير والديباج، وهذا واجب على المسلمين أن يحرموه، وليس كوجوب الأول، ولا التغليظ فيه على من خالف كالتغليظ في الأول، وقد أتت الرخصة في بعضه كالقليل من الديباج يكون في الثوب والقليل من الحرير. واستأذن عبد الرحمن بن عوف رسول الله " ص " في لبس الحرير لعله كانت به فأذن له. ولا بأس إذا خالطه في نسجه القطن إذا لم يكن بحتاً، وكان كالتفريط في صلاة الوتر وركعتي الفجر، فلا نقول إن تاركها كتارك الفرائض من الظهر والعصر. وروي أن البراء بن عازب تختَّم بالذهب، وأُصيب أَنف عرفجة بن سعد يوم الكلاب في الجاهلية فاتخذ أَنفاً من ورق فأنتن فأمره النبي " ص " أن يتخذ أنفاً من ذهب. وكان شريح يقضي بين الناس على جلد أسد، وقد أجمع الناس على أن من أكل لحم ثعلب ليس كمن أكل لحم ميتة، ومن لبس جلد سمور ليس كمن لبس جلد خنزير، ومما يدل على هذا أيضاً حديث رفعه إلى مدرك بن عمَّار قال: دخل النبي " ص " حائط رجل من الأنصار فرأى رجلاً معه نبيذ في نقير فقال: أهرقه، فقال: أو تأذن لي فأشربه ثم لا أعود فقال " ع " فاشربهُ ثم لا تعد. وروي في حديث يرفعه أن رجلاً قال: يا رسول الله، إني رجل مسقام فأذن لي في جرة أنتبذ فيها فأذن له. وكان ذلك قبل أن يأذن في الظروف. وهذا يدل على أنَّ ما يحرمه النبي " ص " قد يجوز أن يرخِّص فيه لمن شاء وعلى حسب العلة والعذر، ولا يجوز له [الترخص] فيما حظر الله له إلاَّ في الموضع الذي أطلقه. ونهى رسول الله " ص " عن شيءٍ، وأمر بشيءٍ، على جهة التأديب، فالعمل به فضيلة ومثوبة وليس على تاركه عقوبة كنهيه عن لحوم الجلاَّلة وعن كسب الحجام، وليس هذا مما حرَّم الله ولا مما حرَّم رسول. والأشربة بهذا السبيل وأحدها الخمر وهي محرمة بكتاب الله كما حرم الميتة والدم ولحم الخنزير لا يحل منها قليل ولا كثير حتى يفسد ويفارقها العرض الذي حرمها. والخمر نوعان، أحدهما مجمعٌ عليه، والآخر مختلف فيه، فأما المجمع عليه فهو ما غُلي من عصير العنب من غير أن تمسه النار، وأجمع المسلمون جميعاً أن هذه الخمر لا يحل منها قليل ولا كثير ولا يستعمل في طعام ولا شراب ولا دواء حتى ينقلب فيصير حلاًّ. والجنس الآخر المختلف فيه، نقيع الزبيب والتمر، إذا اشتد وصلب، ونبيذ التمر هو المسكر. وقال آخرون هو خمر، وهذا القول هو الأولى، لأن تحريم الخمر نزل وخمور الناس مختلفة وكلها يقع عليه هذا الاسم في ذلك لبوقت.

стр. 105

قال أبو موسى الأشعري: خمر أهل المدينة من البُسر والتمر وخمر أهل فارس من العنب، وخمر أهل اليمن البتع وخمر الحبشة السُّكركة وهو من الذرة والمزر من الحنطة والشعير. وقال عمر " رض " الخمر من خمسة أشياء: البُرّ والشعير والتمر والزبيب والعسل، والخمر كل ما خامر العقل، فأما ما شربه النبي " ص " وأصحابه من نبيذ السقاية وهو نقيع فإن نبيذ السقاية يتخذ قبل يوم التروية بيوم أو يويمن فيشربه الناس حلواً وربما دخله شيءٌ من عَرَض النبيذ كالرائحة من حرارة البلد وسرعة تغير الأطعمة والأشربة فيه، فليس يكون في شيءٍ من هاتين الحالتين حراماً، وإنما يُحرم إذا دخله عرض الخمر واعترته النشوة وصَلُب. ألا ترى أن النبي ﷺ كان يُنقع له التمر والزبيب فيشربه ثلاثاً، فإذا جاوز ذلك أمر فسُكب أو سقاه الخدم لأنه بعد ثلاث يتغير شيئاً فيتنزه عنه لا لأنه حرامٌ، ولو كان حراماً ما سقاه أحداً. وهذا كتركه أكل الثوم تنزهاً عنه وصوناً للوحي وإذنه للمسلمين في أكله إذا طبخ. والثاني من الأشربة، المسكر وهو محرَّم بسنة رسول الله " ص " كما حرمت لحوم السباع ولحوم الحمر الأهلية ولحوم ذوات المخالب من الطير وليس التغليظ في الخمر وإن كانت حراماً ولا يكون من شَرِبَ نبيذ زبيبٍ أو نبيذ تمرٍ، وإن أسكر كثيرهما، كمن شرب خمراً، كما أن أكل لحم الحمار الأهلي ليس كأكل لحم الخنزير، على ما مثلت لك [من] تشبيه المحرم في كتاب الله بالفروض وتشبيه المحرم بسنة رسول الله " ص " بالسنن. والمسكر من الشراب كل ما صَلُب واشتد وازداد على مرَّ الأيام جودة من نبيذ الزبيب المطبوخ ونبيذ التمر المطبوخ مفردين وخليطين، والطِلاء غير ذلك، وإنما سُمِّي مسكراً لأنه مدخل في السكر [والسكر] ذهاب العقل. وقد ذكرنا اختلاف الفقهاء فيه، في باب السكر من هذا الكتاب، وأما قول رسول الله " ص ": كل مسكر خمر، فعلى مجاز اللغة، يريد أنه بمنزلة الخمر لأنه حرَّمه بالسُّنة، كما حرم الله الخمر بالكتاب، كما قال ابن شبرمة: يا أخلاَّيَ إنما الخمر ذيب ... وأبو جعدة الطلاء الممريب ونبيذ الزبيب ما اشتد منه ... فهو للخمر والطلاءِ نسيب أخذه من قول عبيد الأبرص: هي الخمر يكنونها بالطلاءِ ... كما الذيب يكنى أبا جعدةِ وسئل أبو الأسود عن نبيذ الزبيب فقال: فإلاَّ يكنها أو تكنه فإنه ... أخوها غذته أُمُّه بلبانها أما قولهم أن خياراً من الصحابة شربوا الصُّلب، وشربوا النبيذ فتوهموا أنهم شربوا المسكر ووجدوا محبَّة من النفوس لذلك يتبعها الهوى، فإذا الصلب الذي شربوا ما زايلته الحلاوة فصار صلباً لمفارقة الحلاوة وعذوبتها، وهو في نفسه رقيق ضعيف لا يكون منه إذا شرب الرجل ما في وسعه أن يشرب مثله، إطباقٌ على العقل وإنما يكون في الإكثار منة خدرٌ وفتور. وخيرٌ لك، إن كنت تخاف أن يدعوك ما رخَّص الله فيه إلى ما حرَّمَ عليك، أن تدعه كله، كما قالوا: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. وقال آخرون: قليل النبيذ الذي يسكر كثيره حلالٌ وكثيره حرام، والشربة المسكرة هي المحرمة ومثل الأربعة الأقداح التي يُسكر منها الرابع مَثلُ أربعة رجال اجتمعوا على رجل فشجَّه أحدهم [شجة] مُوضِحة ثم شجه الآخر منقِّلة ثم شجَّه الثالث مأمومة، ثم أقبل الرابع فأجهز عليه، فلا نقول إن الأول قاتله، ولا امتنع الثاني ولا الثالث، وإنما قتله الرابع الذي أجهز عليه، [وعليه] القوَد. وقال آخرون من أهل النظر إن الخمر إنما حرمت لإسكاهرا وجرائمها على شاربها فالعلة التي حرِّمت لها الخمر من الإسكار والصداع والصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة قائمة بعينهافي النبيذ كله فسبيله سبيل الخمر لا فرق بينهما في لالدليل الواضح والقياس الصحيح. وقالوا لِمن أجاز قليل ما أسكر كثيره، إنه ليس بين شارب امسكر ومواقعة السكر حدٌّ ينتهي إليه ولا يقف عنده، ولا يعلم متى يسكر حتَّى يسكر، كما لا علم للناعس متى يرقد حتى يرقد.

стр. 106

من الشراب المسكر أقداحاً كثيرة ولا يسكرر، وقد يشرب منه غير القليل فيسكر، وقال المُحِلّون لكل ما أسكر كثيره من النبيذ، إنما حرمت الخمر بعينها، خمر العنب خاصة، بالكتاب، وهي معقولة مفهومة لايمتري فيها أحد من المسلمين، وإنما حرَّمها الله تعبداً لا لعلة الإسكار كما ذكرتم، ولا لأنها رجس ولو كان ذلك كذلك، لما أحلها الله للأنبياء والمتقدمين والأُمم السالفين، ولا شربها أصحاب النبي " ص " في صدر الإسلام. وأما قولكم إنها رجس فقد صدقتم في اللفظ، وغلطتم في المعنى إن كنتم إنما أردتم أنها نَتَنٌ لأن الخمر ليست بمنتنة ولا قذرة، ولا وصفها أح بذلك، وإنما جعلها الله رجساً بالتحريم، وكذلك سمى الله تعالى المحرمات كلها خبائث، وسمي المحللات كلها طيبات، وقد ذكر الله الخمر فيما امتنَّ به على عباده قبل تحريمها فقال: ومنثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سُكراً ورزقاً حسناً. ولو أنها رجس على ما تأولتم، ما جعلها الله في جنته وسمّاها: لذة للشاربين، فإن قلتم إن خمر الجنة ليست كخمر الدنيا وإن الله نفى عنها عيوب خمر الدنيا، فقال: لا يُصدعون عنها ولا يُنزفون. وكذلك قوله في فاكهة الجنة: لا مقطوعة ولا ممنوعة، فنفى عنها عيوب فواكه الدنيا لأنها تأتي في وقت، وتنقطع في وقت. وما سمعنا أحداً وصف الخمر إلا بضدّ ما ذكرتم، من طيب النسيم وذكاء الرائحة، قال الأخطل: كأنما المسك نهباً بين أرجلنا ... إذا تضوع من ناجودها الجاري وقال الحسن: فتنفست في البيت إذ مُزجت ... كتنفس الريحان في الأنف وقال: نحن نخفيها ويأبى ... طيب عَرفٍ فتفوح وإنما قوله: رجس، كقوله: فأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم. أي كفراً إلى كفرهم. وأما منافعها التي ذكرها الله في قوله: يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثمٌ كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما، فإنها كثيرة لا تحصى، قدَّمنا منها في صدر كتابنا ما فيه كفاية. واحتجوا في قول رسول الله " ص ": كل مسكر حرام، وما أسكر الفرق منه، وهو ستة عشر رطلاً، فملء الكف منه حرام. مما رواه مالك بن أنس عن أبي سعيد الخدري أنه قدم من سفرٍ فقُدِّم إليه لحم من لحوم الأضاحي، فقال: ألم يكن رسول الله ﷺ قد ناهكم عن هذا بعد ثلاثة أيام، فقالوا: قد كان بعدك من رسول الله " ص " فيها أمر، فخرج إلى الناس، فسألهم، فأخبروه، أن رسول الله " ص " قال " كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام، فكلوا وادخروا وتصدقوا، وكنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها ولا تقولوا هُجراً. والحديثان صحيحان رواهما مالك وأثبتهما في موطئه، وإنما هما ناسخ ومنسوخ [وإنما] نهينا عن النبيذ الشديد وأن نشربه حتى نسكر، ولو كان ما يسكر كثيره يسمى قليله مسكراً أما أباح لنا منه شيئاً. وقد شرب رسول الله " ص " من سقاية العباس فوجده شديداً فقطَّب بين عينيه، ودعا بذنوب من ماءِ زمزم فصبَّ عليه، وقال: إذا كان هكذا فاكسروه بالماء. ولو كان حراماً لأراقه وما صبَّ عليه من ماء ثم شربه، فقد نسخ بشربه الصُّلب في حجة الوداع ما كان قبله. والدليل على ذلك أنه كان نهى وفد عبد القيس عن شرب المسكر، ثم وفدوا عليه بعد ذلك فرآهم مصفرةً ألوانهم، سيئة حالهم، فسألهم عن قصتهم، فأعلموه: أنهم كان لهم شراب فيه قوام أبدانهم فمنعهم منه، فأذن لهم في شربه. وأن ابن مسعود قال: شهدنا التحريم وشهدتم، وشهدنا التحليل وغبتم، وأنه كان يشرب الصلب من نبيذ الجر، حتى كثرت الروايات به عنه وشُهرت وأُذيعت واتبعه عليها التابعون من الكوفيين وجعلوه أعظم حججهم: قال في ذلك شاعرهم: من ذا يُحرِّم ماء المزن خالطه ... في جوف خابيةٍ ماء العناقيد إني لأكره تشديد الرواة لنا ... فيها ويعجبني قولُ ابن مسعود وإنما أراد أنهم كانوا يعمدون إلى الرب الذي قد ذهب ثلثاه فيزيدون عليه من الماء قدر ما ذهب منه يتركونه حتى يغلي ويسكن جأشه ثم يشربونه.

стр. 107

وكان عمر يشرب على طعامه الصلب ويقول: يقطع هذا اللحم في بطوننا. وقال الشعبي: شرب أعرابي من إداوة خمرٍ فحدَّه عمر للسكر لا للشرب. ودخل عمر على قوم يشربون فقال: نهيتكم عن معاقرة الشراب فعاقرتم وهمَّ بتأديبهم، فقالوا: مهلاً يا أمير المؤمنين، نهاك الله عن التجسس فتجسستَ، ونهاك عن الدخول بغير إذن فدخلتَ، فانصرف وهو يقول: كل الناس أفقه منك يا عُمر. وإنما نهاهم عن المعاقرة، وإدمان الشراب حتى يسكروا ولم ينههم عن الشرب. وأصل المعاقرة من عقر الحوض وهو مقام الشاربة، ولو كان عنده، ما شربوا، خمراً، لحدهم. وقيل لسعيد بن سالم: أتشرب النبيذ؟ قال: لا، قيل: ولِمَ؟ قال: أترك كثيره لله وقليله للناس. وكان سفيان الثوري يشرب النبيذ الصُّلب الذي تحمر منه وجنتاه. واحتجوا من جهة النظر أن الأشياء كلها حلال إلا ما حرم الله، قالوا: فلا نزيل يقين الحلال باختلاف ولو كان المختلفون أكثر الناس. وأهل الكوفة فقد أجمعوا على التحليل لايختلفون فيه، وتلوا قول الله : أفرأيتم ما أنزل الله لكم من رزقٍ فجعلتم منه حراماً وحلالاً، قل الله أذن لكم أم على الله تفترون. قال عبد الله بن مُصعب لشريك بن عبد الله: يا أبا عبد الله، أتشرب النبيذ، قال: نعم. فقال: سبحان الله، وكيف تشربه وقد جاء في الحديث: ما أسكركثيره فقليله حرام، قال شريك: اختلف الناس فيه، فشربنا ما اختلفوا فيه، فليتك تدعُ ما أجمعوا على تحريمه. واحتجوا في تحليل قليله بحديث علي بن أبي طالب " رض ": أن القوم يجلسون على الشراب وهو حلال فلا يزالون حتى يكون عليهم حراماً. وقال بعض أهل النظر، قال الله : إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. فنصَّ على الخمر ولم يذكر غيرها مع كثرته وشهرته، فعلم أنه قد تركه على إباحته، ولو كان أراد تحريمه لذكره ونصَّ عليه، فوجب أن القليل من هذه الأشربة الذي لا يكون منه سكرٌ، حلالٌ، للإجماع على تحريم السكر. ويُروى عن ابن مسعود أنه قال: رأيت رسول الله " ص " يطوف بالبيت فاستسقى فأُتي بقدح من نبيذ فشمَّه، وقطب، ثم دعا بماءٍ من زمزم فصبَّه فيه وشرب ثم قال: إذا اشتد عليكم نبيذكم فاكسروه بالماء. وما تقدَّم من قول ابن قتيبة أقرب إلى الصواب في التأويل. وقد قال القوم من أهل النظر: إن السكر حرام، وما كان دون السكر أو بعيداً منه فلا بأس به. واحتجوا أن عصير العنب، ما دام حلواً، فهو حلال مطلق، وكذلك إذا استحال وصار خلاً، وإنما يُحرم منه ما أسكر بالسبب المتوسط بين الحالين. وقال بعض أهل النظر: إذا انقلبت العين بطبخٍ أو مزج ماءٍ أو غيره فقد زال التحريم على القياس. وروي عن ابن عباس أنه قال: إذا كان الإنسان منتهى سكره من هذا النبيذ عشرة أقداح فشرب ثمانية أقداح أو تسعة فلم يسكر فهو رُخصة في ذلك لقول رسول الله " ص " كل مسكر حرام وفي رواية أُخرى: كل سكرٍ حرام. وروي عن عثمان بن أبي العاص أن عمر " رض " لما فطر قال: أعندكم من شرابكم شيء، قالوا: نعم، فأتوه به فشمه فسطع في خياشيمه فكسره بالماءِ وشربه. وعن أبي هريرة أن عمر شرب في جفنةٍ لناسٍ من أهل الطائف، فلما ذاقه قطَّب وقال: إذا اشتد متنه فاكسروه بالماءِ، ثم قال: إن نبيذ الطائف له عرامٌ، ثم شربه. وعن حسان بن مخارق أن رجلاً كان صائماً فأهوى، حين أفطر إلى قربةٍ فشرب منها فسكر، فأُتي به عمر ﵀، فقال الرجل: إنما شربتُ من قربتك، فقال عمر: إنما أجلدك لسكرك لا لشربك وقال: من رابه ريبٌ فليُسبحه بالماءِ. وروي عن عمرو ابن ميمون أن عمر قال: إنا لنشرب من النبيذ الشديد ليقطع لحوم الإبل في بطوننا، قال: وشربت مما عُمِل له فكان نبيذاً شديداً. وعنه قال: شهدت عمر حين طُعن فجاءه الطبيب فقال: أيُّ الشراب أَحبُّ إليك؟ قال: النبيذ، فأتي بالنبيذ فشربه فخرج من إحدى طعنتيه. وروى الأعمش عن النخعي عن علقمة قال: شربت عند ابن مسعود نبيذاً صُلباً آخره يسكر. وعن ربعيٍّ بن حراش أن عمر " رض " أتى قوماً فأخرجوا إليه نبيذاً حلواً، فقال: أعندكم ما هو أشد من هذا؟ قالوا: نعم ولكن كرهنا أن نأتيك به، فأتوه به فكسره بالماء وشرب حتى روي، ثم أعطاه الذي عن يمينه.

стр. 108

وكتب يعلى بن أُمية إلى عمر " رض " إنا نؤتى بقوم شربوا الشراب، فكتب إليه: من أُتيت به فاستقرئه أُم الكتاب وألقِ رِداءَه وأردية [أُخرى] فإن لم يعرف رداءه فأقم عليه الحد. وروى نافع بن الحارث: أن عمر قال: اشربوا هذا النبيذ فإنه يقيم الصُّلب ويهضم ما في البطن وإنه لن يغلبكم ما وجدتم الماء. وروى الأعمش 'ن موسى بن طريف عن أبيه، أن علياً " رض " كان يشرل النبيذ في الجرِّ الأخضر. وسأل رجلٌ علياً قال: أفتني في النبيذ، قال: إشرب ولا تسكر. وروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه قال: تعشيت عند علي " رض " فسقاني طلاءً فلما قمت لأخرج، كان الطريق يمنةً فأخذت يسرة، فدعاني عليّ فقال: لعل شرابنا أخذ برأسك. يا جارية، خذي معه قبساً. وروي أن رجلاً شرب من إداوةِ عليّ فسكر فجلده عليّ وقال: حدُّ النبيذ إذا أسكر ثمانون كجلد الخمر. وروي عن الحسين بن عليّ أن رجلاً سأله عن النبيذ قال: اشربه فإن خفت أن تسكر فدعه. وعن العمش عن المنذر قال: رأيت محمد بن الحنفية يشرب من نبيذ الدنِّ وكان يشرب الطلاءض الشديد. وروي عن أبي جعفر أن علي بن الحسين كان رجلاً ممعوداً وكان يوافقه انبيذ الصلب فيشربه. وقال عاصم: أدركت أقواماً يتخذون هذا الليل جملاً كانوا يلبسون المعصفر، ويشربون نبيذ الجر، لا يرون به بأساً، منهم، زِر بن حبيش وأبو وائل شقيق بن سَلَمة، وكانا يشربان نبيذ الخوابي. وكان شريح يشرب الطلاء الشديد. وروى الأعمش عن أبي إسحق قال: عرَّست فدعا أبي أصحاب عليّ وعبد الله بن مسعود، فشربوا نبيذ الخوابي وهم يرونها يسقي منها بالزواريق. والأحاديث عن هذه الطبقة من أصحاب علي " رض " كثيرة جداً. وعن غيلان ابن زيد قال: رأيت أبا عبيدة بن عبد الله يشرب النبيذ في جرٍ أخضر ويقول: إن محرم ما أحل الله كمستحل ما حرَّم الله ، وكان يشرب الطلاء حتى تحمر عيناه. وقال مكحول: إذا شرب الرجل النبيذ فطابت نفسه وطرب فليحرم بقيته عليه فإنه ليس بعد الطرب إلا السكر. وكان إبراهيم النخعي وعامر الشعبي يشربان المسكر من النبيذ، وكان يقول لا خير في النبيذ إلا الشديد منه. وقال: أفسد الناسُ النبيذ بميم زادوها في الحديث، قالوا: كل مسكر حرامٌ، وإنما هو كل سكرٍ حرام. وقال: الشربة التي تسكر من النبيذ حرام، ولم يكن يرى بنقيع الزبيب بأساً، ولم يكن يرى على سكران النبيذ حدًّا، ويقول اكتموه عن أصحاب النبيذ. وعن إسماعيل بن عبد الله قال: رأيت سعيد بن جبير يشرب نبيذ الخوابي. وحضر الحسن البصري وليمةً ومعه عشرة من أصحابه فأُتوا بطعامٍ فأكل ثم أُتي الحسنُ بنبيذ شديدٍ فشرب منه ثم ناول القوم فشربوا فقال أحدهم: الماءُ أحبُّ إليَّ، فقال الحسن: إن ذلك عليك لبيِّن. وسئل مطرف بن عبد الله بن الشخِّير عن النبيذ فقال: اشرب ما لا يهلك فيه مالك أو يذهب منه عقلك. وعن أنسٍ قال: كانت أُم سُليم تنبذ نبيذاً لها في جرٍّ أخضر، فكان رسول الله " ص " يجيءُ فيشرب منه. وسئل الضحاك بن مزاحم عن نبيذ الجرِّ فقال: لا بأس به. وسئل أبو بكر الهُذلي عن النبيذ فقال: تمادى فيه السفهاءُ حتى كرهه العلماءُ. وقال أبو بكر بن عباس المنتوف: أجمع الفقهاء على أن المسكر والخمر حرام وإذا اشتد النبيذ كُسِر بالماء وهذا لا بأس به، والله لو كان النبيذ حراماً ما اختلف فيه اثنان. وكانوا يرون ما اشتد من الأشربة التي قد طبخت على النار، حلالاً، إلا ما كان من عصير العنب فإنهم تحرجوا منه إلا ما ذهب ثلثاه وبقي عسلاً لا يشتد فإنهم أجازوا ثلثه. وكان أبو حنيفة يرى أن شرب النبيذ من السنة. وقال ابن المبارك: أما النبيذ الذي كثيره [حرام] فلو أن رجلاً شدد فيه لم أُنكر عليه ولو أن رجلاً رَخَصَ فيه لم أُنكر عليه. قال ابن المبارك: روي عن ثقات أهل الكوفة عن عمر " رض " تحليله، وروي عن ثقات أهل المدينة تحريمه، فمثله عندي كمثل رجلين تنازعا في سلعةٍ في يد أحدهما، كل واحد يقول: هي لي، وليس لواحد منهما بينة، فأقضي بينهما، فلا أقول حلالاً ولا حراماً. وقد فرقَتِ العرب بين الخمر وبين سائر الأشربة، قال الفرزدق: إن الأخامرة الثلاثة أهلكت ... مالي وكنت بها قديماً مولعاً الخمر واللحم السمين أحبُّه ... والزعفران به أروح من وعا وقال حسَّان:

стр. 109

إذا ما الأشربات ذُكرن يوماً ... فهنَّ لطِّيب الراحِ الفِداء ونشربها فتتركنا ملوكاً ... وأسداً ما ينهنهنا اللقاء وقال القلمس: نهاني امرؤٌ عن لذتي أن أنالها ... فقلت دع التقييد في الشرب للخمرِ تقضت لذاذاتي فلم تبقَ لذةٌ ... سوى شربها صهباءَ طيِّبة النشرِ إذا ما حساها المرءُ ظلَّ مرنحاً بسورتها يهذي مراراً ولا يدري أروي بها نفسي فتحيا بشربها ... ولا أشتهي شرب النبيذ من التمر ففرق بينها وبين النبيذ. وقال سوادة بن الصامت: الكأس همي والندى هِمَّتي ... والموت عندي شرب صفو النقيع والعيش صفوُ الراحِ صرفاً إذا ... نادى المنادي بصلاةِ الجميع ففرق بينها وبين النقيع ولم يعدَّه خمراً. وقد جاء أبو الأسود الدُّؤلي بأوضح من هذا فقال: دعِ الخمر يشربها الغُواة فإنني ... رأيتُ أخاها مغنياً بمكانها فإلاَّ يكنها، أو تكنه، فإنه ... أخوها، غذته أمه بلبانها فهؤلاء فُصحاء العرب، فرَّقوا بين عصير العنب وغيره فسمَّوه خمراً دون سائر الأشربة، وهكذا صفتها بكل لسان وعند كل أُمةٍ. وقد أجمعوا أن قليل الخمر وكثيره حرامٌ. وأكثرهم يشرب ما دون السكر من سائر الأشربة لأنها لا تُعرف عندهم بخمر، ولو كانت خمراً لكان القليل منها حراماً. وقد رووا عن ابن عباس، عن النبي " ص " أنه قال: حرِّمت الخمر بعينها والسكر من كل شراب. فلو أن الأشربة الشديدة كلها محرمة لما كان لقوله: حُرمت الخمر بعينها، معنىً، لأن ذلك إنما يقال لما حُرِّم وحده، فإن قال قائل: قد روينا عن جماعة من أصحاب رسول الله " ص " منهم عمر " رض " أنهم قالوا: إن الخمر من الزبيب والتمر والعسل والحنطة والشعير والذرة، وأن الخمر ما خامر العقل. وما رُوي عن أنس أنه كان يسقي عمومته من الأنصار، حتى دخل عليهم داخل فقال: إن الخمر قد حُرِّمت فأمروه بإراقتها ولم يكن خمرهم يومئذٍ إلا الفضيخ. وما شابه ذلك من الأخبار. قيل له إن هذه أخبار آحادٍ لا يثبت بها أن يُطبقوا على تحريم سائر الأشربة الشديدة لوجود اسم الخمر لها عندهم، فلما لم تُجمع المسلمون على هذه التسمية ولا اشتهرت عن العرب وجب بطلان ما ادعاه من سمَّى هذه الأشربة خمراً إذ كانت الأسماء لا تؤخذ بالقياس. وقد صحَّ بالأخبار المتواترة أن نبيذ التمر كان فاشياً بالمدينة يشربه أهلها غنيهم وفقيرهم ويجري عندهم مجرى أقواتهم، فلولا أنه أراد إطلاق الأشربة لهم لنصَّ عليه كما نص على الخمر لأن النص عليه أولى لشهرته وكثرة متناوليه ولقلة الخمر، فإنها لا تكاد توجد عندهم. العلماءُ في هذه الأشربة طبقتان: طبقة تحلُّها وطبقة تحرِّمها، وتذهب في تحريمها إلى القياس على الخمر وإلى أخبار آحادٍ جاءَت بتحريمها، نحو الخبر: بأن كلَّ مسكرٍ حرام، والخبر الآخر: ما أسكر كثيره فقليله حرام. ولم يذهب أحد في تحريمها إلى أن اسمها خمر، وقد اضطربت الرواية في هذا المعنى واختلفت اختلافاً يدل على فسادها. وهو أن بعضهم روى أن الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة. وروى آخر أنه، ﵇، قال: كل مسكرٍ خمراً، فقد صارت الخمر من مائة شيءٍ مثلاً، ومن قال أنها من شيئين كان قوله فاسداً، وكذلك من قال أنها من خمسة أشياء. ووجه آخر يوجب بطلان قول من حمل هذه الأحاديث على ظاهرها وهو أن كل مسكرٍ حرام، منها أن اللبن الرائب يسكر كثيره كقول بشر بن أبي خازم: فأما تميم، تميم بن مُرٍّ ... فألفاهُم القوم روبي نياماً قال: شربوا الرائب حتى سكروا، وليس أحد من المسلمين يُسمي اللبن خمراً. والبنج يسكر، والنوم يسكر، وإذا جاز أن تخرج هذه الأشياء من جملة قوله: كل مسكر خمر، جاز أن تخرج سائر الأشربة الشديدة التي من عصير العنب، من جملة الخمر.

стр. 110

ومنها ما جاء بأن الخمر ما خامر العقل، وقد يخامر العقل النوم، والبنج، والإغراق في الفكر، والغشي، وما أشبه هذا مما يعرض للدماغ، فظاهر الخبر يوجب أنه خمر. وقد روى ابن عباس قوله " ع ": حُرِّمت الخمر بعينها والسكر من كل شراب، فقد أباح بقوله هذا القليل مما لا يسكر كثيره، وأوجب أنها لا تكون خمراً، إذ قليل الخمر وكثيرها حرام بالإجماع. ورووا عن عليٍّ (رض) أنه قال: ما أُبالي أخمراً شربت أم مسكراً، ففرق بين الخمر والمسكر، ولو كان الخمر عنده ما أسكر، لما كان لقوله هذا معنى لأنه قال: ما أُبالي شربت خمراً أو شربت مسكراً، وهذا من قول عليٍّ، مع سائر الأخبار المروية في تحليل النبيذ الشديد، يدل على أن هذه الأشربة لم تكن خمراً عند أحدٍ، ولو كانت خمراً في الحقيقة، ما أقدموا على شرب قليلها وإنما أراد القائل منهم، حُرِّمت، وهي من خمسة أشياء، إلى ما يقيمونه مقامها من خمسة أشياء، وما يتناولونه عَرَضاً منها، من خمسة أشياء تفعل فعلها كقول القائل: فلان يأكل الخبيص، وما خبيصنا إلا التمر، وكذا قول عائشة (رض) وقد ذكرت الطيِّب فقالت: وما كان طيبهم إلا الماء. وكذلك قوله (ص) : كل مسكر حرام، أي يقوم مقام الخمر ويكون فيه من الصد عن ذكر الله، وفساد العقل ما يكون في الخمر، وكذلك قوله: ما خمرته فهو خمر، أي هو في معنى الخمر لشدته، ومعنى قول النبي (ص) : لا تشربوا مسكراً، يعني القدح الذي يوجب شربُكم له السكر، وذلك هو الآخر مما يشرب إذا كان الأول لم يوجب ذلك، ولا كان الإنسان عند شربه إياه سكران. وأما قوله: ما أسكر كثيره فقليله حرامٌ، فإنما أُريد به قليل ما قُصد إلى السكر بكثيره، لأن من قصد ذلك فشربه لأول قدح يشربه، عليه حرام، لأنه قصد أن يدوم فيه إلى السكر. وسُئل ابن عباس عن قول النبي (ص) : كل مسكر حرام، فقال: إن شرب أحدكم تسعة أقداح فلم يسكر فهو حلالٌ وإن شرب العاشر فسكر فهو حرام، وروى الضحاك عن ابن عباس قال: شهدت تحريم النبيذ كما شهدتم ثم شهدت تحليله فحفظت ونسيتم، وأما شراب ملوك الروم فإنه شراب يطبخ من عصير العنب وتطرح فيه الأفاويه فتعبق روائحها وطعومها وتزداد حرارة وطيب نكهة، وأهل الشام يسمونه الرساطون، والإسفنط لتطييبه، النفس وروى شريك عن عمرو بن حُريث، قال: سقاني ابن مسعود نبيذاً شديداً من جرِّ أخضر. وروى ابن قتيبة يرفعه إلى أنس بن مالك، أنه كان يشرب النبيذ الصلب الذي يكون في الخوابي. وقد أجمع الناس جميعاً على تحريم الخمر بكتاب الله إلا قوماً من مجَّان أصحاب الكلام فإنهم قالوا ليست الخمر محرمة، وإنما نهى الله عن شربها تأديباً كما أنه أمر في الكتاب بأشياء ونهى عن أشياء على جهة التأديب وليس فيها فرضٌ، كقوله في العبيد والإماء، فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً، وكقوله في النساء: واهجروهن في المضاجع واضربوهن، وكقوله: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط، وقالوا: لو أراد تحريم الخمر لقال: [حرمت عليكم الخمر كما قال] حرمت عليكم الميتة والدم، وليس قول هؤلاء حجة على ما أوردناه من الإجماع على تحريمها. وكان عبد الله بن داوود يقول: ما هو عندي وماء البركة إلا سواء. وقال لا بأس أن يشربه الرجل على أثر الطعام كما يشرب الماء، وأكره إدارة القدح. وقال: من أدار القدح لم تجز شهادته وشهد [رجل] عند سوَّار القاضي، فلم يُجز شهادته، فقال: أما النبيذ فإني لست تاركه ... ولا شهادة لي ما عاش سوار وكان كثير من الحجازيين يترخص فيه حتى غلط فيه مالك. وما حرَّم الله شيئاً إلا عوض ما هو خير منه، ما يطيِّب النفس ويصفي اللون ويهضم الطعام، فلا يبلغ منه إلى ما يذهب العقل ويصدع الرأس وإن كان يشرك الخمر في جناياتها وجميع آفاتها. قالوا وأما قولكم إن الخمر ما خُمِّر والنبيذ كله يُخمَّر فهو خمر، فإن الأشياء قد تتشاكل في بعض المعاني فيُسمى بعضها بعلةٍ فيه، ولا يطلق ذلك على الاسم الآخر، ألا ترى أن اللبن قد يخمر بروبة تُلقى فيه ولا يسمى خمراً، وأن نقيع التمر يسمى سُكراً ولا يُسمى غيره من النبيذ سكراً، وإن كان يسكر، وهذا في كلام العرب أكثر من أن يحاط به، ورأيت اللبن قد يسكر إسكاراً النبيذ، يقال قوم ملبنون، وقوم روبي إذا شربوا الرائب فسكروا منه. قال بشر بن أبي خازم
следующие страницы →