← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 676

الفصول في الأصول

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (1 263 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

قِيلَ لَهُ: لَيْسَ هَذَا مِمَّا ذَكَرْنَا فِي شَيْءٍ، مِنْ قِبَلِ تَرْكِ الْقِيَاسِ إلَى قِيَاسٍ آخَرَ، إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْقِيَاسَيْنِ (مَبْنِيًّا عَلَى أُصُولٍ تُوجِبُهُ، فَيَتَسَاوَيَانِ مِنْ جِهَةِ دَلَالَةِ الْأُصُولِ عَلَيْهِمَا. ثُمَّ يَخْتَصُّ أَحَدُ الْقِيَاسَيْنِ) بِضَرْبٍ مِنْ الرُّجْحَانِ يُوجِبُ إلْحَاقَ الْفَرْعِ بِهِ دُونَ الْآخَرِ. وَأَمَّا مَسْأَلَتُنَا فَإِنَّمَا هِيَ فِي قِيَاسٍ تُوجِبُهُ الْأُصُولُ، مُتَّفَقٍ عَلَى صِحَّتِهِ فِي الْأَصْلِ. ثُمَّ يَرِدُ أَثَرٌ بِخِلَافِ مُوجَبِ الْقِيَاسِ، فَيَخُصُّ مَا وَرَدَ فِيهِ مِنْ جُمْلَتِهِ، فَيَجِبُ حِينَئِذٍ تَسْلِيمُ مَا خَصَّهُ الْأَثَرُ، وَلَيْسَ هُنَاكَ قِيَاسُ أُصُولٍ أُخَرَ غَيْرِ مَا يُرِيدُ (فِيهِ) قِيَاسَهُ عَلَى الْأَثَرِ، فَكَانَ حُكْمُ الْقِيَاسِ الْأَصْلِيِّ ثَابِتًا عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرْنَا، غَيْرُ جَائِزٍ تَرْكُهُ لِمَا بَيَّنَّا. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قُلْتُمْ فِي الْمُتَبَايِعَيْنِ إذَا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ: إنَّ الْقِيَاسَ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ، وَأَنْ لَا يَتَحَالَفَا، وَتَرَكْتُمْ الْقِيَاسَ لِلْأَثَرِ فِي إيجَابِ التَّحَالُفِ وَالتَّرَادِّ، ثُمَّ قِسْتُمْ عَلَيْهِ الِاخْتِلَافَ فِي الْإِجَارَةِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَانَ (الشَّيْخُ) أَبُو الْحَسَنِ يَقُولُ: الْقِيَاسُ مَا وَرَدَ بِهِ الْأَثَرُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعٍ لِاسْتِحْقَاقِ مِلْكِ الْعَيْنِ بِوَجْهٍ يَدَّعِيهِ، يُخَالِفُهُ الْآخَرُ فِيهِ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْقِيَاسَ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُشْتَرِي إنَّمَا هُوَ قِيَاسٌ عَلَى أَصْلٍ، وَهُنَاكَ أَصْلٌ آخَرُ يُوجِبُ التَّحَالُفَ وَالتَّرَادَّ غَيْرُ الْأَثَرِ. فَإِنَّمَا ذَكَرُوا أَحَدَ وَجْهَيْ الْقِيَاسِ. وَالْكَلَامُ فِي بَيَانِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا خُرُوجٌ عَمَّا نَحْنُ فِيهِ. وَلَكِنَّا أَرَدْنَا أَنْ نُبَيِّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا بِقَوْلِهِمْ: الْقِيَاسُ عِنْدِي كَذَا، أَنَّ الْأُصُولَ مُوجِبَةٌ لِهَذَا الْقِيَاسِ، فَالسُّؤَالُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ سَاقِطٌ عَنَّا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ. وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ يُجِيبُ عَنْ سُؤَالِ الْإِجَارَةِ مَعَ تَسْلِيمِهِ لِصِحَّةِ السُّؤَالِ، وَأَنَّ الْقِيَاسَ يَمْنَعُ إيجَابَ التَّحَالُفِ. وَإِنَّمَا خُصَّ حَالُ الْإِحْلَافِ بِالْأَثَرِ؛ لِأَنَّا لَمْ نُوجِبْ التَّحَالُفَ فِي الْإِجَارَةِ قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ، بَلْ الْقِيَاسُ نَفْسُهُ يُوجِبُهُ فِي الْإِجَارَةِ كَسَائِرِ الدَّعَاوَى،؛ لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ

стр. 1052

الْمَنَافِعِ كَأَنَّهُ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ. إذْ لَمْ يُمْلَكْ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ، وَإِنَّمَا يُمْلَكُ حَالًّا فَحَالًّا عَلَى حَسَبِ حُدُوثِهَا. فَلَمَّا لَمْ يَحْصُلْ مِلْكُ الْمَنَافِعِ لِلْمُسْتَأْجِرِ بِالْعَقْدِ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا فِي حَالٍ ثَانِيَةٍ، صَارَ كَمَنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ بَاعَهُ هَذَا الْعَبْدَ، وَهُوَ يَجْحَدُ الْبَيْعَ، فَتَجِبُ الْيَمِينُ عَلَيْهِ. كَذَلِكَ الْإِجَارَةُ إذَا لَمْ تَثْبُتْ بَعْدَ مِلْكِ الْمُسْتَأْجِرِ فِي الْمَنَافِعِ. أَلَا تَرَى أَنَّ تَسْلِيمَ الدَّارِ لَا يَقَعُ بِهَا تَسْلِيمُ الْمَنَافِعِ، فَصَارَ الْمُسْتَأْجِرُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ ادَّعَى فِي شِرَاءِ عَبْدٍ يَجْحَدُهُ الْبَائِعُ، فَيَجِبُ الْيَمِينُ عَلَى الْبَائِعِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ الْمَبِيعَةَ مَوْجُودَةٌ يَمْلِكُهَا الْمُشْتَرِي بِاتِّفَاقِهِمَا جَمِيعًا، وَالْبَائِعُ مُعْتَرِفٌ بِذَلِكَ. وَإِنَّمَا يَدَّعِي زِيَادَةَ الثَّمَنِ. فَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُشْتَرِي. وَتَرَكُوا الْقِيَاسَ فِيهِ لِلْأَثَرِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَاجْعَلْ الْأَثَرَ الْوَارِدَ فِي تَخْصِيصِ الْقِيَاسِ أَصْلًا تَقِيسُ عَلَيْهِ نَظَائِرَهُ، كَمَا اعْتَبَرْت الْقِيَاسَ الْأَصْلِيَّ فِي مُقَابَلَةِ هَذَا الْقِيَاسِ، وَتَخْصِيصِهِ عَلَى جِهَةِ تَرْجِيحِ أَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، وَكَمَا تَقُولُ فِي الْفَرْعِ الَّذِي يَتَجَاذَبُهُ أَصْلَانِ فَتُلْحِقُهُ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، لِضَرْبٍ مِنْ التَّرْجِيحِ يُوجِبُهُ بِذَلِكَ الْأَثَرِ لِمَا كَانَ أَصْلًا، وَكَانَ الْقِيَاسُ الَّذِي خَصَّهُ الْأَثَرُ مَبْنِيًّا عَلَى أَصْلٍ، فَقَدْ تَجَاذَبَ الْفَرْعَ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا أَوْجَبَ الْقِيَاسُ الْأَصْلِيُّ. وَالْآخَرُ: مَا يُوجِبُهُ الْأَثَرُ؛ إذْ هُوَ أَصْلٌ. قِيلَ لَهُ: لَوْ اعْتَبَرْنَا مَا ذَكَرْت كَانَ الْقِيَاسُ الْأَصْلِيُّ أَوْلَى مِنْ الْقِيَاسِ عَلَى الْخُصُوصِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ شَهَادَةَ سَائِرِ الْأُصُولِ لِقِيَاسِهَا أَوْلَى مِنْ شَهَادَةِ الْمَخْصُوصِ لِقِيَاسِهِ؛ إذْ كَانَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ أَصْلَيْنِ مِنْ الْقِيَاسِ أَرْجَحَ وَأَقْوَى فِي النَّفْسِ مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ أَصْلٌ وَاحِدٌ. وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى: أَنَّ قِيَاسَ الْأُصُولِ ثَابِتٌ بِالِاتِّفَاقِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، مَعَ وُرُودِ الْأَثَرِ الْمُخَصِّصِ لَهُ، وَقِيَاسَ الْمَخْصُوصِ لَهُ غَيْرُ ثَابِتٍ بِالِاتِّفَاقِ. وَقِيَاسٌ ثَابِتٌ بِالِاتِّفَاقِ أَوْلَى مِنْ قِيَاسٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ. فَإِنْ قَالَ: يَلْزَمُك عَلَى هَذَا: أَنْ (لَا نَقِيسَ) عَلَى الْمَخْصُوصِ، وَإِنْ كَانَ مُعَلَّلًا لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْتَ.

стр. 1053

قِيلَ لَهُ: لَا يَجِبُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عِلَّةً مَنْصُوصًا عَلَيْهَا أَوْلَى مِنْ عِلَّةٍ مُسْتَنْبَطَةٍ، كَمَا أَنَّ حُكْمًا مَنْصُوصًا عَلَيْهِ أَوْلَى مِنْ حُكْمٍ مُسْتَنْبَطٍ. فَصَارَ لِوُرُودِ النَّصِّ بِالتَّعْلِيلِ مَزِيَّةً لَيْسَتْ لِلْقِيَاسِ الْأَصْلِيِّ، فَصَارَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْهُ. وَأَمَّا إذَا وَرَدَ الْأَثَرُ الْمُخَصِّصُ لِلْقِيَاسِ مُعَلَّلًا، فَإِنَّ أَبَا الْحَسَنِ كَانَ يَذْكُرُ أَنَّهُ يَجِبُ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ بِتِلْكَ الْعِلَّةِ. نَحْوُ مَا رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْهِرَّةِ إنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ، وَإِنَّهَا مِنْ سَاكِنِي الْبُيُوتِ» . وَاعْتَبَرَ أَصْحَابُنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي نَظَائِرِهِ مِنْ الْفَأْرَةِ، وَالْحَيَّةِ، وَنَحْوِهِمَا، مِمَّا لَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ مِنْ سُؤْرِهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ، وَقَوْلَهُ: إنَّهَا مِنْ سَاكِنِي الْبُيُوتِ، يُفِيدُ هَذَا الْمَعْنَى. وَإِنَّمَا وَجَبَ إجْرَاءُ هَذَا الْمَعْنَى فِي نَظَائِرِهِ، مِنْ قِبَلِ أَنَّ التَّعْلِيلَ يُوجِبُ اعْتِبَارَ الْمَعْنَى الَّذِي جُعِلَ عِلَّةَ الْحُكْمِ، وَإِجْرَاءَهُ عَلَيْهِ، لَوْلَا ذَلِكَ مَا كَانَ فِيهِ فَائِدَةٌ. وَلَكَانَ يَكُونُ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ بِمَنْزِلَةٍ. أَلَا تَرَى أَنَّ عِلَلَ الْعَقْلِيَّاتِ يُوجِبُ ذَلِكَ وَيُفِيدُهُ، فَإِذَا وَرَدَ النَّصُّ بِتَعْلِيلِ مَعْنًى، عَلِمْنَا أَنَّهُ قَدْ أُرِيدَ مِنَّا اعْتِبَارُهُ فِي نَظَائِرِهِ، وَإِجْرَاءُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ فِيمَا وُجِدَ فِيهِ، مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَانِعٌ. وَقَدْ قَالَ النَّظَّامُ وَهُوَ مِنْ نُفَاةِ الْقِيَاسِ: إنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ لَفْظِ الْعُمُومِ، يَجِبُ اعْتِبَارُهُ فِيمَا وُجِدَ فِيهِ، وَلَمْ يُجْعَلْ وُجُوبُ إجْرَاءِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ، بَلْ جَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَنْصُوصِ عَلَى حُكْمِهِ. وَهَذَا عِنْدَنَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَصًّا فِي إيجَابِ الْحُكْمِ فِيمَا وُجِدَ فِيهِ، فَإِنَّهُ يُفِيدُ مِنْ جِهَةِ الدَّلَالَةِ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، مُعْتَبَرًا بِهِ. وَمَنْ لَا يَعْتَبِرُهُ فَإِنَّهُ يُسْقِطُ فَائِدَةَ التَّعْلِيلِ، وَيَجْعَلُ وُجُودَهُ وَعَدَمَهُ بِمَنْزِلَةٍ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا فِي كَلَامِ الرَّسُولِ ﷺ .

стр. 1054

فَإِنْ قِيلَ: يَلْزَمُك عَلَى هَذَا الْأَصْلِ قِيَاسُ سَائِرِ الْأَنْبِذَةِ عَلَى نَبِيذِ التَّمْرِ، فِي جَوَازِ الْوُضُوءِ بِهِ، لِقَوْلِهِ ﷺ : «ثَمَرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ» ؛ لِأَنَّ نَبِيذَ الزَّبِيبِ زَبِيبٌ طَيِّبٌ، وَمَاءٌ طَهُورٌ. وَيَلْزَمُك أَنْ تَقِيسَ الْأَكْلَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْأَكْلِ فِي الصَّوْمِ، وَقِيَاسُ الْمُكْرَهِ عَلَى الْآكِلِ نَاسِيًا، لِتَعْلِيلِ النَّبِيِّ ﷺ الْأَكْلَ نَاسِيًا فِي الصَّوْمِ (بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَطْعَمَهُ، وَسَقَاهُ) وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الْمُكْرَهِ، وَفِي الَّذِي يَظُنُّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَابَتْ، وَاَلَّذِي يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ، فَأَكَلَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَطْعَمَهُمْ وَسَقَاهُمْ، حِينَ أَبَاحَ لَهُمْ الْأَكْلَ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ. قِيلَ لَهُ: لَا يَجِبُ ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا عَلَّلَ بِهِ نَبِيذَ التَّمْرِ، غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي سَائِرِ الْأَنْبِذَةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: «ثَمَرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ» وَهَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي نَبِيذِ الزَّبِيبِ. وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنَّ مَنْ يُوجِبُ اعْتِبَارَ الْقِيَاسِ فِي ذَلِكَ يَجْعَلُ مُرَادَ قَوْلِهِ «ثَمَرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ» أَنَّ أَصْلَ التَّمْرِ (طَيِّبٌ) وَالْمَاءُ طَاهِرٌ، فَلَا يَمْنَعُ مَا عَرَضَ فِي الْمَاءِ وَالتَّمْرِ مِنْ الِاسْتِحَالَةِ إلَى النَّبِيذِ مِنْ جَوَازِ الْوُضُوءِ بِهِ. وَهَذَا الِاعْتِلَالُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ اعْتِبَارُهُ لَجَازَ الْوُضُوءُ بِالْخَلِّ لِطِيبِ (الْأَصْلِ) الَّذِي كَانَ فِيهِ، وَطَهَارَةِ الْمَاءِ الَّذِي خَالَطَهُ، وَلَجَازَ الْوُضُوءُ بِالْمَرَقِ،، لِهَذِهِ الْعِلَّةِ. وَهَذَا قِيَاسٌ مَدْفُوعٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ وَعَلَى هَذَا الْمِنْهَاجِ نَقُولُ فِي قَوْلِهِ «إنَّ اللَّهَ أَطْعَمَكَ وَسَقَاكَ» عَلَى الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَا فِي قَوْلِهِ: «ثَمَرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ» مِنْ قِبَلِ أَنَّ قَوْلَهُ: إنَّ اللَّهَ أَطْعَمَكَ وَسَقَاكَ، لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِ الْآكِلِ وَالشَّارِبِ.

стр. 1055

وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: اتِّفَاقُ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ الْأَكْلَ فِي الصَّلَاةِ يُفْسِدُهَا، فَلَمْ يُجْرِهِ أَحَدٌ مَجْرَى التَّعْلِيلِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ إبَاحَةَ الْأَكْلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَنْ أُبِيحَ لَهُ الْأَكْلُ مِنْ مَرِيضٍ، أَوْ مُسَافِرٍ، أَوْ حَائِضٍ، أَنْ لَا يُفْطِرَهُ ذَلِكَ، وَلَا يَجِبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ، لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ الِاعْتِلَالِ الَّذِي يَجِبُ اعْتِبَارُهُ فِي غَيْرِهِ (مِنْ) نَظَائِرِهِ. فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: إنَّ اللَّهَ أَطْعَمَكَ وَسَقَاكَ أَنَّ النِّسْيَانَ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ كَانَ الْأَكْلُ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى، فَكَانَتْ هَذِهِ عِلَّةً لِلْمَنْعِ فِي إيجَابِ الْقَضَاءِ. قِيلَ لَهُ: فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ عَلَى الْحَائِضِ وَالْمَرِيضِ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ وَالْمَرَضَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ، فَثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ تَعْلِيلَ النِّسْيَانِ، فَلَمْ يَجِبْ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ.

стр. 1056

[بَابُ ذِكْرِ الْأُصُولِ الَّتِي يُقَاسُ عَلَيْهَا] قَالَ أَبُو بَكْرٍ: كُلُّ حُكْمٍ ثَبَتَ وَصَحَّ مِنْ الْوُجُوهِ الَّتِي ثَبَتَتْ بِهَا الْأَحْكَامُ، فَجَائِزٌ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ، إذَا قَامَتْ الدَّلَالَةُ عَلَى وُجُودِ الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ عِلَّةٌ لِلْحُكْمِ فِيهِ، سَوَاءٌ كَانَ مَا فِيهِ الْمَعْنَى أَصْلًا ثَابِتًا بِتَوْقِيفٍ وَاتِّفَاقٍ، أَوْ بِدَلَالَةِ غَيْرِهِمَا، فَالْقِيَاسُ وَاجِبٌ عَلَى نَصِّ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَعَلَى إجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَعَلَى مَا ثَبَتَ مِنْ طَرِيقِ الْآحَادِ، بَعْدَ أَنْ لَا مُخَصِّصَ لِلْقِيَاسِ مُوجِبًا لِلْحُكْمِ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ بَيَانِهِ. يَجُوزُ الْقِيَاسُ أَيْضًا عَلَى حُكْمٍ قَدْ ثَبَتَ مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ، وَإِنْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ. وَذَلِكَ نَحْوُ أَنْ يَقُولَ: لَمَّا ثَبَتَ عِنْدَنَا جَوَازُ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ بِالدَّلَالَةِ الْمُوجِبَةِ لَهُ، كَانَ النِّكَاحُ بِمَثَابَتِهِ فِي جَوَازِ وُقُوفِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَقْدَيْنِ لَهُ مُجِيزٌ. فَمِنْ حَيْثُ وَقَفَ أَحَدُهُمَا إذَا عَقَدَ بِغَيْرِ أَمْرِ مَالِكِهِ كَانَ كَذَلِكَ حُكْمُ الْآخَرِ. لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَا، كَمَا نَقُولُ فِي إفْسَادِ صَلَاةِ الرَّجُلِ مُحَاذَاةَ الْمَرْأَةِ إذَا اشْتَرَكَا فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، قِيَاسًا عَلَى إفْسَادِهَا إذَا قَامَ قُدَّامَ الْإِمَامِ. وَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَنَا أَنَّ قِيَامَهُ قُدَّامَ الْإِمَامِ يُفْسِدُهَا، وَإِنْ خَالَفَنَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فِيهِ، فَجَائِزٌ لَنَا أَنْ نَبْنِيَ هَذَا الْفَرْعَ عَلَى مَا قَدْ ثَبَتَ عِنْدَنَا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ، مَعَ وُجُودِ الْخِلَافِ فِيهِ. وَتَكُونُ الْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ قَامَ مَقَامًا لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُومَهُ بِحَالٍ، مَعَ اخْتِصَاصِهِ بِالنَّهْيِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي مَوْضِعِهِ، وَكَمَا نَبْنِي تَحْرِيمَ النَّسَاءِ بِوُجُودِ الْكَيْلِ، أَوْ الْجِنْسِ عَلَى أَصْلِنَا فِي اعْتِبَارِهِمَا فِي تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ.

стр. 1057

وَنَظَائِرُ ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، وَإِنَّمَا أَرَدْنَا أَنْ نُبَيِّنَ وَجْهَ جَوَازِ الْقِيَاسِ عَلَى حُكْمٍ ثَبَتَ مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ مَعَ وُجُودِ الْخِلَافِ فِي الْأَصْلِ. . فَإِذْ قَدْ بَيَّنَّا الْأُصُولَ (الَّتِي يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَيْهَا، فَالْوَجْهُ أَنْ نَذْكُرَ مَتَى تُقَاسُ الْحَادِثَةُ عَلَى الْأَصْلِ، وَهَلْ يُعْتَبَرُ الْأَصْلُ) أَوَّلًا فِي كَوْنِهِ مَعْلُولًا، ثُمَّ يُقَاسُ. أَوْ لَا اعْتِبَارَ بِذَلِكَ، وَيُقَاسُ عَلَى كُلِّ أَصْلٍ مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ. وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ يَقُولُ: لَمَّا ثَبَتَ وُجُوبُ الْقَوْلِ بِالْقِيَاسِ، كَانَ لِي أَنْ أَقِيسَ عَلَى كُلِّ أَصْلٍ، حَتَّى تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ أَصْلًا لَيْسَ بِمَعْلُولٍ، وَلَا يَجُوزُ حِينَئِذٍ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ. قِيلَ لِأَبِي الْحَسَنِ: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ هَهُنَا أَصْلًا يُقَاسُ عَلَيْهِ، وَأَصْلًا لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ. فَمَا أَنْكَرْتَ مِمَّنْ قَالَ: إنَّ الْقِيَاسَ غَيْرُ سَائِغٍ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْأُصُولِ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى أَصْلٍ بِعَيْنِهِ أَنَّهُ مَعْلُولٌ؟ فَأَجَابَ: بِأَنَّهُ لَيْسَ هَهُنَا دَلِيلٌ يَدُلُّنَا عَلَى أَصْلٍ مِنْ الْأُصُولِ بِعَيْنِهِ أَنَّهُ مَعْلُولٌ، إلَّا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ صِحَّةِ وُجُوبِ الْقِيَاسِ فِي الْجُمْلَةِ. فَلَوْ أَنَّا تَوَقَّفْنَا عَنْ الْقِيَاسِ حَتَّى تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى أَصْلٍ بِعَيْنِهِ أَنَّهُ مَعْلُولٌ. لَأَدَّى ذَلِكَ إلَى إبْطَالِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّا لَمْ نَجِدْ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلًا، وَمَا أَدَّى إلَى إبْطَالِ الْقِيَاسِ، فَهُوَ فَاسِدٌ،؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْقِيَاسِ قَدْ صَحَّ فِي الْجُمْلَةِ بِالدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. قِيلَ لَهُ: قَدْ اخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ فِي مَسَائِلَ، وَبَنَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَذْهَبَهُ عَلَى أَصْلٍ. وَفِي إجْمَاعِهِمْ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هُنَاكَ أَصْلًا مَعْلُولًا. وَفِي ذَلِكَ إثْبَاتُ أَصْلٍ مَعْلُولٍ عَلَى غَيْرِ الْجِهَةِ الَّتِي ذَكَرْت.

стр. 1058

فَأَجَابَ: بِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا اخْتَلَفَتْ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَدَّ الْمَسْأَلَةَ إلَى أَصْلٍ لَمْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ الْآخَرُ، فَلَمْ يُجْمِعُوا عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ أَنَّهُ مَعْلُولٌ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا الَّذِي سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ يَقُولُهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ، مَعْنَاهُ عِنْدِي: أَنَّ الْفَقِيهَ لَا يَحْتَاجُ عِنْدَ حُدُوثِ الْحَادِثَةِ، أَنْ يَتَوَقَّفَ عَنْ عَرْضِهَا عَلَى الْأُصُولِ، وَاعْتِبَارِهَا بِنَظَائِرِهَا مِنْهَا، حِينَ يَجِدُ أَصْلًا مَعْلُولًا لِهَذِهِ الْحَادِثَةِ بِعَيْنِهَا. بَلْ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ عَرْضُهَا عَلَى سَائِرِ الْأُصُولِ، وَإِلْحَاقُهَا بِالْأَشْبَهِ مِنْهَا، حَتَّى تَقُومَ الدَّلَالَةُ. أَنَّ شَيْئًا مِنْهَا غَيْرُ مَعْلُولٍ، فَلَا يَرُدَّ الْحَادِثَةَ إلَيْهِ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا، وَذَلِكَ أَنَّ مِنْ الْأُصُولِ مَا قَدْ قَامَتْ دَلَالَتُهُ أَنَّهُ مَعْلُولٌ يَجِبُ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ، (إمَّا مِنْ جِهَةِ النَّصِّ، وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ الِاتِّفَاقِ) ، أَوْ بِدَلَالَةِ فَحْوَى الْخِطَابِ، فَمِمَّا ثَبَتَ أَنَّهُ مَعْلُولٌ بِاتِّفَاقِ الْقَائِسِينَ: تَحْرِيمُ النَّبِيِّ ﷺ التَّفَاضُلَ فِي الْأَصْنَافِ السِّتَّةِ، وَاتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِالْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا الْأَصْلَ مَعْلُولٌ، بِمَعْنًى يَجِبُ اعْتِبَارُهُ فِي أَغْيَارِهِ، وَحَمْلُ مَا سِوَاهُ عَلَيْهِ، مِمَّا يُشَارِكُهُ فِي عِلَّتِهِ، وَدَلَالَةُ فَحْوَى الْخِطَابِ (بِهِ) ظَاهِرَةٌ فِي كَوْنِهِ مُعَلِّلًا لِقَوْلِهِ فِي سِيَاقِ اللَّفْظِ. «فَإِذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ» فَلَمَّا مَنَعَ التَّفَاضُلَ عِنْدَ وُجُودِ الْجِنْسِ فِيمَا ذُكِرَ وَأَبَاحَهُ عِنْدَ عَدَمِهِ، دَلَّ عَلَى أَنَّ هُنَاكَ مَعْنًى مِنْ أَجْلِهِ وَقَعَ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ مُعَلَّلٌ بِمَعْنًى يَجِبُ الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ، وَاعْتِبَارُهُ فِي نَظَائِرِهِ، فَوَجَبَ حِينَئِذٍ طَلَبُ الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ عَلَمٌ لِلْحُكْمِ وَيُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِدَلَالَةٍ. وَنَحْوُهُ «قَوْلُهُ ﷺ حِينَ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ إنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَأَرِيقُوهُ» فَفَرَّقَ بَيْنَ الْمَائِعِ وَالْجَامِدِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هُنَاكَ مَعْنًى بِهِ تَعَلَّقَ حُكْمُ النَّجَاسَةِ، مِنْ أَجْلِهِ اخْتَلَفَ حُكْمُ الْجَامِدِ وَالْمَائِعِ، فَثَبَتَ أَنَّهُ مَعْلُولٌ، وَوَجَبَ طَلَبُ الْمَعْنَى حِينَئِذٍ بِالِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ. وَمِنْ الْأُصُولِ مَا يَكُونُ مَعْلُولًا بِعِلَّةٍ مَنْصُوصٍ عَلَيْهَا، كَقَوْلِهِ ﷺ فِي الْهِرَّةِ «إنَّهَا مِنْ

стр. 1059

الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ» «وَقَوْلِهِ ﷺ لِبَرِيرَةَ مَلَكْتِ بُضْعَكِ فَاخْتَارِي» . ، ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي رَدِّ الْحَادِثَةِ إلَى الْأُصُولِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّ الْوَاجِبَ عَرْضُهَا عَلَى الْأُصُولِ، وَإِلْحَاقُهَا بِالْأَشْبَهِ مِنْهَا، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْأَصْلُ مِنْ جِنْسِهَا، أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا، بَعْدَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ عَلَمٌ لِلْحُكْمِ. وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ يَقُولُ: إنَّ الْحَادِثَةَ إذَا تَجَاذَبَهَا أَصْلَانِ فَرَدُّهَا إلَى مَا قَرُبَ مِنْهَا، وَإِلَى مَا هُوَ مِنْ بَابِهَا وَمِنْ جِنْسِهَا، أَوْلَى مِنْ رَدِّهَا إلَى مَا بَعُدَ مِنْهَا، وَإِلَى خِلَافِ جِنْسِهَا. وَلِذَلِكَ قَوْلُنَا فِي الِاعْتِكَافِ: (إنَّهُ) لَمَّا كَانَ لَبْثًا فِي مَكَان، وَجَبَ أَنْ لَا يَصِحَّ إلَّا بِانْضِمَامِ مَعْنًى آخَرَ إلَيْهِ هُوَ قُرْبَةٌ فِي نَفْسِهِ: قِيَاسًا. فَعَارَضُونَا بِالصَّوْمِ: أَنَّ الْإِمْسَاكَ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ فِي نَفْسِهِ، ثُمَّ يَصِيرُ قُرْبَةً بِمُضَامَّةِ النِّيَّةِ إيَّاهُ. فَهَلَّا كَانَ الْمَعْنَى الْمَضْمُومُ إلَى الِاعْتِكَافِ فِي كَوْنِهِ قُرْبَةً هُوَ النِّيَّةَ، حَسْبَ مَا قُلْنَا فِي الصَّوْمِ؟ وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ إذَا أَلْزَمَ مِثْلَ هَذَا يَقُولُ: إنَّ رَدَّ الِاعْتِكَافِ إلَى الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ أَوْلَى مِنْ رَدِّهِ إلَى الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ؛ إذْ كَانَ الِاعْتِكَافُ لَبْثًا كَالْوُقُوفِ، وَمَا وَجَدْنَا لِهَذَا نَظِيرًا مِنْ جِنْسِهِ، فَحَمْلُهُ عَلَيْهِ (وَرَدُّهَا إلَيْهِ) (أَوْلَى مِنْ رَدٍّ) إلَى مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ،

стр. 1060

وَكَانَ الَّذِي اُعْتُبِرَ فِي صِحَّةِ الصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ مَعَ الْإِمْسَاكِ: هُوَ النِّيَّةُ، وَالنِّيَّةُ فِي نَفْسِهَا لَيْسَتْ بِقُرْبَةٍ، وَاَلَّذِي اُعْتُبِرَ فِي كَوْنِ الْوُقُوفِ قُرْبَةً: هُوَ الْإِحْرَامُ، وَهُوَ قُرْبَةٌ فِي نَفْسِهِ، فَكَانَ شَرْطُ الصَّوْمِ فِي الِاعْتِكَافِ أَوْلَى مِنْ شَرْطِ النِّيَّةِ؛ إذْ كَانَ الصَّوْمُ قُرْبَةً فِي نَفْسِهِ، وَإِنْ انْفَرَدَ عَنْ الِاعْتِكَافِ بِعِلَّةِ أَنَّهُمَا جَمِيعًا لَبْثٌ فِي مَكَان. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمِنْ نَظَائِرِ ذَلِكَ أَنَّا إذَا اخْتَلَفْنَا فِي عَدَدِ مَسْحِ الرَّأْسِ فِي الطَّهَارَةِ كَانَ قِيَاسُهُ عَلَى سَائِرِ الْمَمْسُوحَاتِ مِنْ نَحْوِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَمَسْحِ التَّيَمُّمِ فِي كَوْنِهِ مَرَّةً أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهِ عَلَى الْمَغْسُولِ مِنْ الْأَعْضَاءِ؛ لِأَنَّ رَدَّ الْمَسْحِ إلَى مَسْحٍ هُوَ مِنْ بَابِهِ وَمِنْ جِنْسِهِ، أَوْلَى مِنْ رَدِّهِ إلَى غَسْلٍ لَيْسَ هُوَ مِنْ بَابِهِ. وَنَحْوُهُ إذَا اخْتَلَفْنَا فِي زَكَاةِ الْحُلِيِّ، فَرَدُّوهُ إلَى ثِيَابِ الْبِذْلَةِ فِي سُقُوطِ الزَّكَاةِ، كَانَ رَدُّنَا إيَّاهُ إلَى السَّبَائِكِ، وَالنُّقَرِ، أَوْلَى فِي بَابِ إيجَابِهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الثِّيَابُ. وَكَقَوْلِهِمْ: فِي أَنَّ أَكْثَرَ الطَّوَافِ يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ فِي بَابِ الْإِجْزَاءِ، قِيَاسًا عَلَى قِيَامِ أَكْثَرِ أَفْعَالِ الْحَجِّ مَقَامَ الْجَمِيعِ فِي بَابِ الْإِجْزَاءِ (إذَا كَانَتْ أَرْكَانُ الْحَجِّ: الْإِحْرَامَ) ، وَالْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ، وَطَوَافَ الزِّيَارَةِ، ثُمَّ إذَا وَقَفَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ لَمْ يَلْحَقْهُ فَسَادٌ، وَقَامَ مَقَامَ الْجَمِيعِ، وَلَمْ يَقِيسُوا فِعْلَ أَكْثَرِ الطَّوَافِ فِي بَابِ الْإِجْزَاءِ عَلَى رَكَعَاتِ الصَّلَاةِ فِي بَابِ: (أَنَّ) أَكْثَرَهَا لَا يَقُومُ مَقَامَ الْجَمِيعِ فِي بَابِ الْإِجْزَاءِ؛ إذْ كَانَ رَدُّ الطَّوَافِ إلَى مَا هُوَ فِي بَابِهِ مِنْ أَفْعَالِ الْإِحْرَامِ، أَوْلَى مِنْ رَدِّهِ إلَى مَا لَيْسَ مِنْ بَابِهِ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ. وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ يَقُولُ فِي الْحَادِثَةِ: إذَا كَانَتْ مِنْ أَصْلٍ مُخَالِفٍ لِأَصْلٍ آخَرَ فِي مَوْضُوعِهِمَا فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ إلَى الْأَصْلِ الَّذِي (يُخَالِفُ) لِأَصْلِ الْحَادِثَةِ فِي مَوْضُوعِهِ.

стр. 1061

قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَظَاهِرُ هَذَا الْقَوْلِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُرَدَّ إلَى الْأَصْلِ الَّذِي خَالَفَ أَصْلَ الْحَادِثَةِ رَأْسًا، كَقَوْلِهِمْ فِي مَسْأَلَةِ الْمُحْرِمِ إذَا حَلَقَ رُبُعَ رَأْسِهِ: إنَّ عَلَيْهِ دَمًا، وَقَدَّرُوا الرُّبُعَ اجْتِهَادًا، مَعَ كَوْنِ الرَّأْسِ عُضْوًا بِنَفْسِهِ لَا نَظِيرَ لَهُ فِي الْبَدَنِ. وَفَرَّقُوا بَيْنَ حَلْقِهِ رُبُعَ الرَّأْسِ، وَبَيْنَ حَلْقِ رُبُعِ أَحَدِ الْإِبِطَيْنِ؛ لِأَنَّ لَهُ فِي الْبَدَنِ عُضْوًا نَظِيرَهُ، فَصَارَ أَخَفَّ حُكْمًا مِنْ الرَّأْسِ الَّذِي لَا مُشَارِكَ لَهُ فِي الْبَدَنِ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا عِنْدَهُمْ كَكَشْفِ الْعَوْرَةِ، فِي أَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ حُكْمُ مَا لَهُ مِنْهَا نَظِيرٌ، وَمَا لَا نَظِيرَ لَهُ مِنْهَا، فِي أَنَّ كَشْفَ الرُّبُعِ يُفْسِدُ الصَّلَاةَ، فَكَانَ يَمْنَعُ قِيَاسَ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَ الصَّلَاةِ فِي الْأَصْلِ مُخَالِفٌ لِمَوْضُوعِ الْإِحْرَامِ فِي أَحْكَامِهَا. أَلَا تَرَى أَنَّ يَسِيرَ كَشْفِ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ لَا حُكْمَ لَهُ، وَأَنَّ يَسِيرَ الْحَلْقِ فِي الْإِحْرَامِ لَا يَخْلُو مِنْ إيجَابِ شَيْءٍ. فَلَمَّا اخْتَلَفَ مَوْضُوعُ أَحْكَامِهِمَا فِي الْأَصْلِ، امْتَنَعَ قِيَاسُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ. قَالَ: وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ إنَّمَا تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْعِلَلِ وَالْمَعَانِي، فَإِذَا اخْتَلَفَ (أَحْكَامُ) الْأَصْلَيْنِ فِي مَوْضُوعِهِمَا اسْتَدْلَلْنَا بِذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِ عِلِّيَّتِهِمَا الْمُوجِبَةِ لِاخْتِلَافِ أَحْكَامِهِمَا، وَلَا يَصِحُّ اتِّفَاقُ الْحُكْمَيْنِ مَعَ اخْتِلَافِ الْعِلَلِ الْمُوجِبِ لِاخْتِلَافِ الْأَحْكَامِ. قَالَ: وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ قِيَاسُ الْأُضْحِيَّةِ عَلَى الْحَلْقِ، وَلَا كَشْفِ الْعَوْرَةِ فِي اعْتِبَارِ الرُّبُعِ فِيمَا يَذْهَبُ مِنْ الْأُذُنِ، وَالْعَيْنِ، أَوْ الذَّنَبِ، بَلْ اعْتَبَرُوا فِيهَا بَقَاءَ الْأَكْثَرِ، وَمَنَعُوا قِيَاسَهُ عَلَى الْحَلْقِ وَكَشْفِ الْعَوْرَةِ لِمَا وَصَفْنَا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمِنْ نَظَائِرِ ذَلِكَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ، (وَمُحَمَّدٌ) ، فِيمَنْ جَامَعَ مِرَارًا فِي إحْرَامِهِ فِي مَجَالِسَ مُخْتَلِفَةٍ، أَنَّهُ يَجِبُ لِكُلِّ جِمَاعٍ دَمٌ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ دَمٌ وَاحِدٌ، مَا لَمْ يُكَفِّرْ، قِيَاسًا عَلَى كَفَّارَةِ رَمَضَانَ، وَلَمْ يَرُدَّاهَا عَلَى كَفَّارَةِ رَمَضَانَ، لِمُخَالَفَةِ كَفَّارَةِ الْإِحْرَامِ لِكَفَّارَةِ رَمَضَانَ فِي مَوْضُوعِهِمَا فِي الْأَصْلِ.

стр. 1062

أَلَا تَرَى أَنَّ كَفَّارَةَ الْإِحْرَامِ لَا يُسْقِطُهَا الْعُذْرُ، وَأَنَّ كَفَّارَةَ رَمَضَانَ لَا تَجِبُ مَعَ الْعُذْرِ، فَلَمَّا اخْتَلَفَ مَوْضُوعُهُمَا فِي الْأَصْلِ، لَمْ تُرَدَّ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى. وَكَانَ يَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ قِيَاسِنَا الْخُلْعَ عَلَى دَمِ الْعَمْدِ مَعَ اخْتِلَافِ أَصْلَيْهِمَا،؛ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُخْتَلِفَيْنِ فِي مَوْضُوعِ أَحْكَامِهِمَا،؛ لِأَنَّ الْبُضْعَ لَيْسَ بِمَالٍ، وَكَذَلِكَ دَمُ الْعَمْدِ. وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الطَّلَاقِ وَالْعَفْوِ عَنْ الدَّمِ لَا يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ بَعْدَ وُقُوعِهِ، وَيَجُوزُ إسْقَاطُهُ فِي الْمَرَضِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَيَجُوزُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى ضُرُوبٍ مِنْ الْجَهَالَةِ لَا تَجْرِي مِثْلُهَا فِي الْبِيَاعَاتِ. فَلَمَّا لَمْ يَخْتَلِفَا فِي مَوْضُوعِ أَحْكَامِهِمَا فِي الْأَصْلِ، سَاغَ قِيَاسُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا قَدَّمْنَا حِكَايَتَهُ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ فِي الْفَصْلِ الْمُتَقَدِّمِ: هُوَ ضَرْبٌ مِنْ تَرْجِيحِ الْعِلَلِ إذَا عَارَضَتْهَا عِلَلٌ غَيْرُهَا، فَيَكُونُ إلْحَاقُهَا بِجِنْسِهَا، وَ (مَا) هُوَ مِنْ بَابِهَا، وَفِي حُكْمِهَا أَوْلَى. فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ جَوَازُ الْقِيَاسِ مَقْصُورًا عَلَى رَدِّ الْحَادِثَةِ إلَى مَا هُوَ مِنْ جِنْسِهَا، دُونَ غَيْرِهِ (فَلَا، بَلْ) الْقِيَاسُ جَائِزٌ عَلَى مَا هُوَ الْحَادِثَةُ، وَعَلَى مَا يُعَدُّ مِنْهَا بَعْدَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ عَلَمُ الْحُكْمِ. وَمَسَائِلُ أَصْحَابِنَا واعتلالاتهم تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْقَائِسِينَ يَمْنَعُ مِنْ تَجْوِيزِ ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ. وَقَدْ كَانَ أَبُو الْحَسَنِ يَرُدُّ الْوَطْءَ الْكَثِيرَ الْوَاقِعَ فِي الْإِحْرَامِ عَلَى جِهَةِ الرَّفْضِ، وَالْإِحْلَالِ، فِي بَابِ وُجُوبِ الِاقْتِصَارِ بِهِ عَلَى دَمٍ وَاحِدٍ عَلَى الْوَطْءِ الْكَثِيرِ الْوَاقِعِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ، لَمَّا وَقَعَ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ، لَمْ يَجِبْ إلَّا مَهْرٌ وَاحِدٌ، كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْوَطْءِ الْوَاحِدِ. وَقَدْ رَدَّ النَّبِيُّ ﷺ (جَوَازَ) قَضَاءِ الْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ إلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ بِقَوْلِهِ: «أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ فَقَضَيْتَهُ، أَكَانَ يَجْزِي عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَدَيْنُ اللَّهِ تَعَالَى أَحَقُّ» وَرَدَّ إبَاحَةَ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ إلَى الْمَضْمَضَةِ، وَلَيْسَتْ مِنْ جِنْسِهَا.

стр. 1063

فَإِنْ اعْتَبَرَ بَعْضُ الْقَائِسِينَ مَا حَكَيْنَاهُ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ فِي اعْتِبَارِ الْحَادِثَةِ بِمَا هُوَ مِنْ جِنْسِهَا، عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرْنَا، كَانَ سَائِغًا، وَكَانَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَجْهًا يُقَوِّي فِي النَّفْسِ رُجْحَانَ الْعِلَّةِ عَلَى غَيْرِهَا، وَإِنْ تَرَكَ اعْتِبَارَ الْجِنْسِ وَاعْتَبَرَ الْمَعْنَى عَلَى حَسَبِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ شَوَاهِدُ الْأُصُولِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مُقَوِّيًا لِاعْتِبَارِهِ فِي نَفْسِهِ، وَ (إنْ) لَمْ يَرُدَّهُ إلَى جِنْسِهِ كَانَ جَائِزًا، وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ فِيهِ أَنَّ طَرِيقَ الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ وَتَرْجِيحِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضِ الِاجْتِهَادُ، وَغَالِبُ الظَّنِّ. فَمَنْ اعْتَبَرَهَا بِبَعْضِ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَا سَاغَ لَهُ (ذَلِكَ) عَلَى حَسَبِ مَا يَغْلِبُ فِي ظَنِّهِ أَنَّهُ عَلَمُ الْحُكْمِ، وَأَمَارَتُهُ، وَأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالْحَادِثَةِ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ وَغَيْرِهِ.

стр. 1064

[بَابُ وَصْفِ الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ وَكَيْفَ اسْتِخْرَاجُهَا] قَالَ أَبُو بَكْرٍ: الْعِلَلُ الشَّرْعِيَّةُ سَبِيلُهَا أَنْ تَكُونَ وَصْفًا لِلْأَصْلِ الْمَعْلُولِ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْوَصْفُ لَازِمًا لِلْأَصْلِ لَا يُزَايِلُهُ، وَبَيْنَ أَنْ لَا يَكُونَ لَازِمًا، بَلْ يَكُونَ مَوْقُوفًا عَلَى عَادَاتِ النَّاسِ فِيهِ. فَمِنْ الْأَوْصَافِ اللَّازِمَةِ لِلْأَصْلِ: مَا هِيَ عِلَّةٌ فِيهِ، نَحْوُ صِفَةِ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ أَنَّهُ دَمُ عِرْقٍ، وَكَوْنِ دَمِ عِرْقٍ صِفَةً لَازِمَةً لِسَائِرِ الدِّمَاءِ الْخَارِجَةِ مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ، مَا خَلَا الْحَيْضَ وَالنِّفَاسَ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الْوَصْفَ عِلَّةً لِنَقْضِ الطَّهَارَةِ. وَمِمَّا لَا يَكُونُ وَصْفًا لَازِمًا لِلْأَصْلِ، وَإِنَّمَا يَلْحَقُهُ الصِّفَةُ عَلَى حَسَبِ عَادَةِ النَّاسِ فِي التَّعَامُلِ بِهِ: الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ فِي الْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ. وَلَيْسَ ذَلِكَ صِفَةً لَازِمَةً لِلْأَصْلِ الْمَعْلُولِ. إذْ جَائِزٌ أَنْ يَتْرُكَ النَّاسُ التَّعَامُلَ بِهِمَا كَيْلًا، أَوْ وَزْنًا. وَلَا فَرْقَ عِنْدَنَا بَيْنَ مَا هَذَا وَصْفُهُ مِنْ الْمَعْلُولِ، وَبَيْنَ الْأَوْصَافِ اللَّازِمَةِ لِلْأَصْلِ مِمَّا لَا يُفَارِقُهُ، وَلَيْسَ لِكَوْنِ هَذَا الْوَصْفِ غَيْرَ مُفَارِقٍ لَهُ مِنْ مَزِيَّةٍ عَلَى الْآخَرِ فِي بَابِ الْعِلَلِ. أَلَا تَرَى أَنَّ مُخَالِفَنَا قَدْ جَعَلَ الشِّدَّةَ عِلَّةً لِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ؟ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُفَارِقَهَا فَيَصِيرَ خَلًّا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَقَدْ يَكُونُ عِلَّةُ الْحُكْمِ وَصْفَيْنِ مِنْ أَوْصَافِ الْأَصْلِ وَأَكْثَرَ، وَقَدْ يَكُونُ وَصْفًا وَاحِدًا. وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ أَوْصَافِهِ عِلَّةً لِلْحُكْمِ. فَإِذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ ذَاتَ أَوْصَافٍ فَجَمِيعُ تِلْكَ الْأَوْصَافِ عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ. وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُقَالَ: إنَّ كُلَّ وَصْفٍ مِنْهَا عِلَّةٌ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ مَا يُوجِبُ الْحُكْمَ. وَلَوْ كَانَ كُلُّ وَصْفٍ مِمَّا ذَكَرْنَا عِلَّةً، لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِلْحُكْمِ بِانْفِرَادِهِ.

стр. 1065

فَمِنْ الْعِلَلِ الَّتِي تَكُونُ ذَاتَ أَوْصَافٍ، نَحْوُ تَحْرِيمِ الْبَيْعِ فِي الْبُرِّ بِالْبُرِّ، إذَا أَرَدْنَا قِيَاسَ غَيْرِهِ عَلَيْهِ عِنْدَ وُجُودِ التَّفَاضُلِ، فَنَقُولُ: إنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِ الْبَيْعِ وُجُودُ زِيَادَةِ كَيْلٍ فِي جِنْسٍ. فَكَانَتْ زِيَادَةُ الْكَيْلِ مَعَ الْجِنْسِ بِمَجْمُوعِهَا عِلَّةً لِفَسَادِ الْبَيْعِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْجِنْسَ عَلَى الِانْفِرَادِ عِلَّةٌ فِي ذَلِكَ، وَلَا الْكَيْلَ عَلَى الِانْفِرَادِ لِمَا وَصَفْنَا. وَنَظِيرُهُ: قَوْلُنَا فِي سُؤْرِ السِّبَاعِ الَّتِي يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ مِنْ سُؤْرِهَا إنَّهُ نَجَسٌ، قِيَاسًا عَلَى الْكَلْبِ بِعِلَّةِ أَنَّهُ مُحَرَّمُ الْأَكْلِ، لَا لِحُرْمَتِهِ وَيُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ مِنْ سُؤْرِهِ. فَالْعِلَّةُ هَهُنَا ذَاتُ أَوْصَافٍ ثَلَاثَةٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ مُحَرَّمُ الْأَكْلِ. وَالثَّانِي: أَنَّ تَحْرِيمَ أَكْلِهِ لَا لِحُرْمَتِهِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ مِنْ سُؤْرِهِ فِي الْعَادَةِ، وَمَتَى أَخْلَلْت شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَوْصَافِ انْتَقَضَتْ الْعِلَّةُ، فَصَارَتْ هَذِهِ الْأَوْصَافُ لِمَجْمُوعِهَا عِلَّةً لِتَحْرِيمِ السُّؤْرِ. وَمِمَّا يَكُونُ الْعِلَّةُ فِيهِ وَصْفًا (وَاحِدًا) مِنْ أَوْصَافِ الْأَصْلِ. قَوْلُنَا: إنَّ الْجِنْسَ بِانْفِرَادِهِ يُحَرِّمُ النَّسَاءَ، وَالْكَيْلَ وَالْوَزْنَ، كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ يُحَرِّمُ النَّسَاءَ، فَكَانَ هَذَا الْوَصْفُ الْوَاحِدُ عِلَّةً لِتَحْرِيمِ النَّسَاءِ، وَكَانَ الْكَيْلُ مَعَ الْجِنْسِ بِمَجْمُوعِهِمَا عِلَّةً لِتَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ. وَالْعِلَلُ الشَّرْعِيَّةُ أَمَارَاتٌ لِلْأَحْكَامِ، وَعَلَامَاتٌ لَهَا، لَا عَلَى جِهَةِ إيجَابِهَا لَهَا كَإِيجَابِ الْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ لِأَحْكَامِهَا عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ بَيَانِهَا فِي ذِكْرِ وَصْفِ الْعِلَلِ، فَإِنَّمَا تُعَلَّقُ الْأَحْكَامُ بِهَا حَسَبَ تَعَلُّقِهَا بِالْأَسْمَاءِ، فَيَكُونُ الِاسْمُ (عَلَمًا لِوُجُوبِ) الْحُكْمِ، لَا عَلَى جِهَةِ إيجَابِهِ لَهُ. كَذَلِكَ الْعِلَلُ الشَّرْعِيَّةُ هَذِهِ سَبِيلُهَا، وَمِنْ أَجْلِ مَا ذَكَرْنَا جَازَ وُجُودُ هَذِهِ الْأَوْصَافِ - الَّتِي هِيَ عِلَلُ الْأَحْكَامِ - عَارِيَّةً مِنْ أَحْكَامِهَا. وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ (حُكْمُ) عِلَلِ الشَّرْعِ مَقْصُورًا عَلَى مَوْضِعِ النَّصِّ، وَالِاتِّفَاقِ

стр. 1066

غَيْرَ مُتَعَدٍّ إلَى فَرْعٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ،؛ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ بِهَذَا الْوَصْفِ لَمْ تَكُنْ عِلَلًا. وَعِنْدَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِنْ عِلَلِ الشَّرْعِ مَا لَا يَتَعَدَّى إلَى فَرْعٍ وَلَا يُفَارِقُ الْمَنْصُوصَ، أَوْ الِاتِّفَاقَ. نَحْوُ قَوْلِهِمْ: إنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ أَنَّهُمَا أَثْمَانُ الْأَشْيَاءِ، وَقَوْلِهِمْ: إنَّ أَوْلَادَ الْمَاشِيَةِ ضُمَّتْ إلَى أُمَّهَاتِهَا، إذَا حَدَثَتْ فِي الْحَوْلِ؛ لِأَنَّهَا مِنْهَا، وَهَذَا عِنْدَنَا لَا يَقُولُهُ مَنْ يَعْرِفُ عِلَلَ الْأَحْكَامِ وَمَعَانِيَهَا، وَمَعَ ذَلِكَ قَوْلٌ وَاضِحُ الْفَسَادِ، مِنْ قِبَلِ أَنَّ هَذِهِ الْعِلَلَ إنَّمَا تُسْتَخْرَجُ لِإِيجَابِ الْأَحْكَامِ بِهَا، وَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ مُسْتَغْنٍ بِدُخُولِهِ تَحْتَ النَّصِّ عَنْ اسْتِخْرَاجِ عِلَّةٍ لِإِيجَابِهِ، فَلَا مَعْنَى لِاسْتِخْرَاجِهَا لَهُ، وَلَا فَائِدَةَ فِيهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ سَائِرَ الْأَحْكَامِ لَوْ كَانَتْ مَنْصُوصًا عَلَيْهَا لَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ الْقِيَاسِ وَاسْتِخْرَاجِ الْعِلَلِ، فَكَذَلِكَ مَا عُلِمَ بِالنَّصِّ، فَلَا مَعْنَى لِاسْتِخْرَاجِ عِلَّتِهِ، وَإِنَّمَا تُسْتَخْرَجُ الْعِلَّةُ مِنْ النَّصِّ لِلْفَرْعِ، لَا لِنَفْسِهِ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ عِلَلَ الْأَحْكَامِ إنَّمَا تُسْتَخْرَجُ لِلْقِيَاسِ بِهَا عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَكُلُّ عِلَّةٍ لَا يَقَعُ بِهَا قِيَاسٌ فَلَيْسَتْ بِعِلَّةٍ، فَلَا مَعْنَى لَهَا إذَنْ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَا أَجَازَ اجْتِهَادَ الرَّأْيِ فِي اسْتِخْرَاجِ الْمَعَانِي وَالْعِلَلِ عِنْدَ عَدَمِ النُّصُوصِ فِي قِصَّةِ مُعَاذٍ وَغَيْرِهِ، فَإِذَنْ اجْتِهَادُ الرَّأْيِ سَاقِطٌ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ فِي اسْتِخْرَاجِ عِلَّتِهِ، كَمَا سَقَطَ فِي اسْتِخْرَاجِ حُكْمِهِ. وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ إنَّمَا كَانُوا يَجْتَهِدُونَ آرَاءَهُمْ فِي اسْتِخْرَاجِ الْعِلَلِ فِي الْحَوَادِثِ، وَلَمْ

стр. 1067

يَكُونُوا يَجْتَهِدُونَ فِي اسْتِخْرَاجِ عِلَلِ النُّصُوصِ مِنْ غَيْرِ رَدٍّ لِغَيْرِهَا إلَيْهَا. وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَجُوزُ لَمَا خَفِيَ عَلَيْهِمْ، وَلَتَكَلَّمُوا فِيهِ. وَاخْتَلَفُوا فِي عِلَلِ النُّصُوصِ، وَإِنْ لَمْ يَقِيسُوا بِهَا، كَمَا اخْتَلَفُوا فِي عِلَلِ الْقِيَاسِ، وَلَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ لَنُقِلَ كَمَا نُقِلَ اخْتِلَافُهُمْ وَأَقَاوِيلُهُمْ فِي أَعْيَانِ الْمَسَائِلِ، وَوُجُوهِ اسْتِخْرَاجَاتهمْ. فَدَلَّ تَرْكُهُمْ لِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَفْعَلُوهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ فِي اعْتِبَارِهِ فَائِدَةٌ وَلَا مَعْنًى. وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْعِلَلَ إنَّمَا تُسْتَخْرَجُ (لَأَغْيَارِ الْأَصْلِ) . فَأَمَّا الْأَصْلُ الْمُسْتَخْرَجُ مِنْهُ الْعِلَّةُ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِنَفْسِهِ. أَلَا تَرَى: أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ تَكُونَ عِلَّةُ الْمَسْأَلَةِ جَمِيعَ أَوْصَافِهَا؛ لِأَنَّهَا (لَا) تَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهَا. فَكَذَلِكَ (غَيْرُ) جَائِزٍ أَنْ تَكُونَ عِلَّتُهَا بَعْضَ أَوْصَافِهَا الَّذِي لَا تَتَعَدَّى (بِهِ) . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَكِيمِ وَالسَّفِيهِ: أَنَّ الْحَكِيمَ تَتَعَلَّقُ أَفْعَالُهُ بِأَغْرَاضٍ مَحْمُودَةٍ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ أَحْكَامُ اللَّهِ تَعَالَى وَأَفْعَالُهُ مُتَعَلِّقَةً بِأَغْرَاضٍ مَحْمُودَةٍ، مِنْ حَيْثُ كَانَ حَكِيمًا لَا يَجُوزُ مِنْهُ الْعَبَثُ، (وَتِلْكَ) الْأَغْرَاضُ هِيَ الْعِلَلُ الَّتِي لَا تَتَعَدَّى أُصُولَهَا. قِيلَ لَهُ: مِنْ هَهُنَا أُتِيتَ، وَذَلِكَ لِأَنَّك حِينَ جَهِلْتَ عِلَلَ الْمَصَالِحِ، وَعِلَلَ الْأَحْكَامِ، وَلَمْ تَنْفَصِلْ عِنْدَك إحْدَاهُمَا مِنْ الْأُخْرَى، أَجْرَيْتَهُمَا مَجْرًى وَاحِدًا. وَعِلَلُ الْمَصَالِحِ لَيْسَتْ هِيَ الْعِلَلَ الَّتِي يُقَاسُ عَلَيْهَا. أَحْكَامُ الْحَوَادِثِ، وَلَا يُوقَفُ عَلَيْهَا إلَّا مِنْ طَرِيقِ التَّوْقِيفِ. أَلَا تَرَى: أَنَّ صَاحِبَ مُوسَى ﵉ لَمَّا فَعَلَ تِلْكَ الْأَفَاعِيلَ الَّتِي اسْتَنْكَرَ مُوسَى ظَاهِرَهَا مِمَّا لَمْ يَقِفْ مُوسَى ﵇ عَلَى عِلَلِهَا مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ وَالرَّأْيِ، وَلَمْ يَعْلَمْهَا إلَّا

стр. 1068

مِنْ طَرِيقِ التَّوْقِيفِ حِينَ بَيَّنَهَا لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ﴾ [الكهف: ٧٩] ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ﴾ [الكهف: ٨٠] ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ﴾ [الكهف: ٨٢] وَعِلَلُ الْأَحْكَامِ إنَّمَا هِيَ أَوْصَافٌ فِي الْأَصْلِ الْمَعْلُولِ لَيْسَ مِنْ عِلَلِ الْمَصَالِحِ فِي شَيْءٍ، وَالْمَصَالِحُ نَفْسُهَا هِيَ الْأَحْكَامُ الَّتِي تَعَبَّدَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهَا، وَقَدْ عَلِمْنَا عِنْدَ وُرُودِ النَّصِّ: أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهَا إلَّا حِكْمَةً وَصَوَابًا، وَإِنْ لَمْ نَقِفْ عَلَى وَجْهِ الْمَصْلَحَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ. وَعِلَلُ هَذِهِ الْمَصَالِحِ إنَّمَا هِيَ فِي الْمُتَعَبَّدِينَ لَا فِي الْحُكْمِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَعَبَّدْنَا بِهَا لَفَسَدْنَا، وَإِذَا تَعَبَّدَنَا بِهَا صَلُحْنَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ عِلَلِ الْأَحْكَامِ فِي شَيْءٍ. فَإِنْ قِيلَ: مَا أَنْكَرْتُ أَنْ تَكُونَ الْعِلَلُ الَّتِي نَسْتَخْرِجُهَا مِمَّا لَا يَتَعَدَّى هِيَ مِنْ عِلَلِ الْمَصَالِحِ. قِيلَ لَهُ: هَذَا غَلَطٌ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ أَثْمَانًا، لَيْسَ مِنْ عِلَلِ الْمَصَالِحِ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُمَا أَثْمَانًا إنَّمَا كَانَ بِاصْطِلَاحِ النَّاسِ عَلَيْهِ، وَكَوْنُ الْأَوْلَادِ مِنْ الْأُمَّهَاتِ لَيْسَتْ مِنْ عِلَلِ الْمَصَالِحِ فِي شَيْءٍ، وَأَنْتَ إذَا اسْتَخْرَجْتَ عِلَّةَ النُّصُوصِ فَإِنَّمَا تَسْتَخْرِجُهَا لِتَجْعَلَهَا عِلَّةً لِلْحُكْمِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَتْ عِلَّةُ الْأَحْكَامِ عِلَّةَ الْمَصْلَحَةِ، لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْأَكْلُ فِي الْبُرِّ بِالْبُرِّ، لَمَّا كَانَ عِنْدَكَ عِلَّةً لِتَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ، أَنْ يَكُونَ التَّحْرِيمُ أَبَدِيًّا مَوْجُودًا، وَأَنْ لَا يَصِحَّ إبَاحَةُ التَّفَاضُلِ فِيهِمَا مَعَ وُجُودِهِمَا؛ لِأَنَّ عِلَلَ الْمَصَالِحِ غَيْرُ جَائِزٍ وُجُودُهَا عَارِيَّةً مِنْ أَحْكَامِهَا. وَقَدْ عَلِمْنَا وُجُودَ كَوْنِهِ مَأْكُولًا مَعَ إبَاحَةِ التَّفَاضُلِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ عِلَلَ الْأَحْكَامِ لَيْسَ مِنْ عِلَلِ الْمَصَالِحِ فِي شَيْءٍ، وَأَنَّ عِلَلَ الْأَحْكَامِ سَبِيلُهَا أَنْ تَكُونَ أَوْصَافًا لِلْأُصُولِ الْمُقْتَضَبِ مِنْهَا الْعِلَلُ. وَعِلَلُ الْمَصَالِحِ إنَّمَا هِيَ مَعَانٍ فِي الْمُتَعَبَّدِينَ لَا فِي الْأُصُولِ الْمُتَعَبَّدِ بِهَا، وَتِلْكَ الْمَعَانِي لَا نَعْلَمُهَا إلَّا مِنْ طَرِيقِ التَّوْقِيفِ، وَإِنْ كُنَّا قَدْ عَلِمْنَا فِي الْجُمْلَةِ: أَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي الْحُكْمِ الَّذِي تَعَبَّدَنَا بِهِ.

стр. 1069

فَإِنْ قَالَ: قَوْلُكُمْ: إنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي اسْتِخْرَاجِ عِلَّةٍ لَا تَعْدُو النَّصَّ غَلَطٌ؛ لِأَنَّ فَائِدَتَهُ أَنَّهُ نَعْلَمُ (أَنَّ) اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَهُ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ، فَقَدْ اسْتَفَدْنَا مَعْنًى لَوْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْعِلَّةُ لَمْ نَسْتَفِدْهُ. وَنَسْتَحِقُّ بِالتَّوَصُّلِ إلَى هَذَا الْعِلْمِ ثَوَابًا، فَيَكُونُ ذَلِكَ فَائِدَتَنَا فِيهِ. قِيلَ لَهُ: أَتَعْنِي بِقَوْلِك: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَهُ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ، وَإِنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ كَانَتْ مُوجِبَةً لِلتَّحْرِيمِ لَا مَحَالَةَ، أَوْ عَنَيْتَ أَنَّ الْمَعْنَى (قَدْ) كَانَ يَجُوزُ وُجُودُهُ غَيْرَ مُوجِبٍ لِلْحُكْمِ، إلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَهُ عِلَّةً لِلْحُكْمِ الْمَذْكُورِ نَصًّا. فَإِنْ قَالَ: لَمْ يَكُنْ الْمَعْنَى مُوجِبًا لِلتَّحْرِيمِ مِنْ طَرِيقِ الْحِكْمَةِ، وَقَدْ كَانَ جَائِزًا أَنْ لَا يُحَرِّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَعَ وُجُودِ الْمَعْنَى. قِيلَ لَهُ: فَقَدْ أَجَزْتَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِعْلَ الْعَبَثِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى إذَا لَمْ يَقْتَضِ التَّحْرِيمَ، وَلَمْ يُوجِبْهُ مِنْ طَرِيقِ الْحِكْمَةِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَقُولَ اللَّهُ : إنِّي حَرَّمْته لِأَجْلِ الْمَعْنَى، كَمَا لَا يَجُوزُ، أَنْ يَقُولَ: حَرَّمْته لِأَجْلِ أَنِّي خَلَقْتُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، (إذْ لَا تَعَلُّقَ لِذَلِكَ بِالْحُكْمِ) فَإِنْ قَالَ: يَلْزَمُك مِثْلُهُ فِي الْعِلَّةِ الْمُتَعَدِّيَةِ إلَى فُرُوعِهَا مِنْ غَيْرِ الْمَنْصُوصِ؛ لِأَنَّهَا عِنْدَك غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِتِلْكَ الْأَحْكَامِ، وَقَدْ جَعَلْتهَا عِلَلًا لَهَا. قِيلَ لَهُ: لَيْسَتْ تِلْكَ عِلَلًا عَلَى الْحَقِيقَةِ عِنْدَنَا، وَلَا نُعَلِّقُ وُجُوبَ الْحَقِّ بِهَا، وَإِنَّمَا هِيَ عَلَامَاتٌ كَالْأَسْمَاءِ، عَلَى النَّحْوِ الَّذِي بَيَّنَّا، وَأَنْتَ حِينَ عَلَّلْت النَّصَّ، فَإِنَّمَا رُمْتَ إثْبَاتَ عِلَلِهِ أَنَّهَا مُوجِبَةٌ لِلْحُكْمِ الْمَنْصُوصِ لَا عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا عَلَامَةٌ؛ لِأَنَّ مَا قَدْ عُلِمَ ثُبُوتُهُ بِالنَّصِّ لَا يَحْتَاجُ إلَى عِلَّةٍ تَكُونُ عَلَامَةً لِحُكْمِهِ. فَإِنْ قَالَ: لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الشَّيْءَ مِنْ أَجْلِهِ يُوجِبُ التَّحْرِيمَ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ.

стр. 1070

قُلْنَا لَهُ: فَهَذِهِ عِلَلُ الْمَصَالِحِ الَّتِي ذَكَرْنَا أَنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ مَعَانِيَ (فِي) الْمُتَعَبَّدِينَ. مِنْ أَجْلِهَا، وَجَبَ أَنْ يَتَعَبَّدُوا بِهَذِهِ الْأَحْكَامِ؛ إذْ كَانُوا بِهَا يَصْلُحُونَ، وَلَوْ لَمْ يَفْعَلْهَا لَفَسَدُوا عِنْدَهُ، وَلَا تَكُونُ تِلْكَ أَمَارَاتٍ لِلْأَحْكَامِ. فَقَوْلُك: إنَّ فَائِدَةَ الْعِلَلِ الَّتِي لَا تَتَعَدَّى أَنِّي أَعْلَمُ اللَّهَ لِمَ حَرَّمَهَا، كَلَامٌ سَاقِطٌ لَا مَعْنَى لَهُ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَإِنَّمَا احْتَجْنَا إلَى الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْمُخَالِفِينَ لَا يَعْرِفُونَ مَعَانِيَ عِلَلِ الشَّرْعِيَّاتِ وَالْعَقْلِيَّاتِ، وَإِنَّمَا يُقَلِّدُونَ فِيهَا قَوْمًا جُهَّالًا مِثْلَهُمْ. ثُمَّ يُعَارِضُونَ عَلَى عِلَلٍ جَارِيَةٍ فِي فُرُوعٍ مُخْتَلَفٍ فِيهَا بِعِلَلٍ يَسْتَخْرِجُونَهَا مِنْ ذَلِكَ الْأَصْلِ غَيْرِ مُتَعَدِّيَةٍ إلَى فَرْعٍ، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ مُوجِبَةٌ لِمِثْلِ الْحُكْمِ الَّذِي تَنَازَعُوهُ فِي الْفُرُوعِ، وَيَظُنُّونَ أَنَّ مِثْلَهُ يَكُونُ مُعَارِضًا لِتِلْكَ الْعِلَلِ الصَّحِيحَةِ، الْمُتَعَدِّيَةِ إلَى مَوَاضِعِ الْخِلَافِ، فَيَنْتَظِمُونَ بِهِ الْخَطَأَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: اعْتِلَالُهُمْ بِعَلَّةٍ لَا تَعْدُو مَوْضِعَ النَّصِّ، أَوْ الِاتِّفَاقِ. وَالثَّانِي: أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ لَوْ صَحَّ عِلَّةً لَمَا عَارَضَ اعْتِلَالَ الْخَصْمِ لِأَنَّهُمَا (حِينَئِذٍ) يُوجِبَانِ حُكْمًا وَاحِدًا، إلَّا أَنَّ إحْدَاهُمَا أَعَمُّ مِنْ الْأُخْرَى فِيمَا يُوجِبُهُ مِنْهُ، وَذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِنَا: فِي عِلَّةِ تَحْرِيمِ الْبَيْعِ فِي الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ، إذَا تَفَاضَلَا: إنَّهُمَا وُجُودُ زِيَادَةٍ فِي جِنْسٍ، فَيُعَارِضُونَ عَلَيْهَا بِأَنْ يَقُولُوا: مَا أَنْكَرْت أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، أَنَّهُمَا أَثْمَانُ الْأَشْيَاءِ، وَكَوْنُهُمَا أَثْمَانَ الْأَشْيَاءِ لَا تَتَعَدَّى إلَى فَرْعٍ، وَإِذَا عَلَّلْنَا وُجُوبَ ضَمِّ الْأَوْلَادِ إلَى الْأُمَّهَاتِ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةُ مَالٍ فِي الْحَوْلِ عَلَى نِصَابٍ. قَالُوا: الْعِلَّةُ فِي الْأَوْلَادِ أَنَّهَا مِنْ الْأُمَّهَاتِ، فَيَجْعَلُونَ مَا ذَكَرُوا مِنْ الْمَعْنَى عِلَّةً لِلْحُكْمِ. وَيَرُومُونَ بِهِ مُعَارَضَتَنَا فِي اعْتِلَالِنَا.

стр. 1071

بِمَا وَصَفْنَا، وَهَذَا خَطَأٌ وَجَهْلٌ مُفْرِطٌ. ، وَإِذَا قُلْنَا: إنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ لَا فَائِدَةَ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْعِلَلَ تُقْتَضَبُ لِإِيجَابِ الْأَحْكَامِ وَهَذَا حُكْمٌ مَعْلُولٌ بِالنَّصِّ. قَالُوا: فَائِدَتُهُ أَنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يُعْلِمَنَا لِمَ حَرَّمَهُ، فَيَعْدِلُونَ عَنْ بَعْضِ الْكَلَامِ فِي الْمَسْأَلَةِ إلَى غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ عِلْمَنَا بِذَلِكَ لَيْسَ هُوَ الْحُكْمَ الَّذِي تَنَازَعْنَاهُ، وَإِنَّمَا نَحْتَاجُ أَنْ يُعَارِضَنَا بِعِلَّةٍ تُوجِبُ الْحُكْمَ فِيمَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ بِضِدِّ مُوجَبِ عِلَّتِنَا، وَإِلَّا كَانَتْ مُعَارَضَةً سَاقِطَةً. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ جَعَلَ عِلَّةَ الْمَسْأَلَةِ وَصْفًا مِنْ أَوْصَافِهَا (لَا يَعْدُوهَا، وَبَيْنَ مَنْ جَعَلَ عِلَّتَهَا جَمِيعَ أَوْصَافِهَا فَلَمَّا امْتَنَعَ أَنْ تَكُونَ عِلَّتُهَا جَمِيعَ أَوْصَافِهَا) ؛ لِأَنَّهَا (لَا) تَعْدُوهَا، امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ أَوْصَافِهَا عِلَّةً (لَهَا) ، مِمَّا لَا يَعْدُوهَا. وَأَمَّا وَجْهُ اسْتِخْرَاجِ الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْقِيَاسِ بِهَا، فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ مُخْتَلِفُونَ فِيهِ. فَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَبِرُ تَشَابُهَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فِي صُورَتِهِمَا وَذَوَاتَيْهِمَا دُونَ غَيْرِهِمَا، مَا دَامَ يَجِدُ لَهُ شَبَهًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَبِرُ اشْتِبَاهَهُمَا مِنْ جِهَةِ الْأَحْكَامِ. فَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ: كَنَحْوِ قَوْلِ الْأَصَمِّ: فِي أَنَّ تَرْكَ الْقَعْدَةِ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ لَا يُفْسِدُهَا (لِاتِّفَاقِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ تَرْكَ الْقَعْدَةِ الْأُولَى لَا يُفْسِدُهَا) .

стр. 1072

قَالَ: وَلَا شَيْءَ أَشْبَهُ بِالْقَعْدَةِ مِنْ قَعْدَةٍ أُخْرَى غَيْرِهَا، هُمَا مَفْعُولَتَانِ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، فَوَجَبَ قِيَاسُ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى. وَكَقَوْلِهِ: فِي نَفْيِهِ فَرْضَ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ لِاتِّفَاقِ الْجَمِيعِ عَلَى نَفْيِ إيجَابِ سَائِرِ الْأَذْكَارِ الْمَفْعُولَةِ مِنْ الصَّلَاةِ، كَتَسْبِيحِ الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، وَقِرَاءَةِ التَّشَهُّدِ فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى، وَذِكْرِ الِاسْتِفْتَاحِ، وَنَحْوِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُ الْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّهَا ذِكْرٌ مَفْعُولٌ فِي الصَّلَاةِ، فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ الْأَذْكَارِ الَّتِي ذَكَرْنَا. وَكَقَوْلِهِ: إنَّ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ (لَيْسَ بِفَرْضٍ، لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ) سَائِرَ التَّكْبِيرَاتِ الْمَفْعُولَةِ بَعْدَهَا فِي الصَّلَاةِ لَيْسَتْ فَرْضًا، فَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَشْبَهُ بِتَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ مِنْ سَائِرِ التَّكْبِيرَاتِ الْمَفْعُولَةِ فِيهَا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَذَا عِنْدَنَا إنَّمَا نَعْتَبِرُهُ مَا وَجَدَ فِي الْأُصُولِ شَبَهًا لِلْحَادِثَةِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ. فَأَمَّا إذَا لَمْ تَجِدْ لِلْحَادِثَةِ شَبَهًا فِي الْأُصُولِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ أَوْصَافٍ أُخَرَ غَيْرِ مَا ذَكَرْنَا. وَقَدْ اعْتَبَرَ الشَّافِعِيُّ نَحْوَ ذَلِكَ، فَقَالَ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْعَبْدِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ: إنَّهُ يُعْتَبَرُ بِهَا الْجِنَايَةُ عَلَى الْحُرِّ، فَمَا وَجَبَ فِي الْحُرِّ مِنْ دِيَتِهِ وَجَبَ فِي الْعَبْدِ مِنْ قِيمَتِهِ. قَالَ: وَهُوَ يُشْبِهُ الْحُرَّ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْعِبَادَةُ، وَفِي قَتْلِهِ الْكَفَّارَةُ، وَيَجِبُ الْقِصَاصُ فِيمَا بَيْنَ الْعَبِيدِ. وَيُشْبِهُ الْبَهِيمَةَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ سِلْعَةٌ يُبَاعُ وَيُشْتَرَى، وَأَنَّ عَلَى مُتْلِفِهِ الْقِيمَةَ. فَاعْتَبَرَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الشَّبَهَ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ، وَهَذَا الْقَوْلُ يُضَارِعُ قَوْلَ الْأَصَمِّ مِنْ وَجْهٍ، وَيُخَالِفُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ.

стр. 1073

فَمُوَافَقَتُهُ الْأَصَمَّ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ اعْتَبَرَ ظَاهِرَ الشَّبَهِ، وَعَدَّدَ وُجُوهَهُ عَلَى مَا حَكَيْنَاهُ، كَمَا ذَكَرَ الْأَصَمُّ ظَاهِرَ الشَّبَهِ مِنْ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرَهَا. وَيُخَالِفُ قَوْلَ الْأَصَمِّ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأَصَمَّ اعْتَبَرَ الشَّبَهَ مِنْ جِهَةِ أَعْيَانِ الْمَسَائِلِ، وَذَوَاتِهَا، وَصُوَرِهَا، وَجَمَعَ بَيْنَ حُكْمِ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَاتِ. وَالشَّافِعِيُّ اعْتَبَرَ الشَّبَهَ مِنْ جِهَةِ الْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّهُ عَدَّ أَحْكَامَ الْحُرِّ وَأَحْكَامَ الْبَهِيمَةِ، فَجَعَلَ الْعَبْدَ مُشْبِهًا لِلْحُرِّ مِنْ تِلْكَ الْوُجُوهِ، وَمُشْبِهًا لِلْبَهِيمَةِ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ فِي الْأَحْكَامِ، لَا فِي الْأَعْيَانِ وَالصُّوَرِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَعْتَبِرُ كَثْرَةَ الشَّبَهِ فِي الْأَحْكَامِ. فَمَا أَشْبَهَ الْحَادِثَةَ مِنْ وَجْهَيْنِ فِي أَحْكَامِهَا، أَوْلَى مِمَّا أَشْبَهَهَا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ. وَكَذَلِكَ كُلَّمَا كَثُرَتْ جِهَاتُ الشَّبَهِ كَانَ الْحُكْمُ لِلْكَثْرَةِ عِنْدَهُمْ. نَحْوُ قَوْلِ مَنْ يَخُصُّ إيجَابَ كَفَّارَةِ الْإِفْطَارِ فِي رَمَضَانَ بِالْجِمَاعِ دُونَ الْأَكْلِ؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ - زَعَمَ - يَفْسُدُ بِهِ الْحَجُّ، وَيَجِبُ بِهِ الْهَدْيُ، وَيُوجِبُ الْحَدَّ إذَا صَادَفَ غَيْرَ مِلْكٍ وَلَا شِبْهٍ، وَيُوجِبُ الْغُسْلَ. فَلَمَّا كَانَتْ الْأَحْكَامُ الْمُعَلَّقَةُ بِالْجِمَاعِ أَكْثَرَ مِنْهَا بِالْأَكْلِ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ؛ إذْ كَانَ الْأَكْلُ إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي إفْسَادِ الصَّوْمِ فَحَسْبُ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ اعْتِبَارُ الْجِمَاعِ دُونَ غَيْرِهِ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ بِهِ، أَوْلَى. وَيُحْكَى عَنْ بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَا قِيَاسَ لِقَائِسٍ إلَّا عَلَى أَصْلٍ مَعْلُومٍ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَيْهِ.

стр. 1074

قَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَأَنَّهُ إنَّمَا اعْتَبَرَ إجْمَاعَ الْقَائِسِينَ عَلَى كَوْنِ الْأَصْلِ مَعْلُولًا، وَمَتَى لَا يُجْمِعُوا عَلَى أَنَّهُ مَعْلُولٌ لَمْ يَقِسْ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَعْتَدَّ بِنُفَاتِ الْقِيَاسِ فِي هَذَا الْإِجْمَاعِ. وَقَالَ جُلُّ مَنْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مِنْ الْفُقَهَاءِ النَّظَّارِينَ: إنَّمَا الِاعْتِبَارُ فِي لَحَاقِ الْحَادِثَةِ بِأُصُولِهَا بِتَشَابُهِهَا فِي الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ عَلَمُ الْحُكْمِ وَأَمَارَتُهُ، يَجِبُ عَلَى النَّاظِرِ طَلَبُهُ وَتَتَبُّعُهُ بِالِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ، فَإِذَا ثَبَتَ الْمَعْنَى بِالدَّلَالَةِ عَلَيْهِ، وَجَبَ إجْرَاؤُهُ فِي فُرُوعِهِ، وَالْحُكْمُ لَهَا بِحُكْمِهِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْمَعْنَى شَبَهًا مِنْ جِهَةِ الصُّورَةِ، أَوْ مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ، أَوْ مِنْ جِهَةِ الِاسْمِ؛ إذْ جَائِزٌ عِنْدَهُمْ أَنْ يُرَدَّ الْفَرْعُ إلَى الْأَصْلِ بِالِاسْمِ، إذَا تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالِاسْمِ، فَيَكُونُ الِاسْمُ حِينَئِذٍ عَلَمَ الْحُكْمِ، وَالْوُصُولُ إلَى مَعْرِفَةِ الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ عَلَمُ الْحُكْمِ وَأَمَارَتُهُ، (وَنُسَمِّيهِ عِلَّةً) مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: بِالتَّوَقُّفِ عَلَيْهِ. وَالْآخَرُ: بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا، وَهُوَ طَرِيقَةُ أَبِي الْحَسَنِ الَّتِي كَانَ يَسْلُكُهَا، وَيَعْتَبِرُهَا فِي الْمَسَائِلِ الْقِيَاسِيَّةِ، وَهِيَ عِنْدِي مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا، فِيمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَسَائِلُهُمْ.

стр. 1075

[بَابٌ فِي ذِكْرِ الْوُجُوهِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى كَوْنِ الْأَصْلِ فِي الْقِيَاس مَعْلُولًا] بَابٌ فِي ذِكْرِ الْوُجُوهِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى كَوْنِ الْأَصْلِ مَعْلُولًا قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ يُعْلَمُ الْأَصْلُ مَعْلُولًا بِاتِّفَاقِ الْقَائِسِينَ عَلَى أَنَّهُ مَعْلُولٌ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ الْقَوْلُ فِيهِ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا قَوْلُ نُفَاةِ الْقِيَاسِ، فِي نَفْيِ الْعِلَّةِ، أَوْ قَوْلُ مُثْبِتِيهِ فِي إثْبَاتِهَا، فَلَمَّا صَحَّ عِنْدَنَا وُجُوبُ الْقَوْلِ بِالْقِيَاسِ وَصِحَّتِهِ، وَبُطْلَانِ قَوْلِ نُفَاتِهِ، ثُمَّ أَجْمَعَ مُثْبِتُوهُ عَلَى كَوْنِ الْأَصْلِ مَعْلُولًا، صَارَ إجْمَاعُهُمْ عَلَى ذَلِكَ مُوجِبًا لِصِحَّتِهِ، وَقَدْ يَثْبُتُ الْأَصْلُ مَعْلُولًا بِالتَّوَقُّفِ عَلَى الْعِلَّةِ، وَبِفَحْوَى النَّصِّ وَبِالِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ. فَأَمَّا مَا ثَبَتَ مَعْلُولًا بِاتِّفَاقِ الْقَائِسِينَ، فَهُوَ خَبَرُ تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِي الْأَصْنَافِ السِّتَّةِ، وَمَا ثَبَتَ مَعْلُولًا بِالتَّوْقِيفِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧] وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «إنَّهُ دَمُ عِرْقٍ» «وَقَوْلِهِ ﷺ لِبَرِيرَةَ: مَلَكْتِ بُضْعَكِ فَاخْتَارِي» وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ. وَمَا يُعْلَمُ بِفَحْوَى النَّصِّ قَوْلُهُ ﷺ : «فَإِذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ» دَلَّ عَلَى أَنَّ هُنَاكَ مَعْنًى بِهِ تَعَلَّقَ حُكْمُ التَّحْرِيمِ، وَبِزَوَالِهِ زَالَ. وَكَقَوْلِهِ فِي السَّمْنِ الَّذِي مَاتَتْ فِيهِ الْفَأْرَةُ: «إنْ كَانَ مَائِعًا فَأَرِيقُوهُ، وَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا» دَلَّنَا فَحْوَى خِطَابِهِ عَلَى أَنَّ هُنَاكَ مَعْنًى بِهِ تَعَلَّقَ حُكْمُ النَّجَسِ.

стр. 1076

وَمِنْهَا مَا يُسْتَدَلُّ عَلَى كَوْنِهِ مَعْلُولًا، بِدَلَائِلِ الْأُصُولِ، نَحْوُ انْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ بِخُرُوجِ الْبَوْلِ، وَامْتِنَاعِهِ بِخُرُوجِ الْعَرَقِ، وَالدَّمْعِ (وَالْبُزَاقِ) ، وَنَحْوِهَا. فَيَدُلُّنَا ذَلِكَ عَلَى انْتِقَاضِهَا بِخُرُوجِ الْبَوْلِ مُعَلَّلٍ، يَجِبُ اعْتِبَارُهُ لِتَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَشْيَاءِ الطَّاهِرَةِ فِي نَقْضِ الطَّهَارَةِ، فَيُحْتَاجُ حِينَئِذٍ إلَى اعْتِبَارِ تَصْحِيحِ الْمَعْنَى.

стр. 1077

[بَابٌ فِيمَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ فِي الْقِيَاس] بَابٌ فِيمَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَيَّنَّا فِيمَا سَلَفَ أَنَّ عِلَّةَ الْحُكْمِ سَبِيلُهَا أَنْ تَكُونَ بَعْضَ أَوْصَافِ الْأَصْلِ الْمَعْلُولِ وَأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ تَكُونَ جَمِيعَ أَوْصَافِهِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ جَمِيعَ أَوْصَافِهِ كَانَتْ هِيَ الْمَسْأَلَةَ بِعَيْنِهَا، وَكَأَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا مَعْلُولًا مِنْ غَيْرِ جِهَةِ الْقِيَاسِ، وَاقْتِضَابِ الْعِلَلِ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا احْتَجْنَا عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى الْقِيَاسِ إلَى طَلَبِ الْوَصْفِ الَّذِي هُوَ عِلَّةُ الْحُكْمِ، وَتَبَيُّنِ مِمَّا لَيْسَ بِعِلَّةٍ لَهُ؛ إذْ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَصْفٍ مِنْ أَوْصَافِهِ عَلَى حِيَالِهِ عِلَّةً؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَنْتَقِضُ. أَلَا تَرَى أَنَّ مِنْ أَوْصَافِ الْبُرِّ أَنَّهُ مَكِيلٌ، وَأَنَّهُ مِمَّا تُخْرِجُ الْأَرْضُ وَأَنَّهُ مَأْكُولٌ، وَأَنَّهُ مُقْتَاتٌ مُدَّخَرٌ، وَأَنَّهُ مِمَّا يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ، وَأَنَّهُ حَبٌّ وَأَنَّهُ شَيْءٌ وَأَنَّهُ مَوْجُودٌ، وَأَنَّهُ جِسْمٌ. وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَصْفٍ مِنْ هَذِهِ الْأَوْصَافِ عِلَّةً لِلْحُكْمِ عَلَى حِيَالِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَجْعَلَ عِلَّةَ الْحُكْمِ أَيَّ وَصْفٍ شَاءَ الْقَائِسُ جَعْلَهُ عِلَّةً. هَذَا مُمْتَنِعٌ غَيْرُ جَائِزٍ، فَوَاجِبٌ إذَنْ أَنْ تَكُونَ عِلَّةُ الْحُكْمِ بَعْضَ أَوْصَافِهِ، إمَّا وَصْفٌ وَاحِدٌ، أَوْ وَصْفَانِ، أَوْ ثَلَاثَةٌ، أَوْ نَحْوُهَا، بَعْدَ أَنْ لَا يَسْتَغْرِقَ جَمِيعَ أَوْصَافِهِ.

стр. 1078

وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَالْوَصْفُ الَّذِي هُوَ عَلَمُ الْحُكْمِ وَأَمَارَتُهُ - وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِأَنَّهُ (عِلَّةٌ لَهُ) - لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ كَذَلِكَ إلَّا بِالِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ، وَلَا يَسُوغُ لِأَحَدٍ اقْتِضَابُ بَعْضِ أَوْصَافِهِ، وَجَعْلُهُ عِلَّةً لِلْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي عِلَّةِ الْمَسْأَلَةِ (كَهُوَ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ) ، فَإِذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُسَلَّمَ لِمُدَّعِي الْحُكْمِ دَعْوَاهُ بِغَيْرِ دَلَالَةٍ، كَذَلِكَ مُدَّعِي الْعِلَّةِ لَا يَجُوزُ لَهُ الِاقْتِصَارُ بِهَا عَلَى دَعْوَاهُ لَهَا دُونَ إقَامَةِ الْبُرْهَانِ عَلَيْهَا مِنْ وُجُوهِ (الدَّلَائِلِ، فَالْعِلَلُ) مُخْتَلِفَةٌ: فَمِنْهَا: أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ مَنْصُوصًا عَلَيْهَا. فَيَجِبَ اعْتِبَارُهَا فِي نَظَائِرِهَا، كَمَا اعْتَبَرَ عُمَرُ ﵁ قَوْله تَعَالَى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧] فِيمَا خَالَفَهُ فِيهِ قَوْمٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي قِسْمَةِ السَّوَادِ فَحِينَ نَبَّهَهُمْ عَلَى مَوْضِعِ الِاعْتِلَالِ عَرَفُوا صِحَّةَ اسْتِدْلَالِهِ، وَرَجَعُوا إلَى قَوْلِهِ. وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَ ذِكْرِ صَلَاةِ الْخَوْفِ ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ [النساء: ١٠٢] فَجَعَلَ الْعِلَّةَ فِي إبَاحَةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ عِنْدَ لِقَاءِ الْمُشْرِكِينَ مَا ذَكَرَ مِنْ مَحَبَّتِهِمْ لِاسْتِغْفَالِنَا عَنْ التَّأَهُّبِ لِقِتَالِهِمْ. فَلَوْ قَاتَلْنَا الْبُغَاةَ وَالْخَوَارِجَ جَازَ لَنَا صَلَاةُ الْخَوْفِ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ الْآيَةُ نَازِلَةً فِي الْمُشْرِكِينَ، لِوُجُودِ الْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الْبُغَاةِ وَالْمُحَارِبِينَ.

стр. 1079

نَحْوُهُ «قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : مَلَكْتِ بُضْعَكِ فَاخْتَارِي» «وَقَوْلُهُ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: إنَّهُ دَمُ عِرْقٍ، وَلَيْسَتْ الْحَيْضَةَ فَتَوَضَّئِي» . فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: «إنَّهَا دَمُ عِرْقٍ» ، وَلَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ الِاعْتِلَالِ؛ لِأَنَّهَا سَأَلَتْهُ عَنْ دَمِ الْحَيْضِ، فَأَعْلَمَهَا: أَنَّ الَّذِي بِهَا دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ، وَهُوَ دَمُ عِرْقٍ. قِيلَ لَهُ: لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَاكْتَفَى بِقَوْلِهِ: إنَّهَا لَيْسَتْ الْحَيْضَةَ، فَلَمَّا لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ: «إنَّهَا دَمُ عِرْقٍ» ، عَلِمْنَا أَنَّهُ قَدْ أَفَادَهَا بِذَلِكَ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَيْسَ بِالْحَيْضَةِ. وَالثَّانِي: تَعْلِيلُهُ دَمَ الِاسْتِحَاضَةِ بِأَنَّهَا دَمُ عِرْقٍ، لِيُعْتَبَرَ فِي نَظَائِرِهِ. وَلَوْلَا أَنَّهُ أَرَادَ ذَلِكَ مَا كَانَ لِقَوْلِهِ " إنَّهَا دَمُ عِرْقٍ " مَعْنًى، وَلَا فَائِدَةٌ مَعَ قَوْلِهِ: إنَّهَا لَيْسَتْ الْحَيْضَةَ، فَلَمَّا ذَكَرَ الْأَمْرَيْنِ، عَلِمْنَا أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ إنَّهَا دَمُ عِرْقٍ، التَّنْبِيهَ عَلَى الْعِلَّةِ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ مَا خَرَجَ مَخْرَجَ الِاعْتِلَالِ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ عِلَّةٌ يَجِبُ الْقِيَاسُ عَلَيْهَا، وَرَدُّ نَظَائِرِهَا إلَيْهَا، حَتَّى يَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: إنَّهَا دَمُ عِرْقٍ، خَارِجٌ مَخْرَجَ الِاعْتِلَالِ. وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ ﷺ فِي الْهِرَّةِ: «إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ» فَعَلَّلَ الْهِرَّةَ لِمَعْنًى يَجِبُ اعْتِبَارُهُ فِي أَشْبَاهِهِمَا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: النَّاسُ فِي هَذَا الضَّرْبِ مِنْ التَّعْلِيلِ عَلَى قَوْلَيْنِ: مِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ نَصًّا عَلَى (كُلِّ) مَا فِيهِ الْعِلَّةُ، وَيُجْرِيهِ مَجْرَى لَفْظِ الْعُمُومِ. وَالنَّظَّامُ مِمَّنْ يَقُولُ بِذَلِكَ، وَهُوَ مِنْ نُفَاةِ الْقِيَاسِ. وَقَالَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ قَالَ: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَاعِزُ؛ لِأَنَّهُ ذُو أَرْبَعٍ، عَقَلْنَا مِنْ اللَّفْظِ تَحْرِيمَ كُلِّ ذِي أَرْبَعٍ) . وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَ ذَلِكَ فِي مَعْنَى الْعُمُومِ، وَلَا النَّصِّ فِي جَمِيعِ مَا فِيهِ الْعِلَّةُ. فَمَنْ قَالَ بِالْقِيَاسِ مِنْ هَذِهِ الطَّائِفَةِ أَوْجَبَ اعْتِبَارَ الْمَعْنَى فِيمَا يُوجَدُ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ.

стр. 1080

وَأَمَّا مَنْ نَفَى الْقِيَاسَ مِنْهَا: فَإِنَّهُ يَجْعَلُ وُجُودَ هَذَا التَّعْلِيلِ وَعَدَمَهُ سَوَاءً، وَيَجْعَلُ الْحُكْمَ مَقْصُورًا عَلَى مَوْضِعِ النَّصِّ، مِمَّا تَنَاوَلَهُ الِاسْمُ، دُونَ مَا يُوجَدُ فِيهِ الْعِلَّةُ مِمَّا لَمْ يُنَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ إلْحَاقَ مَا يُوجَدُ فِيهِ الْعِلَّةُ بِحُكْمِ الْأَصْلِ، إنَّمَا هُوَ مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ، لَا مِنْ طَرِيقِ، النَّصِّ وَالْعُمُومِ،؛ لِأَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ هُوَ مَا تَنَاوَلَهُ الِاسْمُ. وَقَوْلُهُ: فِي دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ الْوُضُوءُ؛ لِأَنَّهَا دَمُ عِرْقٍ، لَمْ يَتَنَاوَلْ الِاسْمُ مِنْهُ إلَّا دَمَ الِاسْتِحَاضَةِ. وَقَوْلُهُ: إنَّهَا دَمُ عِرْقٍ، لَيْسَ بِعُمُومٍ فِي غَيْرِ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الْمَذْكُورِ بِعَيْنِهِ، دُونَ غَيْرِهِ مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ، وَلَيْسَ لِأَنَّ غَيْرَهُ مُشَارِكٌ لَهُ فِي هَذِهِ الصِّفَةِ، مَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ مَذْكُورًا مَعَهُ؛ لِأَنَّ رَجُلًا لَوْ قَالَ: زَيْدٌ قَائِمٌ، لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ قَائِمٍ مَذْكُورًا مَعَهُ لِمُشَارَكَتِهِ إيَّاهُ فِي الْقِيَامِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ جَمِيعُ مَا فِيهِ تِلْكَ الْعِلَّةُ مَذْكُورًا فِي اللَّفْظِ، فَإِنَّمَا يَجِبُ إجْرَاءُ الْحُكْمِ عَلَيْهَا مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ الْقِيَاسُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْعِلَلَ سَبِيلُهَا أَنْ تَكُونَ مُوجِبَةً لِأَحْكَامِهَا الَّتِي هِيَ عِلَّةٌ، لَهَا عَلَى حَسَبِ مَا بَيَّنَّا فِي حُكْمِ الْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ. فَمَتَى انْفَصَلَ الْحُكْمُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْ رَسُولِهِ ﷺ مُعَلَّلًا بِوَصْفٍ مِنْ (الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ) ، عَلِمْنَا: أَنَّهُ قَدْ أَرَادَ مِنَّا اعْتِبَارَهُ فِيمَا وُجِدَ فِيهِ، وَإِجْرَاءَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ فِي نَظَائِرِهِ. وَيُعْتَبَرُ خُرُوجُ الْوَصْفِ مَخْرَجَ التَّعْلِيلِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ لَوْ قَالَ لَنَا: هَذَا الْوَصْفُ هُوَ عِلَّةُ الْحُكْمِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ فِي خِطَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَخِطَابِ رَسُولِهِ ﷺ وَضْعُ الْكَلَامِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ. فَمَا أَخْرَجَهُ مَخْرَجَ التَّعْلِيلِ، فَحَقِيقَتُهُ أَنَّهُ قَدْ أَرَادَ مِنْهُ إجْرَاءَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، وَاعْتِبَارَهُ بِهِ. وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ: أَنْ تَنْحَصِرَ عِلَلُ الْقَائِسِينَ عَلَى وُجُوهٍ مَعْلُومَةٍ، ثُمَّ تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى فَسَادِ سَائِرِ الْوُجُوهِ، إلَّا وَجْهًا وَاحِدًا مِنْهَا، فَيَكُونَ فَسَادُ مَا عَدَاهُ مِنْ الْوُجُوهِ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ أَحَدَ الْوُجُوهِ دَلَالَةً عَلَى صِحَّةِ كَوْنِهِ عِلَّةً.

стр. 1081

وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ هُنَاكَ عِلَّةً قَدْ تَعَلَّقَ بِهَا الْحُكْمُ، وَأَجْمَعُوا (عَلَى) أَنْ لَا عِلَّةَ فِي الْأَصْلِ إلَّا إحْدَى مَا عَلَّلُوا بِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ صِحَّةِ وَاحِدَةٍ مِنْهَا؛ إذْ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهَا فَاسِدًا مَعَ اتِّفَاقِهِمْ أَنَّ الْأَصْلَ مَعْلُولٌ بِعِلَّةٍ يَجِبُ بِهَا الْقِيَاسُ عَلَيْهِ، وَمَعَ اتِّفَاقِهِمْ أَنَّهُ لَا عِلَّةَ هُنَاكَ غَيْرُ مَا ذَكَرُوا عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِيهَا. وَغَيْرُ جَائِزٍ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهَا صَحِيحَةً عَلَى اخْتِلَافِهَا، فَإِذَا قَامَتْ الدَّلَالَةُ عَلَى فَسَادِ سَائِرِهَا مَا عَدَا الْوَاحِدَةَ مِنْهَا، صَحَّتْ الْوَاحِدَةُ الَّتِي لَمْ تَقُمْ الدَّلَالَةُ عَلَى فَسَادِهَا. وَهَذَا كَمَا نَقُولُهُ أَيْضًا فِي الْمَذَاهِبِ وَأَقَاوِيلِ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَةِ: إنَّهُمْ مَتَى اخْتَلَفُوا فِيهَا عَلَى وُجُوهٍ مَعْلُومَةٍ، ثُمَّ قَامَتْ الدَّلَالَةُ عَلَى فَسَادِ سَائِرِ أَقَاوِيلِ الْمُخْتَلِفِينَ إلَّا وَاحِدًا مِنْهَا، كَانَ قِيَامُ الدَّلَالَةِ عَلَى فَسَادِ سَائِرِ الْأَقَاوِيلِ غَيْرَ الْوَاحِدِ مِنْهَا، دَلَالَةً عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ الْقَوْلِ. نَحْوُ قَوْلِنَا فِي جَارِيَةٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ جَاءَتْ بِوَلَدٍ فَادَّعَيَاهُ جَمِيعًا: إنَّهُمْ لَمَّا اخْتَلَفُوا فِيهَا عَلَى وُجُوهٍ مَعْلُومَةٍ، ثُمَّ قَامَتْ الدَّلَالَةُ عَلَى، فَسَادِ الْقَوْلِ بِالْقُرْعَةِ، وَعَلَى فَسَادِ اعْتِبَارِ قَوْلِ الْقَائِفِ، وَعَلَى فَسَادِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّهُ يُوقَفُ الْأَمْرُ، وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، صَحَّ الْقَوْلُ الرَّابِعُ، وَهُوَ أَنَّهُ وَلَدُهُمَا ثَابِتُ النَّسَبِ بَيْنَهُمَا. وَكَذَلِكَ سَبِيلُ الْعِلَلِ إذَا اخْتَلَفُوا فِيهَا، فَلَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الِاخْتِلَافِ فِي الْمَذَاهِبِ. وَمِمَّا كَانَ يَعْتَبِرُ أَبُو الْحَسَنِ فِي صَحِيحِ الْعِلَلِ وَهُوَ أَصَحُّ الْوُجُوهِ عِنْدَنَا فِيمَا طَرِيقُهُ النَّظَرُ وَالِاسْتِدْلَالُ، أَنْ يَنْظُرَ إلَى عِلَلِ الْقَائِسِينَ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِيهَا فَمَا تَعَلَّقَ بِهَا الْأَحْكَامُ، وَكَانَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي الْأُصُولِ. فَهُوَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ، وَلَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الْأُصُولِ. نَظِيرُ ذَلِكَ: أَنَّا إذَا اخْتَلَفْنَا فِي عِلَّةِ تَحْرِيمِ الْبَيْعِ عِنْدَ وُجُودِ التَّفَاضُلِ فِي الْبُرِّ عَلَى الْوُجُوهِ الْمَعْلُولَةِ، مِنْ اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِيهِ، وَجَدْنَا اعْتِبَارَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ أَوْلَى، لِتَعَلُّقِ الْأَحْكَامِ بِهِمَا فِي جَوَازِ الْبَيْعِ، أَوْ فَسَادِهِ، دُونَ الْقُوتِ وَالِادِّخَارِ، وَدُونَ الْأَكْلِ عَلَى حَسَبِ مَا بَيَّنَّاهُ فِي مَوَاضِعَ فِي مَسْأَلَةِ الرِّبَا. وَإِنَّمَا وَجَبَ اعْتِبَارُ تَعَلُّقِ الْأَحْكَامِ بِالْمَعْنَى الَّذِي هُوَ عِلَّةٌ لِلْحُكْمِ، (لِأَنَّ الْعِلَلَ هِيَ.

стр. 1082

الْمَعَانِي الْمُوجِبَةُ لِلْأَحْكَامِ فِي الْأُمُورِ الْعَقْلِيَّةِ. وَعِلَلُ الشَّرْعِ هِيَ الَّتِي جُعِلَتْ عَلَمًا لِلْحُكْمِ) ، فَمَا تَعَلَّقَ بِهِ الْحُكْمُ فِي الْبَابِ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ فَهُوَ أَوْلَى بِكَوْنِهِ عِلَّةً مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ؛ إذْ كَانَتْ الْعِلَّةُ مُقْتَضِيَةً لِإِيجَابِ الْأَحْكَامِ. وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، أَنَّ الْبُرَّ بِالْبُرِّ لَوْ تَفَاضَلَا فِي الْجَوْدَةِ فِي كَوْنِهِمَا مَأْكُولَيْنِ، أَوْ مُقْتَاتَيْنِ، لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ حُكْمٌ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ، وَلَا فِي فَسَادِهِ، إذَا تَسَاوَيَا فِي الْكَيْلِ. وَلَوْ تَسَاوَيَا فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ وَتَفَاضَلَا فِي الْكَيْلِ، لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ، فَعَلِمْت أَنَّ سَائِرَ الْأَوْصَافِ الَّتِي اعْتَبَرَهَا مُخَالِفُونَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حُكْمٌ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالزِّيَادَةِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْجِنْسِ مِنْ جِهَةِ الْكَيْلِ، فَكَانَ اعْتِبَارُهُ أَوْلَى. وَنَظِيرُهُ أَيْضًا قَوْلُنَا: إنَّ اعْتِبَارَ الْخَارِجِ النَّجَسِ أَوْلَى بِإِيجَابِ نَقْضِ الطَّهَارَةِ، مِنْ اعْتِبَارِ السَّبِيلِ، لِوُجُودِنَا الْحُكْمَ يَخْتَلِفُ لِأَجْلِ اخْتِلَافِ الْخَارِجِ، وَالسَّبِيلُ وَاحِدٌ فِي الْحَالَيْنِ، فَكَانَ اعْتِبَارُ الْخَارِجِ النَّجَسِ أَوْلَى لِتَعَلُّقِ الْحُكْمِ (بِهِ) ، دُونَ السَّبِيلِ. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَجْعَلُ إحْدَى دَلَائِلِ صِحَّةِ الْعِلَلِ وُجُودَ الْحُكْمِ بِوُجُودِهَا، فَارْتِفَاعُهُ بِارْتِفَاعِهَا. وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ يَأْبَى أَنْ يَكُونَ هَذَا دَلِيلًا فِي عِلَلِ الشَّرْعِ. وَيَقُولُ: إنَّ مِثْلَهُ يَكُونُ دَلِيلًا فِي عِلَلِ الْعَقْلِيَّاتِ. قَالَ: وَذَلِكَ لِأَنَّا وَجَدْنَا الْمُخْتَلِفِينَ فِي عِلَّةِ تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُمْكِنُهُ الِاسْتِدْلَال عَلَى صِحَّةِ عِلَّتِهِ بِوُجُودِ الْحُكْمِ بِوُجُودِهَا وَارْتِفَاعِهِ بِارْتِفَاعِهَا، مَعَ اتِّفَاقِهِمْ أَنَّ الصَّحِيحَةَ وَاحِدَةٌ (مِنْهَا) ، مَعَ وُجُودِ هَذَا الضَّرْبِ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ فِي جَمِيعِهَا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: (وَ) هَذَا الَّذِي مُنِعَ مِنْ أَجْلِهِ أَنْ يَكُونَ مَا ذَكَرْنَا دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ

стр. 1083

الْعِلَلِ مَوْجُودٌ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْعِلَلِ الْمُوجِبَةِ لِلْأَحْكَامِ الْمُتَضَادَّةِ، وَفِي مَعَانٍ قَدْ اتَّفَقَ الْجَمِيعُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِعِلَّةٍ لِلْحُكْمِ، مَعَ وُجُودِ هَذَا الضَّرْبِ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ. أَلَا تَرَى أَنَّ قَائِلًا لَوْ قَالَ: إنَّ وُجُودَ الشِّدَّةِ فِي الْخَمْرِ عِلَّةٌ فِي تَكْفِيرِ مُسْتَحِلِّهَا، كَانَ قَائِلًا قَوْلًا فَاسِدًا، قَدْ اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى فَسَادِهِ؛ لِأَنَّهَا تُوجِبُ تَكْفِيرَ مُسْتَحِلِّ الْأَنْبِذَةِ الْمُسْكِرَةِ لِوُجُودِ الشِّدَّةِ فِيهَا. وَقَدْ يُمْكِنُ مِنْ نَصْبِ هَذِهِ الْعِلَّةِ لِتَكْفِيرِ مُسْتَحِلَّ الْخَمْرِ: أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَيْهَا بِوُجُودِ الْحُكْمِ بِوُجُودِهَا، وَارْتِفَاعِهِ بِارْتِفَاعِهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَصِيرَ لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِدَّةٌ، لَمْ يُكَفَّرْ مُسْتَحِلُّهُ، ثُمَّ لَمَّا حَدَثَتْ فِيهِ الشِّدَّةُ كَانَ مُسْتَحِلُّهُ كَافِرًا، ثُمَّ إذَا صَارَتْ خَلًّا وَزَالَتْ الشِّدَّةُ زَالَ الْحُكْمُ بِتَكْفِيرِ مُسْتَحِلِّهِ، فَكَانَ حُكْمُ تَكْفِيرِ الْمُسْتَحِلِّ مُتَعَلِّقًا بِوُجُودِ الشِّدَّةِ، مَوْجُودًا بِوُجُودِهَا، (وَ) مَعْدُومًا بِعَدَمِهَا، مَعَ اتِّفَاقِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى لَيْسَ بِعِلَّةٍ لِتَكْفِيرِ الْمُسْتَحِلِّ. وَمِنْ نَظَائِرِ ذَلِكَ: إذَا اخْتَلَفْنَا فِي الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ يُزَوِّجُهَا أَبُوهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا. فَأَجَازَهُ مُخَالِفُونَا قِيَاسًا عَلَى الْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ، وَجَعَلُوا الْعِلَّةَ الْمُوجِبَةَ لَهُ ذَلِكَ كَوْنَهَا بِكْرًا، وَمَنَعْنَا نَحْنُ ذَلِكَ إلَّا بِرِضَاهَا، وَرَدَدْنَاهُ إلَى الثَّيِّبِ الْكَبِيرَةِ بِعِلَّةِ أَنَّهَا (بَالِغَةٌ عَاقِلَةٌ) . وَاسْتَدْلَلْنَا عَلَى صِحَّةِ عِلَّتِنَا: بِأَنَّا وَجَدْنَا الْبُلُوغَ مَعْنًى يُسْتَحَقُّ بِهِ الْوِلَايَةُ، بِدَلَالَةِ أَنَّ الْبِكْرَ وَالثَّيِّبَ لَا يَخْتَلِفَانِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْوِلَايَةِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا فِي الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ، وَلَمْ نَجِدْ لِلْبَكَارَةِ تَأْثِيرًا فِي اسْتِحْقَاقِ الْوِلَايَةِ عَلَيْهَا فِي مَوْضِعٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، فَكَانَتْ عِلَّتُنَا أَوْلَى بِالصِّحَّةِ، لِمَا لَهَا مِنْ التَّأْثِيرِ فِي الْأُصُولِ وَتَعَلُّقِ الْأَحْكَامِ بِهَا، وَكَانَ رَدُّ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ إلَى الثَّيِّبِ الْبَالِغَةِ، أَوْلَى مِنْ رَدِّهَا إلَى الْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ.

стр. 1084

فَقُلْنَا نَحْنُ: إنَّهُ يُزَوِّجُهَا قِيَاسًا عَلَى الْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ، بِعِلَّةِ أَنَّهَا صَغِيرَةٌ، كَانَتْ عِلَّتُنَا صَحِيحَةً، لِقِيَامِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهَا مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا، مِنْ مِنْ أَنَّ الصِّغَرَ مَعْنًى يُسْتَحَقُّ بِهِ الْوِلَايَةُ عَلَى الصَّغِيرِ فِي الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ وَنَحْوِهَا، وَلَمْ يَكُنْ لِكَوْنِهَا ثَيِّبًا تَأْثِيرٌ فِي مَنْعِ التَّصَرُّفِ عَلَيْهَا فِي مَالِهَا، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ اسْتِحْقَاقُ الْوِلَايَةِ عَلَيْهَا بِالصِّغَرِ، وَزَوَالُ الْوِلَايَةِ عَلَيْهَا بِالْبُلُوغِ، فَكَانَ اعْتِبَارُ الصِّغَرِ أَوْلَى عِلَّةً فِيمَا وَصَفْنَا؛ إذْ كَانَ جَوَازُ عَقْدِ الْأَبِ عَلَيْهَا النِّكَاحَ ضَرْبًا مِنْ الْوِلَايَةِ. وَنَظَائِرُ ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، فَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ يَذْهَبُ هَذَا الْمَذْهَبَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ عِلَلِ الشَّرْعِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي حَالٍ غَيْرِ مُوجِبٍ لِكَوْنِ الْمَعْنَى عِلَّةً؛ لِأَنَّ دَلَائِلَ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، يَجُوزُ عِنْدَنَا فِيهَا التَّخْصِيصُ، كَتَخْصِيصِ الِاسْمِ، وَتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ نَفْسِهَا، وَاعْتِبَارُ صِحَّةِ الْعِلَّةِ - بِوُجُودِ الْحُكْمِ بِوُجُودِهَا، وَارْتِفَاعِهِ بِارْتِفَاعِهَا - هُوَ عِنْدِي وَجْهٌ قَوِيٌّ فِي هَذَا الْبَابِ، وَمَا يَنْفَكُّ أَحَدٌ مِنْ الْقَائِسِينَ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ. وَقَدْ كُنْت أَرَى أَنَّ أَبَا الْحَسَنِ يَسْتَعْمِلُهُ فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ، وَكَثِيرٌ مِمَّا فِي فَحْوَى النَّصِّ مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ يَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى. أَلَا تَرَى: أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ فِي السَّمْنِ الَّذِي مَاتَتْ فِيهِ الْفَأْرَةُ «إنْ كَانَ مَائِعًا فَأَرِيقُوهُ، وَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا» ، قَدْ دَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مُجَاوَرَةَ النَّجَاسَةِ، هِيَ عِلَّةُ التَّنْجِيسِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ جَاوَرَتْ السَّمْنَ الْجَامِدَ أَمَرَ بِإِلْقَائِهَا وَمَا حَوْلَهَا مِمَّا جَاوَرَهَا، دُونَ مَا لَمْ يُجَاوِرْهَا، وَلَمَّا جَاوَرَ الْمَائِعَ، أَوْ عَامَّتَهُ أَمَرَنَا بِإِرَاقَةِ الْجَمِيعِ. فَعَلَّقَ حُكْمَ التَّنَجُّسِ بِمُجَاوَرَتِهِ لِلنَّجَاسَةِ، وَأَزَالَهُ بِزَوَالِهَا، فَكَانَ ذَلِكَ دَلَالَةً مِنْ فَحْوَى الْخِطَابِ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي عَلَّقَ الْحُكْمَ بِهِ.

стр. 1085

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ : «وَإِذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ» بَعْدَ ذِكْرِهِ لِتَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْ الْأَصْنَافِ السِّتَّةِ. دَلَّ بِوُجُودِ التَّحْرِيمِ عِنْدَ وُجُودِ الْوَصْفَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا الْكَيْلُ وَالْجِنْسُ، أَوْ الْوَزْنُ وَالْجِنْسُ، عَلَى أَنَّهُمَا بِمَجْمُوعِهِمَا عِلَّةُ تَحْرِيمِ الْبَيْعِ عِنْدَ وُجُودِ زِيَادَةِ الْكَيْلِ، أَوْ الْوَزْنِ، وَدَلَّ لِإِبَاحَةِ التَّفَاضُلِ عِنْدَ وُجُودِ أَحَدِ الْوَصْفَيْنِ عَلَى أَنَّ عَدَمَ أَحَدِهِمَا عِلَّةُ الْجَوَازِ. فَعَلَّقَ الْحُكْمَ بِوُجُودِ الْمَعْنَى وَأَزَالَهُ بِزَوَالِهِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ حَكَيْتَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ قَبْلَ هَذَا الْفَصْلِ: أَنَّ أَحَدَ مَا يَجِبُ اعْتِبَارُهُ فِي تَصْحِيحِ الْعِلَلِ، أَنْ يَكُونَ لِلْمَعْنَى تَأْثِيرٌ فِي الْأُصُولِ، وَيُعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ، وَهَلْ هُوَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مَوْجُودًا بِوُجُودِهِ مَعْدُومًا (بِعَدَمِهِ) . قِيلَ لَهُ: بَيْنَهُمَا فَصْلٌ، وَهُوَ لَطِيفٌ يَنْبَغِي أَنْ نَتَنَاوَلَهُ، وَذَلِكَ (أَنَّهُ) يُعْتَبَرُ تَأْثِيرُهُ فِي الْأُصُولِ مِنْ غَيْرِ اقْتِصَارٍ بِهِ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي اقْتَضَتْ الْعِلَّةُ مِنْهُ، حَسْبَ مَا قُلْنَا مِنْ سُقُوطِ اعْتِبَارِ الثُّيُوبَةِ وَالْبَكَارَةِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْوِلَايَةِ بِهَا فِي النِّكَاحِ، أَوْ زَوَالِهَا وَوُجُوبِ اعْتِبَارِ الصِّغَرِ، وَالْبُلُوغِ، فِي بَابِ اسْتِحْقَاقِ الْوِلَايَةِ، أَوْ زَوَالِهَا، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ تَعَلُّقِ حُكْمِ الْوِلَايَةِ عَلَى الصَّغِيرِ لِأَجْلِ الصِّغَرِ، وَزَوَالِهَا عَنْهُ بِالْكِبَرِ، عَلَى النَّحْوِ الَّذِي بَيَّنَّا. وَمَا ذَكَرْته مِنْ وُجُودِ الْحُكْمِ بِوُجُودِ الْمَعْنَى، وَزَوَالِهِ بِزَوَالِهِ، نَحْوُ أَنْ يَقُولَ لَنَا الْمُخَالِفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: لَمَّا وَجَدْت الْبِكْرَ الصَّغِيرَةَ يُزَوِّجُهَا أَبُوهَا وَالثَّيِّبَ الْكَبِيرَةَ لَا يُزَوِّجُهَا، عَلِمْت أَنَّ الْعِلَّةَ الْمُوجِبَةَ لِلْوِلَايَةِ فِي تَزْوِيجِ الْأَبِ، هِيَ الْبَكَارَةُ لِوُجُودِ الْحُكْمِ بِوُجُودِهَا، وَزَوَالِهِ بِزَوَالِهَا. فَيُعَارِضَهُ خَصْمُهُ بِأَنْ يَقُولَ: لَمَّا وَجَدْت الثَّيِّبَ الْكَبِيرَةَ لَا يُزَوِّجُهَا الْأَبُ، وَالْبِكْرَ

стр. 1086

الصَّغِيرَةَ يُزَوِّجُهَا، دَلَّ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي مَنْعِ تَزْوِيجِ الثَّيِّبِ الْكَبِيرَةِ أَنَّهَا كَبِيرَةٌ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي الْبِكْرِ الْكَبِيرَةِ، فَيَكُونُ دَلِيلُهُ عَلَى صِحَّةِ (عِلَّتِهِ) وُجُودَ الْحُكْمِ بِوُجُودِهَا، وَزَوَالَهُ بِزَوَالِهَا، فَقَدْ تَعَارَضَتْ الْعِلَّتَانِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَلَا يُمْكِنُ خَصْمَنَا أَنْ يُعَارِضَنَا فِي اسْتِدْلَالِنَا عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ بِمَا وَصَفْنَا مِنْ وُجُودِ تَأْثِيرِهَا فِي الْأُصُولِ، وَتَعَلُّقِ الْأَحْكَامِ بِهَا، بِمِثْلِ اسْتِدْلَالِنَا، فَتَصِيرُ حِينَئِذٍ عِلَّتُنَا أَوْلَى، فَبَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا حَكَيْنَا عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مِمَّا كَانَ يَأْبَاهُ فَرْقٌ (وَاضِحٌ) . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَنْ قَالَ بِهَذَا الضَّرْبِ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ، أَعْنِي وُجُودَ الْحُكْمِ بِوُجُودِهَا وَارْتِفَاعَهُ بِارْتِفَاعِهَا لَا يَصِحُّ لَهُ الْقَوْلُ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ يُجِيزُ وُجُودَ الْعِلَّةِ مَعَ عَدَمِ الْحُكْمِ كَيْفَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى كَوْنِ الْمَعْنَى عِلَّةً لِوُجُودِ الْحُكْمِ بِوُجُودِهِ وَعَدَمِهِ بِعَدَمِهِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى اعْتَبَرَ هَذَا قَالَ لَهُ خَصْمُهُ: لَمَّا وَجَدْت الْحُكْمَ مَعْدُومًا مَعَ وُجُودِهِ وَمَوْجُودًا مَعَ عَدَمِهِ عَلِمْت أَنَّ مَا ذَكَرْته لَيْسَ بِعِلَّةٍ قِيلَ لَهُ: لَا يَجِبُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَعْنَى دَلَالَةً صَحِيحَةً فِي الْأَصْلِ عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ، وَيَكُونَ الْحُكْمُ جَارِيًا عَلَيْهَا مُتَعَلِّقًا بِهَا مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَانِعٌ (فَإِذَا مَنَعَ مِنْهُ مَانِعٌ) امْتَنَعْنَا مِنْ إيجَابِ الْحُكْمِ، وَإِنْ كَانَتْ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةً، وَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ فَسَادُ الدَّلَالَةِ، كَمَا يَقُولُ مُخَالِفُنَا: إنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وُجُودُ الشِّدَّةِ لِوُجُودِ التَّحْرِيمِ عِنْدَ وُجُودِهَا، وَعَدَمِهِ عِنْدَ عَدَمِهَا، فَيُجْرِي هَذِهِ الْعِلَّةُ فِي النَّبِيذِ، ثُمَّ وَجَدْنَا حُكْمَ التَّكْفِيرِ مُتَعَلِّقًا بِالْخَمْرِ عِنْدَ وُجُودِ الشِّدَّةِ، وَزَائِلًا بِزَوَالِهَا، وَلَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ كَوْنَ الشِّدَّةِ عِلَّةً لِتَكْفِيرِ الْمُسْتَحِلِّ، مَعَ وُجُودِ هَذِهِ الدَّلَالَةِ الَّتِي اسْتَدْلَلْت بِهَا عَلَى صِحَّةِ اعْتِلَالِكَ، كَذَلِكَ مَا وَصَفْنَا.

стр. 1087

وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ مِنْ حَيْثُ جَازَ عِنْدَنَا تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ، جَازَ تَخْصِيصُ دَلَالَتِهَا عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَمِنْ حَيْثُ جَازَ تَخْصِيصُ الِاسْمِ الَّذِي هِيَ مُقْتَضَبَةٌ مِنْهُ، جَازَ تَخْصِيصُهَا، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ اعْتِبَارِهَا فِيمَا لَمْ يَقُمْ فِيهِ دَلَالَةُ التَّخْصِيصِ. وَأَيْضًا: فَإِنَّا إنَّمَا نُجِيزُ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ بَعْدَ إقَامَةِ الدَّلَالَةِ عَلَى صِحَّتِهَا فِي الْأَصْلِ، وَوُجُودُ دَلَائِلِ تَصْحِيحِ الْعِلَّةِ مُخْتَلِفَةٌ، لَيْسَ لَهَا طَرِيقٌ وَاحِدٌ عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرْنَا، فَإِنَّمَا نُجِيزُ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ بَعْدَ قِيَامِ الدَّلَالَةِ عَلَى صِحَّتِهَا فِي الْأَصْلِ. وَأَمَّا مَا لَمْ تَقُمْ الدَّلَالَةُ عَلَى صِحَّةِ كَوْنِهِ عِلَّةً، فَإِنَّا (لَا) نَعْتَبِرُهُ عِلَّةً. وَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلَ ذَلِكَ: أَنَّ أَبَا الْحَسَنِ قَدْ كَانَ يَسْتَعْمِلُ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْعِلَّةِ، وُجُودَ الْحُكْمِ بِوُجُودِهَا وَارْتِفَاعَهُ بِارْتِفَاعِهَا، وَأَنَّ أَحَدًا مِنْ الْقَائِسِينَ لَيْسَ يَخْلُو مِنْ اعْتِبَارِهِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَلَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يُجَوِّزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ مَتَى تَعَارَضَتْ عِلَّتَانِ مُتَضَادَّتَانِ فِيمَا تُوجِبَانِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ، وَإِحْدَاهُمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا الْحُكْمُ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي حَكَيْته عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مِنْ وُجُودِ تَأْثِيرِهِ فِي الْأُصُولِ، وَالْأُخْرَى لَا دَلَالَةَ عَلَيْهَا إلَّا مِنْ جِهَةِ وُجُودِ الْحُكْمِ بِوُجُودِهَا وَزَوَالِهِ بِزَوَالِهَا، أَنَّ مَا شَهِدَ لَهُ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ مِنْهُمَا أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ، وَكَانَ ذَلِكَ ضَرْبًا مِنْ التَّرْجِيحِ، مُوجِبًا لِكَوْنِهِ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ عِلَّةً، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَجْعَلُ جَرْيَ الْعِلَّةِ فِي مَعْلُولَاتِهَا دَلَالَةً عَلَى صِحَّتِهَا، وَإِنْ لَمْ (يُعَضِّدْهَا) دَلَالَةٌ غَيْرُهُ وَهَذَا قَوْلٌ عِنْدَنَا ظَاهِرُ السُّقُوطِ، لَا يَرْجِعُ الْقَائِلُ بِهِ إلَّا إلَى دَعْوَى عَارِيَّةٍ مِنْ الْبُرْهَانِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَذْهَبَهُ الَّذِي يُعَلِّلُهُ بِهَذَا الضَّرْبِ مِنْ التَّعَلُّلِ يَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثِ دَعَاوَى إحْدَاهَا: دَعْوَى لِلْمَذْهَبِ الَّذِي يُخَالِفُهُ فِيهِ خَصْمُهُ.

стр. 1088

وَالثَّانِيَةُ: دَعْوَاهُ الْعِلَّةَ الَّتِي خِلَافُ خَصْمِهِ إيَّاهُ فِيهَا (كَهُوَ) فِي نَفْسِ الْمَقَالَةِ. وَالثَّالِثَةُ: أَنَّهُ قَرَنَ إلَى دَعْوَاهُ الثَّانِيَةِ دَعْوَى تَالِيَةً تَجْعَلُهَا حُجَّةً لِمَقَالِهَا، لِزَعْمِهِ أَنَّهُ حِينَ قَالَ: فَهَذِهِ الْعِلَّةُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَقَالَ بِهَا أَيْضًا فِي مَسْأَلَةٍ أُخْرَى، قَدْ خَالَفَ خَصْمَهُ فِيهَا، وَهِيَ دَعْوَى ثَالِثَةٌ، لَا دَلَالَةَ عَلَيْهَا لِيَصِحَّ الْمَذْهَبُ. فَكَانَ حَقِيقَةُ قَوْلِهِ، وَتَحْصِيلُهُ: أَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى صِحَّةِ دَعْوَايَ هَذِهِ أَنِّي ادَّعَيْتُ دَعْوَى أُخْرَى مِثْلَهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَالسُّؤَالُ عَلَيْهِ فِي دَعْوَاهُ الثَّالِثَةِ كَهُوَ فِي الثَّانِيَةِ وَالْأُولَى؛ لِأَنَّ الدَّعَاوَى لَا تَصِحُّ بِأَنْفُسِهَا، إنَّمَا تَصِحُّ بِدَلَائِلِهَا. وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَضْرِبُ بِهَذَا مَثَلًا وَيَقُولُ: هَذَا بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ قِيلَ لَهُ: لِمَ سَرَقْتَ الْيَوْمَ؟ فَيَقُولُ: لِأَنِّي سَرَقْتُ أَمْسِ. وَلَوْ جَازَ الِاقْتِصَارُ عَلَى مِثْلِهِ فِي تَصْحِيحِ الْعِلَّةِ، لَجَازَ الِاقْتِصَارُ عَلَى دَعْوَى الْعِلَّةِ نَفْسِهَا. فَيَقُولُ: الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ عِلَّتِي: أَنِّي قُلْته بِهَا. وَلَوْ جَازَ هَذَا، لَجَازَ أَنْ يَقُولَ مِثْلَهُ فِي نَفْسِ الْمَذْهَبِ الَّذِي طُولِبَ بِتَصْحِيحِهِ. فَيَقُولُ: الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَذْهَبِي دَعْوَايَ: أَنَّهُ صَحِيحٌ، وَهَذَا كُلُّهُ جَهْلٌ وَخَبْطٌ لَا يَعْتَمِدُ عَلَى مِثْلِهِ إلَّا غَبِيٌّ. فَإِنْ قَالَ: الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الِاعْتِبَارِ أَنَّ اسْتِمْرَارَ الْعِلَّةِ فِي فُرُوعِهَا وَعَدَمَ انْتِقَاضِهَا بِدَفْعِ الْأُصُولِ لَهَا، وَفَقْدَ مُقَاوَمَةِ عِلَّةٍ أُخْرَى لَهَا مُوجِبَةٍ الْحُكْمَ بِخِلَافِ مَا يُوجِبُهَا، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ ، لَانْتَقَضَتْ، وَدَفَعَتْهَا الْأُصُولُ، وَقَاوَمَهَا مِنْ الْعِلَلِ مَا يُوجِبُ فَسَادَهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] فَكَانَ اتِّسَاقُهَا وَعَدَمُ دَفْعِ الْأُصُولِ لَهَا وَمُقَاوَمَةُ عِلَلٍ أُخْرَى

стр. 1089

إيَّاهَا، هِيَ الدَّلَالَةَ الْمُوجِبَةَ لِصِحَّتِهَا، فَلَمْ نَكُنْ فِيمَا ادَّعَيْنَاهُ مِنْ صِحَّةِ الْعِلَّةِ مُقْتَصَرِينَ عَلَى الدَّعْوَى حِين عَضَّدْنَاهَا بِدَلَالَةٍ غَيْرِهَا وَهِيَ مَا وَصَفْنَا. قِيلَ لَهُ: قَوْلُك: إنَّهُ لَمْ يَدْفَعْهَا أَصْلٌ غَلَطٌ ثَانٍ، بَلْ الْأُصُولُ كُلُّهَا تَدْفَعُهَا؛ لِأَنَّ الْأُصُولَ الَّتِي هِيَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالِاتِّفَاقُ وَحُجَّةُ الْعَقْلِ، قَدْ حَكَمَتْ بِبُطْلَانِ قَوْلٍ لَمْ يُعَضِّدْهُ قَائِلُهُ بِدَلَالَةٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] وَقَوْلُك: إنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى دَعْوَى لَا دَلَالَةَ عَلَيْهَا، بَلْ يَقُولُ خَصْمُك: إنَّهَا مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى: (إذْ لَا دَلَالَةَ لَك عَلَيْهَا أَكْثَرُ مِنْ دَعْوَاك لَهَا، وَلَوْ كَانَتْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى، لَمَا أَخْلَى اللَّهُ تَعَالَى) مِنْ دَلَالَةٍ تَدُلُّ عَلَيْهَا. فَصَارَتْ حَقِيقَةُ قَوْلِك هَذَا: إنَّ الدَّلَالَةَ لَمْ تَقُمْ عَلَى فَسَادِهَا، وَقَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ الدَّلَالَةَ لَمْ تَقُمْ عَلَى فَسَادِهَا دَعْوَى لَيْسَ بِدَلَالَةٍ عَلَى صِحَّةِ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّ لِخَصْمِهِ أَنْ يَقُولَ لَهُ: أَفَأَقَمْتَ الدَّلَالَةَ عَلَى صِحَّتِهَا؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ لَهُ: فَهَلُمَّ تِلْكَ الدَّلَالَةَ. ، وَإِنْ قَالَ: لَيْسَ هَهُنَا دَلَالَةٌ عَلَى صِحَّتِهَا غَيْرَ عَدَمِ الدَّلَالَةِ عَلَى فَسَادِهَا. (قِيلَ لَهُ: فَقُلْ مِثْلَهُ فِي نَفْسِ الْمَذْهَبِ، إنَّهُ لَمْ تَقُمْ الدَّلَالَةُ عَلَى فَسَادِهِ، وَقَدْ اسْتَغْنَيْت عَنْ ذِكْرِ الْعِلَّةِ، فَإِذَا لَمْ يَسُغْ لَك هَذَا فِي نَفْسِ الْمَذْهَبِ، فَالْعِلَّةُ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّك مُدَّعٍ فِيهِمَا جَمِيعًا. وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: مَا أَنْكَرْت أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ عَلَى فَسَادِهَا أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ لَك عَلَى صِحَّتِهَا. وَقَدْ حَكَمَتْ الْأُصُولُ: بِأَنَّ كُلَّ مَذْهَبٍ لَمْ تَقُمْ الدَّلَالَةُ عَلَى صِحَّتِهِ فَهُوَ فَاسِدٌ، فَلَمَّا عَرِيَتْ عِلَّتُك هَذِهِ مِنْ دَلَالَةٍ تَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهَا، دَلَّ عَلَى فَسَادِهَا) .

стр. 1090

وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّ اتِّسَاقَهَا وَعَدَمَ مُقَاوَمَةِ أُخْرَى لَهَا دَلَالَةٌ عَلَى صِحَّتِهَا. فَإِنَّا قَدْ قُلْنَا: إنَّ الْأُصُولَ قَدْ دَفَعَتْهَا مِنْ الْوَجْهِ الَّتِي ذَكَرْنَا. وَلَوْ كَانَ مِثْلُهُ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ لَجَازَ أَنْ يُقَالَ مِثْلُهُ فِي نَفْسِ الْمَذْهَبِ. فَيَقُولَ: إنَّ الدَّلِيلَ عَلَى صِحَّةِ مَذْهَبِي أَنَّهُ مُتَّسِقٌ لَا يَدْفَعُهُ أَصْلٌ، وَلَا يُقَاوِمُهُ مَذْهَبٌ غَيْرُهُ، وَلَمْ تَقُمْ الدَّلَالَةُ عَلَى فَسَادِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَلَمَّا امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ الْمَذْهَبِ كَانَ كَذَلِكَ حُكْمُ الْعِلَّةِ. فَإِنْ قَالَ: إنَّ دَعْوَى الْمَذْهَبِ يُقَاوِمُهَا الْخَصْمُ بِضِدِّهَا. قِيلَ: وَدَعْوَى الْعِلَّةِ يُقَاوِمُهَا دَعْوَى الْخَصْمِ أَنَّهَا عِلَّةٌ فَاسِدَةٌ، وَأَنَّ مَذْهَبِي صَحِيحٌ، فَدُلَّ عَلَى صِحَّةِ اعْتِلَالِكَ. أَلَا تَرَى: أَنَّ جَرْيَ الْعِلَّةِ فِي مَعْلُولِهَا إنَّمَا هُوَ دَعْوَاك، وَقَوْلُك غَيْرُ مَقْرُونٍ بِدَلِيلٍ؛ لِأَنَّك إذَا سُئِلَتْ عَنْ عِلَّةِ تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِي الْبُرِّ بِالْبُرِّ فَقُلْت: إنَّهُ مَأْكُولٌ جِنْسٌ، فَاسْتَدْلَلْت عَلَيْهِ بِأَنَّهُ جَارٍ فِي مَعْلُولِهِ، كَانَ حَقِيقَةُ هَذَا الْقَوْلِ: أَنَّ الدَّلِيلَ عَلَيْهِ، أَنِّي قُلْت فِي الْبِطِّيخِ وَالرُّمَّانِ (وَالْعَدَسِ) وَالْأَرُزِّ وَنَحْوِهَا مِنْ الْمَأْكُولَاتِ، فَلَمْ تَحْصُلْ مِنْهَا إلَّا عَلَى الدَّعْوَى. وَهَذَا الضَّرْبُ مِنْ الدَّعَاوَى يَكْفِي فِي مُعَارَضَتِهَا قَوْلُ الْخَصْمِ: لَيْسَ هَذَا كَمَا ادَّعَيْتَ، لَا فِي هَذَا الْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرْتَ، وَلَا فِي غَيْرِهِ كَالْمَذْهَبِ نَفْسِهِ. إذَا خَالَفَك خَصْمُك فِيهِ، كَانَ خِلَافُهُ إيَّاكَ مُعَارِضًا لِقَوْلِك، وَمُقَاوِمًا لِمَذْهَبِك، إذَا لَمْ تُعَضِّدْهُ بِدَلَالَةٍ، فَتَحْصُلُ أَنْتَ وَهُوَ عَلَى الدَّعْوَى. وَيُقَالُ لَهُ: أَلَيْسَ الْقَائِلُونَ بِعِلَّةِ تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِيهَا قَدْ أَجْرَى كُلٌّ مِنْهُمْ عِلَّتَهُ فِي مَعْلُولِهَا، فَوَاجِبٌ عَلَى هَذِهِ الْقَضِيَّةِ، أَنْ تَكُونَ كُلُّهَا صَحِيحَةً، وَهَذَا خِلَافُ الْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الِاتِّفَاقَ قَدْ حَصَلَ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ هَذِهِ الْعِلَلِ هِيَ وَاحِدَةٌ مِنْهَا، ثُمَّ قَدْ قَاوَمَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ صَاحِبَتَهَا فِي بَابِ جَرْيِهَا فِي مَعْلُولِهَا، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ لَا يُعْوِزُ خَصْمَك فِي كُلِّ عِلَّةٍ تَعْتَلُّ بِهَا وَتَقْتَصِرُ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى صِحَّتِهَا عَلَى مَا ذَكَرْت، أَنْ يَنْصِبَ عِلَّةً بِإِزَاءِ عِلَّتِك مُوجِبَةً لِلْحُكْمِ بِضِدِّ مُوجَبِ عِلَّتِك، مُعَارِضَةً لَهَا وَيُجْرِيهَا فِي مَعْلُولِهَا.
следующие страницы →