Полный текст (3 926 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.
стр. 3326
فاستخرت الله تَعَالَى فِي وضع هَذَا الشَّرْح قَاصِدا فِيهِ لعشرة أُمُور
الأول التَّعَرُّض لبسط أَلْفَاظه المقفلة وإيضاح مَعَانِيه المشكلة وَإِظْهَار مضمراته الْمُهْملَة فأذكر الْمسَائِل أَو المسئلة أبسط الْعبارَة فِيهَا وأقتصر على ذَلِك إِن رَأَيْت أَنه يكفيها وَإِلَّا رجعت إِلَى تَنْزِيل أَلْفَاظ الْكتاب على ذَلِك الَّذِي بسطته موضعا موضعا لأجمع بَين الْبَيَان الإجمالي والتفصيلي مَعًا اللَّهُمَّ إِلَّا مَوَاضِع يسيرَة أَخذ الْإِشْكَال بخنقها ورامت الأذهان الرائقة سلوكها فَالْتبسَ عَلَيْهَا جَمِيع طرقها فَإنَّا نطوي تِلْكَ على غرها ونربأ بِأَنْفُسِنَا عَن ركُوب مراكب العسف مستعيذين بِاللَّه من شَرها والعاقل يخْتَار السُّكُوت على التَّخْلِيط وَإِذا لم يكن بُد من أحد الحملين فجيء هَذَا بالبسيط
على أَنِّي لَا أَجْزم بِالصِّحَّةِ لتِلْك الْمَوَاضِع وَلَا أعتقد الْعِصْمَة إِلَّا لمن يشْهد لَهُ بهَا القواطع وَلَقَد سَمِعت أبي ﵀ يَحْكِي مَا مَعْنَاهُ أَو قريب مِنْهُ أَن المُصَنّف سُئِلَ عَن شَيْء من هَذَا الْكتاب فَلم يَأْتِ مِنْهُ بِجَوَاب وَذكر أَنه إِنَّمَا وَضعه على الصِّحَّة
الثَّانِي تَفْسِير أَلْفَاظه الغريبة واللغوية وَكَيْفِيَّة النُّطْق بهَا على مُقْتَضى الْعَرَبيَّة وَذكر شَيْء من الاشتقاقات الأدبية والتحرز مِمَّا يعد من لحن الْعَوام والتحفظ من التَّصْحِيف الَّذِي هُوَ إِحْدَى القوام وَلَقَد بلي بذلك من ضعفة الْفُقَهَاء من
стр. 3327
صفر من الْأَدَب مزاده وَقل فِي طَرِيق الْعَرَبيَّة زَاده وَخفت عَن تِلْكَ اللطائف طباعه وتناءت عَن تِلْكَ المناهل رباعه
الثَّالِث أنسب الْأَقْوَال الْمُهْملَة إِلَى أَرْبَابهَا إِذا أطلقت وأميز أَقْوَال الإِمَام من أَقْوَال الصَّحَابَة إِذا علمت الْمُخَالفَة بَينهم تحققت وَأبين الْأَصَح من الْقَوْلَيْنِ إِذا لم يبين وأعين الْأَشْهر من الْخلاف إِذا لم يعين كل ذَلِك بِحَسب مَا انْتهى علمي إِلَيْهِ ووقف بحثي بِحَسب الْحَال الْحَاضِر عَلَيْهِ
الرَّابِع أراعي فِي الْمسَائِل المذهبية التَّوْجِيه وَالتَّعْلِيل وَلَا أدعها تَتَرَدَّد بَين أنحاء التَّعْلِيل فَمَا قويت فِي الِاعْتِبَار منته ومبانيه ورجحت عِنْد النظار رتبته ودرايته أوضحت الطَّرِيق إِلَيْهِ أَي إِيضَاح وجلوت الْحق هُنَالك كَالْقَمَرِ اللياح وَمَا ضعفت من الْقَوَاعِد مادته وخفيت على التَّحْقِيق جادته اكتفيت فِيهِ بالميسور من التَّعْلِيل أَو أخذت على غَيْرِي فحكيت مَا قيل فَمَا كل مسك يصلح وعَاء للمسك وَلَا كل ضَعِيف يوسم بسمة التّرْك
стр. 3328
الْخَامِس أحكم من صناعَة الحَدِيث مَا أوردهُ وأتقن مَا أنص فِيهِ وأسرده فَإِن حكمت بِصِحَّة حَدِيث بِإِسْنَاد ذَلِك إِلَيّ فَبعد أَن أنزع رِدَاء التعصب عَن مَنْكِبي وأؤدي حق النَّصِيحَة للسّنة كَمَا يتَعَيَّن وأحترز من الْميل إِلَى نصر مَذْهَب معِين فَإِن وجد الْمُسْتَدلّ مَطْلُوبه بنى على أوثق أساس وَإِلَّا فليعدل إِلَى غير النَّص من أَنْوَاع الِاسْتِدْلَال وَالْقِيَاس
وَإِن حكيت الصِّحَّة عَن غَيْرِي فَعَن حق لَا تمتد يَد الشَّك إِلَى لبسه وَقد قيل من أحَال على غَيره فقد احتاط لنَفسِهِ وَمَا عزوته إِلَى الْكتب الْمَشْهُورَة فَهُوَ فِيهَا عِنْد الْمُرَاجَعَة مَوْجُود فَإِن وجد فِي مظنته وَإِلَّا فَعِنْدَ التتبع يحصد الْمَقْصُود
وَقد وَقع لجَماعَة من الْفُقَهَاء وَغَيرهم فِي ذَلِك خلل وأقدم بَعضهم على أَمر ليته عَنهُ نكل
وَقد حكيت فِي هَذَا الْكتاب من غرائب الْأَخْبَار وشوارد الْآثَار مَا يعز وجوده عِنْد الْفُقَهَاء الَّذين خصوا الْفِقْه بالعناية وحصوا جنَاح الْمسير إِلَى الرِّوَايَة
السَّادِس مَا جزمت بنقله عَن أَئِمَّة الِاجْتِهَاد تحريت فِيهِ ومنحته من طَرِيق الِاحْتِيَاط مَا يَكْفِيهِ فَإِن كَانَ من أحد الْمذَاهب الْأَرْبَعَة نقلته من كتب أَصْحَاب وأخذته عَن الْمَتْن فَأتيت الْأَمر من بَابه وَلم أعتبر حِكَايَة الْغَيْر عَنْهُم فَإِنَّهُ طَرِيق وَقع فِيهِ الْخلَل وتعدد من جمَاعَة من النقلَة فِيهِ الزلل وَحكى المخالفون للمذاهب عَنْهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا
وَمَا كَانَ من الْأَقْوَال للْمُتَقَدِّمين للصاحبة وَمن شَذَّ عَمَّن ذَكرْنَاهُ من الْمُخَالفين فاعتمادي فِيهِ على كتاب الإشراف لِلْحَافِظِ أبي بكر بن الْمُنْذر ﵀ فبأنواره اهتديت وبطريقه
стр. 3329
إِلَى تِلْكَ الْغَايَة اقتديت فَإِن لم يكن فِيهِ ذَلِك النَّقْل وَلم أره فِيهِ نقلت من غَيره بِعِبَارَة ملخصة فَقلت وَحكي عَن فلَان كَذَا أَو عَن فلَان كَذَا إِلَّا مَا جزمت بِصِحَّتِهِ فَإِنِّي أقطع القَوْل بنسبته إِلَيْهِ
وَلما كنت لَا أرى لأحد قولا إِلَّا مَا نَص عَلَيْهِ وَتعذر عَليّ فِي كثير من الْمسَائِل معرفَة نَص صَاحبه الْمَذْهَب لكَون المسئلة مُتَّفقا عَلَيْهَا عِنْد ناقلته رَأَيْت أَن أَقُول فِي مثل ذَلِك قَالَت الْحَنَفِيَّة أَو الشَّافِعِيَّة أَو الحنبلية أَو قَالَ الْحَنَفِيّ أَو الْحَنْبَلِيّ وَمَا قلت قد نقل عَن فلَان أَو اشْتهر عَنهُ فَلَا ألزم نَقله عَن كتب أَصْحَاب ذَلِك الإِمَام لصدق اللَّفْظ الْمَذْكُور وَإِن لم ينْقل من كتبهمْ
السَّابِع أذكر فِي الْمسَائِل الخلافية الْمَعْرُوفَة بمسائل الطَّرِيقَة مواد أصل الِاجْتِهَاد فَإِن تعدّدت اخْتَرْت الأمتن وقصدت الْأَحْسَن لَا على وَجه الإطالة الْمُوجبَة للملالة وَلَا على طَريقَة الْإِجْمَال المفضي إِلَى الْإِخْلَال
ثمَّ إِن لأهل عصرنا وَمَا واتاه نكتا رشيقة وطرقا روضاتها أنيقة أخذُوا فِيهَا مَأْخَذ الْإِعْرَاب وأبدوا عرائسها كالكواكب الأتراب وأملوا الإبداع فأدركوا التأميل وظفروا فِيهِ بالمعلى لما أرْسلُوا أقداح المجيل إِلَّا أَن أَكْثَرهم أولع
стр. 3330
من تَعْبِير الْمُبين وَبَالغ فِي إغلاقها حَتَّى لَا تكَاد تبين إِنَّمَا هُوَ جِدَال كالجلاد وخيال تزخرفه الْأَلْسِنَة الْحداد فَلم أر إخلاء هَذَا الْكتاب عَن شَيْء مِنْهَا وَلَا استحسنت مَعَ ظرافها أَن أعرض بِالْكُلِّيَّةِ عَنْهَا فكسوت بعض الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة ذَلِك الوشي المرقوم وأنفت أَن يُضحي صَاحب هَذِه الصَّنْعَة بأثر من رزقها محروم وَلم أبالغ فِي الإغلاق والإبهام وَلَا أكثرت من هَذَا النَّوْع فَإِنَّهُ خُرُوج عَن المصطلح فِي كتب الْأَحْكَام
الثَّامِن مَا أسلكه من الطّرق فِي الْحجَّاج لَا أروغ فِيهِ روغان الثعالب وَلَا أرجح من جَانب مَا ضعفته فِي جَانب وَلَا ألتزم فَسَاد الذَّم عِنْد الْمُخَالفَة بِمثلِهِ وَلَا أَضَع شخصا تقدم مني ذكر فَضله وَلَا أسلك طَرِيق الْيمن فَإِن رضيت مدحت وَإِن سخطت قدحت وَلَا أتهافت فَإِن فعلت فَمَا أنصفت نَفسِي وَلَا نصحت فَلَقَد فعل ذَلِك قوم أوجبوا السَّبِيل إِلَى ذمهم فأقروا عِنْد ذكر الْعُيُوب عين خصمهم فَأطَال عَلَيْهِم فِي التشنيع وبدد بِسوء ذَلِك الصَّنِيع وَنسب إِلَيْهِم مجاولة تغليط النَّاظر وتوهم فيهم أَن الْمَقْصُود المغالبة فِي الْوَقْت الْحَاضِر وَلَا ضَرُورَة تَدْعُو إِلَى ذَلِك وَلَا حَاجَة إِلَى سلوك هَذِه المسالك
стр. 3331
التَّاسِع لست بالراغب فِي جلب زَوَائِد الْفُرُوع المسطورة وَحصر شوارد الْمسَائِل الْمَذْكُورَة مَا لم يتضمنه هَذَا الْمَجْمُوع وَلَا رفع ذكر هَذَا الْمَوْضُوع فَإِن الْمَقْصُود إِنَّمَا هُوَ الشَّرْح فليتوقف الْغَرَض عَلَيْهِ ولتتوجه الدَّوَاعِي والهمم إِلَيْهِ واللائق بذلك الْغَرَض كتب الْمسَائِل الَّتِي قصد إِلَى جمعهَا واستقل أَصْحَاب التصانيف بوضعها وَلكُل غَايَة طَرِيق قَاصد يُنَاسِبهَا وَلكُل عَزمَة مَأْخَذ من نَحْو مَا يصاحبها
فَأَما الْأَقْوَال الْمُتَّصِلَة بِمَا وَضعه المُصَنّف وَذكره وَالْفُرُوع الْمُقَارنَة لما نظمه وسطره فَإِنِّي أمنحها طرفا من الْعِنَايَة وأوليها جَانب الْولَايَة
الْعَاشِر أذكر الاستشكالات فِي مبَاحث أنبه فِيهَا فهم الباحث وأرسلها إرْسَالًا وَلَا أدعها تسير أَرْسَالًا وأوسع للنَّاظِر فِيهِ مجالا حَتَّى إِذا خرج من السعَة للضيق وتبارز فِي ميدان التسابق فرسَان التَّحْقِيق وأخرجت أَحْكَام النُّفُوس من السّير وَكَانَ الطَّرِيق ميتاء ينفذها الْبَصَر ويستسير فِيهَا العير وسلمت الممادح من القوادح وَوَقع الْإِنْصَاف فَرُبمَا فضل الْجذع على القارح فهناك تنكشف الأستار عَن الْحَقَائِق وَتبين الْفَضِيلَة لسيل الْوَجِيه وَلَا حق
стр. 3332
فَهَذِهِ الطّرق الَّتِي أقصدها والأنحاء الَّتِي أعتمدها وَمن الله أعْتَمد العون وَمن الخسارة فِيمَا نرجو ربحه أسأله الصون فبه الْقُوَّة والحول وَمِنْه الْإِحْسَان والطول فَإِن لم تفض من رَحمته سِجَال ويتسع لمسامحته مجَال فالتباب والخسار والتنائي عَن منَازِل الْأَبْرَار ونعوذ بِاللَّه من عمر وَعمل تقتحمهما النَّار
وَهَذَا حِين الشُّرُوع فِي المُرَاد وَالله ولي التَّوْفِيق والإرشاد إِنَّه على مَا يَشَاء قدير وبالإجابة جدير
آخر الْخطْبَة الْمشَار إِلَيْهَا فرحم الله منشيها وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
فَوَائِد الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ومباحثه
أَكثر من أَن تحصر وَلكنهَا غَالِبا مُتَعَلقَة بِالْعلمِ من حَيْثُ هُوَ حَدِيثا وأصولا وقواعد كُلية كَمَا يَرَاهَا النَّاظر فِي مصنفاته وَلَا سِيمَا فقه الحَدِيث والاستنباط مِنْهُ فقد كَانَ إِمَام الدُّنْيَا فِي ذَلِك فَلَا معنى للتطويل بذكرها ولكننا نذْكر بعض مَا بلغنَا عَنهُ مِمَّا هُوَ مُخْتَصّ بِالْمذهبِ
خِيَار التصرية هَل مُسْتَنده التَّدْلِيس الصَّادِر من البَائِع أَو الضَّرَر الْحَاصِل للْمُشْتَرِي وَقد يعبر بِعِبَارَة أُخْرَى فَيُقَال هَل مُسْتَنده التَّغْرِير أَو الْغرُور فِيهِ وَجْهَان مشهوران يَنْبَنِي عَلَيْهِمَا مَا لَو تحفلت بِنَفسِهَا بِأَن ترك الحلاب أَيَّامًا نَاسِيا لشغل عرض أَو صراها غَيره بِغَيْر إِذْنه وَالأَصَح عِنْد صَاحب التَّهْذِيب وَبِه قطع القَاضِي الْحُسَيْن ثُبُوت الْخِيَار خلافًا للغزالي
وَلَو صراها لَا لأجل الخديعة ثمَّ نَسِيَهَا فقد حكى ابْن دَقِيق الْعِيد عَن أَصْحَابنَا فِيهِ خلافًا وَلم نر ذَلِك فِي كَلَامهم صَرِيحًا لكنه يتَخَرَّج على أَن المأخذ التَّدْلِيس أَو ظن المُشْتَرِي فعلى الأول لَا يثبت لِأَنَّهُ لم يقْصد الخديعة وعَلى الثَّانِي يثبت لحُصُول الظَّن
стр. 3333
وَلَو شدّ أخلافها قصدا لصيانة لَبنهَا عَن وَلَدهَا فَقَط قَالَ ابْن الرّفْعَة فَهُوَ كَمَا لَو تحفلت بِنَفسِهَا
قلت وَهِي كالمسئلة الَّتِي حَكَاهَا الشَّيْخ تَقِيّ الدّين لَكِن فِي تِلْكَ زِيَادَة النسْيَان وَهُوَ لَيْسَ بِشَرْط فَإِنَّهُ إِذا كَانَ الْقَصْد صَحِيحا لم يحصل تَدْلِيس وخديعة وَلَيْسَ لقَائِل أَن يَقُول إِن التَّدْلِيس حَاصِل بعد تبيينه وَقت البيع وَهُوَ عَالم بِهِ لِأَن هَذَا الْمَعْنى حَاصِل فِيمَا إِذا تحفلت بِنَفسِهَا وباعها وَهُوَ عَالم بِالْحَال
وَابْن الرّفْعَة سقط عَلَيْهِ من كَلَام الشَّيْخ تَقِيّ الدّين لَفْظَة لَا فَنقل المسئلة عَنهُ على أَنه صراها لأجل الخديعة ثمَّ نَسِيَهَا ثمَّ اعْترض بِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَن تكون هَذِه من صور الْوِفَاق وَهَذَا اعْتِرَاض صَحِيح لَو كَانَ الْأَمر كَمَا نَقله لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يكون قد حصل التَّدْلِيس وَالظَّن وَلَا يُفِيد توَسط النسْيَان
فَإِذا المسئلة الَّتِي ذكرهَا ابْن الرّفْعَة وخرجها على مَا إِذا تحفلت بِنَفسِهَا هِيَ مسئلة الشَّيْخ تَقِيّ الدّين والمسئلة الَّتِي نقلهَا ابْن الرّفْعَة عَن الشَّيْخ بِحَسب النُّسْخَة الَّتِي وَقعت لَهُ غَلطا مسئلة أُخْرَى يَنْبَغِي الْجَزْم فِيهَا بِالْخِيَارِ نبه على ذَلِك وَالِدي أَطَالَ الله بقاه فِي شرح الْمُهَذّب
صحّح الشَّيْخ تَقِيّ الدّين حَدِيث الْقلَّتَيْنِ وَاخْتَارَ ترك الْعَمَل بِهِ لَا لمعارض أرجح بل لِأَنَّهُ لم يثبت عِنْده بطرِيق يجب الرُّجُوع إِلَيْهِ شرعا تعْيين لمقدار الْقلَّتَيْنِ
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ذكر بَعضهم أَن المسئلة السريجية إِذا عكست انْحَلَّت وتقريرها أَن صُورَة المسئلة مَتى وَقع عَلَيْك طَلَاقي فَأَنت طَالِق قبله ثَلَاثًا أَو مَتى
стр. 3334
طَلقتك
فَوجه الدّور أَنه مَتى طَلقهَا الْآن وَقع قبله ثَلَاثًا وَمَتى وَقع قبله ثَلَاثًا لم يَقع فَيُؤَدِّي إثْبَاته إِلَى نَفْيه فَانْتفى وَعكس هَذَا أَن يَقُول مَتى طَلقتك أَو مَتى أوقع طَلَاقي عَلَيْك فَلم يَقع فَأَنت طَالِق قبله ثَلَاثًا فَحِينَئِذٍ مَتى طَلقهَا وَجب أَن يَقع الثَّلَاث الْقَبِيلَة لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يكون الطَّلَاق القبلي بَائِنا على النقيضين أَعنِي وُقُوع الْمُنجز وَعدم وُقُوعه وَمَا يثبت على النقيضين فَهُوَ ثَابت فِي الْوَاقِع قطعا لِأَن أَحدهمَا وَقع قطعا فالمعلق بِهِ وَاقع قطعا
وَهَذِه مُقَدّمَة ضَرُورِيَّة عقلية لَا تقبل الْمَنْع بِوَجْه من الْوُجُوه وأصل المسئلة الْوكَالَة
قَالَ وَالِدي ﵀ وَهَذَا فِيهِ نظر وَإِنَّمَا يلْزم وُقُوع الطَّلَاق الْمُعَلق بالنقيضين الْمَذْكُورين لَو قَالَ إِن طَلقتك فَوَقع عَلَيْك طَلَاقي أَو لم يَقع فَأَنت طَالِق قبله ثَلَاثًا ثمَّ يَقُول لَهَا أَنْت طَالِق فَحِينَئِذٍ يحكم بِأَنَّهَا طلقت قبل ذَلِك التَّطْلِيق ثَلَاثًا عملا بِالشّرطِ الثَّانِي وَهُوَ عدم الْوُقُوع لِأَن الطَّلَاق الْمُعَلق مَشْرُوط بِأحد أَمريْن إِمَّا الْوُقُوع وَإِمَّا عَدمه فِي زمن وَاحِد مُسْتَند إِلَى زمن قبلي وَلَا يُمكن الحكم بالوقوع القبلي استنادا إِلَى الشَّرْط الأول وَهُوَ الْوُقُوع للُزُوم الدّور
وَأما الْوُقُوع فِي ذَلِك الزَّمن القبلي مُسْتَندا إِلَى عدم الْوُقُوع فَلَا مجَال فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يُمكن أَن يُقَال لَو وَقع فِيهِ لوقع قبله لِأَنَّهُ إِمَّا أَن يحمل الْقبلية على الْقبلية المتسعة الَّتِي أَولهَا عقب التَّعْلِيق أَو على الْقبلية الَّتِي تستعقب التَّطْلِيق فَإِن كَانَ الأول لم يكن وُقُوع الطَّلَاق قبله لِأَنَّهُ يكون سَابِقًا على التَّعْلِيق وَحكم التَّعْلِيق لَا يسْبقهُ وَهَذَا فَائِدَة فَرضنَا التَّعْلِيق على
وَاعْلَم أَن الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ﵁ توفّي وَلم يبيض كِتَابه الْإِلْمَام فَلذَلِك وَقعت فِيهِ أَمَاكِن على وَجه الْوَهم وَسبق الْكَلَام
стр. 3335
مِنْهَا قَالَ فِي حَدِيث مطرف عَن أَبِيه رَأَيْت النَّبِي ﷺ يُصَلِّي وَفِي صَدره أزيز كأزيز الْمرجل من الْبكاء إِن مُسلما أخرجه وَلَيْسَ هُوَ فِي مُسلم وَإِنَّمَا أخرجه النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل وَلأبي دَاوُد كأزيز الرَّحَى
وَمِنْهَا قَالَ فِي بَاب صفة الصَّلَاة وَعَن وَائِل بن حجر قَالَ صليت مَعَ النَّبِي ﷺ فَكَانَ يسلم عَن يَمِينه السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته حَتَّى يرى بَيَاض خَدّه الْأَيْمن وَعَن يسَاره السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته حَتَّى يرى بَيَاض خَدّه الْأَيْسَر إِن أَبَا دَاوُد خرجه وَلَيْسَ فِي كتاب أبي دَاوُد وَلَا فِي شَيْء من الْكتب السِّتَّة هَذِه الزِّيَادَة من طَرِيق وَائِل وَهِي حَتَّى يرى بَيَاض خَدّه الْأَيْمن وَحَتَّى يرى بَيَاض خَدّه الْأَيْسَر وَهُوَ من طَرِيق ابْن مَسْعُود فِي النَّسَائِيّ وَفِي أبي دَاوُد وَلَيْسَ عِنْده الْأَيْمن والأيسر
وَمِنْهَا فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود فِي السَّهْو جعل لفظ مُسلم لفظ أبي دَاوُد وَلَفظ أبي دَاوُد لفظ مُسلم
وَمِنْهَا فِي صَلَاة الْعِيدَيْنِ عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده (أَن النَّبِي ﷺ كبر فِي الْعِيدَيْنِ فِي الأولى سبعا) الحَدِيث ذكر أَن التِّرْمِذِيّ أخرجه وَهَذَا الحَدِيث إِنَّمَا يرويهِ كثير بن عبد الله عَن أَبِيه عَن جده وَهُوَ فِي التِّرْمِذِيّ هَكَذَا
стр. 3336
وَمِنْهَا فِي الْكَفَن وروى النَّسَائِيّ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ حَدِيثا فِيهِ وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (إِذا ولي أحدكُم أَخَاهُ فليحسن كَفنه) ثمَّ قَالَ وَأخرجه أَبُو دَاوُد
وَهَذَا الحَدِيث لَيْسَ هُوَ عَن أبي سعيد وَلَا أخرج هَذَا أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي سعيد وَإِنَّمَا هَذَا اللَّفْظ فِي التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي قَتَادَة وَالَّذِي فِي أبي دَاوُد من حَدِيث جَابر وَلَفظه (إِذا كفن أحدكُم أَخَاهُ فليحسن كَفنه) وَنَحْو هَذَا اللَّفْظ فِي مُسلم وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث جَابر لَا من حَدِيث أبي سعيد
وَمِنْهَا فِي فصل فِي حمل الْجِنَازَة وَعَن عَائِشَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ (كسر عظم الْمَيِّت ككسره حَيا) ذكر أَن مُسلما خرجه وَإِنَّمَا خرجه أَبُو دَاوُد
وَمِنْهَا حَدِيث بهز بن حَكِيم عَن أَبِيه عَن جده فِي السَّائِمَة فِي الزَّكَاة وَذكر أَن التِّرْمِذِيّ خرجه وَلَيْسَ فِيهِ
وَمِنْهَا فِي أَوَاخِر فصل فِي شُرُوط الصَّوْم أخرجه الْأَرْبَعَة وَهَذَا لفظ التِّرْمِذِيّ ثمَّ قَالَ حسن غَرِيب ثمَّ قَالَ وَلَا أرَاهُ مَحْفُوظًا وَهَذَا يَقْتَضِي أَن قَوْله وَلَا أرَاهُ مَحْفُوظًا من كَلَام التِّرْمِذِيّ وَالَّذِي فِي التِّرْمِذِيّ وَقَالَ مُحَمَّد وَلَا أرَاهُ مَحْفُوظًا
وَمِنْهَا حَدِيث الصعب بن جثامة لَا حمى إِلَّا لله وَلِرَسُولِهِ ذكر أَنه مُتَّفق عَلَيْهِ وَلَيْسَ هُوَ فِي مُسلم وَإِنَّمَا هُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ
стр. 3337
وَمِنْهَا فِي بَاب الْوَلِيّ ذكر أَن رِوَايَة زِيَاد بن سعد عَن عبد الله عَن الدَّارَقُطْنِيّ الثّيّب أَحَق بِنَفسِهَا وَرِوَايَة زِيَاد بن سعد عَن عبد الله فِي مُسلم بِهَذَا اللَّفْظ فإضافته إِلَى مُسلم أولى وَهَذَا لَيْسَ باعتراض وَلكنه فَائِدَة جليلة
وَمِنْهَا مَوَاضِع كَثِيرَة نبه عَلَيْهَا الْحَافِظ قطب الدّين أَبُو مُحَمَّد عبد الْكَرِيم بن عبد النُّور بن مُنِير الْحلَبِي ﵀ ولخص كتاب الْإِلْمَام فِي كتاب سَمَّاهُ الاهتمام حسن خَال عَن الاعتراضات الْوَارِدَة على الْإِلْمَام مَعَ الْإِثْبَات لما فِيهِ
١٣٢٧ - مُحَمَّد بن عَليّ البارنباري الملقب طوير اللَّيْل الشَّيْخ تَاج الدّين
أحد أذكياء الزَّمَان برع فقها وعلما وأصولا ومنطقا
وَقَرَأَ المعقولات على شَارِح الْمَحْصُول الشَّيْخ شمس الدّين الْأَصْبَهَانِيّ
стр. 3338
مولده سنة أَربع وَخمسين وسِتمِائَة
سَمِعت الشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد ﵀ يَقُول قَالَ لي ابْن الرّفْعَة من عنْدكُمْ من الْفُضَلَاء فِي درس الظَّاهِرِيَّة فَقلت لَهُ قطب الدّين السنباطي وَفُلَان وَفُلَان حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى ذكر البارنباري فَقَالَ مَا فِي من ذكرت مثله
توفّي سنة سبع عشرَة وَسَبْعمائة بِالْقَاهِرَةِ
وَمن مباحثه فِي السُّؤَال الَّذِي يُورد فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لَا تَأْخُذهُ سنة وَلَا نوم﴾ وَتَقْرِير أَن السّنة أَعم من النّوم وَيلْزم من نفي الْعَام نفي الْخَاص فَكيف قَالَ ﴿وَلَا نوم﴾ بعد قَوْله ﴿لَا تَأْخُذهُ سنة﴾
وَقد أجَاب النَّاس عَن هَذَا بأجوبة كَثِيرَة وَمن أحْسنهَا مانحاه هَذَا الرجل فَإِنَّهُ قَالَ الْأَمر فِي الْآيَة على خلاف مَا فهم والمنفي أَولا إِنَّمَا هُوَ الْخَاص وَثَانِيا الْعَام وَيعرف ذَلِك من قَوْله تَعَالَى ﴿لَا تَأْخُذهُ﴾ أَي لَا تغلبه وَلَا يلْزم من عدم أَخذ السّنة لَهُ الَّتِي هِيَ قَلِيل من نوم أَو نُعَاس عدم أَخذ النّوم لَهُ فَقَالَ ﴿وَلَا نوم﴾ وعَلى هَذَا فالسؤال مُنْتَفٍ وَإِنَّمَا يَصح إِيرَاده أَن لَو قيل لَا يحصل لَهُ سنة وَلَا نوم
هَذَا جَوَابه وَهُوَ بليغ إِلَّا أَن لَك أَن تَقول فَلم لَا أكتفي بِنَفْي أَخذ النّوم على هَذَا التَّقْرِير الَّذِي قررت وَمَا الْفَائِدَة حِينَئِذٍ فِي ذكر السّنة
وَمن سؤالاته فِي الْفِقْه قَوْله سوى الْأَصْحَاب بَين الْمَانِع الْحسي والشرعي فِيمَا إِذا بَاعَ جَارِيَة حَامِلا بَحر أَو بَاعَ جَارِيَة إِلَّا حملهَا فَإِن الصَّحِيح فيهمَا الْبطلَان
стр. 3339
وَلم يَفْعَلُوا ذَلِك فِيمَا إِذا بَاعَ دَارا مستأجرة فَإِن الصَّحِيح الصِّحَّة فِيهَا والبطلان فِيمَا إِذا بَاعَ دَارا وَاسْتثنى مَنْفَعَتهَا شهرا
وَأجَاب وَقد سُئِلَ كَيفَ يَقُول الْغَزالِيّ إِن النِّيَّة فِي الصَّلَاة بِالشُّرُوطِ أشبه وَهُوَ شَرط أَن تكون مُقَارنَة بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّكْبِير ركن فيتحد زمَان الرُّكْن وَالشّرط مَعَ كَون الرُّكْن لَا بُد أَن يكون دَاخل الْمَاهِيّة وَالشّرط خَارِجا بِأَن المُرَاد بالداخل مَا تتقوم بِهِ الْمَاهِيّة وَلَا تصدق بِدُونِهِ وبالخارج مَا لَيْسَ كَذَلِك سَوَاء أقارن الدَّاخِل فِي الزَّمَان أم لَا فالترتيب لَيْسَ فِي الزَّمَان وَالنِّيَّة لَا تتقوم بهَا الصَّلَاة لجَوَاز أَن تُوجد بِلَا نِيَّة وَتَكون صَلَاة فَاسِدَة وَكَذَلِكَ ترك الْأَفْعَال الْكَثِيرَة فِي الصَّلَاة فَإِنَّهُ شَرط مَعَ كَونه لَا يُوجد إِلَّا دَاخل الصَّلَاة وَكَذَلِكَ اسْتِقْبَال الْقبْلَة بِخِلَاف التَّكْبِير فَإِنَّهُ مَتى انْتَفَى انْتَفَت حَقِيقَة الصَّلَاة
هَذَا جَوَابه وَهُوَ على حسنه قد يُقَال عَلَيْهِ هَذَا إِنَّمَا يتم إِذا قُلْنَا إِن الصَّلَاة مَوْضُوعَة لما هُوَ أَعم من الصَّحِيح وَالْفَاسِد لتصدق صَلَاة صَحِيحَة وَصَلَاة فَاسِدَة أما إِذا قُلْنَا إِنَّهَا إِنَّمَا هِيَ مَوْضُوعَة للصحيح فَقَط فَحَيْثُ انْتَفَى شَرطهَا لَا تكون مَوْجُودَة
وَقد حكى الرَّافِعِيّ الْخلاف فِي أَن لفظ الْعِبَادَات هَل هُوَ مَوْضُوع لما هُوَ أَعم من الصَّحِيح وَالْفَاسِد أَو مُخْتَصّ بِالصَّحِيحِ حَيْثُ قَالَ فِي كتاب الْأَيْمَان وَسَيَأْتِي خلاف فِي أَن لفظ الْعِبَادَات هَل هُوَ مَوْضُوع لما هُوَ أَعم من الصَّحِيح وَالْفَاسِد أَو مُخْتَصّ بِالصَّحِيحِ وَإِن كَانَ لم يَفِ بِمَا وعد إِذْ لم يحكه بعد على مَا رَأَيْنَاهُ وَسَيَأْتِي فِي تَرْجَمَة الشَّيْخ الإِمَام مَا فِيهِ مزِيد تَحْقِيق عَن السُّؤَال
стр. 3340
١٣٢٨ - مُحَمَّد بن عقيل بن أبي الْحسن البالسي ثمَّ الْمصْرِيّ
الشَّيْخ نجم الدّين شَارِح التَّنْبِيه
وصنف أَيْضا فِي الْفِقْه مُخْتَصرا لخص فِيهِ كتاب الْمعِين وَاخْتصرَ كتاب التِّرْمِذِيّ فِي الحَدِيث
وَكَانَ أحد أَعْيَان الشَّافِعِيَّة دينا وورعا
سمع بِدِمَشْق من ابْن البُخَارِيّ وَغَيره وبالقاهرة من ابْن دَقِيق الْعِيد وَغَيره
وَولي الْقَضَاء بدمياط وبلبيس وأشموم وَغَيرهَا
مولده سنة سِتِّينَ وسِتمِائَة
وَمَات بِمصْر فِي رَابِع عشر الْمحرم سنة تسع وَعشْرين وَسَبْعمائة
стр. 3341
١٣٢٩ - مُحَمَّد بن عمر بن مكي بن عبد الصَّمد الشَّيْخ الإِمَام صدر الدّين بن المرحل
تفقه على وَالِده وعَلى الشَّيْخ شرف الدّين الْمَقْدِسِي
وَسمع الحَدِيث من الْقَاسِم الإربلي وَالْمُسلم بن عَلان وَطَائِفَة
وَقعت لنا عَنهُ أناشيد من نظمه وَلم يَقع لنا حَدِيثه
كَانَ إِمَامًا كَبِيرا بارعا فِي الْمَذْهَب والأصلين يضْرب الْمثل باسمه فَارِسًا فِي الْبَحْث نظارا مفرط الذكاء عَجِيب الحافظة كثير الِاشْتِغَال حسن العقيدة فِي الْفُقَرَاء مليح النّظم جيد المحاضرة
ولد بِدِمَشْق وَنَشَأ بهَا وانتقل إِلَى الْقَاهِرَة وَبهَا توفّي وتنقلت بِهِ الْأَحْوَال
وَله مَعَ ابْن تَيْمِية المناظرات الْحَسَنَة وَبهَا حصل عَلَيْهِ التعصب من أَتبَاع ابْن تَيْمِية وَقيل فِيهِ مَا هُوَ بعيد عَنهُ وَكثر الْقَائِل فارتاب الْعَاقِل
стр. 3342
كَانَ الْوَالِد ﵀ يعظم الشَّيْخ صدر الدّين وَيُحِبهُ ويثني عَلَيْهِ بِالْعلمِ وَحسن العقيدة وَمَعْرِفَة الْكَلَام على مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ
درس بِدِمَشْق بالشاميتين والعذراوية
وَولي مشيخة دَار الحَدِيث الأشرفية وباشرها مُدَّة ثمَّ درس فِي آخر عمره بِالْقَاهِرَةِ بزاوية الشَّافِعِي والمشهد الْحُسَيْنِي وَهُوَ أول من درس بِالْمَدْرَسَةِ الناصرية بهَا
ذكره القَاضِي شهَاب الدّين بن فضل الله فِي تَارِيخه فَقَالَ إِمَام لَهُ نسب فِي قُرَيْش أعرق وَحسب فِي بني عبد شمس مثل الشَّمْس أشرق وَعلم لَو أَن الْبَحْر شطأ شبهه لأغرق وَفهم لَو أَن الْفجْر سَطَعَ نَظِيره لأحرق
وَثَبت طُنب على المجرة وَمد رواقه فتلألأ بالمسرة وَنشر رايته الْبَيْضَاء الأموية وحولها ثغور الْكَوَاكِب المنيرة وارتفع أَن يُقَاس بنظير واتضع والثريا تَاج فَوق مفرقه والجوزاء تَحْتَهُ سَرِير
وهمة دون السما لَا يقصرها وَحِكْمَة عَن سبق القدما لَا يؤخرها
مَعَ جبين وضاح وَيَمِين مِنْهَا الْكَرم يستماح وأدب أشهى من رشف الرضاب وَأحلى من رضَا الحبائب الغضاب وَخلق شرح الله صَدره ومنح فَضله أندت الرياض المخضرة انْتهى
стр. 3343
وللشيخ صدر الدّين كتاب الْأَشْبَاه والنظائر وَمَات وَلم يحرره فَلذَلِك رُبمَا وَقعت فِيهِ مَوَاضِع على وَجه الْغَلَط مثل حكايته عَن بعض الْأَئِمَّة وَجْهَيْن فِيمَا إِذا كشف عَوْرَته فِي الْخَلَاء زَائِدا على الْقدر الْمُحْتَاج هَل يَأْثَم على كشف الْجَمِيع أَو على الْقدر الزَّائِد وَهَذَا لم أره فِي كتاب
وَذكره شيخ الأدباء القَاضِي صرح الدّين الصَّفَدِي فَقَالَ أما التَّفْسِير فَابْن عَطِيَّة عِنْده مبخل والواحدي شَارك العي لَفظه فتخيل
وَأما الحَدِيث فَلَو رَآهُ ابْن عَسَاكِر لانهزم وانضم فِي زَوَايَا تَارِيخه وانحزم
وَأما الْفِقْه فَلَو أبصره الْمحَامِلِي مَا تحمل من غرائب قَاضِي النَّقْل عَنهُ وَمَا نصب وَرجع عَمَّا قَالَ بِهِ من اسْتِحْبَاب الْوضُوء من الْغَيْبَة وَعند الْغَضَب
وَأما الْأُصُول فَلَو رَآهُ ابْن فورك لفرك عَن طَرِيقَته وَقَالَ بِعَدَمِ الْمجَاز إِلَى حَقِيقَته
وَأما النَّحْو فَلَو عاصره عَنْبَسَة الْفِيل لَكَانَ مثل ابْن عُصْفُور أَو أَبُو الْأسود لَكَانَ ظَالِما وذنبه غير مغْفُور
وَأما الْأَدَب فَلَو عاينه الجاحظ لأمسى لهَذَا الْفَنّ وَهُوَ جَاحد أَو الثعالبي لراغ عَن تصانيفه وَمَا اعْترف مِنْهَا بِوَاحِد
وَأما الطِّبّ فَهُوَ شَاهده ابْن سينا لما أطرب قانونه أَو ابْن النفيس لعاد نفيسا قد ذهبت نونه
стр. 3344
وَأما الْحِكْمَة فالنصير الطوسي عِنْده مخذول والكاتبي دبيران أدبر عَنهُ وَحده مفلول
وَأما الشّعْر فَلَو حاذاه ابْن سناء الْملك فنيت ذخيرة مجازاته وحقائقه أَو ابْن الساعاتي مَا وصل إِلَى دَرَجَته وَلَا انْتهى إِلَى دقائقه
وَأما الموشحات فَلَو وصل خَبره إِلَى الْموصِلِي لأصبح مَقْطُوع الذَّنب أَو ابْن زهر لما رأى لَهُ السَّمَاء نجما إِلَّا هوى وَلَا برجا إِلَّا انْقَلب
وَأما البلاليق فَابْن كلفة عِنْده يتَكَلَّف وَابْن مدغليس يغلس للسعي فِي ركابه وَمَا يتَخَلَّف
انْتهى قَلِيل مِمَّا ذكره القَاضِي صَلَاح الدّين بِلَفْظِهِ
وَكَانَت للشَّيْخ صدر الدّين صدقَات دارة وَمَكَارِم حاتمية مَا أَشك أَنَّهَا كَانَت دافعة لكثير من السوء عَنهُ فلطالما دخل فِي مضايق وَنَجَا مِنْهَا
стр. 3345
وَمن أحسن مَا بَلغنِي عَنهُ من صدقاته مَا حَكَاهُ صَاحبه الْحَافِظ شهَاب الدّين العسجدي قَالَ كنت مَعَه لَيْلَة عيد فَوقف لَهُ فَقير استجداه فَقَالَ لي أيش مَعَك فَقلت مِائَتَا دِرْهَم فَقَالَ ادفعها إِلَى هَذَا الْفَقِير فَقلت لَهُ يَا سَيِّدي اللَّيْلَة الْعِيد وَمَا مَعنا مَا ننفقه غَدا فَقَالَ لي امْضِ إِلَى القَاضِي كريم الدّين الْكَبِير وَقل لَهُ الشَّيْخ يهنئك بِهَذَا الْعِيد
فَلَمَّا رَآنِي كريم الدّين قلت لَهُ مَا قَالَه لي الشَّيْخ قَالَ كَأَن الشَّيْخ يعوز نَفَقَة فِي هَذَا الْعِيد وَدفع إِلَيّ ألفي دِرْهَم وَقَالَ هَذِه للشَّيْخ وَلَك أَنْت ثَلَاثمِائَة دِرْهَم
فَلَمَّا حضرت بِالدَّرَاهِمِ إِلَى الشَّيْخ قَالَ صدق رَسُول الله ﷺ (الْحَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا) هَذِه مِائَتَان بِأَلفَيْنِ
ولد الشَّيْخ صدر الدّين سنة خمس وَسِتِّينَ وسِتمِائَة
وَتُوفِّي بِالْقَاهِرَةِ فِي سنة سِتّ عشرَة وَسَبْعمائة
أنشدنا الْحَافِظ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم بن عبد المحسن العسجدي بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ قَالَ أنشدنا الشَّيْخ صدر الدّين بن المرحل لنَفسِهِ من لَفظه
стр. 3346
(ليذهبوا فِي ملامي أَيَّة ذَهَبُوا ... فِي الْخمر لَا فضَّة تبقى وَلَا ذهب)
(وَالْمَال أجمل وَجه فِيهِ تنفقه ... وَجه جميل وَرَاح فِي الدجا لَهب)
(لَا تأسفن على مَال تمزقه ... أَيدي سقاة الطلا والخرد الْعَرَب)
(فَمَا كسوا راحتي من راحها حللا ... إِلَّا وعروا الْهم واستلبوا)
(رَاح بهَا راحتي فِي راحتي حصلت ... فتم عجبي بهَا وازداد لي الْعجب)
وَمِنْهَا
(وَلَيْسَت الكيميا فِي غَيرهَا وجدت ... وكل مَا قيل فِي أَبْوَابهَا كذب)
(قِيرَاط خمر على القنطار من حزن ... يُعِيد ذَلِك أفراحا وينقلب)
(عناصر أَربع فِي الكأس قد جمعت ... وفوقها الْفلك السيار والشهب)
(مَاء ونار هَوَاء أرْضهَا قدح ... وطوقها فلك والأنجم الحبب)
(مَا الكأس عِنْدِي بأطراف الأنامل بل ... بالخمس تقبض لَا يحلو بهَا الْهَرَب)
(شججت بِالْمَاءِ مِنْهَا الرَّأْس مُوضحَة ... فحين أعقلها بالخمس لَا عجب)
(صفراء فاقعة فِي الكأس ساطعة ... كالتبر لامعة كاساتها سحب)
(وَإِن أقطب وَجْهي حِين تَبَسم لي ... فَعِنْدَ بسط الموَالِي يحفظ الْأَدَب)
وَهِي طَوِيلَة أنشدها العسجدي بجملتها وَقد اقتصرنا على مَا انتقيناه مِنْهَا
وَانْظُر هَذَا الْفَقِيه مَا أحلى قَوْله شججت بِالْمَاءِ الْبَيْت وَمَا أحسن استحضاره لمشكلات الْفِقْه فِي هَذَا الْمقَام وَأَحْسبهُ قصد بهَا القصيد مُعَارضَة ابْن الخيمي فِي قصيدته الغزلية الَّتِي ادَّعَاهَا ابْن إِسْرَائِيل وَهِي قصيدة بديعة غراء مطْلعهَا
стр. 3347
(يَا مطلبا لَيْسَ لي فِي غَيره أرب ... إِلَيْك آل التقضي وانْتهى الطّلب)
(وَمَا طمحت لمرأى أَو لمستمع ... إِلَّا لِمَعْنى إِلَى علياك ينتسب)
وَمَا أَرَانِي أَهلا أَن تواصلني ... حسبي علوا بِأَنِّي فِيك مكتئب)
(لَكِن يُنَازع شوقي تَارَة أدبي ... فأطلب الْوَصْل لما يضعف الْأَدَب)
(وَلست أَبْرَح فِي الْحَالين ذَا قلق ... باد وشوق لَهُ فِي أضلعي لَهب)
(ومدمع كلما كفكفت أدمعه ... صونا لذكرك يعصيني وينسكب)
(وَيَدعِي فِي الْهوى دمعي مقاسمتي ... وجدي وحزني وَيجْرِي وَهُوَ مختضب)
(كالطرف يزْعم تَوْحِيد الحبيب وَلَا ... يزَال فِي ليله للنجم يرتقب)
وأنشدنا الْحَافِظ أَبُو الْعَبَّاس العسجدي بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ قَالَ أنشدنا الشَّيْخ صدر الدّين من لَفظه لنَفسِهِ
(يَا رب جفني قد جفاه هجوعه ... والوجد يَعْصِي مهجتي ويطيعه)
(يَا رب قلبِي قد تصدع بالنوى ... فَإلَى مَتى هَذَا البعاد يروعه)
(يَا رب بدر الْحَيّ غَابَ عَن الْحمى ... فَمَتَى يكون على الْخيام طلوعه)
стр. 3348
(يَا رب فِي الأظعان سَار فُؤَاده ... وبوده لَو كَانَ سَار جَمِيعه)
(يَا رب لَا أدع البكا فِي حبهم ... من بعدهمْ جهد الْمقل دُمُوعه)
(يَا رب هَب قلب الكئيب تجلدا ... عَمَّن يحب فقد دنا توديعه)
(يَا رب هَذَا بَينه وبعاده ... فَمَتَى يكون إيابه ورجوعه)
(يَا رب أَهلا مَا قضيت وَإِنَّمَا ... أَدْعُو بعودهم وَأَنت سميعه)
وَمن موشحاته
(دمعي روى مسلسلا بالسند ... عَن بَصرِي أحزاني)
(لما جَفا من قد بِلَا ... بالرمد والسهر أجفاني)
(غزال أنس نافر ... نيطت بِهِ التمائم)
(وغصن بَان ناضر ... أزهاره المباسم)
(قلبِي عَلَيْهِ طَائِر ... تبْكي لَهُ الحمائم)
(وَإِن غَابَ فَهُوَ حَاضر ... بالفكر لي ملازم)
(كم قد لوى على الولا من موعد ... لم يفكر فِي عاني)
(وَقد كفى مَا قد بِلَا بالكمد ... والفكر ذَا الْجَانِي)
(أزرى بغزلان النقا ... وبانه وحقفه)
(كم حل من عقد تقى ... بطرفه وظرفه)
(لم أنسه لما سقا ... من ثغره الإلفه)
(سلاف ريق روقا ... فِي ثغره لرشفه)
стр. 3349
(قد احتوى على طلا وسهد ... ودرر مرجان)
(ورصعا وكللا بالبرد ... والزهر للحان)
(أماله سكر الصِّبَا ... ميل الصِّبَا بقده)
(وَفك أزرار القبا ... وَحل عقد بنده)
(وسدنه زهر الرِّبَا ... وساعدي لسعده)
(وَبت أرعى زغبا ... من فَوق ورد خَدّه)
(مثل الْهوى هَب على روض ند ... من طرر ريحاني)
(قد لطفا حَتَّى علا مورد ... مزهر نعماني)
(خد بِهِ خد البكا ... فِي صحن خدي عذرا)
(ورد لما أَن شكا ... سَائل جمعي نَهرا)
(كم مغرم قد تركا ... بَين البرايا عبرا)
(يَا من إِلَيْهِ المشتكى ... الْحَال يُغني النظرا)
(وَإِذا الْهوى فانهملا دمعي الصدي ... كالمطر هتاني)
(وَمَا انطفا واشتعلا فِي كَبِدِي ... كالشرر نيراني)
(يَا فرحة المحزون ... وقرحه لمن يرى)
(إِن صلت بالجفون ... وصدت من جفني الكرا)
стр. 3350
(فَلَيْسَ من يحمين ... سوى الَّذِي فاق الورى)
(شمس الْعلَا وَالدّين ... أبي سعيد سنقرا)
(مولى حوى كل الْعلَا ... وسؤدد من معشر فرسَان)
(وَقد صفا ثمَّ حلا فِي المورد ... للمعصر والعاني)
وَمِنْهَا
(غَدا منادينا محكما فِينَا ... يقْضِي علينا الأسى لَوْلَا تأسينا)
(بَحر الْهوى يغرق ... من فِيهِ جهلا عَام)
(وناره تحرق ... من هم أوقد هام)
(وَرُبمَا يقلق ... فَتى عَلَيْهِ نَام)
(قد غير الْأَجْسَام وصير الْأَيَّام ... سُودًا وَكَانَت بكم بيضًا ليالينا)
(يَا صَاحب النَّجْوَى ... قف واستمع مني)
(إياك أَن تهوى ... إِن الْهوى يضني)
(لَا تقرب الْبلوى ... اسْمَع وَقل عني)
(بحاره مره خضنا على غره ... حينا فَقَامَ بهَا للنعي ناعينا)
(من هام بالغيد ... لَاقَى بهم هما)
стр. 3351
(بذلت مجهودي ... لأحور ألمى)
(فهم بالجود ... ورد مَا هما)
(وعندما قد جاد بالوصل أَو قد كَاد ... أضحى التنائي بديلا من تدانينا)
(بِحَق مَا بيني ... وَبَيْنكُم إِلَّا)
(أقررتم عَيْني ... فتجمعوا الشملا)
(فالعيش بالبين ... بفقدكم أبلى)
(جَدِيد مَا قد كَانَ بالأهل والإخوان ... ومورد اللَّهْو صَاف من تصافينا)
(يَا جيرة بَانَتْ ... عَن مغرم صب)
(لعهده خانت ... من غير مَا ذَنْب)
(مَا هَكَذَا كَانَت ... عوائد الْعَرَب)
(لَا تحسبوا البعدا يُغير العهدا ... إِذْ طالما غير النأي المحبينا)
(يَا نازلا بالبان ... بالشفع وَالْوتر)
(والنمل وَالْفرْقَان ... وَاللَّيْل إِذا يسري)
(وَسورَة الرَّحْمَن ... والنحل وَالْحجر)
(هَل حل فِي الْأَدْيَان أَن يقتل الظمآن ... من كَانَ صرف الْهوى والود يسقينا)
(يَا سَائل الْقطر ... عرج على الْوَادي)
(من سَاكِني بدر ... وقف بهم نَادِي)
(عَسى صبا تسري ... لمغرم صادي)
стр. 3352
(إِن شِئْت تحيينا بلغ تحايينا ... من لَو على الْبعد حَيا كَانَ يحيينا)
(وافت لنا أَيَّام ... كَأَنَّهَا أَعْوَام)
(وَكَانَ لي أَعْوَام ... كَأَنَّهَا أَيَّام)
(تمر كالأحلام ... بالوصل لي لَو دَامَ)
(والكأس مترعة حثت مشعشعة ... فِينَا الشُّمُول وغنانا مغنينا)
وَمِنْهَا
(مَا أخجل قده غصون البان ... بَين الْوَرق)
(إِلَّا سلب المها مَعَ الغزلان ... سود الحدق)
(قاسوا غَلطا من حَاز حسن الْبشر ... )
(بالبدر يلوح فِي دياجي الشّعْر ... )
(لَا كيد وَلَا كَرَامَة للقمر ... )
(الْحبّ جماله مدى الْأَزْمَان ... مَعْنَاهُ بَقِي)
(وازداد سنا وَخص بِالنُّقْصَانِ ... بدر الْأُفق)
(الصِّحَّة والسقام فِي مقلته ... )
(وَالْجنَّة والجحيم فِي وجنته ... )
(من شَاهده يَقُول من دهشته ... )
(هَذَا وَأَبِيك فر من رضوَان ... تَحت الغسق)
(للْأَرْض يعيذه من الشَّيْطَان ... رب الفلق)
стр. 3353
(قد أَنْبَتَهُ الله نباتا حسنا ... )
(وازداد على المدى سناء وسنا ... )
(من جاد لَهُ بِرُوحِهِ مَا غبنا ... )
(قد زين حسنه مَعَ الْإِحْسَان ... حسن الْخلق)
(لَو رمت لحسنه مليحا ثَان ... لم يتَّفق)
(فِي نرجس لحظه وزهر الثغر ... )
(روض نضر قطافه بِالنّظرِ ... )
(قد دبج خَدّه نَبَات الشّعْر ... )
(فالورد حواه ناعم الريحان ... بالطل سقِِي)
(وَالْقد يمِيل مَيْلَة الأغصان ... للمعتنق)
(أَحْيَا وأموت فِي هَوَاهُ كمدا ... )
(من مَاتَ جوى فِي حبه قد سَعْدا ... )
(يَا عاذل لَا أترك وجدي أبدا ... )
(لَا تعذلني فَكلما تلحاني ... زَادَت حرقي)
(يستأهل من يهم بالسلوان ... ضرب الْعُنُق)
(الْقد وطرفه قناة وحسام ... )
(والحاجب واللحاظ قسي وسهام ... )
(والثغر مَعَ الرضاب كأس ومدام ... )
(والدر منظم مَعَ المرجان ... فِي فِيهِ نقي)
(قد رصع فَوْقه عقيق قان ... نظم النسق)
стр. 3354
وَمِنْهَا
(قَالُوا سلا واسترد مضناه ... قلبا أخذا)
(لَا وَالَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ ... مَا كَانَ كَذَا)
(عشقته كوكبا من الصغر ... أأترك الوجد وَهُوَ كَالْقَمَرِ)
(دبج ديباجته بالشعر ... بَدَت طرازا كالرقم بالإبر)
(لَا وَالَّذِي زانه فَأعْطَاهُ ... حسنا وشذا)
(على البرايا إِنَّه الله ... مَا كَانَ كَذَا)
(وَلَو تقاس الكئوس بالثغر ... وبالثنايا الْحباب كالدرر)
(لفضل الثغر صِحَة النّظر ... وَالصرْف فِي مطعم وَفِي عطر)
(لَو قيس مَا فاق من حمياه ... أَو مَا نبذا)
(إِلَى رضاب حوته عَيناهُ ... مَا كَانَ كَذَا)
(كل دم النَّاس فَوق وجنته ... قد سفكتها سِهَام مقلته)
(الْعَفو من نبلها وحدته ... لَو صب بهْرَام كل جعبته)
(وَاخْتَارَ من نبلها ونقاه ... سَهْما نفذا)
(فِي الأَرْض من حرقة رماياه ... مَا كَانَ كَذَا)
(وسودها يَا حَلِيم خُذ بيَدي ... أمضي من الْبيض مَعَ بني أَسد)
(لَو قيس مَا فك مُحكم الزرد ... من كل ماضي الْقُرُون غير صد)
(إِلَى حسام نضته عَيناهُ ... مَاض شحذا)
(على مسن أبدته صدغاه ... مَا كَانَ كَذَا)
(قد سبى الظبي حسن لفتته ... كَمَا سبى الْغُصْن حسن خطرته
стр. 3355
(وَالشَّمْس خجلى من حسن طلعته ... والبدر فِي حسنه وبهجته)
(لَو قيس أَيْضا إِلَى محياه ... فِي الْحسن إِذا)
(حفت بِهِ هَالة عذاراه ... مَا كَانَ كَذَا)
١٣٣٠ - مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله القَاضِي نجم الدّين أَبُو حَامِد بن جمال الدّين ابْن الشَّيْخ محب الدّين الطَّبَرِيّ الآملي
قَاضِي مَكَّة شرفها الله
ولد سنة ثَمَان وَخمسين وسِتمِائَة
وَسمع من عَم جده يَعْقُوب بن أبي بكر الطَّبَرِيّ وَمن جده وَغَيرهمَا
وَله إجَازَة من الْحَافِظ أبي بكر بن مسدي
كَانَ فَقِيها شَاعِرًا
توفّي سنة ثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة
وَمن شعره
(أشبيهة الْبَدْر التَّمام إِذا بدا ... حسنا وَلَيْسَ الْبَدْر من أشباهك)
(مأسور حسنك إِن يكن متشفعا ... فإليك فِي الْحسن البديع بجاهك)
стр. 3356
(أشفى أسى أعيا الأساة دواؤه ... وشفاه يحصل بارتشاف شفاهك)
(فصليه واغتنمي بَقَاء حَيَاته ... لَا تقطعيه جَفا بِحَق إلاهك)
١٣٣١ - مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله بن مُحَمَّد ابْن يحيى بن سيد النَّاس
الْحَافِظ الأديب فتح الدّين أَبُو الْفَتْح بن الْفَقِيه أبي عَمْرو بن الْحَافِظ أبي بكر الْيَعْمرِي الأندلسي الأشبيلي ثمَّ الْمصْرِيّ
أجَاز لَهُ النجيب الْحَرَّانِي وَحضر على الشَّيْخ شمس الدّين بن الْعِمَاد الْحَنْبَلِيّ
وَسمع من قطب الدّين بن الْقُسْطَلَانِيّ وَمن غَازِي الحلاوي وَابْن خطيب المزة وَخلق
стр. 3357
قَالَ شَيخنَا الذَّهَبِيّ كَانَ صَدُوقًا فِي الحَدِيث حجَّة فِيمَا يَنْقُلهُ لَهُ بصر نَافِذ بالفن وخبرة بِالرِّجَالِ وطبقاتهم وَمَعْرِفَة بالاختلاف
وَقَالَ الشَّيْخ علم الدّين البرزالي كَانَ أحد الْأَعْيَان معرفَة وإتقانا وحفظا وضبطا للْحَدِيث وتفهما فِي علله وَأَسَانِيده عَالما بصحيحه وسقيمه مستحضرا للسيرة لَهُ حَظّ وافر من الْعَرَبيَّة وَله الشّعْر الرَّائِق والنثر الْفَائِق
وَقَالَ ابْن فضل الله فِي مسالك الْأَبْصَار أحد أَعْلَام الْحفاظ وَإِمَّا أهل الحَدِيث الواقفين فِيهِ بعكاظ الْبَحْر المكثار والحبر فِي نقل الْآثَار وَله أدب أسلس قيادا من الْغَمَام بأيدي الرِّيَاح وَأسلم مرَادا من الشَّمْس فِي ضمير الصَّباح
وَقَالَ الشَّيْخ صَلَاح الدّين الصَّفَدِي كَانَ حَافِظًا بارعا متوعلا هضبات الْأَدَب عَارِفًا متفننا بليغا فِي إنشائه ناظما ناثرا مترسلا لم يضم الزَّمَان مثله فِي أحشائه خطه أبهج من حدائق الأزهار وآنق من صفحات الخدود الْمُطَرز وردهَا بآس العذار
قلت مولده فِي ذِي الْحجَّة سنة إِحْدَى وَسبعين وسِتمِائَة
وَكَانَ من بَيت رياسة وَعلم ولجده مُصَنف فِي منع بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد فِي مُجَلد ضخم يدل على علم عَظِيم
وصنف الشَّيْخ فتح الدّين كتابا فِي الْمَغَازِي وَالسير سَمَّاهُ عُيُون الْأَثر أحسن فِيهِ مَا شَاءَ
стр. 3358
وَشرح من التِّرْمِذِيّ قِطْعَة وَله تصانيف أخر ونظم كثير
وَلما شغرت مشيخة الحَدِيث بالظاهرية بِالْقَاهِرَةِ وَليهَا الشَّيْخ الْوَالِد ودرس بهَا فسعى فِيهَا الشَّيْخ فتح الدّين وساعده نَائِب السلطنة إِذْ ذَاك ثمَّ لم يتجاسروا على الشَّيْخ فَأرْسل الشَّيْخ فتح الدّين إِلَى الشَّيْخ يَقُول لَهُ أَنْت تصلح لكل منصب فِي كل علم وَأَنا إِن لم يحصل لي تدريس حَدِيث فَفِي أَي علم يحصل لي التدريس فرق عَلَيْهِ الْوَالِد وَتركهَا لَهُ فاستمر بهَا إِلَى أَن مَاتَ فِي حادي عشر شعْبَان سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة
وَمن شعره
(يَا كاتم الشوق إِن الدمع مبديه ... حَتَّى يُعِيد زمَان الْوَصْل مبديه)
(أصبو إِلَى البان بَانَتْ عَنهُ هاجرتي ... تعللا بليالي وَصلهَا فِيهِ)
(عصر مضى وجلابيب الصِّبَا قشب ... لم يبْق من طيبه إِلَّا تمنيه)
(لَو دَامَ عهد اللوى لم تلو ماطلتي ... دينا تقضى زماني فِي تقاضيه)
وَمِنْه
(عهدي بِهِ والبين لَيْسَ يروعه ... صب براه نحوله ودموعه)
стр. 3359
(لَا تَطْلُبُوا فِي الْحبّ ثأر متيم ... فالموت من شرع الغرام شُرُوعه)
(عَن سَاكن الْوَادي سقته مدامعي ... حدث حَدِيثا طَابَ لي مسموعه)
(أفدي الَّذِي عنت البدور لوجهه ... إِذْ حل معنى الْحسن فِيهِ جَمِيعه)
(الْبَدْر من كلف بِهِ كلب بِهِ ... والغصن من عطف عَلَيْهِ خضوعه)
(لله معسول المراشف واللمى ... حُلْو الحَدِيث ظريفه مطبوعه)
(دارت رحيق سلافه فلنا بهَا ... سكر يجل عَن المدام صَنِيعه)
(يجني فأضمر عَتبه فَإِذا بدا ... فجماله مِمَّا جناه شفيعه)
وَمِنْه
(قضى وَلم يقْض من أحبابه أربا ... صب إِذا مر خفاق النسيم صبا)
(رَاض بِمَا صنعت أَيدي الغرام بِهِ ... فحسبه الْحبّ مَا أعْطى وَمَا سلبا)
(مَا مَاتَ من مَاتَ فِي أحبابه كلفا ... وَلَا قضى بل قضى الْحق الَّذِي وجبا)
(فالسحب تبكيه بل تسقيه هامية ... وَكَيف تبْكي محبا نَالَ مَا طلبا)
стр. 3360
(والغصن نشوان يثنيه الغرام بِهِ ... كَأَنَّهُ منحميا وجده شربا)
(وطوقت جيدها الورقاء واختضبت ... لَهُ وغنت على أعوادها طَربا)
(ومالت الدوحة الْغناء راقصة ... تصبو وتنثر من أوراقها ذَهَبا)
(وَالرَّوْض حمل أنفاس النسيم شذا ... أزهاره راجيا من قربه سَببا)
(فرقاه الْورْد فاستغى بِهِ وثنى ... عطفا عَلَيْهِ وَمن رَجَعَ الْجَواب أَبى)
(ففارقت روضها الأزهار واتخذت ... نَحْو الرَّسُول سَبِيلا وابتغت سربا)
مِنْهَا
(لَو لم يكن بابلي الرِّيق مبسمه ... لما اكتسى ثغره من دره حببا)
(للأقحوانة مِمَّا فِيهِ منظرها ... وَلم تنَلْ مثله عرفا وَلَا ضربا)
(والبرق يخْفق لما شام بارقه ... فالمزن تبْكي لَهُ إِذْ أعوز الشنبا)
(من لي وللكبد الحرى وللمقلة العبرى ... استهلت وسحت دمعها سحبا)
(وَمن لمضنى إِذا لج السقام بِهِ ... وَالْحب لم يلق إِلَّا روحه سلبا)
стр. 3361
ورد إِلَى دمشق فِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة
وبحثنا مَعَه فوجدناه إِمَامًا فِي الْمنطق وَالْحكمَة عَارِفًا بالتفسير والمعاني وَالْبَيَان مشاركا فِي النَّحْو يتوقد ذكاء
وَله على الْكَشَّاف حواش مَشْهُورَة وَشرح الشمسية فِي الْمنطق
توفّي فِي سادس عشر ذِي الْقعدَة سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة بِظَاهِر دمشق عَن نَحْو أَربع وَسبعين سنة
١٣٣٥ - مُحَمَّد بن يُوسُف بن عبد الله بن مَحْمُود الْجَزرِي ثمَّ الْمصْرِيّ أَبُو عبد الله
الْخَطِيب بالجامع الصَّالِحِي بِمصْر ثمَّ بالجامع الطولوني
سمع من أبي الْمَعَالِي أَحْمد بن إِسْحَاق الأبرقوهي
وَكَانَ إِمَامًا فِي الْأَصْلَيْنِ وَالْفِقْه والنحو والمنطق وَالْبَيَان والطب
درس بالمعزية بِمصْر والشريفية بِالْقَاهِرَةِ
وَشرح منهاج الْبَيْضَاوِيّ فِي أصُول الْفِقْه وَشرح أسولة القَاضِي سراج الدّين فِي التَّحْصِيل وَتكلم عَلَيْهَا
قَرَأَ عَلَيْهِ الشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد ﵀ علم الْكَلَام
стр. 3362
مولده بِجَزِيرَة ابْن عمر فِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة
وَتُوفِّي بِمصْر فِي سادس ذِي الْقعدَة سنة إِحْدَى عشرَة وَسَبْعمائة
١٣٣٦ - مُحَمَّد بن يُوسُف بن عَليّ بن يُوسُف بن حَيَّان النفزي الأندلسي الجياني الأَصْل الغرناطي المولد والمنشأ الْمصْرِيّ الدَّار شَيخنَا وأستاذنا أَبُو حَيَّان
شيخ النُّحَاة الْعلم الْفَرد وَالْبَحْر الَّذِي لم يعرف الجزر بل الْمَدّ سِيبَوَيْهٍ الزَّمَان والمبرد إِذا حمي الْوَطِيس بتشاجر الأقران
وَإِمَام النَّحْو الَّذِي لقاصده مِنْهُ مَا يَشَاء ولسان الْعَرَب الَّذِي لكل سمع لَدَيْهِ الإصغاء
كعبة علم تحج وَلَا تحج ويقصد من كل فج
تضرب إِلَيْهِ الْإِبِل آباطها وتفد عَلَيْهِ كل طَائِفَة سفرا لَا يعرف إِلَّا نمارق البيد بساطها
стр. 3363
وَكَانَ عذبا منهلا وسيلا يسْبق ارتداد الطّرف وَإِن جَاءَ منهملا
يعم الْمسير إِلَيْهِ الغدو والرواح ويتنافس على أرج ثنائه مسك اللَّيْل وكافور الصَّباح
وَلَقَد كَانَ أرق من النسيم نفسا وأعذب مِمَّا فِي الكؤوس لعسا
طلعت شمسه من مغْرِبهَا واقتعد مصر فَكَانَ نِهَايَة مطلبها
وَجلسَ بهَا فَمَا طَاف على مثله سورها وَلَا طَار إِلَّا إِلَيْهِ من طلبة الْعلم قشاعمها ونسورها
وازدهرت بِهِ وَلَا ازدهاءها بالنيل وَقد رَوَاهَا وافتخرت بِهِ حَتَّى لقد لعبت بأغصان البان مهاب صباها
مولده بمطخشارش وَهِي مَدِينَة مسورة من أَعمال غرناطة فِي أخريات شَوَّال سنة أَربع وَخمسين وسِتمِائَة
وَنَشَأ بغرناطة وَقَرَأَ بهَا القراآت والنحو واللغة وجال فِي بِلَاد الْمغرب ثمَّ قدم مصر قبل سنة ثَمَانِينَ وسِتمِائَة
وَسمع الْكثير سمع بغرناطة الْأُسْتَاذ أَبَا جَعْفَر بن الزبير
стр. 3364
وَأَبا جَعْفَر بن بشير وَأَبا جَعْفَر بن الطباع وَأَبا عَليّ بن أبي الْأَحْوَص وَغَيرهم
وبمالقة أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن عَبَّاس الْقُرْطُبِيّ وببجاية أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن صَالح الْكِنَانِي وبتونس أَبَا مُحَمَّد عبد الله بن هَارُون وَغَيره وبالأسكندرية عبد الْوَهَّاب ابْن حسن بن الْفُرَات وبمكة أَبَا الْحسن عَليّ بن صَالح الْحُسَيْنِي وبمصر عبد الْعَزِيز الْحَرَّانِي وَابْن خطيب المزة وغازي الحلاوي وخلقا
ولازم الْحَافِظ أَبَا مُحَمَّد الدمياطي وانتقى على بعض شُيُوخه وَخرج وشغل النَّاس بالنحو والقراآت
سمع عَلَيْهِ الجم الْغَفِير
وَأخذ عَنهُ غَالب مشيختنا وأقراننا مِنْهُم الشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد وناهيك بهَا لأبي حَيَّان منقبة وَكَانَ يعظمه كثيرا وتصانيفه مشحونة بِالنَّقْلِ عَنهُ
وَلما توجهنا من دمشق إِلَى الْقَاهِرَة فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة ثمَّ أمرنَا السُّلْطَان بِالْعودِ إِلَى الشَّام لانقضاء مَا كُنَّا توجهنا لأَجله استمهله الْوَالِد أَيَّامًا لأجلي فَمَكثَ حَتَّى أكملت على أبي حَيَّان مَا كنت أقرؤه عَلَيْهِ وَقَالَ لي يَا بني هُوَ غنيمَة ولعلك لَا تَجدهُ من سفرة أُخْرَى وَكَانَ كَذَلِك
стр. 3365
وَكَانَ الشَّيْخ أَبُو حَيَّان إِمَامًا مُنْتَفعا بِهِ اتّفق أهل الْعَصْر على تَقْدِيمه وإمامته ونشأت أَوْلَادهم على حفظ مختصراته وآباؤهم على النّظر فِي مبسوطاته وَضربت الْأَمْثَال باسمه مَعَ صدق اللهجة وَكَثْرَة الإتقان والتحري
وشدا طرفا صَالحا من الْفِقْه وَاخْتصرَ منهاج النَّوَوِيّ وصنف التصانيف السائرة الْبَحْر الْمُحِيط فِي التَّفْسِير وَشرح التسهيل والارتشاف وَتَجْرِيد أَحْكَام سِيبَوَيْهٍ والتذكرة والغاية والتقريب والمبدع واللمحة وَغير ذَلِك
وَله فِي القراآت عقد اللآلي
وَله نظم كثير وموشحاته أَجود من شعره
توفّي عشي يَوْم السبت الثَّامِن وَالْعِشْرين من صفر سنة خمس وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة بمنزله بِظَاهِر الْقَاهِرَة وَدفن بمقابر الصُّوفِيَّة
وَمن الرِّوَايَة عَنهُ
أخبرنَا شَيخنَا أَبُو حَيَّان بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ فِي يَوْم الْخَمِيس سَابِع عشري شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة بِالْمَدْرَسَةِ الصالحية بِالْقَاهِرَةِ أخبرنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد
следующие страницы →