← Тараджим

Тараджим · id 6730

الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب

ابن فرحون، برهان الدين

Полный текст (858 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وكان من سادات المشايخ جمع بين العلم والعمل والورع والتقوى. توفي سنة ثمانين وستمائة مولده سنة خمس وتسعين وخمسمائة. محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن يوسف القرشي الهاشمي المالكي التونسي الشهير بابن القوبع شيخ المالكية بالديار المصرية والشامية العلامة الفريد في فنون العلم زكي الدين أبو الفضل نزيل القاهرة لم يخلف بعده مثله في فنونه. مولده سنة أربع وستين وستمائة بتونس. توفي بالقاهرة سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة. محمد بن قاضي الجماعة أبي العباس أحمد بن محمد بن الحسين بن الغماز كنيته أبو عبد الله الخزرجي البلنسي المجيد التونسي قاضي الجماعة بتونس كان من العلماء العاملين من أولياء الله تعالى ومن القضاة المتقين العادلين. روى عنه أبو عبد الله الوادآشي: محمد بن جابر القيسي وغيره.

стр. 807

كان علامة زمانه وجمع إلى العلم: الزهد في الدنيا وعمر حتى جاوز التسعين. توفي سنة خمس وثمانين وسبعمائة. محمد بن عبد الله بن سعيد بن عابد المعافري القرطبي يكنى أبا عبد الله سمع بمصر من أبي بكر المهندس وأبي بكر: أحمد بن الحسين البصري وروى عن أبي عبد الله بن مفرج وأبي محمد الأصيلي وأبي سليمان: أيوب بن حسين وعباس بن أصبغ وزكرياء بن الأشج وأبي القاسم الوهراني وغيرهم جمعاً كثيراً. ورحل إلى المشرق سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة ولقي في طريقه أبا محمد بن أبي زيد فسمع منه بعض تآليفه وحج ثم رجع إلى أبي محمد بن أبي زيد فسمع منه أيضاً. وكان معتنياً بالإجازة والآثار ثقة فيما رواه وعنى به. وكان خيراً فاضلاً ديناً متواضعاً متصاوناً مقبلاً على ما يعنيه وله حظ من الفقه والبصر بالمسائل ودعي إلى الشورى بقرطبة فأبى من ذلك وحدث عنه جماعة من العلماء منهم أبو عبد الله بن عتاب ونظراؤه. مولده سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة. توفي في سنة تسع وثلاثين وأربعمائة وعابد بالباء الموحدة.

стр. 808

محمد بن عبد الله بن قيس أبو محرز الكناني قاضي إفريقية كان رجلاً فاضلاً سمع من مالك بن أنس وروى عنه وولي القضاء بإفريقية وفيه أنشد: خلت الديار فسدت غير مسود ... ومن الشقاء تفردي بالسؤدد توفي سنة أربع عشرة ومائتين. محمد بن محمد بن عبد الملك بن سعيد الأنصاري الأوسي الإمام العلامة الأوحد المصنف الأديب المفتي الفقيه المقرئ المؤرخ الحافظ المقيد أبو عبد الله قاضي مراكش. من جملة شيوخه أبو زكرياء بن أبي عتيق تلا عليه القرآن بالسبع وأبو القاسم البلوي والقاضي أبو محمد: الحسن بن الإمام الحافظ أبي الحسين محمد بن علي والعلامة أبو الحسن: علي بن محمد بن علي الفخار الرعيني الإشبيلي الكاتب وغيرهم. مولده ليلة الأحد عاشر ذي القعدة سنة أربع وثلاثين وستمائة. وتوفي سنة ثلاث ودفن بتلمسان.

стр. 809

محمد بن عمران بن موسى بن عبد العزيز بن محمد بن حزم الشريف الحسيني يكنى أبا محمد بن أبي عبد الله ويعرف بالشريف الكركي ويلقب شرف الدين. الإمام العلامة المتفنن ذو العلوم شيخ المالكية والشافعية بالديار المصرية والشامية في وقته يقال إنه أتقن ثلاثين فناً من العلوم وأكثر من ذلك بل قال الإمام العلامة شهاب الدين القرافي: إنه تفرد بمعرفة ثلاثين علماً وحده وشارك الناس في علومهم. قدم من المغرب فقيهاً بمذهب مالك وصحب الشيخ عز الدين بن عبد السلام وتفقه عليه في مذهب الشافي وتفقه في مذهب مالك على الشيخ الإمام أبي محمد: صالح فقيه المغرب في وقته واشتغل عليه الشهاب القرافي. ومولده بمدينة فاس من بلاد المغرب. وتوفي بمصر سنة ثمان أو تسع وثمانين وستمائة. محمد بن محمد بن مسعود الباهلي الجياني ثم البجائي المعروف بابن المفسر الإمام العلامة المتفنن المفسر المصنف الأوحد نادرة العصر يكنى أبا عبد الله توفي سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة.

стр. 810

محمد بن عبد الرحمن بن عسكر البغدادي الإمام العالم العلامة المتفنن الجامع بين المنقول والمعقول القائم بلواء مذهب مالك رحمه الله تعالى ببغداد كان ﵀ فاضلاً في الفقه متقناً للأصول والجدل والمنطق والعربية. إماماً في علومه لا يجارى رحلة للطلاب وولي قضاء بغداد وولي الحسبة بها وكانت له هيبة عظيمة وهمة سرية ومكارم أخلاق وكان مدرس المدرسة المستنصرية. وله تآليف منها شرح الإرشاد من تآليف والده في مذهب مالك وشرح مختصر بن الحاجب في المذهب وشرح مختصر بن الحاجب أيضاً في الأصول وله تفسير كبير بلغني قديماً قبل وفاته بنحو خمسة عشر عاماً أنه وصل فيه إلى سورة تبارك وله تعليقة في علم الخلاف وله أجوبة اعتراضات لابن الحاجب كذا كتب إلي به من بغداد بعض المحدثين. وأخوه القاضي الفاضل العالم العامل مفيد الطلاب الشهير بشمس الدين: محمد بن عسكر البغدادي. اجتمعت به بمصر بمنزله بالقاهرة شيخاً فاضلاً حسن السمت والوقار كثير المذاكرة ولي قضاء القضاة المالكية بدمشق ثم عزل ورجع إلى القاهرة وضعف بصره فلزم بيته وعرضت عليه مدارس ومناصب جمة فلم يقبل شيئاً من ذلك ولزم بيته للإسماع والإفادة. توفي شمس الدين في سنة ست وتسعين وسبعمائة ومولده سنة إحدى وسبعمائة.

стр. 811

محمد بن ميمون بن عمر الإفريقي أبو عمر الفقيه قاضي القيروان وقاضي صقلية عاش مائة سنة أو أكثر وكان آخر من روى عن سحنون بالمغرب وعن أبي مصعب الزهري. توفي سنة عشرين وثلاثمائة ذكره الذهني في العبر. محمد بن عبد الله بن راشد البكري القفصي يكنى أبا عبد الله كان فقيهاً فاضلاً محصلاً وإماماً متفنناً في العلوم واشتغل ببلده وحصل ثم رحل إلى تونس فأقام بها زماناً ملازماً للاشتغال بالعلم ثم رحل إلى المشرق فتفقه بالإسكندرية بالقاضي ناصر الدين الإبياري تلميذ أبي عمرو بن الحاجب وهو المأذون في إصلاح كتاب بن الحاجب الفرعي وتفقه أيضاً بضياء الدين بن العلاف وأخذ عن محي الدين الشهير بحافي رأسه. وكان مجيداً في العربية وعلم الأدب ثم رحل إلى القاهرة فلقي بها الإمام العلامة شهاب الدين القرافي فتفقه عليه ولازمه وانتفع به وأجازه بالإمامة في أصول الفقه وفي الفقه وكان عالماً بالعربية وتعبير الرؤيا وغير ذلك وكان يحضر عند الشيخ الإمام تقي الدين بن دقيق العيد في إقرائه مختصر بن الحاجب الفقهي وأخذ عن شمس الدين الأصبهاني وغيره. وحج في سنة ثمانين وستمائة

стр. 812

ثم رجع إلى المغرب بعلم جم وولي قضاء قفصة ثم عزل. وله تآليف منها كتاب الشهاب الثاقب في شرح مختصر بن الحاجب الفقهي وكتاب الذهب في ضبط قواعد المذهب جمع فيه جمعاً حسناً سمعت أبا عبد الله بن مرزوق يقول: ليس للمالكية مثله وكتاب النظم البديع في اختصار التفريع وكتاب تحفة اللبيب في اختصار كتاب بن الخطيب ونخبة الواصل في شرح الحاصل في أصول الفقه والمرتبة السنية في علم العربية والمرتبة العليا في تعبير الرؤيا كتاب غريب في فنه وله غير ذلك من التقاييد الحسنة. واستجازه شيخنا عفيف الدين المطري في سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة وكان بالحياة في وصول السلطان أبي الحسن المريني إلى تونس ولم أقف على تاريخ وفاته ﵀ ورضي عنه. محمد بن عبد السلام بن يوسف بن كثير قاضي الجماعة بتونس كان إماماً عالماً حافظاً متفنناً في علمي الأصول والعربية وعلم الكلام وعلم البيان فصيح اللسان صحيح النظر قوي الحجة عالماً بالحديث له أهليه الترجيح بين الأقوال لم يكن في بلده في وقته مثله.

стр. 813

سمع من أبي العباس البطرني وأدرك جماعة من الشيوخ الجلة وأخذ عنهم وولي قضاء الجماعة فكان قائماً بالحق ذاباً عن الشريعة المظهرة شديداً على الولاة صارماً مهيباً لا تأخذه في الحق لومة لائم وتخرج بين يديه جماعة من العلماء الأعلام كأبي عبد الله بن عرفة الورغمي ونظرائه موصوفاً بالدين والعفة والنزاهة معظماً عند الخاصة والعامة وله تقاييد وشرح مختصر بن الحاجب الفقهي شرحاً حسناً وضع عليه القبول فهو أحسن شروحه وكان قد شرع فيه وهو في حال ضيق ومحنة أصيب بها أسوة العلماء قبله فلم يحضره كتب حتى أنه ذكر في كتابه أنه لم يقدر على الوقوف على مختصر بن الجلاب لمراجعة مسألة نسبت إليه حتى وصل في الشرح نحو ثلث الأصل ثم أكمله إكمالاً حسناً ثم فرج الله عنه وعظم قدره وانتشر ذكره وانتفع به الناس. توفي سنة تسع وأربعين وسبعمائة. محمد بن محمد بن عبد النور الحميري التونسي كان من صدور العدول المبرزين أخذ العلم عن القاضي الإمام العالم أبي القاسم بن زيتون والقاضي الخطيب أبي محمد بن برطلة الأزدي وله تفنن في سائر العلوم وله تصانيف في عدة علوم واختصر تفسير الإمام فخر الدين بن الخطيب في سبعة أسفار اختصاراً حسناً سماه: نفحات الطيب في اختصار تفسير

стр. 814

ابن الخطيب وله على الحاصل تقييد كبير في سفرين وله في الفقه كتاب جمع فيه فتاوى على طريقة أحكام بن سهل سماه الحاوي في الفتاوى وله غير ذلك وكان بالحياة عام ست وعشرين وسبعمائة. محمد بن محمد بن عرفة الورغمي التونسي يكنى أبا عبد الله هو الإمام العلامة المقرئ الفروعي الأصولي البياني المنطقي شيخ الشيوخ وبقية أهل الرسوخ روى الشيخ أبو عبد الله بن عرفة عن المحدث أبي عبد الله: محمد بن جابر الوادي آشي الصحيحين - سماعاً وأجازه. روى عن الفقيه القاضي أبي عبد الله بن عبد السلام وسمع عليه موطأ مالك وعلوم الحديث لابن صلاح وعن الفقيه المحدث الراوية أبي عبد الله: محمد بن حسين بن سلمة الأنصاري وقرأ عليه القرآن العظيم بقراءة الأئمة الثمانية. وتفقه على الإمام أبي عبد الله: محمد بن عبد السلام وأبي عبد الله محمد بن هارون محمد بن حسن الزبيدي وأبي عبد الله الآبلي ونظرائهم وتفرد بشيخوخة العلم والفتوى في المذهب له التصانيف العزيزة والفضائل العديدة انتشر علمه شرقاً وغرباً فإليه الرحلة في الفتوى والاشتغال بالعلم والرواية حافظاً للمذهب ضابطاً لقواعده إماماً في علوم القرآن مجيداً

стр. 815

في العربية والأصلين والفرائض والحساب وعلم المنطق وغير ذلك. وله في ذلك تآليف مفيدة. تخرج على يديه جماعة من العلماء الأعلام وقضاة الإسلام فعن رأيه تصدر الولايات وبإشارته تعين الشهود للشهادات ولم يرض لنفسه الدخول في الولايات بل اقتصر على الإمامة والخطابة بجامع الزيتونة وانقطع للاشتغال بالعلم والتصدر لتجويد القراءات. أجمع على اعتقاده ومحبته الخاصة والعامة ذا دين متين وعقل رصين وحسن إخاء وبشاشة وجه للطلاب صائم الدهر لا يفتر عن ذكر الله وتلاوة القرآن إلا في أوقات الاشتغال منقبضاً عن مداخلة السلاطين لا يرى إلا في الجامع أو في حلقة التدريس لا يغشى سوقاً ولا مجتمعاً ولا مجلس حاكم إلا أن يستدعيه السلطان في الأمور الدينية كهفاً للواردين عليه من أقطار البلاد يبالغ في برهم والإحسان إليهم وقضاء حوائجهم وقد خوله الله تعالى في رياسة الدين والدنيا ما لم يجتمع لغيره في بلده له أوقاف جزيلة في وجوه البر وفكاك الأسارى ومناقبه عديدة وفضائله كثيرة. وله تآليف منها: تقييده الكبير في المذهب في نحو عشرة أسفار جمع فيه ما لم يجتمع في غيره أقبل الناس على تحصيله شرقاً وغرباً. وله في أصول الدين تأليف عارض به كتاب الطوالع للبيضاوي واختصر كتاب الحوفي اختصاراً وجيزاً وله تأليف في المنطق وغير ذلك وأقام والده بالمدينة على منهاج الصالحين والسلف الماضين.

стр. 816

توفي فيما أظن سنة ثمان وأربعين وسبعمائة ودفن بالبقيع. وحج الشيخ أبو عبد الله في سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة فتلقاه العلماء وأرباب المناصب بالإكرام التام واجتمع بسلطان مصر الملك الظاهر فأكرمه وأوصى أمير الركب بخدمته ولما زار المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام نزل عندي في البيت. وكان يسرد الصوم في سفره وهو باق بالحياة وذكر لي مولده أنه سنة ست عشرة وسبعمائة نفع الله تعالى به. محمد بن محمد بن حسن اليحصبي البروني التلمساني استقر ببلد الجزائر فقيه في المذهب موصوف بالعلم والإتقان حاز رياسة العلم في قطره حسن التعليم أخذ العلم على بني الإمام أبي زيد وأخيه أبي موسى وعن أبي عبد الله الآبلي والفقيه عمران المشذالي وغيرهم وقد انفرد بمعرفة مختصر بن الحاجب الفقهي وله عليه شرح قارب إكماله وهو باق بالحياة نفع الله به. محمد بن يوسف بن موسى بن يوسف بن موسى بن يوسف بن مسدي المهلبي من أهل غرناطة وهو الفقيه الإمام البارع العلامة الأوحد الحافظ الناقد الخطيب البليغ الأديب جمال الدين أبو المكارم.

стр. 817

سمع بجيان على أبي عبد الله بن صلتان وأخذ بغرناطة وغيرها وبمدينة فاس عن أبي البقاء: يعيش بن العديم وأبي محمد بن زيدان وأخذ بالمشرق عن جعفر الهمذاني وغيره والتزم المجاورة بالحرم الشريف المكي وأفتى به وألف في مناسك الحج كتاباً سماه إعلام الناسك بأعلام المناسك محرر الائتلاف بين الإجماع والخلاف ذكر فيه المذاهب الأربعة وغيرها من الخلاف العالي وخلاف بعض الفرق كالزيدية والإمامية وأفتى فيه بفوائد جمة. وكان يميل إلى الأخذ بالحديث وكتبت نسبه وأسماء شيوخه من برنامج الإمام العلامة أبي جعفر بن الزبير. توفي بن المسدي بمكة المشرفة سنة ثلاث وستين وستمائة. ومن المدارك من اسمه موسى قال القاضي عياض ومن الطبقة الوسطى من أصحاب مالك من أهل اليمن: موسى بن قرة بن طارق السكسكي أبو محمد وأبو قرة لقب له الجندي بجيم ونون مفتوحتين ودال مهملة مكسورة منسوب إلى الجند ناحية باليمن وقيل هو من أهل زبيد من أهل الحصيب قاض لهم.

стр. 818

روى عن مالك ما لا يحصى حديثاً ومسائل وروى عنه الموطأ وله كتابه الكبير وكتابه المبسوط وسماع معروف في الفقه عن مالك يرويه عنه علي بن زياد الحجي. وذكره أبو عمرو المقرئ في القراء فقال: قرأ أبو قرة على نافع وروى عن إسماعيل القسط وموسى بن عقبة ومالك وابن جريج وابن عيينة. عنه علي بن زياد الحجي وابن حنبل وابن راهويه قال أبو حاتم: هو ثقة محله الصدق وأثنى عليه بن حنبل خيراً ولم يذكر وفاته. ومن الطبقة الرابعة ممن التزم مذهب مالك ولم يره من أهل إفريقية: موسى أبو الأسود بن عبد الرحمن بن حبيب المعروف بالقطان مولى بني أمية سمع من محمد بن سحنون ومحمد بن عامر الأندلسي وعلى بن عبد العزيز وغيرهم روى عنه تميم بن أبي العرب وأبو القاسم السوري وغيرهما وما أعجب أهل مصر بمن قدم عليهم من القيروان إعجابهم به وأبي العباس بن طالب. كان ثقة فقيهاً حافظاً من الفقهاء المعدودين والأئمة المشهورين وله أوضاع كثيرة في العلم.

стр. 819

كان يحسن الكلام في الفقه على مذهب مالك وأصحابه ولي قضاء طرابلس فنفذ الحقوق وأخذها للضعيف من القوي فبغي عليه وأوذي فعزل وحبس في الكنيسة شهوراً ثم أطلق وكان سبب إطلاقه في رجل اشترى حوتاً فوجد في بطنه آخر فاختلفوا: هل هو للبائع أو للمشتري؟ فأفتى موسى: إن كان الشراء على الوزن فهو للمشتري وإن كان على الجزاف فهو للبائع فقال الوالي: مثل هذا لا يسجن وأطلقه وألفت الناس في فضائله وألف أبو الأسود أحكام القرآن اثني عشر جزءاً. وتوفي في ذي القعدة سنة ست وثلاثمائة وهو بن إحدى وسبعين سنة ومولده سنة اثنتين وثلاثين ومائتين. قال ربيع القطان: لما غسلناه وكفناه وأغلقنا عليه البيت وخرجنا إلى المسجد وبقي عنده النساء في الدار فلما جئنا أخبرنا النساء أنهن سمعن جلبة عظيمة فظننا أن الرجال في البيت فعجبنا من ذلك وتأولنا أنهم الملائكة تزاحمت عليه. وقال بعضهم: رأيت صاحباً لنا في النوم فسألته عن أستاذنا موسى فقال: ذاك رجل يدخل على الله متى شاء.

стр. 820

ومن الطبقة الثامنة من أهل إفريقية: موسى أبو عمران بن عيسى بن أبي حجاج الغفجومي وغفجوم فخذ من زنانة. قلت: غفجوم بالغين المعجمة والفاء المفتوحة والجيم المضمومة: قبيلة من البربر أصله من فاس وبيته منها بيت مشهور معروف يعرفون ببني حجاج وله عقب وفيهم نباهة إلى الآن. استوطن القيروان وحصلت له بها رياسة العلم وتفقه بأبي الحسن القابسي ورحل إلى قرطبة فتفقه بها عند الأصيلي وسمع من أبي عثمان وعبد الوارث وأحمد بن قاسم وغيرهم. ورحل إلى المشرق وحج ودخل العراق فسمع من أبي الفتح بن أبي الفوارس وأبي الحسن المستملي ودرس الأصول على القاضي أبي بكر الباقلاني ولقي جماعة وسمع من أبي ذر ثم ترك أن يسميه لشيء جرى بينهما فكان يقول فيما سمع منه: حدثني الشيخ أبو عيسى إذ كان يكنى بذلك قال حاتم بن محمد: كان أبو عمران من أحفظ الناس وأعلمهم جمع حفظ المذهب المالكي إلى حديث النبي ﷺ ومعرفة معانية وكان يقرأ القرآن بالسبع ويجوده مع معرفته بالرجال وجرحهم وتعديلهم. أخذ عنه الناس من أقطار المغرب والأندلس واستجازه من لم يلقه وله كتاب التعليق على المدونة كتاب جليل لم يكمل وغير ذلك وخرج من عوالي إلى حديث نحو مائة ورقة.

стр. 821

قال حاتم: ولم ألق أحداً أوسع علماً منه ولا أكثر رواية وذكر أن الباقلاني كان يعجبه حفظه ويقول له: لو اجتمعت في مدرستي أنت وعبد الوهاب وكان إذ ذاك بالموصل لاجتمع علم مالك أنت تحفظه وهو ينصره؟ وتوفي أبو عمران سنة ثلاثين وأربعمائة. وهو بن خمس وستين سنة. موسى بن أحمد ويقال محمد بن سعد اليحصبي يعرف بالوتد قرطبي يكنى أبا محمد سمع من قاسم بن محمد وأحمد بن مطرف ومحمد بن يحيى بن عبد العزيز. كان بصيراً بالشروط وله فيها تأليف حسن وله حظ من تعبير الرؤيا وقلد الشورى وتصرف في رفع كتب المظالم إلى المنصور ودرس عليه الفقه وحدث ونسب إليه تخليط كثير شهر به وعرف منه يعني في الحديث. توفي سنة سبع وسبعين وثلاثمائة.

стр. 822

من اسمه مروان من الطبقة الثامنة ممن لم ير مالكاً من أهل إفريقية مروان أبو عبد الملك بن علي البوني أندلسي الأصل سكن بونة من بلاد إفريقية وكان من الفقهاء المتفننين ذكره صاحب الصلة أخذ عن أبي محمد الأصيلي والقاضي أبي المطرف وعبد الرحمن بن فطيس وأخذ عن أبي الحسن القابسي وأحمد بن نصر الداودي. وكان رجلاً حافظاً فذاً في الفقه والحديث وكان رجلاً صالحاً مات قبل الأربعين وأربعمائة. وله تأليف في شرح الموطأ مشهور حسن رواه عنه حاتم الطرابلسي وابن الحذاء.

стр. 823

من اسمه مطرف من الطبقة الوسطى من أهل إفريقية: مطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان بن يسار اليساري الهلالي أبو مصعب ويقال: أبو عبد الله مولى ميمونة أم المؤمنين زوج النبي ﷺ ورضي عنها. كان جد أبيه سليمان مشهوراً مقدماً في العلم والفقه وكان هو وإخوته عطاء وعبد الله وعبد الملك بنو يسار مكاتبين لميمونة أم المؤمنين ﵂ أخذ عن جميعهم العلم ومطرف هو بن أخت مالك بن أنس الإمام وكان أصم. روى عن مالك وغيره. روى عنه أبو زرعة وأبو حاتم والبخاري وخرج عنه في صحيحه تفقه بمالك وهو ثقة. وقال بن حنبل: كانوا يقدمونه على أصحاب مالك صحب مالكاً سبع عشرة سنة. مات سنة عشرين ومائتين بالمدينة - في صفر منها - وسنه بضع وثمانون سنة.

стр. 824

مطرف بن عبد الرحمن بن إبراهيم القرطبي يكنى أبا سعيد روى عن يحيى بن يحيى وسعيد بن حسان وابن حبيب ورحل فسمع من سحنون ونظراء من ذكرنا كثيراً. كان بصيراً بالفقه والنحو واللغة والشعر بصيراً بالوثائق وكان مشاوراً في الأحكام ذا زهد وورع وفضل وانقباض عن السلطان. توفي في سنة اثنتين وثمانين ومائتين. من اسمه مكي من الطبقة الثامنة ممن لم ير مالكاً من أهل الأندلس: مكي أبو محمد بن أبي طالب بن محمد بن مختار القيسي كان فقيهاً مقرئاً أدبياً وله رواية وغلب عليه علم القرآن وكان من الراسخين فيه أخذ بالقيروان عن أبي محمد بن أبي زيد وأبي الحسن القابسي وحج ولقي بالمشرق جلة من الشيوخ وأخذ عنهم منهم: أبو القاسم المالكي وابن فارس وإبراهيم المروزي وأبو العباس وجماعة. ودخل قرطبة أيام المظفر بن أبي عامر - سنة ثلاث وتسعين - ولا يؤبه بمكانه إلى أن نوه بمكانه بن ذكوان القاضي وأجلسه في الجامع فنشر علمه وعلا ذكره ورحل الناس إليه من كل قطر وولي الشورى والخطبة والصلاة إلى أن قعد عنها زمن الفتنة وصنف تصانيف كثيرة في علوم

стр. 825

القرآن وغير ذلك منها: الإيجاز واللمع في الإعراب روى عنه جلة كابن عتاب وحاتم بن محمد وبعدهم أبو الأصبغ بن سهل. وتوفي في صدر محرم سنة سبع وثلاثين وأربعمائة. مكي بن عوف مؤلف العوفية تقدم ذكره مع ذكر جده إسماعيل بن مكي في حرف الألف. الأفراد في حرف الميم من الطبقة الأولى من أصحاب مالك من أهل المدينة: المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ويقال أيضاً بن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش ويقال بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عياش وأمه قريبة بنت محمد بن عمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي سمع أباه وجماعة كهشام بن عروة وأبي الزناد ومالك وغيرهم. وروى عنه جماعة كمصعب بن عبد الله وأبي مصعب الزبيري وغيرهما قيل لا بأس به

стр. 826

خرج عنه البخاري. وقال يحيى: هو ثقة وكان مدار الفتوى في زمان مالك على المغيرة ومحمد بن دينار وكان بن أبي حازم ثالثهم وعثمان بن كنانة وكان بين مالك وبينه أول مرة معارضة ثم زالت وجالسه. وكان لمالك مجلس يقعد فيه وإلى جانبه المغيرة لا يجلس فيه سواه وإن غاب المغيرة. وعرض عليه الرشيد القضاء بالمدينة وجائزته أربعة آلاف دينار فأبى أن لا يلزمه ذلك وقال: والله يا أمير المؤمنين لأن يختنقني الشيطان أحب إلي من القضاء فقال الرشيد: ما بعد هذا شيء وأعفاه وأجازه بألفي دينار. كان فقيه المدينة بعد مالك وله كتب فقه قليلة في أيدي الناس. مولده سنة أربع وعشرين ومائة وتوفي سنة ثمان وثمانين وقيل في صفر يوم الأربعاء لسبع خلون منه سنة ست وثمانين ومائة. ومن الوسطى من أهل المدينة: معن بن عيسى القزاز كان يبيع القز مولى أشجع أبو يحيى. روى عن مالك وجماعة وروى عنه بن المديني وابن معين والحميدي وسحنون. وكان ربيب مالك وهو الذي قرأ عليه الموطأ للرشيد وابنيه الأمين

стр. 827

والمأمون وخلف مالكاً في الفقه بالمدينة وله سماع من مالك معروف وهو من كبار أصحاب مالك. كان أشد الناس ملازمة لمالك وكان يتكئ عليه عند خروجه إلى المسجد حتى قيل له عصية مالك وهو ثقة خرج عنه البخاري ومسلم. قال أبو حازم الرازي: أوثق أصحاب مالك وأثبتهم معن. وسئل يحيى عن الثبت في أصحاب مالك فقال: القعنبي ومعن. وسمع معن من مالك أربعين ألف مسألة. مات معن سنة ثمان وتسعين ومائة في شوال منها بالمدينة. ومن أهل مصر: مسكين بن عبد العزيز هو أشهب وقد تقدم التعريف به في حرب الألف وقد نبهت هناك على اسمه. ومن الطبقة السادسة من أهل العراق ومن غير آل حماد: عبد المحسن القاضي أبو العلاء بن محمد بن العباس البغدادي من علماء المالكية واختصر المبسوط سماه المقتضب من المبسوط وله كتاب في الفروق ويعرف بابن البصري.

стр. 828

ومن الثامنة من أهل الأندلس: المهلب أبو القاسم بن أحمد بن أسيد بن أبي صفرة التميمي سكن المرية. من أهل العلم الراسخين المتفننين في الفقه والحديث والعبادة والنظر. صحب الأصيلي وتفقه معه. وكان صهره وسمع القابسي وأبا ذر الهروي ويحيى بن محمد الطحان وأبا جعفر وأبا عبد الله بن مناس وغيرهم. وولي قضاء مالقة. قال أبو الأصبغ بن سهل: كان أبو القاسم من كبار أصحاب الأصيلي وبه حيي كتاب البخاري بالأندلس لأنه قرأه تفقهاً أيام قراءته وشرحه واختصره اختصاراً مشهوراً سماه النصيح في اختصار الصحيح وعلق عنه تعليق حسن على البخاري وسمع منه بن المرابط وأبو عمر بن الحذاء وأبو العباس الدلائي وحاتم بن محمد. توفي سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة.

стр. 829

ومن التاسعة من أهل الشام: مسلم بن علي بن عبد الله بن محمد بن حسن الدمشقي أبو الفضل اختص بالقاضي عبد الوهاب فشهر به وله كتاب في الفروق معروف حدث عنه الناس وأخذ عنه من أهل سبتة قاسم المأمون.

стр. 830

حرف الهاء هشام بن أحمد بن هشام الهلالي يكنى أبا الوليد من أهل غرناطة كان فقيهاً جليلاً سنياً مسنداً ثقة عدلاً مناظراً في الحديث والرأي وأصول الدين. ولي قضاء غرناطة. أخذ عن أبي الوليد الباجي وأبي العباس العذري الدلائي. مولده في سنة أربع وأربعين وأربعمائة. توفي في سنة ثلاثين وخمسمائة. هاشم بن خالد الأنصاري البيري كان من العلماء الحفاظ ولقب بالسقط لحفظه وقصد إليه في الإمامة بحاضرة البيرة وقرئ عليه. سمع من أصحاب محمد بن فطيس وغيرهم من أصحاب سحنون ورحل فسمع من يونس بن عبد الأعلى وغيره. توفي سنة ثلاثمائة.

стр. 831

هارون بن عبد الله بن الزهري العوفي المكي المالكي القاضي. نزيل بغداد الإمام أبو يحيى ويقال: أبو موسى. تفقه بأصحاب مالك قال أبو إسحاق الشيرازي: هو أعلم من صنف الكتب في مختلف قول مالك. وقال الخطيب: إنه سمع من مالك وإنه ولي قضاء العسكر ثم قضاء مصر. توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائة.

стр. 832

حرف الواو ومن الطبقة الخامسة من أهل الأندلس: وهب بن مسرة بن مفرج بن حكيم التميمي الحجازي أبو الحزم سمع بقرطبة من بن وضاح وعبيد الله وأحمد بن إبراهيم الفرضي والأعناقي وابن معاذ وأبي صالح وأسلم وأبي الوليد وابن أبي تمام ومحمد بن أبي تمام ومحمد بن عمر بن لبابة وطاهر بن عبد العزيز وأحمد بن خالد وابن أيمن ومحمد بن قاسم وقاسم بن أصبغ والخشني وببلده من بن وهب وابن أبي نخيلة ومحمد بن عزرة وغيرهم. كان حافظاً للفقه بصيراً بالحديث واللغة بصراً حسناً ضابطاً لكتبه مع ورع وفضل أفتى بموضعه وله أوضاع حسنة واستقدم بكتبه إلى قرطبة وأخرجت إليه أصول بن وضاح اللاتي سمع فيها فسمعت عليه وسمع منه علم كثير. وهو إمام ثقة مأمون وإليه كانت الرحلة أيام حياته ثم انصرف إلى بلده. حدث عنه أبو محمد القلعي وأثنى عليه وحدث عنه غير واحد. وكان يتكلم في الحديث وعلله وكان خيراً فاضلاً وله كتاب في السنة وإثبات القدر والرؤية والقرآن رحمه الله تعالى.

стр. 833

حرف الياء من اسمه يحيى من الطبقة الوسطى من أصحاب مالك من أهل البصرة والعراق وما وراءهما من بلاد المشرق: يحيى بن يحيى بن بكير بن عبد الرحمن التميمي مولى لهم ويقال: مولى بني منقر بن سعد بن عمرو بن تميم النيسابوري قرأ على مالك الموطأ ولازمه مدة للإقتداء به وهو معدود في الفقهاء من أصحاب مالك وروى عن الليث والحمادين وابن عيينة وغيرهم. وكان ثقة مأموناً مرضياً. روى عنه جماعة من الأئمة كابن راهويه والذهلي والبخاري ومسلم وخرجا عنه في الصحيح كثيراً ورحل يحيى إلى مصر والشام والعراق وغيرها. وقال بن حنبل: ما أخرجت خراسان بعد بن المبارك مثله. وأثنى عليه أبو زرعة ووثقه. وقال إسحاق بن راهويه: لم أكتب العلم عن أحد أوثق في نفسي منه ومن الفضل بن موسى الشيباني. قال: وكان يحيى رجلاً عاقلاً.

стр. 834

وقال: يحيى أثبت من بن مهدي وقال: ما رأيت مثل يحيى بن يحيى أي ولا أراه رأى مثل نفسه. وقال محمد بن مسلمة: رأيت النبي ﷺ في المنام فقلت: عمن أكتب العلم؟ فقال: " عن يحيى بن يحيى ". وكان من العباد فاضلاً. وقال يحيى بن الشهيد: ما رأيت محدثاً أورع من يحيى بن يحيى ولا أحسن لباساً منه. قال أبو بكر بن إسحاق: لم يكن بخراسان أعقل من يحيى بن يحيى وكان أخذ تلك الشمائل من مالك بن أنس أقام عليه لأخذها منه بعد أن فرغ من سماعه فقيل له في ذلك فقال: إنما أقمت مستفيداً لشمائله فإنها شمائل الصحابة والتابعين. وكان يحيى بن يحيى من المياسير وذكر أنه أهدى إلى مالك هدية باع ورثة مالك فضلتها بثمانين ألفاً. توفي يوم الأربعاء منسلخ صفر من سنة ست وعشرين ومائتين.

стр. 835

ومن أهل الأندلس: يحيى بن يحيى بن كثير بن وسلاس يكنى أبا محمد وأبوه يحيى يكنى بأبي عيسى وهو من مصمودة طنجة ويتولى بني ليث وأسلم وسلاس جدهم على يد يزيد بن أبي عامر الليثي ليث كنانة فهذا - والله أعلم - سبب انتمائهم إلى ليث وكانوا يعرفون ببني أبي عيسى. سمع يحيى مالكاً والليث وحج وكان لقاؤه لمالك سنة تسع وسبعين السنة التي مات فيها مالك ثم عاد فحج ولقي جلة أصحاب مالك. وكانت له رحلتان من الأندلس سمع في الأولى من مالك والليث وابن وهب واقتصر في الأخرى على بن القاسم وبه تفقه. سمع يحيى لأول نشأته من زياد موطأ مالك وسمع من يحيى بن مضر ثم رحل وهو بن ثمان وعشرين سنة فسمع من مالك الموطأ غير أبواب في كتاب الاعتكاف شك فيها فحدث بها عن زياد وسمع من نافع بن أبي نعيم القارئ ومن بن عيينة وسمع من بن وهب موطأه وجامعه ومن بن القاسم مسائل وحمل عنه عشرة كتب وكتب سماعه وحضر جنازة مالك وقدم الأندلس بعلم كثير فعادت فتيا الأندلس بعد عيسى بن دينار إلى رأيه.

стр. 836

وبيحيى وبعيسى انتشر مذهب مالك. وكان يحيى يفضل بالعقل على علمه. وقال بن لبابة: فقيه الأندلس عيسى بن دينار وعالمها: بن حبيب وعاقلها يحيى. وإليه انتهت الرياسة في العلم بالأندلس وكان مالك يعجبه سمت يحيى وعقله وسماه العاقل وكان ثقة عاقلاً حسن الهدي والسمت يشبه سمته سمت مالك ولم يكن له بصر بالحديث وكان أخذ بزي مالك وسمته. قال يحيى: لما ودعت مالكاً سألته أن يوصيني فقال: عليك بالنصيحة لله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم وقال لي الليث مثل ذلك. وامتدت أيام يحيى إلى أن توفي في رجب سنة أربع وثلاثين ومائتين وقيل في ذي الحجة وقيل توفي سنة ثلاث وثلاثين وكان سنه يوم توفي ثنتين وثمانين سنة. قال صاحب الوفيات: وسلاس بكسر الواو وسينين مهملتين: الأولى ساكنة وبينهما لام ألف ويزاد فيه نون فيقال ونسلاس ومعناه بالبربرية: يسمعهم.

стр. 837

ومن الطبقة الثالثة ممن لم ير مالكاً والتزم مذهبه من أهل إفريقية: يحيى بن عمر بن يوسف بن عامر الكناني وقيل البلوي وهو مولى بني أمية أندلسي من أهل جيان وعداده في الإفريقيين سكن القيروان واستوطن سوسة أخيراً وبها قبره. كنيته أبو زكرياء. نشأ بقرطبة وطلب العلم عند بن حبيب وغيره فسمع بإفريقية من سحنون وعون وأبي زكرياء الحضرمي وسمع بمصر من بن بكير وابن رمح وحرملة وأبي الطاهر وهارون بن سعيد الأيلي والحارث بن مسكين وأبي زيد بن أبي الغمر وأبي إسحاق البرقي والدمياطي وغيرهم من أصحاب بن وهب وابن القاسم وأشهب. وسمع أيضاً بالحجاز وغيره من أبي مصعب الزهري ونصر بن مرزوق وابن محاسب وأحمد بن عمران الأخفش وإبراهيم بن مرزوق وسليمان بن داود وزهير بن عباد وغيرهم. سمع منه الناس وتفقه عليه خلق منهم: أخوه محمد وأبو بكر بن اللباد وأبو العرب وعمر بن يوسف وأبو العباس الابياني وأحمد بن خالد الأندلسي وإليه كانت الرحلة في وقته. وكان فقيهاً حافظاً للرأي ثقة ضابطاً لكتبه متقدماً في الحفظ إماماً

стр. 838

في الفقه ثبتاً ثقة فقيه البدن كثير الكتب في التفقه والآثار ضابطاً لما روى عالماً بكتبه متقناً شديد التصحيح لها من أئمة أهل العلم وعداده في كبراء أصحاب سحنون وبه تفقه وكانت له منزلة شريفة عند الخاصة والعامة والسلطان. وسكن القيروان ورحل إليه الناس ولا يروون المدونة والموطأ إلا عنه. وكان يجلس في جامع القيروان ويجلس القارئ على كرسي يسمع من بعد من الناس لكثرة من يحضره وكان من أهل الوقار والسكينة على ما يجب لمثله تأدب في ذلك بآداب مالك. وكان لا يفتح على نفسه باب المناظرة وإذا ألح عليه سائل أو أتي بالمسائل العويصة ربما طرده. وله أوضاع كثيرة منها: كتاب الرد على الشافعي وكتاب اختصار المستخرجة المسمى بالمنتخبة وكتبه في أصول السنن ككتاب الميزان وكتاب الرؤية وكتاب الوسوسة وكتاب أحمية الحصون وكتاب فضل الوضوء والصلاة وكتاب النساء وكتاب الرد على الشكوكية وكتاب الرد على المرجئة وكتاب فضائل المنستير والرباط وكتاب اختلاف بن القاسم وأشهب. قال بن أبي خالد في تعريفه: له من المصنفات نحو أربعين جزءاً وكان لا يتصرف تصرف غيره من الحذاق والنظار في معرفة المعاني والإعراب.

стр. 839

قال القصري: كنت أسأله عن الشيء من المسائل فيجيبني ثم أسأله بعد ذلك بزمان عنها فلا يختلف قوله علي وكان غيره يختلف قوله علي. وقال الكانشي: ما رأيت مثل يحيى بن عمر ولا أحفظ منه: كأنما كانت الدواوين في صدره قال: واجتمعت بأربعين عالماً فما رأيت أهيب لله من يحيى بن عمر. وأنفق يحيى في طلب العلم ستة آلاف دينار وكان من أهل الصيام والقيام مجاب الدعوة له براهين. قال الحسن بن نصر: ما رأيت أهيب منه قيل له: فابن طالب؟ قال: كانت له هيبة القضاء. وسمع عليه خلق كثير من أهل القيروان في الجامع بها. قال أبو الحسن اللواتي: كان عندنا يحيى بن عمر بسوسة يسمع الناس في المسجد فيمتلئ وما حوله فسئل عن سماعهم فقال: يجزئهم. وذكر أن بعض أصحاب سحنون نام حتى قرأ القارئ ما شاء الله ثم انتبه فاختلفنا في سماعه فسألنا سحنوناً؟ فقال: إذا جاء للسماع وله قصد فهو يجزئه. وقال يحيى بن عمر: لا ترغب في مصاحبة الإخوان وكفى بك من ابتليت بمعرفته أن تحترس منه. وذكر أنه رجع من القيروان إلى قرطبة بسبب دانق كان عليه لبقال فخوطب في ذلك فقال: رد دانق على أهله أفضل من عبادة سبعين سنة. وكان يقال إنه يرى على قبره نور عظيم. قال أبو العرب: وذهل آخر عمره.

стр. 840

وتوفي بسوسة في ذي الحجة سنة تسع وثمانين ومائتين وسنه ست وسبعون سنة مولده بالأندلس سنة ثلاث عشرة ومائتين. ومن الطبقة الرابعة من أهل الأندلس: يحيى بن إسحاق بن يحيى الليثي بن أحمد بن يحيى قرطبي يعرف بالرقيعة يكنى أبا إسماعيل سمع من أبيه ورحل فسمع بإفريقية من يحيى بن عمر وابن طالب وبمصر من محمد بن أصبغ بن الفرج وبالعراق من إسماعيل القاضي وأحمد بن زهير وغيرهما. وشوور في الأحكام وكان متصرفاً في العربية واللغة والتفسير نبيهاً وألف الكتب المبسوطة في اختلاف أصحاب مالك وأقواله وهي التي اختصرها محمد وعبد الله ابنا أبان بن عيسى ثم اختصر ذلك الاختصار أبو الوليد بن رشد. وتوفي سنة ثلاث وثلاثمائة وقيل سنة ثلاث وتسعين. يحيى بن عبد الله بن يحيى بن يحيى بن كثير بن وسلاس المصمودي وقيل في نسبه الليثي لأن جده يحيى بن كثير أسلم على يد رجل يقال له يزيد بن عامر الليثي فنسب إليه. وكان يحيى هذا جليل القدر عالي الدرجة في الحديث ولي القضاء

стр. 841

في مواضع عديدة وكان لا يرى القنوت في الصلاة ولا يقنت في مسجده ألبتة. روى عن أبي الحسن النحاس وسمع الموطأ من حديث الليث وغيره ومن بن عم أبيه عبيد الله بن يحيى. مولده سنة سبع وثمانين ومائتين. توفي سنة سبع وستين وثلاثمائة. يحيى بن عبد الرحمن بن أحمد بن ربيع الأشعري يكنى أبا عامر العالم الجليل المحدث الحافظ واحد عصره وفريد دهره. وكان رحمه الله تعالى عالماً من أعلام الأندلس ناصراً للسنة رادعاً لأهل الأهواء متكلماً دقيق النظر سديد البحث سهل المناظرة شديد التواضع كثير الانصاف مع هيبة ووقار وسكون. ولي قضاء الجماعة: بقرطبة ثم بغرناطة وأقرأ بغرناطة لأكابر علمائها الحديث والأصلين وغير ذلك. حدث عن والده العالم المحدث أبي الحسين: عبد الرحمن بن ربيع وعن أبي جعفر: أحمد بن يحيى الحميري وعن أبي القاسم بن بشكوال وأبي بكر بن الجد الفهري وأبي عبد الله بن أرمق وأبي محمد: عبد المنعم بن الفرس. توفي سنة سبع أو ثمان وثلاثين وستمائة.

стр. 842

يحيى بن عبد الله بن بكير أبو زكرياء الحافظ المخزومي المصري سمع مالكاً والليث وخلقاً كثيراً وصنف التصانيف وسمع من مالك الموطأ سبع عشرة مرة. توفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين. يحيى بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن السقاط الأنصاري كان من العلماء الفضلاء الرواة للحديث ولقي بمكة أبا ذر: عبد بن أحمد العذري وكان من أهل الجلالة والنباهة والحسب. توفي بغرناطة. يحيى بن محمد بن حسين الغساني القليعي من أهل غرناطة يكنى أبا بكر كان فقيهاً نبيلاً من جلة الفقهاء خيراً ثقة فيما يرويه مشاوراً فاضلاً من كبار أهل غرناطة جزلاً. روى عن أبي عبد الله محمد بن أبي زمنين ورحل إلى المشرق وسمع هناك. حدث عنه أبو محمد بن عتاب وأبو الأصبغ: عيسى بن سهل القاضي. توفي سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة.

стр. 843

يحيى بن عبد الله بن عيسى بن سليمان الهمداني يكنى أبا بكر ويعرف بالبغيل أخذ عن جماعة من أهل بلده ودرس الفقه بغرناطة دهراً وأخذ عنه أهلها وكان فقيهاً مشاوراً من بيت علم ودين حدث عنه القاضي أبو بكر بن أبي زمنين. توفي بعد السبعين وخمسمائة. يحيى بن علي بن محمد بن عمر الجذلي يكنى أبا بكر من أهل المعرفة الجيدة والحفظ للمسائل والتفنن فيها عرض المدونة على القاضي أبي الوليد بن رشد وعلى الفقيه أصبغ بن محمد وبلغ الغاية في المعرفة بالوثائق. يحيى بن محمد بن عبد العزيز يعرف بابن الجواز سمع من رجال الأندلس ثم رحل وحج سنة اثنتين وخمسين ومائتين وسمع هناك من جماعة بمصر وغيرها كمحمد بن عبد الله بن عبد الحكم وغيره ثم رجع وكان من العلماء الفضلاء. توفي سنة سبع وتسعين ومائتين. يحيى بن عبد الله بن يحيى يكنى أبا عبد الله شوور مع أبيه آخر أيامه توفي سنة ثلاث وثلاثمائة.

стр. 844

يحيى بن زكرياء بن إبراهيم بن مزين مولى رملة بنت عثمان بن عفان ﵁ أصله من طليطلة وانتقل إلى قرطبة فأقطعه الأمير عبد الرحمن قطائع شريفة وابتنى له داراً ووصله بصلة جزيلة. روى بن مزين عن عيسى بن دينار ومحمد بن عيسى الأعشى ويحيى بن يحيى وغازي بن قيس ونظرائهم. ورحل إلى المشرق فلقي مطرف بن عبد الله وروى عنه الموطأ ورواه أيضاً عن حبيب كاتب مالك ودخل العراق فسمع من القعنبي وسمع بمصر من أصبغ بن الفرج وكان حافظاً للموطأ فقيهاً فيه وله حظ من علم العربية. كان مشاوراً مع العتبي وابن خالد وطبقتهم شيخاً وسيماً ذا وقار وسمت حسن موصوفاً بالفضل والنزاهة والدين والحفظ ومعرفة مذاهب أهل المدينة. قال بن لبابة: بن مزين أفقه من رأيت في علم مالك وأصحابه ولي قضاء طليطلة وله تآليف حسان منها تفسير الموطأ وكتاب تسمية رجال الموطأ وكتاب علل حديث الموطأ وهو كتاب المستقصية وكتاب فضائل القرآن ولم يكن له على ذلك علم بالحديث. توفي في جمادى الأولى سنة تسع وخمسين ومائتين وقيل سنة ستين.

стр. 845

يحيى وأخوه أحمد ابنا محمد بن عجلان من أهل سرقسطة سمعا من سحنون وكان أحمد فقيهاً ويحيى مشهوراً بالعلم والفضل بصيراً بالفرائض والحساب وألف في ذلك تأليفاً أخذه الناس عنه روى عنهما محمد بن تليد المعافري. يحيى بن موسى الرهوني كان فقيهاً حافظاً يقظاً متفنناً إماماً في أصول الفقه أديباً بليغاً مجيداً. أخذ الفقه عن الإمام أبي العباس: أحمد بن إدريس البجاني وقد تقدم ذكره وأخذ الأصول عن الإمام أبي عبد الله الآيلي. رحل إلى القاهرة واستوطنها وتولى تدريس المدرسة المنصورية والخانقاه الشيخونية وغير ذلك. وكان صدراً في العلماء حاز الرياسة والحظوة عند الخاصة والعامة ذا دين متين وعقل رصين ثاقب الذهب بارع الاستنباط. انفرد بتحقيق مختصر بن الحاجب الأصولي وله عليه شرح حسن مفيد وكان إماماً في المنطق وعلم الكلام. وله تقييد على التهذيب يذكر فيه المذاهب الأربعة ويرجح مذهب مالك لم يكمل وكان وقوراً مهيباً متواضعاً جواداً ذا سعة في الدنيا مؤثراً بها جامعاً لخلال الفضل وحج حجتين. وتوفي في سنة أربع أو خمس وسبعين وسبعمائة.
следующие страницы →