Полный текст (624 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم)
( ﴿رَبنَا أتمم لنا نورنا واغفر لنا، إِنَّك على كل شَيْء قدير﴾ )
﴿رَبنَا آتنا من لَدُنْك رَحْمَة وهيئ لنا من أمرنَا رشدا﴾
الْحَمد لله أكمل الْحَمد، وَلَا إِلَه إِلَّا الله أهل الثَّنَاء وَالْمجد، وتبارك الله ذُو الْجلَال الْأَعْظَم وَالْفضل الأتم، وَسُبْحَان الله الَّذِي خلق الْخلق أخيافا مُخْتَلفين، وأصنافا متفاضلين، ثمَّ لَا فاضلين بعد الْأَنْبِيَاء أفضل من الْعلمَاء، فهم الأبهرون فضلا، والأطهرون خصلا، والأرفعون قدرا، والأسيرون ذكرا، والأجدرون بِأَن تُؤثر مآثرهم وتخلد تدوينا ونشرا.
وصلوات الله وَسَلَامه الأدومان على سيد المصطفين عَبده وَرَسُوله مُحَمَّد، وعَلى آله وَسَائِر النَّبِيين، وَآل كل وَسَائِر الصَّالِحين، مَا عَم الْعَالمين
стр. 2
بإحسانه، وَخص العارفين بعرفانه، آمين آمين آمين.
أما بعد:
فَإِن معرفَة الْإِنْسَان بأحوال الْعلمَاء رَفعه وزين، وَإِن جهل طلبة الْعلم وَأَهله بهم لوصمة وشين، وَلَقَد علمت الأيقاظ أَن الْعلم بذلك جم الْمصَالح والمراشد، وَأَن الْجَهْل بِهِ إِحْدَى جوالب المناقص والمفاسد، من حَيْثُ كَونهم حفظَة الدّين الَّذِي هُوَ أس السَّعَادَة الْبَاقِيَة، ونقلة الْعلم الَّذِي هُوَ المرقأة إِلَى الْمَرَاتِب الْعَالِيَة، فكمال أحدهم يكْسب مؤداه من
стр. 3
الْعلم كمالا، واختلالها يُورث خللا وخبالا، وَفِي الْمعرفَة لَهُم معرفَة من هُوَ أَحَق بالاقتداء، وَأَحْرَى بالاقتفاء، وَالْجَاهِل بهم من مقتبسة الْعلم مسو لإمحاله عِنْد اخْتلَافهمْ بَين الغث والسمين، غير مُمَيّز بَين الرث والوزين.
وَقد روينَا عَن مُسلم بن الْحجَّاج صَاحب " الصَّحِيح " ﵁ أَنه قَالَ: إِن أول مَا يجب على مبتغي الْعلم وطالبه أَن يعرف مَرَاتِب الْعلمَاء فِي الْعلم، ورجحان بَعضهم على بعض، وَلِأَن الْمعرفَة بالخواص آصرة وَنسب، وَهِي يَوْم الْقِيَامَة وصلَة إِلَى شفاعتهم وَسبب، وَلِأَن الْعَالم بِالنِّسْبَةِ إِلَى مقتبس علمه بِمَنْزِلَة الْوَالِد بل أفضل، فَإِذا كَانَ جَاهِلا بِهِ فَهُوَ كالجاهل بوالده بل أضلّ، ولعمري إِن من يسْأَل من الْفُقَهَاء عَن الْمُزنِيّ وَالْغَزالِيّ مثلا، فَلَا يَهْتَدِي إِلَى بعد مَا بَينهمَا من الزَّمَان والمنزلة؛ لمنسوب من الْقُصُور إِلَى مَا يسؤوه، وَمن النَّقْص إِلَى مَا يهيضه.
وَلَقَد قَامَ أهل الحَدِيث فِي رُوَاته بِحَق هَذَا الشَّأْن، فِيمَا أَدْعُوهُ
стр. 4
فِي كتبهمْ فِي التَّعْدِيل وَالتَّجْرِيح، وَفِيمَا دونوه فِي مؤلفاتهم الموسومة بالتواريخ. وَأما الْفُقَهَاء فَإِنَّهُم أضاعوه، فَضَاعَ مَا اختصوا بإدراكه من تفَاوت مَرَاتِب أئمتهم فِي التَّحْقِيق، وَاخْتِلَاف حظوظهم فِي الْعلم من التَّوْفِيق.
وَلم أزل مُنْذُ زمن الحداثة ذَا عناية بِهَذَا الشَّأْن، أتطلبه من مظانه وَغير مظانه، وأصيد أوابده، وأقيد شوارده، وأتتبعه مِمَّا صنفه أهل الحَدِيث فِي تواريخ أُمَّهَات الْأَمْصَار شرقا وغربا، الْمُشْتَملَة على التَّعْرِيف بخواص أهليها ووارديها، وَمن معاجم كَثِيرَة فِي أَسمَاء شيوخهم، وفهارس وتخاريج لَهُم قَليلَة، وَمن مؤلفات فِي ذكر الْفُقَهَاء، ألفها شرذمة قَليلَة من الْفُقَهَاء، وَهِي قَليلَة، قَليلَة الْمَضْمُون والمحصول، غير قَلِيل مَا فِيهَا مِمَّا لَا يَصح أَو لَا يوثق بِهِ من الْمَنْقُول، وَمِمَّا عنيت بِهِ من مصنفات الْفِقْه المبسوطة، وَمِمَّا لَا أحصيه من زَوَايَا وخبايا، وبقايا وخفايا.
ثمَّ استخرت الله ﵎ فِي تأليف ذَلِك وإبرازه لطالبيه، وَحفظه على مبتغي الْعلم وحافظيه، واستجرت بِهِ من حظوظ
стр. 5
الشَّيْطَان، واستعذته من الْخَطَأ والحرمان، واستعنته واستهديته، وَسَأَلته فِيهِ ثَوَابه الجسيم، وفضله الْعَظِيم، وتبرأت من الْحول وَالْقُوَّة إِلَّا بِهِ، وخصصت بِهَذَا الْكتاب عُلَمَاء الشافعيين وخاصتهم، لكَون حاجتنا وحاجة أهل أقطارنا إِلَى ذَلِك مِنْهُم أمس، وَكنت قد عزمت على أَن أذكر مَا تناهى إِلَيّ من ذَلِك بِإِسْنَاد بِإِسْنَادِهِ، وَمَا كَانَ بالوجادة فبالبلاغ عَمَّن وجدته عَنهُ، منصصا عَلَيْهِ وعَلى الْكتاب الَّذِي ذكره فِيهِ، نَاقِلا نَص أَلْفَاظه وَإِن طَالَتْ، وأجزاء بَعْضهَا أَو مَا هُوَ أوجز مِنْهَا، جَريا على عَادَة فِي ذَلِك، فَنَظَرت، فَإِذا الْكتاب يطول بِذكرِهِ طولا يقلله، وَإِن الْفُقَهَاء وَأكْثر الطوائف يزهدون فِي ذَلِك ويتبرمون بِهِ، فَأَعْرَضت عَن ذَلِك فِي أَكْثَره، مُقْتَصرا على أَن أَقُول فِيمَا أرويه بِإِسْنَاد: روينَا، وَفِي غَيره: بلغنَا، أَو وجدت، أَو ذكر كَذَا وَكَذَا، وَمَا ضاهى ذَلِك من وُجُوه الإيجاز، وجائزات الِاخْتِصَار، وَكنت عزمت على أَن أرتبه على الطَّبَقَات لَا على الْحُرُوف، وهم نَحْو إِحْدَى عشرَة أَو اثْنَتَيْ عشرَة طبقَة، من
стр. 6
حَيْثُ إِن ترتيبه على الْحُرُوف يلْزم مِنْهُ أَن يَقع الْمُتَأَخر والمتقدم فِي الزَّمَان أَو الْفضل مقرونين فِي قرن، وَأَن يَقع الْمَفْضُول أَو الآخر قبل الْفَاضِل والاول، ثمَّ نظرت فَإِذا ذَلِك هَين فِي جنب مَا يحصل بترتيبه على الْحُرُوف من التَّيْسِير على أَكثر النَّاس، إِذْ الْغَالِب أَن أحدهم إِذا طلب الْوُقُوف على تَرْجَمَة وَاحِد مِنْهُم وَقد عرف اسْمه؛ لم يدر من أَي طبقَة هُوَ حَتَّى يَطْلُبهُ فِي المسمين باسمه.
إِلَى هُنَا انْتهى مَا ذكره الشَّيْخ من الْخطْبَة، وَانْقطع كَلَامه هُنَا وَهُوَ فِي أَثْنَائِهَا، وَأَنا أذكر تَمامهَا للضَّرُورَة إِلَى مَعْرفَته، لأجل بَيَان شَرط الْكتاب، وَكَيْفِيَّة ترتيبه.
فترتيبه أَن نرتبه على حُرُوف المعجم، أَولهَا: بَاب الْألف، ثمَّ الْبَاء، ثمَّ التَّاء، ثمَّ الثَّاء، ثمَّ الْجِيم ... إِلَى آخرهَا، على اصْطِلَاح أهل بِلَادنَا وَأكْثر النَّاس فِي ترتيبها، ونراعي التَّرْتِيب فِي آبَائِهِم وأجدادهم وآباء أجدادهم، فنقدم زيد بن إِبْرَاهِيم على زيد بن إِسْحَاق، لتقدم الْبَاء على السِّين، ونقدم زيد بن إِبْرَاهِيم بن إِسْحَاق على زيد بن إِبْرَاهِيم بن إِسْرَائِيل، لتقدم الْحَاء على الرَّاء، وَكَذَلِكَ نَفْعل فِي الْبَاقِي على هَذَا النَّحْو، وَكَذَلِكَ نقدم من كَانَ فِي
стр. 7
أول اسْمه، أَو اسْم أَبِيه، أَو جده أَبِيه، همزتان على من كَانَ قبالته همزَة وَاحِدَة، ك: آدم يقدم على إِبْرَاهِيم، وَيقدم زيد بن آدم على زيد بن أدرع، وَكَذَلِكَ الْبَاقِي على هَذَا الْمِثَال، إِلَّا أَنا نقدم فِي أول الْكتاب من اسْمه مُحَمَّد، ثمَّ من اسْمه أَحْمد، تَشْرِيفًا لَهُم لموافقتهم اسْم رَسُول الله ﷺ ، ونراعي فِي أَسمَاء آبَائِهِم وأجدادهم الشَّرْط الْمَذْكُور أَولا، ثمَّ نعود بعد المحمدين والأحمدين إِلَى التَّرْتِيب الْمَذْكُور أَولا.
стр. 8
(١ - مُحَمَّد بن أَحْمد [ ٠٠٠ - ٥٢٥] )
ابْن أبي الْفضل: أَحْمد بن حَفْص، أَبُو الْفضل الماهياني.
من أهل مرو، وماهيان: من قراها.
ذكر أَبُو سعد السَّمْعَانِيّ أَنه كَانَ إِمَامًا، فَاضلا، ورعا، حسن السِّيرَة، جميل الْأَخْلَاق، مليح المحاورة، كثير الْمَحْفُوظ، تَامّ الْمعرفَة بالفقه.
سَافر الْكثير، وتغرب مُدَّة، أَقَامَ بنيسابور عِنْد أبي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ، وتفقه عَلَيْهِ بعد أَن كَانَ قد تفقه على أبي الْفضل مُحَمَّد بن أَحْمد التَّمِيمِي الإِمَام، ثمَّ سَافر إِلَى بَغْدَاد، أَقَامَ بهَا مُدَّة عِنْد أبي سعد الْمُتَوَلِي ودرس
стр. 9
الْفِقْه عَلَيْهِ حَتَّى برع فِيهِ.
وَسمع الحَدِيث بِبَغْدَاد من أبي نصر الزَّيْنَبِي، وبنيسابور من: أبي صَالح الْمُؤَذّن الْحَافِظ، وَالْإِمَام أبي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ، وَأبي بكر مُحَمَّد بن الْقَاسِم الصفار، وَأبي الْقَاسِم إِسْمَاعِيل بن زَاهِر النوقاني، وَأبي الْحسن عَليّ بن أَحْمد الواحدي الْمُفَسّر، وبمرو: أَبَا الْفضل مُحَمَّد بن أَحْمد التَّمِيمِي وَغَيره، وببسطام: أَبَا الْفضل مُحَمَّد بن عَليّ السهلكي، وبساوة: أَبَا عبد الله الكامخي الساوي، وبمدينة الرَّسُول ﷺ : أستاذه أَبَا سعد عبد الرَّحْمَن بن الْمَأْمُون الْمُتَوَلِي، وَغير هَؤُلَاءِ من الشُّيُوخ، وَصَحب الْأَئِمَّة الْكِبَار.
وروى الشَّيْخ بِإِسْنَادِهِ عَنهُ، بِإِسْنَادِهِ عَن ذِي النُّون رَضِي الله عَنهُ
стр. 10
قَالَ: الحسود لَا يسود.
ذكر السَّمْعَانِيّ أَنه سَأَلَ ابْن أبي الْفضل هَذَا عَن وَفَاة وَالِده، فَقَالَ: آخر رَجَب، سنة خمس وَعشْرين وَخمْس مئة، وَقد ناطح التسعين، وَدفن بماهيان رَحمَه الله تَعَالَى.
стр. 11
(٢ - مُحَمَّد بن أَحْمد [ ٢٨٢ - ٣٧٠] )
ابْن الْأَزْهَر، أَبُو مَنْصُور الْأَزْهَرِي الْهَرَوِيّ.
الإِمَام الْكَبِير فِي علم اللُّغَة، وَكتابه الموسوم ب: " تَهْذِيب اللُّغَة " يدل على جلالة قدره، وَهُوَ خير عُمْدَة فِي هَذَا الْفَنّ، وَقد رَأَيْته فِي مرو بِخَطِّهِ، فِي نَحْو عشْرين مجلدا كبارًا، وَله كتاب " التَّقْرِيب " فِي التَّفْسِير، وَكتاب
стр. 12
مَشْهُور فِي " شرح مُشكل أَلْفَاظ مُخْتَصر الْمُزنِيّ "، وَكتاب صَغِير فِي " معرفَة الصُّبْح "، يرويهِ بِإِسْنَاد، وَغير ذَلِك.
سمع الحَدِيث، وَرَوَاهُ عَن الْبَغَوِيّ، وَابْن أبي دَاوُد، وَغَيرهمَا. وروى عَنهُ: الإِمَام أَبُو مُحَمَّد الْمُقْرِئ القراب، وَأَخُوهُ الْحَافِظ إِسْحَاق، وَغَيرهمَا.
وَعنهُ أَخذ أَبُو عبيد، صَاحب كتاب " الغريبين "، وَكَانَ يُرَاجِعهُ فِيمَا يشكل عَلَيْهِ مِنْهُ.
توفّي سنة سبعين وَثَلَاث مئة.
وَكَانَ من الذابين عَن الشَّافِعِي ومذهبه، وَهُوَ الَّذِي يَقُول فِي صدر كِتَابه: لم أجد غير هَذَا.
стр. 13
(٣ - مُحَمَّد بن أَحْمد [ ٤٢٩ - ٥٠٧] )
ابْن الْحُسَيْن، أَبُو بكر الشَّاشِي.
صَاحب الشَّيْخ أبي إِسْحَاق، وَالشَّيْخ أبي نصر ابْن الصّباغ.
يلقب: فَخر الْإِسْلَام.
قيل: كَانَ معيد الشَّيْخ أبي إِسْحَاق.
قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْحسن ابْن الْخلّ: كَانَ الإِمَام فَخر الْإِسْلَام أَبُو بكر الشَّاشِي مبرزا فِي علم الشَّرْع، عَارِفًا بِالْمذهبِ، حسن الْفتيا، جيد النّظر،
стр. 14
محققا مَعَ الْخُصُوم، يلْزم الْمسَائِل الحكميه، حَتَّى يقطع خَصمه مَعَ حسن إِيرَاد، وَكَانَ يعْنى بسؤال الْكَبِير، ويمشيه مَعَ الْكِبَار من الْأَئِمَّة، ويفتي بِمَسْأَلَة ابْن سُرَيج وينصرها، وَله فِيهَا مُصَنف.
درس فِي بدايته على الإِمَام أبي عبد الله الكازروني، وَجَاء بَغْدَاد، وَهُوَ فَقِيه حسن، ثمَّ صحب الإِمَام الزَّاهِد أَبَا إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ إِلَى حِين وَفَاته، وَصَحبه فِي سَفَره إِلَى خُرَاسَان.
стр. 15
وَقَرَأَ كتاب " الشَّامِل " للشَّيْخ أبي نصر ابْن الصّباغ عَلَيْهِ، وَولي التدريس بِالْمَدْرَسَةِ النظامية بِبَغْدَاد دون سنة وَنصف.
وَكَانَ لطيفا، صَالحا، ورعا، دينا، على سيرة السّلف، وَخلف وَلدين إمامين مبرزين فِي الْمَذْهَب وَالنَّظَر: أَبُو المظفر أَحْمد، وَأَبُو مُحَمَّد عبد الله.
وَسمع الإِمَام أَبُو بكر الشَّاشِي الحَدِيث من أبي عبد الله بن بَيَان الكازروني بميافارقين، وَأبي الْقَاسِم قَاسم بن أَحْمد الْخياط بآمد، وَهياج بن مُحَمَّد الحطيني بِمَكَّة، وَالشَّيْخ أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ، وَأبي بكر الْخَطِيب، وَأبي يعلى ابْن الْفراء بِبَغْدَاد، وَغَيرهم.
وَحدث بِشَيْء يسير، وَأخذ عَنهُ عباد بن سرحان - من فضلاء الْمغرب - كتاب " الملخص فِي الجدل "، وَغَيره، عَن الشَّيْخ أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ، وَكتاب " زواهر الدُّرَر فِي نقض جَوَاهِر النّظر " حَدثهُ بِهِ عَن مُصَنفه الإِمَام أبي بكر الخجندي.
стр. 16
وَمن تآليفه: كتاب " الشافي فِي شرح الشَّامِل فِي عشْرين مجلدا، وَكَانَ قد بَقِي من إكماله نَحْو الْخمس، هَذَا فِي سنة أَربع وَتِسْعين وَأَرْبع مئة، وَمن تصانيفه: كتاب " التَّرْغِيب فِي الْمَذْهَب "، وَله: " الشافي فِي شرح مُخْتَصر الْمُزنِيّ ".
وتفقه عَلَيْهِ القَاضِي أَبُو الْعَبَّاس ابْن الرطبي.
أنْشد أَبُو سعد السَّمْعَانِيّ، عَن أبي الْحسن عَليّ بن أَحْمد الْفَقِيه قَالَ: أنشدنا أَبُو بكر الشَّاشِي فِي الِاعْتِذَار عَن الإقلال من الزِّيَارَة:
(إِنِّي وَإِن بَعدت دَاري لمقترب ... مِنْكُم بمحض مُوالَاة وإخلاص)
(وَرب دَان وَإِن دَامَت مودته ... أدنى إِلَى الْقلب مِنْهُ النازح القاصي)
توفّي ﵀ يَوْم السبت، الْخَامِس وَالْعِشْرين من شَوَّال، سنة سبع وَخمْس مئة، وَدفن مَعَ شَيْخه أبي إِسْحَاق فِي قبر وَاحِد بِبَاب أبرز، رحمهمَا الله تَعَالَى.
стр. 17
قلت: وَمن تصانيفه " المستظهري " الْكتاب الْمَشْهُور فِي الْمَذْهَب، و " الْمُعْتَمد " وَهُوَ كالشرح ل " المستظهري "، وَهُوَ غَرِيب، و " الْعُمْدَة "
стр. 18
الْمُخْتَصر الْمَشْهُور.
وَذكره الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم ابْن عَسَاكِر، فَقَالَ: انْتَهَت إِلَيْهِ الرياسة لأَصْحَاب الشَّافِعِي بِبَغْدَاد.
стр. 19
(٤ - مُحَمَّد بن أَحْمد [ ٠٠٠ - ٤٦٨] )
ابْن الْعَبَّاس، القَاضِي أَبُو بكر الْبَيْضَاوِيّ الْفَارِسِي، يعرف بالشافعي.
جليل، من الْعلمَاء بالفقه وَالْأَدب، مُصَنف فيهمَا.
لَهُ كتاب " الْأَدِلَّة فِي تَعْلِيل مسَائِل التَّبْصِرَة " ذكر فِيهِ:
أَن الْحَائِض لَو قَالَت: أَنا أتبرع بِقَضَاء مَا فَاتَ من الصَّلَوَات فِي أَيَّام الْحيض؛ قُلْنَا: لَا يجوز ذَلِك، بل تصلين مَا أَحْبَبْت من النَّوَافِل، فَأَما قَضَاء ذَلِك فَلَا.
стр. 20
وَاحْتج بِأَن امْرَأَة ذكرت مثل ذَلِك لعَائِشَة، ﵂ فنهتها، وَقَالَت: أحرورية أَنْت؟ !
وَله كتاب " الْإِرْشَاد " فِي شرح " الْكِفَايَة " للْقَاضِي أبي الْقَاسِم الصَّيْمَرِيّ، وَمِمَّا يفاد مِنْهُ أَنه حكى وَجْهَيْن فِي جَرَيَان الرِّبَا فِي الماورد، وَكَذَا فِي الصمغ الْعَرَبِيّ.
وَحكى عَن الشَّافِعِي قولا فِيمَا إِذا حضر السُّلْطَان دَار رجل أَن رب الدَّار أولى بِالْإِمَامَةِ مِنْهُ، وَذكر أَنه الْأَصَح.
وَذكر أَنه يَنْبَغِي للخطيب إِذا أَرَادَ صعُود الْمِنْبَر أَن يصعد على الرِّفْق
стр. 21
والتؤدة، وَيقف على كل مرقاة وَقْفَة خَفِيفَة، وَهُوَ يسْأَل الله تَعَالَى المعونة التسديد، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يلْتَفت يَمِينا وَشمَالًا، بل يَنْبَغِي أَن يكون راميا ببصره إِلَى من بَين يَدَيْهِ، وَلَا يقبل على يَمِينه وَلَا على يسَاره فِي شَيْء من خطبَته، وَمَا يَفْعَله الخطباء فِي زَمَاننَا هَذَا فبدعة.
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: يَعْنِي التفاته فِي الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ .
стр. 22
(٥ - مُحَمَّد بن أَحْمد [ ٣٠١ - ٣٧١] )
ابْن عبد الله بن مُحَمَّد، أَبُو زيد الْمروزِي.
أستاذ الْقفال الْمروزِي.
ذكره الْحَاكِم أَبُو عبد الله النَّيْسَابُورِي، فَذكر أَنه كَانَ أحد أَئِمَّة الْمُسلمين، وَمن أحفظ النَّاس لمَذْهَب الشَّافِعِي، وَأَحْسَنهمْ نظرا، وأزهدهم فِي الدُّنْيَا.
قدم نيسابور غير مرّة؛ مِنْهَا: ليتوجه إِلَى غَزْو الرّوم، وَمِنْهَا وَهِي الْخَامِسَة: مُتَوَجها إِلَى الْحَج فِي شعْبَان، سنة خمس وَخمسين وَثَلَاث مئة، وَحدث بنيسابور هَذِه الْمرة، وَأقَام بِمَكَّة سبع سِنِين، ثمَّ انْصَرف
стр. 23
وَحدث بِمَكَّة وببغداد ب " الْجَامِع الصَّحِيح " للْبُخَارِيّ، عَن الْفربرِي، عَنهُ، وَهِي من أجل الرِّوَايَات، لجلالة أبي زيد ﵀.
سمع بمرو من أَصْحَاب عَليّ بن حجر، وَعلي بن خشرم، وأقرانهم، واكثر عَن أبي بكر المنكدري.
توفّي بمرو فِي رَجَب سنة إِحْدَى وَسبعين وَثَلَاث مئة.
قَالَ الْحَاكِم: سَمِعت أَبَا الْحسن مُحَمَّد بن أَحْمد الْفَقِيه - هُوَ الحاكمي وَالله أعلم - يَقُول: سَمِعت أَبَا زيد الْمروزِي يَقُول: لما عزمت على الرُّجُوع إِلَى خُرَاسَان من مكه تقسى قلبِي بذلك، وَقلت: مَتى يكون هَذَا، الْمسَافَة بعيدَة، وَالْمَشَقَّة لَا أحتملها، فقد طعنت فِي السن ﴿فَرَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَن رَسُول الله ﷺ قَاعد فِي الْمَسْجِد الْحَرَام، وَعَن يَمِينه شَاب، فَقلت: يَا رَسُول الله﴾ قد عزمت على الرُّجُوع إِلَى خُرَاسَان، والمسافة بعيدَة؟ فَالْتَفت رَسُول الله ﷺ إِلَى الشَّاب، فَقَالَ: يَا روح الله! تصحبه إِلَى وَطنه.
стр. 24
قَالَ أَبُو زيد: فَأريت أَنه جِبْرِيل ﵇، فَانْصَرَفت إِلَى مرو، وَلم أحس بِشَيْء من مشقة السّفر.
هَذَا أَو نَحوه، فَإِنِّي لم أرجع إِلَى الْمَكْتُوب عِنْدِي من لفظ أبي الْحسن.
قلت: قد روينَاهُ بِإِسْنَاد عَن الْحَاكِم على لفظ آخر.
стр. 25
(٦ - مُحَمَّد بن أَحْمد [ ٠٠٠ - ٤٩٤] )
ابْن عبد الْبَاقِي بن الْحسن بن مُحَمَّد بن طوق، أَبُو الْفَضَائِل الربعِي الْموصِلِي الْفَقِيه.
أَخذ عَن الْمَاوَرْدِيّ.
قَالَ أَبُو سعد ابْن السَّمْعَانِيّ: هُوَ أحد الْفُقَهَاء الشَّافِعِيَّة، تفقه على أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ، وَسمع الحَدِيث من أبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم الْبَرْمَكِي، وَالْقَاضِي أبي الطّيب الطَّبَرِيّ، وَأبي الْقَاسِم التنوخي، وَأبي طَالب ابْن غيلَان، والجوهري، وَغَيرهم.
وَكتب الْكثير بِخَطِّهِ.
سمع مِنْهُ: أَبُو الْقَاسِم هبة الله الشِّيرَازِيّ، وَأَبُو الفتيان الرُّؤَاسِي الحافظان، وَغَيرهمَا.
قَالَ: وَسَأَلت عبد الْوَهَّاب الْأنمَاطِي عَنهُ، فَقَالَ: فَقِيه صَالح، فِيهِ خير.
وَحكى أَنه مَاتَ بِبَغْدَاد مستهل صفر، سنة أَربع وَتِسْعين وَأَرْبع مئة، وَدفن فِي مَقْبرَة الشونيزي.
стр. 26
(٧ - مُحَمَّد بن أَحْمد [ ٤٠٦ - ٤٧٧] )
ابْن مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْقَاسِم، أَبُو الْفضل ابْن الإِمَام أبي الْحسن الْمحَامِلِي؛ صَاحب " الْمَجْمُوع " وَغَيره من التصانيف.
تفقه فِي حداثته على أَبِيه أبي الْحسن، ثمَّ ترك الْفِقْه، واشتغل بالدنيا، وَكَانَت لَهُ حَلقَة أَيَّام الْجمع بِجَامِع الْقصر، يقْرَأ عَلَيْهِ فِيهَا الحَدِيث وَالتَّفْسِير، وَكَانَ فهما، عَالما، ذكيا، سمع الْكثير، وَلم ينْقل عَنهُ إِلَّا الْيَسِير.
سمع الحَدِيث من أبي الْحُسَيْن ابْن بَشرَان، وَأبي عَليّ ابْن شَاذان، وَأبي الْفرج ابْن الْمسلمَة، وَغَيرهم.
سمع مِنْهُ أَبُو الْقَاسِم الرميلي الْحَافِظ، وَغَيره.
ولد سنة سِتّ وَأَرْبع مئة، وَمَات فِي رَجَب سنة سبع وَسبعين وَأَرْبع مئة، ذكر ذَلِك أَبُو سعد السَّمْعَانِيّ.
стр. 27
(٨ - مُحَمَّد بن إِسْحَاق [ ٢١٦ - ٣١٣] )
ابْن إِبْرَاهِيم بن مهْرَان بن عبد الله، أَبُو الْعَبَّاس السراج الثَّقَفِيّ النَّيْسَابُورِي مُحدث عصره.
سمع بخراسان: قُتَيْبَة بن سعيد، وَإِسْحَاق ابْن رَاهَوَيْه، وَعَمْرو بن زُرَارَة، وأقرانهم.
وبالري: مُحَمَّد بن مهْرَان الْجمال - بِالْجِيم -، وزنيجا: مُحَمَّد بن عَمْرو، وَمُحَمّد بن حميد، وأقرانهم.
وببغداد: مُحَمَّد بن بكار، ومحفوظ ابْن أبي تَوْبَة، وَعِيسَى بن الْمسَاوِر، وأقرانهم.
وبالكوفة: أَبَا كريب، وأقرانه
стр. 28
وبالحجاز: مُحَمَّد بن يحيى بن أبي عمر، وأقرانه.
روى عَنهُ: مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ، وَمُسلم بن الْحجَّاج، وَأَبُو حَاتِم الرَّازِيّ، وَسَهل بن شاذويه البُخَارِيّ الْحَافِظ - وَهُوَ إِمَام الحَدِيث ببخارى بعد البُخَارِيّ - فِي آخَرين من الْحفاظ والأعيان.
توفّي فِي شهر ربيع الآخر، سنة ثَلَاث عشرَة وَثَلَاث مئة بنيسابور.
احْتج فِي " مُسْنده " للجهر بالبسملة وَلم يذكر ضِدّه.
قَالَ الْحَاكِم: سَمِعت مُحَمَّد بن عمر - هُوَ ابْن قَتَادَة - يَقُول: رَأَيْت أَبَا بكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة يقبل وَجه أبي الْعَبَّاس السراج.
стр. 29
(٩ - مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل [ ٠٠٠ - ٤٥٩] )
ابْن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن أَحْمد بن عَمْرو، القَاضِي أَبُو عَليّ ابْن أبي عَمْرو الْعِرَاقِيّ الطوسي، من أَهلهَا.
ذكر أَبُو سعد السَّمْعَانِيّ أَنه لقب بالعراقي لظرفه، وَطول مقَامه بِبَغْدَاد، وَولي الْقَضَاء بطابران - قَصَبَة طوس - مُدَّة، وَكَانَ فَقِيها، فَاضلا، مبرزا، حسن السِّيرَة، مفضلا، مكرما، مَشْهُورا بخراسان وَالْعراق.
تفقه بِبَغْدَاد على: أبي حَامِد الإِسْفِرَايِينِيّ.
وَسمع الحَدِيث مِنْهُ، وَمن أبي طَاهِر المخلص، وَأبي الْقَاسِم يُوسُف بن كج الدينَوَرِي، وَأبي حَاتِم أَحْمد بن مُحَمَّد الْحَاتِمِي، وَأبي زَكَرِيَّا عبد الله بن أَحْمد البلاذري الْحَافِظ، وَأبي الْفضل نصر بن أبي نصر الطوسي، وَغَيرهم. وَسمع مِنْهُ جمَاعَة من الْعلمَاء، كَأبي مُحَمَّد عبد الله بن يُوسُف الْجِرْجَانِيّ الْحَافِظ وَغَيره.
стр. 30
وَذكر السَّمْعَانِيّ أَن القَاضِي أَبَا مُحَمَّد الْجِرْجَانِيّ الْحَافِظ ذكره فِي كِتَابه فِي " الْفُقَهَاء "، فَقَالَ: سمعته يَقُول: أَقمت بِبَغْدَاد إِحْدَى عشرَة سنة، كنت أختلف إِلَى أبي مُحَمَّد البافي، ثمَّ اخْتلفت عشر سِنِين إِلَى أبي حَامِد، فَلَمَّا رجعت قصدت جرجان، فَدخلت على الإِمَام أبي سعد الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَحَضَرت مَجْلِسه، وناظرت بَين يَدَيْهِ، ثمَّ دخلت نيسابور وَحَضَرت مجْلِس الإِمَام أبي الطّيب الصعلوكي، وناظرت فِيهِ، ثمَّ رجعت إِلَى وطني.
قَالَ الْجِرْجَانِيّ: ودرس الْفِقْه، وَولي الْقَضَاء إِلَى أَن توفّي، وَكَانَ حسن السِّيرَة وَالْعشرَة، مُعظما عِنْد كَافَّة النَّاس، وَله صيت بَين الْعلمَاء، كتبت عَنهُ بَين يَدي أبي عُثْمَان الصَّابُونِي، أمْلى علينا بِحَضْرَتِهِ، وَبنى مدرسته على بَاب جَامع طابران، وَله آثَار بهَا.
قَالَ الْجِرْجَانِيّ: توفّي أَبُو عَليّ الْعِرَاقِيّ سنة تسع وَخمسين وَأَرْبع مئة رَحمَه الله تَعَالَى وَالله أعلم.
كَذَا قَالَه: كَافَّة النَّاس، وَصَوَابه: النَّاس كَافَّة.
стр. 31
(١٠ - مُحَمَّد بن بشر [ ٢٤٨ - ٣٣٢] )
ابْن عبد الله الزبيرِي، أَبُو بكر الْمَعْرُوف ب: العكري، بِفَتْح الْعين بعْدهَا كَاف مَفْتُوحَة.
من أهل مصر.
حدث عَن الرّبيع ب: " مُخْتَصر " الْبُوَيْطِيّ، وروى عَنهُ غير ذَلِك.
стр. 32
(١١ - مُحَمَّد بن بكر [ ٠٠٠ - ٤٢٠] )
الطوسي، أَبُو بكر النوقاني.
من أهل نوقان، بِضَم النُّون: إِحْدَى مَدَائِن طوس.
درس بنيسابور، وتفقه عَلَيْهِ جمَاعَة، مِنْهُم: الْأُسْتَاذ أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي.
قَالَ أَبُو الْحسن عبد الغافر بن إِسْمَاعِيل النَّيْسَابُورِي: أخبرنَا الشَّيْخ أَبُو صَالح أَحْمد بن عبد الْملك الْمُؤَذّن، وَذكر أَبَا بكر الطوسي، فَقَالَ:
الشَّيْخ الإِمَام أَبُو بكر مُحَمَّد بن بكر بن مُحَمَّد الطوسي النوقاني، إِمَام أَصْحَاب الشَّافِعِي بنيسابور، وفقيههم ومدرسهم، وَله الدَّرْس، وَالْأَصْحَاب، ومجلس النّظر، وَله مَعَ ذَلِك الْوَرع، والزهد، والانقباض عَن النَّاس، وَترك طلب
стр. 33
الجاه، وَالدُّخُول على السلاطين، وَمَا لَا يَلِيق بِأَهْل الْعلم من الدُّخُول فِي الْوَصَايَا والأوقاف، وَمَا فِي مَعْنَاهُ.
كَانَ من أحسن النَّاس خلقا، وَأَحْسَنهمْ سيرة، وَظَهَرت بركته على أَصْحَابه. تفقه عِنْد الْأُسْتَاذ أبي الْحسن الماسرجسي بنيسابور، وببغداد عِنْد الشَّيْخ أبي مُحَمَّد البافي، وَسمع الحَدِيث الْكثير.
قَالَ أَبُو صَالح: عَن مُحَمَّد بن مَأْمُون قَالَ: كنت مَعَ الشَّيْخ أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ بِبَغْدَاد، فَقَالَ لي: تعال حَتَّى أريك شَابًّا لَيْسَ فِي جملَة الصُّوفِيَّة، وَلَا المتفقهة؛ أحسن طَريقَة، وَلَا أكمل أدبا مِنْهُ، فَأخذ بيَدي، فَذهب بِي إِلَى حَلقَة البافي، وَأرَانِي الشَّيْخ أَبَا بكر الطوسي ﵀
توفّي بنوقان، سنة عشْرين وَأَرْبع مئة، ﵀.
стр. 34
(١٢ - مُحَمَّد بن جرير [ ٢٢٤ - ٣١٠] )
ابْن يزِيد بن كثير بن غَالب، أَبُو جَعْفَر الطَّبَرِيّ.
стр. 35
نسبه الْخَطِيب كَذَلِك، وَقد مر بِي خِلَافه.
صَاحب " التَّارِيخ " الْمَشْهُور.
أَخذ فقه الشَّافِعِي عَن الرّبيع الْمرَادِي، وَالْحسن الزَّعْفَرَانِي.
وَذكره الْعَبَّادِيّ فِي " الشَّافِعِيَّة "، وَقَالَ: هُوَ من أَفْرَاد عُلَمَائِنَا، وَمَا رَأَيْنَاهُ من ذكره فِي هَذَا الْقسم مُتَعَيّن، فَإِن لَهُ مذهبا ينْفَرد بِهِ، مَعْرُوفا بِهِ.
قَالَ الْخَطِيب: استوطن الطَّبَرِيّ بَغْدَاد، وَأقَام بهَا إِلَى حِين وَفَاته، وَكَانَ أحد أَئِمَّة الْعلمَاء، يحكم بقوله، وَيرجع إِلَى رَأْيه، لمعرفته وفضله.
وَكَانَ قد جمع من الْعُلُوم مَا لم يُشَارِكهُ فِيهِ أحد من أهل عصره.
стр. 36
كَانَ حَافِظًا لكتاب الله، عَارِفًا بالقراءات، بَصيرًا بالمعاني، فَقِيها فِي أَحْكَام الْقُرْآن، عَالما بالسنن وطرقها، وصحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عَارِفًا بأقوال الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، وَمن بعدهمْ من الخالفين فِي الْأَحْكَام، ومسائل الْحَلَال وَالْحرَام، عَارِفًا بأيام النَّاس وأخبارهم، وَله الْكتاب الْمَشْهُور فِي " تَارِيخ الْأُمَم والملوك "، وَكتاب فِي " التَّفْسِير "، لم يصنف أحد مثله، وَكتاب سَمَّاهُ: " تَهْذِيب الْآثَار " لم أر سواهُ فِي مَعْنَاهُ، إِلَّا أَنه لم يتمه، وَله فِي أصُول الْفِقْه وفروعه كتب كَثِيرَة، وَاخْتِيَار من أقاويل الْفُقَهَاء، وَتفرد بمسائل حفظت عَنهُ.
стр. 37
قَالَ عَليّ بن عبيد الله بن عبد الْغفار اللّغَوِيّ الْمَعْرُوف ب؛ السمسماني: يحْكى أَن مُحَمَّد بن جرير مكث أَرْبَعِينَ سنة يكْتب فِي كل يَوْم مِنْهَا أَرْبَعِينَ ورقة.
قلت: وعَلى نفاذه فِي الْكِتَابَة، قد يحمل فقه الْعلم من قَول ابْن سُرَيج.
قَالَ الْخَطِيب: بَلغنِي عَن أبي حَامِد أَحْمد بن أبي طَاهِر الْفَقِيه الإِسْفِرَايِينِيّ أَنه قَالَ: لَو سَافر رجل إِلَى الصين حَتَّى يحصل لَهُ كتاب " تَفْسِير " مُحَمَّد بن جرير، لم يكن ذَلِك كثيرا، أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ.
وَقَالَ الْخَطِيب: سَمِعت أَبَا حَازِم العبدويي بنيسابور يَقُول: سَمِعت حسينك - واسْمه: الْحُسَيْن بن عَليّ التَّمِيمِي - يَقُول: لما رجعت من بَغْدَاد إِلَى نيسابور سَأَلَني مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة، فَقَالَ لي: مِمَّن سَمِعت بِبَغْدَاد؟ فَذكرت لَهُ جمَاعَة مِمَّن سَمِعت مِنْهُم، فَقَالَ لي: هَل سَمِعت من مُحَمَّد بن جرير شَيْئا؟ فَقلت: لَا، إِنَّه بِبَغْدَاد، لَا يدْخل عَلَيْهِ لأجل الْحَنَابِلَة، وَكَانَت تمنع مِنْهُ، فَقَالَ: لَو سَمِعت مِنْهُ لَكَانَ خيرا لَك من جَمِيع من سَمِعت مِنْهُ سواهُ.
وَقَالَ القَاضِي أَبُو عَمْرو عبيد الله بن أَحْمد السمسار،
стр. 38
وَأَبُو الْقَاسِم ابْن عقيل الْوراق: إِن أَبَا جَعْفَر الطَّبَرِيّ قَالَ لأَصْحَابه: أتنشطون لتفسير الْقُرْآن؟ قَالُوا: كم يكون قدره؟ فَقَالَ: ثَلَاثُونَ ألف ورقة، فَقَالُوا: هَذَا مِمَّا تفنى الْأَعْمَار قبل تَمَامه، فَاخْتَصَرَهُ فِي نَحْو ثَلَاثَة آلَاف ورقة. ثمَّ قَالَ: هَل تنشطون لتاريخ الْعَالم من آدم إِلَى وقتنا هَذَا؟ قَالُوا: كم يكون قدره؟ فَذكر نَحْو مَا ذكره فِي التَّفْسِير، فَأَجَابُوهُ بِمثل ذَلِك، فَقَالَ: إِنَّا لله، مَاتَت الهمم، فَاخْتَصَرَهُ فِي نَحْو مِمَّا اختصر " التَّفْسِير ".
قَالَ أَبُو الْحسن ابْن رزقويه، عَن أبي عَليّ الطوماري قَالَ: كنت أحمل الْقنْدِيل فِي شهر رَمَضَان بَين يَدي أبي بكر ابْن مُجَاهِد إِلَى الْمَسْجِد لصَلَاة التَّرَاوِيح، فَخرج لَيْلَة من ليَالِي الْعشْر الْأَوَاخِر من دَاره، واجتاز على مَسْجده فَلم يدْخلهُ وَأَنا مَعَه، وَسَار حَتَّى انْتهى إِلَى آخر سوق الْعَطش، فَوقف بِبَاب مَسْجِد مُحَمَّد بن جرير، وَمُحَمّد يقْرَأ سُورَة الرَّحْمَن، فاستمع قِرَاءَته طَويلا، ثمَّ انْصَرف، فَقلت لَهُ: يَا أستاذ ﴿تركت النَّاس ينتظرونك، وَجئْت تسمع قِرَاءَة هَذَا؟﴾ فَقَالَ: يَا أَبَا عَليّ! دع هَذَا عَنْك، مَا ظَنَنْت أَن الله تَعَالَى خلق بشرا
стр. 39
يحسن يقْرَأ هَذِه الْقِرَاءَة، أَو كَمَا قَالَ.
مَاتَ ابْن جرير ﵀ فِيمَا حَكَاهُ ابْن كَامِل القَاضِي - فِي شَوَّال سنة عشر وَثَلَاث مئة، وَدفن فِي دَاره، وَلم يُغير شَيْبه
قَالَ: وَأَخْبرنِي أَن مولده فِي آخر سنة أَربع، أَو أول سنة خمس وَعشْرين مئتين.
قَالَ: وَلم يُؤذن بِهِ أحد، وَاجْتمعَ عَلَيْهِ من لَا يحصيهم عددا إِلَّا الله، وَصلي على قَبره عدَّة شهور لَيْلًا وَنَهَارًا، وثاره خلق كثير من أهل الدّين وَالْأَدب.
وأنبئت عَن القَاضِي أبي بكر الْأنْصَارِيّ، أَنبأَنَا عَليّ بن المحسن
стр. 40
التنوخي، عَن أَبِيه قَالَ: حَدثنِي عُثْمَان بن مُحَمَّد السّلمِيّ قَالَ: حَدثنِي بلطون بن منجو أحد القواد قَالَ: حَدثنِي غُلَام لِابْنِ المزوق الْبَغْدَادِيّ قَالَ: كَانَ مولَايَ مكرما لي، فَاشْترى جَارِيَة وزوجنيها، فأحببتها حبا شَدِيدا، وأبغضتني بغضا عَظِيما، وَكَانَت تنافرني دَائِما، وأحتملها إِلَى أَن أضجرتني يَوْمًا، فَقلت لَهَا: أَنْت طَالِق ثَلَاثًا بتاتا، لَا خاطبتيني بِشَيْء إِلَّا خاطبتك بِمثلِهِ، فقد أفسدك احتمالي لَك، فَقَالَت لي فِي الْحَال: أَنْت طَالِق ثَلَاثًا بتاتا، قَالَ: فأبلست، وَلم أدر مَا أجيبها بِهِ خوفًا من أَن أَقُول لَهَا مثل مَا قَالَت، فَتَصِير بذلك طَالقا مني، فأرشدت إِلَى أبي جَعْفَر الطَّبَرِيّ، فَأَخْبَرته بِمَا جرى، فَقَالَ: أقِم مَعهَا بعد أَن تَقول لَهَا: أَنْت طَالِق ثَلَاثًا إِن أَنا طَلقتك، فَتكون قد خاطبتها بِهِ، فوفيت بيمينك وَلم تطلقها، وَلَا تعاود الْيَمين.
следующие страницы →