← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 675

أحكام الغصب في الفقه الاسلامي

عبد الجبار شرارة

Полный текст (276 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

أخذوا ما أمرهم الله به فأنفقوه فيما نهاهم عنه ما قبله منهم ولو أخذوا ما نهاهم الله تعالى عنه فأنفقوه فيما أمرهم الله تعالى به ما قبله منهم» (١). هـ - ما ورد عن أمير المؤمنين علي ﵇ في وصيته لكميل بن زياد النخعي: «يا كميل انظر فيم تصلي وعلام تصلي إن لم يكن من وجهه وحله فلا قبول» (٢). و - «إن النهي عن المغصوب نهي عن وجوه الانتفاع به والحركات فيه انتفاع فتكون محرمة منهيا عنها ومن الحركات القيام والقعود والركوع والسجود وهي أجزاء الصلاة فتكون منهيا عنها فتفسد» (٣). ونحن بعد ذلك كله إنما نرجح رأي الذاهبين الى القول بصحة الصلاد في المغصوب بالنسبة للغاصب مع كونه آثما لقوة أدلة الفريق الذاهب الى هذا الرأي وقوة ما يرد على أدلة الذاهبين الى البطلان من ردود وإشكالات بما سوف نذكره بعد قليل. ولأن أداء العبادة من الصلاة في المغصوب لا يستلزم التصرف فيه على ما سيتحقق وان استلزمه فإن ذلك ليس من مصاديق اجتماع الأمر والنهي على القول بعدم الاجتماع واما على القول بصحة اجتماع الأمر والنهي مع تعدد الجهة فلا منافاة إذن وليس للبطلان سبيل على هذا المورد. وقد نوقشت أدلة القول ببطلان الصلاة في الأرض المغصوبة أو الثوب المغصوب بمناقشات كثيرة وخاصة في كتب الأصول (٤) وفي مبحث «اجتماع

стр. 212

الأمر والنهي» باعتبار إن هذه المسألة من مصاديق هذا المبحث على رأي جمهورهم. والذي يهمنا في المقام أن نختار الردود المناسبة لأدلة القائلين بالبطلان وهي: أ - «إن نية القربة المعتبرة في الصلاة إنما هي في أفعال الصلاة لا في التصرف في الثوب أو المكان ثم انه ليس من أفعال الصلاة بل من شرائطها ولذا لا اشكال ظاهر في صحة الصلاة مع الغفلة عن التستر أصلا والقصد شرط في صحة العبادة وقد تحقق في محله ان الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضده» (١). ب - «ان الرد قد لا يجب لتعذره فتأمل أو يجب ولا يكون ضدا منافيا للصلاة لحضور المالك أو الواسطة في الإيصال إليه» (٢). ج - «أما الإنفاق في رواية إسماعيل فظاهر في غير ما نحن فيه مع انها - أي الرواية - لا تدل على أكثر من كون الإباحة شرطا في القبول وكذا رواية تحف العقول مع انها ضعيفة غير مجبورة بالعمل». د - «إن كون القيام والقعود والركوع والسجود من قبيل الحركات لا يخلوا من تأمل أو منع فإن المفهوم منها عرفا انها من قبيل الهيئة القائمة بالجسم فتكون من مقولة الوضع لا من قبيل الحركة لتكون من مقولة الفعل، نعم الحركة من قبيل المقدمة لوجودها وحرمة المقدمة لا توجب النهي عن ذيها ولا فساده، وما ذكرنا هو المطابق للمرتكز العقلائي فإن التذلل والخضوع واستشعار مشاعر العبودية إنما يكون بالهيئة الخاصة التي يكون عليها العبد في مقام عبادة مولاه لا بالحركة المحصلة لها كما لا يخفى ثم ان الحركة الصلاتية

стр. 213

الواجبة قائمة بالبدن والحركة الغصبية قائمة بالمغصوب فتكون إحداهما غير الأخرى في الخارج ضرورة ان تباين المغصوب وبدن المكلف يستلزم تباين الحركة القائمة بأحدهما والحركة القائمة بالآخر فيمتنع أن تكون الحركة الصلاتية عين التصرف في المغصوب في الخارج كي يكون المقام من صغريات مسألة الاجتماع - اجتماع الأمر والنهي» (١). هـ - «وان أريد النهي عنه من حيث الغصب وقبح التصرف في مال الغير بدون إذنه فما ذكر من البطلان المترتب على ذلك ممنوع لأن القدر المقطوع به من بطلان العبادة بتوجه النهي إليها إنما هو إذ توجه إليها من حيث كونها عبادة لأن التعليق على الوصف مشعر بالعلية لا من جهة أخرى كما نحن فيه والنهي هنا إنما توجه الى القيام على المغصوب من حيث تحريم التصرف فيه من إذن المالك لا من حيث عدم جواز الصلاة عليه ولزوم اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد مع اختلاف الحيثيتين غير ضائر إذ وجه المحالية بتكليف ما لا يطاق المترتب على ذلك إنما يلزم مع اتحاد الجهة» (٢).

стр. 214

الفصل الثاني تصرفات الغاصب في الأرض المغصوبة المبحث الأول: الزراعة في الأرض المغصوبة المبحث الثاني: الغرس والبناء والحفر في الأرض المغصوبة

стр. 215

الفصل الثاني: تصرفات الغاصب في الأرض المغصوبة: ان الغاصب عندما تبقى تحت يده الأرض التي غصبها قد يتصرف فيها بأنواع التصرفات فقد يزرعها أو يغرس فيها غرسا أو يبني فيها بناء أو يحفر فيها بئرا الى غير ذلك من التصرفات فما هو رأي الفقه الإسلامي في كل ذلك؟ هذا ما سنتناوله في هذا الفصل وسنوزع هذا الفصل إلى ثلاثة مباحث: المبحث الأول: الزراعة في الأرض المغصوبة ان الغاصب إذا زرع الأرض المغصوبة ببذر منه وأدركها المالك وهي مزروعة فللفقهاء ثلاثة اتجاهات: الأول: اتجاه بعض الحنفية والشافعية وبعض الجعفرية وجماعة من فقهاء الزيدية وبعض المالكية واحتمال عند الحنابلة (١) وأولاء يرون ان الزرع للغاصب وعليه أجرة الأرض وما يحدث فيها من نقص. ففي المذهب الحنفي: ذكر ابن غانم (٢): «. فان لم يحضر المالك حتى أدرك الزرع فهو للغاصب وللمالك تضمين نقصان أرضه.». وفي المذهب الشافعي: ذكر الأردبيلي (٣): «ولو غصب أرضا وزرعها وجاء فضولي وكرب الأرض دون اذن مالكها لزمته قيمة الزرع للغاصب.». وفي المذهب الجعفري: ذكر الشيخ الطوسي (٤): «فإن غصب أرضا فزرعها بحب نفسه كان الزرع له دون رب الأرض لأنه عين ماله زاد ونما كما لو غصب شعيرا فعلف به دوابه فسمنت فإنها له فإذا ثبت ان الزرع له فان

стр. 216

عليه اجرة مثلها - أي الأرض - من حين الغصب الى حين الرد لأن هذه المنافع مضمونة على الغاصب. وان نقصت الأرض فعليه أرش النقص». وذكر الشيخ محمد جواد مغنية (١): وإذا طلب المالك ان يبيعه الزرع. فلا يجبر الغاصب على القبول فقد سئل الإمام الصادق ﵇ عن رجل زرع ارض رجل بغير اذنه حتى إذا بلغ الزرع جاء صاحب الأرض فقال زرعت ارضي بغير اذني فزرعك لي وعليّ ما أنفقت إله ذلك أم لا؟ فقال الامام الصادق ﵇ للزارع زرعه ولصاحب الأرض كراء أرضه. وفي المذهب المالكي: ذكر ابن جزي (٢): «فان زرع في الأرض المغصوبة زرعا فإن أخذها صاحبها في ابان الزراعة فهو مخير بين ان يقلع الزرع أو يتركه للزارع ويأخذ الكراء. وقيل ليس له قلعه وله الكراء ويكون الزرع لزارعه». وفي المذهب الزيدي: ذكر ابن المرتضى (٣): هذا الرأي قائلا: ومن غصب أرضا فزرعها ببذره فالزرع له لقوله ﵌: «الزرع للزراع وان كان غاصبا.» وقد نسب هذا الرأي إلى الهادي والمؤيد وأبو طالب وأبو العباس والفريقان بما رمز لكل منهم. الاتجاه الثاني: وهو الذي يرى ان الزرع لمالك الأرض وعليه نفقته أي تعويض الغاصب ما أنفقه من بذر ومؤنة الزرع من حرث وسقي وغيرهما. وهذا هو اتجاه جمهور الحنابلة وهو رأي الامام أحمد بن حنبل وهو اتجاه لبعض فقهاء الزيدية.

стр. 217

فقد ذكر المرداوي (١) من فقهاء المذهب الحنبلي ذلك بقوله: «. قال الحارثي: تواتر النص عن احمد: ان الزرع للمالك. وعليه جماهير الأصحاب وجزم به في الوجيز وغيره والزرع لرب الأرض. قال الزركشي: وهذا القول ظاهر كلام الإمام أحمد في عامة نصوصه. وعليه أي المالك النفقة وهي ما أنفق الغاصب من البذر ومؤنة الزرع من الحرث والسقي وغيرهما وهو المذهب.» واما رأي من ذهب من فقهاء الزيدية الى ذلك فقد ذكره ابن المرتضى (٢) ونسبه الى القاسم وهو ما ذهب إليه في سبل السلام (٣) وأيده ودلّل عليه. وذكر الشوكاني (٤) بعد نقل الحديث المتقدم «ان فيه دليل على ان من غصب أرضا وزرعها كان الزرع للمالك للأرض وللغاصب ما غرمه في الزرع يسلمه له مالك الأرض قال الترمذي: والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم.». الاتجاه الثالث: هو ما ذهب اليه بعض الحنفية وجماعة من الحنابلة وبعض المالكية وجماعة من الجعفرية وهو القول بأن المالك مخيّر بين إبقاء الزرع في أرضه بأجرة وبين قلعه وعليه نفقته للغاصب. ذكر ذلك ابن قاضي سماونة (٥) من المذهب الحنفي قال: «لو غصب أرضا وزرعها ولم ينبت حتى جاء ربها فهو مخيّر لو شاء ترك بذره فيها بأجر المثل ولو شاء ضمن البذر للغاصب ولأبي الليث السمرقندي: لو شاء تركه حتى ينبت ثم يأمره بقلعه ولو شاء أعطاه ما زاد البذر فيها.».

стр. 218

وفي المذهب الحنبلي: ذكر ابن قدامة (١): «وان زرع الأرض فردها بعد أخذ الزرع فعليه أجرتها وان أدركها ربها والزرع قائم خيّر بين تركه الى الحصاد بأجرته وبين أخذه بعوضه». وذكر ابن النجار (٢) ايضا: «وان زرع الأرض فليس لربها بعد حصد إلا الأجرة ويخير قبله بين تركه اليه بأجرته أو تملكه بنفقته وهي مثل البذر وعوض لواحقه.». وهذا الرأي لبعض فقهاء المالكية ايضا على ما ذكره ابن جزي (٣). وفي المذهب الجعفري: ذكر الشهيد الثاني (٤): «إذا زرع الغاصب الأرض المغصوبة فنماؤه له. قال ابن الجنيد يتخير المغصوب منه بين ان يدفع الى الغاصب نفقته على العين التي يحدثها ويأخذها وبين ان يتركها له» وقد ردّ على هذا الرأي ثم قال: نعم لمالك الأرض إزالة الغرس والزرع وان لم يبلغ أوانه. ويحكم بين ان يبقيه بأجرة وبين ان يتملكه ويغرم مثل البذر. وهذا الرأي ذهب إليه أبو بكر جابر الجزائري (٥). هذه هي الاتجاهات الثلاث في الفقه الإسلامي بخصوص زراعة الأرض المغصوبة وقد احتج أصحاب كل اتجاه على رأيهم بأدلة سنذكرها. ولكن الذي يهمنا ان نذكره قبل ذلك ان الفقهاء يرون وجوب قلع الزرع من الأرض المغصوبة وتحميل الغاصب نتائج عمله بتضمينه ما يطرأ على الأرض من نقص.

стр. 219

سواء من يذهب الى ان الزرع للمالك فله قلعه والنظر فيما إذا يطرأ على الأرض نقص أم من يذهب الى ان الزرع للغاصب فإنهم أيضا يرون ان للمالك وجوب قلعه استنادا الى قوله ﵌: «ليس لعرق ظالم حق». نلحظ ذلك بما ذكره ابن قاضي سماونة (١) وابن غانم (٢) من فقهاء المذهب الحنفي وما ذكره النووي (٣) في المجموع وهو من الشافعية وفي المذهب الحنبلي ذكره صاحب مختصر الإنصاف (٤) وذكره المحقق الحلي (٥) من الجعفرية والعنسي (٦) من الزيدية. اما الآن فسنذكر أدلة كل فريق من الفقهاء: استدل الذاهبون الى ان الزرع الذي زرعه الغاصب في الأرض المغصوبة إنما يكون لمالك الأرض وان ليس للغاصب شيء منه استدلوا على ذلك بما يأتي: أولا - بما ورد عن رسول الله ﵌ قوله (٧): «من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء ونرد عليه نفقته.» وهذا الحديث في رأيهم صريح في تقرير هذا الحكم ونفي أن يكون للغاصب ما زرعه في أرض الغير تعديا.

стр. 220

ثانيا - «ان الزارع بأرض غيره ظالم ولا حق له بل يخير بين إخراج ما غرسه وأخذ نفقته عليه. والقول انه دليل على ان الزرع للغاصب حمل له على خلاف ظاهره وكيف يقول الشارع ليس لعرق ظالم حقه ويسميه ظالما وينفي عنه الحق ونقول بل له الحق (١).». هذه أهم الأدلة التي استدل بها أصحاب الاتجاه الثاني في الفقه الإسلامي. أما أصحاب الاتجاه الأول والذين ذهبوا الى أن الزرع للغاصب وليس للمالك إلا اجرة الأرض فقد استدلوا بما يأتي: أولا - بما رووه عن الرسول ﵌ من قوله: «الزرع للزارع وإن كان غاصبا». وقد استدل به ابن المرتضى (٢) من فقهاء الزيدية. ونقل الشيخ محمد جواد مغنية (٣) رواية عن الإمام الصادق ﵇ بنفس المضمون ذكرناها آنفا. وهذا الحديث مع فرض تمام صحته صريح في تقرير ان الزرع للغاصب. ثانيا - ان تملك مال الغير بغير إذنه يتوقف على دليل ناقل عن حكم الأصل: عموم قوله ﵌: «لا يحل مال امرؤ مسلم إلا عن طيب نفس منه». وعلى هذا «فما دام الزرع نماء مال الغاصب فلا وجه لتمليكه لمالك (٤) الأرض».

стр. 221

ثالثا - ان حديث «من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء». يحتلم فيه وجوه منها: أ - أنه أراد أنه زرع أرضهم ببذرهم (١). ب - أنه ليس له في الزرع حق الترك والاستبقاء بما بينه بقوله ﵌: «ليس لعرق ظالم حق» (٢). وما استدل به الفريقان تردّ عليه أمور: ١ - ان ما استدل به أصحاب الاتجاه الثاني من قوله ﵌: «من زرع في أرض قوم. إلخ» يحتمل الوجوه التي ذكرها أصحاب الاتجاه الأول. وعليه فيمكن عدم الاعتماد عليه في تقرير هذا الحكم. ٢ - ان حديث: «ليس لعرق ظالم حق» وإن كان قد ورد في مناسبة خاصة ذكرناها عند تخريج هذا الحديث إلا أنه يمكن إعطاءه صفة التعميم وعنده يمكننا أن نستند إليه أيضا في منع مالك الأرض من تملك ما زرعه الغاصب لأنه لا وجه له شرعا. ٣ - ما استدل به أصحاب الاتجاه الأول من قوله ﵌: «الزرع للزراع وإن كان غاصبا» لم يخرجه أحد من رواة الحديث على ما ذكره الصنعاني في سبل السلام (٣) ولم أر تخريجه أيضا في كتب الحديث. وقال عنه الشوكاني: «ولم أقف على هذا الحديث فينظر فيه» وأما رواية الشيخ مغنية (٤)

стр. 222

فإنها إضافة الى معارضتها لما ورد عن الرسول ﵌ من قوله: «من زرع في أرض قوم. إلخ» فإنها غير صريحة في المقام. وقد عقّب الشيخ (١) بعد ذلك بقوله: «وتجدر الإشارة الى أن للمالك أن يجبر الغاصب على إزالة الزرع قبل أن ينضج وإن تضرر ضررا جسيما لأنه هو الذي سبب الإضرار لنفسه هذا بالإضافة إلى أجرة المثل مدة بقاء الزرع في الأرض». وهذا لا يتسق مع ما أورده من الرواية. ولذلك كله فنحن نرشح الاتجاه الثالث في الفقه الإسلامي الذي يذهب الى أن المالك مخير بين تملك الزرع بنفقته وبين تركه للغاصب مع استيفاء أجرة الأرض. وذلك للأسباب التالية: ١ - ان هذا الرأي يتفق مع روح العدالة التي يتحراها الفقه الإسلامي دائما ولأن فيه مصلحة الطرفين وعدم إلحاق الضرر بأي منهما ذلك لأن الغاصب وإن كان معتديا بوضع البذر والزرع في أرض الغير بدون إذنه إلا أنه لا ينبغي أن يقابل بعدوان مثله أي بمصادرة ملكه مطلقا وتمليك ما زرعه للمالك لأن هذا كما عرفنا لا وجه له شرعا. وأما من جهة المالك فإن إعطاءه حق التخيير بإبقاء زرع الغاصب في أرضه بأجرة أو بتملكه لقاء تعويض عادل للغاصب ان ذلك بمثابة إعادة تصرف المغصوب منه في ملكه تصرفا كاملا جريا مع قاعدة «الناس مسلطون على أموالهم». ٢ - ان هذا الرأي يتفق مع قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» ويمكن أن يستند إليها. ٣ - ان هذا الرأي يحول بين ان يجني الغاصب ثمار غصبه في عين الوقت الذي يحفظ له حقه من الهدر.

стр. 223

المبحث الثاني: الغرس والبناء والحفر في الأرض المغصوبة الفرع الأول: الغرس والبناء ان الغاصب قد يغرس غرسا في الأرض المغصوبة أو يبني بناء فيها بمواد من عنده وبأدواته فما هو الحكم هنا. يبدو ان للفقهاء آراء في المقام: الأول: رأي بعض الحنفية والشافعية والحنابلة والجعفرية وهو القول بأن على الغاصب قلع ما غرسه وما بناه في الأرض المغصوبة وردّ الأرض وأرش ما يطرأ عليها بسبب القلع. ذكر ذلك القدوري (١) من فقهاء الحنفية قائلا: «ومن غصب أرضا فغرس فيها أو بنى فيها قيل له أقلع البناء والغرس وردها الى مالكها لقوله ﵌: ليس لعرق ظالم حق». وذكر الشافعي (٢) ذلك أيضا بقوله: «ولو اغتصبه أرضا فغرسها. أو بنى فيها بناء أو شقّ أنهارا كان عليه كراء مثل الأرض بالحال الذي اغتصبه إياها وكان على الباني والغارس أن يقلع بناءه وغرسه فإذا قلعه ضمن ما نقص القلع الأرض حتى يردّ الأرض بحالها حين أخذها». ومن فقهاء الحنابلة ذكر ابن النجار (٣): «وإن غرس أو بنى فيها - أي الأرض المغصوبة أخذ بقلع غرسه أو بنائه وتسويتها وأرش نقصها وأجرتها».

стр. 224

ومن فقهاء المذهب الجعفري: ذكر المحقق الحلي (١): «إذا غصب أرضا فزرعها أو غرسها فالزرع ونماؤه للزارع وعليه أجرة الأرض وإزالة غرسه وزرعه وطمّ الحفر وأرش الأرض ان نقصت.». اما الزيدية (٢) فعلى هذا الرأي لكنهم لا يرون ضمان نقص الأرض. الثاني: أما الرأي الثاني فهو رأي فقهاء المالكية وهو تخيير المالك بين دفع قيمة الغرس والبناء وأخذ الأرض المغصوبة بما عليها أو أمره بقلع غرسه أو بنائه. جاء في المدونة (٣): «قلت أرأيت لو ان رجلا غصب أرضا فغرس فيها شجرا فاستحقها ربها قال: يقال للغاصب أقلع شجرك إلا ان يشاء رب الأرض ان يأخذها بقيمتها مقلوعة وكذلك البنيان إذا كان الغاصب في قلعه منفعة فإنه يقال له اقلعه إلا ان يشاء رب الأرض ان يأخذه بقيمته.». وذكر الدردير (٤): «وخيّر رب الشيء المغصوب إذا كان أرضا ان بنى الغاصب عليها أو غرس فيها شجرا فالخيار لربه لا للغاصب في أخذ ما غصب من الأرض وما فيها من بناء أو غرس مع دفع قيمته منقوضا ان كان له قيمة بعد النقض لا ما لا قيمة له كتراب.». وذكر ابن جزي (٥): «من غصب أرضا فغرس فيها أشجارا لا يؤمر

стр. 225

بقلعها وللمغصوب منه ان يعطيه قيمتها بعد طرح اجرة القلع كالبنيان.». هذان هما الرأيان اللذان استخلصناهما في هذه المسألة ولقد استدل أصحاب الاتجاه الأول بعدة أدلة نذكر منها: ١ - بقوله ﵌: «ليس لعرق ظالم حق» وقد استدل بهذا الحديث القدوري (١) من فقهاء الحنفية والشافعي (٢) والشيرازي (٣) من الشافعية والمقدسي (٤) من الحنابلة والشهيد الثاني من الجعفرية (٥). ومعنى هذا الحديث ما ذكر في هامش المنتقى (٦): قال الترمذي عن محمد ابن المثنى سألت أبا الوليد الطيالسي عن قوله وليس لعرق ظالم حق فقال العرق الظالم الغاصب الذي يأخذ ما ليس له قلت: هو الرجل الذي يغرس في أرض غيره؟ قال: هو ذاك. اهـ. وهكذا يتضح مفهوم هذا الحديث ودلالته على المراد. والأكثر من ذلك ان هذا الحديث إنما ورد في مناسبة لها دلالة على المراد وهي ما ذكره البيهقي (٧) قال: «. عن يحيى بن عروة عن أبيه قال: اختصم رجلان من بياضة الى رسول الله ﵌ غرس أحدهما نخلا في أرض الآخر فقضى رسول

стр. 226

الله ﵌ لصاحب الأرض بأرضه وأمر صاحب النخل ان يخرج نخله منها قال: قال عروة فلقد أخبرني الذي حدثني قال رأيتها وانه ليضرب في أصولها بالفؤوس وانه لنخل عمّ حتى أخرجت.» ٢ - ما ذكره القدوري (١) بقوله: «ان ملك صاحب الأرض باق فإن الأرض لم تصر مستهلكة والغصب لا يتحقق فيها فيؤمر الغاصب بتفريغها كما إذا شغل ظرف غيره بطعامه». ٣ - ما ورد عن الرسول ﵌: «من بنى في أرض قوم بغير إذنهم فله نقضه». هذه هي أهم الأدلة في المقام وهي قوية معتبرة تنهض في اسناد هذا الرأي ولذا فنحن نميل اليه ولا يسعنا المصير الى غيره خصوصا وان الحديث (٢) قد ورد في تأكيد هذا الحكم وليس له ما يعارضه على ما نعلم. أما الرأي الآخر وهو رأي المالكية فلم أعثر لا في كتبهم ولا في غيرها على ما يسنده أو يؤيده لا من رواية معتبرة ولا من حجة منطقية. الفرع الثاني: الحفر في الأرض المغصوبة ان الغاصب قد يحفر بئرا في الأرض التي غصبها فإذا استرد المالك هذه الأرض فهل يحق له إلزام الغاصب بطمّها؟ وإذا رضي المالك ببقاء تلك البئر فما هو الحكم؟ يظهر من كلمات الفقهاء في المقام انهم اختلفوا في مسألة أحقية المالك في إلزام الغاصب طمّ البئر التي حفرها في أرضه المغصوبة:

стр. 227

فذهب الشافعية والحنابلة والجعفرية الى ان المالك إذا طلب من الغاصب طمّ البئر لزمه ذلك. ذكر الشيرازي (١) من فقهاء الشافعية ذلك قائلا: «وان غصب أرضا وحفر فيها بئرا فطالبه صاحب الأرض بطمّها لزمه طمها لأن التراب ملكه وقد نقله من موضعه فلزمه ردّه الى موضعه.». وذكر المرداوي (٢) من فقهاء الحنابلة ذلك أيضا قائلا: «إذا حفر بئرا أو شق نهرا ونحوه في أرض غصبها فطالبه المالك بطمّها لزمه ذلك ان كان لغرض قاله الحارثي.». وذكر الطوسي (٣) من الجعفرية انه: «إذا غصب أرضا وحفر فيها بئرا كان للمالك مطالبته بطمّها لأن على رب الأرض ضررا في ترك طمّها.». وقد خالف هذا الاتجاه فقهاء الزيدية على ما ذكر العنسي (٤) قائلا: «الطمّ ان طلبه صاحب الأرض لم يلزم.». والرأي الأول هو الراجح لما ذكروه من أدلة معتبرة ولأن الغاصب يتحمل مسؤولية تصرفه في المغصوب. وهنا لو أراد الغاصب ان يطمّ البئر التي حفرها دون موافقة المالك أو طلبه فهل يحق له ذلك؟ يظهر ان هناك اتجاهين عند الفقهاء:

стр. 228

الاتجاه الأول: وهو اتجاه الشافعية والصحيح في المذهب الحنبلي ورأي عند الجعفرية (١). وهو القول بأن الغاصب يملك طمّ البئر ابتداء وان لم يرض المالك. ذكر الغزالي (٢) من فقهاء الشافعية انه: «لو حفر بئرا في داره فله طمّها وان أباه المالك. وقد علل ذلك بقوله: «ليخرج عن عهدة التردي» وقد ذكر ذلك الشيرازي (٣) أيضا معللا ذلك بقوله: «لأن له غرضا في طمّها وهو ان يسقط عنه ضمان من يقع فيها. ولذلك يذهب الشيرازي (٤) الى ان المالك إذا أبرأ الغاصب من ضمان من يقع فيها ورضي بوجودها فوجهان أحدهما: يصح الإبراء والثاني لا يصح. أما في المذهب الحنبلي فقد ذكر المرداوي (٥): «وان أراد الغاصب طمّها ابتداء، فلا يخلو أما أن يكون لغرص صحيح أو لا؟ فان كان لغرض صحيح كإسقاط ضمان ما يقع فيها. فله طمّها من غير اذن ربها على الصحيح من المذهب أما إذا أبرأه المالك من ضمان (٦) من يقع فيها فلا يملك طمّها في أحد الوجهين على رأي الحنابلة.». والاتجاه الآخر: يذهب الى ان طمّ البئر التي حفرها الغاصب في أرض المغصوب منه لا يتم إلا بإذن المالك وانه إذا أبرأه ورضي باستبقاء البئر سقط الضمان عن الغاصب. وهذا هو رأي الحنفية واتجاه عند الحنابلة وعند الجعفرية

стр. 229

فقد ذكر ابن غانم (١) من فقهاء الحنفية ذلك بقوله: «ولو حفر بئرا في دار غصب ورضي به المالك وأراد الغاصب الطمّ يمنع عندنا خلافا للشافعي.». وذكر ابن قدامة (٢) من فقهاء الحنابلة ذلك بقوله: «وان غصب أرضا فحفر فيها بئرا ووضع ترابها في أرض مالكها لم يملك طمّها إذا أبرأه المالك من ضمان ما يتلف بها في أحد الوجهين.». وذكر المحقق الحلي (٣) من فقهاء الجعفرية ذلك أيضا قائلا: «ولو حفر الغاصب في الأرض بئرا كان عليه طمّها مع كراهية المالك؟ قيل نعم لتحفظها من درك التردي ولو قيل للمالك منعه كان حسنا، والضمان يسقط عنه برضا المالك باستبقائها». وذكر الشيخ محمد جواد مغنية (٤): «. ولو أراد الغاصب ان يطمّ البئر ويرجع الأرض كما كانت فهل للمالك منعه من ذلك؟ الجواب: أجل له ذلك لأن الطمّ يستلزم التصرف في ملك الغير ولا يجوز لأحد ان يتصرف في ملك غيره إلا بإذنه، أجل إذا تضرر إنسان بسبب البئر في هذه الحال فلا مسؤولية على الغاصب.». وهذا الرأي ذهب إليه الزيدية ايضا على ما ذكره العنسي (٥). وعليه فهذا الاتجاه الثاني الذي يذهب الى ان طمّ البئر التي يحفرها الغاصب لا يتم إلا بإذن المالك وانه إذا أبرأه ورضي ببقاء البئر سقط الضمان عن

стр. 230

الغاصب ان هذا الاتجاه في الفقه الإسلامي هو الذي نميل اليه ونرشحه في المقام وذلك لما يأتي: نقول بأن أصحاب الاتجاه الأول إنما يذهبون الى القول بأن الغاصب يملك طمّ البئر التي حفرها في أرض المغصوب منه وان ابى المالك ذلك لغرض إسقاط الضمان عن الغاصب فيما إذا تردى في البئر أحد وهذا وان كان صحيحا باعتباره يتضمن رفع الضرر عن الغاصب وفيه مصلحة للطرفين إلا انه من جهة أخرى يستلزم التصرف في ملك الغير بدون اذنه وهو ممنوع على ما تبيناه لأنه ينطوي على قصر سلطنة المالك عن ملكه وهو لا وجه له. ونقول ايضا ان الاتجاه الثاني يعالج نقطة إسقاط الضمان عن الغاصب دون ان يقع في محذور التصرف في ملك الغير بغير اذنه وذلك لاشتراطه رضا المالك في الموضوع فإن رضي المالك ببقاء البئر فلا وجه لإجباره على طمّها ثم هو في هذا الحال يكون قد تحمل مسؤولية الضرر المتأتي من وجودها لأنه حين رضي ببقائها فكأنه هو الذي حفرها.

стр. 231

الفصل الثالث اختلاف الغاصب والمغصوب منه ثلاث مباحث المبحث الأول: التنازع في تلف المغصوب وفي ردّه المبحث الثاني: التنازع في صفة المغصوب المبحث الثالث: الاختلاف في قيمة المغصوب

стр. 232

الفصل الثالث: اختلاف الغاصب والمغصوب منه (دعاوي الغصب) ان الغاصب حين مطالبته بردّ المغصوب وإيجابه عليه قد يدعى تلفه وهلاكه ومع بقائه فقد يحدث نزاع وخصام بين المالك والغاصب في صفة المغصوب أو جنسه أو قدره أو قيمته وهنا كيف يتم حسم هذه القضايا من وجهة نظر الفقه الإسلامي. هذا ما سنبحثه في هذا الفصل. مستعرضين آراء الفقهاء في المقام مستخلصين اتجاهاتهم. المبحث الأول: التنازع في تلف المغصوب وفي ردّه الفرع الأول: تلف المغصوب: الظاهر من كلمات الفقهاء في المقام ان هناك اتجاهين في هذه المسألة: الأول: اتجاه جمهور الفقهاء وأولاء يذهبون الى ان المالك إذا تنازع مع الغاصب في تلف المغصوب أي إذا ادعى الغاصب التلف وأنكر المالك مدعيا البقاء فإن القول قول الغاصب مع يمينه. ذكر ذلك الشيرازي (١) من فقهاء المذهب الشافعي قائلا: «إذا اختلف الغاصب والمغصوب منه في تلف المغصوب فقال المغصوب منه هو باق وقال الغاصب تلف فالقول قول الغاصب مع يمينه. وهل يلزمه البدل؟ فيه وجهان. الثاني يلزمه لأنه بيمينه تعذر الرجوع الى العين فاستحق البدل كما لو غصب عبدا فأبق». وذكر ذلك الأردبيلي (٢) أيضا.

стр. 233

وذكر المرداوي (١) من فقهاء المذهب الحنبلي انه: «لو اختلفا في تلف المغصوب فالقول قول الغاصب مع يمينه على الصحيح من المذهب قال في الفروع: قبل قول الغاصب في الأصح وجزم به في المغني وقدمه الحارثي. فعلى المذهب للمغصوب منه أن يطالب الغاصب ببدله». وهو رأي بعض المالكية: ذكر ابن الحطاب (٢): «قال: قال في التوضيح: ولم أر في المهمات وجوب اليمين على الغاصب إذا ادعى التلف. ونصّ ابن عبد السلام على وجوب اليمين هنا في التلف». وهو رأي فقهاء المذهب الجعفري: ذكر المحقق الحلي (٣): «وإذا اختلفا في تلف المغصوب فالقول قول الغاصب مع يمينه فإذا حلف طالبه المالك بالقيمة لتعذر العين». وذكر الشهيد الثاني (٤): «وكذا يحلف الغاصب لو ادعى التلف وإن كان دعوى التلف خلاف الأصل فلو لم يقبل قوله لزم تخليده الحبس لو فرض التلف. ومتى حلف على التلف طولب بالبدل». الاتجاه الآخر: وهو اتجاه المذهب الحنفي والزيدي وهؤلاء يذهبون إلى

стр. 234

أن الغاصب إذا ادعى تلف المغصوب فإنه يحبس مدة بحيث يعلم أنه لو كان باقيا لأظهره ثم يقضي عليه بالبدل. ذكر عبد الله الموصلي (١) من الحنفية: «وإن ادعى الهلاك حبسه الحاكم مدة يعلم أنها لو كانت باقية - أي العين المغصوبة لأظهرها ثم يقضي عليه ببدلها. وذكر ابن المرتضى (٢) من فقهاء الزيدية ذلك قائلا: والقول للمالك في بقاء العين إذ هو الأصل ويريد إسقاط حق المالك فيحبس حتى يظن الحاكم أنها لو كانت باقية سلمها». وفي المذهب الجعفري ذهب الى هذا الرأي جماعة (٣) ولكن اشترطوا اقامة المالك البينة على بقاء العين. ونحن هنا مع هذا الاتجاه لأنه الأقرب الى الصواب ذلك ان الغاصب قد يدعي تلف المغصوب ليتملكه بقيمته بعد ذلك وفي ذلك إضاعة لحقوق العباد واحتيال لأكل أموال الناس بالباطل وهو ما لا تجيزه الشريعة بأي حال. ثم ان دعوى التلف خلاف الأصل ولا يلزم تخليده الحبس كما ذهب جماعة لأنه إنما يحبس مدة بحيث يعلم أنه لو كان المغصوب باقيا لسلمة. وفي ذلك ردع للغصّاب من سلوك مثل هذه الطرق. الفرع الثاني: الاختلاف في ردّ المغصوب وعدمه ذهب الحنفية في هذه المسألة الى أن الغاصب إذا اختلف مع المغصوب منه في ردّ المغصوب فإنه لا يصدق إلا ببينة. قال الكاساني (٤) ذلك معللا:

стр. 235

«لأن الإقرار بالغصب إقرار بوجود سبب وجود الضمان منه فهو بقوله رددت عليك يدعى انفساخ السبب فلا يصدق إلا ببينة». وخالفهم في ذلك الحنابلة إذ ذهبوا الى أن المالك إذا اختلف مع الغاصب حول ردّ المغصوب أو عدمه فالقول قول المالك. ذكر ذلك المرداوي (١) قائلا: «ولو اختلفا في رده أو عيب فالقول قول المالك بلا نزاع أعلمه». وإلى هذا الرأي رأي الحنابلة ذهب الجعفرية فقد ذكر الشهيد الثاني (٢): «ولو اختلفا في الردّ حلف المالك لأصالة عدمه». المبحث الثاني: التنازع في صفة المغصوب ان الغاصب عندما يرد المغصوب فقد يحصل نزاع بينه وبين المالك في صفة المغصوب كأن يدعي المالك أنه غصبه العين جديدة وينكر الغاصب ذلك أو يختلفان في عيب في المغصوب فيدعي الغاصب وجوده قبل الغصب وينكر المالك حينئذ لمن سيكون القول؟ نتناول هذا المبحث ونقسمه الى فرعين: الفرع الأول: الاختلاف في صفة المغصوب من حيث الحداثة والقدم عندما نستعرض كلمات الفقهاء هنا يتبين لنا انهم على اتفاق في هذه المسألة إذ يذهبون الى أن القول هنا للغاصب بيمينه.

стр. 236

ذكر ذلك الكاساني (١) من فقهاء المذهب الحنفي قائلا: «ولو اختلفا في أصل الغصب أو في جنس المغصوب ونوعه أو قدره أو صفته أو قيمته وقت الغصب فالقول في ذلك كله قول الغاصب». وذكر الشيرازي (٢) من فقهاء المذهب الشافعي انه: «ان قال المغصوب منه غصبتني طعاما حديثا وقال الغاصب بل غصبتك عتيقا فالقول قول الغاصب». وذكر المرداوي (٣) من فقهاء الحنابلة: «ان غصبه طعاما فقال كان عتيقا فلا يلزمني حديث فأنكره فالقول قول الغاصب ويأخذ المغصوب منه العتيق». وفي المذهب المالكي: ذكر سحنون (٤): «قلت: أرأيت لو أن رجلا غصب من رجل ثوبا وادعى الغاصب أنه غصبه منه خلقا وقال المغصوب منه غصبتنيه جديدا، قال: القول قول الغاصب مع يمينه». وفي المذهب الزيدي: جاء في التاج (٥): «إذا اختلف الغاصب والمغصوب منه في العين المغصوبة أو في قيمتها كان القول للغاصب مع يمينه الأصلية في القيمة المعتادة والعين والجنس والنوع والصفة والقدر».

стр. 237

وقد علّلوا ذلك بما يأتي: ١ - «ان المغصوب منه يدعي عليه الضمان وهو ينكر ذلك فكان القول قوله إذ القول في الشرع قول المنكر» (١). ٢ - «ان الأصل براءة ذمته فلا يلزمه الحديث» (٢). الفرع الثاني: لو اختلفا في تعيب المغصوب ان الغاصب قد يختلف مع المالك في العيب الموجود في المغصوب كأن يدعي المالك انه إنما حدث عند الغاصب فينكر الغاصب ويدعي أنه غصبه معيبا فلمن سيكون القول هنا؟ وبينة من سترجح؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة ويبدو من كلماتهم في المقام ان هناك رأيين: الأول: ان القول للمالك. الثاني: القول للغاصب. والرأي الأول: هو رأي الحنفية وجمهور الحنابلة وجمهور الجعفرية ووجه عند الزيدية. ذكر الكاساني (٣) من فقهاء الحنفية: «أنه لو ادعى الغاصب ان المغصوب منه هو الذي أحدث العيب في المغصوب فإنه لا يصدق إلا ببينة لأن الإقرار بوجود الغصب منه إقرار بوجود الغصب بجميع أجزائه في ضمانه فهو يدعي احداث العيب من المغصوب منه ويدعي خروج بعض أجزائه من ضمانه فلا يصدق إلا ببينة».

стр. 238

وهنا يعني أن القول بشكل مبدئي للمالك. وذكر المرداوي (١) من فقهاء الحنابلة: «وان اختلفا في رده أو عيب فالقول قول المالك بلا نزاع أعلمه». وذكر المحقق الحلي (٢) من فقهاء الجعفرية: «أما لو ادعى الغاصب عيبا فأنكر المالك فالقول قوله مع يمينه». وذكر ابن المرتضى (٣) من الزيدية: «فرع: فإن قال الغاصب كان معيبا فقيمته كذا. فوجهان: يقبل، إذ الأصل البراءة، ولا إذ الأصل السلامة من العيوب». واحتج هؤلاء بأصالة السلامة من العيوب. أما الرأي الثاني: فهو لبعض الجعفرية ووجه عند الزيدية ورأي للشافعية ورأي لبعض الحنابلة وهو كما قلنا أنهما إذا اختلفا في العيب فالقول للغاصب. ذكر ذلك الشيخ الطوسي (٤) من فقهاء الجعفرية. وقال به ابن إدريس أيضا صاحب السرائر على ما ذكره صاحب مفتاح الكرامة (٥). وأشار إليه المرداوي (٦) من الحنابلة والشيرازي (٧) من الشافعية.

стр. 239

وذكر ابن المرتضى (١) ذلك أيضا كما قدمنا. وعليه فهو وجه عند الزيدية. ونحن نرجح هذا الرأي لأن أصل البراءة يقدم على أصل السلامة فبراءة ذمة الغاصب من الانشغال هي الأولى هنا في التقديم. المبحث الثالث: الاختلاف في قيمة المغصوب وقد يختلف الغاصب مع المغصوب منه في قيمة المغصوب بعد إقراره بالغصب وعندئذ لمن سيكون القول هنا؟ الظاهر من كلمات الفقهاء ان هناك اتجاهين اتجاه جمهور الفقهاء وهم يذهبون الى أن القول للغاصب مع يمينه والاتجاه الآخر اتجاه جماعة من فقهاء الجعفرية وقد ذهبوا الى أن القول للمالك مع يمينه. الاتجاه الأول: اتجاه جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة وجماعة من الجعفرية والزيدية. ذكر الكاساني (٢) من فقهاء الحنفية ذلك قائلا: «ولو اختلفا في أصل الغصب. أو جنس المغصوب. أو قيمته فالقول في ذلك كله قول الغاصب». وفي المذهب الشافعي: القول للغاصب أيضا مع يمينه على ما ذكر في الأم (٣). وفي المذهب الحنبلي: ذكر ابن قدامة (٤): «وان اختلفا في قيمة المغصوب. فالقول قول الغاصب».

стр. 240

وفي المذهب الجعفري: ذكر الشيخ الطوسي (١): «إذا غصب من رجل ثوبا وأتلفه فاختلفا في قيمته فالقول قول الغاصب». وذكر الشهيد الثاني (٢): «وإذا اختلفا في القيمة حلف الغاصب». وفي المذهب الزيدي: ذكر ابن المرتضى (٣): «. وان اتفقا على التلف واختلفا في القيمة، فالقول للغاصب». وإنما ذهبوا الى هذا الرأي للأدلة التالية: أ - «لأن المغصوب منه يدعي عليه الضمان وهو ينكر فكان القول قوله إذ القول في الشرع قول المنكر» (٤). ب - «لأن الأصل براءة ذمته فلا يلزمه إلا ما أقر به كما لو ادعى عليه دينا من غير غصب فأقرّ ببعضه» (٥). ج - «لأن الأصل البراءة من الزيادة على ما أقرّ به إلا أن يدعي خلاف المعتاد» (٦). د - «لأصالة البراءة من الزائد ولأنه منكر ما لم يدع ما يعلم كذبه» (٧). هذه أهم الأدلة التي ساقها الفقهاء في المقام لتأييد قولهم بأن الغاصب إذا اختلف مع المالك في قيمة المغصوب فالقول قوله مع يمينه وهي كما يظهر قوية يمكن الاعتماد عليها لترجيح هذا الرأي.

стр. 241

أما الاتجاه الآخر: وهو اتجاه جماعة من فقهاء الجعفرية فإنهم ذهبوا الى أن القول قول المالك: ذكر المحقق الحلي (١) ذلك قائلا: «إذا تلف المغصوب واختلفا في القيمة فالقول قول المالك مع يمينه وهو قول الأكثر». والظاهر ان هذا القول هو أحد قولي الشيخ الطوسي على ما ذكره السبزواري (٢). ومع ذلك فإن الرأي الراجح عند فقهاء المذهب هو الرأي الأول وهو أن القول للغاصب على ما ذكره النجفي (٣) قائلا: «ان هذا هو الأشبه بأصول المذهب وقواعده التي منها أصل البراءة باعتبار أنه غارم».

стр. 242

الباب الرابع نظرية الحيازة فصلان الفصل الأول ثلاثة مباحث المبحث الأول: التعريف بنظرية الحيازة والتفرقة بينها وبين الغصب المبحث الثاني: عناصر الحيازة وشروطها المبحث الثالث: انتقال الحيازة

стр. 243

المبحث الأول: التعريف بنظرية الحيازة والتفرقة بينها وبين الغصب من المستحسن أولا وقبل الدخول في مجال نظرية الحيازة ان نفرق بينها وبين الغصب وذلك لغرض تأشير الحدود بينهما وليسهل علينا بعد ذلك ان نبحث موارد الالتقاء بينهما في بعض الوجوه. أما الغصب فقد استوضحناه فيما تقدم من بحوث وخلصنا إلى انه «وضع اليد على حق الغير عدوانا.». فاليد هنا اذن يد عادية. أما الحيازة فهي كما عرفها القانون المدني العراقي (١) في الفقرة الاولى من المادة (١١٤٥) ما يلي: «وضع مادي به يسيطر الشخص بنفسه أو بالواسطة سيطرة فعلية على شيء يجوز التعامل فيه أو يستعمل بالفعل حقا من الحقوق.» ونحن هنا لو وضعنا نصب أعيننا شروط الحيازة (٢) التي تتحدد: بالظهور والوضوح والهدوء، لخلصنا من كل ذلك الى ان الحيازة هي غير الغصب وان اليد الحائزة من حيث هي هادئة جديرة بالحماة بخلاف الغصب الذي لا يمكن ان يحميه القانون. والذي يهمنا الآن بعد تقرير هذه الفكرة ان نتحدث عن الحيازة كنظرية لنتعرف من خلال ذلك على وجهة نظر الفقه الإسلامي بالخصوص ايضا. لعل من المستحسن ان نتناول نظرية الحيازة من حيث ابتدأت فكرتها في القانون الروماني حتى أصبحت نظرية متكاملة في القوانين الحديثة: وهنا عندما نرجع الى القانون الروماني (٣) نجد أن الحيازة تعني من وجهة

стр. 244

نظر الفقهاء الرومان: «السلطنة المادية التي لشخص على مال معين سواء استندت هذه السلطة على حق أم لم تستند فوضع اليد هو - في نظرهم - واقعة وليس حقا». وهذا التعريف للحيازة ليس دقيقا بل هو أقرب الى المعنى اللغوي منه الى المعنى الفني «الاصطلاحي». لكنه يبدو ان «الوصف الحديث للحيازة بدأ في التشريع الالماني والسويسري فهي هنا ليست واقعة وإنما هي حق أو مصدر لحقوق (١).». ويظهر ان الفقهاء الفرنسيين يعتبرون الحيازة تبعا للملكية حتى انها لا تكون محمية إلا بسببها وقد قال في ذلك العلامة اهرنج: «ما الحيازة إلا الوجه من الملكية». أما تعريفها في القانون المدني العراقي فقد ذكرناه ومنه يظهر ان القانون المدني العراقي (٢) قد سلك مسلك القانون الفرنسي في تكييف الحيازة فجعلها ذات صلة وثقى بالملكية بحيث تكون لها تبعا وتكون قرينة عليها حتى يقوم الدليل على عكس ذلك كما صرحت المادة (١١٥٧) وقد حماها لذلك بدعاوى الحيازة في المواد (١١٥١) (١١٥٤)، (١١٥٥). والظاهر ان هذه النظرة ليست تبعية تقليدية للقانون الفرنسي وإنما هي ظاهرة ثابتة للشريعة الإسلامية في تقرير معنى الملكية وصيانتها من الاعتداء. أما في التقنين المدني المصري (٣) فقد عرفت الحيازة بأنها: «وضع مادي ينجم عن ان شخصا يسيطر سيطرة فعلية على حق سواء كان الشخص هو

стр. 245

صاحب الحق أم لم يكن والحيازة على هذا التعريف ليست بحق عيني أو حق شخصي بل هي ليست حقا أصلا فهي كالشفعة ليست بحق ولكنها سبب لكسب الحق.». وهنا وبعد هذا الاستعراض لمفهوم الحيازة في القوانين المدنية فإنه ليس من الصعب علينا ان نعثر على نصوص شرعية وفقهية يمكن ان نستند إليها في استخلاص مثل هذه النظرة. ولا يفوتني هنا ان اذكر أولا ان فقهاء القانون قد استخلصوا هذه النظرة فالدكتور الناهي (١) يقول: «ان الشريعة الإسلامية عرفت الحيازة باسم اليد والحائز باسم ذي اليد أو الداخل ومن ينازعه في الحيازة بالخارج وعرفوا ذا اليد بأنه من كان المدعى به في تصرفه.». وذكر حامد مصطفى (٢) ايضا: «ان الشريعة تحترم اليد الحائزة وتجعل ما عداها خارجا تقع عليه كلفة الإثبات بحيث انها تنتهي بالملك المطلق الذي لا تسمح عليه الدعوى فهي في هذه الشريعة قرينة الملكية ودليلها الظاهر.». أما الفقهاء فقد ذكر الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء (٣): «ان اليد هي امارة على الملكية شرعا وعرفا فهي عبارة عن السلطنة والاستيلاء على العين الخارجية وتعرف هذه السلطنة والاستيلاء بآثارها وهي تختلف باختلاف الأعيان والأجناس والزمان والمكان والأوضاع فاليد على الدراهم أي السلطنة والاستيلاء عليها يحصل بوضعها في جيبه أو محفظته أو ما شاكل واليد على الدابة بركوبه عليها ووضعها في اصطبله واليد على الدار سكناه فيها وإيجارها واليد على الأرض بالزرع فيها.».

стр. 246

وذكر السيد كاظم اليزدي (١): «ان اليد امارة على ملكية الأعيان وهي أمارة ايضا على ملكية المنافع وعلى الحقوق كحق الاختصاص وحق الانتفاع وحق التحجير ونحو ذلك.» وذكر القرافي (٢) من فقهاء المالكية: «ان اليد عبارة عن القرب والاتصال وأعظمها ثياب الإنسان التي هي عليه ويليه البساط الذي هو جالس عليه والدابة التي هو راكبها ويليه الدابة التي هو سائقها أو قائدها ويليه الدار التي هو ساكنها.» وذكر الشيرازي (٣) من فقهاء الشافعية: «إذا تداعيا عينا نظرت فان كان لكل واحد منهما بينة نظرت فان كانت العين في يد أحدهما قضي لمن له اليد من غير يمين ومن أصحابنا من قال لا يقضى لصاحب اليد من غير يمين. والمنصوص انه يقضى له من غير يمين لأن معه بينة معها ترجيح وهي اليد ومع الآخر بينة لا ترجيح معها والحجتان إذا تعارضتا ومع أحدهما ترجيح قضي بالتي معها الترجيح». وذكر ابن المرتضى (٤): «بينة الداخل أرجح إذا اختصم رجلان في دابة وبيّن كل منهما انها نتجت عنده فحكم ﵌ لذي اليد.» وذكر ابن حزم (٥): «ان بينة من الشيء في يده غير مسموعة لأن الله تعالى لم يكلفه بينة إنما حكم الله على لسان رسوله ﵌ بأن البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه.»

стр. 247

والظاهر من كل هذه النصوص ان الشريعة الإسلامية تحترم اليد الحائزة وتجعلها امارة ظاهرة ودلالة راجحة على الملك. وقد ورد من النصوص الشرعية ما يؤيد ذلك منها: أولا - ما أورده السيد اليزدي (١) من خبر حفص بن غياث قال «أرأيت إذا رأيت في يد رجل شيئا أيجوز ان اشهد انه له؟ قال نعم الى ان قال ﵇: ولو لم يجز هذا لما قام للمسلمين سوق». ثانيا - وكذلك ما ورد من الاخبار في تعارض البينات ويمكن ان يستدل ايضا بقوله ﵌: «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر أو واليمين على المدعى عليه. (٢)» وهذا الخبر واضح في الدلالة على احترام الشريعة الإسلامية لليد الحائزة وتكليف المدعي مؤنة الإثبات. ثالثا - وقد استدل على احترام اليد بالإجماع (٣) وعلى ان الاتفاق منعقد على ان من كان في يده شيء من الأموال يكون له.». رابعا - ومن وجوه اعتبارها واحترامها بناء العقلاء من جميع الملل والأمم سواء أكانوا من أهل الأديان أم لا على اعتبارها وكونها امارة على ملكية المال لمن في يده فإنهم لا يتوقفون في ترتيب آثار الملكية على ما في أيدي الناس ولا يفتشون عن ان هذا الذي بيده هل له أو لغيره أو مسروق أو مغصوب والشارع المقدس لم يردع عن هذه السيرة والبناء بل أمضاها.

стр. 248

المبحث الثاني: الفرع الأول: عناصر الحيازة الحيازة كما يظهر في القانون الروماني والقانونين المدني المصري والمدني العراقي تتكون من عنصرين أحدهما مادي والثاني معنوي. على ان هناك خلافا في تحديد المراد بكلا العنصرين: وسنتبين ذلك على التوالي: ففي القانون الروماني ذكر عبد السلام ترمانيني (١): «أن الحيازة تتكون من عنصرين: مادي وهو حيازة الشيء وممارسة سلطة فعلية عليه، ومعنوي وهو نية الحائز في ان يظهر بمظهر المالك فمن توفر في وضع يده هذان العنصر ان كان حائزا حقيقيا ووجب على البرينور حمايته ومن فقد العنصر المعنوي كان حائزا عرضيا ولا يستفيد من حماية البرينور.» أما في التقنين المدني المصري فقد جاء في المذكرة الايضاحية للمشروع التمهيدي للتقنين (٢) المدني: «وللحيازة بعد توافر شروطها عنصران: عنصر مادي هو السيطرة المادية وعنصر معنوي هو نية استعمال حق من الحقوق وكما ان الحيازة لا تقوم على مجرد العنصر المادي دون العنصر المعنوي كذلك العكس». وقد شرح الأستاذ السنهوري المراد بالعنصر المادية قائلا: «انه السيطرة المادية وقد تتحقق ابتداء وقد تتحقق انتقالا من الغير وقد يباشر الشخص السيطرة بنفسه وهذا هو الأصل وقد يباشرها بواسطة الغير. وتتحقق السيطرة المادية بأن يحرز الحائز الشيء بيده سواء كان هذا الشيء مملوكا للغير أم غير مملوك إحرازا ماديا ويباشر فيه من الأعمال المادية ما

стр. 249

يباشره المالك عادة في ملكه فإذا كان الشيء دارا مثلا دخل فيها واستحوذ عليها (١) وسكنها.» أما العنصر المعنوي: فقد اختلف فقهاء القانون في تحديده وهناك نظريتان: النظرية الشخصية أو نظرية سافيني الذي يذهب الى ان العنصر المعنوي هو القصد أي قصد التملك أو استعمال الحق وهو عنصر اساسي. أما النظرية المادية أو نظرية اهرنج فهو يذهب الى ان مجرد السيطرة المادية يتضمن العنصر المعنوي وان المباشرة بالاستعمال دليل على ذلك القصد. والظاهر ان التقنين المدني المصري سلك هنا مسلكا وسطا فاستفاد من كلا النظريتين كما ذكر السنهوري (٢) حيث أخذ من حيث المبدأ بالنظرية الشخصية فأوجب لقيام الحيازة توافر العنصر المعنوي وهو عنصر القصد أي نية استعمال حق من الحقوق كما تأثر تأثرا كبيرا بالنظرية المادية فمدّ الحيازة أخذا بهذه النظرية إلى الحقوق الشخصية ولم يقصرها على الحقوق العينية كما قصرتها النظرية الشخصية وقد أخذ أهم تطبيق عملي للنظرية المادية إذا حمى حيازة المستأجر بجميع دعاوي الحيازة. وأشار السنهوري هنا في الهامش الى ان التقنيات في البلاد العربية قد اتجهت اتّجاه القانون المدني المصري. الفرع الثاني: سوء النية وحسنها في الحيازة ان حسن النية هو اعتقاد من يتلقى الحق انه يتلقاه عمن يملكه دون ان يخالجه في ملكيته شك، وسواء ان يكون الحق حق الملكية أو حقا عينيا

стр. 250

آخر أو حقا شخصيا، وإذا ما توافر حسن النية على هذا الوجه لم ينسب إلى الحائز سوء النية وعندئذ لا يقال فيه انه يعتدى على حق الغير لأن الحيازة لا تكون اعتداء إلا إذا كانت غصبا أو إكراها أو على وجه الخفاء والغموض. وهذا التعريف لحسن النية يبدو انه مستخلص من النص القانوني (١) «يعد حسن النية من يجوز الحق وهو يجهل انه يعتدي على حق الغير إلا إذا كان الجهل ناشئا عن خطأ جسيم.» وهذا هو نص المادة: (٩٦٥) مدني مصري والمادة (٩٦٩) مدني ليبي أما المادة (١١٤٨) من القانون المدني العراقي فقد نصت: «يعد حسن النية من يجوز الشيء وهو يجهل انه يعتدي على حق الغير وحسن النية يفترض دائما ما لم يقم الدليل على خلاف ذلك». وقد ذكر حامد مصطفى (٢) على ان المادة (١١٤٨) في عبارتها الأخيرة تنص على المبدأ العام في احترام الحيازة واعتبارها قرينة على وجود الحق فقالت: «يفترض حسن النية في الحيازة دائما ما لم يقم الدليل على خلاف ذلك وقد اقتبس المشرع هذا النص من المادة (٥٤١) من مشروع القانون الايطالي وهذا المبدأ وجداني عام يتفق مع قاعدة الأصل براءة الذمة ودرء الحدود هذا ما لم يثبت العكس وعلى من يعارض الحائز إثبات ذلك وذلك ما أقرته مجلة الأحكام العدلية بنصها على ان بينة الخارج اولى من دعوى الملك المطلق والمقيد.» ويعتبر الحائز سيء النية: «من اغتصب الحيازة من غيره بالإكراه وان
следующие страницы →