Полный текст (1 263 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
الصَّغِيرَةَ يُزَوِّجُهَا، دَلَّ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي مَنْعِ تَزْوِيجِ الثَّيِّبِ الْكَبِيرَةِ أَنَّهَا كَبِيرَةٌ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي الْبِكْرِ الْكَبِيرَةِ، فَيَكُونُ دَلِيلُهُ عَلَى صِحَّةِ (عِلَّتِهِ) وُجُودَ الْحُكْمِ بِوُجُودِهَا، وَزَوَالَهُ بِزَوَالِهَا، فَقَدْ تَعَارَضَتْ الْعِلَّتَانِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَلَا يُمْكِنُ خَصْمَنَا أَنْ يُعَارِضَنَا فِي اسْتِدْلَالِنَا عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ بِمَا وَصَفْنَا مِنْ وُجُودِ تَأْثِيرِهَا فِي الْأُصُولِ، وَتَعَلُّقِ الْأَحْكَامِ بِهَا، بِمِثْلِ اسْتِدْلَالِنَا، فَتَصِيرُ حِينَئِذٍ عِلَّتُنَا أَوْلَى، فَبَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا حَكَيْنَا عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مِمَّا كَانَ يَأْبَاهُ فَرْقٌ (وَاضِحٌ) .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَنْ قَالَ بِهَذَا الضَّرْبِ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ، أَعْنِي وُجُودَ الْحُكْمِ بِوُجُودِهَا وَارْتِفَاعَهُ بِارْتِفَاعِهَا لَا يَصِحُّ لَهُ الْقَوْلُ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ يُجِيزُ وُجُودَ الْعِلَّةِ مَعَ عَدَمِ الْحُكْمِ كَيْفَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى كَوْنِ الْمَعْنَى عِلَّةً لِوُجُودِ الْحُكْمِ بِوُجُودِهِ وَعَدَمِهِ بِعَدَمِهِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى اعْتَبَرَ هَذَا قَالَ لَهُ خَصْمُهُ: لَمَّا وَجَدْت الْحُكْمَ مَعْدُومًا مَعَ وُجُودِهِ وَمَوْجُودًا مَعَ عَدَمِهِ عَلِمْت أَنَّ مَا ذَكَرْته لَيْسَ بِعِلَّةٍ قِيلَ لَهُ: لَا يَجِبُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَعْنَى دَلَالَةً صَحِيحَةً فِي الْأَصْلِ عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ، وَيَكُونَ الْحُكْمُ جَارِيًا عَلَيْهَا مُتَعَلِّقًا بِهَا مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَانِعٌ (فَإِذَا مَنَعَ مِنْهُ مَانِعٌ) امْتَنَعْنَا مِنْ إيجَابِ الْحُكْمِ، وَإِنْ كَانَتْ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةً، وَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ فَسَادُ الدَّلَالَةِ، كَمَا يَقُولُ مُخَالِفُنَا: إنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وُجُودُ الشِّدَّةِ لِوُجُودِ التَّحْرِيمِ عِنْدَ وُجُودِهَا، وَعَدَمِهِ عِنْدَ عَدَمِهَا، فَيُجْرِي هَذِهِ الْعِلَّةُ فِي النَّبِيذِ، ثُمَّ وَجَدْنَا حُكْمَ التَّكْفِيرِ مُتَعَلِّقًا بِالْخَمْرِ عِنْدَ وُجُودِ الشِّدَّةِ، وَزَائِلًا بِزَوَالِهَا، وَلَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ كَوْنَ الشِّدَّةِ عِلَّةً لِتَكْفِيرِ الْمُسْتَحِلِّ، مَعَ وُجُودِ هَذِهِ الدَّلَالَةِ الَّتِي اسْتَدْلَلْت بِهَا عَلَى صِحَّةِ اعْتِلَالِكَ، كَذَلِكَ مَا وَصَفْنَا.
стр. 1087
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ مِنْ حَيْثُ جَازَ عِنْدَنَا تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ، جَازَ تَخْصِيصُ دَلَالَتِهَا عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَمِنْ حَيْثُ جَازَ تَخْصِيصُ الِاسْمِ الَّذِي هِيَ مُقْتَضَبَةٌ مِنْهُ، جَازَ تَخْصِيصُهَا، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ اعْتِبَارِهَا فِيمَا لَمْ يَقُمْ فِيهِ دَلَالَةُ التَّخْصِيصِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّا إنَّمَا نُجِيزُ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ بَعْدَ إقَامَةِ الدَّلَالَةِ عَلَى صِحَّتِهَا فِي الْأَصْلِ، وَوُجُودُ دَلَائِلِ تَصْحِيحِ الْعِلَّةِ مُخْتَلِفَةٌ، لَيْسَ لَهَا طَرِيقٌ وَاحِدٌ عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرْنَا، فَإِنَّمَا نُجِيزُ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ بَعْدَ قِيَامِ الدَّلَالَةِ عَلَى صِحَّتِهَا فِي الْأَصْلِ.
وَأَمَّا مَا لَمْ تَقُمْ الدَّلَالَةُ عَلَى صِحَّةِ كَوْنِهِ عِلَّةً، فَإِنَّا (لَا) نَعْتَبِرُهُ عِلَّةً.
وَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلَ ذَلِكَ: أَنَّ أَبَا الْحَسَنِ قَدْ كَانَ يَسْتَعْمِلُ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْعِلَّةِ، وُجُودَ الْحُكْمِ بِوُجُودِهَا وَارْتِفَاعَهُ بِارْتِفَاعِهَا، وَأَنَّ أَحَدًا مِنْ الْقَائِسِينَ لَيْسَ يَخْلُو مِنْ اعْتِبَارِهِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَلَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يُجَوِّزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ مَتَى تَعَارَضَتْ عِلَّتَانِ مُتَضَادَّتَانِ فِيمَا تُوجِبَانِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ، وَإِحْدَاهُمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا الْحُكْمُ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي حَكَيْته عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مِنْ وُجُودِ تَأْثِيرِهِ فِي الْأُصُولِ، وَالْأُخْرَى لَا دَلَالَةَ عَلَيْهَا إلَّا مِنْ جِهَةِ وُجُودِ الْحُكْمِ بِوُجُودِهَا وَزَوَالِهِ بِزَوَالِهَا، أَنَّ مَا شَهِدَ لَهُ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ مِنْهُمَا أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ، وَكَانَ ذَلِكَ ضَرْبًا مِنْ التَّرْجِيحِ، مُوجِبًا لِكَوْنِهِ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ عِلَّةً، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَجْعَلُ جَرْيَ الْعِلَّةِ فِي مَعْلُولَاتِهَا دَلَالَةً عَلَى صِحَّتِهَا، وَإِنْ لَمْ (يُعَضِّدْهَا) دَلَالَةٌ غَيْرُهُ وَهَذَا قَوْلٌ عِنْدَنَا ظَاهِرُ السُّقُوطِ، لَا يَرْجِعُ الْقَائِلُ بِهِ إلَّا إلَى دَعْوَى عَارِيَّةٍ مِنْ الْبُرْهَانِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَذْهَبَهُ الَّذِي يُعَلِّلُهُ بِهَذَا الضَّرْبِ مِنْ التَّعَلُّلِ يَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثِ دَعَاوَى
إحْدَاهَا: دَعْوَى لِلْمَذْهَبِ الَّذِي يُخَالِفُهُ فِيهِ خَصْمُهُ.
стр. 1088
وَالثَّانِيَةُ: دَعْوَاهُ الْعِلَّةَ الَّتِي خِلَافُ خَصْمِهِ إيَّاهُ فِيهَا (كَهُوَ) فِي نَفْسِ الْمَقَالَةِ.
وَالثَّالِثَةُ: أَنَّهُ قَرَنَ إلَى دَعْوَاهُ الثَّانِيَةِ دَعْوَى تَالِيَةً تَجْعَلُهَا حُجَّةً لِمَقَالِهَا، لِزَعْمِهِ أَنَّهُ حِينَ قَالَ: فَهَذِهِ الْعِلَّةُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَقَالَ بِهَا أَيْضًا فِي مَسْأَلَةٍ أُخْرَى، قَدْ خَالَفَ خَصْمَهُ فِيهَا، وَهِيَ دَعْوَى ثَالِثَةٌ، لَا دَلَالَةَ عَلَيْهَا لِيَصِحَّ الْمَذْهَبُ.
فَكَانَ حَقِيقَةُ قَوْلِهِ، وَتَحْصِيلُهُ: أَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى صِحَّةِ دَعْوَايَ هَذِهِ أَنِّي ادَّعَيْتُ دَعْوَى أُخْرَى مِثْلَهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَالسُّؤَالُ عَلَيْهِ فِي دَعْوَاهُ الثَّالِثَةِ كَهُوَ فِي الثَّانِيَةِ وَالْأُولَى؛ لِأَنَّ الدَّعَاوَى لَا تَصِحُّ بِأَنْفُسِهَا، إنَّمَا تَصِحُّ بِدَلَائِلِهَا.
وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَضْرِبُ بِهَذَا مَثَلًا وَيَقُولُ: هَذَا بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ قِيلَ لَهُ: لِمَ سَرَقْتَ الْيَوْمَ؟ فَيَقُولُ: لِأَنِّي سَرَقْتُ أَمْسِ. وَلَوْ جَازَ الِاقْتِصَارُ عَلَى مِثْلِهِ فِي تَصْحِيحِ الْعِلَّةِ، لَجَازَ الِاقْتِصَارُ عَلَى دَعْوَى الْعِلَّةِ نَفْسِهَا. فَيَقُولُ: الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ عِلَّتِي: أَنِّي قُلْته بِهَا.
وَلَوْ جَازَ هَذَا، لَجَازَ أَنْ يَقُولَ مِثْلَهُ فِي نَفْسِ الْمَذْهَبِ الَّذِي طُولِبَ بِتَصْحِيحِهِ.
فَيَقُولُ: الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَذْهَبِي دَعْوَايَ: أَنَّهُ صَحِيحٌ، وَهَذَا كُلُّهُ جَهْلٌ وَخَبْطٌ لَا يَعْتَمِدُ عَلَى مِثْلِهِ إلَّا غَبِيٌّ.
فَإِنْ قَالَ: الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الِاعْتِبَارِ أَنَّ اسْتِمْرَارَ الْعِلَّةِ فِي فُرُوعِهَا وَعَدَمَ انْتِقَاضِهَا بِدَفْعِ الْأُصُولِ لَهَا، وَفَقْدَ مُقَاوَمَةِ عِلَّةٍ أُخْرَى لَهَا مُوجِبَةٍ الْحُكْمَ بِخِلَافِ مَا يُوجِبُهَا، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ ، لَانْتَقَضَتْ، وَدَفَعَتْهَا الْأُصُولُ، وَقَاوَمَهَا مِنْ الْعِلَلِ مَا يُوجِبُ فَسَادَهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] فَكَانَ اتِّسَاقُهَا وَعَدَمُ دَفْعِ الْأُصُولِ لَهَا وَمُقَاوَمَةُ عِلَلٍ أُخْرَى
стр. 1089
إيَّاهَا، هِيَ الدَّلَالَةَ الْمُوجِبَةَ لِصِحَّتِهَا، فَلَمْ نَكُنْ فِيمَا ادَّعَيْنَاهُ مِنْ صِحَّةِ الْعِلَّةِ مُقْتَصَرِينَ عَلَى الدَّعْوَى حِين عَضَّدْنَاهَا بِدَلَالَةٍ غَيْرِهَا وَهِيَ مَا وَصَفْنَا.
قِيلَ لَهُ: قَوْلُك: إنَّهُ لَمْ يَدْفَعْهَا أَصْلٌ غَلَطٌ ثَانٍ، بَلْ الْأُصُولُ كُلُّهَا تَدْفَعُهَا؛ لِأَنَّ الْأُصُولَ الَّتِي هِيَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالِاتِّفَاقُ وَحُجَّةُ الْعَقْلِ، قَدْ حَكَمَتْ بِبُطْلَانِ قَوْلٍ لَمْ يُعَضِّدْهُ قَائِلُهُ بِدَلَالَةٍ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] وَقَوْلُك: إنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى دَعْوَى لَا دَلَالَةَ عَلَيْهَا، بَلْ يَقُولُ خَصْمُك: إنَّهَا مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى: (إذْ لَا دَلَالَةَ لَك عَلَيْهَا أَكْثَرُ مِنْ دَعْوَاك لَهَا، وَلَوْ كَانَتْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى، لَمَا أَخْلَى اللَّهُ تَعَالَى) مِنْ دَلَالَةٍ تَدُلُّ عَلَيْهَا.
فَصَارَتْ حَقِيقَةُ قَوْلِك هَذَا: إنَّ الدَّلَالَةَ لَمْ تَقُمْ عَلَى فَسَادِهَا، وَقَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ الدَّلَالَةَ لَمْ تَقُمْ عَلَى فَسَادِهَا دَعْوَى لَيْسَ بِدَلَالَةٍ عَلَى صِحَّةِ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّ لِخَصْمِهِ أَنْ يَقُولَ لَهُ: أَفَأَقَمْتَ الدَّلَالَةَ عَلَى صِحَّتِهَا؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ لَهُ: فَهَلُمَّ تِلْكَ الدَّلَالَةَ.
، وَإِنْ قَالَ: لَيْسَ هَهُنَا دَلَالَةٌ عَلَى صِحَّتِهَا غَيْرَ عَدَمِ الدَّلَالَةِ عَلَى فَسَادِهَا.
(قِيلَ لَهُ: فَقُلْ مِثْلَهُ فِي نَفْسِ الْمَذْهَبِ، إنَّهُ لَمْ تَقُمْ الدَّلَالَةُ عَلَى فَسَادِهِ، وَقَدْ اسْتَغْنَيْت عَنْ ذِكْرِ الْعِلَّةِ، فَإِذَا لَمْ يَسُغْ لَك هَذَا فِي نَفْسِ الْمَذْهَبِ، فَالْعِلَّةُ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّك مُدَّعٍ فِيهِمَا جَمِيعًا. وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: مَا أَنْكَرْت أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ عَلَى فَسَادِهَا أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ لَك عَلَى صِحَّتِهَا. وَقَدْ حَكَمَتْ الْأُصُولُ: بِأَنَّ كُلَّ مَذْهَبٍ لَمْ تَقُمْ الدَّلَالَةُ عَلَى صِحَّتِهِ فَهُوَ فَاسِدٌ، فَلَمَّا عَرِيَتْ عِلَّتُك هَذِهِ مِنْ دَلَالَةٍ تَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهَا، دَلَّ عَلَى فَسَادِهَا) .
стр. 1090
وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّ اتِّسَاقَهَا وَعَدَمَ مُقَاوَمَةِ أُخْرَى لَهَا دَلَالَةٌ عَلَى صِحَّتِهَا. فَإِنَّا قَدْ قُلْنَا: إنَّ الْأُصُولَ قَدْ دَفَعَتْهَا مِنْ الْوَجْهِ الَّتِي ذَكَرْنَا.
وَلَوْ كَانَ مِثْلُهُ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ لَجَازَ أَنْ يُقَالَ مِثْلُهُ فِي نَفْسِ الْمَذْهَبِ.
فَيَقُولَ: إنَّ الدَّلِيلَ عَلَى صِحَّةِ مَذْهَبِي أَنَّهُ مُتَّسِقٌ لَا يَدْفَعُهُ أَصْلٌ، وَلَا يُقَاوِمُهُ مَذْهَبٌ غَيْرُهُ، وَلَمْ تَقُمْ الدَّلَالَةُ عَلَى فَسَادِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَلَمَّا امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ الْمَذْهَبِ كَانَ كَذَلِكَ حُكْمُ الْعِلَّةِ.
فَإِنْ قَالَ: إنَّ دَعْوَى الْمَذْهَبِ يُقَاوِمُهَا الْخَصْمُ بِضِدِّهَا.
قِيلَ: وَدَعْوَى الْعِلَّةِ يُقَاوِمُهَا دَعْوَى الْخَصْمِ أَنَّهَا عِلَّةٌ فَاسِدَةٌ، وَأَنَّ مَذْهَبِي صَحِيحٌ، فَدُلَّ عَلَى صِحَّةِ اعْتِلَالِكَ.
أَلَا تَرَى: أَنَّ جَرْيَ الْعِلَّةِ فِي مَعْلُولِهَا إنَّمَا هُوَ دَعْوَاك، وَقَوْلُك غَيْرُ مَقْرُونٍ بِدَلِيلٍ؛ لِأَنَّك إذَا سُئِلَتْ عَنْ عِلَّةِ تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِي الْبُرِّ بِالْبُرِّ فَقُلْت: إنَّهُ مَأْكُولٌ جِنْسٌ، فَاسْتَدْلَلْت عَلَيْهِ بِأَنَّهُ جَارٍ فِي مَعْلُولِهِ، كَانَ حَقِيقَةُ هَذَا الْقَوْلِ: أَنَّ الدَّلِيلَ عَلَيْهِ، أَنِّي قُلْت فِي الْبِطِّيخِ وَالرُّمَّانِ (وَالْعَدَسِ) وَالْأَرُزِّ وَنَحْوِهَا مِنْ الْمَأْكُولَاتِ، فَلَمْ تَحْصُلْ مِنْهَا إلَّا عَلَى الدَّعْوَى.
وَهَذَا الضَّرْبُ مِنْ الدَّعَاوَى يَكْفِي فِي مُعَارَضَتِهَا قَوْلُ الْخَصْمِ: لَيْسَ هَذَا كَمَا ادَّعَيْتَ، لَا فِي هَذَا الْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرْتَ، وَلَا فِي غَيْرِهِ كَالْمَذْهَبِ نَفْسِهِ. إذَا خَالَفَك خَصْمُك فِيهِ، كَانَ خِلَافُهُ إيَّاكَ مُعَارِضًا لِقَوْلِك، وَمُقَاوِمًا لِمَذْهَبِك، إذَا لَمْ تُعَضِّدْهُ بِدَلَالَةٍ، فَتَحْصُلُ أَنْتَ وَهُوَ عَلَى الدَّعْوَى.
وَيُقَالُ لَهُ: أَلَيْسَ الْقَائِلُونَ بِعِلَّةِ تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِيهَا قَدْ أَجْرَى كُلٌّ مِنْهُمْ عِلَّتَهُ فِي مَعْلُولِهَا، فَوَاجِبٌ عَلَى هَذِهِ الْقَضِيَّةِ، أَنْ تَكُونَ كُلُّهَا صَحِيحَةً، وَهَذَا خِلَافُ الْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الِاتِّفَاقَ قَدْ حَصَلَ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ هَذِهِ الْعِلَلِ هِيَ وَاحِدَةٌ مِنْهَا، ثُمَّ قَدْ قَاوَمَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ صَاحِبَتَهَا فِي بَابِ جَرْيِهَا فِي مَعْلُولِهَا، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ لَا يُعْوِزُ خَصْمَك فِي كُلِّ عِلَّةٍ تَعْتَلُّ بِهَا وَتَقْتَصِرُ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى صِحَّتِهَا عَلَى مَا ذَكَرْت، أَنْ يَنْصِبَ عِلَّةً بِإِزَاءِ عِلَّتِك مُوجِبَةً لِلْحُكْمِ بِضِدِّ مُوجَبِ عِلَّتِك، مُعَارِضَةً لَهَا وَيُجْرِيهَا فِي مَعْلُولِهَا.
стр. 1091
وَيَقُولُ: الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ عِلَّتِي جَرْيُهَا فِي مَعْلُولِهَا.
وَلَا يَنْفَكُّ حِينَئِذٍ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ تُسَوِّغَ لَهُ ذَلِكَ، فَتُصَحَّحَ الْعِلَّتَانِ جَمِيعًا، وَهُمَا تُوجِبَانِ حُكْمَيْنِ مُتَغَايِرَيْنِ، وَيَلْزَمَك الْقَوْلُ بِهِمَا جَمِيعًا، وَاعْتِقَادُ وُجُوبِ حُكْمَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، وَهَذَا هُوَ الِاخْتِلَافُ الَّذِي نَفَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أَحْكَامِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]
فَيُقَالُ لَهُ: مَا أَنْكَرْت أَنْ يَكُونَ مَا يُؤَدِّي إلَى هَذَا التَّضَادِّ وَالِاخْتِلَافِ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، لَمَا أَدَّى إلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ؛ إذْ لَا يُسَوِّغُ لَهُ ذَلِكَ.
فَيَقُولُ بِالِاسْتِدْلَالِ عَلَى صِحَّتِهَا بِجَرْيِهَا فِي مَعْلُولِهَا، فَهَذَا التَّضَادُّ الَّذِي ذَكَرْنَا ضَرْبٌ مِنْ الِاخْتِلَافِ الَّذِي هُوَ مُنْتَفٍ عَنْ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَاخْتِلَافٌ ثَانٍ هُوَ مُنْتَفٍ أَيْضًا: أَنْ يَكُونَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ اتِّفَاقِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ أَحَدُ الْمَعَانِي الَّتِي اخْتَلَفُوا فِيهَا، دُونَ جَمِيعِهَا، لَمْ (يَجْرِ) الْجَمِيعُ مَجْرَى عِلَّتِهِ فِي مَعْلُولِهَا، مَعَ اتِّفَاقِهِمْ أَنَّ الصَّحِيحَ وَاحِدَةٌ مِنْهَا، وَلَوْ كَانَ مَجْرَى الْعِلَّةِ فِي مَعْلُولِهَا عَلَامَةٌ لِصِحَّتِهَا، لَمَّا قَاوَمَتْهَا عِلَّةٌ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يُقَاوِمُهُ الْبَاطِلُ، حَتَّى لَا يَنْفَصِلَ مِنْهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨] فَمَتَى وَجَدْنَا فِي مَذْهَبٍ هَذَا الِاخْتِلَافَ، عَلِمْنَا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى، فَنَحْنُ لَوْ اسْتَدْلَلْنَا بِالْآيَةِ عَلَى فَسَادِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ لَكَانَتْ كَافِيَةً فِي إفْسَادِهَا، فَقَدْ بَانَ فَسَادُ هَذَا الْقَوْلِ مِنْ وُجُوهٍ:
стр. 1092
أَحَدُهَا: أَنَّ قَائِلَهُ لَمْ يَرْجِعْ فِي إثْبَاتِهِ إلَّا إلَى دَعْوَى.
وَالْآخَرُ: أَنَّ الْأُصُولَ قَدْ حَكَمَتْ بِفَسَادِ كُلِّ قَوْلٍ لَا دَلَالَةَ لِقَائِلِهِ عَلَى صِحَّتِهِ.
وَالْآخَرُ: أَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَضَادِّ الْأَحْكَامِ وَالْمَقَالَاتِ، وَذَلِكَ مُنْتَفٍ عَنْ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] .
وَمِنْ أَشْكَالِ ذَلِكَ: مَا يَقُولُهُ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي الْعِلَّتَيْنِ إذَا أَوْجَبَتَا حُكْمًا وَاحِدًا، وَإِحْدَاهُمَا أَعَمُّ مِنْ الْأُخْرَى: إنَّ أَعَمَّهُمَا أَوْلَى بِالصِّحَّةِ، فَيَقْتَصِرُ فِي تَصْحِيحِ أَعَمِّهِمَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعَضِّدَهُ بِدَلَالَةٍ.
وَذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِهِمْ فِي عِلَّةِ الْأَكْلِ: إنَّهَا أَعَمُّ مِنْ عِلَّةِ الْمُقْتَاتِ الْمُدَّخَرِ لِأَنَّ كُلَّ مُقْتَاتٍ مَأْكُولٌ، وَلَيْسَ كُلُّ مَأْكُولٍ مُقْتَاتًا، وَنَحْوُ مَا نَقُولُهُ فِي عِلَّةِ بَعْضِ الطَّهَارَةِ بِخُرُوجِ النَّجَاسَةِ، وَعِلَّةِ مَنْ يَعْتَبِرُهَا بِخُرُوجِ النَّجَاسَةِ مِنْ السَّبِيلِ فَعِلَّتُنَا أَعَمُّ، وَلَا يَصِحُّ لَنَا أَنْ نَقُولَ: إنَّ عِلَّتَنَا أَوْلَى لِكَوْنِهَا أَعَمَّ، مِنْ غَيْرِ أَنْ نَقْرُنَهَا بِدَلَالَةٍ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي إنْكَارِ الِاحْتِجَاجِ لِصِحَّةِ الْعِلَّةِ بِجَرْيِهَا فِي مَعْلُولِهَا، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَائِلَ بِأَعَمِّ الْعِلَّتَيْنِ، إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الدَّعْوَى فِي زِيَادَةِ الْمَعْلُولَاتِ الَّتِي ادَّعَاهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعَضِّدَهَا بِدَلَالَةٍ، فَقَوْلُهُ سَاقِطٌ.
بَلْ لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّ أَخَصَّهُمَا أَوْلَى، جَازَ لَهُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ عَلَى خَصْمِهِ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى وُجُودِ حُكْمِ الْأَخَصِّ، وَاخْتِلَافِهِمَا فِي الْأَعَمِّ، مَعَ عَدَمِ الدَّلَالَةِ عَلَى ثُبُوتِهَا، وَاَلَّذِي يَلْزَمُ الْقَائِلَ بِالْأَعَمِّ إقَامَةُ الدَّلَالَةِ عَلَى صِحَّةِ عِلَّتِهِ عَلَى الشُّرُوطِ الَّتِي ادَّعَاهَا، فَإِذَا صَحَّحَتْهَا الدَّلَالَةُ، صَحَّ حِينَئِذٍ اعْتِبَارُ عُمُومِهَا، مَا لَمْ يَعْرِضْ فِيهَا مَا يُوجِبُ تَخْصِيصَ حُكْمِهَا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: الْقَوْلُ بِأَعَمِّ الْعِلَّتَيْنِ وَاجِبٌ، كَوُجُوبِ الْقَوْلِ بِأَعَمِّ اللَّفْظَيْنِ إذَا أَوْجَبَا حُكْمًا وَاحِدًا.
قِيلَ لَهُ: لَعَمْرِي إنَّ (الْقَوْلَ) بِأَعَمِّ الْعِلَّتَيْنِ وَاجِبٌ إذَا قَامَتْ الدَّلَالَةُ عَلَى صِحَّتِهَا، فَأَمَّا اعْتِبَارُ أَعَمِّهَا قَبْلَ إقَامَةِ الدَّلَالَةِ عَلَى كَوْنِ الْمَعْنَى الْأَعَمِّ عِلَّةً لِلْحُكْمِ، فَقَوْلٌ
стр. 1093
سَاقِطٌ مَرْذُولٌ، وَإِنَّمَا وَجَبَ الْقَوْلُ بِأَعَمِّ اللَّفْظَيْنِ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ: أَنَّ الْأَعَمَّ اسْمٌ لِلْخَاصِّ وَلِغَيْرِهِ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ إذَا عُلِّقَ الْحُكْمُ بِهِ.
وَنَظِيرُهُ أَنْ يَثْبُتَ أَنَّ الْأَعَمَّ فِيمَا ذَكَرَهُ عِلَّةٌ بِدَلَالَةٍ تُوجِبُهُ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ اللَّفْظَيْنِ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا أَعَمَّ مِنْ الْآخَرِ.
وَمِمَّا يُغَالِطُ بِهِ الْمُخَالِفُونَ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُمْ: إنَّ عِلَّةَ الْأَكْلِ أَوْلَى مِنْ عِلَّةِ الْكَيْلِ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَوْعِبُ التَّمْرَةَ بِالتَّمْرَتَيْنِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْكَيْلِ، وَيُوجِبُ مِنْ الْحُكْمِ أَكْثَرَ مِمَّا يُوجِبُهُ الْآخَرُ، وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِيهِ إلَّا إلَى دَعْوَى حَسْبَ مَا بُيِّنَ فِي إفْسَادِ قَوْلِ الْقَائِلِينَ بِجَرْيِ الْعِلَّةِ، وَالْقَائِلِينَ بِأَعَمِّ الْعِلَّتَيْنِ، ثُمَّ هُوَ مَعَ ذَلِكَ مُفَارِقٌ لِمَا ذَكَرْنَا فِي أَعَمِّ الْعِلَّتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْكَيْلَ وَالْوَزْنَ يَعُمَّانِ أَكْثَرَ الْمَأْكُولَاتِ وَكَثِيرًا مِنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَأْكُولَةٍ: كَأَنْوَاعِ الطِّيبِ، وَالْأَصْبَاغِ، وَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ، وَسَائِرِ جَوَاهِرِ الْأَرْضِ، وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ، فَيُوجِبُ حُكْمَ تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِي سَائِرِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ. وَهَذَا الضَّرْبُ مِنْ الِاعْتِبَارِ إنْ صَحَّ احْتَجْنَا أَنْ نَعُدَّ الْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ، وَنَعُدَّ الْمَأْكُولَاتِ، فَنَنْظُرَ أَيُّهُمَا أَكْثَرُ أَنْوَاعًا فَيَكُونُ أَوْلَى، وَهَذَا الِاعْتِبَارُ سَاقِطٌ لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ.
وَعَلَى أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ فِي مِثْلِ هَذَا بِأَعَمِّ الْعِلَّتَيْنِ لَغْوٌ لَا مَعْنَى لَهُ؛ إذْ كَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَامَّةً فِي نَوْعِهَا جَارِيَةً فِي مَعْلُولِهَا، فَلَيْسَتْ إحْدَاهُمَا بِأَعَمَّ مِنْ الْأُخْرَى فِي بَابِهَا.
стр. 1094
[بَابُ الْقَوْلِ فِي اخْتِلَافِ الْأَحْكَامِ مَعَ اتِّفَاقِ الْمَعْنَى وَاتِّفَاقِهَا مَعَ اخْتِلَافِ الْمَعَانِي]
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْمَعْنَى الْوَاحِدِ أَحْكَامٌ مُخْتَلِفَةٌ، كَتَعَلُّقِ إيجَابِ كَفَّارَةِ رَمَضَانَ وَدَمِ الْإِحْرَامِ بِالْجِمَاعِ، (وَكَتَعَلُّقِ) تَحْرِيمِ أُمِّ الْمَرْأَةِ بِعَقْدِ النِّكَاحِ، وَكَتَعَلُّقِ إبَاحَةِ الْمَنْكُوحَةِ بِذَلِكَ الْعَقْدِ بِعَيْنِهِ، وَكَإِبَاحَةِ الْإِفْطَارِ بِوُجُودِ الْحَيْضِ وَحَظْرِ وَطْئِهَا.
وَنَظَائِرُ ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى.
إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْعِلَلَ لَمَّا كَانَتْ أَمَارَاتٍ لِلْأَحْكَامِ عَلَى حَسْبِ مَا يَجْعَلُهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَامَةً فِيهَا، لَمْ يُمْنَعْ أَنْ يُجْعَلَ الْمَعْنَى الْوَاحِدُ عَلَامَةً لِأَحْكَامٍ مُخْتَلِفَةٍ، كَالِاسْمِ لَمَّا كَانَ عَلَامَةً لِلْحُكْمِ الْمُضَمَّنِ بِهِ لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يَكُونَ الِاسْمُ الْوَاحِدُ عَلَمًا لِتَحْرِيمِ شَيْءٍ، وَعَلَمًا لِإِبَاحَةِ شَيْءٍ آخَرَ.
أَلَا تَرَى: أَنَّ اسْمَ الْكُفْرِ قَدْ صَارَ عَلَمًا لِإِبَاحَةِ قَتْلِ الْحَرْبِيِّ، وَعَلَمًا لِتَحْرِيمِ التَّوَارُثِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، وَيَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ، وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ عِلَلُ الشَّرْعِ جَارِيَةٌ هَذَا الْمَجْرَى لَا يَمْتَنِعُ فِيهِ كَوْنُ الْمَعْنَى الْوَاحِدِ عِلَّةً لِحُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.
стр. 1095
وَجَائِزٌ أَيْضًا اتِّفَاقُ الْأَحْكَامِ لِعِلَلٍ مُخْتَلِفَةٍ.
أَلَا تَرَى الْبَيْعَ قَدْ يَفْسُدُ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، وَيَفْسُدُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَا لَمْ يَقْبِضْ، وَلِأَنَّهُ بَيْعُ غَرَرٍ، أَوْ مَجْهُولٍ، وَقَدْ يَجِبُ الْقَتْلُ لِلرِّدَّةِ، وَالْقِصَاصِ، وَالْكُفْرِ، وَلِمَعَانٍ أُخَرَ، فَلَيْسَ يَمْتَنِعُ مُعَلَّقُ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ لِعِلَلٍ مُخْتَلِفَةٍ.
وَكَقَوْلِنَا أَيْضًا: إنَّ النَّسَاءَ يُحَرَّمُ بِوُجُودِ الْجِنْسِ، عَلَى حِيَالِهِ، وَيُحَرَّمُ أَيْضًا بِوُجُودِ الْكَيْلِ، أَوْ الْوَزْنِ، وَهَذَا أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يَخْفَى عَلَى ذَوِي فَهْمٍ.
стр. 1096
بَابٌ فِي ذِكْرِ شُرُوطِ الْحُكْمِ مَعَ الْعِلَّةِ
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَقَدْ تَكُونُ الْعِلَّةُ مُوجِبَةً لِلْحُكْمِ عَلَى شَرَائِطَ تَتَقَدَّمُهُمَا، فَلَا يَكُونُ لِلْعِلَّةِ تَأْثِيرٌ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ إلَّا بَعْدَ وُجُودِ شَرَائِطِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الشَّرَائِطُ مُوجِبَةً لَهُ، وَذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِنَا: إنَّ الزِّنَا يُوجِبُ الرَّجْمَ مَعَ شَرْطِ الْإِحْصَانِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْإِحْصَانِ تَأْثِيرٌ فِي إيجَابِهِ مَعَ الزِّنَا، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرَّجْمَ عُقُوبَةٌ، وَالْإِحْصَانَ اسْمٌ يَشْتَمِلُ عَلَى مَعَانٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَحَقَّ الْعِقَابُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ: الْبُلُوغُ، وَالْإِسْلَامُ، وَالدُّخُولُ، وَلَيْسَ هَذِهِ الْمَعَانِي مِمَّا يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةُ، فَعَلِمْنَا أَنَّ الرَّجْمَ يُسْتَحَقُّ بِالزِّنَا لَا بِغَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ إلَّا بِوُجُودِ الْإِحْصَانِ، وَمِمَّا يُبَيِّنُ الْفَصْلَ بَيْنَ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْحُكْمِ، وَبَيْنَ مَا لَا يُوجِبُهُ،، وَإِنْ كَانَ شَرْطًا فِي إيجَابِهِ: أَنَّ مَا يَجِبَ الْحُكْمُ عِنْدَ وُجُودِهِ هُوَ الْمُوجِبُ لِلْحُكْمِ عِنْدَ تَقَدُّمِ تِلْكَ الشَّرَائِطِ، وَأَنَّ مَا لَا يَجِبُ الْحُكْمُ بِوُجُودِهِ لَيْسَ هُوَ الْمُوجِبَ لَهُ.
أَلَا تَرَى: أَنَّ الْإِحْصَانَ قَدْ كَانَ مَوْجُودًا غَيْرَ مُوجِبٍ لِلْحُكْمِ، حَتَّى لَمَّا وُجِدَ الزِّنَا بَعْدَ الْإِحْصَانِ وَجَبَ الرَّجْمُ، وَلَوْ وُجِدَ مِنْهُ الزِّنَا قَبْلَ الْإِحْصَانِ، ثُمَّ أُحْصِنَ قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ لَمْ يَجِبْ الرَّجْمُ، فَعَلِمْت أَنَّ وُجُوبَ الرَّجْمِ مُتَعَلِّقٌ بِوُجُودِ الزِّنَا دُونَ وُجُودِ الْإِحْصَانِ.
وَلِذَلِكَ لَمْ يُوجِبْ أَصْحَابُنَا عَلَى شُهُودِ (الْإِحْصَانِ ضَمَانًا عِنْدَ الرُّجُوعِ، وَأَوْجَبُوهُ
стр. 1097
عَلَى شُهُودِ الزِّنَا؛ إذْ كَانُوا هُمْ الْمُوجِبِينَ لَهُ، وَلَمْ يَكُنْ شُهُودُ) الْإِحْصَانِ مُوجِبِينَ لَهُ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ اُحْتِيجَ فِي إثْبَات الزِّنَا أَرْبَعَةُ شُهَدَاءَ، وَالنَّفْيُ فِي إثْبَاتِ الْإِحْصَانِ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ.
وَيَدُلُّ أَيْضًا مِنْ مَذْهَبِهِمْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَلَى أَصْلِهِمْ مِنْ اعْتِبَارِ الْمَعْنَى الَّذِي تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِوُجُودِهِ دُونَ وُجُودِ غَيْرِهِ فِي كَوْنِهِ مُوجِبًا لَهُ: قَوْلُهُمْ فِي شَاهِدَيْنِ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ أَمْسِ، فَيَقْضِي الْقَاضِي عَلَيْهِ بِعِتْقِهِ، ثُمَّ شَهِدَ شَاهِدَانِ آخَرَانِ: أَنَّ عَبْدَهُ كَانَ جَنَى أَوَّلَ مِنْ أَمْسِ، وَأَنَّ الْمَوْلَى عَلِمَ بِالْجِنَايَةِ، فَأَلْزَمَهُ الْقَاضِي الدِّيَةَ وَجَعَلَهُ مُخْتَارًا، ثُمَّ رَجَعَ الشُّهُودُ كُلُّهُمْ: أَنَّ ضَمَانَ الدِّيَةِ عَلَى شُهُودِ الْجِنَايَةِ، وَضَمَانَ الْقِيمَةِ عَلَى شُهُودِ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ أَلْزَمَهُ الدِّيَةَ بِشَهَادَةِ شُهُودِ الْجِنَايَةِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْجِنَايَةُ مِمَّا لَمْ يُلْزِمْ بِهِ الدِّيَةَ إلَّا بَعْدَ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ قَدْ كَانَ مَوْجُودًا بِشَهَادَةِ الْآخَرِينَ، غَيْرَ مُوجِبٍ لَهَا عَلَى الْمَوْلَى، فَلَمَّا وُجِدَتْ شَهَادَةُ شُهُودِ الْجِنَايَةِ، أَلْزَمَهُ الدِّيَةَ.
وَقَالُوا: لَوْ كَانَ شُهُودُ الْجِنَايَةِ شَهِدُوا أَوَّلًا بِالْجِنَايَةِ فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِهَا، ثُمَّ شَهِدَ شَاهِدَانِ: أَنَّهُ أَعْتَقَهُ بَعْدَ الْجِنَايَةِ، فَأَلْزَمَهُ الْقَاضِي الدِّيَةَ، ثُمَّ رَجَعَ الشُّهُودُ كُلُّهُمْ، أَنَّ شُهُودَ الْعِتْقِ يَضْمَنُونَ فِي هَذِهِ الْحَالِ الدِّيَةَ؛ لِأَنَّ لُزُومَهَا تَعَلَّقَ بِشَهَادَتِهِمْ.
أَلَا تَرَى أَنَّ شَهَادَةَ شُهُودِ الْجِنَايَةِ قَدْ كَانَتْ مَوْجُودَةً غَيْرَ مُوجِبَةٍ لِلدِّيَةِ، ثُمَّ لَمَّا وُجِدَتْ شَهَادَةُ شُهُودِ الْعِتْقِ أَلْزَمَهُ بِهَا الدِّيَةَ، فَعَلَّقُوا وُجُوبَ الْحُكْمِ بِالْمَعْنَى الَّذِي عِنْدَ وُجُودِهِ وَجَبَ دُونَ مَا هُوَ شَرْطٌ فِيهِ مِمَّا تَقَدَّمَهُ.
стр. 1098
[بَابٌ فِي ذِكْرِ الْأَوْصَافَ الَّتِي تَكُونُ عِلَّةً لِلْحُكْمِ]
ِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَقَدْ تَكُونُ عِلَّةُ الْحُكْمِ وَصْفًا لَازِمًا لِلْأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ، كَقَوْلِنَا: إنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِ النَّسَاءِ وُجُودُ الْجِنْسِ.
وَقَدْ يَكُونُ وَصْفًا غَيْرَ لَازِمٍ لِلْأَصْلِ، لَكِنَّهُ يَتْبَعُ عَادَةَ النَّاسِ فِي التَّعَامُلِ بِهِ كَقَوْلِنَا: إنَّ كَوْنَهُ مَكِيلًا عِلَّةٌ لِتَحْرِيمِ النَّسَاءِ أَيْضًا، وَكَوْنَهُ مَكِيلًا لَيْسَ هُوَ وَصْفًا لَازِمًا لَهُ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ كَذَلِكَ بِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِالتَّعَامُلِ كَيْلًا، وَكَاعْتِلَالِنَا لِإِيجَابِ الْعُشْرِ فِيمَا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ مِنْ الْخُضَرِ وَنَحْوِهَا بِعِلَّةِ أَنَّهَا يُقْصَدُ الْأَرَضُونَ بِزِرَاعَتِهَا، قِيَاسًا عَلَى الْحِنْطَةِ، وَكَوْنُهُ مِمَّا يُقْصَدُ بِزِرَاعَتِهِ إنَّمَا هُوَ عَادَةٌ جَارِيَةٌ مِنْ النَّاسِ فِيهَا وَلَيْسَ هُوَ صِفَةً لَازِمَةً لِنَفْسِ الْمَزْرُوعِ.
وَقَدْ تَكُونُ الْعِلَّةُ نَفْسَ الِاسْمِ، كَقَوْلِنَا: إنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ مَرَّةً قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الْمَمْسُوحَاتِ مِنْ نَحْوِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَمَسْحِ التَّيَمُّمِ بِعِلَّةِ أَنَّهُ مَسْحٌ، وَقَدْ كَانَ أَبُو الْحَسَنِ يَحْتَجُّ لِلْمُحْرِمَيْنِ إذَا قَتَلَا صَيْدًا: أَنَّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَزَاءً كَامِلًا، بِأَنَّ هَذِهِ كَفَّارَةٌ فِيهَا صَوْمٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٩٥] فَسَمَّاهُ كَفَّارَةً، فَاشْتَبَهَتْ كَفَّارَةُ قَتْلِ الْخَطَأِ، لَمَّا كَانَتْ كَفَّارَةً فِيهَا صَوْمٌ لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَاتِلِينَ كَفَّارَةٌ كَامِلَةٌ، فَالْقِيَاسُ (صَحِيحٌ بِالِاسْمِ) عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَإِنَّمَا لَا يَصِحُّ الِاعْتِلَالُ بِالِاسْمِ إذَا لَمْ يَعْدُ إلَى فَرْعٍ، كَمَا لَا
стр. 1099
يَصِحُّ الِاعْتِلَالُ بِشَيْءٍ مِنْ أَوْصَافِ الْأَصْلِ إذَا لَمْ يَعْدُ إلَى فَرْعٍ، وَكَانَ مَوْقُوفَ الْحُكْمِ عَلَى الْأَصْلِ، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِيمَا سَلَفَ مِنْ فَسَادِ قَوْلِ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ.
وَقَدْ تَكُونُ الْعِلَّةُ حُكْمًا مِنْ أَحْكَامِ الْأَصْلِ فَتُنْصَبُ عِلَّةً لِلْفَرْعِ يَجِبُ فِيهِ الْحُكْمُ الْمُتَنَازَعُ بِوُجُودِهِ، كَمَا قُلْنَا فِي الْمُحْرِمَيْنِ إذَا قَتَلَا صَيْدًا، وَجَمَعْنَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ قَاتِلِ الْخَطَأِ بِأَنَّ هَذِهِ كَفَّارَةٌ فِيهَا صَوْمٌ، وَهَذَا جَمِيعًا حُكْمَانِ.
وَكَقَوْلِنَا: إنَّ الرَّجُلَ مَمْنُوعٌ مِنْ تَزْوِيجِ أُخْتِ امْرَأَتِهِ فِي عِدَّتِهَا مِنْهُ، بِعِلَّةِ أَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ، قِيَاسًا عَلَى مَنْعِ تَزْوِيجِهَا زَوْجًا آخَرَ إذَا كَانَتْ مُعْتَدَّةً، وَتَحْرِيمُ الْأُخْتَيْنِ وَالزَّوْجَيْنِ مِنْ طَرِيقِ الْجَمْعِ، فِيهِمَا حُكْمٌ وَاحِدٌ، عِلَّتُهُمَا كَوْنُهَا مُعْتَدَّةً، وَكَوْنُهَا مُعْتَدَّةً إنَّمَا هُوَ حُكْمٌ.
وَكَقَوْلِنَا: إنَّ الْمَنِيَّ نَجَسٌ لِأَنَّ خُرُوجَهُ يُوجِبُ نَقْضَ الطَّهَارَةِ (قِيَاسًا عَلَى انْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ بِخُرُوجِ الْبَوْلِ، وَكَانَ انْتِقَاضُ الطَّهَارَةِ عِلَّةً لِكَوْنِهِ نَجَسًا، وَانْتِقَاضُ الطَّهَارَةِ) حُكْمٌ.
وَقَدْ تَشْتَمِلُ الْعِلَّةُ عَلَى أَوْصَافٍ بَعْضُهَا صِفَةٌ لَازِمَةٌ لِلْأَصْلِ، وَالْآخَرُ حُكْمٌ، وَالْآخَرُ وَصْفٌ عَارِضٌ فِيهِ، كَقَوْلِنَا: إنَّ سَيَلَانَ الدَّمِ مِنْ الْجُرْحِ إلَى مَوْضِعِ الصِّحَّةِ عِلَّةٌ لِنَقْضِ الطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّهُ دَمُ عِرْقٍ خَارِجٌ نَجَسٌ، فَكَوْنُهُ دَمَ عِرْقٍ صِفَةٌ لَازِمَةٌ لَهُ، وَكَوْنُهُ خَارِجًا وَصْفٌ عَارِضٌ فِيهِ، وَكَوْنُهُ نَجَسًا إنَّمَا هُوَ حُكْمٌ، لَيْسَ هُوَ وَصْفًا لَهُ لَازِمًا وَلَا عَارِضًا.
وَقَدْ يَشْتَمِلُ أَيْضًا عَلَى أَوْصَافٍ بَعْضُهَا حُكْمٌ وَبَعْضُهَا عَادَةٌ، كَقَوْلِنَا: فِي عِلَّةِ نَجَاسَةِ سُؤْرِ السَّبُعِ: إنَّهُ مُحَرَّمُ الْأَكْلِ، لَا لِحُرْمَتِهِ، وَيُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ مِنْ سُؤْرِهِ، قِيَاسًا عَلَى الْكَلْبِ، فَقَوْلُنَا: مُحَرَّمُ الْأَكْلِ حُكْمٌ، وَقَوْلُنَا: يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ عَنْ سُؤْرِهِ مُتَعَلِّقٌ بِالْعَادَةِ.
وَقَدْ يَشْتَمِلُ عَلَى وَصْفَيْنِ هُمَا جَمِيعًا حُكْمٌ، كَقَوْلِنَا: إنَّ النَّسَاءَ مُحَرَّمٌ فِي الْحَدِيدِ بِالنُّحَاسِ،؛ لِأَنَّ الْوَزْنَ فِيهِ أَحَدُ وَصْفَيْ عِلَّةِ تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ، وَهُوَ مِنْ جِنْسِ مَا يَتَعَيَّنُ.
فَقَوْلُنَا: أَحَدُ وَصْفَيْ عِلَّةِ تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ حُكْمٌ.
وَقَوْلُنَا: مِمَّا يَتَعَيَّنُ حُكْمٌ أَيْضًا.
стр. 1100
[بَابُ الْقَوْلِ فِي مُخَالَفَةِ عِلَّةِ الْفَرْعِ لِعِلَّةِ الْأَصْلِ]
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَقَدْ يَكُونُ حُكْمُ الْأَصْلِ الَّذِي مِنْهُ تُقْتَضَبُ الْعِلَّةُ مُتَعَلِّقًا بِمَعْنًى.
وَتَكُونُ عِلَّةُ الْفَرْعِ غَيْرَ الْمَعْنَى الْمُوجِبِ لِلْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ، هَذَا جَائِزٌ فِي عِلَلِ الشَّرْعِيَّاتِ، وَذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِنَا: إنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِي الْأَرُزِّ أَنَّهُ مَكِيلُ جِنْسٍ، قِيَاسًا عَلَى (الْبُرِّ) ، وَلَيْسَ هَذَا الْحُكْمُ مُوجَبًا فِي الْبُرِّ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ الْبُرَّ إنَّمَا وَجَبَ فِيهِ هَذَا الْحُكْمُ بِالنَّصِّ لَا بِهَذَا الْمَعْنَى؛ إذْ كَانَ دُخُولُهُ تَحْتَ النَّصِّ مُغْنِيًا عَنْ تَعْلِيلِهِ لِإِيجَابِ حُكْمِهِ، وَإِنَّمَا اقْتَضَيْنَا هَذَا الِاعْتِلَالَ لِلْفَرْعِ الَّذِي لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ.
أَلَا تَرَى: أَنَّهُ لَوْلَا الْفَرْعُ لَكَانَ ذِكْرُ (هَذَا) الِاعْتِلَالِ لِلْأَصْلِ لَغْوًا لَا مَعْنَى لَهُ، عَلَى مَا بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ أَصْلٍ (ثَبَتَ) بِنَصٍّ أَوْ اتِّفَاقٍ، فَإِنَّا مَتَى قِسْنَا عَلَيْهِ بِعِلَّةٍ، أَوْ اقْتَضَيْنَاهَا، فَحُكْمُ الْأَصْلِ يَتَعَلَّقُ بِالنَّصِّ، أَوْ الِاتِّفَاقِ، وَحُكْمُ الْفَرْعِ مُتَعَلِّقٌ بِالْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنْهُ.
وَقَدْ يَعْرِضُ مِثْلُ هَذَا كَثِيرًا مِمَّا ثَبَتَ حُكْمُهُ مِنْ طَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ بِعِلَّةٍ غَيْرِ عِلَّةِ الْأَصْلِ، نَحْوُ قَوْلِنَا: إنَّ مُحَاذَاةَ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ تُفْسِدُ صَلَاتَهُ، وَالْعِلَّةُ فِيهِ: أَنَّهُ قَدْ قَامَ مَقَامًا لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُومَهُ بِحَالٍ، مَعَ (اخْتِصَاصِهِ بِالنَّهْيِ) قِيَاسًا عَلَى إفْسَادِ صَلَاةِ مَنْ قَامَ قُدَّامَ الْإِمَامِ، وَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَنَا فَسَادُ صَلَاتِهِ.
وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْعِلَّةِ بِوَصْفٍ مِنْ أَوْصَافِ الْأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ، وَالْعِلَّةُ الَّتِي بِهَا أَفْسَدْنَا
стр. 1101
صَلَاةَ مَنْ صَلَّى قُدَّامَ الْإِمَامِ، لَيْسَتْ بِهَذِهِ،، وَإِنَّمَا هِيَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالِائْتِمَامِ بِالْإِمَامِ وَاتِّبَاعِهِ، فَمَنْ صَلَّى قُدَّامَ الْإِمَامِ غَيْرَ مُؤْتَمٍّ بِهِ وَلَا مُتَّبِعٍ لَهُ عِنْدَنَا فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي بِهَا أَثْبَتْنَا حُكْمَ الْأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ، غَيْرُ الْعِلَّةِ الَّتِي بِهَا ثَبَتَ حُكْمُ الْفَرْعِ الْمَقِيسِ.
وَنَظِيرُ ذَلِكَ أَيْضًا: قَوْلُهُمْ فِي رَجُلَيْنِ أَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى عَبْدٍ فِي يَدَيْ رَجُلٍ أَنَّهُ وَهَبَهُ لَهُ وَقَبَضَهُ. وَأَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ بَاعَهُ مِنْهُ، وَلَمْ يُوَقِّتْ الْبَيِّنَتَانِ، أَوْ بَيِّنَةُ الشِّرَاءِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ عَدَمَ تَارِيخِ الْعَقْدَيْنِ فِي شَهَادَةِ الشُّهُودِ، يُوجِبُ الْحُكْمَ بِوُقُوعِ الْعَقْدَيْنِ مَعًا، وَمَتَى حَكَمْنَا بِوُقُوعِ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ مَعًا، سَبَقَ وُقُوعُ الْمِلْكِ بِالشِّرَاءِ الْمِلْكَ بِالْهِبَةِ،؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ الْمِلْكَ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَالْهِبَةَ لَا تُوجِبُهُ إلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ، فَكَانَتْ الْعِلَّةُ الْمُوجِبَةُ لِلْحُكْمِ بِالْبَيْعِ دُونَ الْهِبَةِ، مَا ذَكَرْنَا.
ثُمَّ قَالُوا: لَوْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى الرَّهْنِ، وَالْأُخْرَى عَلَى الْهِبَةِ، وَشَهِدَتْ الْبَيِّنَاتُ بِالْقَبْضِ، فَإِنَّ الرَّهْنَ أَوْلَى مِنْ الْهِبَةِ؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ تَسَاوَيَا فِي أَنَّ مِنْ شَرْطِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْقَبْضَ، وَالرَّهْنُ يُشْبِهُ الْبَيْعَ فِي بَابِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ ضَمَانِ الْيَدَيْنِ كَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَيْعِ ضَمَانُ الثَّمَنِ، فَقَاسُوا الرَّهْنَ عَلَى الْبَيْعِ فِي هَذَا الْوَجْهِ بِغَيْرِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ، لِكَوْنِ الْبَيْعِ أَوْلَى مِنْ الْهِبَةِ.
وَنَحْوُهُ إذَا أَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ عَلَى شِرَاءِ الْعَبْدِ مِنْ مَالِكِهِ، وَأَقَامَ الْعَبْدُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ مَوْلَاهُ أَعْتَقَهُ، فَيَكُونُ الْعِتْقُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ فِيهِ قَبْضًا، فَصَارَ كَإِقَامَةِ رَجُلَيْنِ الْبَيِّنَةَ عَلَى الشِّرَاءِ، وَشَهِدَتْ بَيِّنَةُ أَحَدِهِمَا بِالْقَبْضِ، فَيَكُونُ صَاحِبُ الْقَبْضِ أَوْلَى، ثُمَّ جَعَلُوا التَّدْبِيرَ مِثْلَ الْعِتْقِ فِي كَوْنِهِ أَوْلَى مِنْ الشِّرَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ قَبْضٌ، بِعِلَّةِ أَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ، كَمَا لَا يَلْحَقُ الْعِتْقَ، فَالْعِلَّةُ الَّتِي قَاسُوا بِهَا التَّدْبِيرَ عَلَى الْعِتْقِ فِي كَوْنِهِ أَوْلَى مِنْ الشِّرَاءِ غَيْرُ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِكَوْنِ الْعِتْقِ فِي الْأَصْلِ أَوْلَى مِنْ الشِّرَاءِ. وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ.
وَإِنَّمَا جَازَ هَذَا فِي الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ عَلَمًا لِلْحُكْمِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِيمَا
стр. 1102
سَلَفَ غَيْرَ مُوجِبَةٍ (لَهُ) ، ثُمَّ لَمْ يَمْتَنِعْ إيجَابُ حُكْمِ الْأَصْلِ بِمَعْنًى، ثُمَّ يُجْعَلُ بَعْضُ أَوْصَافِهِ عَلَمًا لِحُكْمٍ آخَرَ يُقَاسُ عَلَيْهِ إذَا كَانَتْ هَذِهِ الْأَوْصَافُ، إنَّمَا صَارَتْ عِلَلًا عَلَى حَسْبِ مَا جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَامَةَ الْأَحْكَامِ، وَالنُّكْتَةُ الَّتِي عَلَيْهَا مَدَارُ الْأَمْرِ فِي اعْتِبَارِ هَذِهِ الْمَعَانِي عِلَلًا عَلَى الْأَوْصَافِ الَّتِي قَدَّمْنَا، أَنَّهَا (لَمَّا) لَمْ تَكُنْ مُوجِبَةً لِأَحْكَامِهَا الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا، وَإِنَّمَا كَانَتْ أَمَارَاتٍ لَهَا، عَلَى حَسْبِ مَا يَنْصِبُهَا اللَّهُ تَعَالَى أَمَارَةً لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْأَوْصَافِ عَلَامَةً لِحُكْمٍ، ثُمَّ تَكُونَ بَعْضُ أَوْصَافِ هَذَا الْحُكْمِ عَلَامَةً لِحُكْمٍ آخَرَ غَيْرِهِ يَجِبُ اعْتِبَارُهُ بِهِ.
وَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ أَجَزْنَا تَخْصِيصَ أَحْكَامِ الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ مَعَ وُجُودِهَا، فَلِذَلِكَ امْتَنَعْنَا مِنْ اقْتِضَابِ عِلَّةٍ لَا تَتَعَدَّى إلَى فَرْعٍ، وَلَا تَتَجَاوَزُ مَوْضِعَ النَّصِّ، أَوْ الِاتِّفَاقِ لِخُرُوجِهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ عَلَامَةً لِحُكْمِهِ؛ إذْ كَانَ مَا يَثْبُتُ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ لَا يَكُونُ بَعْضُ أَوْصَافِهِ عَلَامَةً لَهُ مُقَيَّدًا لِلْحُكْمِ فِيهِ.
وَمَنْ خَالَفَ فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ، فَإِنَّمَا خَالَفَ فِيهَا لِجَهْلِهِ بِمَعَانِي الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ، وَظَنِّهِ أَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ، فَامْتَنَعُوا مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مِنْ تَجْوِيزِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي ذَكَرْنَا فِيهَا، فَمَنَعُوا تَخْصِيصَهَا وَأَجَازُوا كَوْنَ عِلَّةٍ لَا تَتَعَدَّى الْفَرْعَ وَلَا تَتَجَاوَزُ مَوْضِعَ النَّصِّ، وَمَنَعُوا وُجُوبَ حُكْمِ الْأَصْلِ بِعِلَّةٍ، وَحُكْمِ الْفَرْعِ بِعِلَّةٍ أُخْرَى غَيْرِهَا؛ إذْ كَانَ هَذَا الْفَرْعُ مَبْنِيًّا عَلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ.
وَلَوْ قَدْ كَانُوا عَرَفُوا مَعَانِيَ مَا نُسَمِّيهِ عِلَلًا نُوجِبُ بِهَا قِيَاسَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، لَخَفَّتْ الْمُؤْنَةُ عَلَيْهِمْ فِي فَهْمِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ.
стр. 1103
[بَابٌ فِيمَا يُضَمُّ إلَى غَيْرِهِ فَيُجْعَلَانِ بِمَجْمُوعِهِمَا عِلَّةَ الْحُكْمِ]
ِ وَمَا (لَا) يُضَمُّ إلَيْهِ وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: كُلُّ وَصْفٍ قَامَتْ الدَّلَالَةُ عَلَى كَوْنِهِ عِلَّةً (مِنْ) الْوُجُوهِ الَّتِي يَثْبُتُ عِلَلُ الشَّرْعِ مِنْهَا، فَإِنَّهُ يَجِبُ اعْتِبَارُهُ فِي إيجَابِ الْحُكْمِ بِهِ مِنْ غَيْرِ ضَمِّ مَعْنًى آخَرَ إلَيْهِ، فَإِنْ رَامَ أَحَدٌ ضَمَّ وَصْفٍ آخَرَ إلَيْهِ حَتَّى يَكُونَا بِمَجْمُوعِهِمَا عِلَّةً لِلْحُكْمِ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلَّا بِدَلَالَةٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَصْفَيْنِ بِمَجْمُوعِهِمَا عِلَّةُ الْحُكْمِ، فَإِنَّ الْحُكْمَ مُتَعَلِّقٌ بِهِمَا دُونَ أَحَدِهِمَا.
وَذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِنَا: إنَّ الْعِلَّةَ فِي وُجُوبِ نَقْضِ الطَّهَارَةِ بِخُرُوجِ الْبَوْلِ كَوْنُهُ نَجَسًا خَارِجًا بِنَفْسِهِ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ، لِلدَّلَائِلِ الْمُوجِبَةِ لِصِحَّةِ ذَلِكَ.
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: مَا أَنْكَرْتُمْ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ فِي الْبَوْلِ مَعَ مَا وَصَفْت: أَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ السَّبِيلِ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ عِلَّةٌ صَحِيحَةٌ، قَدْ قَامَتْ الدَّلَالَةُ عَلَيْهَا غَيْرَ مُفْتَقِرَةٍ فِي كَوْنِهَا عِلَّةً إلَى مَا ذَكَرْت، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ لِلسَّبِيلِ تَأْثِيرًا فِي نَقْضِ الطَّهَارَةِ، وَأَنَّ الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي زَوَالِهَا، فَغَيْرُ جَائِزٍ كَوْنُهُ مَشْرُوطًا مَعَ مَا وَصَفْنَا.
وَكَذَلِكَ إذَا دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ كَوْنُهُ مَكِيلَ جِنْسٍ، فَقَالَ لَنَا: مَا أَنْكَرْتُمْ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ فِيهِ كَوْنَهُ مَكِيلًا مَأْكُولَ جِنْسٍ، لَمْ يَصِحَّ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّا لَمْ نَجِدْ الْأَكْلَ مُتَعَلِّقًا بِهِ حُكْمٌ فِي هَذَا الْبَابِ، فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ، وَقَدْ وَجَدْنَا الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِالْكَيْلِ وَالْجِنْسِ فَغَيْرُ جَائِزٍ ضَمُّ الْأَكْلِ إلَيْهِمَا مَعَ اسْتِغْنَائِهِمَا عَنْهُ فِي كَوْنِهِمَا عِلَّةً.
стр. 1104
وَلِذَلِكَ نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ يَجِبُ مُرَاعَاتُهَا فِيمَا يَعْتَبِرُهُ الْمُخَالِفُ، فَإِنْ كَانَ الْوَصْفُ الَّذِي يُرِيدُ ضَمَّهُ إلَى الْعِلَّةِ مِمَّا لَهُ تَأْثِيرٌ فِي الْحُكْمِ، فَلَمْ تَسْتَقِمْ الْعِلَّةُ إلَّا بِضَمِّهِ إلَيْهَا، ضَمَمْنَاهُ إلَيْهَا، وَاَلَّذِي يَجِبُ ضَمُّهُ إلَى غَيْرِهِ وَجَعْلُهُمَا عِلَّةً هُوَ مَا لَا تَسْتَقِيمُ الْعِلَّةُ إلَّا بِهِ، وَلَا يَصِحُّ إلَّا بِوُجُودِهِ، وَيَكُونُ مَعَ ذَلِكَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُعْتَبَرُ فِيهِ قَوْلُ قَائِلٍ لَوْ قَالَ: إنَّ الْعِلَّةَ فِي نَجَاسَةِ سُؤْرِ السِّبَاعِ: أَنَّ السَّبُعَ مُحَرَّمُ الْأَكْلِ قِيَاسًا عَلَى الْكَلْبِ، فَهَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ وَالْهِرَّ أَكْلُهُمَا مُحَرَّمٌ وَسُؤْرُهُمَا طَاهِرٌ، فَاحْتَجْنَا مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ إلَى تَقْيِيدِ الْعِلَّةِ بِوَصْفَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَأْثِيرٌ فِي الْأَحْكَامِ.
وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: مُحَرَّمُ الْأَكْلِ لَا لِحُرْمَتِهِ، وَلَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ مِنْ سُؤْرِهِ،؛ لِأَنَّا لَوْ اقْتَصَرْنَا عَلَى قَوْلِنَا مُحَرَّمُ الْأَكْلِ لَا لِحُرْمَتِهِ لَزِمَ عَلَيْهِ سُؤْرُ الْهِرِّ؛ لِأَنَّهُ مُحَرَّمُ الْأَكْلِ لَا لِحُرْمَتِهِ، فَاحْتَجْنَا إلَى تَقْيِيدِهِ أَيْضًا بِأَنَّهُ (لَا) يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ مِنْ سُؤْرِهِ، وَإِنَّمَا صَحَّ إلْحَاقُ هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا فِي صِحَّةِ كَوْنِ الْجَمِيعِ عِلَّةً لِلْحُكْمِ، لِتَعَلُّقِ الْأَحْكَامِ بِهِمَا.
أَلَا تَرَى أَنَّ سُؤْرَ الْكَلْبِ نَجَسٌ، وَسُؤْرَ الْهِرِّ طَاهِرٌ، وَلَمْ يَفْتَرِقَا فِي الْحُكْمِ إلَّا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْكَلْبَ يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ مِنْ سُؤْرِهِ فِي الْعَادَةِ، وَلَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ مِنْ سُؤْرِ الْهِرِّ.
وَكَذَلِكَ الْكَلْبُ سُؤْرُهُ نَجَسٌ وَسُؤْرُ الْإِنْسَانِ طَاهِرٌ، مَعَ كَوْنِهِمَا مُحَرَّمَيْ الْأَكْلِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ تَحْرِيمَ أَكْلِ الْكَلْبِ لِنَجَاسَتِهِ، وَتَحْرِيمَ أَكْلِ الْإِنْسَانِ لِحُرْمَتِهِ، لَا لِنَجَاسَتِهِ، فَاعْتَبَرَ شُرُوطَ الْعِلَلِ وَمَا يَصِحُّ ضَمُّهُ إلَيْهَا مِمَّا لَا يَصِحُّ بِمَا وَصَفْنَا.
وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ فِي الْمَسَائِلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا، وَفِيمَا ذَكَرْنَا تَنْبِيهٌ عَلَى مَا تَرَكْنَا.
وَمِمَّا يُشَاكِلُ مَا قَدَّمْنَا فِي هَذَا الْبَابِ مِمَّا يَجِبُ اعْتِبَارُهُ فِي دَعْوَى الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي دَعْوَى مَضْمُومِ دَعْوَى الْخَصْمِ، الدَّلَالَةُ عَلَى صِحَّةِ الْمَعْنَى الَّذِي يَدَّعِيه عَلَيْهِ لِوُجُوبِ الْحُكْمِ.
وَيُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِوُجُودِ الْحُكْمِ بِوُجُودِهِمَا، وَارْتِفَاعِهِ بِارْتِفَاعِهِمَا، فَالْوَاجِبُ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يُرَاعَى الْمَعْنَى الَّذِي ادَّعَاهُ عِلَّةَ الْحُكْمِ، هَلْ كَانَ الْحُكْمُ مُتَعَلِّقًا بِهِ لِأَجْلِ وُجُودِهِ وَزَائِلًا بِزَوَالِهِ؟ أَوْ كَانَ وُجُوبُ ذَلِكَ الْمَعْنَى غَيْرَهُ؟ فَإِنَّهُ رُبَّمَا كَانَ هَذَا الْوَصْفُ مَوْجُودًا لِبَعْضِ الْمَعَانِي، وَيَكُونُ
стр. 1105
الْحُكْمُ مَوْجُودًا بِوُجُودِ مَعْنًى غَيْرِهِ، وَزَائِلًا بِزَوَالِ غَيْرِهِ مِنْ الْمَعَانِي (الَّتِي) قَارَنَتْ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْأَصْلِ الَّذِي اعْتَبَرَ ذَلِكَ فِيهِ، فَيَجْعَلُ الْخَصْمُ وُجُودَ الْحُكْمِ وَزَوَالَهُ بِهَذَا الْوَصْفِ، دَلَالَةً عَلَى صِحَّةِ الْمَعْنَى الَّذِي ادَّعَاهُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِهِ.
وَذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِ الْمُخَالِفِ فِي إسْقَاطِ الْكَفَّارَةِ عَنْ أَكْلِ الطَّعَامِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَاعْتِلَالٍ: بِأَنَّهُ مُفْطِرٌ بِالْأَكْلِ، فَيَجْعَلُ إفْطَارَهُ بِالْأَكْلِ عِلَّةً فِي سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ، بِدَلَالَةِ أَنَّ الْمَرِيضَ وَالْمُسَافِرَ يُفْطِرَانِ بِالْأَكْلِ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِمَا، وَأَنَّ اخْتِلَافَهُمَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ هَذَا مَعْذُورٌ وَذَاكَ غَيْرُ مَعْذُورٍ، وَلَا يَمْنَعُ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا عِنْدَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي عِلَّةِ الْأَكْلِ.
وَيُسْتَدَلُّ عَلَى أَنَّ الْإِفْطَارَ بِالْأَكْلِ عِلَّةٌ فِي ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْجَمِيعِ عَلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْمُجَامِعِ فِي نَهَارِ شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَسُقُوطِهَا عَنْ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ إذَا أَفْطَرَا بِالْأَكْلِ، فَعَلِمْت أَنَّ كَوْنَهُ مُفْطِرًا بِالْأَكْلِ عِلَّةٌ لِسُقُوطِ الْكَفَّارَةِ، لِوُجُودِ الْحُكْمِ بِوُجُودِهِ، وَارْتِفَاعِهِ بِارْتِفَاعِهِ.
وَنَحْنُ مَتَى اعْتَبَرْنَا هَذَا الِاسْتِدْلَالَ لَمْ يَصِحَّ لَهُ مَا ادَّعَاهُ فِيهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا ادَّعَاهُ فِي الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ مِنْ أَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا سَقَطَتْ عَنْهُمَا مِنْ أَنَّهُمَا مُفْطِرَانِ بِأَكْلٍ، لَيْسَ كَمَا ادَّعَاهُ؛ لِأَنَّ الْمَرِيضَ وَالْمُسَافِرَ إنَّمَا لَمْ يَلْزَمْهُمَا الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّهُمَا مَعْذُورَانِ فِيهِ، وَالْعُذْرُ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي إسْقَاطِ كَفَّارَةِ رَمَضَانَ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لَوْ أَفْطَرَا بِجِمَاعٍ لَمْ يَلْزَمْهُمَا كَفَّارَةٌ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُ الْجِمَاعِ وَالْأَكْلِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، فَعَلِمْت أَنَّ سُقُوطَ الْكَفَّارَةِ عَنْهُمَا فِي هَذَا الْحَالِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالْإِفْطَارِ بِالْأَكْلِ، وَإِنَّمَا عَلَيْك أَنْ تُرِيَنَا أَنَّ حُصُولَ الْإِفْطَارِ بِالْأَكْلِ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ، إنْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي جَعَلْتهَا أَصْلًا فِي ذَلِكَ إنَّمَا سَقَطَتْ الْكَفَّارَةُ فِيهَا لِمَعْنًى غَيْرِ الْأَكْلِ.
فَبَانَ بِذَلِكَ سُقُوطُ مَا ادَّعَاهُ مِنْ (تَعَلُّقِ) وَسُقُوطِ الْكَفَّارَةِ بِالْأَكْلِ، لِوُجُودِنَا الْحُكْمَ مَوْجُودًا بِوُجُودِهِ وَمَعْدُومًا بِعَدَمِهِ.
стр. 1106
وَكَانَ كَذَلِكَ إنْ قَالَ: اتَّفَقْنَا أَنَّ مَنْ بَلَعَ حَصَاةً لَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ أَفْطَرَ بِالْأَكْلِ بِدَلَالَةِ أَنَّ الْجِمَاعَ يُوجِبُهَا، وَالْأَكْلَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا يُوجِبُهَا فَصَارَ الْحُكْمُ مُتَعَلِّقًا بِوُجُودِ الْأَكْلِ زَائِلًا بِزَوَالِهِ.
فَيُقَالُ لَهُ: قَدْ غَلِطْتَ فِي دَعْوَاك أَنَّ الْحُكْمَ تَعَلَّقَ بِوُجُودِ الْحُكْمِ وَزَالَ بِزَوَالِهِ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمَعْنًى آخَرَ (قَارَنَ الْأَكْلَ وَزَالَ بِزَوَالِهِ لَا بِالْمَعْنَى) الَّذِي ادَّعَيْت؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الَّذِي اسْتَشْهَدْت بِهِ إذَا اشْتَمَلَ عَلَى أَوْصَافٍ، ثُمَّ وَجَدْنَا الْحُكْمَ قَدْ يَجِبُ بِوُجُودِ وَصْفَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةٍ وَيَزُولُ بِزَوَالِهَا، فَلَيْسَ لَك أَنْ تَجْعَلَ الْحُكْمَ مُتَعَلِّقًا بِبَعْضِ تِلْكَ الْأَوْصَافِ، إلَّا وَلِخَصْمِك أَنْ يُعَلِّقَهُ بِوَصْفٍ آخَرَ وَبِبَاقِي الْأَوْصَافِ، فَإِذَا كَانَ الَّذِي بَلَعَ الْحَصَاةَ قَدْ اشْتَمَلَ فِعْلُهُ ذَلِكَ عَلَى وَصْفَيْنِ.
أَحَدُهُمَا؛ أَنَّهُ أَكَلَ، وَالثَّانِي: أَنَّ مَأْثَمَهُ دُونَ مَأْثَمِ الْمُجَامِعِ، وَدُونَ مَأْثَمِ آكِلِ الطَّعَامِ، فَلَسْتَ بِأَسْعَدَ بِجَعْلِك الْأَكْلَ عَلَى الْإِطْلَاقِ عِلَّةً لِلْحُكْمِ مِنْ خَصْمِك بِجَعْلِهِ حُصُولَ إفْطَارِهِ بِمَأْثَمٍ، دُونَ مَأْثَمِ الْمُجَامِعِ عِلَّةً فِي ذَلِكَ، وَيَكُونُ ذَلِكَ عِلَّةً صَحِيحَةً لِتَعَدِّيهَا إلَى فَرْعٍ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي إيجَابِهِ الْكَفَّارَةَ عَلَى كُلِّ مُفْطِرٍ غَيْرِ مَعْذُورٍ، ثُمَّ يُعَارِضُك فِي اسْتِدْلَالِك بِمِثْلِ دَلَالَتِك عَلَى صِحَّةِ الْمَعْنَى بِوُجُودِ الْحُكْمِ بِوُجُودِهِ، وَارْتِفَاعِهِ بِارْتِفَاعِهِ، فَلَا تَحْصُلُ حِينَئِذٍ إلَّا عَلَى دَعْوَى مُجَرَّدَةٍ فِي قَوْلِك: إنَّ الْحُكْمَ كَانَ مَوْجُودًا (بِوُجُودِ الْأَكْلِ) عَلَى الْإِطْلَاقِ، مَعْدُومًا بِعَدَمِهِ، ثُمَّ يَنْفَصِلُ خَصْمُك مِنْك، وَيُسْقِطُ مُعَارَضَتَك إيَّاهُ، فَإِنَّ لِلْمَعْنَى الَّذِي اعْتَبَرَهُ فِي مِقْدَارِ الْمَأْثَمِ تَأْثِيرًا فِي إيجَابِ الْحُكْمِ، وَلِزَوَالِهِ تَأْثِيرٌ فِي زَوَالِهِ.
стр. 1107
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُجَامِعَ فِي الْفَرْجِ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ لِحُصُولِ إفْطَارِهِ بِمِقْدَارٍ مِنْ الْمَأْثَمِ، وَأَنَّ الْمُجَامِعَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ لَا يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ، لِقُصُورِ مَأْثَمِهِ عَنْ مَأْثَمِ الْمُجَامِعِ، وَأَنَّ وُجُوبَ الْحَدِّ يَتَعَلَّقُ بِالْمُجَامِعِ فِي الْفَرْجِ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِالْجِمَاعِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ لِاخْتِلَافِهِمَا (فِي) مِقْدَارِ الْإِثْمِ، وَكَانَ اعْتِبَارُ الْمَأْثَمِ الَّذِي مِقْدَارُهُ مِقْدَارُ مَأْثَمِ الْمُجَامِعِ فِيمَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِفْطَارُ أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِ الْأَكْلِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، لِتَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا.
وَمِنْ نَظَائِرِ ذَلِكَ: احْتِجَاجُ الْمُخَالِفِ فِي الْمُخْتَلِعَةِ لَا يَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْعِدَّةِ بِأَنَّهَا بَائِنَةٌ مِنْهُ، أَوْ بِأَنَّهَا لَا يَصِحُّ الظِّهَارُ مِنْهَا.
وَيَسْتَدِلُّ عَلَى صِحَّةِ الْمَعْنَى بِاتِّفَاقِ الْجَمِيعِ عَلَى وُقُوعِهِ قَبْلَ الْبَيْنُونَةِ، وَاتِّفَاقِهِمْ جَمِيعًا عَلَى امْتِنَاعِ وُقُوعِهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي مَنْعِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ أَنَّهَا بَائِنٌ مِنْهُ، أَوْ أَنَّهَا لَا يَلْحَقُهَا ظِهَارُهُ.
فَأَنْتَ حِينَئِذٍ بِالْخِيَارِ إذَا كَانَ خَصْمُك مُجِيبًا إنْ شِئْت عَارَضْته عَلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ قَبْلَ النَّظَرِ فِي صِحَّةِ اسْتِدْلَالِهِ، فَنَنْصِبُ إيقَاعَ عِلَّةٍ بِإِزَائِهَا وَنَسْتَدِلُّ عَلَيْهَا بِمِثْلِ دَلَالَتِهِ عَلَيْهَا، بِأَنْ يَقُولَ لَهُ: مَا أَنْكَرْت أَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ مُعْتَدَّةً (مِنْهُ عَنْ طَلَاقٍ، وَجَبَ أَنْ يَمْلِكَ إيقَاعَ بَقِيَّةِ طَلَاقِهَا بِدَلَالَةِ اتِّفَاقِنَا جَمِيعًا عَلَى أَنَّهَا إذَا كَانَتْ مُعْتَدَّةً) مِنْ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ كَانَ زَوْجُهَا مَالِكًا لِإِيقَاعِ بَقِيَّةِ طَلَاقِهَا، بِعِلَّةِ أَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ مِنْ طَلَاقٍ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذِهِ الْعِلَّةِ: أَنَّهَا مَتَى انْقَضَتْ عِلَّتُهَا لَمْ يَلْحَقْهَا طَلَاقُهُ، لِزَوَالِ الْعِلَّةِ الَّتِي وَصْفُهَا مَا ذَكَرْنَا، وَمَا دَامَتْ مُعْتَدَّةً لَحِقَهَا طَلَاقُهُ، فَدَلَّ عَلَى صِحَّةِ الْمَعْنَى لِوُجُودِ الْحُكْمِ بِوُجُودِهِ (وَارْتِفَاعِهِ بِارْتِفَاعِهِ) ، فَإِذَا عَارَضْته بِذَلِكَ فَقَدْ سَقَطَ اعْتِلَالُهُ وَاسْتِدْلَالُهُ عَلَيْهِ.
فَإِنْ رَامَ حِينَئِذٍ تَرْجِيحَ عِلَّتِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ لَمْ يَصِحَّ لَهُ ذَلِكَ، وَيَكُونُ حِينَئِذٍ مُنْتَقِلًا عَنْ اسْتِدْلَالِهِ الْأَوَّلِ، وَيَكُونُ هَذَا ضَرْبًا مِنْ الِانْقِطَاعِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَضَمَّنَ بَدْءًا تَصْحِيحَ عِلَّتِهِ بِمَا ذَكَرَ مِنْ اسْتِدْلَالِهِ غَيْرَ مُضَمَّنٍ، بِمَعْنًى غَيْرِهِ.
стр. 1108
وَإِذَا رَامَ تَرْجِيحَ اعْتِلَالِهِ بَعْدَ مُعَارَضَتِك إيَّاهُ بِمَعْنًى آخَرَ، فَقَدْ تَرَكَ الِاسْتِدْلَالَ، وَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ اسْتِعْمَالُهُ بِمَعْنًى غَيْرِهِ، مِمَّا يُوجِبُ عِنْدَهُ تَرْجِيحَ عِلَّتِهِ، اعْتِرَافًا مِنْهُ بِأَنَّ الْأَوَّلَ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ فِي جِهَةٍ لِلدَّلَالَةِ وَتَصْحِيحِ الْمَقَالَةِ.
، وَإِنْ شِئْنَا نَظَرْنَا فِي جِهَةِ اسْتِدْلَالِهَا هَلْ هُوَ عَلَى مَا ادَّعَى أَمْ لَا؟ وَهَذَا أَوْلَى الْأَمْرَيْنِ وَأَصَحُّهُمَا فِي حَقِّ النَّظَرِ.
فَنَقُولُ لَهُ: مَا الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ فِيمَا ذَكَرْت تَعَلَّقَ بِالْبَيْنُونَةِ فَحَسْبُ؟ وَلِمَ قُلْت: إنَّ امْتِنَاعَ وُقُوعِ طَلَاقِهِ مُتَعَلِّقٌ بِزَوَالِ النِّكَاحِ، وَوُقُوعَ الْبَيْنُونَةِ مَوْجُودٌ مَعَ وُجُودِهِ، مَعْدُومٌ مَعَ عَدَمِهِ؟ وَمَا أَنْكَرْت أَنْ يَكُونَ امْتِنَاعُ وُقُوعِ (الطَّلَاقِ) بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ مُتَعَلِّقًا بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَبِزَوَالِ جَمِيعِ أَحْكَامِ النِّكَاحِ، وَيَكُونَ هَذَا الْمَعْنَى أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ الْعِدَّةِ يُوجِبُ بَقَاءَ كَثِيرٍ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ.
وَوُقُوعُ الْبَيْنُونَةِ (لَمْ يَمْنَعْ بَقَاءَ تِلْكَ الْأَحْكَامِ مِنْ نَحْوِ لُزُومِ نَسَبِ وَلَدٍ لَوْ جَاءَتْ بِهِ، وَوُجُوبِ السُّكْنَى وَالنَّفَقَةِ. وَلَمْ يَكُنْ لِوُقُوعِ الْبَيْنُونَةِ)
تَأْثِيرٌ فِي زَوَالِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ، وَيَكُونُ اعْتِلَالُهَا بِكَوْنِهَا مُعْتَدَّةً مِنْ طَلَاقٍ أَوْلَى (مِنْ الْحُكْمِ) الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّهُ مَوْجُودٌ بِوُجُودِهِ، وَمَعْدُومٌ بِعَدَمِهِ (لَوْ) تَعَلَّقَ لَمَا وَجَدْنَا لِبَقَاءِ الْعِدَّةِ مِنْ التَّأْثِيرِ فِي بَقَاءِ شَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ، وَلَمْ يَكُنْ لِوُقُوعِ الْبَيْنُونَةِ تَأْثِيرٌ فِي رَفْعِهَا.
وَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي احْتِجَاجِهِمْ بِبُطْلَانِ الطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَ صِحَّةِ الطَّهَارَةِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي رَفْعِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ مَعَ بَقَاءِ الْعِدَّةِ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِي بُطْلَانِ الطَّلَاقِ.
стр. 1109
وَكَانَ اسْتِدْلَالُنَا بِمَا وَصَفْنَا مِنْ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِبَقَاءِ الْعِدَّةِ عَنْ الطَّلَاقِ أَوْلَى، لِمَا وَصَفْنَا. وَمِثْلُهُ: قَوْلُ مَنْ خَالَفْنَا فِي الْمُجَاوَزَةِ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ دِيَةَ الْحُرِّ إذَا قُتِلَ خَطَأً، وَاعْتِلَالِهِ بِأَنَّهُ مَالٌ كَالدَّابَّةِ، وَالثَّوْبِ، وَاسْتِدْلَالِهِ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْعَبْدَ لَمَّا كَانَ مَالًا وَجَبَ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، وَأَنَّ الْحُرَّ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مَالًا لَمْ يُجَاوَزْ بِهِ الدِّيَةَ.
وَقُلْنَا نَحْنُ لَا نُجَاوِزُ بِهِ دِيَةَ الْحُرِّ، أَنَّهُ أَتْلَفَ نَفْسَ آدَمِيٍّ مِنْ جِهَةِ الْجِنَايَةِ، وَضَمَانُ الْجِنَايَةِ مُخَالِفٌ لِضَمَانِ الْأَمْوَالِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ قَاتِلَهُ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ فِي الْخَطَأِ، وَالْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ، وَأَنَّ كَوْنَهُ مَالًا لَمْ يُؤَثِّرْ فِي سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ وَالْقِصَاصِ؛ إذْ كَانَ إتْلَافُهُ مِنْ طَرِيقِ الْجِنَايَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
وَكَذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ فِي جَوَازِ مُجَاوَزَةِ الدِّيَةِ بِقِيمَتِهِ، فَكَانَ اعْتِبَارُنَا أَوْلَى؛ إذْ كَانَ كَوْنُهُ مَالًا يُؤَثِّرُ فِي سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ عَنْ قَاتِلِهِ فِي الْخَطَأِ، وَالْقِصَاصِ فِي الْعَمْدِ.
وَمَا ذُكِرَ مِنْ وُجُودِ الْحُكْمِ بِوُجُودِ كَوْنِهِ مَالًا، وَارْتِفَاعِهِ بِارْتِفَاعِهِ فِي الدَّابَّةِ الْمُتْلَفَةِ، فَعَلَى غَيْرِ مَا ذَكَرْنَا، لِأَنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِكَوْنِهِ مَالًا (دُونَ) مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ ضَمَانَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى جِهَةِ ضَمَانِ الْجِنَايَاتِ، (وَضَمَانَ الْعَبْدِ فِي هَذَا الْوَجْهِ ضَمَانُ الْجِنَايَاتِ) ، فَكَانَتْ قِيمَتُهُ مُعْتَبَرَةً بِدِيَةِ الْحُرِّ فِي مَنْعِ مُجَاوَزَتِهَا وَنُقْصَانِهَا عَنْ الدِّيَةِ، لَمْ يُخْرِجْهُ عَنْ بَابِ الْجِنَايَةِ، وَلِأَنَّ دِيَاتِ الْأَحْرَارِ قَدْ تَنْقُصُ، وَلَا يُزَادُ عَلَى الْمِقْدَارِ الْمُؤَقَّتِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ، وَأَنَّ دِيَةَ الْجَنِينِ خَمْسُمِائَةٍ، فَعَلَى الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَا يَجِبُ اعْتِبَارُ الْمَعَانِي، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
стр. 1110
[بَابُ الْقَوْلِ فِي تَعَارُضِ الْعِلَلِ وَالْإِلْزَامِ وَذِكْرِ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ]
ِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَكُونُ تَعَارُضُ الْعِلَّتَيْنِ إلَّا عَلَى وَجْهِ مُنَافَاةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لِحُكْمِ الْأُخْرَى، وَهُوَ كَتَعَارُضِ الْأَخْبَارِ، أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ فِيهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُوجِبًا لِضِدِّ حُكْمِ الْآخَرِ، وَمَتَى، لَمْ يَكُنْ الْخَبَرَانِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، لَمْ يَكُونَا مُتَعَارِضَيْنِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِلَّتَيْنِ إذَا أَوْجَبَتَا حُكْمًا وَاحِدًا فَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا صَحِيحَتَيْنِ، فَتَجْرِيَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى حَسَبِ مُقْتَضَاهَا وَمُوجَبِهَا.
، وَإِنْ كَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا جَارِيَةً فِي فُرُوعٍ لَا تَجْرِي الْأُخْرَى فِيهَا.
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا أَعَمَّ مِنْ الْأُخْرَى، فَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَا صَحِيحَتَيْنِ جَمِيعًا، وَتَكُونَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُوجِبَةً لِحُكْمِهَا فِيمَا يُوجَدُ فِيهِ، وَهِيَ مِثْلُ الْخَبَرَيْنِ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا أَعَمَّ مِنْ الْآخَرِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا حُكْمٌ وَاحِدٌ فَيُسْتَعْمَلَانِ جَمِيعًا، نَحْوُ مَا رُوِيَ عَنْ
стр. 1111
النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ الْقَبْضِ» «وَنَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ» فَهَذَا أَعَمُّ مِنْ الْأَوَّلِ فِي أَعْيَانِ الْحُكْمِ، وَلَيْسَا مُتَعَارِضَيْنِ لِإِيجَابِهِمَا حُكْمًا وَاحِدًا.
وَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَدُّوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ، عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ، صَغِيرٍ، أَوْ كَبِيرٍ» فَهُوَ عَامٌّ فِي الْكَافِرِ وَالْمُسْلِمِ.
وَرُوِيَ فِي (خَبَرٍ) آخَرَ «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» فَنَسْتَعْمِلُهَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مُتَعَارِضَيْنِ.
كَذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا فِي حُكْمِ الْعِلَّتَيْنِ يَجْرِي عَلَى هَذَا السَّبِيلِ.
وَنَظِيرُهُ الْعَكْسُ إذَا أَوْجَبَتَا حُكْمًا وَاحِدًا، وَتَعَلَّقَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَعْلُومَاتٌ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْأُخْرَى، لِاخْتِلَافِ الْقَائِسِينَ فِي عِلَّةِ تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِي الْبُرِّ.
فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْكَيْلُ مَعَ الْجِنْسِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ مُدَّخَرٌ فِي جِنْسٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ: الْأَكْلُ مَعَ الْجِنْسِ.
فَلَيْسَتْ هَذِهِ الْعِلَّةُ مُتَعَارِضَةً، وَإِنْ كَانَ لِبَعْضِهَا مَعْلُومَاتٌ (لَيْسَتْ لِلْأُخْرَى) ، وَلَوْ كُنَّا خَلَّيْنَا، وَإِيَّاهَا، لَمَا امْتَنَعَ أَنْ تَكُونَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا عِلَّةً صَحِيحَةً مُوجِبَةً لِحُكْمِهَا فِي فُرُوعِهَا إذَا قَامَتْ الدَّلَالَةُ عَلَيْهَا.
أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ وَرَدَتْ أَخْبَارٌ مِثْلُهَا (كَانَ جَائِزًا، وَلَمْ تَكُنْ مُتَعَارِضَةً) ؛ لِأَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَقُولَ: إذَا وَجَدْتُمْ الْكَيْلَ مَعَ الْجِنْسِ، فَحَرِّمُوا التَّفَاضُلَ، وَحَرِّمُوا أَيْضًا الْمُقْتَاتَ وَالْمُدَّخَرَ مَعَ الْجِنْسِ، وَحَرِّمُوا أَيْضًا كُلَّ مَأْكُولِ جِنْسٍ.
وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ تَعَارُضًا لَمَا صَحَّ وُرُودُ الْخَبَرِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَعَارُضًا؛ لِأَنَّ جَمِيعَهَا
стр. 1112
تُوجِبُ حُكْمًا وَاحِدًا، إلَّا أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عِنْدَنَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ: أَنَّ الصَّحِيحَةَ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا، وَلَوْلَا الِاتِّفَاقُ لَجَازَ أَنْ يُقَالَ: إنَّ كُلَّهَا صَحِيحَةٌ إذَا قَامَتْ الدَّلَالَةُ عَلَيْهِ.
وَمِمَّا تَكُونُ إحْدَى الْعِلَّتَيْنِ فِيهِ أَعَمَّ مِنْ الْأُخْرَى فَلَا يَتَعَارَضَانِ إذَا كَانَا يُوجِبَانِ حُكْمًا وَاحِدًا.
فَنَحْوُ اعْتِلَالِنَا لِنَقْضِ الطَّهَارَةِ بِخُرُوجِ النَّجَاسَةِ بِنَفْسِهَا إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ، قِيَاسًا عَلَى الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، فَلَا يَصِحُّ لِمُخَالِفِنَا أَنْ يُعَارِضَنَا عَلَيْهَا، بِأَنْ يَقُولَ: مَا أَنْكَرْت أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ فِي الْبَوْلِ أَنَّهُ نَجَاسَةٌ خَارِجَةٌ مِنْ السَّبِيلِ؛ لِأَنَّهُ اقْتَضَبَ مِنْ هَذَا الْأَصْلِ عِلَّةً لِلْحُكْمِ الَّذِي تُوجِبُهُ عِلَّتِي، فَهُمَا يُوجِبَانِ حُكْمًا وَاحِدًا، فَلَيْسَا إذًا مُتَعَارِضَتَيْنِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وُرُودُ النَّصِّ بِهَذَا، فَنَحْنُ نَقُولُ بِهِمَا جَمِيعًا، وَنُصَحِّحُهُمَا، فَنُوجِبُ نَقْضَ الطَّهَارَةِ بِخُرُوجِ النَّجَاسَةِ مِنْ السَّبِيلِ.
وَنُوجِبُهُ أَيْضًا بِخُرُوجِهَا مِنْ سَائِرِ الْبَدَنِ بِالْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَا، كَمَا قُلْنَا بِالْخَبَرَيْنِ فِي نَهْيِهِ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَعَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ، وَأَكْثَرُ مُعَارَضَاتِ الْمُخَالِفِينَ أَنَّا عَلَى اعْتِلَالِنَا بِهَذَا الضَّرْبِ مِنْ الِاعْتِلَالِ، وَيَظُنُّونَ أَنَّ مِثْلَهُ يَكُونُ مُعَارَضَةً، وَهَذَا جَهْلٌ مِمَّنْ يَظُنُّهُ بِوُجُوهِ الْمُعَارَضَاتِ.
وَكَثِيرًا مَا يُعَارِضُونَ أَيْضًا بِعِلَّةٍ لَا تَتَعَدَّى الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ (غَيْرِ) مُوجِبَةٍ لِحُكْمٍ، فَيُعَارِضُونَ بِهَا عِلَّةً مُوجِبَةً لِذَلِكَ الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ، مُتَعَدِّيَةً إلَى فُرُوعٍ مُخْتَلَفٍ فِيهَا نَحْوُ قَوْلِنَا إذَا قُلْنَا: إنَّ الْعِلَّةَ فِي تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِي الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ: أَنَّهُ مَوْزُونُ جِنْسٍ.
فَيَقُولُونَ: مَا أَنْكَرْتُمْ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ فِيهَا أَنَّهُ أَثْمَانُ الْأَشْيَاءِ؟ .
стр. 1113
وَنَحْوُ قَوْلِنَا إذَا نَحْنُ عَلَّلْنَا (فِي) الْأَوْلَادِ فِي وُجُوبِ ضَمِّهَا إلَى الْأُمَّهَاتِ، بِأَنَّهَا زِيَادَةُ مَالٍ فِي الْحَوْلِ عَلَى نِصَابٍ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي الْفَائِدَةِ.
فَيَقُولُونَ: مَا أَنْكَرْت أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ (فِي الْأَوْلَادِ) أَنَّهَا مِنْ الْأُمَّهَاتِ.
وَنَحْوُ قَوْلِنَا: إنَّ عِتْقَ بَرِيرَةَ إنَّمَا أَوْجَبَ لَهَا الْخِيَارَ؛ لِأَنَّهَا مَلَكَتْ بُضْعَهَا بِالْعِتْقِ.
فَيَقُولُونَ: مَا أَنْكَرْت أَنْ يَكُونَ الْعِلَّةُ فِيهِ أَنَّ زَوْجَهَا كَانَ عَبْدًا، وَهَذَا أَبْعَدُ مِنْ الْأَوَّلِ مِنْ جِهَةِ الْمُعَارَضَةِ، لِمَا بَيَّنَّا فِيمَا سَلَفَ أَنَّ عِلَّةً لَا تَتَعَدَّى الْأَصْلَ الْمَعْلُولَ فَلَيْسَتْ بِعِلَّةٍ، فَهَذَا سَاقِطٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَلَوْ سَلَّمْنَا لَهُمْ: أَنَّ مِثْلَهُمْ يَكُونُ عِلَّةً، لَمَا كَانَتْ مُعَارَضَةً لِمَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّا نَقُولُ (لَهُمْ) : نُصَحِّحُ الْعِلَّتَيْنِ جَمِيعًا، وَنَسْتَعْمِلُهَا، فَنُوجِبُ الْحُكْمَ بِهِمَا؛ إذْ لَيْسَ يَمْتَنِعُ إيجَابُ حُكْمٍ وَاحِدٍ بِعِلَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، وَإِنَّمَا الْمُعَارَضَةُ أَنْ تَنْصِبَ عِلَّةً بِإِزَاءِ عِلَّةِ الْحُكْمِ، تُوجِبُ حُكْمًا بِضِدِّ مُوجَبِ عِلَّتِهِ، فَتَكُونُ حِينَئِذٍ مُعَارَضَةً صَحِيحَةً إذَا وَقَعَتْ عَلَى شُرُوطِهَا الَّتِي سَبِيلُ الْمُعَارَضَةِ أَنْ تَكُونَ عَلَيْهَا، نَحْوُ أَنْ نَقُولَ فِي عِلَّةِ نَقْضِ الطَّهَارَةِ بِخُرُوجِ النَّجَاسَةِ: لَمَّا اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّ الْيَسِيرَ مِنْ الْقَيْءِ لَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ، وَكَانَ الْمَعْنَى فِيهِ: أَنَّهُ نَجَاسَةٌ خَارِجَةٌ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلِ، كَانَ كَذَلِكَ حُكْمُ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ الْخَارِجَةِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلِ، فَيَكُونُ هَذَا مُعَارَضَةً صَحِيحَةً عَلَى اعْتِلَالِنَا بِخُرُوجِ النَّجَاسَةِ بِنَفْسِهَا إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ، فَيَجِبُ حِينَئِذٍ قَبُولُهَا، وَالنَّظَرُ فِيهَا، وَحَمْلُهَا عَلَى شُرُوطِهَا الَّتِي تَصِحُّ الْمُعَارَضَةُ عَلَيْهَا.
стр. 1114
وَأَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ الَّذِي ذَكَرْنَا: فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِنَاظِرٍ قَبُولُهَا وَلَا الِاشْتِغَالُ بِهَا فِي التَّمَسُّكِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ عِلَّتِهِ الَّتِي اعْتَلَّ بِهَا. .
وَلَا تَصِحُّ الْمُعَارَضَةُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا عَارَضَ بِهِ فِي وَزْنِ اعْتِلَالِ الْمُعْتَلِّ، وَفِي عُرُوضِهِ.
فَإِنْ اعْتَلَّ الْمُجِيبُ بِعِلَّةٍ لَمْ يُعَضِّدْهَا بِدَلَالَةٍ جَازَ لِلسَّائِلِ مُعَارَضَتُهُ بِعِلَّةٍ مُوجِبَةٍ لِلْحُكْمِ بِضِدِّ مُوجَبِ حُكْمِهَا، وَلَا يَقْرُنُهَا بِدَلَالَةٍ، وَيَكُونُ مُسَاوِيًا لَهُ فِي اعْتِلَالِهِ، فَيَحْتَاجُ الْمُجِيبُ حِينَئِذٍ إلَى الِانْفِصَالِ مِمَّا عَارَضَهُ بِهِ السَّائِلُ، إمَّا أَنْ يَقْرُنَ عِلَّتَهُ بِدَلَالَةٍ تُبَيِّنُ بِهَا مِمَّا عَارَضَ بِهِ، أَوْ يُفْسِدَ اعْتِلَالَ السَّائِلِ بِضَرْبٍ مِنْ الضُّرُوبِ الَّتِي تَفْسُدُ بِهَا الْعِلَلُ.
وَالْأَوْلَى بِالسَّائِلِ مُطَالَبَةُ الْمُجِيبِ بِإِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ، وَلَا يَشْتَغِلُ بِالْمُعَارَضَةِ قَبْلَ إظْهَارِ الْمُجِيبِ دَلَالَتَهُ عَلَى صِحَّةِ اعْتِلَالِهِ.
فَإِنْ عَارَضَهُ عَلَى دَعْوَاهُ الْعِلَّةَ بِعِلَّةٍ ادَّعَاهَا جَازَ، وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ عَارَضَ عَلَى الْمَذْهَبِ قَبْلَ الْمُطَالَبَةِ بِالدَّلَالَةِ عَلَى (صِحَّتِهِ بِمَذْهَبٍ) يُضَادُّهُ، فَلَا يَجِدُ بُدًّا حِينَئِذٍ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ إلَى إقَامَةِ الدَّلَالَةِ عَلَى خَصْمِهِ فِيمَا ادَّعَاهُ، دُونَ مَا ادَّعَاهُ خَصْمُهُ. وَإِنْ قَرَنَ الْمُجِيبُ عِلَّتَهُ بِدَلَالَةٍ لَمْ تَصِحَّ لِلسَّائِلِ الْمُعَارَضَةُ عَلَيْهِ إلَّا بِعِلَّةٍ مَقْرُونَةٍ بِدَلَالَةٍ، وَإِلَّا لَمْ تَكُنْ مُعَارَضَةً.
وَلِلْمُجِيبِ أَنْ لَا يَقْبَلَهَا وَلَا يَشْتَغِلَ بِهَا، فَإِنْ قَبِلَهَا كَانَ انْفِصَالُهُ مِنْهَا أَنْ يَقُولَ: إنَّ عِلَّتِي مَقْرُونَةٌ بِدَلَالَةٍ تُوجِبُ صِحَّتَهَا، وَعِلَّتَك غَيْرُ مَقْرُونَةٍ بِدَلَالَةٍ، وَلَا يَقْدَحُ فِيهَا، وَمَتَى
стр. 1115
صَحَّتْ الْمُعَارَضَةُ عَلَى الشَّرْطِ الَّذِي قَدَّمْنَا، لَزِمَ الْمُجِيبَ حِينَئِذٍ الِانْفِصَالُ مِمَّا عُورِضَ بِهِ بِضَرْبٍ مِنْ التَّرْجِيحِ يُبَيِّنُ بِهِ " أَنَّ " اعْتِلَالَهُ أَوْلَى مِنْ اعْتِلَالِ خَصْمِهِ. .
وَوُجُوهُ التَّرْجِيحِ مُخْتَلِفَةٌ:
فَمِنْهَا: أَنَّ الْمُجِيبَ إذَا اعْتَلَّ بِعِلَّةٍ مَنْصُوصٍ عَلَيْهَا، فَعَارَضَهُ السَّائِلُ بِعِلَّةٍ مُسْتَنْبَطَةٍ، كَانَ لَهُ أَنْ يَقُولَ: عِلَّتِي أَوْلَى،؛ لِأَنَّهَا مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا، وَعِلَّتُك مُسْتَنْبَطَةٌ، وَلَا حَظَّ لِلِاسْتِنْبَاطِ مَعَ النَّصِّ، وَذَلِكَ نَحْوُ مُعَارَضَةِ الْمُخَالِفِ لَنَا عَلَى عِلَّةِ نَقْضِ الطَّهَارَةِ بِظُهُورِ النَّجَاسَةِ. فَإِنَّ قَلِيلَ الْقَيْءِ لَا يَنْقُضُهَا، وَالْمَعْنَى فِيهِ: أَنَّهُ نَجَاسَةٌ خَارِجَةٌ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلِ، وَيَحْتَجُّ عَلَى صِحَّةِ اعْتِلَالِهِ بِأَنَّ النَّجَاسَةَ إذَا خَرَجَتْ مِنْ السَّبِيلِ أَوْجَبَتْ نَقْضَ الطَّهَارَةِ، وَهُوَ الْبَوْلُ، وَإِذَا خَرَجَتْ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلِ لَمْ تُوجِبْهُ، وَهُوَ يَسِيرُ الْقَيْءِ. فَيُقَالُ: إنَّ اعْتِلَالَنَا أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى عِلَّةٍ مَنْصُوصٍ عَلَيْهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ فِي دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ: «إنَّهَا دَمُ عِرْقٍ» ، فَهُوَ أَوْلَى مِمَّا ذَكَرْت فَتَسْقُطُ مُعَارَضَتُهُ. وَنَحْوُهُ إذَا اعْتَلَّ فِي مَنْعِ خِيَارِ الْمُعْتَقَةِ إذَا كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا، بِأَنَّ الزَّوْجَ كُفْءٌ فِي هَذِهِ الْحَالِ، فَصَارَ كَسَائِرِ عُقُودِ النِّكَاحِ، إذَا وَجَبَ فِيهَا الْكَفَاءَةُ، وَلَا يَجِبُ الْخِيَارُ. فَنَقُولُ: إنَّ اعْتِلَالَ مَنْ اعْتَلَّ لِإِيجَابِ الْخِيَارِ بِأَنَّهَا مَلَكَتْ بُضْعَهَا بِالْعِتْقِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ، «وَقَوْلُهُ ﷺ لِبَرِيرَةَ: مَلَكْتِ بُضْعَكِ فَاخْتَارِي» ، فَكَانَتْ الْعِلَّةُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهَا أَوْلَى مِنْ عِلَّةٍ مُسْتَنْبَطَةٍ، لِأَنَّهُ لَا حَظَّ لِلِاسْتِنْبَاطِ مَعَ النَّصِّ.
стр. 1116
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا حَظَّ لِحُكْمٍ مُسْتَنْبَطٍ مَعَ حُكْمٍ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ الْعِلَلُ. .
وَمَتَى تَعَارَضَتْ عِلَّتَانِ إحْدَاهُمَا: قَدْ قَامَتْ دَلَالَتُهَا مِنْ جِهَةِ مَا لَهَا مِنْ التَّأْثِيرِ فِي الْأُصُولِ وَتَعَلُّقِ الْأَحْكَامِ بِهَا. وَالْأُخْرَى: دَلَالَتُهَا وُجُودُ الْحُكْمِ بِوُجُودِهَا وَارْتِفَاعُهُ بِارْتِفَاعِهَا
، فَإِنَّ مَا طَرِيقُ إثْبَاتِهَا تَعَلُّقُ الْأَحْكَامِ (بِهَا) وَتَأْثِيرُهَا فِي الْأُصُولِ أَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى، لِأَنَّ الْأُولَى تَشْهَدُ لَهَا الْأُصُولُ، وَشَهَادَةُ الْأُصُولِ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ مِمَّا ذُكِرَ؛ إذْ لَيْسَتْ فِي وَزْنِهَا وَمَنْزِلَتِهَا. .
وَتَرْجِيحُ إحْدَى الْعِلَّتَيْنِ بِمَا ضِدُّهُ الْعُمُومُ لَهَا يَكُونُ أَوْلَى مِمَّا يُنَافِي الْعُمُومَ وَيَخُصُّهُ؛ لِأَنَّ الْعُمُومَ أَصْلٌ، وَهُوَ شَاهِدٌ بِصِحَّةِ هَذَا الِاعْتِلَالِ، فَهُوَ أَوْلَى مِمَّا يُنَافِي الْعُمُومَ وَيُضَادُّهُ.
وَإِذَا كَانَتْ إحْدَى الْعِلَّتَيْنِ مُوجِبَةً لِرَدِّ الْحُكْمِ إلَى مَا قَرُبَ مِنْهَا وَهُوَ مِنْ جِنْسِهَا، وَالْأُخْرَى تُوجِبُ رَدَّهَا إلَى مَا بَعُدَ مِنْهَا وَمَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهَا، فَإِنَّ مَا يُوجِبُ حَمْلَهُ عَلَى مَا هُوَ مِنْ جِنْسِهَا وَمَا قَرُبَ مِنْهَا أَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى، عَلَى مَا حَكَيْنَا عَنْ أَبِي الْحَسَنِ، وَيَكُونُ هَذَا ضَرْبًا مِنْ التَّرْجِيحِ، نَحْوُ حَمْلِنَا لِمَسْحِ الرَّأْسِ مَرَّةً وَاحِدَةً عَلَى سَائِرِ الْمَمْسُوحَاتِ، بِعِلَّةِ أَنَّهُ مَسْحٌ، وَمَوْضُوعَهُ التَّخْفِيفُ، فَهَذَا أَوْلَى مِنْ رَدِّهِ إلَى الْغَسْلِ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ مِنْ بَابِ الْمَسْحِ، وَمِنْ جِنْسِهِ وَمَا قَرُبَ مِنْهُ.
وَمَتَى تَعَارَضَ قِيَاسَانِ وَمَعَ أَحَدِهِمَا قَوْلٌ مِنْ صَحَابِيٍّ لَا يُعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِ خِلَافُهُ مِنْ نُظَرَائِهِ، جَازَ أَنْ يُرَجَّحَ الَّذِي مَعَهُ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ، وَيَكُونُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ.
وَقَدْ حَكَيْنَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَبْلَ هَذَا: أَنَّهُ يُتْرَكُ الْقِيَاسُ لِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ، إذَا لَمْ يُعْرَفْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ نُظَرَائِهِ خِلَافُهُ، فَإِذَا عَاضَدَ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ أَحَدَ الْقِيَاسَيْنِ، كَانَ لِمَا عَاضَدَهُ
стр. 1117
قَوْلُ الصَّحَابِيِّ مَزِيَّةٌ لَيْسَتْ لِلْآخَرِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِمَّنْ لَا يَرَى أَيْضًا تَقْلِيدَ الصَّحَابِيِّ، إذَا كَانَ قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا يُوجِبُهُ الْقِيَاسُ عِنْدَهُ.
وَكَذَلِكَ الْقِيَاسُ الَّذِي يُعَضِّدُهُ قَوْلُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ هُوَ أَوْلَى مِنْ قِيَاسٍ يُخَالِفُهُ قَوْلُ هَؤُلَاءِ الْخُلَفَاءِ، إذَا عَارَضَ الْقِيَاسَ الْأَوَّلَ، وَيَكُونُ لِهَذَا الْقِيَاسِ ضَرْبٌ مِنْ الرُّجْحَانِ لِقَوْلِهِ ﷺ «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي» .
وَقَدْ يَقْوَى أَحَدُ الْقِيَاسَيْنِ بِأَنْ يُعَضِّدَهُ أَثَرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَوْ انْفَرَدَ بِنَفْسِهِ لَمْ يُوجِبْ حُكْمًا لِضَعْفِ مُخَرِّجِهِ، فَإِذَا عَاضَدَ أَحَدَ الْقِيَاسَيْنِ صَارَ لِهَذَا الْقِيَاسِ مَزِيَّةٌ وَرُجْحَانٌ عَلَى الْآخَرِ بِهَذَا الْخَبَرِ، فَيَكُونُ أَوْلَى.
وَإِذَا اعْتَلَّ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ (بِعِلَّةٍ) لِحُكْمٍ، وَاعْتَلَّ الْآخَرُ (بَعْدَ ذَلِكَ لِحُكْمٍ) بِعِلَلٍ مِنْ أُصُولٍ مُخْتَلِفَةٍ. فَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَجْعَلُ الْحُكْمَ الَّذِي عَضَّدَتْهُ عِلَّتَانِ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ الَّذِي لَمْ يُوجِبْهُ إلَّا عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَيَجْعَلُهُ بِمَنْزِلَةِ عِلَّةٍ شَهِدَتْ لَهَا أُصُولٌ كَثِيرَةٌ، وَالْأُخْرَى شَهِدَ لَهَا أَصْلٌ وَاحِدٌ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ الْعِلَّةَ الْوَاحِدَةَ مُعَارِضَةً لِلْعِلَلِ الْكَثِيرَةِ، وَلَا يُوجِبُ التَّرْجِيحَ بِالْكَثْرَةِ، وَهُوَ عِنْدَنَا مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ يَحْتَمِلُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَوْلَيْنِ.
وَإِذَا تَعَارَضَتْ عِلَّتَانِ إحْدَاهُمَا مُثْبِتَةٌ، وَالْأُخْرَى نَافِيَةٌ، فَلَا مَزِيَّةَ لِلْمُثْبِتَةِ مِنْهُمَا عَلَى الْأُخْرَى لِأَجْلِ الْإِثْبَاتِ، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ أَنْ يَطْلُبَ وَجْهَ التَّرْجِيحِ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْجِهَةِ؛ لِأَنَّ نَفْيَهُ الْحُكْمَ هُوَ حُكْمٌ مِنْ النَّافِي، وَإِثْبَاتُ اعْتِقَادٍ مِنْهُ بِصِحَّةِ نَفْيِهِ، وَهُوَ كَمَا قُلْنَا: إنَّ النَّافِيَ وَالْمُثْبِتَ مُتَسَاوِيَانِ فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ إقَامَةُ الدَّلَالَةِ عَلَى صِحَّةِ دَعْوَاهُ.
وَمَتَى اعْتَدَلَ فِي نَفْسِ الْمُجْتَهِدِ الْقِيَاسَانِ جَمِيعًا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُوجِبُ ضِدَّ الْآخَرِ، فَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَأْبَى وُجُودَ ذَلِكَ، وَيَقُولُ: إذَا كَانَ طَرِيقُ اسْتِدْرَاكِ الْحُكْمِ مِنْ أَحَدِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، اسْتَحَالَ أَنْ يُخْلِيَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُجْتَهِدَ مِنْ أَنْ يَغْلِبَ فِي ظَنِّهِ رُجْحَانُ أَحَدِهِمَا، فَيَصِيرَ إلَيْهِ.
стр. 1118
وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ إجَازَةِ ذَلِكَ، وَيَجْعَلُهُ بِالْخِيَارِ، يَحْكُمُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ فَأَمَّا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: فَإِنَّهُ تَحَكُّمٌ مِنْ قَائِلِهِ بِغَيْرِ دَلَالَةٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّا قَدْ وَجَدْنَا مِثْلَ ذَلِكَ سَائِغًا فِي الْمُتَحَرِّي لِجِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَفِي الشَّاكِّ فِي الصَّلَاةِ، وَفِي الِاجْتِهَادِ فِي تَدْبِيرِ الْحُرُوبِ، وَالْإِقْدَامِ عَلَى الْأُمُورِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ أَيْضًا، فَيَعْتَدِلُ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ الْأَقْوَالُ الْمُخْتَلِفَةُ، حَتَّى لَا يَكُونَ عِنْدَهُ لِبَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ مَزِيَّةٌ. وَإِذَا وَقَعَ ذَلِكَ كَانَ الْمُجْتَهِدُ بِالْخِيَارِ فِي الْحُكْمِ بِأَيِّ الْقَوْلَيْنِ شَاءَ، كَأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ بِمِثْلِهِ.
فَقِيلَ لَهُ: (اُحْكُمْ) فِي ذَلِكَ بِأَيِّ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَحْبَبْتَ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُتَحَرِّيَ جِهَةَ الْقِبْلَةِ إذَا اسْتَوَتْ الْجِهَاتُ عِنْدَهُ كَانَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى أَيِّ الْجِهَاتِ شَاءَ. وَمَنْ يَأْبَى هَذَا الْقَوْلَ وَيَمْنَعُ مِنْهُ يَذْهَبُ إلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ أَحَدُ الْقِيَاسَيْنِ يُوجِبُ حَظْرًا، وَالْآخَرُ إبَاحَةً، وَاسْتَوَى عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ الْقِيَاسَانِ، حَتَّى لَا يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا مَزِيَّةٌ عَلَى الْآخَرِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ مُخَيَّرًا؛ لِأَنَّ مُوجَبَ أَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ: الْحَظْرُ. وَمُوجَبَ الْقِيَاسِ الْآخَرِ: الْإِبَاحَةُ. فَلَوْ انْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ كَانَ مُوجِبًا لِحُكْمِهِ.
فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ وُجُودُ الْقِيَاسِ الْآخَرِ مَعَهُ مُوجِبًا لِلتَّخْيِيرِ؛ لِأَنَّ التَّخْيِيرَ لَيْسَ هُوَ مِنْ مُوجَبِ أَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ، (فَاجْتِمَاعُهُمَا لَا يُوجِبُ تَخْيِيرًا، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَ تَعَارُضِ) الْقِيَاسَيْنِ وَتَسَاوِيهِمَا عِنْدَهُ إطْرَاحُهُمَا، وَطَلَبُ دَلَالَةِ الْحُكْمِ (مِنْ) غَيْرِهِمَا، كَالْخَبَرَيْنِ الْمُتَضَادَّيْنِ إذَا نَزَلَا بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ.
стр. 1119
وَمَنْ يَقُولُ بِالتَّخْيِيرِ فِي الْقِيَاسِ إذَا تَعَارَضَا مِمَّنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ يَقُولُ فِي الْخَبَرَيْنِ الْمُتَضَادَّيْنِ إذَا كَانَ هَذَا سَبِيلَهَا مِثْلَ ذَلِكَ.
وَمَنْ أَوْجَبَ التَّخْيِيرَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: إذَا اخْتَارَ الْمُجْتَهِدُ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ مِنْ غَيْرِ رُجْحَانٍ تَبَيَّنَ لَهُ فِي الْقَوْلِ الَّذِي اخْتَارَهُ، ثُمَّ اُخْتُصِمَ إلَيْهِ فِي مِثْلِهَا، وَاسْتُفْتِيَ فِيهَا، وَحَالُهُ فِي الِاجْتِهَادِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ رُجْحَانٍ حَصَلَ لِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: إنَّهُ يَمْضِي عَلَى الْحُكْمِ الْأَوَّلِ، وَلَا يَعْدِلُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ إلَّا بِرُجْحَانٍ يَبِينُ لَهُ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ. قَالَ: لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ (لَهُ) ذَلِكَ لَجَازَ لَهُ إذَا اسْتَفْتَاهُ رَجُلَانِ يُفْتِي أَحَدَهُمَا بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَيُفْتِي الْآخَرَ بِالْقَوْلِ الْآخَرِ فِي الْحَالِ، وَهَذَا مُسْتَنْكَرٌ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ. وَأَهْلُ التَّمْيِيزِ يَعُدُّونَهُ ضَرْبًا مِنْ التَّنَقُّلِ فِي الرَّأْيِ، وَضَعْفِ الْعَزِيمَةِ. وَمُضِيُّهُ عَلَى رَأْيٍ وَاحِدٍ وَمُلَازَمَتُهُ الْمِنْهَاجَ الْوَاحِدَ حَسَنٌ فِي آرَاءِ الْعُقَلَاءِ مِنْ التَّنَقُّلِ فِي الْأُمُورِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ يُوجِبُ التَّنَقُّلَ، فَقَدْ صَارَ لِلْقَوْلِ الْمَحْكُومِ بِهِ بَدْءًا هَذَا الضَّرْبُ مِنْ الرُّجْحَانِ، كَانَ أَوْلَى بِالثَّبَاتِ عِنْدَهُ.
وَلَا يَصِحُّ الْإِلْزَامُ عَلَى عِلَّةٍ مَنْصُوصَةٍ لِحُكْمٍ حُكْمًا آخَرَ غَيْرَ مَا جُعِلَ ذَلِكَ الْمَعْنَى عِلَّةً لَهُ. نَظِيرُ ذَلِكَ: أَنَّ مَنْ جَعَلَ عِلَّةَ تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ كَيْلًا فِي الْجِنْسِ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَلْزَمَ عَلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ إيجَابُ الْعُشْرِ فِي كُلِّ مَكِيلِ جِنْسٍ.
وَمَنْ جَعَلَ عِلَّةَ نَقْضِ الطَّهَارَةِ (خُرُوجَ النَّجَاسَةِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَلْزَمَ عَلَيْهَا وُجُوبُ الْغُسْلِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْحُكْمَ الْمَنْصُوصَ عَلَى الْعِلَّةِ نَقْضَ الطَّهَارَةِ) وَوُجُوبُ الطَّهَارَةِ حُكْمٌ (آخَرُ) ، (غَيْرُ) نَقْضِهَا، بَلْ لَوْ جَعَلَ خُرُوجَ النَّجَاسَةِ عِلَّةً لِإِيجَابِ الطَّهَارَةِ (عَلَى
стр. 1120
الْإِطْلَاقِ) لَزِمَهُ إيجَابُ الْغُسْلِ بِخُرُوجِ النَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ هَذَا الْمَعْنَى عِلَّةً لِإِيجَابِ الطَّهَارَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَالْغُسْلُ طَهَارَةٌ، وَيَلْزَمُهُ إيجَابُهُ بِتِلْكَ الْعِلَّةِ. وَإِذَا كَانَتْ الْوَاحِدَةُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْعِشْرِينَ وَالْمِائَةِ مِنْ الْإِبِلِ عَفْوًا، وَجَعَلْنَا كَوْنَهَا عَفْوًا عِلَّةً لِامْتِنَاعِ تَغَيُّرِ الْفَرْضِ بِهَا، لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَلْزَمَ عَلَيْهَا أَنَّ الْإِخْوَةَ مِنْ الْأُمِّ، قَدْ يُحْجَبُونَ وَلَا يَرِثُونَ،؛ لِأَنَّا إنَّمَا جَعَلْنَا كَوْنَ الْوَاحِدَةِ عَفْوًا لَا شَيْءَ فِيهَا عِلَّةً لِتَغَيُّرِ فَرْضِ الزَّكَاةِ فِي الْجُمْلَةِ، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِيمَا أُلْزِمَ، وَلَا حُكْمُهَا. فَهَذَا إلْزَامٌ سَاقِطٌ لَا يَلْجَأُ إلَيْهِ إلَّا جَاهِلٌ بِالنَّظَرِ. وَكَثِيرٌ مِنْ إلْزَامَاتِ الْمُخَالِفِينَ تَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى. وَإِنَّمَا الَّذِي نَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي إسْقَاطِهَا تَحْقِيقُ الْمَعْنَى، فَإِنَّهَا مَتَى حَقَّقَتْ الْمَعْنَى فِيهَا اضْمَحَلَّتْ، وَإِذَا اقْتَضَتْ عِلَّةً لِحُكْمٍ مُقَيَّدَةً بِوَصْفٍ، أَوْ شَرْطٍ لَمْ يَلْزَمْ عَلَيْهَا إيجَابُ ذَلِكَ الْحُكْمِ مُطْلَقًا، غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِذَلِكَ الْوَصْفِ، أَوْ الشَّرْطِ. نَظِيرُ ذَلِكَ: أَنَّا إذَا جَعَلْنَا بَيْعَهُ لِمَا لَيْسَ عِنْدَهُ عِلَّةً لِفَسَادِ بَيْعِ مَا فِي الذِّمَّةِ حَالًا، لَمْ يَلْزَمْنَا عَلَيْهِ السَّلَمُ الْمُؤَجَّلُ؛ لِأَنَّهُ تَغَيَّرَ الْوَصْفُ الَّذِي جَعَلَ الْعِلَّةَ لَهُ، وَإِذَا جَعَلْنَا خُرُوجَ النَّجَاسَةِ عِلَّةً لِإِيجَابِ نَقْضِ الْوُضُوءِ، لَمْ يَلْزَمْنَا عَلَيْهَا إيجَابُ الْغُسْلِ، وَكَذَلِكَ هَذَا فِيمَا أَشْبَهَهُ.
وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ يَقُولُ: إذَا جَعَلْنَا وُقُوعَ الْأَكْلِ عَلَى وَجْهِ النِّسْيَانِ عِلَّةً فِي سُقُوطِ الْقَضَاءِ عَنْ الصَّائِمِ لَمْ يَلْزَمْنَا عَلَيْهِ قِيَاسُ الْمُتَكَلِّمِ نَاسِيًا فِي الصَّلَاةِ، وَلَا الْأَكْلِ نَاسِيًا فِيهَا، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ هَهُنَا سُقُوطُ قَضَاءِ الصَّوْمِ، وَالْعِلَّةَ وُقُوعُ الْأَكْلِ عَلَى وَجْهِ النِّسْيَانِ. قَالَ: وَكَذَلِكَ كُلُّ عِلَّةٍ نَصَبْنَاهَا لِحُكْمٍ، فَإِنَّهُ (لَا يَلْزَمُنَا عَلَيْهَا حُكْمٌ مِنْ أَصْلٍ آخَرَ مُخَالِفٍ لَهُ فِي مَوْضُوعِهِ.
стр. 1121
أَلَا تَرَى: أَنَّهُ إذَا أَفْسَدْنَا بَيْعًا؛ لِأَنَّ ثَمَنَهُ مَجْهُولٌ) (لَمْ يَلْزَمْنَا عَلَيْهِ) إفْسَادُ النِّكَاحِ لِجَهَالَةِ الْمَهْرِ. وَكَذَلِكَ إذَا أَبْطَلْنَا بَيْعَ الْمَعْدُومِ؛ لِأَنَّهُ مَعْدُومٌ، لَمْ يَلْزَمْنَا عَلَيْهِ إبْطَالُ الْإِجَارَةِ، وَإِنْ كَانَتْ الْمَنَافِعُ مَعْدُومَةً، وَإِذَا أَسْقَطْنَا عَنْ الْحَائِضِ قَضَاءَ الصَّلَاةِ لِأَجْلِ الْحَيْضِ، لَمْ يَلْزَمْنَا عَلَيْهَا إسْقَاطُ قَضَاءِ الصَّوْمِ.
стр. 1122
[بَابُ ذِكْرِ وُجُوهِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْأُصُولِ عَلَى أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ]
ِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ مِنَّا فِي تَقْسِيمِ الْوُجُوهِ الَّتِي مِنْهَا تُسْتَدْرَكُ أَحْكَامُ الْحَوَادِثِ فَقُلْنَا: إنَّهَا تُسْتَدْرَكُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ لِلَّهِ عَلَيْهِ دَلِيلٌ قَائِمٌ، فَالْحَقُّ فِيهِ وَاحِدٌ مِنْ أَقَاوِيلِ الْمُخْتَلِفِينَ فِيهِ.
وَالْآخَرُ: مَا طَرِيقُهُ الِاجْتِهَادُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ قَائِمٌ يُفْضِي بِالْمُجْتَهِدِ إلَى الْعِلْمِ بِحَقِيقَةِ الْمَطْلُوبِ. وَإِنَّ هَذَا الْوَجْهَ يَنْقَسِمُ إلَى أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: الْقِيَاسُ.
وَالْآخَرُ: الِاجْتِهَادُ عَلَى غَالِبِ الظَّنِّ، مِنْ غَيْرِ رَدِّ فَرْعٍ إلَى أَصْلٍ، كَمَا قُلْنَا فِي تَحَرِّي الْقِبْلَةِ وَتَدْبِيرِ الْحُرُوبِ، وَنَفَقَاتِ الزَّوْجَاتِ، وَتَقْدِيرِ الْمُتْعَةِ، وَمَهْرِ الْمِثْلِ، وَنَحْوِهَا.
وَالثَّالِثُ: الِاسْتِدْلَال عَلَى الْحُكْمِ بِالْأُصُولِ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَعَانِيَ الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَكَيْفِيَّتَهُمَا. وَنَذْكُرُ الْآنَ الْوَجْهَ الثَّالِثَ، وَطُرُقَهُ، وَوُجُوهَهُ مُخْتَلِفَةً، إلَّا أَنَّا نَذْكُرُ مِنْهَا مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى جُمْلَتِهِ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ أَبُو الْحَسَنِ يَعْتَبِرُهُ.
فَمِنْهَا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاَللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [الطلاق: ٤] فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْحَيْضُ، لِأَنَّهُ نَقَلَهَا إلَى الشُّهُورِ عِنْدَ عَدَمِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨]
стр. 1123
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ يَمْلِكُونَ عَلَيْنَا مَا يَغْلِبُونَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِنَا، لِأَنَّهُ وَصَفَهُمْ بِالْفَقْرِ بَعْدَ إخْبَارِهِ بِكَوْنِهِمْ ذَوِي أَمْوَالٍ قَبْلَ إخْرَاجِ الْمُشْرِكِينَ إيَّاهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَغَلَبَتِهِمْ عَلَيْهَا، لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ بَاقِيَةً فِي مِلْكِهِمْ بَعْدَ غَلَبَتِهِمْ عَلَيْهَا لَمَا كَانُوا فُقَرَاءَ وَكَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ دَارٍ؟» حِينَ قِيلَ لَهُ: أَلَا تَنْزِلُ دَارَك؟ وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ يَحْتَجُّ لِنَجَاسَةِ «سُؤْرِ الْكَلْبِ، بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أَمَرَ بِغَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ سُؤْرِهِ» ، وَلَيْسَ فِي الْأُصُولِ غَسْلُ الْأَوَانِي تَعَبُّدًا مِنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى مَا فِي الْأُصُولِ، إذْ لَيْسَ هُوَ فِي نَفْسِهِ أَصْلًا وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ : «طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ يُغْسَلُ سَبْعًا» قَدْ دَلَّ عَلَى النَّجَاسَةِ، لِأَنَّ اسْمَ التَّطَهُّرِ فِي الْأُصُولِ لَا يُطْلَقُ (فِي الْأَوَانِي إلَّا مِنْ) النَّجَاسَةِ. وَمِنْ دَلَائِلِ الْأُصُولِ: مَا كَانَ يَقُولُ فِي أَنَّ كُفْرَ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ لَوْ كَانَ مَانِعًا مِنْ نِكَاحِهَا لَمَنَعَ وَطْأَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ، كَالْوَثَنِيَّةِ، وَالْمَجُوسِيَّةِ، وَالْمُرْتَدَّةِ، إذْ لَمْ يَكُنْ تَحْرِيمُ وَطْئِهَا مِنْ جِهَةِ الْعَدَدِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِمَعْنًى (فِي) نَفْسِ الْمَوْطُوءَةِ. وَنَحْوُ: إذَا ثَبَتَ حُكْمٌ لِفِعْلٍ مِنْ الْأَفْعَالِ أُلْحِقَ بِهِ مَا كَانَ فِي بَابِهِ، وَاعْتُبِرَ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ، كَمَا نَقُولُ: لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ مُدْرِكَ الْإِمَامِ فِي أَكْثَرِ أَفْعَالِ الرَّكْعَةِ مُدْرِكٌ لِلرَّكْعَةِ، وَجَازَ لَهُ الِاعْتِدَادُ بِهَا، وَالْبِنَاءُ عَلَيْهَا، وَمُدْرِكَهُ فِي أَقَلِّ أَفْعَالِهَا غَيْرُ مُدْرِكٍ لَهَا، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ إذَا نَفَرَ عَنْهُ النَّاسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ التَّحْرِيمَةِ: أَنَّ صَلَاتَهُ تَفْسُدُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
стр. 1124
وَإِنْ نَفَرُوا عَنْهُ بَعْدَمَا أَتَى بِسَجْدَتَيْنِ عَلَيْهَا: أَنَّهَا مَاضِيَةٌ، وَإِنْ أَتَى بِأَكْثَرِ أَفْعَالِهَا. كَمَا أَنَّ مُدْرِكَ الْإِمَامِ فِي أَكْثَرِ أَفْعَالِ الرَّكْعَةِ يَصِحُّ لَهُ الِاعْتِدَادُ بِهَا. كَمَا قَالُوا فِيمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا إذَا عَقَدَهَا بِسَجْدَةٍ: إنَّهُ يَعْتَدُّ بِهَا، وَيَبْنِي عَلَيْهَا السَّادِسَةَ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْأَقَلِّ حُكْمٌ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ. فَجَعَلُوا الْحُكْمَ لِأَكْثَرِ أَفْعَالِ الرَّكْعَةِ، اسْتِدْلَالًا بِمُدْرِكِ الْإِمَامِ فِي أَكْثَرِ أَفْعَالِهَا. وَجَعَلُوا الْأَقَلَّ كَالْكُلِّ فِي هَذَا الْحُكْمِ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ أَكْثَرَ رَكَعَاتِ الصَّلَاةِ لَا تَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ فِي بَابِ الْجَوَازِ
وَإِنَّمَا اسْتَدَلُّوا بِمَا ذَكَرْنَا عَلَى حُكْمِ الِاعْتِدَادِ بِالرَّكْعَةِ فِي جَوَازِ الْبِنَاءِ عَلَيْهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا، وَجَعَلُوا أَكْثَرَ الطَّوَافِ قَائِمًا مَقَامَ الْكُلِّ فِي بَابِ الْإِجْزَاءِ، اسْتِدْلَالًا بِقِيَامِ أَكْثَرِ أَرْكَانِ الْحَجِّ مَقَامَ جَمِيعِهَا فِي بَابِ الْإِجْزَاءِ، وَلَمْ يَرُدُّوهُ إلَى أَصْلٍ، وَلَا رَدُّوا الصَّلَاةَ إلَيْهِ فِي هَذَا الْوَجْهِ، لِأَنَّ حُكْمَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ مِنْ بَابِهِ دُونَ غَيْرِهِ.
وَنَحْوُ قَوْلِنَا: إنَّ الْعِدَّةَ تَمْنَعُ مِنْ الْجَمْعِ مَا يَمْنَعُهُ نَفْسُ النِّكَاحِ، بِدَلَالَةِ أَنَّ الْمَرْأَةَ مَمْنُوعَةٌ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، كَمَا أَنَّ الرَّجُلَ مَمْنُوعٌ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، ثُمَّ كَانَ حَالُ عِدَّتِهَا فِي بَابِ الْمَنْعِ مِنْ جَمْعِ زَوْجٍ آخَرَ إلَيْهِ، كَحَالِ بَقَاءِ الْعَقْدِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَالُ عِدَّتِهَا فِي بَابِ مَنْعِ الزَّوْجِ تَزْوِيجَ أُخْتِهَا بِمَنْزِلَةِ حَالِ بَقَاءِ عَقْدِهَا.
فَهَذَا وَنَظَائِرُهُ ضُرُوبٌ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِالْأُصُولِ عَلَى الْأَحْكَامِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ عِلَّةٍ، وَلَا قِيَاسَ يَكْتَفِي فِيهِ بِذِكْرِ وَجْهِ الدَّلَالَةِ مِنْ الْأَصْلِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَلَى الْحُكْمِ، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنْ ضُرُوبِ الِاجْتِهَادِ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى حُكْمِ الْحَادِثَةِ بِالْأُصُولِ وَقَدْ يُمْكِنُ فِي أَكْثَرِهَا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى وَجْهِ الْقِيَاسِ بِعِلَّةٍ يُجْمَعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَصْلِ، وَيَكُونُ أَقْطَعَ لِلشَّغَبِ. وَالِاكْتِفَاءُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ وَجْهِ الدَّلَالَةِ سَائِغٌ، وَإِنْ خَالَفَك فِيهِ مُخَالِفٌ طَالَبَك بِحَمْلِهِ عَلَى مَحْضِ الْقِيَاسِ، كَانَ لَك أَنْ (لَا) تُجِيبَهُ إلَيْهِ، وَتَقُولَ: إنَّ هَذَا عِنْدِي جِهَةٌ مِنْ جِهَاتِ
стр. 1125
الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْحُكْمِ (وَضَرْبٌ مِنْ) ضُرُوبِ الِاجْتِهَادِ، فَإِنْ خَالَفْتنِي فِيهِ فَلْيَكُنْ الْكَلَامُ فِي الْأَصْلِ، وَيَكُونُ فِي الِاشْتِغَالِ بِتَصْحِيحِهِ خُرُوجٌ عَنْ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا.
وَهَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ، إنَّمَا هُوَ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ دَلَائِلِ الْأُصُولِ، فَأَمَّا مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ مِنْ دَلَائِلِ الْخِطَابِ، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ وَاضِحٌ، لَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى قِيَاسٍ وَلَا غَيْرِهِ. وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ
следующие страницы →