وذكر السيد كاظم اليزدي (١): «ان اليد امارة على ملكية الأعيان وهي أمارة ايضا على ملكية المنافع وعلى الحقوق كحق الاختصاص وحق الانتفاع وحق التحجير ونحو ذلك.» وذكر القرافي (٢) من فقهاء المالكية: «ان اليد عبارة عن القرب والاتصال وأعظمها ثياب الإنسان التي هي عليه ويليه البساط الذي هو جالس عليه والدابة التي هو راكبها ويليه الدابة التي هو سائقها أو قائدها ويليه الدار التي هو ساكنها.» وذكر الشيرازي (٣) من فقهاء الشافعية: «إذا تداعيا عينا نظرت فان كان لكل واحد منهما بينة نظرت فان كانت العين في يد أحدهما قضي لمن له اليد من غير يمين ومن أصحابنا من قال لا يقضى لصاحب اليد من غير يمين.
والمنصوص انه يقضى له من غير يمين لأن معه بينة معها ترجيح وهي اليد ومع الآخر بينة لا ترجيح معها والحجتان إذا تعارضتا ومع أحدهما ترجيح قضي بالتي معها الترجيح».
وذكر ابن المرتضى (٤): «بينة الداخل أرجح إذا اختصم رجلان في دابة وبيّن كل منهما انها نتجت عنده فحكم ﵌ لذي اليد.» وذكر ابن حزم (٥): «ان بينة من الشيء في يده غير مسموعة لأن الله تعالى لم يكلفه بينة إنما حكم الله على لسان رسوله ﵌ بأن البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه.»
стр. 247
والظاهر من كل هذه النصوص ان الشريعة الإسلامية تحترم اليد الحائزة وتجعلها امارة ظاهرة ودلالة راجحة على الملك.
وقد ورد من النصوص الشرعية ما يؤيد ذلك منها:
أولا - ما أورده السيد اليزدي (١) من خبر حفص بن غياث قال «أرأيت إذا رأيت في يد رجل شيئا أيجوز ان اشهد انه له؟ قال نعم الى ان قال ﵇: ولو لم يجز هذا لما قام للمسلمين سوق».
ثانيا - وكذلك ما ورد من الاخبار في تعارض البينات ويمكن ان يستدل ايضا بقوله ﵌: «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر أو واليمين على المدعى عليه. (٢)» وهذا الخبر واضح في الدلالة على احترام الشريعة الإسلامية لليد الحائزة وتكليف المدعي مؤنة الإثبات.
ثالثا - وقد استدل على احترام اليد بالإجماع (٣) وعلى ان الاتفاق منعقد على ان من كان في يده شيء من الأموال يكون له.».
رابعا - ومن وجوه اعتبارها واحترامها بناء العقلاء من جميع الملل والأمم سواء أكانوا من أهل الأديان أم لا على اعتبارها وكونها امارة على ملكية المال لمن في يده فإنهم لا يتوقفون في ترتيب آثار الملكية على ما في أيدي الناس ولا يفتشون عن ان هذا الذي بيده هل له أو لغيره أو مسروق أو مغصوب والشارع المقدس لم يردع عن هذه السيرة والبناء بل أمضاها.
стр. 248
المبحث الثاني:
الفرع الأول: عناصر الحيازة
الحيازة كما يظهر في القانون الروماني والقانونين المدني المصري والمدني العراقي تتكون من عنصرين أحدهما مادي والثاني معنوي. على ان هناك خلافا في تحديد المراد بكلا العنصرين: وسنتبين ذلك على التوالي:
ففي القانون الروماني ذكر عبد السلام ترمانيني (١): «أن الحيازة تتكون من عنصرين: مادي وهو حيازة الشيء وممارسة سلطة فعلية عليه، ومعنوي وهو نية الحائز في ان يظهر بمظهر المالك فمن توفر في وضع يده هذان العنصر ان كان حائزا حقيقيا ووجب على البرينور حمايته ومن فقد العنصر المعنوي كان حائزا عرضيا ولا يستفيد من حماية البرينور.» أما في التقنين المدني المصري فقد جاء في المذكرة الايضاحية للمشروع التمهيدي للتقنين (٢) المدني: «وللحيازة بعد توافر شروطها عنصران:
عنصر مادي هو السيطرة المادية وعنصر معنوي هو نية استعمال حق من الحقوق وكما ان الحيازة لا تقوم على مجرد العنصر المادي دون العنصر المعنوي كذلك العكس».
وقد شرح الأستاذ السنهوري المراد بالعنصر المادية قائلا: «انه السيطرة المادية وقد تتحقق ابتداء وقد تتحقق انتقالا من الغير وقد يباشر الشخص السيطرة بنفسه وهذا هو الأصل وقد يباشرها بواسطة الغير.
وتتحقق السيطرة المادية بأن يحرز الحائز الشيء بيده سواء كان هذا الشيء مملوكا للغير أم غير مملوك إحرازا ماديا ويباشر فيه من الأعمال المادية ما
стр. 249
يباشره المالك عادة في ملكه فإذا كان الشيء دارا مثلا دخل فيها واستحوذ عليها (١) وسكنها.» أما العنصر المعنوي: فقد اختلف فقهاء القانون في تحديده وهناك نظريتان:
النظرية الشخصية أو نظرية سافيني الذي يذهب الى ان العنصر المعنوي هو القصد أي قصد التملك أو استعمال الحق وهو عنصر اساسي. أما النظرية المادية أو نظرية اهرنج فهو يذهب الى ان مجرد السيطرة المادية يتضمن العنصر المعنوي وان المباشرة بالاستعمال دليل على ذلك القصد.
والظاهر ان التقنين المدني المصري سلك هنا مسلكا وسطا فاستفاد من كلا النظريتين كما ذكر السنهوري (٢) حيث أخذ من حيث المبدأ بالنظرية الشخصية فأوجب لقيام الحيازة توافر العنصر المعنوي وهو عنصر القصد أي نية استعمال حق من الحقوق كما تأثر تأثرا كبيرا بالنظرية المادية فمدّ الحيازة أخذا بهذه النظرية إلى الحقوق الشخصية ولم يقصرها على الحقوق العينية كما قصرتها النظرية الشخصية وقد أخذ أهم تطبيق عملي للنظرية المادية إذا حمى حيازة المستأجر بجميع دعاوي الحيازة.
وأشار السنهوري هنا في الهامش الى ان التقنيات في البلاد العربية قد اتجهت اتّجاه القانون المدني المصري.
الفرع الثاني: سوء النية وحسنها في الحيازة
ان حسن النية هو اعتقاد من يتلقى الحق انه يتلقاه عمن يملكه دون ان يخالجه في ملكيته شك، وسواء ان يكون الحق حق الملكية أو حقا عينيا
стр. 250
آخر أو حقا شخصيا، وإذا ما توافر حسن النية على هذا الوجه لم ينسب إلى الحائز سوء النية وعندئذ لا يقال فيه انه يعتدى على حق الغير لأن الحيازة لا تكون اعتداء إلا إذا كانت غصبا أو إكراها أو على وجه الخفاء والغموض.
وهذا التعريف لحسن النية يبدو انه مستخلص من النص القانوني (١) «يعد حسن النية من يجوز الحق وهو يجهل انه يعتدي على حق الغير إلا إذا كان الجهل ناشئا عن خطأ جسيم.» وهذا هو نص المادة: (٩٦٥) مدني مصري والمادة (٩٦٩) مدني ليبي أما المادة (١١٤٨) من القانون المدني العراقي فقد نصت: «يعد حسن النية من يجوز الشيء وهو يجهل انه يعتدي على حق الغير وحسن النية يفترض دائما ما لم يقم الدليل على خلاف ذلك».
وقد ذكر حامد مصطفى (٢) على ان المادة (١١٤٨) في عبارتها الأخيرة تنص على المبدأ العام في احترام الحيازة واعتبارها قرينة على وجود الحق فقالت: «يفترض حسن النية في الحيازة دائما ما لم يقم الدليل على خلاف ذلك وقد اقتبس المشرع هذا النص من المادة (٥٤١) من مشروع القانون الايطالي وهذا المبدأ وجداني عام يتفق مع قاعدة الأصل براءة الذمة ودرء الحدود هذا ما لم يثبت العكس وعلى من يعارض الحائز إثبات ذلك وذلك ما أقرته مجلة الأحكام العدلية بنصها على ان بينة الخارج اولى من دعوى الملك المطلق والمقيد.» ويعتبر الحائز سيء النية: «من اغتصب الحيازة من غيره بالإكراه وان
стр. 251
اعتقد انه على حق في الاحتياز كما نصت الفقرة الثانية من المادة (١١٤٨) مدني عراقي، إذ ان انتقال الحيازة في هذه الحالة يقوم على سبب باطل حتى ان من اشترى شيئا ولم يدفع ثمنه فاغتصب حيازته معتقدا بأن له الحق في ذلك يعد حائزا بسوء نية ومن ادعى ملكية شيء فأخذه غصبا من حائزه يعد كذلك حائزا بسوء نية (١)».
وقد ذكر محمد علي عرفة (٢) انه يعد سوء النية من اغتصب الحيازة من غيره بالإكراه حتى ولو كان يعتقد بحسن نية انه يملك الحق الذي اغتصب حيازته».
على ان السنهوري (٣) ذكر ان الحائز يعتبر سيء النية في حالتين:
١ - إذا ثبت ان الحائز وهو يجوز الحق الذي يستعمله ان حيازته لهذا الحق اعتداء على حق الغير. فالمغتصب مال الغير قد علم انه بعمله هذا قد اعتدى على حق هذا الغير ومن اشترى عينا من بائع لا يملكها وهو يعلم ذلك وتسلم العين يكون حائزا سيء النية لأنه يعلم بأن العين لم تنتقل ملكيتها اليه وانه بحيازته إياها يعتدي على حق مالكها.
٢ - إذا ثبت ان الحائز وان كان لا يعلم بأن حيازته اعتداء على حق الغير نتيجة لخطأ جسيم كان ينبغي عليه ان يعلم ذلك. وقد رأينا ان الجهل بالاعتداء على حق الغير لا يعتد به إذا كان نتيجة لخطأ جسيم.
ما يترتب على حسن النية وسوئها:
ذكر سليمان مرقص (٤) ان التقنيات العربية قد نصت: «على إلزام
стр. 252
حائز الشيء المملوك للغير ففرقت بين سيء النية والحائز حسن النية ففيما يتعلق بالأول نصت المواد: على انه يلزم برد الشيء إلى مالكه وبأن يردّ معه الثمار الطبيعية والمدنية التي حصلها أو كان يستطيع تحصيلها لو أدار العين ادارة عادية من وقت دخولها في حيازته وعلى ان يكون له الحق في استرداد ما أنفقه من مصروفات ضرورية لحفظ الشيء أو لتحصيل ثماره وعلى ان يتحمل هو نفقات الردّ.» وهنا لو رجعنا إلى نظرية الغصب (١) لرأينا ان الفقهاء المسلمين قد أجمعوا على ردّ المغصوب الى مالكه وتحميل الغاصب نفقات الردّ ومؤنته مهما عظمت كما ان عليه ان يردّ معه فوائده ومنافعه على التفصيل الذي ذكرناه في حينه.
وهذا وجه من وجوه الالتقاء بين الحيازة بسوء نية وبين الغصب.
مسؤولية الحائز سيء النية عن هلاك العين أو تلفها:
نصت المادة (٩٨٣) من المدني المصري (٢) على ما يأتي:
«إذا كان الحائز حسن النية وانتفع بالشيء وفقا لما يحسبه من حقه فلا يكون مسئولا قبل من هو ملزم برد الشيء إليه عن أي تعويض بسبب هذا الانتفاع.».
وتنص المادة (٩٨٤) انه: «إذا كان الحائز سيء النية فإنه يكون مسئولا عن هلاك الشيء أو تلفه ولو كان ذلك ناشئا عن حادث فجائي إلا إذا ثبت ان الشيء كان يهلك أو يتلف ولو كان باقيا في يد من يستحقه».
стр. 253
وهذا هو نص المادة (١١٦٨) من التقنين المدني العراقي أيضا.
وقد ذكر السنهوري (١): انه إذا كان الحائز سيء النية فإنه يكون مسئولا قبل المالك عن استعمال الشيء واستغلاله، فإذا نقصت قيمة الشيء بسبب الاستعمال أو الاستغلال وجب عليه التعويض وإذا جنى ثمار الشيء فإنه يلتزم بردّها الى المالك ويكون الحائز مسئولا عن هلاك الشيء سواء هلك بخطئه أو بسبب أجنبي، أما مسؤوليته فيما إذا هلك الشيء بسبب أجنبي وبغير خطئه فترجع إلى أنه سيء النية في حيازته الشيء.
واذكر (٢) ايضا انه بعد تقريب المادتين (٢٥٦) من المشروع التمهيدي والمادة (١٣٤٦) من المشروع والتي أصبحت المادة (٩٨٤) مدني يستخلص أن الحائز سيء النية يلتزم بردّ قيمة الشيء وقت الهلاك أو الضياع أو التلف وذلك دون إخلال بحق المالك في استرداد الشيء ولو تالفا مع التعويض عن نقص قيمته بسبب التلف.
وهنا نستطيع ان نتبين وجه الالتقاء بين الحيازة بسوء نية وبين الغصب.
فالحائز سيء النية إذ يضع يده على حق الغير بنية الاستحواذ عليه والتصرف فيه مع علمه بأن هذا الحق ليس عائدا له فإنما هو غاصب ايضا.
شروط الحيازة:
ان توفر عنصري الحيازة لا يكفي دون توافر شروط معينة لاعتبار الحيازة منتجة لآثارها وتحمى بدعاوى الحيازة وأهم هذه الشروط:
الهدوء، والظهور، والوضوع فإذا اقترنت الحيازة بإكراه أو كان هناك خفاء أو غموض فحينئذ لا تعتبر الحيازة صحيحة بحكم القانون.
стр. 254
وقد أكدت التقنيات المدنية في البلاد العربية (١) ذلك إذ جاء انه إذا اقترنت الحيازة بإكراه أو حصلت خفية أو كان فيها لبس فلا يكون لها اثر قبل من وقع عليه الإكراه أو أخفيت عنه الحيازة أو التبس عليه أمرها إلا من الوقت الذي تزول فيه هذه العيوب.».
المبحث الثالث: انتقال الحيازة:
تنتقل الحيازة من السلف الى الخلف على وجوه: فقد يكون بالتمكين من الحق تمكينا ماديا، وذلك يختلف باختلاف الحق ومحله، فإذا كان محله منقولا فتسليمه يقع وفق طبيعة الشيء وإذا كان عقارا فبالتسليم المادي.
وحيازة الخلف قد تقع منه نفسه وقد تقى من نائبه كالوكيل والولي والوصي نيابة عن الموكل والصغير والموصى عليه أو له ويعد من ذلك الوارث تنتقل إليه التركة على الوجه الذي تركها عليه المورّث وفي كل الأحوال تنتقل الحيازة من السلف الى الخلف بالصفة التي ابتدأ بها الانتقال فإذا كانت مباشرة أو لمصلحة الغير أو بالواسطة فإن حسن النية وسوئها يصاحبها عند الانتقال (٢).
ويراد بانتقال الحيازة من حائز الى حائز آخر ان تكون متصلة لا تنقطع اللاحقة منها عن السابقة ولا تعتبر اللاحقة حيازة مبتدأة وهكذا الاتصال ما بين الحيازتين السابقة واللاحقة يكون من شأنه جواز ضم مدة الحيازة السابقة إلى مدة الحيازة اللاحقة ويتم انتقال الحيازة بأحد طريقين:
١ - بالميراث فتنتقل حيازة المورث الى الوارث وهذا هو انتقال الحيازة إلى الخلف العام.
стр. 255
٢ - بالاتفاق: فيتفق الحائز مع شخص آخر على ان ينقل له الحيازة.
كما إذا اتفق البائع مع المشتري على ان ينقل له حيازة الشيء المبيع أو اتفق الورثة مع الموصى له بعين معينة على ان ينقلوا له حيازة هذه العين ويستوي في ذلك ان يكون الحائز السابق مالكا للحق الذي ينقل حيازته الى الحائز اللاحق أو غير مالك له وهذا هو انتقال الحيازة إلى الخلف الخاص (١).» ان انتقال الحيازة إلى الخلف الخاص أو الى الخلف العام إذا تحقق فيها سوء النية فإنه حينئذ يعتبر من قبيل تعاقب الأيدي على الشيء المملوك للغير وبالتالي يترتب على الخلف خاصا كان أم عاما نفس المسؤلية التي كانت مترتبا على السلف إذا كان حائزا بسوء نية. وقد رأينا في باب الغصب ان من انتقل اليه المغصوب بشراء أو نحوه وكان عالما بالغصب فإنه يتحمل تمام المسئولية ايضا من ردّ المغصوب والتعويض عن الإضرار اللاحقة والضمان بالكيفية التي فصلناها.
وهذا هو وجه الالتقاء.
стр. 256
الفصل الثاني
دعاوي الحيازة
ثلاثة مباحث المبحث الأول: حكمه حماية الحيازة وخصائص دعاوي الحيازة المبحث الثاني: دعوى استرداد الحيازة المبحث الثالث: دعوى منع التعرض
стр. 257
المبحث الأول:
الفرع الأول: حكمه حماية الحيازة
الحيازة هي كما قلنا وضع اليد على الشيء مدة من الزمن بنية تملكه والظهور في استعماله بمظهر المالك. ولما كان اكتساب ملكية الشيء بطريق الحيازة يعتبر خروجا على تملك الأشياء بالطرق القانونية لذلك فلا بدّ من بيان الحكمة الداعية لحماية الحيازة والطرق المقررة لحمايتها.
وهنا يبدو أن هناك رأيين في تعليل وبيان حكمة حماية الحيازة.
رأي للفقيه الالماني سافيني ورأي للفقيه الالماني اهرنج.
أما سافيني فقد ذهب الى أن الحكمة في حماية الحيازة تقوم على فكرة النظام العام إذ أن في حمايتها حفظ الأمن والنظام في المجتمع ومنع أي تكدير لهما، لأن السماح بالتعدي على واضح اليد حتى ولو كان هذا التعدي صادرا من المالك نفسه فيه إشاعة للفوضى وتشجيع للأفراد على أخذ حقوقهم بالقوة دون اللجوء الى السلطة العامة بأن يرفع دعوى بحقه الذي يدعيه، وإلى أن يفصل في هذه الدعوى يجب أن يحتفظ واضع اليد بما تحت يده من مال لأن النظام الاجتماعي يقضي بعدم المساس بالحالة الراهنة حتى يصدر حكم بشأنها.
أما أهرنج: فقد ذهب الى أن الحكمة في حماية الحيازة هي لحماية المالك نفسه وعنده ان الحائز هو في الغالب مالك الشيء، ويفضل الادعاء باكتساب الشيء بالحيازة على ادعاء اكتسابه بالطرق القانونية لأن إثبات الملكية كان أمرا شاقا في القانون الروماني (١).
ويبدو هنا «من الطريقة التي قررها البرينور لحماية الحيازة ان الحكمة من إقرارها مزدوجة فهي من جهة كانت ترمي الى حماية المالك الذي اكتسب حيازة الشيء بسبب صحيح لكي لا يشق عليه في إثبات تملكه ومن جهة
стр. 258
أخرى كانت ترمي الى المحافظة على الأمن لأن البرينور كان ينهي عن استعمال القوة لاسترداد الشيء من واضع اليد».
ويذكر الأستاذ الناهي (١) هنا ان حكمة حماية الحيازة تعود لاعتبارين:
الأول: ان في حماية الحيازة حماية للحق المحوز نفسه من طريق غير مباشر إذ الغالب أن يكون الحائز هو صاحب الحق ولذا فالقانون المدني يعتبر الحيازة قرينة على الملكية كما تنص المادة (١١٥٧) من المدني العراقي. وإذا ردّ على هذا بأن صاحب الحق ليس بحاجة الى دعاوي الحيازة لأن حقه تحميه دعاوي المطالبة بالحق فالجواب على ذلك ان دعاوي الحيازة أيسر منالا من دعاوي الحق نفسه وقد لا يكون في إمكان صاحب الحق إثباته في الحال فيلجأ في دفع الاعتداء عنه الى دعوى الحيازة.
الثاني: أن في حماية الحيازة حماية للأمن والنظام العام لأن في الاعتداء على الحيازة تعكيرا لهما ولذا لا يسوغ لأي شخص أن يغتصب الحيازة من حائزها ولا يجديه أن يبرر اعتداءه على الحيازة بقوله انه صاحب الحق لأن هذا من قبيل قضاء الإنسان لنفسه بنفسه وهو غير جائز فلا يبقى أمام من يدعي ملكية الحق المحوز سوى احترام حيازة ذي اليد الظاهرة المستوفية لشروط الحيازة والالتجاء الى القضاء بدعوى المطالبة بحقه. فالحماية التي أقرها القانون غالبا ما تكون حماية لصاحب الحق نفسه فإن لم تكنه كانت حماية الحيازة موقتة تسقط بإثبات الحق المحوز نفسه.
وذكر الأستاذ حامد مصطفى (٢) في شرحه للقانون المدني العراقي قائلا:
«إن القانون يعير دعوى الحيازة أهمية خاصة وإن كانت غير واردة على حق الملكية دون أن يتطلب من صاحبها إثبات هذا الحق وذلك للأسباب التالية:
стр. 259
١ - أن الحيازة هي الواقعة الظاهرة التي تصلح أن تكون قرينة على الملكية.
٢ - قد يتعذر على الحائز أن يجوز الوسائل السريعة التي تثبت ملكيته بوجه المعتدي على حيازته ذلك المعتدي الذي لا دليل له على الملكية أقوى من هذه القرينة التي في جانب الحائز تلك القرينة التي وصفها (أهرنج):
بأنها أول منازل الملكية. وعلى فرض أن الحائز لا يستند الى سبب صحيح فإن واقعة الحيازة نفسها إذا كان قد مرّ عليها زمن ما تجعله أولى بحماية القانون من شخص آخر جاء يعكر عليه صفو هذه الواقعة فالحيازة على هذا تتضمن جرثومة الملكية لأنها تفضي إليها من طريق التقادم فمن الصواب والمعقول أن يتاح للحائز أن يدفع عن هذه الواقعة الظاهرة التي جعلها القانون في صالحه بوسيلة من وسائل الإثبات وهذه الحالة هي من القوة بحيث نبرر استعمال دعوى الحيازة ضد من يعتدي عليها أو يعارض فيها.
لقد رأينا في نظرية الغصب ان الفقه الإسلامي يحترم اليد ويحميها من وقوع الاعتداء عليها ويجعل الغاصب ملزما بتحمل مسؤولية الغصب من ضمان المغصوب سواء باستهلاكه أو طرو النقص عليه أو تغيره ويضمن كذلك منافعه سواء التي انتفع بها أو التي لم ينتفع بها.
ومع ان الشريعة تقرر في جملة من مبادئها وأحكام القصاص ان لصاحب الحق أن يقتص لنفسه بقدر حقه إلا أن ذلك ليس على الإطلاق ثم هو يكون مطالبا أيضا بإثبات ان الحق له بوسائل الإثبات المقررة في الفقه كالإشهاد وغيره.
الفرع الثاني: خصائص دعاوي الحيازة
«دعوى الحيازة بوجه عام هي الدعوى التي يضعها القانون لحماية واقعة الحيازة أي حمل المدعى عليه على الاعتراف بالحق العيني العقاري فهي لذلك
стр. 260
ترمي إما الى منع التعرض للحيازة أو الى استعادة يد الحائز وذلك بغض النظر عن وجود الحق العيني نفسه فهي لهذا تبيح للحائز أن يدفع بها ولو كان المعارض هو في الحقيقة مالك الشيء كما تبيح له أن يستبقي هذه الواقعة حتى يثبت خصمه ملكية الحق ذاته والواقع ان دعوى الحيازة تختلف عن دعوى الملكية» (١).
وقد ذكر الأستاذ السنهوري (٢) ان دعاوي الحيازة تتميز بخصائص هي:
١ - دعاوي تحمي الحيازة في ذاتها.
٢ - دعاوي تحمي حيازة العقار دون حيازة المنقول.
٣ - دعاوي تحمل طابع الاستعجال فتدخل في اختصاص القاضي الجزائي.
ويقصد بأنها دعاوي تحمي الحيازة في ذاتها أي دون نظر الى ما إذا كان الحائز يملك الحق المحوز أو لا يملكه فالحائز لأرض لا يطلب منه في مباشرة هذه الدعاوي إلا أن يثبت حيازته للأرض بالشروط الواجب توافرها في الحيازة.
ويقصد بأنها دعاوي تحمي حيازة العقار دون حيازة المنقول لأن المنقول ليس له مستقر ثابت يتيسر معه تمييز الحيازة عن الملكية في شأنه فيد الحائز للمنقول تختلط بيد المالك ومن ثم اختلطت الحيازة في المنقول بالملكية وحمت دعوى الملكية حيازة المنقول وملكيته معا.
وهنا يذكر الدكتور عبد السلام ترميناني (٣) ان القوانين الحديثة قد
стр. 261
تأثرت بالمبادئ التي قررها القانون الروماني فيما يتعلق بالحيازة ووسائل حمايتها.
فقد ذكر: «ان البرينور يحمي الحيازة بأوامر يصدرها معتمدا في إصدارها على ولايته الادارية وكانت هذه الأوامر على نوعين أوامر تقضي باستبقاء حيازة واضع اليد ومنع التعرض له وأوامر لاسترداد الحيازة عند فقدانها».
ولكن الأستاذ السنهوري (١) يذهب الى خلاف هذا الرأي فيقول: «إن دعاوي الحيازة لا تمت بأصلها الى القانون الروماني إذ ليست لها صلة بما كان يسمى عند الرومان Laterdits وان حاول البعض دون جدوى إرجاع أصلها الى ذلك.
والظاهر ان أصل الدعاوي هذه يرجع الى القانون الكنسي وقد ظهرت في العصور الوسطى في صور دعاوي ثلاث: دعوى استرداد الحيازة ودعوى منع التعرض ودعوى وقف الأعمال الجديدة. وأقدم هذه الدعاوي دعوى استرداد الحيازة».
وسنبحث هنا أولا وبصورة أساسية دعوى استرداد الحيازة لعلاقتها بموضوعنا كما سنرى خلال البحث.
المبحث الثاني: دعوى استرداد الحيازة وآثارها
ان دعوى استرداد الحيازة «هي دعوى يقيمها حائز العقار ليسترد بها العقار الذي جرّد من حيازته كلا أو بعضا (٢).
стр. 262
ونستعرض هنا آراء القوانين المدنية بهذا الخصوص لنتعرف على تفاصيل الموضوع:
ففي التقنين الروماني يذكر (ترميناني) (١): «ان استرداد الحيازة هو أمر يمنحه البرينور لمن اغتصب عقاره بالقوة ليسترد عقاره من الغاصب ولا يستفيد المغصوب منه من هذا الأمر إلا بتوفر شرطين:
الأول: أن تكون حيازته سليمة من العيوب التي تفسد الحيازة أي أن لا يكون قد حاز هذا الشيء بالإكراه أو خفية عن صاحبه أو كان قد استلمه منه لينتفع منه بصورة موقتة ولم يرده اليه.
الثاني: أن يطلب استرداد الحيازة خلال السنة التي حصل فيها الغصب ويترتب على ذلك ان من فقد حيازته بالإكراه أو خفية عنه فله أن يستردها ممن انتزعها منه شرط أن لا يعتمد في استردادها على السلاح أما إذا انتزعها بقوة السلاح فلمن كانت في حيازته أن يطلب من البرينور استردادها ولو كان غاصبا لها بالقوة لأن استعمال السلاح في استرداد الحيازة يعتبر عيبا أشد من عيب اغتصابها بغير سلاح ولمن اغتصب حيازته بقوة السلاح أن يطلب استردادها ولو بعد مضي سنة على الاغتصاب.
أما في التقنين المصري فقد ذكر السنهوري (٢) النصوص القانونية التي تتعلق بدعوى الاسترداد وهي من المواد (٩٥٨)، (٩٦٠) ومقابل هذه المواد في التقنين المدني الليبي المواد (١١٥٠) الى (١١٥٣). وخلص السنهوري منها الى ما يأتي:
١ - المدعي في دعوى استرداد الحيازة هو الحائز للعقار، ولو كان حائزا عرضيا بالنيابة عن غيره.
стр. 263
٢ - المدعى عليه في دعوى الاسترداد هو من انتزع الحيازة من الحائز وكذلك خلفه ولو كان حسن النية.
٣ - المدة التي ترفع في خلالها دعوى استرداد الحيازة هي سنة من وقت فقد الحيازة أو من وقت العلم يفقدها.
٤ - ما يحكم به القاضي في دعوى استرداد الحيازة يختلف باختلاف ما إذا كانت الحيازة قد دامت سنة قبل انتزاعها وما إذا قد انتزعت بالقوة، وما إذا كان منتزع الحيازة أحق بالتفضيل.
٥ - التكييف القانوني لدعوى استرداد الحيازة هو انها تتراوح بين ان تكون دعوى شخصية من دعاوي المسؤولية ودعوى مستقلة من دعاوي الحيازة.
وهنا يهمنا الحديث عند النقطة الأولى التي يقول عندها السنهوري (١):
ان المدعي في هذه الدعوى هو الحائز للعقار ويجب عليه أن يثبت أنه وقت ان انتزعت الحيازة منه كان حائزا للعقار حيازة خالية من العيوب أي حيازة مستمرة علنية هادئة وغير غامضة كما أنه ليس من الضروري أن يكون الحائز أصيلا بل يجوز للحائز العرضي وهو الذي يحوز لحساب الغير أن يكون مدعيا. كما أنه ليس من الضروري أن يكون الحائز حسن النية بل يجوز للحائز سيء النية كذلك.
أما المدعي عليه في دعوى استرداد الحيازة فهو الشخص الذي ينتزع الحيازة من الحائز بالقوة أو بالغصب علنا أو خفية فيشترط إذن أن يكون العمل الذي صدر من المدعى عليه:
١ - عملا عدوانيا. وليس يلزم أن يكون هذا العمل العدواني منطويا
стр. 264
على القوة والعنف وإن كان هذا هو الغالب بل يكفي أن يستولي المعتدي على العقار غصبا وقهرا.
٢ - أن يكون هذا العمل العدواني قد وقع في العقار ذاته الذي هو في حيازة الحائز.
٣ - أن يكون قد انتهى الى انتزاع الحيازة من الحائز بحيث لا يصبح في مكنة الحائز إن يستعيد هذه الحيازة دون أن يقف هذا العمل العدواني أمامه عقبة تحول دون ذلك.
فإذا انتقلت حيازة العقار المغتصب من المغتصب الى الغير سواء كان الغير خلفا عاما كالوارث أو خاصا كالمشتري فإنه يكون هو المدعى عليه ويستطيع المدعي أن يسترد منه حيازة العقار بهذه الدعوى حتى لو كان الخلف حسن النية لا يعلم أن سلفه قد اغتصب حيازة العقار وتنص المادة (٩٦٠) صراحة على هذا الحكم.
هذا هو حكم استرداد الحيازة في التقنين المصري (١). أما في التقنين العراقي فقد ذكر الدكتور الناهي: «ان دعوى استرداد الحيازة يقيمها حائز العقار ليسترد بها العقار الذي جرّد من حيازته كلا أو بعضا وقد نصت عليها المادة (١١٥٠) من القانون المدني العراقي».
وقد نصت الفقرة الاولى من المادة (١٠) من قانون المرافعات العراقي بقولها: «دعوى استرداد الحيازة وهي تستلزم وجود شخص نزعت يده».
فالغرض من دعوى استرداد الحيازة إذن ردّ اعتداء غير مشروع موجه ضد حائز العقار بقصد انتزاع العقار منه أو صدّه عن حيازته «ويشترط في قبول هذه الدعوى أن تكون حيازة قانونية أي مستوفاة لشروطها من الهدوء
стр. 265
والظهور والعلنية وأن تكون ثابتة وقت حصول الاعتداء. وأن يكون فقدها بعمل من أعمال التعدي والعنف وتقام خلال سنة من تاريخ الانتزاع».
أما المدعي عليه في دعوى الاسترداد: «فهو من انتزاع الحيازة أو ورثته الذي يخلفونه ولا مقابل للمادة (٩٦٠) من التقنين المصري في التقنين العراقي».
هذا ما ذكره الدكتور الناهي (١).
ويظهر من كل ذلك ان القانون هنا يقترب في نظرية الحيازة إذا كان الحائز سيء النية من نظرية الغصب التي تقرر فيها وجوب ردّ المغصوب على الغاصب وتحميله مسؤولية ضمانه.
ويظهر من ذلك أيضا أن الاتجاه القانوني يرى صحة انتزاع العقار بل أن دعوى استرداد الحيازة هي دعوى عقارية وهذا ما تقرر في الفقه على رأي الجمهور بصحة غصب العقار وتضمين الغاصب ما يطرأ عليه.
آثار دعوى الاسترداد:
يذكر عبد السلام ترميناني (٢) أن القانون الروماني يرتب على دعوى الاسترداد أثرين:
أحدهما: عيني: وبموجبه يلتزم الحائز:
(١) بردّ الشيء (٢) بردّ ثماره.
والثاني: شخصي: وبموجبه يلتزم الحائز بدفع التعويض للمالك في حالة
стр. 266
تعيّب الشيء أو فقدانه أثناء الحيازة كما يلتزم المالك بدفع ما أنفقه الحائز من نفقات ومصاريف لصيانة الشيء.
ففيما يتعلق بردّ الشيء: فإن على الحائز أن يرد الشيء عينا بذاته فإذا امتنع أو كان الشيء قد هلك أو كان قد تصرف فيه فعليه أن يدفع للمالك ضعف قيمته، ويتحول الحق العيني في هذه الحالة إلى حق شخصي كما ويجب على الحائز إذا كان شيء النية أن يرد الثمار عينا أو قيمة وإذا تعيّب الشيء في يد الحائز أو هلك فيجب عليه دفع التعويض المناسب وفيما يتعلق بالنفقات فإنها على وجهين:
إما أن تكون ضرورية لحفظ الشيء فيجب دفعها للغاصب ولكن إذا كان ما أنفقه يزيد في قيمة الشيء كما لو كان أرضا فبنى عليها فلا يستوفى شيئا وإنما يحق له أن ينزع البناء شرط أن لا يضر ذلك بالعقار. أما النفقات الكمالية كزخرفة وما شابه فليس له أن ينزع إلا ما يمكن نزعه وبشرط أن لا يضر بالعقار.
أما التقنين المصري فقد ذكر السنهوري (١) «انه إذا كان الحائز سيء النية فإنه يكون مسؤولا قبل المالك عن استعمال الشيء واستغلاله، فإذا نقصت قيمته بسبب الاستعمال أو الاستغلال وجب عليه التعويض وإذا جنى ثمار الشيء فإنه يلتزم بردها الى المالك. ويكون الحائز سيء النية مسؤولا عن هلاك الشيء سواء هلك بخطئه أو بسبب أجنبي أما مسؤوليته فيما إذا هلك الشيء بسبب أجنبي وبغير خطئه فترجع إلى أنه سيء النية في حيازته للشيء».
وذكر أيضا بأن التقنين المصري يوجب على الحائز سيء النية رد قيمة
стр. 267
الشيء وقت الهلاك أو الضياع أو التلف وذلك دون إخلال بحق المالك في استرداد الشيء ولو تالفا مع التعويض عن نقص قيمته بسبب التلف.
ومثل ذلك أيضا ورد في التقنينات المدينة الليبية (١) في المادة (٩٨٣) والسوري (٩٣٠). والمادة (١١٦٨) من المدني العراقي.
ونحن هنا لو رجعنا إلى نظرية الغصب في مباحث ضمان الغاصب لوجدنا تفصيلا أدق وأشمل وتحريا لتحقيق العدالة التي ينشدها الشرع والفقه الإسلامي ولعل مراجعة بسيطة الى تلك المباحث تكوّن لدينا مثل هذه الصورة.
المبحث الثالث: دعوى منع التعرض
وصفها الدكتور الناهي (٢) بأنها من أهم دعاوي الحيازة لأنها تحمي الحيازة من مجرد التعرض لها وفي كل صور التعرض ولا تقتصر في بسط حمايتها على صورة خاصة كانتزاع الحيازة في دعاوي استرداد الحيازة.
وقد نص عليها القانون المدني المصري (٣) في المادة (٩٦١) والمدني العراقي في المادة (١١٥٤). أما معنى التعرض الصادر من المدعى عليه فهو كل عمل مادي أو كل تصرف قانوني يتضمن بطريق مباشر أو بطريق غير مباشر ادعاء يعارض به المدعى عليه حيازة المدعي.
وذكر الأستاذ حامد مصطفى (٤) ان دعوى منع التعرض هي الدعوى التي يمنحها القانون لحائز العقار يقف بها تعرض من يعكر عليه حيازته سواء أكان هذا التعرض مصحوبا بأعمال مادية أو مجرد نزاع وتكدير للحيازة على
стр. 268
شرط أن يتضمن هذا التعرض معنى الاعتداء على الحيازة فقطع الأشجار وقطف الثمار والحفر في الأرض والبذر فيها وحصد الزرع وهذه كلها أعمال تعكر الحيازة على صاحبها ومن شأنها إنكار حقه في الانتفاع الكامل بالعقار أو تعطيل هذا الانتفاع فلصاحب الحيازة الالتجاء الى القضاء لوقف التعرض وحماية حيازته من الاعتداء.
وذكر السنهوري (١) صورا أخرى للتعرض منها: دخول المدعى عليه في أرض يحوزها المدعي من غير إذنه. وإقامة حائط أو بناء يسدّ به مطلاّ لجاره أو يمنع به النور والهواء. وهذا هو التعرض المادي.
«أما التعرض القائم على تصرف قانوني فهو تصرف يصدر من المدعى عليه يعلن به نيته في معارضته لحيازة المدعي وقد يصدر هذا التصرف خارج مجلس القضاء كما إذا أنذر المدعى عليه مستأجرا بدفع الأجرة له هو لا للمؤجر فيكون هذا تعرضا لحيازة المؤجر للعين المؤجرة» (٢).
ولكن من هو المدعي هنا ومن هو المدعى عليه في دعوى منع التعرض.
أما المدعي: فهو كما يذكر السنهوري (٣): «الحائز للعقار ويجب عليه هنا أيضا أن - يثبت أنه وقت وقع عليه تعرض كان حائزا للعقار حيازة خالية من العيوب أي حيازة مستمرة علنية هادئة وغير غامضة ويجب عليه أن يثبت أن حيازته أصيلة أي أنه يحوز لحساب نفسه وعليه فلا يجوز أن يرفع هذه الدعوى صاحب حق الانتفاع أو المستأجر».
стр. 269
أما المدعي عليه: فهو الشخص الذي يتعرض للمدعي في حيازته.
ويظهر ان دعوى منع التعرض تستوجب توفر شروط معينة ليصح رفعها وهذه الشروط هي:
١ - إثبات حيازة المدعي للعقار وخلو هذه الحيازة من العيوب.
٢ - مضي سنة وأكثر على الحيازة فلا تسمع دعوى الحائز الذي لم تمض على حيازته سنة على الأقل.
٣ - أن تقام الدعوى خلال سنة من بداية التعرض فإن مضت السنة لم تسمع الدعوى وكان سكوت الحائز دليلا ظاهرا على أنه لا يستند الى حق فلا تكون حيازته جديرة بالحماية (١).
وقد ذكر هذه الشروط الأستاذ السنهوري (٢) وأضاف الى ذلك: ان حسن النية ليس شرطا بل للحائز سيء النية أن يرفع دعوى منع التعرض أيضا.
ما يحكم به في دعوى منع التعرض:
إذا توافرت شروط دعوى منع التعرض على الوجه المطلوب حكم للمدعى وهو الحائز للعقار ببقائه في حيازته ومنع التعرض له في هذه الحيازة وقد يقتضي هذا الحكم إزالة أعمال قد تمت وهدم بناء قد أقيم أو إقامة بناء قد هدم وبإعادة الشيء إلى أصله ويستوي في ذلك أن تكون أعمال التعرض قد تمت في عقار المدعي أو في عقار المدعى عليه.
وإذا عرفنا ذلك فإننا نعثر في نصوص الشرع الإسلامي على ما يفيد منع
стр. 270
الإنسان من التصرف في ملك الغير بغير إذنه بل إن الشريعة الإسلامية تحمله مسؤولية التجاوز على عقار الغير سواء أكان هذا التجاوز أو التعرض ماديا كالدخول في أرض الغير أو زراعتها أو كإقامة حائط أو بناء يسدّ به مطلا على جاره وأعطت الحق لصاحب العقار في إزالة الضرر.
وقد ذكرنا نصوصا شرعية في موضع من هذه الرسالة تفيد ما ذكرناه كقاعدة: «لا ضرر ولا ضرار» وقاعدة حرمة التصرف في ملك الغير بغير إذنه.
وهناك نص فقهي أورده ابن عابدين (١) يستفاد منه منع التعرض قال:
«لو بنى أحد في بيته هو تنورا للخبز دائما أو رحى للطحن أو اتخذ دارا حماما وتأذى جيرانه من الدخان أذى فاحشا فإنه يمنع من هذه التصرفات جميعا».
وذكر ذلك ابن رجب (٢) أيضا.
وذكر الدكتور الناهي (٣): «إن صورة دعوى دفع التعرض هي أن يقول أن فلانا يتعرض لي في كذا بغير حق، أو أطالبه بدفع تعرضه والفتوى بسماعها».
стр. 271
خلاصة البحث
بعد استعراضنا لأحكام الغصب بكل التفاصيل التي أوردناها وبعد تلك المناقشات لآراء الفقهاء مما وسعنا مناقشته وترجيحه وبعد تناولنا لنظرية الحيازة بوجه عام وعقدنا الموازنة السريعة بينها وبين نظرية الغصب وبعد ان عثرنا على بعض وجوه الالتقاء في جانب هو الحيازة بسوء النية وبعد إيرادنا لأحكام القانون المدني العراقي رقم (٤٠) لسنة ١٩٥١ وما قضت به محكمة تمييز العراق مما له علاقة بمباحث الرسالة بعد ذلك كله فاننا نستطيع ان نخرج بالنتائج التالية التي اعتبرها - من وجهة نظري - خلاصة ما توصلت اليه بعد كل تلك الدراسة الموسعة لهذا الموضوع. ونتائج البحث هي:
١ - ان الغصب سبب من أسباب الضمان في الفقه الإسلامي وان الغاصب ضامن بمجرد تحقق عنوان الغصبية.
٢ - انه يمكن استخلاص نظرية متكاملة من مجموع ما ورد من نصوص شرعية وفقهية في المقام وقد قمت بمثل هذه المحولة إذ اعتبرت الأدلة التي أوردتها في تحريم الغصب من أدلة الكتاب والسنة والإجماع وغيرها أسسا لهذه النظرية ومما ورد من نصوص فقهية في تعريف الغصب استنبطت عناصر النظرية وهما عنصران: السيطرة المادية، والعدوان.
стр. 272
واستطعت ايضا ان استنبط شروط الغصب وهي على الرأي الراجح ثلاثة: ان يكون المغصوب مالا أو حقا، وان يكون هذا المال متقوما، وان يكون محترما.
٣ - ان الغاصب يلزمه ردّ المغصوب فورا الى مالكه في مكان الغصب وانه يتحمل ما يستلزمه الرد من مؤنة وغيرها.
٤ - ان الغاصب يلزمه الضمان بالشكل الذي يعيد الحق إلى أهله كاملا فإذا غصب مثليا فإنه يرجعه نفسه ان كان موجودا ومثله ان تلف أو استهلك بأي شكل كان وإذا كان المغصوب قيميا أرجعه ان كان قائما وقيمته ان تلف أو استهلك مع احتفاظ المالك بحقه في التعويض عن الإضرار الأخرى.
٥ - زوائد المغصوب المتصلة والمنفصلة مضمونة على الغاصب فإذا طرأ عليها نقص أو تلف فهو ضامن.
٦ - منافع المغصوب يضمنها الغاصب وما لمثله اجرة في زماننا هذا كأخشاب المقاولين وسيارات الأجرة ومكبرات الصوت وغيرها يجب على الغاصب ردّها مع أجرتها المعتادة مدة بقائها تحت يده.
٧ - إذا حصلت في المغصوب زيادة بفعل الغاصب فان كانت عينا قائمة وأمكن فصلها فله ذلك مع احتفاظ المالك بحقه في التعويض عن الإضرار التي تحدث بذلك وان لم يمكن فصلها تملّكها المالك بقيمتها.
٨ - تغير المغصوب بأي نحو كان لا يعتبر استهلاكا حتى لو تبدل اسمه بعد التغيير لأن العبرة بالذات وهي باقية فيرده وما نقص من قيمته.
٩ - الغاصب ملزم بضمان أي نقص يطرأ في المغصوب سواء أكان المغصوب عقارا أم منقولا وسواء حدث النقص لوحدة أم بفعل الغاصب أم بفعل الأجنبي إلا نقصان القيمة السوقية فإنه غير ملزم بضمانها.
١٠ - ما ينفقه الغاصب على المغصوب ان كان عين مال قائمة فله استردادها
стр. 273
مع احتفاظ المالك بحقه في التعويض عن الإضرار الأخرى وان لم تكن عين مال قائمة كما لو علف الحيوان فمن فمهما عظمت النفقة فإنه لا يحق للغاصب الرجوع على المالك باستردادها بعد ردّ المغصوب.
١١ - يضمن الغاصب المغصوب بقيمته يوم التلف بالغة ما بلغت.
١٢ - غاصب الغاصب حكمه حكم الغاصب من حيث ترتب الإثم والضمان.
١٣ - المشتري من الغاصب إذا كان عالما بالغصبية فهو ضامن ولا حق له بالرجوع على الغاصب إذا ضمنه المالك.
١٤ - تصرفات الغاصب معاوضة كانت أم تبرعا تصح موقوفة على اجازة المالك فإن أجازها نفذت وإلا فباطلة.
١٥ - الزارع في الأرض المغصوبة يخير المالك أما بإبقاء الزرع بأجرة إلى حين الحصاد أو يأمره بالقلع وتضمين الغاصب ما يطرأ من نقص على الأرض مع حقه في التعويض عن الإضرار الأخرى.
١٦ - يبرأ الغاصب بمصير المغصوب الى المالك وعلمه به أو بما دلّ على رضاه ببقاء المغصوب في يد الغاصب أو بما اعتبره العرف ردّا.
١٧ - ان القانون المدني العراقي رقم ٤٠ لسنة ١٩٥١ يمكن الاعتماد عليه في أحكام الغصب لأن أغلب موادة قد جاءت موافقة لرأي جمهور الفقهاء وأرجح الآراء ولكن مع ذلك فقد لاحظت أن المادة (١٩٤) منه في الفقرة الثانية تحتاج إلى إعادة نظر لأنها وردت على خلاف رأي الجمهور وهو الرأي الذي رجحناه إذ جاء فيها: «إذا غيّر الغاصب المال المغصوب بحيث يتبدل اسمه كان ضامنا وبقي المال المغصوب له فمن غصب حنطة غيره وزرعها في أرضه كان ضامنا للحنطة وبقي المحصول له».
وهذا كما لا يخفى لا يستقيم مع الحق والعدالة وهو أكل للمال بالباطل
стр. 274
وعليه يمكن ان تعدل هذه المادة على الوجه الذي ذكرناه في الخلاصة برقم (٨).
وكذلك الفقرة الثالثة من نفس المادة هي الأخرى بحاجة إلى إعادة صياغتها بما يتفق مع ما رجحناه إذ ورد فيها: «إذا غيّر الغاصب بعض أوصاف المغصوب بزيادة شيء عليه من ماله فالمغصوب منه مخير ان شاء اعطى الغاصب قيمة الزيادة واسترد المغصوب عينا مع التعويض عن الإضرار الأخرى وان شاء ترك المغصوب ورجع على الغاصب بالضمان».
وهنا أرى ان الأوفق ان تصاغ بالشكل التالي: «إذا غير الغاصب بعض أوصاف المغصوب بزيادة شيء عليه من ماله فإن أمكن فصله لزمه، وان لم يمكن فهو والمالك شريكان كل بقدر ماله مع احتفاظ المالك بحقه في التعويض عن الإضرار الأخرى».
١٨ - ان هذه الرسالة تصلح في موضوعها مرجعا للقانون فيما لم يتناوله من أحكام.
١٩ - ان محكمة تمييز العراق وان اعتمدت - كما لا حظت - على القانون المدني العراقي في قراراتها الصادرة في هذا الموضوع وهي أحكام كما لا حظنا مستمدة من الفقه الإسلامي انها وان اعتمدت على ذلك فإنه يمكنها التعويل على ما ورد في هذه الرسالة من أحكام وتفصيلات وبخاصة في مسائل الضمان.
٢٠ - ان الغصب غير الحيازة فاليد الحائزة محترمة وجديرة بالحماية في القانون سواء كانت حائزة بحسن نية أم بسوء نية أما الغصب فهدر ويد الغاصب غير محترمة.
٢١ - ان ما يترتب على الحائز سيء النية من أحكام تتشابه مع ما ترتب على اليد الغاصبة من أحكام. فكلاهما مسؤول عن هلاك العين سواء هلك بخطئه أو بسبب أجنبي. وكلاهما مسؤول عن استعمال الشيء واستغلاله وإذا نقصت قيمته بسبب الاستعمال وجب التعويض ومنافع الشيء واجبة الردّ الى المالك.
стр. 275
٢٢ - انه في الفقه كما في القانون الحق لشخص ان يطلب دفع تعرض وقع في ملكه أو في ملك غيره وأضرّ به.
هذه هي أهم ما خلصنا اليه من بحثنا ودراستنا لأحكام الغصب في الفقه الإسلامي.
وهنا أراني بحاجة إلى ذكر أهم الأفكار العامة التي يمكن ان يخرج بها القارئ بعد القراءة المستوعبة لهذه الرسالة أو على الأقل أهم الأفكار التي خرجت بها أنا وهي:
أ - ان الفقه الإسلامي حيّ ومتطور وان القواعد والأحكام التي قررها الفقهاء المسلمون على اختلاف مدارسهم الفقهية في هذا الباب من الفقه - كما في غيره من الأبواب - صالحة لأن نستند عليها في تشريعاتنا ونعوّل عليها وهي جديرة بأن نتقاضى إليها في خصوماتنا لما تضمنته من تحر دقيق للعدالة.
ب - ان تفاصيل الضمان التي تناولناها في هذه الرسالة اضافة الى أنها تكشف عن سعة الفقه وشموليته ومعالجته لأدق المسائل فإنها تصلح ان تعتبر مرجعا في كيفية الضمان عن الإضرار المحدثة التي تقع على المال وتقدير التعويض العادل.
ج - ان المسؤولية الشرعية التي قررتها الشريعة بخصوص الغصب وحدد ابعادها وابان تفاصيلها الفقهاء إذ تضع المتجاوز على حق الغير أمام أعباء لا قبل له بها فإنها بذلك تشكل رادعا قويا لكل من تسوّل له نفسه التعدي على أموال الناس وحقوقهم أو التصرف بها بغير إذن شرعي.
د - ان الدراسة المقارنة للفقه الإسلامي المستمسكة بأسلوب البحث العلمي والموضوعية تزودنا بفكرتين:
الاولى: عظمة الفقه الإسلامي وسمو مبادئه وشموليته وأصالته.
الثانية: ان الفقهاء المسلمين يلتقون أكثر مما يفترقون وانهم كلهم ينشدون
стр. 276
الحقيقة ويستهدون بالأدلة المعتبرة وليس من المهم ان يصل بعضهم إليها أو لا يصل.
هذه أهم الأفكار العامة التي يمكن ان نخرج بها بعد هذه الدراسة والتي آمل ان تكون قد وصلت الى بعض ما أصبو اليه من أبرز الفقه الإسلامي بثوب جديد وتسليط الاضواء على كنوزه وما ورد فيه من أحكام وتشريعات قيمة جديرة بالعناية والتقدير والاعتزاز.
وفي الختام لا يسعني إلا ان أقول إني بذلت ما في وسعي وما ادخرت شيئا من جهدي برغم الصعوبات التي واجهتني فان وفقت فذلك فضل من الله تعالى وان لم أوفق فحسبي أني سعيت.
ولله الحمد أولا وآخرا تمّ الفراغ من هذا المؤلف في الثالث والعشرين من شهر ذي القعدة سنة ألف وثلاثمئة واثنتين وتسعين هجرية الموافق في التاسع والعشرين من كانون الأول عام ألف وتسعمائة واثنتين وسبعين للميلاد.