← Адаб

Адаб · id 6752

التنبيه على أوهام أبي علي في أماليه

أبو عبيد البكري

Полный текст (118 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على محمد سيدنا وآله وصحبه قال أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز بن محمد البكري ﵀: الحمد لله خير ما بدئ به الكلام وخُتم؛ وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم. هذا كتاب نبهت فيه، على أوهام أبي عليّ ﵀ في أماليه؛ تنبيه المنصف لا المتعسف ولا المعاند، محتجاًّ على جميع ذلك بالشاهد والدليل؛ فإني رأيت من تولى مثل هذا من الرد على العلماء والإصلاح لأغلاطهم، والتنبيه على أوهامهم؛ لم يعدل في كثير مما رده عليهم، ولا أنصف في جُمل مما نسبه إليهم. وأبو عليٍّ ﵀ من الحفظ وسعة العلم والنُّبل، ومن الثقة في الضبط والنَّقل؛ بالمحل الذي لا يُجهل، وبحيث يقصر عنه من الثناء الأحفل؛ ولكن البشر غير معصومين من الزلل، ولا مُبرَّئين من الوهم والخطل؛ والعالم من عُدَّت هفواته، وأُحصيت سقطاته: كفى المرءَ نُبْلاً أن تُعَدُّ معايبُه فلما أوريت من هذه الفوائد كابيها، وأبديت خافيتها، أعطيت بها القوس باريها؛ وأهديتها إلى المعتمد على الله، المؤيد بنصر الله؛ خلَّد الله دولته، وثبت وطأته: لألتماسه أسرار الحكم، وأقتباسه أنوار الكلم، وعنايته بأنواع العلم، وأخذه من جميعها بأوفر قسم؛ لا أعدمه الله نجماً من السعد مُليحاً، وطائراً من اليمن سنيحاً.

стр. 2

التنبيهات الواردة على الجزء الأول في " ص٦ س ٣ و ٧ " أنشد أبو عليٍّ ﵀ أشعاراً منها قول بُرية بن النعمان ولم ينسبه أبو عليٍّ ﵀: لَقَد تَركتْ فُؤَادَك مُسْتَحِنًّا ... مُطَوَّقةٌ على فَنَنٍ تَغَنَّى يَمِيلُ بها وتَركَبُهُ بِلَحْنٍ ... إذا ما عَنَّ للمَحزُونِ أَنَّا ومنها قول الآخر: وهَاتِفَيْنِ بشَجْوٍ بعَد مَا سَجَعَتْ ... وُرْقُ الْحَمَامِ بتَرْجيعٍ وإرْنَانِ بَاتَا على غُصْنِ بانٍ في ذَرَى فَنَنٍ ... يُرَدِّدَانِ لُحُوناً ذاتَ ألوانِ

стр. 3

وفسر ما ورد في هذه الأشعار من ألحان الحمام أن المراد به اللغات. وإنما المراد به اللحن الذي هو ضرب من الأصوات المصوغة للتغني؛ ودليل ذلك قوله: مُطوَّقةٌ على فَنَنٍ تغَنَّى وقول الآخر: يُرَدِّدَانِ لُحُوناً ذاتَ ألوانِ إنما أراد ذات ألوان من الترجيع كما قال في البيت قبله: ....بِتَرجِيع وإرْنانِ * * * وفي " ص ٦ س ١٦ " قال أبو علي ﵀ وأصل اللحن أن تريد الشيء فتورِّى عنه، كقول رجل من بني العنبر كان أسيراً في بكر بن وائل. وذكر الخبر بطوله، وفسَّرَ ما فيه إلى قوله: يريد بقوله: إن العرفج قد أدبى: أن الرجال قد استلاموا، أي لبسوا الدروع ليس في قوله: " إن العرفج قد أدبى " دليل على ما ذكره أبو علي ﵀ ولا من عادة العرب أن تلبس الدروع إلا في حال الحرب. وأما في بيوتها قبل الغزو فذلك غير معروف، وإنما أراد بذلك أن يؤذنهم وقت الغزو، وينبتهم على التيقظ والحذر. قال أبو نصر ﵀: إدباءُ العرفج: أن يتسق نبته ويتأزر، وإذا اتَّسق النبت وتأزر أمكن الغزو. وقال أبو زياد ﵀: العرفج: نبت طيب الريح أغبر إلى الخضرة، له زهرة صفراء ولا شوك له؛ ويقال له إذا اسودَّ عوده حتى يستبين فيه النبات: قد أقمل، فإذا زاد قليلا، قيل: قد ارقاطَّ، فإذا زاد قليلا، قيل: قد أدبى، وهو حينئذ قد صلح أن يؤكل، فإذا أعتم وطفحت خوصته وأكلأ، وقيل: قد أخوص، فإذا ظهرت عليها خُضرة الرِّيِّ، قيل: عرفجة خاضبة. ومنابت العرفج يقال لها: المشاقر، وهي أيضا: الحومان، وتكون في السهل والجبل.

стр. 4

* * * وفي " ص ٧ س ١٠ " وأنشد أبو علي ﵀ في آخر هذا الخبر شعراً أوله: إنّ الذِّئابَ قد اخْضَرَّتْ بَراثِنهُا ... والناسُ كُلُّهُمُ بَكْرٌ إذا شَبِعُوا وقال: يريد الناس كلهم عدو لكم إذا شبعوا كبكر بن وائل. لم يرد الشاعر هذا المعنى، لأن الناس كلهم لم يكونوا عدوا لبني تميم ولا أقلهم، وإنما يريد أن الناس إذا شبعوا هاجت أضغانهم وطلبوا الطوائل والتراث في أعدائهم. فكانوا لهم كبكر بن وائل لبني تميم؛ كما قال الشاعر - أنشده ثعلب عن ابن الأعرابي -:

стр. 5

لَوْ وصَلَ الغَيْث ُلاَ بَنْينَ امرأَ ... كانتْ له قُبّةٌ سَحْقَ بِجَادْ يقول: لو اتصل الغيث وأخصبنا لا غرنا على الملك وأخذنا متاعه وقبته حتى تحوجه أن يتخذ قبة من قطعة كساء. قال أبو عمرو ﵀: وإنما يغيرون في الخصب لا في الجدب؛ وقال آخر: يا بن هشامٍ أهلك الناسَ اللّبَنْ ... فكلّهم يَسْعَى بقَوسٍ وقَرَنْ يقول: لما كثر الخصب سعى بعضهم إلى بعض بالسلاح؛ وقال آخر: قومٌ إذا نَبَتَ الربيعُ لهم ... نَبَتَتْ عَداوتُهم مع البَقلِ وقال: وفي البقل إن لم يدفع الله شَرَّهُ ... شياطينُ يَنْزُو بعضُهنّ إلى بعض وقال: قومٌ إذا اخضرَّت نعالُهم ... يتناهقون تناهُقَ الْحُمرِ يعني: يتناهقون من الأشر والبغي؛ وبعض الناس يتأول أن النعال هنا: نعال الأقدام، وإنما النعال: الأرضون الصلاب، واحدها نعلٌ؛ وإذا أخصبت النعال فما ظنك بالدِّماث. ومنه الحديث: " إذ ابتلت النعال فصلوا في الرحال " معناه: إذا انزلقت الأرض فصلوا في البيوت.

стр. 6

* * * وفي " ص ١١ س ٣ " وأنشد أبو علي ﵀ شاهداً على حجلت عينه: وأهْلَكَ مُهْرَ أبِيك الدَّوا ... ءُ لَيْسَ له من طعامٍ نَصِيبُ فَتُصْبِحُ حاجِلةً عينهُ ... لِحْنِو اسْتِهِ وصَلاَهُ غُيُوبُ هكذا أنشده: مهر أبيك بفتح الكاف، وإنما هو بكسرها. وأنشده: وصلاه، وإنما هو: في صلاه. والشعر لثعلبة بن عمرو الشيباني يخاطب أسماء أم حزنة - امرأة من بني سليمة بن عبد القيس - وهي قصيدة؛ والذي يتصل منها بالشاهد قوله: أأسماءُ لم تسألي عن أبيكِ والقومُ قد كان فيهمْ خُطوبُ وأهْلَكَ مُهْرَ أبِيك الدَّوا ... ءُ لَيْسَ له من طعامٍ نَصِيبُ خَلا أنّهم كلما أوردوا ... يُضَيِّع قَعْباً عليه ذَنُوبُ فَتُصْبِحُ حاجِلةً عينهُ ... لِحْنِو اسْتِهِ وصَلاَهُ غُيُوبُ لأَقَسمَ يَنذِرُ نَذراً دَمِى ... وأقسمتُ إنْ نِلتُه لا يَؤُوبُ فأَتْبْعُته طَعنةً ثَرَّةً ... يَسِيلُ على النحو منها صَبِيبُ فإِن قَتَلْته فلم أَرْقِهِ ... وإن يَنجُ منها فجُرْحٌ رَغِيبُ

стр. 7

هذا الشيباني طعن أبا أسماء هذه المذكورة واكتفى في قوله: أأسماء لم تسألي، بهمزة النداء عن همزة الاستفهام؛ كما قال امرؤ القيس: أصاحِ ترى بَرْقا أُرِيكَ وَمِضَهُ والدواء: الصنعة وحسن القيام على الدابة؛ قال يزيد بن خذَّاق: ودَاوَيْتُها حتى شَتَتْ حبشيّةً ... كأنّ عليها سُنْدُساً وسُدُوسا وقيل: أراد بالدواء: اللبن، وكان أحسن ما يقومون به على الدابة؛ وإنما أراد أهلكه فقد الدواء؛ كما قال النابغة: فإنِّي لا أُلامُ على دُخُولٍ ... ولكن ما وَرَاءَكَ يا عِصامُ أراد على ترك دخول؛ وكذلك قول أبي قيس بن رفاعة: أنا النذيرُ لكم منّي مُناصحَةً ... كي لا أُلامَ على نَهْيٍ وإنذارِ أراد على ترك نهي وإنذار؛ وكذلك قول الخنساء: يا صخرُ وَرَّادَ ماءٍ قد تناذَرَهُ ... أهلُ المياه وما في وِرْدِه عارُ تريد في ترك ورده: ثم قال الشاعر: لا نصيب للمهر من الطعام غير أنهم إذا أوردوا ضيَّحوا له قعباً بذنوب ماءٍ وسقوه. والحنو: كل ما فيه اعوجاج كحنو الضلع واللحي. والصَّلا: ما عن يمين الذنب وشماله؛ يقول: غاب حنوه في صلاه من الهزال. وهذا أبلغ ما وصف به الهزيل من الدواب؛ وإنشاد أبي علي ﵀: لحنوا استه وصلاه غيوب

стр. 8

لا معنى له ولا وجه، لأن الصَّلا لا يغيب ولا يخفى، وإنما يغيب الحنو فيه ويغمض. وقوله: فأتبعته طعنةً ثرَّةً، يريد كثيرة الدم، من قولهم: عين ثرة. وقوله: فإن قتلته فلم أرقه، كانوا يزعمون أن الطاعن إذا رقى المطعون برأ؛ كما قال زهير بن مسعود: عشِيّةَ غادرتُ الحُلَيسَ كأنّما ... على النحرِ منه لَونُ بُرْدٍ مُحَبَّرِ فلم أَرْقِهِ إن يَنْجُ منها وإن يَمُت ... فطعنةُ لا غُسٍّ ولا بمُغمَّرِ وهو معنى قول حاتم الطائي - أنشده ابن الأعرابي -: سِلاحُك مَرقِيٌّ ولا أنت ضائرٌ ... عَدُوًّا ولكنْ وَجْهَ مَوْلاك تَخمِشُ * * * وفي " ص ١٢ س ٣ " وذكر أبو علي ﵀ خطبة عبد الملك وإنشاده شعر قيس ابن رفاعة: مَنْ يَصَْ ناري بلا ذَنْبٍ ولا تِرَةٍ ... يَصْلَ بنارِ كريمٍ غيرِ غدّارِ إنما هو أبو قيس بن أبي رفاعة، واسمه: دثار. وقد ذكره أبو علي ﵀ بعد هذا في كتابه على صحته. وذلك في الحديث الذي رواه التَّوَّزيّ عن أبي عبيدة قال: كان أبو قيس ابن أبي رفاعة يفد سنة إلى النعمان اللخمي وسنة إلى الحارث بن أبي شمر الغسانيّ، فقال له يوما وهو عنده: يا أبا قيس، بلغني أنك تفضِّل النعمان عليّ؛ وساق الحديث إلى آخرة. قال أبو عليّ ﵀: والوتر: الذَّحل بكسر الواو لا غير. هذا وهم منه، الواو تفتح وتكسر في الذحل؛ ذكر ذلك يعقوب وغيره.

стр. 9

* * * وفي " ص ١٤ س ١١ " وأنشد أبو علي ﵀ للعباس بن الوليد بن عبد الملك أبياتا قالها لمسلمة بن عبد الملك، أولها: ألاَ تَقْنَى الحياءَ أبا سَعِيدٍ ... وتُقْصِرُ عن مُلاَحَاتِي وعَذْلِي وهذا الشعر لعبد الرحمن بن الحكم يعاتب به مروان بن الحكم أخاه بلا اختلاف؛ ولم يكن العباس بن الوليد شاعراً، إنما كان رجلاً بئيسا، وهو فارس بني مروان؛ وإنما كتب العباس بهذا الشعر متمثلا لم يغير منه إلا الكنية. وعبد الرحمن بن الحكم شاعر متقدم، وهو الذي كان يُهاجي عبد الرحمن بن حسان ﵄ وفي هذه الأبيات: كقولِ المرء عَمْرٍو في القَواِفي ... لِقَيسٍ حين خالف كلَّ عَذلِ عذِيرَكَ مِن خليلكَ من مُرَاد ... أُريد حِباءهُ فيُريدُ قَتْلِي وهذا مما أهمله أبو علي ولم يُفسر معناه والمراد به؛ وكثيرا ما يشغله تفسير ظاهر اللغة عن تفسير غامض المعاني. وقد أفردت لشرح معاني " نوادره " كتابا غير هذا. وإنما يريد الشاعر قول عمرو ابن معد يكرب الزبيدي لقيس بن مكشوح المرادي وكان بينهما تنافس: تمنّاني ليلقاني قُيَيسٌ ... ودِدتُ وأينما منِّي ودادي تمّناني وسابغةٌ قميِصي ... خروس الحِسِّ محكمةُ السِّرادِ

стр. 10

مُضاعفة تخيَّرها سُلَيمٌ ... كأنّ قَتِيرها حَدقُ الجَرَادِ أريدُ حِباءَهُ ويريد قَتْلي ... عذِيرُكَ مِن خليلكَ مِن مُرَادِ يعني بسليم: سليمان النبي ﷺ والقتير: رءوس مسامير الدروع وإذا دقت دلت على ضيق الأخرّات، ولذلك شبهها بحدق الجراد. وعذير الرجل: ما يحاول مما يعذر عليه، ومثل قوله: " أُريد حباءه ويريد قتلي " قول ابن الذئبة الثقفي: ما بالُ مَن أسعَى لأَجْبرَ عظمَهُ ... حِفاظا ويَنوِي من سَفَاهته كسرِى أَظُنُّ خُطوبَ الدهر مِنِّي ومنهم ... ستحملُهم مِنِّي على مَركبٍ وَعْرِ وقوله جميل: ألا قُم فاُنْظُرَنَّ أخاك رَهناً ... لِبَئْنَة في حبائلها الصِّحَاحِ أُريد صلاحَها وتُريد قَتْلى ... فَشَتَّى بين قَتلى والصَّلاِح * * * وفي " ص ١٩ س ١٩ " وأنشد أبو علي ﵀ شاهداً على أن الحنة الزوجة: ما أنتِ بالحَنّة الوَدُود ولا ... عِنْدَكِ خَيْرٌ يُرْجى لُمْلَتِمسِ إنما هو: ما أنت بالحنة الولود؛ قال أبو عبيدة: تزوج قتادة اليشكري أرنب الحنفية فلم تلد له ونشزت عليه فطلقها وقال: تجهَّزِي للطلاق واصطبري ... ذاك دواءُ الجوامسِ الشُّمُسِ ما أنتِ بالحَنَّةِ الوَلُودِ ولا ... عِندَكِ خيرٌ يُرجَى لمُلتَمِسِ للَيَلتِي حين بِتِّ طالقةً ... ألذُّ عندي من ليلة العُرُسِ

стр. 11

* * * وفي " ص ٢٣ س ١٩ " أنشد أبو علي ﵀ للأجدع الهمداني: وسألْتِني بركائبي ورِحالِها ... ونَسِيتِ قَتْلَ فَوارِس الأرباع إنما هو أسألتني بالهمزة، لا بالواو كما انشده؛ وهو أول الشعر بركائب منون لا بركائبي، لأنها إنما سألته عن إبل القوم وركائبهم، لا عن ركائب نفسه. وكان الأجدع بن مالك بن أمية الهمداني قد غزا بني الحارث وكانت امرأته منهم، فأصاب فيهم وقتل من بني الحُصين أربعة نفر؛ فقالت له امرأته: أين الإبل والغنيمة؟ فقال: أسألتِني بركائبٍ ورِحالِها ... ونسيتِ قَتلَ فوارِسِ الأرباعِ وبني الحُصَين ألم يَرُعكِ نَعِيُّهم ... أهلُ اللِّواءِ وسادَةُ المِرباعِ تلك الرزيَّةُ لا قلائصَ أُسلِمتْ ... برحالها مَشْدُودةَ الأنساعِ خيلان من قومِي ومِنْ أعدائهم ... خَفَضُوا أَسِنَّتهم فكلٌّ ناعِ خَفَضُوا الأسِنَّةَ بينهم فتواسَقُوا ... يَمشونَ في حُلَلٍ من الأدراعِ قال ابن الكلبي في نسب بني الحارث بن كعب: ومنهم الحصين ذو الغصَّة بن يزيد بن شداد ابن قنان، رأس بني الحارث مائة سنة؛ وكان يقال لبنيه: فوارس الأرباع. والأرباع: أرض قتلتهم بها همدان؛ ولهم يقول الأجدع الهمداني: ونسيتِ قَتلَ فوارِسِ الأرباعِ

стр. 12

وقوله: خفضوا أسنتهم: يريد أمالوها للطعن؛ كما قال القتال الكلابي: نَشَدْتُ زِياداً والسفاهَةُ كاسْمِهَا ... وذكَّرْتُه أرحامَ سِعْرٍ وهَيْثَم فلمّا رأيت أنه غَيْرُ مُنْتَهٍ ... أَمَلتُ له كفِّي بِلَدْنٍ مُقَوَّمِ وقال النابغة الجعدي: فَلَمْ نُوَقِّف مُشِيلينَ الرِّماحَ ولم ... نُوجَدْ عَواويرَ يوم الروع عُزَّالا يقول: لم نُشل الرماح، أي لم نرفعها ولكنا خفضناها للطعن. * * * وفي " ص ٣٠ س ١٦ " وأنشد أبو علي لأعرابي: إذا وجَدْتُ أُوَار الحُبِّ في كَبِدِي ... أَقْبَلتُ نَحْوَ سِقاءِ القومِ أبْتَرِدُ هذا بَرَدْت ببَرْدِ الماءِ ظاهِرَهُ ... فَمَنْ لنارٍ على الأحشاءِ تَتَّقِد لم يختلف أحد أن هذين البيتين لعروة بن أُذينة الفقيه المحدِّث، ووقفت عليه امرأة فقالت: أنت الذي يقال فيه الرجل الصالح! وأنت تقول: إذا وجَدْتُ أُوَارَ الحبِّ في كَبِدِي............. البيتين لا والله! ما خرجا من قلب سليم، وأُذينة: لقب لأبيه. واسمه: يحيى بن مالك بن الحارث الليثي. وكان عروة شاعراً غزلا من شعراء أهل المدينة وثقة ثبتاً؛ روى عنه مالك وغيره من الأئمة

стр. 13

- ﵃ قال مالك: حدثني عروة بن أُذينة قال: خرجت مع جدة لي، عليها مشي إلى بيت الله، حتى إذا كنا ببعض الطريق عجزت، فأرسلت مولى لها تسأل عبد الله بن عمر ﵁ فخرجت معه، فسأل عبد الله ﵁ فقال له: مرها فلتركب ثم لتمش من حيث عجزت. وعروة هو القائل أيضا: قالت وأبثثْتُها وَجْدِي فبُحْتُ به ... قد كنتَ عندي تُحِبُّ الستر فاسْتَتِرِ ألستَ تُبْصِرُ مَن حَولي فقلتُ لها ... غَطَّي هَواكِ وما أَلقَى على بَصَرِي * * * وفي " ص ٣٣ س و٤ " وأبو علي ﵀ إذا جهل قائل شعر نسبه إلى أعرابي كما أنشد بعد هذا: وإنِّي لأهْوَاها وأهوى لِقَاءَها ... كما يَشْتَهِي الصادي الشرابَ المُبَرَّدا عَلاقَةَ حُبٍّ لَجَّ في سَنَن الصِّبَا ... فأبلَى وما يَزْداد إلاّ تَجدُّدَا وهذا الشعر للأحوص بن محمد، شاعر إسلامي من شعراء المدينة، لم يدخل البادية قط. ولهذا الشعر خبر: وذلك أن يزيد بن عبد الملك لما استهتر بقينتيه وامتنع من الظهور إلى الناس وعن مشاهدة يوم الجمعة، لامه مسلمة أخوه وعذله، فارعوى، وأراد الخروج المراجعة فبعثت سلاَّمة إلى الأحوص أن يصنع شعراً تغني فيه؛ فقال: وما العَيْشُ إلاَّ ما تَلَذُّ وتَشْتَهِي ... وإن لامَ فيه ذو الشَّنَان وفَنَّدَا بكيتُ الصِّبا جُهدي فمَن شاء لامَنِي ... ومَن شاء آسَى في البُكاءِ وأَسْعَدَا

стр. 14

وأشرفتُ في نَشَزٍ من الأرض يافِعٍ ... وقد تَشَعف الأَيفاعُ مَن كان مُقصَدَا فقلت ألا ليتَ أسماءَ أصقَبَتْ ... وهل قول لَيتٍ جامعٌ ما تَبدَّدَا وإنِّي لأهْوَاها وأهوى لِقَاءَها ... كما يَشْتَهِي الصادي الشرابَ المُبَرَّدا عَلاقَةَ حُبٍّ لَجَّ في سَنَن الصِّبَا ... فأبلَى وما يَزْداد إلاّ تَجدُّدَا فلما غنَّت به عند يزيد ضرب الأرض بخيزرانته وقال: صدقت صدقت! فقبَّح الله مسلمة وقبَّح ما جاء به! وتمادى في غيِّهِ. ومثل قوله: وقد تَشعفُ الأيفاعُ مَن كان مُقصَدَا قول الآخر: لا تُشْرِفَنَّ يفَاعاً إنّه طربٌ ... ولا تغَنَّ إذا ما كُنتَ مُشتاقا والمقصد: المرمي بسهم الحب، يقال: رماه فأقصده إذا أصاب مقتله. ومثل قوله: فأبلى وما يزداد إلا تجدّدا قول حسان بن إسحاق بن قوهيً مولى بني مرة بن عوف: بقلبي سقامٌ لستُ أُحسِنُ وصفَهُ ... على أنه ما كانَ فهو شَدِيدُ تَمُرُّ به الأيامُ تَسحبُ ذَيلَها ... فتَبْلَى به الأيامُ وهوَ جَديِدُ

стр. 15

* * * وفي " ص ٤١ س ١٨ " وأنشد أبو علي ﵀: مُهْرَ أَبِي الْحَبْاحبِ لا تَشَلِّي ... بارَكَ فِيكِ اللهُ مِنْ ذي أَلِّ قال أصحاب أبي علي ﵀: وقفناه على قوله: بارك فيك الله من ذي أل فأبى إلا كسر الكاف، فقلنا: فهلاَّ قال: من ذات ألِّ، قال: أخرج التذكير على الشيء أو الأمر؛ ومثل هذا جائز، وهو كثير؛ قال الأسود بن يعفر: إنّ المنيَّةَ والحُتوف كلاهُما ... يُوفي المخارِمَ يرقُبَان سَوَادِي قال: ومنه قول رؤبة: فيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ ... كأنّه في الجلد تَوليعُ البهَقْ قال أبو عبيدة: قلت لرؤبة: إن أردت الخطوط قلت: كأنها؛ وإن أردت البلق فقل: كأنه، قال: فضرب بيده على كتفي وقال: كأن ذلك توليع في الجلد. الصحيح أنه يُخاطب مهراً لا مهرة، لقوله: من ذي ألِّ. وقوله بعدهما: ومِن مُوصًّي لم يُضِع قولا لي فالصواب إنشاده: لا تشل بغير ياء. وبارك فيك الله بفتح الكاف؛ وذلك التكلف كله لا معنى له. والحجة المجانسة لما سُئل عنه أبو علي ﵀ وذلك قوله: من ذي ألِّ، وهو يريد مؤنثا:

стр. 16

قامت تُبَكِّيه على قبره ... مَنْ لِيَ من بَعدك يا عامرُ تَركتَنِي في الدار ذا غُرَبةٍ ... قد ذَلَّ من ليسَ له ناصرُ قال: إنما قال: ذا غربة، لأن الياء التي في قوله: تركتني ونحوها تكون ضميراً للذكر والأنثى، وهذا لمراعاة اللفظ وإن كان المعنى مؤنثاً؛ كما راعوا اللفظ في نقيض هذا وإن كان المعنى مذكرا؛ قال معقل بن خويلد: ولا يَستسقِط الأقوامُ مِنِّي ... نَصِيبَهُم ويُترَكُ لي نَصِيبُ إذا ما البُوهَةُ الهوكاءُ أَعْيَا ... فلا يَدرِي أيَصْعَدُ أم يَصُوبُ فإنما قال: الهوكاء لتأنيث البوهة، ولا يجوز أن يقال: رجل هوكاء؛ وكذلك قول شريح بن مجير التغلبي: وعَنْتَرةُ الفَلْحَاء جاء مُلأَماً ... كأنك فِندٌ من عَمايَةَ أَسْوَدُ لو قال زيد أو عمرو مكان عنترة، لم يجز أن يقول الفلحاء. ومن تأنيث اللفظ دون المعنى قول بياض يعني القُراد: وما ذَكَرٌ فإن يَكْبُر فأُنْثَى ... شَدِيدُ الأَزْم ليس بذِي ضُرُوسِ

стр. 17

يعني أنه عظم قيل له: حلمة، والحلمة إنما هي مؤنثة اللفظ لا مؤنثة المعنى؛ ومثله قول بياض: إنّا وجدنا بني سَلمى بمنزلة ... مثل القُرَاد على حَالَيهِ في الناسِ وهذا من أخبث الهجاء. يقول: إنهم يولدون ذكراناً فإذا شبوا صاروا إلى حال الإناث. * * * وفي " ص ٤٣ س ١ " وأنشد أبو علي ﵀: أيا عمرو كَمْ من مُهْرَةٍ عَرَبِيَّةٍمِنَ النّاسِ قد بُلْيَتْ بوَغْدٍ يَقُودُها الأبيات خلط أبو علي ﵀ في هذا الشعر، فمنه أبيات من شعر ابن الدمينة الذي أوله: هل اللهُ عافٍ عن ذُنوبٍ تُسُلِّفَتْ ... أمِ اللهُ إن يَعْفُ عنها مُعِيُدها وأبيات من شعر الحسين بن مطير الذي أوله: خليليّ ما بالعيش عَتْبٌ لو أنَّنا ... وَجَدنا لأيّام الحِمَى مَنْ يُعِيدُها وأبيات مجهولة لا يعلم قائلها. ورواية أبي علي ﵀: من الناس قد بُليت. يريد بُليت فخفف. والرواية المشهورة السالمة من الضرورة قد بلَّت، من قولهم: بللت به أَبلُّ بلالة وبلولا، أي صليت به؛ ومعنى هذا البيت كمعنى قول بنت النعمان بن بشير الأنصاري في زوجها روح بن زنباع: وهل هِنْدُ إلاّ مُهْرَةٌ عَرَبيَّةٌ ... سَلِيلَةُ أفراسٍ تَجَلَّلَها بَغْلُ فإن نُتِجَتْ مُهراً كريماً فبالْحَرَي ... وإن يكُ إقرافٌ فما أنجبَ الفَحْلُ وزعم الليثي أن أسمها حمدة. وروايته: وهل أنا إلاّ مُهرةٌ عَربيَّةٌ

стр. 18

قال الليثي: تقوله في زوجها روح بن زنباع الجذامي وهما يمانيان يجمعهما النسب والدار؛ ولو كانت نزارية وهو قحطاني قيل هذا لما بين نزار وقحطان، وروح سيد يمانية الشام يومئذٍ قائدها وخطيبها ومحربها وبئيسها!. وإنما قالت ذلك لأسرٍ مسه يوم المرج. وقيل مسَّه قبل ذلك في حرب غسان فافتدى؛ فقالت قول العربية الشريفة للمولى الهجين وعيَّرته الإقراف. وهذا ومثل قول عقيل بن علَّفة، وهو أحد بني غيظ بن مرة، لعثمان بن حيان المري وهو أحد بني مالك ابن مرة. فهما ابنا عمٍّ حين قال له عثمان، وهو أمير المدينة: زوجني أبنتك، قال: أناقتي أصلحك الله؟ فظن أنه لم يسمع؛ فرفع عثمان صوته: زوجني ابنتك! فرفع عقيل صوته فقال: أناقتي أصلحك الله؟ فقال عثمان: أنت عربي جاهل أحمق! وأمر بإخراجه. وكان عثمان قد مسَّه - أو أباه - أسرٌ فأنشأ عقيل يقول: كنَّا بني غَيْظٍ رجالا فأصبحَتْ ... بنو مالكٍ غَيظاً وصِرنا لمالكِ لحى اللهُ دهراً ذَعْذَع المالَ كلَّهُ ... وسَوَّدَ أَسْتَاهَ الإماءِ العوارك * * * وفي " ص ٤٧ س ٩ " وأنشدنا أبو علي لعبد الله بن سبرة الحرشي الذي قطع يده أُطربون الروم قصيدةً أولها: وَيْلُ أمِّ جارٍ غَداةَ الرَّوعِ فارَقَنِي ... أَهْوِنْ عليّ به إذ بَانَ فانقَطَعا وفيها يصف الأُطربون، وهو البطريق؛ وقيل هو اسم لهذا: كأَنَّ لِمَّتَه هُدَّابُ مُخْمَلَةٍ ... أَزْرَقُ أحمرُ لم يُمْشَطْ وقد صَلِعَا هكذا رواه أبو علي ﵀ لم يمشط، أي لم يسرح بالمشط لم يختلف في ذلك عنه، وهو تصحيف لا شك فيه؛ وإنما هو: " لم يشمط وقد صلعا ".

стр. 19

كذا رواه عامة العلماء، يريد حصَّتِ البيضة هامته فصلع، وليس ذلك من كبر، لأنه لم يشمط بعد، كما قال أبو قيس بن الأسلت: قد حصَّتِ البَيضَةُ رأْسِي فما ... أَطْعَمُ نوماً غَيرَ تَهجَاعِ وأحمر أزرق من نعت الرومي. وكان من خبر هذا الشعر: أن ابن سبرة كان في جمع من المسلمين اتّبعوا فلاًّ للروم هزموهم حتى انتهوا إلى جسر خلطاس، فحمى الروم قائد لهم - وهو هذا الاطربون المذكور - وراءهم، فجعل لا يبرز إليه أحد من المسلمين إلا قتله، فلما رأى ابن سبرة ذلك نزل إلى الروميّ وقد نكل الناس عنه، فمشى كلّ واحد منهما إلى صاحبه والناس ينظرون، فبدره الرومي الضربة فأصاب يد ابن سبرة، وعانقه ابن سبرة واعتقله فصرعه وقعد على صدره، وبادره المسلمون، فناشدهم أن يتوقفوا عنه حتى يقتله هو بيده، ففعل؛ فذلك قوله: فإن يكن أُطْرُبُونُ الرُّومِ قَطَّعَها ... فقد تركتُ بها أَوصالَه قِطَعَا وإن يكن أُطُرُبُونُ الروم قطّعها ... فإنّ فيها بحمد الله مُنْتَفَعَا بَنَانَتَينِ وجُذمَوراً أُقِيمُ بها ... صَدْر القَناةِ إذا ما آنَسُوا فَزَعَا أراد بالجذمور: أصل الإصبع. والجذمور والجذمار: قطعة تبقى من السعفة إذا قُطعت؛ وأنشد ثعلب عن ابن الأعرابي في الجذمور أصل الإصبع، وهو من أبيات المعاني: وكنت إذا أدْرَرْتَ منها حَلُوبةً ... بجُذمُورِ ما أَبقى لَك السَّيفُ تَغضَبُ قال: هذا رجل قُطعت أصابعه وبقيت أُصولها فأخذ ديتها إبلا؛ فقال له الشاعر: متى تدرر منها حلبا تذكر فاعل ذلك بك فتغضب.

стр. 20

* * * وفي " ص ٥٣ س ٢٠ " وأنشد أبو علي ﵀ شعراً أوله: أَشَاقَتْكَ البَوارِقُ والْجُنوبُ ... ومِن عُلْوِي الرِّياح لها هُبُوبُ وفيه: وشمِتُ البارِقاتِ فقُلتُ جِيدَتْ ... جِبالُ البُتْرِ أو مُطِر القليبُ هكذا رواه أبو علي ﵀ البتر بالباء المعجمة بواحدة المضمومة. والتاء المعجمة باثنتين، وهذا غير معروف. ورواه غيره: جبال البثر بالباء المفتوحة والثاء المثلثة. والبثر: ماء معروف بذات عرق؛ قال أبو جندب: إلي أنَّا نُسَاقُ وقد بلغنا ... ظِماءً عَن سُمَيحَةَ ماءَ بَثْرِ * * * وفي " ص ٥٥ س ١٦ " وأنشد أبو علي ﵀ لذي الرمة: إذا نُتِجَتْ منها المَهَارَى تَشَابَهَتْ ... على العُوذِ إلاّ بالأُنُوفِ سَلاَئِلُه الشعر في صفة فحل على ما يأتي ذكره؛ وصحة إنشاده: إذا نتجت منه المهارى، وأيضا فإنه لا يقال: نتج من الناقة كذا؛ إنما يقال في الفحل، لأن الناقة منه نتجت؛ وصلة هذا البيت: خِدَبُّ الشَّوَى لم يَعْد في آلِ مُخِلفٍ ... أَنِ احْضَرَّ أوْ زَمّ بالأنف بازُله ومضى في صفة هذا البعير ثم قال: سواءٌ على ربّ العشارِ الذي له ... أَجِنَّتُها سُقبانُه وحَوائِلُه إذا نُتِجَتْ منها المَهَارَى تَشَابَهَتْ ... على العُوذِ إلاّ بالأُنُوفِ سَلاَئِلُه

стр. 21

قوله: خدب الشوى: أي ضخم القوائم عظيمها. وأراد لم يعد أن طلع بازله، وهو في شخص مخلف. والآل: الشخص، فقدَّم وأخرَّ. والمخلف: الذي أَتى عليه حولٌ بعد البزول. وقوله: زمّ بالأنف، يريد حين ارتفع، وهذه استعارة؛ ولذلك يقال للمتكبر: زمَّ بأنفه كأنه طمح برأسه والناب إذا طلع يكون أخضر كأنه ورقة آسٍ؛ قال أبو النجم: ثم قال: هذا البعير كريم النسل، فسواء على ربه أأذكر أم آنث. والحائل: الأنثى من أولاد الإبل. * * * وفي " ص ٦٤ س ٧ " وانشد أبو علي ﵀ لرؤبة: وطامِحِ النَّخْوةِ مُسْتَكِتِّ ... طَأطأَ من شَيْطانه التَّعَتِّي هكذا أنشده، ولا يستقيم ذلك ولا يصحّ؛ وإنما صحّة إنشاده: طَأطَأَ من شيطانه المُعَتِّي وبعده: صَكِّى عَرانِينَ العِدَى وصَتِّى ... حتَّى تَرَى البَيِّنَ كالأَرَتِّ المعتى: العاتي، يقال: عَتَى وعَتَّى فهو معت؛ وفاعل طأطأ قوله: صكى عرانين العدى. قال الأصمعي: الصَّتُّ: الصك، ولا يُصرف. وقال غيره: الصَّتُّ والصَّتيت: الجلبة والصياح؛ وقيل: الصت: الدفع؛ وقيل: هو الضرب باليد. وقال الأصمعي: المستكتُّ: العظيم في نفسه؛ وقيل هو الغضبان. ولرواية أبي علي ﵀ وجيه مخرج عليه، وهو أنه أراد ذي التعتي فحذف. * * * وفي " ص ٦٨ س ١٦ " وقال أبو علي ﵀: دخل الأحوص على يزيد بن عبد الملك، فقال له يزيد: لو لم تمت إلينا بحرمة، ولا جددت لنا مدحا، غير أنك مقتصر على بيتيك فينا لاستوجبت عندنا جزيل الصلة؛ ثم أنشد يزيد:

стр. 22

وإنِّي لأسْتَحْيِيكُمُ أن يَقُودَني ... إلى غَيركم من سائر الناس مَطمَعُ وأَن أَجْتَدِي للنفع غَيرَك منهُمُ ... وأنتَ إمامٌ للبرّية مَقنَعُ إنما قال الأحوص هذا الشعر في عمر بن عبد العزيز لا في يزيد بن عبد الملك. * * * وفي " ص ٦٨ س ٢٣ " وأنشد أبو علي ﵀: إنِّي رأيتُكَ كالوَرْقَاءِ يُوحِشُها ... قُرْبَ الألِيف وتَغشَاه إذا نُحِرَا قال: والورقاء: ذئبة تنفر من الذئب وهو حيٌّ، وتغشاه إذا رأت به الدم. لا أعلم أحدا أنشد هذا البيت إلا أبا علي. والتفسير الذي ذكره خلاف المعهود في ذكران الحيوان وإناثه. وكيف يُسمى أليفل من يوحش قربه! وإنما الأليف من يوحش بعده ويؤنس قربه؛ والمحفوظ في هذا ما رواه ثعلب عن ابن الأعرابي عن أبي المكارم ﵏: أن الذئاب إذا رأت ذئباً قد عُقر وظهر دمه أكبّت عليه تقطعه وتمزقه؛ وأنثاه معها تصنع كصنيعها؛ وأنشد للعجاج: ولا تكُونِي يا بَنةَ الأَشمِّ ... ورقاءَ دَمَّي ذِئبَها المُدَمِّى يقول لامرأته: إذا رأيت الناس قد ظلموني فلا تكوني علي معهم كما تفعل هذه الذئبة بذكرها؛ وقال الفرزدق: وكنتَ كذئب السوءِ لمَّا رأى دماً ... بصاحبه يَوماً أحالَ على الدَّمِ وقال العجير السَّلولي: فَتًى ليس لابن العَمّ كالذئب إن رأى ... بصاحبه يَوماً دَماً فهو آكِلُه

стр. 23

* * * وفي " ص ٧٥ س ٢١ " وأنشد أبو علي ﵀ لسوّار: ونحنُ حَزَزنا الحَوْفَزَانَ بطعنةٍ ... سَقَتْه نَجِيعا من دم الجَوْف أَحمرَا هذا وهم من أبي علي؛ وإنما هو: سقته نجيعا من دم الجوف أَشكُلا وبعده: وحُمْرانَ قَيسٍ أنزلْتُه رِماحُنا ... فعالَج غُلاًّ في ذِراعَيْه مُقَفَلا قَضى اللهُ أنَّا يوم تُقْتَسمُ العُلا ... أحقُّ بها منكم فأعطى وأفضلا يقول هذا الشعر سوَّار بن حبان المنقري، وهو شاعر جاهلي إسلامي في يوم جدود. وحمران الذي ذكر هو حمران بن عبد عمرو بن بشر بن مرثد. * * * وفي " ص ٧٧ س ٦ " وأنشد أبو علي لأيمن بن خزيم شعراً أوله: وصَهباءَ جُرجَانّيةٍ لم يَطُفْ بها ... حَنِيفٌ ولم تَنْغَر بها ساعةً قِدْرُ هذا الشعر للأقيشر؛ كذلك ذكر ابن قتيبة والأصبهاني. وهو ثابت في ديوان الأُقيشر؛ والأُقيشر لقب غلب عليه، لأنه كان أحمر أقشر. واسمه المغيرة بن عبد الله بن معرض من بني أسد بن خزيمة

стр. 24

يُكنى أبا مُعرِّض شاعر إسلامي؛ فأما أيمن فهو أيمن بن خُزيم بن الأخرم ابن شداد بن عمرو بن فاتك الأسدي. وخريم له صحبة، وهو ممن اعتزل الجمل وصفين وما بعدهما من الأحداث. وكان أيمن فارساً شريفاً، وكان يتشيع وكان به وضح، وفي هذا الشعر: أتاني بها يحيى وقد نمتُ نَومةً ... وقد غابت الشِّعْرَى وقد جنح النَّسرُ هكذا رواه أبو علي ﵀ وهي رواية مختلة لا تصحُّ؛ وإنما صحَّةُ إنشاده: وقد غابت الشعرى وقد طلع النسرُ لأن الشعرى العبور إذا كانت في أُفق المغرب، كان النسر الواقع طالعاً من أفق المغرب؛ وكان النسر الواقع حينئذ غير مُكبِّد، فكيف يكون جانحا؛ وكان النسر الطائر حينئذ في أفق المشرق طالعاً على نحو سبع درجات أيضا؛ فكان النسر الواقع نظير الشعرى العبور؛ قال الشاعر: فإنِّي وعبدَ الله بَعدَ اجتماعنا ... لكالنَّسر والشِّعرَى بشَرْقٍ ومَغْرِبِ يلوحُ إذا غابَتْ من الشرق شَخصُه ... وإن تَلُحِ الشعرى له يَتَغَيَّبِ وقال أبو نؤاس: وخَمَّارَةٍ نبَّهتُها بعدَ هجعَةٍ ... وقد لاَحَتِ الشعرى وقد جَنَحَ النَّسرُ فقالت مَن الطُّرَّاقُ قلنا عصابَةٌ ... خِفَافُ الأدَاوَى تُبْتَغَي لهمُ الخَمرُ

стр. 25

ويروى: وخمارة نبهتها بعد هجعة ... وقد لاحت الجوزاء وانغمس النسر لأن الشعرى العبور تلو الجوزاء؛ ولذلك سُميِّت كلب الجبار؛ والجبار: اسم للجوزاء. * * * وفي " ص ٨٠ س ١٩ " وأنشد أبو علي ﵀ لسلمى بن ربيعة: حَلَّتْ تُماضِر غُرَبةً فاحْتَلَّتِ ... فَلْجاً وأهْلُك باللِّوَى فالحَلَّتِ فكأنَّ في العينين حَبَّ قَرَنْفُلٍ ... أو سُنْبُلاً كُحِلَت به فانْهَلتِ الأبيات هكذا روى عن أبي علي ﵀ سلمي بفتح السين والميم، ولم تختلف الرواة أن اسم هذا الشاعر سُلمى بضم السين وكسر الميم وتشديد الياء. وهو سلمي بن ربيعة بن زبان بن عامر من بني ضبة، شاعر جاهلي. وابناه: أُني وعوية، شاعران. وفلج: وادٍ بطريق البصرة إلى مكة. والحلة بفتح الحاء: موضع حزن وصخور متصل رملٍ بجلدٍ في بلاد بني ضبّة. وروى أبو تمام البيت الثاني: فكأنَّ في العينين حَبَّ قَرَنْفُلٍ ... كُحِلت به أو سُنْبُلاً فانْهَلَّتِ وهي أحسن من رواية أبي علي ﵀ لأنه يلزمه على روايته أن يقول: كُحلت بهما. فأما قوله: فكأن في العينين.. ثم قال: كُحلت ولم يقل: كُحلتا ولا انهلتا، فلأن الشيئين إذا اصطحبا وقام كلّ واحد منهما مقام صاحبه، جرى كثيراً عليهما ما يجري على الواحد؛ كما قال الراجز: لَمِنْ زُحلُوفةٌ زُلُّ ... بها العَيْنان تَنْهَلُّ

стр. 26

ولم يقل: تنهلان؛ وقال الفرزدق: ولو بَخِلَت يدايَ بها وضَنَّتْ ... لكان عَليَّ للقَدَر الخِيَارُ والتزم هذا الشاعر اللام قبل التاء في جميع هذه الأبيات وليست بواجبة، لأن حرف الروي إنما هو التاء؛ وقد يلتزم المدلُّ ما لا يجب عليه ثقةً بنفسه وشجاعة في لفظه وذلك موجود كثير. * * * وفي " ص ٩١ س ٧ " وأنشد أبو علي ﵀ لرجل من بني تميم: ولمّا رأينَ بني عاصِم ... دَعَوْن الذي كُنَّ أُنْسِينَهُ فَوارَيْنَ ما كنّ حَسَّرْنَهُ ... وأخْفَيْنَ ما كُنَّ يُبْدِينَهُ وقال أبو علي ﵀: يصف نساء سُبين فأُنسين الحياء فأبدين وجوههن وحسرن رءوسهن، فلما رأين بني عاصم أيقنّ أنهن قد استنقذن فراجعن حياءهن. إنما رواه العلماء: ولمّا رأينَ بني عاصِم ... ذكرنَ الذي كُنَّ أُنْسِينَهُ وهذه الرواية أشبه بتفسير أبي علي وقوله راجعن حياءهن؛ ولا مدخل للدعاء هاهنا، ولا هناك مدعوٌّ يدعى. وفي هذه الرواية مع صحَّة معناها الصناعة التي تُسمى المطابقة. وهذا التميمي الذي أنشد له الشعر، وهو ذو الخرق الطهوي؛ ومثله في المعنى قول رجل من بني عجل: ويومٍ يُبِيلُ النساءَ الدِّماء ... جَعَلْتَ رِداءك فيه خِمارا ففرَّجتَ عنهن ما يتَّقِين ... وكنت المحَامِيَ والمُستَجارا

стр. 27

الرداء هنا: السيف. يقول: استنقذهن بسيفه، فكأنه قد وضع به خمراً على رءوسهن، لأنهنّ كنَّ مكشفات الرءوس فاختمرن. ويبيل الدماء، أي يسقط الحبالى أجنتهن فيسيل دماءهن؛ وقال باعث بن صريم اليشكري في مثله: وخِمارِ غانِيَةٍ شَدَدْتُ برأسها ... أُصُلاً وكان مُنشّراً بشِمالها وعَقِيلةٍ يَسعَى عليها قَيِّمٌ ... مُتَغَطرِسٌ أَبْدَيْتُ عن خَلْخالها فقوله: " وخمار غانية شددت برأسها " كقول الأول: " فستَّرن ما كنّ حسَّرنه " وقوله: ".......وكان منشراً بشمالها " إن قيل: لِمَ خصَّ الشمال دون اليمين؟ فالجواب أن اليمين هي التي يستعان بها في العدو، وتُخلى للدفع والذبّ، وهي في ذلك كله أقوى من الشمال: فشمرة الساعي الناجي وحمله لشيء إن حمل إنما يكون بشماله. وهذه المرأة لما شمّرت للهرب حملت خمارها بشمالها. وقوله: أبديت عن خلخالها، أي أغرت على حيِّها فأحوجتها إلى رفع ذيلها. والتشمير: للهرب والفرار؛ وهذا كما قال الآخر: لعَمري لَنعمَ الحيُّ حَيُّ بني كَعبٍ ... إذا نَزَلَ الخلخالُ مَنْزِلةَ القُلْبِ أي إذا شمرن للسعي فبدت خلاخيلهن كما تبدو أسورتهن. وقيل: إنه أراد تخففت للنجاء فوضعت خلخالها في يدها كما فعلت تلك بخمارها. وقيل: إنه أشار إلى الدَّهش والحيرة فرقاً، فلم تتجه للبس خلخالها ولا علمت موضعه من موضع سوارها. * * * وفي " ص ١٠٢ س ١٣ " قال أبو علي ﵀: العرب تقول: " لا والذي أخرج قابية من قوبٍ " يعنون فرخا من بيضة.

стр. 28

قلب أبو علي ﵀ مذهب العرب؛ وإنما يقولون: " لا والذي أخرج قوباً من قابية " أي فرخا من بيضة. فالقوب: الفرخ والقابية: البيضة؛ وإنما لبس على أبي علي ﵀ قولهم: " تخلصت قابية من قوب " وهو مثل من أمثالهم، أي تخلصت بيضة من فرخ. وأصل هذا من قولهم: تقوَّب الشيء إذا تقلع وانفطر، وقوَّبته تقويباً. ومنه اشتقاق القوباء لتقلع الجلد عنها. * * * وفي " ص ١٠٣ س ٧ " قال أبو علي ﵀: قال الله ﵎: (وَإذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا) أي كثَّرنا. وقال أبو عبيدة ﵀: يقال: خير المال سكة مأبورة، ومهرة مأمورة؛ فالمأمورة: الكثيرة الولد من آمرها الله، أي كثّرها. وكان ينبغي أن يقال: مؤمرة؛ ولكنه أُتبع مأبورة. والسِّكَّة: السَّطر من النخل، وقال الأصمعي ﵀: السِّكَّة: الحديدة التي تُفلح بها الأرضون. والمأبورة: المصلحة، يقال: أبرت النخل آبره أبراً إذا لقَّحته وأصلحته. قال: وقد قرئ: (أَمَّرْنا مُتْرَفيها) على مثال فعَّلْنا. هذا كلام من يعتقد أن القراءة المشهورة آمرنا بالمدّ، وأنّ أمرنا بالقصر شاذَّة. ولا اختلاف بين الأئمة السبعة - رضوان الله عليهم - في قراءتها أمرنا بالقصر على مثال فعلنا. وهذه هي القراءة المقدمة والأصل. ويقال في غيرها من الشواذّ: وقد قرئ كذا. ومعنى قراءة الجماعة: أمرناهم بالطاعة ففسقوا، كما تقول: أمرتك فعصيتني؛ وقد عُلم أن الله سبحانه لا يأمر إلا بالعدل والإحسان، كما قال تعالى في مُحكم كتابه. وقيل: معنى أَمرنا وآمرنا واحد، أي كثرنا؛ وقد أورد ذلك أبو علي إثر هذا عن ابن كيسان - رحمهما الله - وهو مروي عن جلة اللغويين، والشاهد لصحته قول النبي ﷺ الذي نسبه أبو علي إلى أبو عبيدة - رحمهما الله - ولا ينبغي لعالم أن يجهل مثل هذا؛ وذلك قوله: " خير المال سكة مأبورة ومُهرة مأمورة " وحمل حديث النبي عليه أفضل السلام على هذه اللغة الفصيحة أولى من حمله على أنه أراد أن يتبعه ما قبله، لأنه لم يكن من المتكلفين ﷺ . وقراءة الجماعة هي المروية عن الصحابة والتابعين - رضي الله

стр. 29

عنهم - إلا الحسن ﵁ فإنه قرأ آمرنا بالمدّ. وكذلك قرأ الأعرج إلا أبا العالية الرياحي - رحمهما الله - فإنه قرأ أمرنا بالتشديد. ورويت عن علي بن أبي طالب ﵁. وهذه القراءة تحتمل وجهين: أحدهما أن يكون المعنى: جعلنا لهم إمرة وسلطانا. والآخر: أن يكون المعنى كثرنا، فيكون بمعنى آمرنا وبمعنى أمّرنا على أحد الوجهين. قال الكسائي ﵀: ويحتمل أن يكون أمرنا بالتخفيف غير ممدودة بمعنى أمّرنا بالتشديد من الإمارة، فكانت هذه القراءة الاختيار لما اجتمعت فيها المعاني الثلاثة. ومترفوها: فُسَّاقها. وقيل: جبابرتها. * * * وفي " ص ١٠٦ س ٤ " قال أبو علي ﵀: إن أصل المثل في قولهم: " سبق السيف العذل " للحارث بن ظالم. إنما أصل المثل لضبة بن أُدٍّ، والمقتول الحارث بن كعبٍ في خبر مشهور ذكره غير واحد؛ وذلك أن ضبة كان له ابنان: سعد وسعيد، خرجا في بغاء إبل، فكان ضبة كلما رأى شخصا قال: أسعد أم سعيد؟ فرجع سعد، ولم يرجع سعيد؛ فبينما ضبة يسير مع الحارث بن كعب في الشهر الحرام، قال له الحارث: إني قتلت في هذا المكان فتى من هيئته كذا، وهذا سيفه، فقال له ضبة: ناولني إياه، فناوله؛ فقال ضبة: " الحديث ذو شجون " فأرسلها مثلاً وضربه به حتى برد، وليم في قتله في الشهر الحرام فقال: " سبق السيف العذل ". وضبة كلها ترجع إلى سعد. وكان لضبة ابن ثالث يُسمَّى: باسلاً، وهو أبو الديلم. * * * وفي " ص ١٠٧ س ٣ " وأنشد أبو علي ﵀ للأضبط بن قريع: لِكُلِّ أمرٍ من الأُمور سَعَهْ ... والصُّبْحُ والمُسْيُ لا فَلاحَ مَعَهْ وهي أبيات منها: وصِلْ حِبالَ البعيدِ إن وَصَلَ الحَبْلَ وأَقْصِ القريبَ إن قَطَعَهْ

стр. 30

قال أبو علي: قال أبو العباس ثعلب: وكان الأصمعي ﵏ ينشده: فصِلَنّ البَعِيدَ إن وَصل الحَبْلَ هذا الإنشاد الذي نسبه إلى الأصمعي ﵀ لا يجوز، لأن البيت يكون حينئذ من العروض الخفيف، والشعر من المنسرح، والأصمعي لا يجهل ذلك. * * * وفي " ص ١١٠ س ٨و٩ " وأنشد أبو علي ﵀ لرجل من خزاعة: قد كُنْتُ أَفْزَعُ للبيضاء أُبْصِرها ... من شَعر رَأسِي فقد أَيِقَنْت بالبَلَقِ ألآن حينَ خَضَبْتُ الرأسَ زَايَلَنِي ... ما كنتُ ألْتَذُّ من عَيْشي ومن خُلُقيِ وهي أبيات هذا الشعر لأبي الأسود الدؤلي. والدئل من كنانة لا من خزاعة. وكذلك أنشده محمد بن يزيد ﵀ وغيره لأبي الأسود ﵀ وهو ثابت في ديوان شعره. والرواية الجيدة في البيت الأول: قد كنتُ أرتاعُ للبيضاء في خَلَدٍ ... فالآنَ أرتاعُ للسوداء في يَقَقِ أخذ هذا المعنى أبو تمام ﵀ فقال: شَابَ رأسِي وما رأيتُ مَشِيبَ الرأسِ ... إلاّ من فَضْل شَيْبِ الفؤادِ طَالَ إنكارِيَ البياضَ وإن عُمِّرتُ ... شيئا أنكرتُ لَونَ السَّوادِ وحسَّنه أبو الطيب ﵀ فقال: رَاعَتْكِ راعيَةُ البياضِ بعارِضِي ... ولَوَ أنّها الأُولَى لَرَاعَ الأَسْحَمُ لو كان يُمكِنُني سَفَرتُ عن الصِّبا ... فالشِّيبُ من قَبل الأوانِ تَلَثَّمُ قال سيبويه ﵀ الدئل في كنانة على وزن فُعل. وهو مثال عزيز. والدؤل في حنيفة. والدِّيل في عبد القيس.

стр. 31

* * * وفي " ص ١١٤ س ٦ " وأنشد أبو علي ﵀: قرِيبٌ ثَراهُ لا ينال عَدُوُّه ... له نَبَطاً عندَ الهَوَانِ قَطُوبُ هذا البيت لكعب بن سعد الغنوي. وقد أنشد أبو علي ﵀ القصيدة بكمالها بعد هذا؛ وروايته في هذا محالة مردودة. والصحيح: " ... آبى الهوان قطوب " لأنه إذا قال عند الهوان قطوب قد أثبت أنه مهان مدال؛ وأنه يقطِّب عند نزول ذلك به. وهم يقولون في مديح الرجل: هو " آبي الضيم " و " آبى الهوان "، ولذلك قالوا: " رجل أبيٌّ "، وقال معبد بن علقمة: فَقُل لِزُهَيرٍ إن شَتَمْتَ سَرَاتنا ... فَلسْنا بشَتَّامِين للمُتَشَمتَّمِ ولكنّنا نأبىَ الظلامَ ونَعتَصِي ... بكُلِّ رقِيق الشَّفَرَتينِ مُصَمِّمِ وتَجهَلُ أَيدِينَا ويَحلمُ رأيُنا ... ونَشتِمُ بالأفعالِ لا بالتَّكلُّمِ * * * وفي " ص ١١٦ س ١١ " وأنشد أبو علي ﵀ غير منسوب في خبر ذكره عن الأصمعي ﵀: أحَقاًّ عبادَ الله أن لَسْتُ ناظِراً ... إلى قَرْقَرَي يَوْماً وأعلامِها الغُبْرِ كأنَّ فؤادِي كلما مرَّ راكبٌ ... جَنَاحُ غُرابٍ رام نَهْضاً إلى وَكْرِ إذا ارْتَحَلَتْ نحوَ اليمامة رُفْقَةٌ ... دعاك الهوى واهتاجَ قَلْبُك للذِّكْرِ فيا راكبَ الوَجْناء أُبْتَ مُسَلَّماً ... ولا زِلْتَ من رَيْب الحوادث في سِتْرِ

стр. 32

إذا ما أتَيْتَ العِرْض فاهْتِف بِجَوِّهِ ... سُقِيتَ على شَحْطِ النَّوَى سَبَلَ القَطْرِ فإنك من وادٍ إليَّ مُرَجَّبٌ ... وإن كنتَ لا تُزْدارُ إلاَّ على عُفْرِ خلَّط أبو علي ﵀ في هذا الشعر، وهو من شعرين مختلفين لرجلين؛ فثلاثة الأبيات منه ليحيى بن طالب على ما أنا ذاكره. وثلاثة الأبيات منه لقيس بن معاذ. وكان يحيى بن طالب الحنفيُّ سخيًّا يقري الأضياف، فركبه الدَّين الفادح فجلا عن اليمامة إلى بغداد يسأل السلطان قضاء دينه، فأراد من أهل اليمامة الشخوص من بغداد إلى اليمامة فشيَّعه يحيى، فلما جلس الرجل في الزورق ذرفت عينا يحيى وأنشأ يقول: أحَقاًّ عبادَ الله أن لَسْتُ ناظِراً ... إلى قَرْقَرَي يَوْماً وأعلامِها الخُضْرِ هكذا صحة إنشاده، وأعلامها الخضر لا الغبر، كما أنشده أبو علي ﵀ وكيف يحن إلى أوطان يصفها بالجدب والغبرار! إذا ارْتَحَلَتْ نحوَ اليمامة رُفْقَةٌ ... دعاك الهوى واهتاجَ قلبُك للذِّكرِ كأنّ فؤادِي كُلّما مرّ راكبٌ ... جَنَاحُ غُرَبٍ رام نَهْضاً إلى وَكْرِ فيا حَزَنا ماذا أجِنُّ من الهوى ... ومِن مُضمَرِ الشَّوق الدَّخِيلِ إلى حَجْرِ تَعَزَّيتُ عنها كارِهاً فتركتُها ... وكان فرَاقِيها أمرَّ من الصَّبْرِ أقولُ لموسى والدموعُ كأنّها ... جَدَاوِلُ ماءٍ في مَسَارِبها تَجْرِي ألا هل لشَيخٍ وابنِ ستِّين حِجَّةً ... بكى طرباً نحو اليمامة من عُذرِ وقد ذكر أبو علي ﵀ خبر يحيى هذا وأنشد له هذا الشعر، ولكنه نسي، ولولا نسيانه لاعتذر. وهكذا صحة اتصال أبيات شعره لا كما وصلها أبو علي ﵀. وأما أبيات قيس بن معاذ فإنها: أيا راكبَ الوَجْناء أُبْتَ مُسَلَّماً ... ولا زِلْتَ من رَيْب الحوادث في سِتْرِ

стр. 33

إذا ما أتَيْتَ العِرْض فاهْتِف بِجَوِّهِ ... سُقِيتَ على شَحْطِ النَّوَى سَبَلَ القَطْرِ فإنك من وادٍ إليَّ مُرَجَّبٌ ... وإن كنتَ لا تُزْدارُ إلاَّ على عُفْرِ لَعَلَّ الذي يقضي الأمورَ بعلمه ... سَيَصِرِفُني يَوماً إليه على قَدْرِ فَتَرْقأَ عينٌ ما تَمَلَّ من البُكا ... ويَسكنَ قلبٌ ما يُنَهْنَهُ بالزَّجْرِ وقيس بن معاذ هذا: هو مجنون بني عامر؛ هذا قول أبي اليقظان. وقال غيره: هو قيس بن الملوح. وقيل: إنه معاذ، والملوح لقب له. وقال أبو عبيدة: اسم مجنون بني عامر البختري بن الجعد. وقال أبو العالية: اسمه الأقرع بن معاذ. وقال أبو الفرج: الصحيح أنه بن مُرّ بن قيس بن عدس أحد بني كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. * * * وفي " ص ١١٩ س ١١ " وأنشد أبو علي ﵀: حَمْراءُ من مُعَرِّضات الغِرْبانْ ... يَقْدُمُها كُلُّ عَلاةٍ عِلْيَان أخَّر أبو علي ﵀ الشطر المتقدم فاستحال معناهما؛ لو كانت هذه الناقة التي هي من معرضات الغربان تقدمها كل علاة عليان لم تكن هي من معرضات الغربان، لأنها تكون حينئذ متأخرة. وهذا الرجز لرجل من غطفان؛ قال - وذكر رفقة -: يَقْدُمُها كلُّ عَلاَةٍ عِلْيان ... حَمْراءُ من مُعَرِّضات الغِرْبان يقدمها: يعني الرفقة. والعلاة: الشديدة الصلبة، مشبهة بالعلاة وهو السندان: والعليان: المشرفة. والحمر: أجلد الإبل. والمعرضات: التي تقدم الإبل فتقع الغربان عليها فتأكل مما تحمله،

стр. 34

إذ ليس هناك من يطردها لبُعد الحادي عنها، فكأنها قد أهدت إلى الغربان العراضة، وهي الهدية على ما ذكره أبو علي ﵀ قد زاد في تخصيصها بعض اللغويين فقال: العراضة: هدية القادم خاصة. والحذيا: هدية المبشر خاصة؛ وأنشد أبو العباس ﵀ في هذا المعنى: قَد قُلتُ قولا للغراب إذ حَجَلْ ... عليك بالقُودِ المسَانِيفِ الأُوَلْ تَغّذ ما شئتَ على غير عَجَلْ ... التمر في البئر وفي ظَهر الجَملْ قال أبو العباس: سألت ابن الأعرابي - رحمهما الله - أي شيء يقول؟ قال: يقول: يا غراب، إن أفنيت ما عليها من التمر، فإن الماء إذا استقى من البئر على ظهر الجمل خرج الرُّطب وجاء التمر. * * * في " ص ١٢٤ س ١٤ " وأنشد أبو علي ﵀: رَفَعْنا الخُمُوش عن وُجُوه نسائِنا ... إلى نِسْوةٍ منهم فأبْدَيْنَ مِجْلَدَا وقال: قال أحمد بن يحيى ﵀: هذا رجل قتل من قومه قتلى فكان نساؤه يخمشن وجوههن عليهم، فأصابوا بعد ذلك منهم قتلى، فصار نساء الآخرين يخمشن وجوههن عليهم. يقول: لما قتلنا منهم قتلى بعد القتلى الذين قتلوا منا حوَّلنا الخموش عن وجوه نسائنا إلى وجوه نسائهم. قال: وهذا مثل قول عمرو بن معد يكرب: عَجَّتْ نساءُ بني زُبَيُدٍ عَجَّةً ... كَعجِيجِ نِسْوَتِنا غَداةَ الأرْنَب قال: العجة: الصوت. والأرنب: موضع. انتهى ما ذكره أبو علي ﵀. البيت الذي أنشد لعمرو بن معد يكرب مغيَّر لا يصحّ، لأن عمراً زبيدي من بني زبيد بن الصعب بن سعد بن مذحج، فكيف يقول: عجَّت نساء بني زبيد عجَّة كعجيج نسوتنا. ونساء بني زبيد هنَّ نساؤه؛ وإنما هو: عجَّت نساءُ بني زياد. وبنو زياد: بطنٌ من بلحارث ابن كعب. وكان من خبر هذا الشعر أن جرما ونهداً كانتا في بني الحارث مجاورتين، فقتلت جرم رجلا من أشراف بني الحارث يقال له: معاذ بن يزيد، فارتحلوا فتحوالوا في بني زبيد رهط عمرو، فخرجت

стр. 35

بن الحارث يطلبون بدمهم ومعهم جيرانهم بنو نهد، فعبَّى عمرو جرما لبني نهد؛ وتعبَّى هو وقومه ابني الحارث؛ فزعموا أن جرما كرهت دماء بني نهد فانهزمت وفُلَّت يومئذ زبيد؛ ففي ذلك يقول عمرو يلوم جرماً: لَحَا الله جَرْماً كلّما ذَرَّ شارِقٌ ... وُجوهَ كلابٍ هارَشَتْ فازْبَأَرَّتِ فلم تُغْنِ جَرْمٌ نَهدَها إذ تلاقَتَا ... ولكنّ جَرْماً في اللِّقاء ابْذَعَرَّتِ فلو أَنّ قومي انطقَتْنِي رماحُهم ... نَطَقتُ ولكنّ الرِّماحَ أَجَرَّتِ ثم إن عمراً غزا بني الحارث فأصاب فيهم وانتصف منهم وقال: لمّا رَأَوْنِي في الكَتِيفَة مُقِبلا ... وسَطَ الكَتِيبة مثلَ ضَوء الكوكبِ واُستيقَنُوا منَّا بوَقع صادقٍ ... هَرَبُوا وليس أَوانَ ساعةِ مهربِ عَجّت نساءُ بني زيادٍ عَجَّةً ... كعَجِيج نِسْوَتنا غَداةَ الأرنبِ هكذا رواه الطوسي وغيره. وقد رأيت أبا جعفر محمد بن حبيب البصري أدرج هذا البيت في خبر ذكره فقال: لما جاء نعي الحسين ﵁ ومن كان معه قال مروان: " يوم بيوم الحفض المجور " أي يوم بيوم عثمان ﵁ ثم تمثل بقول الأسدي: عجَّت نساءُ بني زُبَيدٍ عَجَّةً ... كعَجِيج نِسْوَتنا غَداةَ الأرنَبِ قال: وهذا يوم كان بين بني أسد وبين بني الحارث بن كعب ونهد وجرم، فانتفجت لبني الحارث يومئذ أرنب، فتفاءلوا وقالوا: ظفرنا بهم: فظفروا؛ ثم انتصف منهم بنو أسد فقال الأسدي هذا

стр. 36

الشعر. وهذا هو التفسير الصحيح في قوله: " غداة الأرنب " لا ما ذكره أبو علي ﵀ لأنه لا يعرف موضع يقال له أرنب ولا يحفظ البتة، وإنما هو يوم الأرنب، سمي بهذه الأرنب التي انتفجت لهم. ولا يصح إنشاده: عجت نساء بني زُبيد ... إذا نُسب إلى عمرو أصلاً؛ إلا أن يكون البيت للأسدي كما قال ابن حبيب، وعمرو أولى به، والأثبت أنه له؛ فلينشد: عجت نساء بني زياد.. كما ذكرناه بدءاً. * * * وفي " ص ١٢٦ س ١٢ " وأنشد أبو علي ﵀ لمرضاوي بن سعرة المهري في خبر ذكره شعراً منه: فَسَمَتْ رجالُ بني أبِيهم بينهم ... جُرَعَ الرَّدَى بمَخَارِصٍ وقَوَاضِب قال أبو علي ﵀ المخارص واحدها مخرص، وهو سكين كبير شبه المنجل يُقطع به الشجر. أيمدخل للمنجل مع القواضب وهي السيوف! وأي شجر هنا إلا قمم الرجال! وإنما المخارص هنا: الرماح، وهي الخرصان أيضا، واحد الخرصان خُرص وخِرص، وواحد المخارص مِخرض؛ قال حميد الأرقط: يَعَضُّ منها الظَّلِفُ الدَّئِيَّا ... عَضَّ الثِّقَافِ المِخْرَصَ الخطِّيَّا وقال امرؤ القيس في الخُرص: أَحْزَنَ لو أَسْهلَ أَخْزَيتُه ... بعامِلٍ في خُرص ذابِلِ يعني رمحا.

стр. 37

* * * وفي " ص ١٢٧ س ٦ " قال أبو علي ﵀: العرب تقول: " طلب الأبلق العقوق فلما فاته أراد بيض الانوق " فأتى به كلاماً منثوراً؛ وإنما يُحفظ للعرب بيتا موزونا. روى المدائني والهيثم بن عدي: أن رجلا أتى معاوية ﵁ وهو يخطب فقال: زوجني أُمك؛ فقال: الأمر لها وقد أبت أن تزوج؛ قال: فافرض لي ولقومي؛ فتمثل معاوية ﵁: طَلَبَ الأبلَقَ العَقُوقَ فلمَّا ... لم يَنَلْهُ أرادَ بَيضَ الأَنْوقِ ويُوضح لك أن المثل الذي أورده أبو علي ﵀ مُغيَّر من الموزون، قوله فيه: " أراد بيض الأنوق " لأن ضرورة الوزن حملت الشاعر أن يضع " أراد " مكان " طلب " ولولا ذلك لكان رجوع آخر الكلام على أوله أعدل لقسمته؛ ومع ذلك فإن الإرادة قد تكون مضمرة غير ظاهرة، والطلب لا يكون إلا ظاهراً بفعال أو مقال. وفي " ص ١٢٧ س ١٢ " قال أبو علي ﵀: الدَّفر: يكون في النتن والطيب، وهو حدَّة الريح. والدَّفر بفتح الفاء: لا يكون إلا في النتن؛ الفتح والإسكان فيه لغتان، وأعلاهما الإسكان.

стр. 38

ومن ذلك قولهم للدنيا: " أم دفر " بالإسكان، لم يُسمع فيه الفتح؛ وكلام أبي علي ﵀ كلام من يعتقد أنه لا يقال إلا بالفتح. * * * في " ص ١٣٠ س ٢١ " قال أبو علي ﵀ قال الأصمعي ﵀: من أمثالهم: " أينما أذهب ألق سعدا " قال: كان غاضب الأضبط بن قريع سعداً فجاور في غيرهم فآذوه. ذا خلاف ما ذكره العلماء: ابن الكلبي وأبو عبيد القاسم بن سلام - رحمهما الله - وغيرهما. قالوا: معنى هذا المثل: " أن سادات كل قوم يلقون من قومهم الذي هم دونهم في المنزلة مثل ما ألقى أنا من قومي من الحسد والمكروه " فهذا هو التفسير الصحيح، لأنَّ الأضبط كان سيد قومه ولم يلق من غيرهم مكروها. * * * وفي " ص ١٣٥ س ١٤ " وأنشد أبو علي ﵀ لقيس بن ذريح قصيدة منها: وما كادَ قَلْبِي بعدَ أيَّامَ جاوَزَتْ ... إليّ بأجراع الثُّدِيّ يَريِعُ هكذا رواه أبو علي ﵀ الثُّدي بكسر الدال على وزن جمع ثدى، وهذا غير محفوظ ولا معلوم؛ وإنما هو الثُّديّ بفتح الدال وهو وادٍ بتهامة. * * * وفي " ص ١٤٦ س ١٤ " أنشد أبو علي ﵀ لأبي صخر الهذلي قصيدة أولها: لِلَيْلَى بذاتِ الْجَيْش دارٌ عرَفتُها ... وأخرى بذاتِ البين آياتُها سَطْرُ كأنّهما مِ الآْنَ لم يتغيَّرا ... وقد مَرَّ للدارَين من بعدنا عَصْرُ وقفتُ بربعيها فَعَيَّ جوابُها ... فكِدتُ وعَيني دَمْعُها سَرِبٌ هَمْرُ ألا أيُّها الركبُ المُخِبُّونَ هل لكم ... بساكن أجْزَاعِ الحمَى بَعْدَنا خُبْرُ

стр. 39

هكذا رواه أبو علي ﵀: فكدت؛ وإنما صحة إنشاده وصوابه: فقُلتَ وعَيْنِي دمعُها سَرِبٌ هَمْرُ ألا أيها الركب........الخ. ولا وجه لرواية أبي علي ﵀ إلا على بعد، وهو حذف الجواب؛ كأنه أراد فكدت أهلك أو نحو ذلك؛ ورواية الناس ما أنبأتك به. وفي الشعر المذكور: خَلِيليَّ هل يَسْتَخبِر الرِّمثُ والغَضَا ... وطَلْح الكَدَا من بطن مَرَّان والسِّدُْ قال أبو علي: كذا أنشدناه أبو بكر بن الأنباري - رحمهما الله - كذا بفتح الكاف وقال: هو اسم موضع. قال أبو علي ﵀ وأحسبه أراد كداء فقصره للضرورة. قال: وأنشدناه أبو بكر بن دريد: كُدى بضم الكاف، قال: وهو جمع كُدية. سها أبو علي ﵀ في متن البيت وسها في شرحه، لأنه أنشده: خليليّ هل يستخبر الرمث بفتح الياء لم يختلف عنه في ذلك، والرمث لا يستخبر؛ وإنما هو، هل يُستخبر الرِّمث بضم الياء وفتح الباء، وقال في شرحه: أظنه أراد كداء فقصره للضرورة، وهذا لا يجوز، لأن كداء معرفة لا تدخلها الألف واللام، وكداء هي عرفة بعينها. وكُديٌّ: جبل قريب من كداء؛ قال الشاعر: أَقْفَرَتْ بعدَ عَبدِ شمسٍ كَدَاءُ ... فكُدَيٌّ فالرُّكنُ فالبطحاءُ * * * وفي " ص ١٥٠ س ٣ " وأنشد أبو علي ﵀: طِوَالُ الأيادِي والْحَوَادِي كأنّها ... سَمَاحِيجُ قُبٌّ طارَ عنها نُسَالُها قال أبو علي ﵀ والحوادي: الأرجل التي تتلو الأيدي وتتلوها. لا أعلم أحداً رواه إلا طوال الأيادي والهوادي بالهاء، أي المقادم؛ ولولا أن أبا علي ﵀ فسّر الحوادي لقيل إنه وهمٌ من الناقل، لأنَّ الأيدي إذا طالت طالتْ الأرجل لا محالة، إلا ما يذكر من خلق الزرافة،

стр. 40

فإن رجليها أقصر من يديها. وخلق الأرنب على خلاف ذلك، رجلاها أطول من يديهل. وأما الهوادي فقد تكون قصاراً مع طول القوائم. والهوادي هي التي توصف بالطول؛ قال طفيل: طِوَالُ الهَوادِي والمُتونُ صَلِيبَةٌ ... مَغَاوِيرُ فيها للأديب مُعَقَّبُ وهذا الشاعر يصف خيلا شبهها في طولها وارتفاعها بإبل سماحيج، أي طوال طار عنها نسالها لسمنها. وهذا البيت حجة في جمع اليد العضو على أيادٍ؛ وكذلك بيت القحيف: ومِن أَعجَبِ الدُّنيا إليَّ زُجاجَةٌ ... تَظَلُّ أيادِي المُنتَشِينَ بها فُتلاَ * * * وفي " ص ١٥٠ س ٧ و ٨ " وأنشد أبو علي ﵀: لو كنتَ من زَوْفَنَ أو بَنِيهَا ... قَبِيلةٍ قد عَظَّبَتْ أيدِيهَا مُعَوِّدِينَ الحفرَ حَفَّارِيهَا ... لقد حَفَرْتَ نُبْثَةً تُرْوِيهَا هكذا قرأه أبو علي ﵀ زوفن بالزاي؛ وإنما هو دوفن بالدال المهملة، وهو مشتقٌّ من الدَّفن؛ ذكر ذلك ابن دريد وابن ولاَّد - رحمهما الله - وغيرهما. ودوفن من ضبيعة بن ربيعة بن نزار، وهم رهط المتلمس الشاعر، ورهط الحارث بن عبد الله بن دوفن الأضجم سيد بني ضبيعة في الجاهلية، ولا نعرف في بطون العرب زوفن بالزاي، وهو تصحيف من ناقله لا شكّ فيه.
следующие страницы →