Полный текст (2 309 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
ـ[يتمة الدهر في محاسن أهل العصر]ـ
المؤلف: عبد الملك بن محمد بن إسماعيل أبو منصور الثعالبي (المتوفى: ٤٢٩هـ)
المحقق: د. مفيد محمد قمحية
الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت/لبنان
الطبعة: الأولى، ١٤٠٣هـ١٩٨٣م
عدد الأجزاء: ٤
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمد لله خير مَا بُدِئَ بِهِ الْكَلَام وَختم وَصلى الله على النَّبِي الْمُصْطَفى وَآله وَسلم
أما بعد فَإِن محَاسِن أَصْنَاف الْأَدَب كَثِيرَة ونكتها قَليلَة وأنوار الْأَقَاوِيل مَوْجُودَة وثمارها عزيزة وأجسام النثر وَالنّظم جمة وأرواحهما نزرة وقشورهما معرضة ولبوبهما معوزة
وَلما كَانَ الشّعْر عُمْدَة الْأَدَب وَعلم الْعَرَب الَّذِي اخْتصّت بِهِ عَن سَائِر الْأُمَم وبلسانهم جَاءَ كتاب الله الْمنزل على النَّبِي مِنْهُم الْمُرْسل ﷺ كَانَت أشعار
стр. 3
الإسلاميين أرق من أشعار الجاهليين وأشعار الْمُحدثين ألطف من أشعار الْمُتَقَدِّمين وأشعار المولدين أبدع من أشعار الْمُحدثين وَكَانَت أشعار العصريين أجمع لنوادر المحاسن وأنظم للطائف الْبَدَائِع من أشعار سَائِر الْمَذْكُورين لانتهائها إِلَى أبعد غايات الْحسن وبلوغها أقْصَى نهايات الْجَوْدَة والظرف تكَاد تخرج من بَاب الْإِعْجَاب إِلَى الإعجاز وَمن حد الشّعْر إِلَى السحر فَكَأَن الزَّمَان ادخر لنا من نتائج خواطرهم وثمرات قرائحهم وأبكار أفكارهم أتم الْأَلْفَاظ والمعاني اسْتِيفَاء لأقسام البراعة وأوفرها نَصِيبا من كَمَال الصَّنْعَة ورونق الطلاوة
(وكذاك قد سَاد النَّبِي مُحَمَّد ... كل الْأَنَام وَكَانَ آخر مُرْسل)
وَقد سبق مؤلفو الْكتب إِلَى تَرْتِيب الْمُتَقَدِّمين من الشُّعَرَاء وَذكر طبقاتهم ودرجاتهم وَتَدْوِين كلماتهم والانتخاب من قصائدهم ومقطوعاتهم فكم من كتاب فاخر عملوه وَعقد باهر نظموه لَا يشينه الْآن إِلَّا نبو الْعين من إخلاق جدته وبلى بردته وَمَج السّمع لمردداته وملالة الْقلب من مكرراته
وَبقيت محَاسِن أهل الْعَصْر الَّتِي مَعهَا رواء الحداثة وَلَذَّة الْجدّة وحلاوة قرب الْعَهْد وازدياد الْجَوْدَة على كَثْرَة النَّقْد غير محصورة بِكِتَاب يضم نشرها وينظم شذرها ويشد أزرها وَلَا مَجْمُوعَة فِي مُصَنف يُقيد شواردها ويخلد فوائدها وَقد كنت تصديت لعمل ذَلِك فِي سنة أَربع وَثَمَانِينَ وثلثمائة والعمر فِي إقباله والشباب بمائه فافتتحته باسم بعض الوزراء مجريا إِيَّاه مجْرى مَا يتَقرَّب بِهِ أهل الْأَدَب إِلَى ذَوي الأخطار والرتب وَمُقِيمًا ثمار الْوَرق مقَام نثار الْوَرق وكتبته فِي مُدَّة تقصر عَن إِعْطَاء الْكتاب حَقه وَلَا تتسع لتوفية شَرطه
стр. 4
فارتفع كعجالة الرَّاكِب وقبسة العجلان وقضيت بِهِ حَاجَة فِي نَفسِي.
وَأَنا لَا أَحسب المستعيرين يتعاورونه والمنتسخين يتداولونه حَتَّى يصير من أنفس مَا تشح عَلَيْهِ أنفس أدباء الإخوان وتسير بِهِ الركْبَان إِلَى أقاصي الْبلدَانِ فتواترت الْأَخْبَار وَشهِدت الْآثَار بحرص أهل الْفضل على غدره وعدهم إِيَّاه من فرص الْعُمر وغرره واهتزازهم لزهره واقتفارهم لفقره وَحين أعرته على الْأَيَّام بَصرِي وأعدت فِيهِ نَظَرِي تبينت مصداق مَا قرأته فِي بعض الْكتب أَن أول مَا يَبْدُو من ضعف ابْن آدم أَنه لَا يكْتب كتابا فيبيت عِنْده لَيْلَة إِلَّا أحب فِي غدها أَن يزِيد فِيهِ أَو ينقص مِنْهُ هَذَا فِي لَيْلَة وَاحِدَة فَكيف فِي سِنِين عدَّة
ورأيتني أحاضر بأخوات كَثِيرَة لما فِيهِ وَقعت بِأخرَة إِلَى وزيادات جمة عَلَيْهِ حصلت من أَفْوَاه الروَاة لدي فَقلت إِن كَانَ لهَذَا الْكتاب مَحل من نفوس الأدباء وموقع من قُلُوب الْفُضَلَاء كالعادة فِيمَا لم يقرع من قبل آذانهم وَلم يُصَافح أذهانهم فَلم لَا أبلغ بِهِ الْمبلغ الَّذِي يسْتَحق حسن الإحماد ويستوجب من الِاعْتِدَاد أوفر الْأَعْدَاد وَلم لَا أبسط فِيهِ عنان الْكَلَام وأرمي فِي الإشباع والإتمام هدف المرام فَجعلت أبنيه وأنقضة وأزيده وأنقصه وأمحوه وأثبته وأنتسخه ثمَّ أنسخه وَرُبمَا أفتتحه وَلَا أختتمه وأنتصفه فَلَا أستتمه وَالْأَيَّام تحجز وتعد وَلَا تنجز إِلَى أَن أدْركْت عصر السن والحنكة وشارفت
стр. 5
أَوَان الثَّبَات والمسكة فاختلست لمْعَة من ظلمَة الدَّهْر وانتهزت رقدة من عين الزَّمَان واغتنمت نبوة من أَنْيَاب النوائب وخفة من زحمة الشوائب واستمررت فِي تَقْرِير هَذِه النُّسْخَة الْأَخِيرَة وتحريرها من بَين النّسخ الْكَثِيرَة بعد أَن غيرت ترتيبها وجددت تبويبها وأعدت ترصيفها وأحكمت تأليفها وَصَارَ مثلي فِيهَا كَمثل من يتأنق فِي بِنَاء دَاره الَّتِي هِيَ عشه وفيهَا عيشه فَلَا يزَال ينْقض أَرْكَانهَا وَيُعِيد بنيانها ويستجدها على أنحاء عدَّة وهيئات مُخْتَلفَة ويستضيف إِلَيْهَا مجَالِس كالطواوس ويستحدث فِيهَا كنائس كالعرائس ثمَّ يقورها آخر الْأَمر قوراء توسع الْعين قُرَّة وَالنَّفس مَسَرَّة ويدعها حسناء تخجل مِنْهَا الدّور وتتقاصر عَنْهَا الْقُصُور
فَإِن مَاتَ فِيهَا مغفورا لَهُ انْتقل من جنَّة إِلَى أُخْرَى وَورد من جنَّة الدُّنْيَا على جنَّة المأوى
فَهَذِهِ النُّسْخَة الْآن تجمع من بَدَائِع أَعْيَان الْفضل ونجوم الأَرْض من أهل الْعَصْر وَمن تقدمهم قَلِيلا وسبقهم يَسِيرا مَا لم تَأْخُذ الْكتب العتيقة غرره وَلم تفتض عذره وَلم ينتقص قدم الْعَهْد وتطاول الْمدَّة زبره وتشتمل من نسج طباعهم وسبك أفهامهم وصوغ أذهانهم على الْحلَل الفاخرة الفائقة والحلى الرائقة الشائقة وتتضمن من طرفهم وملحهم لطائف أمتع من بواكير الرياحين وَالثِّمَار وَأطيب من فوح نسيم الأسحار بروائح الْأَنْوَار والأزهار مَا
стр. 6
لم تتضمنه النُّسْخَة السائرة الأولى
وَالشّرط فِي هَذِه الْأُخْرَى إِيرَاد لب اللب وحبة الْقلب وناظر الْعين ونكتة الْكَلِمَة وواسطة العقد وَنقش الفص مَعَ كَلَام فِي الْإِشَارَة إِلَى النَّظَائِر والأحاسن والسرقات وَأخذ فِي طَرِيق الِاخْتِصَار ونبذ من أَخْبَار الْمَذْكُورين وغرر من فصوص فُصُول المترسلين يمِيل إِلَى جَانب الِاقْتِصَار فَإِن وَقع فِي خلال مَا أكتبه الْبَيْت والبيتان مِمَّا لَيْسَ من أَبْيَات القصائد ووسائط القلائد فَلِأَن الْكَلَام مَعْقُود بِهِ وَالْمعْنَى لَا يتم دونه وَلِأَن مَا يتقدمه أَو يَلِيهِ مفتقر إِلَيْهِ أَو لِأَنَّهُ شعر ملك أَو أَمِير أَو وَزِير أَو رَئِيس خطير أَو إِمَام من أهل الْأَدَب وَالْعلم كَبِير
وَإِنَّمَا ينْفق مثل ذَلِك بالانتساب إِلَى قَائِله لَا بِكَثْرَة طائله
(وَخير الشّعْر أكْرمه رجَالًا ... وَشر الشّعْر مَا قَالَ العبيد)
وَإِن أخرت مُتَقَدما فعذري فِيهِ أَن الْعَرَب قد تبدأ بِذكر الشَّيْء والمقدم غَيره كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي خَلقكُم فمنكم كَافِر ومنكم مُؤمن﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا مَرْيَم اقنتي لِرَبِّك واسجدي واركعي مَعَ الراكعين﴾ وكما قَالَ حسان ابْن ثَابت وَذكر بني هَاشم
(بهَا ليل مِنْهُم جَعْفَر وَابْن أمه ... عَليّ وَمِنْهُم أَحْمد المتخير) // من الطَّوِيل //
وكما قَالَ الصلتان الْعَبْدي
(فملتنا أننا مُسلمُونَ ... على دين صديقنا وَالنَّبِيّ) // من المتقارب //
стр. 7
وَإِن قدمت مُتَأَخِّرًا فسبيله على مَا قَالَ إِبْرَاهِيم الْموصِلِي لمسرور وَقد تقدمه فِي الْمسير إِن تقدمتك كنت مطرقا لَك وَإِن تَأَخَّرت فلحق الْخدمَة
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد الْمُزنِيّ للْملك نوح فِي مثل تِلْكَ الْحَال إِن تقدّمت فحاجب وَإِن تَأَخَّرت فَذَاك وَاجِب
ثمَّ إِن هَذَا الْكتاب الْمُقَرّر يَنْقَسِم إِلَى أَرْبَعَة أَقسَام يشْتَمل كل قسم مِنْهَا على أَبْوَاب وفصول
الْقسم الأول فِي محَاسِن أشعار آل حمدَان وشعرائهم وَغَيرهم من أهل الشَّام وَمَا يجاورها ومصر والموصل وَالْمغْرب ولمع من أخبارهم
الْقسم الثَّانِي فِي محَاسِن أشعار أهل الْعرَاق وإنشاء الدولة الديلمية من طَبَقَات الأفاضل وَمَا يتَعَلَّق بهَا من أخبارهم ونوادرهم وفصوص من فُصُول المترسلين مِنْهُم
الْقسم الثَّالِث فِي محَاسِن أشعار أهل الْجبَال وَفَارِس وجرجان وطبرستان وأصفهان من وزراء الدولة الديلمية وكتابها وقضاتها وشعرائها وَسَائِر فضلائها وَمَا ينضاف إِلَيْهَا من أخبارهم وغرر ألفاظهم
الْقسم الرَّابِع فِي محَاسِن أشعار أهل خُرَاسَان وَمَا وَرَاء النَّهر من إنْشَاء الدولة السامانية والغزنية والطارئين على الحضرة ببخارى من الْآفَاق والمتصرفين على أَعْمَالهم وَمَا يستطرف من أخبارهم وخاصة أهل نيسابور
стр. 8
والغرباء الطارئين عَلَيْهَا والمقيمين بهَا
وَفِيمَا لم يَقع إِلَيّ من جنس هَذَا الْكتاب كَثْرَة وَلَعَلَّه يزِيد على مَا حصل لدي وَمن يقدر على حصر الأنفاس وَضبط بَنَات الأفكار وَفِي الزوايا خبايا وَلَا نِهَايَة للخواطر وَلَا مُنْقَطع لمواد المحاسن وَمَا على الْمُؤلف إِلَّا جهده وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ أنيب
стр. 9
الْقسم الأول فِي محَاسِن أشعار آل حمدَان وشعرائهم وَغَيرهم من أهل الشَّام وَمَا يجاورها من مصر والموصل ولمع من أخبارهم وَفِيه عشرَة أَبْوَاب
стр. 10
الْبَاب الأول من الْقسم الأول فِي فضل شعراء الشَّام على شعراء سَائِر الْبلدَانِ وَذكر السَّبَب فِي ذَلِك
لم يزل شعراء عرب الشَّام وَمَا يقاربها أشعر من شعراء عرب الْعرَاق وَمَا يجاورها فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام وَالْكَلَام يطول فِي ذكر الْمُتَقَدِّمين مِنْهُم فَأَما المحدثون فَخذ إِلَيْك مِنْهُم العتابي ومنصورا النمري والأشجع السّلمِيّ وَمُحَمّد بن زرْعَة الدِّمَشْقِي وَرَبِيعَة الرقي على أَن فِي الطائيين اللَّذين انْتَهَت إِلَيْهِمَا الرِّئَاسَة فِي هَذِه الصِّنَاعَة كِفَايَة وَهَا هما
وَمن مولدِي أهل الشَّام المعوج الرقي والمريمي والعباسي المصِّيصِي وَأَبُو الْفَتْح كشاجم والصنوبري وَأَبُو المعتصم الْأَنْطَاكِي وَهَؤُلَاء رياض الشّعْر وَحَدَائِق الظّرْف
فَأَما العصريون فَفِيمَا أسوقه من غرر أشعارهم أعدل الشَّهَادَات على تقدم أَقْدَامهم
وَالسَّبَب فِي تبريز الْقَوْم قَدِيما وحديثا على من سواهُم فِي الشّعْر قربهم من خطط الْعَرَب وَلَا سِيمَا أهل الْحجاز وبعدهم عَن بِلَاد الْعَجم وسلامة ألسنتهم
стр. 11
من الْفساد الْعَارِض لألسنة أهل الْعرَاق لمجاورة الْفرس والنبط ومداخلتهم إيَّاهُم وَلما جمع شعراء الْعَصْر من أهل الشَّام بَين فصاحة البداوة وحلاوة الحضارة ورزقوا ملوكا وأمراء من آل حمدَان وَبني وَرْقَاء هم بَقِيَّة الْعَرَب والمشغوفون بالأدب والمشهورون بالمجد وَالْكَرم وَالْجمع بَين أدوات السَّيْف والقلم وَمَا مِنْهُم إِلَّا أديب جواد يحب الشّعْر وينتقده ويثيب على الْجيد مِنْهُ فيجزل ويفضل انبعثت قرائحهم فِي الإجادة فقادوا محَاسِن الْكَلَام بألين زِمَام وأحسنوا وأبدعوا مَا شَاءُوا
وَأَخْبرنِي جمَاعَة من أَصْحَاب الصاحب أبي الْقَاسِم إِسْمَاعِيل بن عباد أَنه كَانَ يعجب بطريقتهم المثلى الَّتِي هِيَ طَريقَة البحتري فِي الجزالة والعذوبة والفصاحة والسلاسة ويحرص على تَحْصِيل الْجَدِيد من أشعارهم ويستملي الطارئين عَلَيْهِ من تِلْكَ الْبِلَاد مَا يَحْفَظُونَهُ من تِلْكَ الْبَدَائِع واللطائف حَتَّى كسر دفترا ضخم الحجم عَلَيْهَا وَكَانَ لَا يُفَارق مَجْلِسه وَلَا يمْلَأ أحد مِنْهُ عينه غَيره وَصَارَ مَا جمعه فِيهِ على طرف لِسَانه وَفِي سنّ قلمه فطورا يحاضر بِهِ فِي مخاطباته ومحاوراته وَتارَة يحله أَو يُورِدهُ كَمَا هُوَ فِي رسائله فَمن ذَلِك قَول الْقَائِل // من الطَّوِيل //
(سَلام على تِلْكَ الْمعَاهد إِنَّهَا ... شَرِيعَة وردي أَو مهب شمَالي)
(ليَالِي لم نحذر حزون قطيعة ... وَلم نمش إِلَّا فِي سهول وصال)
(فقد صرت أرْضى من سواكن أرْضهَا ... بخلب برق أَو بطيف خيال)
стр. 12
وَقَول الآخر // من الوافر //
(إِذا دنت الْمنَازل زَاد شوقي ... وَلَا سِيمَا إِذا بَدَت الْخيام)
(فلمح الْعين دون الْحَيّ شهر ... وَرجع الطّرف دون السّير عَام)
وَقَول الآخر من // الْخَفِيف //
(فسقى الله بَلْدَة أَنْت فِيهَا ... كدموعي عِنْد اعْتِرَاض الْفِرَاق)
(وأرانيك فالصبا قد ترقت ... يَا بروحي إِلَى أعالي التراقي)
وَقَول الآخر // من الطَّوِيل //
(وَوَاللَّه لَا فَارَقت عقدَة وده ... وَلَا حلت مَا عمرت عَن حفظ عَهده)
(وَلَا بُد أَن الدَّهْر كاشف أَهله ... وَيظْهر للْمولى مُوالَاة عَبده)
وَكَانَ أَبُو بكر الْخَوَارِزْمِيّ فِي ريعان عمره وعنفوان أمره قد دوخ بِلَاد الشَّام وَحصل من حَضْرَة سيف الدولة بحلب فِي مجمع الروَاة وَالشعرَاء ومطرح الغرباء الْفُضَلَاء فَأَقَامَ مَا أَقَامَ بهَا مَعَ أبي عبد الله بن خالويه وَأبي الْحسن الشمشاطي وَغَيرهمَا من أَئِمَّة الأدباء وَأبي الطّيب المتنبي وَأبي الْعَبَّاس النامي وَغَيرهمَا من فحول الشُّعَرَاء بَين علم يدرسه وأدب يقتبسه ومحاسن أَلْفَاظ يستفيدها وشوارد أشعار يصيدها وانقلب عَنْهَا وَهُوَ أحد أَفْرَاد الدَّهْر وأمراء النّظم والنثر وَكَانَ يَقُول مَا فتق قلبِي وشحذ فهمي وصقل ذهني وأرهف حد لساني وَبلغ هَذَا الْمبلغ بِي إِلَّا تِلْكَ الطوائف
стр. 13
الشامية واللطائف الحلبية الَّتِي علقت بحفظي وامتزجت بأجزاء نَفسِي وغصن الشَّبَاب رطيب ورداء الحداثة قشيب وَمَا كَانَ أَكثر مَا ينشدني ويكتبني مِمَّا يضن بِهِ على غَيْرِي من تِلْكَ الْغرَر الَّتِي تجْرِي مجْرى السحر وَالْملح الَّتِي يقطر مِنْهَا مَاء الظّرْف وَأَنا أَكتبهَا فِي أماكنها من أَبْوَاب هَذَا الْقسم الأول بِمَشِيئَة الله تَعَالَى
وَمِمَّنْ خرجته تِلْكَ الْبِلَاد وأخرجته وَكَلَامه مَقْبُول مَحْبُوب آخذ بِمَجَامِع الْقُلُوب القَاضِي أَبُو الْحسن عَليّ بن عبد الْعَزِيز الْجِرْجَانِيّ فَإِنَّهُ جنى ثمارها واستصحب أنوارها حَتَّى ارْتقى إِلَى الْمحل الْعلي وتطبع بطبع البحتري
стр. 14
الْبَاب الثَّانِي ١ فِي ذكر سيف الدولة أبي الْحسن عَليّ بن عبد الله بن حمدَان وَسِيَاق قِطْعَة من أخباره وملح من أشعاره
كَانَ بَنو حمدَان ملوكا وأمراء أوجههم للصباحة وألسنتهم للفصاحة وأيديهم للسماحة وعقولهم للرجاحة وَسيف الدولة مَشْهُور بسيادتهم وواسطة قلادتهم وَكَانَ ﵁ وأرضاه وَجعل الْجنَّة مَأْوَاه غرَّة الزَّمَان وعماد الْإِسْلَام وَمن بِهِ سداد الثغور وسداد الْأُمُور وَكَانَت وقائعه فِي عصاة الْعَرَب تكف بأسها وتنزع لباسها وتفل أنيابها وتذل صعابها وتكفي الرّعية سوء آدابها وغزواته تدْرك من طاغية الرّوم الثار وتحسم شرهم المثار وتحسن فِي الْإِسْلَام الْآثَار وحضرته مقصد الْوُفُود ومطلع الْجُود وقبلة الآمال ومحط الرّحال وموسم الأدباء وحلبة الشُّعَرَاء وَيُقَال إِنَّه لم يجْتَمع قطّ بِبَاب أحد من الْمُلُوك بعد الْخُلَفَاء مَا اجْتمع بِبَابِهِ من شُيُوخ الشّعْر ونجوم الدَّهْر وَإِنَّمَا السُّلْطَان سوق يجلب إِلَيْهَا مَا ينْفق لَدَيْهَا وَكَانَ أديبا شَاعِرًا محبا لجيد الشّعْر شَدِيد الاهتزاز لما يمدح بِهِ
стр. 15
فَلَو أدْرك ابْن الرُّومِي زَمَانه لما احْتَاجَ إِلَى أَن يَقُول // من الْكَامِل //
(ذهب الَّذين تهزهم مداحهم ... هز الكماة عوالي المران)
(كَانُوا إِذا امتدحوا رَأَوْا مَا فيهم ... ملأريحية مِنْهُم بمَكَان)
وَكَانَ كل من أبي مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد الْفَيَّاض الْكَاتِب وَأبي الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد الشمشاطي قد اخْتَار من مدائح الشُّعَرَاء لسيف الدولة عشرَة آلَاف بَيت كَقَوْل أبي الطّيب المتنبي // من الطَّوِيل //
(خليلي إِنِّي لَا أرى غير شَاعِر ... فَلم مِنْهُم الدَّعْوَى ومني القصائد)
(فَلَا تَعَجبا إِن السيوف كَثِيرَة ... وَلَكِن سيف الدولة الْيَوْم وَاحِد)
(لَهُ من كريم الطَّبْع فِي الْحَرْب منتض ... وَمن عَادَة الْإِحْسَان والصفح عَامِد)
(وَلما رَأَيْت النَّاس دون مَحَله ... تيقنت أَن الدَّهْر للنَّاس ناقد)
وَمن القصيدة المرقومة
(فَلم يبْق إِلَّا من حماها من الظبا ... لمى شفتيها والثدي النواهد)
(تبْكي عَلَيْهِنَّ الباطريق فِي الدجى ... وَهن لدينا ملقيات كواسد)
(بذا قَضَت الْأَيَّام مَا بَين أَهلهَا ... مصائب قوم عِنْد قوم فَوَائِد)
стр. 16
(وَمن شرف الْإِقْدَام أَنَّك فيهم ... على الْقَتْل مرموق كَأَنَّك شاكد)
(وَأَن دَمًا أجريته بك فاخر ... وَأَن فؤادا رعته لَك حَامِد)
(وكل يرى طرق الشجَاعَة والندى ... وَلَكِن طبع النَّفس للنَّفس قَائِد)
(نهبت من الْأَعْمَار مَا لَو حويته ... لهنئت الدُّنْيَا بأنك خَالِد)
(فَأَنت حسام الْملك وَالله ضَارب ... وَأَنت لِوَاء الدّين وَالله عَاقد)
(أحبك يَا شمس الزَّمَان وبدره ... وَإِن لامني فِيك السهى والفراقد)
(وَذَاكَ لِأَن الْفضل عنْدك باهر ... وَلَيْسَ لِأَن الْعَيْش عنْدك بَارِد)
وكقول السّري بن أَحْمد الْموصِلِي // من الوافر //
(أعزمتك الشهَاب أم النَّهَار ... أراحتك السَّحَاب أم الْبحار)
(خلقت منية وَمنى فأضحت ... تمور بك البسيطة أَو تمار)
(تحلي الدّين أَو تَحْمِي حماه ... فَأَنت عَلَيْهِ سور أَو سوار)
(سيوفك من شكاة الثغر برْء ... وَلَكِن للعدى فِيهَا بوار)
(وَكَفاك الْغَمَام الجون يسري ... وَفِي أحشائه مَاء ونار)
(يَمِين من سجيتها المنايا ... ويسري من عطيتها الْيَسَار)
(حَضَرنَا والملوك لَهُ قيام ... تغض نواظرا فِيهَا انكسار)
(وزرنا مِنْهُ لَيْث الغاب طلقا ... وَلم نر قبله ليثا يزار)
(فَكَانَ لجوهر الْمجد انتظام ... وَكَانَ لجوهر الْمَدْح انتثار)
стр. 17
(فعشت مُخَيّرا لَك فِي الْأَمَانِي ... وَكَانَ على الْعَدو لَك الْخِيَار)
(فضيفك للحيا المنهل ضيف ... وجارك للربيع الطلق جَار)
وكقول أبي فراس الْحَارِث بن سعيد // الْبَسِيط //
(أشدة مَا أرَاهُ فِيك أم كرم ... تجود بِالنَّفسِ والأرواح تصطلم)
(يَا باذل النَّفس وَالْأَمْوَال مُبْتَسِمًا ... أما يهولك لَا موت وَلَا عدم)
(لقد ظننتك بَين الجحفلين ترى ... أَن السَّلامَة من وَقع القنا تصم)
(نشدتك الله لَا تسمح بِنَفس علا ... حَيَاة صَاحبهَا تحيا بهَا أُمَم)
(إِذا لقِيت رقاق الْبيض مُنْفَردا ... تَحت العجاج فَلم تستكثر الخدم)
(تفدي بِنَفْسِك أَقْوَامًا صنعتهمو ... وَكَانَ حَقهم أَن يفتدوك هم)
(من ذَا يُقَاتل من تلقى الْقِتَال بِهِ ... وَلَيْسَ يفضل عَنْك الْخَيل والبهم)
(تضن بالطعن عَنَّا ضن ذِي بخل ... ومنك فِي كل حَال يعرف الْكَرم)
(لَا تبخلن على قوم إِذا قتلوا ... أثنى عَلَيْك بَنو الهيجاء دونهم)
(ألبست مَا لبسوا أركبت مَا ركبُوا ... عرفت مَا عرفُوا علمت مَا علمُوا)
(هم الفوارس فِي أَيْديهم أسل ... فَإِن رأوك فأسد والقنا أجم)
وكقول أبي الْعَبَّاس بن مُحَمَّد النامي
(خلقت كَمَا أرادتك الْمَعَالِي ... فَأَنت لمن رجاك كَمَا يُرِيد)
стр. 18
(عَجِيب أَن سَيْفك لَيْسَ يرْوى ... وسيفك فِي الوريد لَهُ وُرُود)
(وأعجب مِنْهُ رمحك حِين يسقى ... فيصحو وَهُوَ نشوان يميد) // من الوافر //
وكقول أبي الْفرج الببغاء
(نداك إِذا ضن الْغَمَام غمام ... وعزمك إِن فل الحسام حسام)
(فَهَذَا ينيل الرزق وَهُوَ ممنع ... وَذَاكَ يرد الْجَيْش وَهُوَ لهام)
(وَمن طلب الْأَعْدَاء بِالْمَالِ والظبا ... وبالسعد لم يبعد عَلَيْهِ مرام) // من الطَّوِيل //
وكقول أبي الْفرج الوأواء
(من قَاس جدواك بالسحاب فَمَا ... أنصف بالحكم بَين شكلين)
(أَنْت إِذا جدت ضَاحِك أبدا ... وَهُوَ إِذا جاد دامع الْعين) // من المنسرح //
وكقول أبي نصر بن نباتة وَهُوَ من شعراء الْعرَاق
(حاشاك أَن تدعيك الْعَرَب وَاحِدهَا ... يَا من ثرى قَدَمَيْهِ طِينَة الْعَرَب)
(فَإِن يكن لَك وَجه مثل أوجههم ... عِنْد العيان فَلَيْسَ الصفر كالذهب)
(وَإِن يكن لَك نطق مثل نطقهم ... فَلَيْسَ مثل كَلَام الله فِي الْكتب) // من الْبَسِيط //
وَكَانَت غمائم جوده تفيض ومآثر كرمه تستفيض فتؤرخ بهَا أَيَّام الْمجد وتخلد فِي صَحَائِف حسن الذّكر
стр. 19
فصل فِي انفجار ينابيع جوده على الشُّعَرَاء
حَدثنِي أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد الْعلوِي الْحُسَيْنِي الْهَمدَانِي الْوَصِيّ قَالَ كنت وَاقِفًا فِي السماطين بَين يَدي سيف الدولة بحلب وَالشعرَاء ينشدونه فَتقدم إِلَيْهِ أَعْرَابِي رث الْهَيْئَة فَاسْتَأْذن الْحجاب فِي الإنشاد فأذنوا لَهُ فَأَنْشد
(أَنْت عَليّ وَهَذِه حلب ... قد نفذ الزَّاد وانْتهى الطّلب)
(بِهَذِهِ تَفْخَر الْبِلَاد ... وبالأمير تزهى على الورى الْعَرَب)
(وَعَبْدك الدَّهْر قد أضرّ بِنَا ... إِلَيْك من جور عَبدك الْهَرَب) // من المنسرح //
فَقَالَ سيف الدولة أَحْسَنت وَللَّه أَنْت وَأمر لَهُ بِمِائَتي دِينَار
وَحكى ابْن لَبِيب غُلَام أبي الْفرج الببغاء أَن سيف الدولة كَانَ قد أَمر بِضَرْب دَنَانِير للصلات فِي كل دِينَار مِنْهَا عشرَة مَثَاقِيل وَعَلِيهِ اسْمه وَصورته فَأمر يَوْمًا لأبي الْفرج مِنْهَا بِعشْرَة دَنَانِير فَقَالَ ارتجالا
(نَحن بجود الْأَمِير فِي حرم ... نرتع بَين السُّعُود وَالنعَم)
(أبدع من هَذِه الدَّنَانِير لم ... يجر قَدِيما فِي خاطر الْكَرم)
(فقد غَدَتْ باسمه وَصورته ... فِي دَهْرنَا عوذة من الْعَدَم) // من المنسرح //
فزاده عشرَة أُخْرَى
وَكَانَ أَبُو فراس يَوْمًا بَين يَدَيْهِ فِي نفر من ندمائه فَقَالَ لَهُم سيف الدولة
стр. 20
أَيّكُم يُجِيز قولي وَلَيْسَ لَهُ إِلَّا سَيِّدي يَعْنِي أَبَا فراس
(لَك جسمي تعله ... فدمي لم تحله)
(لَك من قلبِي الْمَكَان ... فَلم لَا تحله) // من الْخَفِيف //
فارتجل أَبُو فراس وَقَالَ
(أَنا إِن كنت مَالِكًا ... فلي الْأَمر كُله)
فَاسْتَحْسَنَهُ وَأَعْطَاهُ ضَيْعَة بمنبج تغل ألفي دِينَار
واستنشد سيف الدولة يَوْمًا أَبَا الطّيب المتنبي قصيدته الَّتِي أَولهَا
(على قدر أهل الْعَزْم تَأتي العزائم ... وَتَأْتِي على قدر الْكِرَام المكارم) // من الطَّوِيل //
وَكَانَ معجبا بهَا كثير الاستعادة لَهَا فَانْدفع أَبُو الطّيب المتنبي ينشدها فَلَمَّا بلغ قَوْله فِيهَا
(وقفت وَمَا فِي الْمَوْت شكّ لواقف ... كَأَنَّك فِي جفن الردى وَهُوَ نَائِم)
(تمر بك الْأَبْطَال كلمي هزيمَة ... ووجهك وضاح وثغرك باسم)
قَالَ قد انتقدنا عَلَيْك هذَيْن الْبَيْتَيْنِ كَمَا انتقد على امْرِئ الْقَيْس بيتاه
(كَأَنِّي لم أركب جوادا للذة ... وَلم أتبطن كاعبا ذَات خلخال)
(وَلم أسبأ الزق الروي وَلم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال) // من الطَّوِيل //
стр. 21
وبيتاك لَا يلتئم شطراهما كَمَا لَيْسَ يلتئم شطرا هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وَكَانَ يَنْبَغِي لامرئ الْقَيْس أَن يَقُول
(كَأَنِّي لم أركب جوادا وَلم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال)
(وَلم أسبأ الزق الروي للذة ... وَلم أتبطن كاعبا ذَات خلخال)
وَلَك أَن تَقول
(وقفت وَمَا فِي الْمَوْت شكّ لواقف ... ووجهك وضاح وثغرك باسم)
(تمر بك الْأَبْطَال كلمي هزيمَة ... كَأَنَّك فِي جفن الردى وَهُوَ نَائِم)
فَقَالَ أيد الله مَوْلَانَا إِن صَحَّ أَن الَّذِي استدرك على امْرِئ الْقَيْس هَذَا كَانَ أعلم بالشعر مِنْهُ فقد أَخطَأ امْرُؤ الْقَيْس وأخطأت أَنا ومولانا يعلم أَن الثَّوْب لَا يعرفهُ الْبَزَّاز معرفَة الحائك لِأَن الْبَزَّاز يعرف جملَته والحائك يعرف جميلته وتفاريقه لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أخرجه من الغزلية إِلَى الثوبية وَإِنَّمَا قرن امْرُؤ الْقَيْس لَذَّة النِّسَاء بلذة الرّكُوب للصَّيْد وَقرن السماحة فِي شِرَاء الْخمر للأضياف بالشجاعة فِي منازلة الْأَعْدَاء وَأَنا لما ذكرت الْمَوْت فِي أول الْبَيْت أتبعته بِذكر الردى وَهُوَ الْمَوْت ليجانسه وَلما كَانَ وَجه الجريح المنهزم لَا يَخْلُو من أَن يكون عبوسا وعينه من أَن تكون باكية قلت (ووجهك وضاح وثغرك باسم ... ) لأجمع بَين الأضداد فِي الْمَعْنى وَإِن لم يَتَّسِع اللَّفْظ لجميعها
فأعجب سيف الدولة بقوله وَوَصله بِخَمْسِينَ دِينَارا من دَنَانِير الصلات وفيهَا خَمْسمِائَة دِينَار
وَكَانَ أَبُو بكر وَأَبُو عُثْمَان الخالديان من خَواص شعراء سيف الدولة فَبعث إِلَيْهِمَا مرّة وصيفة ووصيفا وَمَعَ كل وَاحِد مِنْهُمَا بدرة وتخت من ثِيَاب مصر فَقَالَ أَحدهمَا من قصيدة طَوِيلَة وَهِي
(لم يغد شكرك فِي الْخَلَائق مُطلقًا ... إِلَّا وَمَالك فِي النوال حبيس)
стр. 22
(خولتنا شمسا وبدرا أشرقت ... بهما لدينا الظلمَة الحنديس)
(رشأ أَتَانَا وَهُوَ حسنا يُوسُف ... وغزالة هِيَ بهجة بلقيس)
(هَذَا وَلم تقنع بِذَاكَ وَهَذِه ... حَتَّى بعثت المَال وَهُوَ نَفِيس)
(أَتَت الوصيفة وَهِي تحمل بدرة ... وأتى على ظهر الوصيف الْكيس)
(وبررتنا مِمَّا أجادت حوكه ... مصر وزادت حسنه تنيس)
(فغدا لنا من جودك الْمَأْكُول ... والمشروب والمنكوح والملبوس) // من الْكَامِل //
فَقَالَ لَهُ سيف الدولة أَحْسَنت إِلَّا فِي لَفْظَة المنكوح فَلَيْسَتْ مِمَّا يُخَاطب بهَا الْمُلُوك وَهَذَا من عَجِيب نَقده
حكى أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن هِلَال الصابي قَالَ طلب مني رَسُول سيف الدولة وَكَانَ قد قدم إِلَى الحضرة شَيْئا من شعري وَذكر أَن صَاحبه رسم لَهُ ذَلِك فدافعته أَيَّامًا ثمَّ ألح عَليّ وَقت الْخُرُوج فأعطيته هَذِه الثَّلَاثَة الأبيات وَهِي
(إِن كنت خنتك فِي الْأَمَانَة سَاعَة ... فذممت سيف الدولة المحمودا)
(وَزَعَمت أَن لَهُ شَرِيكا فِي الْعلَا ... وجحدته فِي فَضله التوحيدا)
(قسما لَو أَنِّي حَالف بغموسها ... لغريم دين مَا أَرَادَ مزيدا) // من الْكَامِل //
وَقَالَ فَلَمَّا عَاد الرَّسُول إِلَى الحضرة وَدخلت عَلَيْهِ مُسلما أخرج لي كيسا بِخَتْم سيف الدولة مَكْتُوبًا عَلَيْهِ اسْمِي وَفِيه ثَلَاثمِائَة دِينَار
стр. 23
نبذ من ذكر وقائعه وغزواته
حدث أَبُو عبد الله الْحُسَيْن بن خالويه قَالَ لما كَانَت الشَّام بيد الإخشيد مُحَمَّد مُحَمَّد بن طغج سَار إِلَيْهَا سيف الدولة فافتتحها وَهزمَ عساكره عَن صفّين فَقَالَ لَهُ المتنبي
(يَا سيف دولة ذِي الْجلَال وَمن لَهُ ... خير الخلائف والأنام سمي)
(أَو مَا ترى صفّين كَيفَ أتيتها ... فانجاب عَنْهَا الْعَسْكَر الغربي)
(فَكَأَنَّهُ جَيش ابْن حَرْب رعته ... حَتَّى كَأَنَّك يَا عَليّ عَليّ) // من الْكَامِل //
وَقَالَ أَبُو فراس من قصيدة طَوِيلَة
(أَتَى الشَّام لما استذأب البهم واغتدت ... بهَا أذؤب الْبَيْدَاء وَهِي قساور)
(فثقف منآد وَأصْلح فَاسد ... وذلل جَبَّار وأذعر ذاعر) // من الطَّوِيل //
وَكَانَ ظهر رجل فِي الغرب يعرف بالمبرقع يَدْعُو النَّاس إِلَى نَفسه والتفت عَلَيْهِ الْقَبَائِل وافتتح مَدَائِن من أَطْرَاف الشَّام وَأسر أَبَا وَائِل تغلب بن دَاوُد بن حمدَان وَهُوَ خَليفَة سيف الدولة على حمص وألزمه شِرَاء نَفسه بِعَدَد من الْخَيل وَجُمْلَة من المَال فأسرع سيف الدولة من حلب يغذ السّير حَتَّى لحقه فِي الْيَوْم الثَّالِث بنواحي دمشق فأوقع بِهِ وَقَتله وَوضع السَّيْف فِي أَصْحَابه فَلم ينج إِلَّا من سبق فرسه وَعَاد سيف الدولة إِلَى حلب وَمَعَهُ أَبُو وَائِل وَبَين يَدَيْهِ رَأس
стр. 24
الْخَارِجِي على رمح فَقَالَ أَبُو فراس يذكر ذَلِك
(وأنقذ من مس الْحَدِيد وَثقله ... أَبَا وَائِل والدهر أجدع صاغر)
(وآب وَرَأس القرمطي أَمَامه ... لَهُ جَسَد من أكعب الرمْح ضامر) // من الطَّوِيل //
وَهَذَا من أحسن مَا قيل فِي الرَّأْس المصلوب على الرمْح
ولبعضهم فِي مثل ذَلِك
(وَعَاد لكنه رَأس بِلَا جَسَد ... يسري وَلَكِن على سَاق بِلَا قدم) // من الْبَسِيط //
وَقَالَ أَبُو الطّيب فِي خلاص أبي وَائِل
(وَلَو كنت فِي أسر غير الْهوى ... ضمنت ضَمَان أبي وَائِل)
(فدى نَفسه بِضَمَان النضار ... وَأعْطى صُدُور القنا الذابل)
(ومناهم الْخَيل مجنوبة ... فجئن بِكُل فَتى باسل)
(كَأَن خلاص أبي وَائِل ... معاودة الْقَمَر الآفل)
(دَعَا فَسمِعت وَكم سَاكِت ... على الْبعد عنْدك كالقائل)
(فلبيته بك فِي جحفل ... لَهُ ضَامِن وَبِه كافل)
(وعدت إِلَى حلب ظافرا ... كعود الْحلِيّ إِلَى العاطل) // من المتقارب //
وَكَانَ سيف الدولة اصْطنع بني كلاب وأدناهم وآمن سربهم فقهروا
стр. 25
الْعَرَب وعلت كلمتهم إِلَى أَن بدرت مِنْهُم جفوة أحفظته فَأسْرى إِلَيْهِم وأوقع بهم وَملك حرمهم وَأَمْوَالهمْ ثمَّ صفح عَنْهُم وكرم وَجمع الْحرم ووكل بِهن الخدم وَأفضل عَلَيْهِنَّ وَأحسن إلَيْهِنَّ فَقَالَ أَبُو الطّيب من قصيدة
(فعدن كَمَا أخذن مكرمات ... عَلَيْهِنَّ القلائد والملاب)
(يثبنك بِالَّذِي أوليت شكرا ... وَأَيْنَ من الَّذِي تولي الثَّوَاب)
(وَلَيْسَ مصيرهن إِلَيْك شينا ... وَلَا فِي صونهن لديك عَابَ)
(وَلَا فِي فقدهن بني كلاب ... إِذا أبصرن غرتك اغتراب)
(وَكَيف يتم بأسك فِي أنَاس ... تصيبهم فيؤلمك الْمُصَاب)
(ترفق أَيهَا الْمولى عَلَيْهِم ... فَإِن الرِّفْق بالجاني عتاب) // من الوافر //
هَذَا كَلَام مَا لحسنه غَايَة
(وَعين المخطئين هم وَلَيْسوا ... بِأول معشر خطئوا فتابوا)
(وَأَنت حياتهم غضِبت عَلَيْهِم ... وهجر حياتهم لَهُم عِقَاب)
(وَمَا جهلت أياديك الْبَوَادِي ... وَلَكِن رُبمَا خَفِي الصَّوَاب)
(وَكم ذَنْب مولده دلال ... وَكم بعد مولده اقتراب)
(وجرم جَرّه سُفَهَاء قوم ... وَحل بِغَيْر جارمه الْعَذَاب)
كَأَنَّمَا اقتبسه من قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿أتهلكنا بِمَا فعل السُّفَهَاء منا﴾ وَنَحْو من هَذَا قَول زِيَاد فِي خطبَته البتراء وَالله لآخذن المحسن بالمسيء
(وَلَو غير الْأَمِير غزا كلابا ... ثناه عَن شموسهم ضباب)
стр. 26
وَمَا أحسن مَا كني عَن الْحرم بالشموس وَعَن المحاماة دونهم بالضباب
(وَلَكِن رَبهم أسرى إِلَيْهِم ... فَمَا نفع الْوُقُوف وَلَا الذّهاب)
(كَذَا فليسر من طلب الْمَعَالِي ... وَمثل سراك فَلْيَكُن الطلاب)
وَكتب إِلَيْهِ أَبُو فراس فِي تِلْكَ الْحَال يداعبه
(وَمَا أنس لَا أنس يَوْم المغار ... محجبة لفظتها الْحجب)
(دعَاك ذووها بِسوء الفعال ... لما لَا تشَاء وَمَا لَا تحب)
(فوافتك تعثر فِي مرْطهَا ... وَقد رَأَتْ الْمَوْت من عَن كثب)
(وَقد خلط الْخَوْف لما طلعت ... دلّ الْجمال بذل الرعب)
(تسرع فِي الخطو لَا خفَّة ... وتهتز فِي الْمَشْي لَا من طرب)
(فَلَمَّا بَدَت لَك دون الْبيُوت ... بدا لَك مِنْهُنَّ جَيش لجب)
(وَمَا زلت مذ كنت تَأتي الْجَمِيل ... وتحمي الْحَرِيم وترعى الْحسب)
(وتغضب حَتَّى إِذا مَا ملكت ... أَطَعْت الرِّضَا وعصيت الْغَضَب)
(فَكنت حماهن إِذْ لَا حمى ... وَكنت أباهن إِذْ لَيْسَ أَب)
(فولين عَنْك يفدينها ... ويرفعن من ذيلها مَا انسحب)
(ينادين بَين خلال الْبيُوت ... لَا يقطع الله نسل الْعَرَب)
(أمرت وَأَنت المطاع الْكَرِيم ... ببذل الْأمان ورد النهب)
(وَقد رحن من مهجات الْقُلُوب ... بأوفر غنم وأغلى نشب)
(فَإِن هن يَا بن الْكِرَام السراة ... رددن الْقُلُوب رددنا السَّلب) // من المتقارب //
стр. 27
وَقَالَ أَيْضا يمدحه وَيذكر نسْوَة بني كلاب
(قد ضج جيشك من طول الْقِتَال بِهِ ... وَقد شكتك إِلَيْنَا الْخَيل وَالْإِبِل)
(وَقد درى الرّوم مذ جَاوَرت أَرضهم ... أَن لَيْسَ يعصمهم سهل وَلَا جبل)
(فِي كل يَوْم تزور الثغر لَا ضجر ... يثنيك عَنهُ وَلَا شغل وَلَا ملل)
(فَالنَّفْس جاهدة وَالْعين ساهرة ... والجيش منهمك وَالْمَال مبتذل)
(توهمتك كلاب غير قاصدها ... وَقد تكنفك الْأَعْدَاء والشغل)
(حَتَّى رأوك أَمَام الْجَيْش تقدمه ... وَقد طلعت عَلَيْهِم دون مَا أملوا)
(فاستقبلوك بفرسان أسنتها ... سود البراقع والأكوار والكلل)
(فَكنت أكْرم مسئول وأفضله ... إِذا وهبْنَ فَلَا من وَلَا بخل) // من الْبَسِيط //
وَيُقَال إِن سيف الدولة غزا الرّوم أَرْبَعِينَ غَزْوَة لَهُ وَعَلِيهِ فَمِنْهَا أَنه أغار على زبطرة وعرقة وملطية ونواحيها فَقتل وأحرق وسبى وانثنى قَافِلًا إِلَى درب موزار فَوجدَ عَلَيْهِ قسطنطين بن فردس الدمستق فأوقع بِهِ وَقتل صَنَادِيد رِجَاله وعقب إِلَى للدانه وَقد تراجع من هرب مِنْهَا فأعظم الْقَتْل وَأكْثر الْغَنَائِم وَقد عبر الْفُرَات إِلَى بلد الرّوم وَلم يَفْعَله أحد قبله حَتَّى أغار على بطن هنزيط فَلَمَّا رأى فردس بعد مغزاه وخلو بِلَاد الشَّام مِنْهُ غزا نواحي انطاكية فَأسْرى سيف الدولة يطوي المراحل لَا ينْتَظر مُتَأَخِّرًا وَلَا يلوي على مُتَقَدم حَتَّى عَارضه بمرعش فأوقع بِهِ وهزمه وَقتل رُؤُوس البطارقة وَأسر قسطنطين بن الدمستق وأصابت الدمستق ضَرْبَة فِي وَجهه وَأكْثر الشُّعَرَاء فِي هَذِه الْوَقْعَة فَقَالَ أَبُو الطّيب
(لكل امْرِئ من دهره مَا تعودا ... وعادات سيف الدولة الطعْن فِي العدا)
стр. 28
(وَأَن يكذب الإرجاف عَنهُ بضده ... ويمسي بِمَا تنوي أعاديه أسعدا)
(وَرب مُرِيد ضره ضرّ نَفسه ... وهاد إِلَيْهِ الْجَيْش أهْدى وَمَا هدى) // من الطَّوِيل //
وَمِنْهَا
(سريت إِلَى جيحان من أَرض آمد ... ثَلَاثًا لقد أدناك ركض وأبعدا)
(فولى وأعطاك ابْنه وجيوشه ... جَمِيعًا وَلم يُعْط الْجَمِيع لتحمدا)
(وَمَا طلبت زرق الأسنة غَيره ... وَلَكِن قسطنطين كَانَ لَهُ الفدا)
وَقَالَ أَبُو فراس
(وآب بقسطنطين وَهُوَ مكبل ... تحف بطاريق بِهِ وزرازر)
(وَولى على الرَّسْم الدمستق هَارِبا ... وَفِي وَجهه عذر من السَّيْف عاذر)
(فدى نَفسه بِابْن عَلَيْهِ كنفسه ... وللشدة الصماء تقنى الذَّخَائِر)
(وَقد يقطع الْعُضْو النفيس لغيره ... وتدفع بِالْأَمر الْكَبِير الْكَبَائِر)
وَسَار سيف الدولة لبِنَاء الْحَدث وَهِي قلعة عَظِيمَة الشَّأْن فَاشْتَدَّ ذَلِك على ملك الرّوم فَجمع عُظَمَاء أهل مَمْلَكَته وجهزهم بالصليب الْأَعْظَم وَعَلَيْهِم فردس الدمستق ثائرا بِابْنِهِ قسطنطين فِي عدد لَا يُحْصى حَتَّى أحاطوا بعسكر سيف الدولة والتهبت الْحَرْب وَاشْتَدَّ الْخطب وَسَاءَتْ ظنون الْمُسلمين ثمَّ أنزل الله نَصره فَحمل سيف الدولة يخرق الصُّفُوف طلبا للدمستق فولى هَارِبا وَأسر صهره وَابْن بنته وَقتل خلق كثير من الرّوم وَأكْثر الشُّعَرَاء فِي هَذِه
стр. 29
الْوَقْعَة فَقَالَ أَبُو الطّيب وَذكر الْحَدث
(بناها فأعلى والقنا تقرع القنا ... وموج المنايا حولهَا متلاطم)
(وَكَانَ بهَا مثل الْجُنُون فَأَصْبَحت ... وَمن جثث الْقَتْلَى عَلَيْهَا تمائم)
(تفيت اللَّيَالِي كل شَيْء أَخَذته ... وَهن لما يَأْخُذن مِنْك غوارم) // من الطَّوِيل //
وَذكر ولد الدمستق فَقَالَ
(وَقد فجعته بِابْنِهِ وَابْن صهره ... وبالصهر حملات الْأَمِير الغواشم)
(مضى يشْكر الْأَصْحَاب فِي فَوته الظبا ... بِمَا شغلتها هامهم والمعاصم)
(وَيفهم صَوت المشرفية فيهم ... على أَن أصوات السيوف أعاجم)
(يسر بِمَا أَعْطَاك لَا عَن جَهَالَة ... وَلَكِن مغنوما نجا مِنْك غَانِم)
وَقَالَ السّري فِي بِنَاء الْحَدث
(رفعت بِالْحَدَثِ الْحصن الَّذِي خفضت ... مِنْهُ الْحَوَادِث حَتَّى ذل جَانِبه)
(أعدته عدويا فِي مناسبه ... من بعد مَا كَانَ روميا مناسبه)
(فقد وَفِي عرضه بالبيد واعترضت ... طولا على منْكب الشعرى مناكبه)
(مصغ إِلَى الجو أَعْلَاهُ فَإِن خَفَقت ... زهر الْكَوَاكِب خلناها تخاطبه)
(كَأَن أبراجه من كل نَاحيَة ... أبراجها والدجى وحف غياهبه) // من الْبَسِيط //
стр. 30
وَلأبي فراس فِي ذكرهَا
(رأى الثغر مثغورا فسد بِسَيْفِهِ ... فَم الدَّهْر عَنهُ وَهُوَ سغبان فاغر) // من الطَّوِيل //
ملح شعر سيف الدولة
وَمِمَّا أَنْشدني أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن أَحْمد الإفْرِيقِي المتيم لسيف الدولة فِي وصف قَوس قزَح وَهُوَ أحسن مَا سَمِعت فِيهِ على كثرته
(وسَاق صبيح للصبوح دَعوته ... فَقَامَ وَفِي أجفانه سنة الغمض)
(يطوف بكاسات الْعقار كأنجم ... فَمن بَين منقض علينا ومنفض)
(وَقد نشرت أَيدي الْجنُوب مطارفا ... على الجو دكنا والحواشي على الأَرْض)
(يطرزها قَوس الْغَمَام بأصفر ... على أَحْمَر فِي أَخْضَر تَحت مبيض)
(كأذيال خود أَقبلت فِي غلائل ... مصبغة وَالْبَعْض أقصر من بعض) // من الطَّوِيل //
وَهَذَا من التشبيهات الملوكية الَّتِي لَا يكَاد يحضر مثلهَا السوقة وَنَظِيره قَول ابْن المعتز فِي وصف الْهلَال
(فَانْظُر إِلَيْهِ كزورق من فضَّة ... قد أثقلته حمولة من عنبر) // من الْكَامِل //
وَقَول أبي فراس وَهُوَ مِمَّا يعرب عَن استخدامه نفائس الْفرس
(وكأنما البرك الملاء تحفها ... ألوان ذَاك الرَّوْض والزهر)
стр. 31
(بسط من الديباج بيض فروزت ... أطرافها بفراوز خضر) // من الْكَامِل //
وَقَوله من قصيدة
(وَالْمَاء يفصل بَين زهر الرَّوْض ... فِي الشطين فصلا)
(كبساط وشي جردت ... أَيدي القيون عَلَيْهِ نصلا) // من الْكَامِل //
وأنشدني أَبُو الْحسن الْعلوِي الْهَمدَانِي قَالَ أَنْشدني سيف الدولة لنَفسِهِ
وَأَنا أرَاهُ من قَوْله فِي صباه
(أقبله على جزع ... كشرب الطَّائِر الْفَزع)
(رأى مَاء فأطعمه ... وَخَافَ عواقب الطمع)
(وصادف فرْصَة فَدَنَا ... وَلم يلتذ بالجرع) // من الوافر //
ينظر مَعْنَاهَا إِلَى قَول ابْن المعتز
(فكم عنَاق لنا وَكم قبل ... مختلسات حذار مرتقب)
(نقر العصافير وَهِي خائفة ... من النواطير يَانِع الرطب) // من المنسرح //
ويحكى أَنه كَانَت لسيف الدولة جَارِيَة من بَنَات مُلُوك الرّوم لَا يرى الدُّنْيَا إِلَّا بهَا ويشفق من الرّيح الهابة عَلَيْهَا فحسدتها سَائِر حظاياه على لطف محلهَا مِنْهُ وأزمعن إِيقَاع مَكْرُوه بهَا من سم أَو غَيره وَبلغ سيف الدولة ذَلِك فَأمر بنقلها إِلَى بعض الْحُصُون احْتِيَاطًا على روحها وَقَالَ
(راقبتني الْعُيُون فِيك فَأَشْفَقت ... وَلم أخل قطّ من إشفاق)
стр. 32
(وَرَأَيْت العذول يحسدني فِيك ... مجدا يَا أنفس الأعلاق)
(فتمنيت أَن تَكُونِي بَعيدا ... وَالَّذِي بَيْننَا من الود بَاقٍ)
(رب هجر يكون من خوف هجر ... وفراق يكون خوف فِرَاق) // من الْخَفِيف //
وأنشدني أَبُو بكر الْخَوَارِزْمِيّ قَالَ أَنْشدني ابْن خالويه بحلب لسيف الدولة
(تجنى عَليّ الذَّنب والذنب ذَنبه ... وعاتبني ظلما وَفِي شقَّه العتب)
(وَأعْرض لما صَار قلبِي بكفه ... فَهَلا جفاني حِين كَانَ لي الْقلب)
(إِذا برم الْمولى بِخِدْمَة عَبده ... تجنى لَهُ ذَنبا وَإِن لم يكن ذَنْب) // من الطَّوِيل //
يشبه هَذَا الْمَعْنى
(وَإِذا مَا الْجفَاء جهر جَيْشًا ... سبقته طَلِيعَة من تجني) // من الْخَفِيف //
وَأنْشد أَبُو الْحسن أَحْمد بن فَارس قَالَ أَنْشدني شَاعِر يعرف بالمتيم لسيف الدولة
(قد جرى فِي دمعه دَمه ... فَإلَى كم أَنْت تظلمه)
(رد عَنهُ الطّرف مِنْك فقد ... جرحته مِنْك أسهمه)
(كَيفَ يَسْتَطِيع التجلد من ... خطرات الْوَهم تؤلمه) // من المديد //
стр. 33
وأنشدني غير وَاحِد لَهُ فِي أَخِيه نَاصِر الدولة أبي مُحَمَّد عِنْد وَحْشَة جرت بَينهمَا
(رضيت إِلَيْك الْعليا وَقد كنت أَهلهَا ... وَقلت لَهُم بيني وَبَين أخي فرق)
(وَلم يَك بِي عَنْهَا نُكُول وَإِنَّمَا ... تجافيت عَن حَقي فتم لَك الْحق)
(وَلَا بُد لي من أَن أكون مُصَليا ... إِذا كنت أرْضى أَن يكون لَك السَّبق) // من الطَّوِيل //
وأنشدت لَهُ أَيْضا فِي وصف نَار الكانون
(كَأَنَّمَا النَّار والرماد مَعًا ... وضوءها فِي ظلامه يحجب)
(وجنة عذراء مَسهَا خجل ... فاستترت تَحت عنبر أَشهب) // من المنسرح //
نظيرهما فِي الْحسن قَول كشاجم
(كَأَنَّمَا الْجَمْر والرماد وَقد ... كَاد يواري من ناره النورا)
(ورد جني القطاف أَحْمَر قد ... ذرت عَلَيْهِ الأكف كافورا) // من المنسرح //
وَقَول أبي طَالب المأموني
(مَا ترى النَّار كَيفَ أسقمها القر ... فأصحت تخبو وطورا تسعر)
(وَغدا الْجَمْر والرماد عَلَيْهِ ... فِي قَمِيص مَذْهَب ومعنبر) // من الْخَفِيف //
стр. 34
الْبَاب الثَّالِث
٢ - فِي ذكر أبي فراس الْحَارِث بن سعيد بن حمدَان وأخباره وغرر أخباره وأشعاره
هُوَ ابْن عَم سيف الدولة الْمُقدم ذكره وَابْن عَم نَاصِر الدولة
كَانَ فَرد دهره وشمس عصره أدبا وفضلا وكرما ونبلا ومجدا وبلاغة وبراعة وفروسية وشجاعة وشعره مَشْهُور سَائِر بَين الْحسن والجودة والسهولة والجزالة والعذوبة والفخامة والحلاوة والمتانة وَمَعَهُ رواء الطَّبْع وسمة الظّرْف وَعزة الْملك
وَلم تَجْتَمِع هَذِه الْخلال قبله إِلَّا فِي شعر عبد الله بن المعتز وَأَبُو فراس يعد أشعر مِنْهُ عِنْد أهل الصَّنْعَة ونقدة الْكَلَام وَكَانَ الصاحب يَقُول بُدِئَ الشّعْر بِملك وَختم بِملك يَعْنِي امْرأ الْقَيْس وَأَبا فراس وَكَانَ المتنبي يشْهد لَهُ بالتقدم والتبريز ويتحامى جَانِبه فَلَا ينبري لمباراته وَلَا يجترئ على مجاراته وَإِنَّمَا لم يمدحه ومدح من دونه من آل حمدَان تهيبا لَهُ وإجلالا لَا إغفالا وإخلالا
وَكَانَ سيف الدولة يعجب جدا بمحاسن أبي فراس ويميزه بالإكرام عَن سَائِر قومه ويصطنعه لنَفسِهِ ويصطحبه فِي غَزَوَاته ويستخلفه على أَعماله وَأَبُو فراس ينثر الدّرّ الثمين فِي مكاتباته إِيَّاه ويوفيه حق سؤدده وَيجمع بَين أدبي السَّيْف والقلم فِي خدمته
стр. 35
قِطْعَة من أخباره مَعَ سيف الدولة وأشعاره فِيهِ سوى الروميات
حكى ابْن خالويه قَالَ كتب أَبُو فراس إِلَى سيف الدولة وَقد شخص من حَضرته إِلَى منزله بمنبج كتابا صَدره كتابي أَطَالَ الله بَقَاء مَوْلَانَا من الْمنزل وَقد وردته وُرُود السَّالِم الغانم مثقل الْبَطن وَالظّهْر وفرا وشكرا
فَاسْتحْسن سيف الدولة بلاغته وَوصف براعته
وَبلغ أَبَا فراس ذَلِك فَكتب إِلَيْهِ
(هَل للفصاحة والسماحة ... والعلا عني محيد)
(إِذْ أَنْت سَيِّدي الَّذِي ... ربيتني وَأبي سعيد)
(فِي كل يَوْم أستفيد ... من الْعَلَاء وأستزيد)
(وَيزِيد فِي إِذا رَأَيْتُك ... فِي الندى خلق جَدِيد) // من الْكَامِل //
وَكَانَ سيف الدولة قَلما ينشط لمجلس الْأنس لاشتغاله عَنهُ بتدبير الجيوش وملابسة الخطوب وممارسة الحروب فوافت حَضرته إِحْدَى المحسنات من قيان بَغْدَاد فتاقت نفس أبي فراس إِلَى سماعهَا وَلم ير أَن يبْدَأ باستدعائها قبل سيف الدولة فَكتب إِلَيْهِ يحثه على استحضارها فَقَالَ
(محلك الجوزاء أَو أرفع ... وصدرك الدهناء بل أوسع)
(وقلبك الرحب الَّذِي لم يزل ... للْجدّ والهزل بِهِ مَوضِع)
(رفه بقرع الْعود سمعا غَدا ... قرع العوالي جلّ مَا يسمع) // من السَّرِيع //
فبلغت هَذِه الأبيات المهلبي الْوَزير فَأمر القيان والقوالين بحفظها
стр. 36
وتلحينها وَصَارَ لَا يشرب إِلَّا عَلَيْهَا
وَكتب أَبُو فراس إِلَى سيف الدولة
(يَا أَيهَا الْملك الَّذِي ... أضحت لَهَا جمل المناقب)
(نتج الرّبيع محاسنا ... ألقحنها غرر السحائب)
(راقت ورق نسيمها ... فحكت لنا صور الحبائب)
(حضر الشَّرَاب فَلم يطب ... شرب الشَّرَاب وَأَنت غَائِب) // من الْكَامِل //
وَتَأَخر عَن حَضرته لعِلَّة وجدهَا فَكتب إِلَيْهِ
(لقد نافسني الدَّهْر ... بتأخيري عَن الحضره)
(فَمَا ألْقى من الْعلَّة ... مَا ألْقى من الحسره) // من الهزج //
وَأهْدى النَّاس إِلَى سيف الدولة فِي بعض الأعياد وَأَكْثرُوا فَكتب إِلَيْهِ أَبُو فراس
(نَفسِي فداؤك قد بعثت ... تعهدي بيد الرَّسُول)
(أهديت نَفسِي إِنَّمَا ... يهدي الْجَلِيل إِلَى الْجَلِيل)
(وَجعلت مَا ملكت يَدي ... صلَة المبشر بِالْقبُولِ)
(لما رَأَيْتُك فِي الْأَنَام ... بِلَا مِثَال أَو عديل) // من الْكَامِل //
وَكتب إِلَيْهِ يعاتبه
(قد كنت عدتي الَّتِي أسطو بهَا ... ويدي إِذا اشْتَدَّ الزَّمَان وساعدي)
(فرميت مِنْك بِغَيْر مَا أملته ... والمرء يشرق بالزلال الْبَارِد)
стр. 37
(فَصَبَرت كَالْوَلَدِ التقي لبره ... أغضى على ألم لضرب الْوَالِد) // من الْكَامِل //
وعزم سيف الدولة على الْغَزْو واستحلاف أبي فراس على الشَّام فَكتب إِلَيْهِ قصيدة مِنْهَا
(قَالُوا الْمسير فهز الرمْح عَامله ... وارتاح فِي جفْنه الصمصامة الخذم)
(حَقًا لقد سَاءَنِي أَمر ذكرت لَهُ ... لَوْلَا فراقك لم يُوجد لَهُ ألم)
(لَا تشغلن بِأَمْر الشَّام تحرسه ... إِن الشَّام على من حلّه حرم)
(وَإِن للثغر سورا من مهابته ... صخوره من أعادي أَهله القمم)
(لَا يحرمني سيف الدّين صحبته ... فَهِيَ الْحَيَاة الَّتِي تحيا بهَا النسم)
(وَمَا اعترضت عَلَيْهِ فِي أوامره ... لَكِن سَأَلت وَمن عاداته نعم) // من الْبَسِيط //
وَقَالَ لَهُ
(وَمَا لي لَا أثني عَلَيْك وطالما ... وفيت بعهدي وَالْوَفَاء قَلِيل)
(وأوعدتني حَتَّى إِذا مَا ملكتني ... صفحت وصفح المالكين جميل) // من الطَّوِيل //
وَكتب إِلَيْهِ يعزيه
(لَا بُد من فقد وَمن فَاقِد ... هَيْهَات مَا فِي النَّاس من خَالِد)
(كن المعزي لَا المعزى بِهِ ... إِن كَانَ لَا بُد من الْوَاحِد) // من السَّرِيع //
وَكتب إِلَيْهِ
(أيا عاتبا لَا أحمل الدَّهْر عَتبه ... عَليّ وَلَا عِنْدِي لأنعمه جحد)
(سأسكت إجلالا لعلمك أنني ... إِذا لم تكن خصمي لي الْحجَج اللد) // من الطَّوِيل //
стр. 38
وَكَانَ لسيف الدولة غُلَام يُقَال لَهُ نجا قد اصطنعه ونوه باسمه وقلده طرسوس وَأخذ يقرع بَاب الْعِصْيَان والكفران وَزَاد تبسطه وَسُوء عشرته لرفقائه فبطش بِهِ ثَلَاثَة نفر مِنْهُم وقتلوه
فشق ذَلِك على سيف الدولة وَأمر بقتل فتكته فَكتب إِلَيْهِ أَبُو فراس
(مَا زلت تسْعَى بجد ... برغم شانيك مقبل)
(ترى لنَفسك أمرا ... وَمَا يرى الله أفضل) // من المجتث //
وَكتب إِلَيْهِ يستعطفه
(إِن لم تجاف عَن الذُّنُوب ... وَجدتهَا فِينَا كَثِيره)
(لَكِن عادتك الجميلة ... أَن تغض على بصيره) // من الْكَامِل //
وَكتب إِلَيْهِ يستعطفه
(دع العبرات تنهمر انهمارا ... ونار الشوق تستعر استعارا)
(أتطفأ حسرتي وتقر عَيْني ... وَلم أوقد مَعَ الغازين نَارا)
(أَقمت على الْأَمِير وَكنت مِمَّن ... تعز عَلَيْهِ فرقته اخْتِيَارا)
(إِذا سَار الْأَمِير فَلَا هُدُوا ... لنَفس أَو يؤوب وَلَا قرارا)
(ستذكرني إِذا طردت رجال ... دققت الرمْح بَينهم مرَارًا)
(وَأَرْض كنت أملؤها رجَالًا ... وجو كنت أرهجه غبارا)
(إِذا بَقِي الْأَمِير قرير عين ... فديناه اخْتِيَارا واضطرارا)
(يمد على أكابرنا جنَاحا ... ويكفل عِنْد حَاجَتهَا الصغارا)
стр. 39
(أَرَانِي الله طلعته سَرِيعا ... وأصحبه السَّلامَة حَيْثُ سارا)
(وبلغه أمانيه جمعيا ... وَكَانَ لَهُ من الْحدثَان جارا) // من الوافر //
وَكتب إِلَيْهِ
(أَلا من مبلغ سروات قومِي ... إِذا حدثن جمجمن الكلاما)
(بِأَنِّي لم أدع فتيات قومِي ... وَسيف الدولة الْملك الهماما)
(شريت ثناءهن ببذل نَفسِي ... ونار الْحَرْب تضطرم اضطراما)
(وَلما لم أجد إِلَّا فِرَارًا ... أَشد من الْمنية أَو حَماما)
(حملت على وُرُود الْمَوْت نَفسِي ... وَقلت لصحبتي موتوا كراما)
(وَهل عذر وَسيف الدّين ركني ... إِذا لم أركب الخطط العظاما)
(وأقفو فعله فِي كل أَمر ... وَأَجْعَل فضل أبدا إِمَامًا)
(وَقد أَصبَحت منتسبا إِلَيْهِ ... وحسبي أَن أكون لَهُ غُلَاما)
(أَرَانِي كَيفَ أكتسب الْمَعَالِي ... وَأَعْطَانِي على الدَّهْر الذماما)
(ورباني ففقت بِهِ البرايا ... وأنشأني فَسدتْ بِهِ الأناما)
(فأحياه الْإِلَه لنا طَويلا ... وَزَاد الله نعْمَته دواما) // من الوافر //
مَا أخرج من فخرياته
قَالَ من قصيدة يذكر فِيهَا إِيقَاعه ببني كَعْب وَهُوَ على مُقَدّمَة سيف الدولة وَكَانَ
стр. 40
قد حسن بلاؤه فِي تِلْكَ الْوَقْعَة
(ألم ترنا أعز النَّاس جارا ... وأمنعهم وأمرعهم جنابا)
(لنا الْجَبَل المطل على نزار ... حللنا النجد مِنْهُ والهضابا)
(يفضلنا الْأَنَام وَلَا نحاشي ... ونوصف بالجميل وَلَا نحابى)
(وَقد علمت ربيعَة بل نزار ... بِأَنا الرَّأْس وَالنَّاس الذنابي)
(وَلما أَن طغت سُفَهَاء كَعْب ... فتحنا بَيْننَا للحرب بَابا)
(منحناها الحرائب غير أَنا ... إِذا جارت منحناها الحرابا)
(وَلما ثار سيف الدّين ثرنا ... كَمَا هيجت آسادا غضابا)
(أسنته إِذا لَاقَى طعانا ... صورامه إِذا لاقي ضرابا)
(دَعَانَا والأسنة مشرعات ... فَكُنَّا عِنْد عودته الجوابا)
(صنائع فاق صانعها ففاقت ... وغرس طَابَ غارسه فطابا)
(وَكُنَّا كالسهام إِذا أَصَابَت ... مراميها فراميها أصابا) // من الوافر //
هَذَا أحسن مَا قيل فِي مَعْنَاهُ وَقد أَخذه الْأُسْتَاذ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن إِبْرَاهِيم الضَّبِّيّ فَكتب فِي كتاب فتح تولاه للصاحب بأصبهان وهنأ الله مَوْلَانَا كَافِي الكفاة هَذِه المناجح الَّتِي هِيَ نتائج عَزَائِمه وثمرات صرائمه فَمَا يرى عَبده وصنيعته وَسَائِر من يكنفه ظله وتريشه عنايته نُفُوسهم إِذا وفقوا لمَذْهَب من مَذَاهِب الْخدمَة وهدوا لأَدَاء حق من حُقُوق النِّعْمَة إِلَّا سهاما إِذا أَصَابَت فراميها الْمُصِيب وَمَا لَهَا فِي المحمدة نصيب
следующие страницы →