Полный текст (1 263 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
أَلَا تَرَى: أَنَّهُ إذَا أَفْسَدْنَا بَيْعًا؛ لِأَنَّ ثَمَنَهُ مَجْهُولٌ) (لَمْ يَلْزَمْنَا عَلَيْهِ) إفْسَادُ النِّكَاحِ لِجَهَالَةِ الْمَهْرِ. وَكَذَلِكَ إذَا أَبْطَلْنَا بَيْعَ الْمَعْدُومِ؛ لِأَنَّهُ مَعْدُومٌ، لَمْ يَلْزَمْنَا عَلَيْهِ إبْطَالُ الْإِجَارَةِ، وَإِنْ كَانَتْ الْمَنَافِعُ مَعْدُومَةً، وَإِذَا أَسْقَطْنَا عَنْ الْحَائِضِ قَضَاءَ الصَّلَاةِ لِأَجْلِ الْحَيْضِ، لَمْ يَلْزَمْنَا عَلَيْهَا إسْقَاطُ قَضَاءِ الصَّوْمِ.
стр. 1122
[بَابُ ذِكْرِ وُجُوهِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْأُصُولِ عَلَى أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ]
ِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ مِنَّا فِي تَقْسِيمِ الْوُجُوهِ الَّتِي مِنْهَا تُسْتَدْرَكُ أَحْكَامُ الْحَوَادِثِ فَقُلْنَا: إنَّهَا تُسْتَدْرَكُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ لِلَّهِ عَلَيْهِ دَلِيلٌ قَائِمٌ، فَالْحَقُّ فِيهِ وَاحِدٌ مِنْ أَقَاوِيلِ الْمُخْتَلِفِينَ فِيهِ.
وَالْآخَرُ: مَا طَرِيقُهُ الِاجْتِهَادُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ قَائِمٌ يُفْضِي بِالْمُجْتَهِدِ إلَى الْعِلْمِ بِحَقِيقَةِ الْمَطْلُوبِ. وَإِنَّ هَذَا الْوَجْهَ يَنْقَسِمُ إلَى أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: الْقِيَاسُ.
وَالْآخَرُ: الِاجْتِهَادُ عَلَى غَالِبِ الظَّنِّ، مِنْ غَيْرِ رَدِّ فَرْعٍ إلَى أَصْلٍ، كَمَا قُلْنَا فِي تَحَرِّي الْقِبْلَةِ وَتَدْبِيرِ الْحُرُوبِ، وَنَفَقَاتِ الزَّوْجَاتِ، وَتَقْدِيرِ الْمُتْعَةِ، وَمَهْرِ الْمِثْلِ، وَنَحْوِهَا.
وَالثَّالِثُ: الِاسْتِدْلَال عَلَى الْحُكْمِ بِالْأُصُولِ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَعَانِيَ الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَكَيْفِيَّتَهُمَا. وَنَذْكُرُ الْآنَ الْوَجْهَ الثَّالِثَ، وَطُرُقَهُ، وَوُجُوهَهُ مُخْتَلِفَةً، إلَّا أَنَّا نَذْكُرُ مِنْهَا مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى جُمْلَتِهِ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ أَبُو الْحَسَنِ يَعْتَبِرُهُ.
فَمِنْهَا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاَللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [الطلاق: ٤] فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْحَيْضُ، لِأَنَّهُ نَقَلَهَا إلَى الشُّهُورِ عِنْدَ عَدَمِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨]
стр. 1123
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ يَمْلِكُونَ عَلَيْنَا مَا يَغْلِبُونَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِنَا، لِأَنَّهُ وَصَفَهُمْ بِالْفَقْرِ بَعْدَ إخْبَارِهِ بِكَوْنِهِمْ ذَوِي أَمْوَالٍ قَبْلَ إخْرَاجِ الْمُشْرِكِينَ إيَّاهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَغَلَبَتِهِمْ عَلَيْهَا، لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ بَاقِيَةً فِي مِلْكِهِمْ بَعْدَ غَلَبَتِهِمْ عَلَيْهَا لَمَا كَانُوا فُقَرَاءَ وَكَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ دَارٍ؟» حِينَ قِيلَ لَهُ: أَلَا تَنْزِلُ دَارَك؟ وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ يَحْتَجُّ لِنَجَاسَةِ «سُؤْرِ الْكَلْبِ، بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أَمَرَ بِغَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ سُؤْرِهِ» ، وَلَيْسَ فِي الْأُصُولِ غَسْلُ الْأَوَانِي تَعَبُّدًا مِنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى مَا فِي الْأُصُولِ، إذْ لَيْسَ هُوَ فِي نَفْسِهِ أَصْلًا وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ : «طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ يُغْسَلُ سَبْعًا» قَدْ دَلَّ عَلَى النَّجَاسَةِ، لِأَنَّ اسْمَ التَّطَهُّرِ فِي الْأُصُولِ لَا يُطْلَقُ (فِي الْأَوَانِي إلَّا مِنْ) النَّجَاسَةِ. وَمِنْ دَلَائِلِ الْأُصُولِ: مَا كَانَ يَقُولُ فِي أَنَّ كُفْرَ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ لَوْ كَانَ مَانِعًا مِنْ نِكَاحِهَا لَمَنَعَ وَطْأَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ، كَالْوَثَنِيَّةِ، وَالْمَجُوسِيَّةِ، وَالْمُرْتَدَّةِ، إذْ لَمْ يَكُنْ تَحْرِيمُ وَطْئِهَا مِنْ جِهَةِ الْعَدَدِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِمَعْنًى (فِي) نَفْسِ الْمَوْطُوءَةِ. وَنَحْوُ: إذَا ثَبَتَ حُكْمٌ لِفِعْلٍ مِنْ الْأَفْعَالِ أُلْحِقَ بِهِ مَا كَانَ فِي بَابِهِ، وَاعْتُبِرَ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ، كَمَا نَقُولُ: لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ مُدْرِكَ الْإِمَامِ فِي أَكْثَرِ أَفْعَالِ الرَّكْعَةِ مُدْرِكٌ لِلرَّكْعَةِ، وَجَازَ لَهُ الِاعْتِدَادُ بِهَا، وَالْبِنَاءُ عَلَيْهَا، وَمُدْرِكَهُ فِي أَقَلِّ أَفْعَالِهَا غَيْرُ مُدْرِكٍ لَهَا، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ إذَا نَفَرَ عَنْهُ النَّاسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ التَّحْرِيمَةِ: أَنَّ صَلَاتَهُ تَفْسُدُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
стр. 1124
وَإِنْ نَفَرُوا عَنْهُ بَعْدَمَا أَتَى بِسَجْدَتَيْنِ عَلَيْهَا: أَنَّهَا مَاضِيَةٌ، وَإِنْ أَتَى بِأَكْثَرِ أَفْعَالِهَا. كَمَا أَنَّ مُدْرِكَ الْإِمَامِ فِي أَكْثَرِ أَفْعَالِ الرَّكْعَةِ يَصِحُّ لَهُ الِاعْتِدَادُ بِهَا. كَمَا قَالُوا فِيمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا إذَا عَقَدَهَا بِسَجْدَةٍ: إنَّهُ يَعْتَدُّ بِهَا، وَيَبْنِي عَلَيْهَا السَّادِسَةَ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْأَقَلِّ حُكْمٌ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ. فَجَعَلُوا الْحُكْمَ لِأَكْثَرِ أَفْعَالِ الرَّكْعَةِ، اسْتِدْلَالًا بِمُدْرِكِ الْإِمَامِ فِي أَكْثَرِ أَفْعَالِهَا. وَجَعَلُوا الْأَقَلَّ كَالْكُلِّ فِي هَذَا الْحُكْمِ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ أَكْثَرَ رَكَعَاتِ الصَّلَاةِ لَا تَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ فِي بَابِ الْجَوَازِ
وَإِنَّمَا اسْتَدَلُّوا بِمَا ذَكَرْنَا عَلَى حُكْمِ الِاعْتِدَادِ بِالرَّكْعَةِ فِي جَوَازِ الْبِنَاءِ عَلَيْهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا، وَجَعَلُوا أَكْثَرَ الطَّوَافِ قَائِمًا مَقَامَ الْكُلِّ فِي بَابِ الْإِجْزَاءِ، اسْتِدْلَالًا بِقِيَامِ أَكْثَرِ أَرْكَانِ الْحَجِّ مَقَامَ جَمِيعِهَا فِي بَابِ الْإِجْزَاءِ، وَلَمْ يَرُدُّوهُ إلَى أَصْلٍ، وَلَا رَدُّوا الصَّلَاةَ إلَيْهِ فِي هَذَا الْوَجْهِ، لِأَنَّ حُكْمَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ مِنْ بَابِهِ دُونَ غَيْرِهِ.
وَنَحْوُ قَوْلِنَا: إنَّ الْعِدَّةَ تَمْنَعُ مِنْ الْجَمْعِ مَا يَمْنَعُهُ نَفْسُ النِّكَاحِ، بِدَلَالَةِ أَنَّ الْمَرْأَةَ مَمْنُوعَةٌ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، كَمَا أَنَّ الرَّجُلَ مَمْنُوعٌ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، ثُمَّ كَانَ حَالُ عِدَّتِهَا فِي بَابِ الْمَنْعِ مِنْ جَمْعِ زَوْجٍ آخَرَ إلَيْهِ، كَحَالِ بَقَاءِ الْعَقْدِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَالُ عِدَّتِهَا فِي بَابِ مَنْعِ الزَّوْجِ تَزْوِيجَ أُخْتِهَا بِمَنْزِلَةِ حَالِ بَقَاءِ عَقْدِهَا.
فَهَذَا وَنَظَائِرُهُ ضُرُوبٌ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِالْأُصُولِ عَلَى الْأَحْكَامِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ عِلَّةٍ، وَلَا قِيَاسَ يَكْتَفِي فِيهِ بِذِكْرِ وَجْهِ الدَّلَالَةِ مِنْ الْأَصْلِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَلَى الْحُكْمِ، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنْ ضُرُوبِ الِاجْتِهَادِ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى حُكْمِ الْحَادِثَةِ بِالْأُصُولِ وَقَدْ يُمْكِنُ فِي أَكْثَرِهَا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى وَجْهِ الْقِيَاسِ بِعِلَّةٍ يُجْمَعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَصْلِ، وَيَكُونُ أَقْطَعَ لِلشَّغَبِ. وَالِاكْتِفَاءُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ وَجْهِ الدَّلَالَةِ سَائِغٌ، وَإِنْ خَالَفَك فِيهِ مُخَالِفٌ طَالَبَك بِحَمْلِهِ عَلَى مَحْضِ الْقِيَاسِ، كَانَ لَك أَنْ (لَا) تُجِيبَهُ إلَيْهِ، وَتَقُولَ: إنَّ هَذَا عِنْدِي جِهَةٌ مِنْ جِهَاتِ
стр. 1125
الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْحُكْمِ (وَضَرْبٌ مِنْ) ضُرُوبِ الِاجْتِهَادِ، فَإِنْ خَالَفْتنِي فِيهِ فَلْيَكُنْ الْكَلَامُ فِي الْأَصْلِ، وَيَكُونُ فِي الِاشْتِغَالِ بِتَصْحِيحِهِ خُرُوجٌ عَنْ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا.
وَهَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ، إنَّمَا هُوَ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ دَلَائِلِ الْأُصُولِ، فَأَمَّا مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ مِنْ دَلَائِلِ الْخِطَابِ، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ وَاضِحٌ، لَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى قِيَاسٍ وَلَا غَيْرِهِ. وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ
стр. 1126
[بَابُ الْقَوْلِ فِي الِاسْتِحْسَانِ]
ِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: تَكَلَّمَ قَوْمٌ مِنْ مُخَالِفِينَا فِي إبْطَالِ الِاسْتِحْسَانِ حِينَ ظَنُّوا أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ حُكْمٌ مِمَّا يَشْتَهِيه الْإِنْسَانُ وَيَهْوَاهُ، أَوْ يَلَذُّهُ، وَلَمْ يَعْرِفُوا مَعْنَى قَوْلِنَا فِي إطْلَاقِ لَفْظِ الِاسْتِحْسَانِ.
стр. 1127
فَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ فِي إبْطَالِهِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] وَرُوِيَ: أَنَّهُ الَّذِي لَا يُؤْمَرُ وَلَا يُنْهَى، قَالَ: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَقُولَ بِمَا يَسْتَحْسِنُ، فَإِنَّ الْقَوْلَ (بِمَا يَسْتَحْسِنُهُ شَيْءٌ يُحْدِثُهُ لَا عَلَى مِثَالِ مَعْنًى
стр. 1128
سَبَقَ) فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ مَعْنَى مَا أَطْلَقَهُ أَصْحَابُنَا مِنْ هَذَا اللَّفْظِ، فَتَعَسَّفُوا الْقَوْلَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ دِرَايَةٍ.
стр. 1129
وَقَدْ حَدَّثَنِي بَعْضُ قُضَاةِ مَدِينَةِ السَّلَامِ، مِمَّنْ كَانَ يَلِي الْقَضَاءَ بِهَا فِي أَيَّامِ الْمُتَّقِي لِلَّهِ، قَالَ سَمِعْتُ إبْرَاهِيمَ بْنَ جَابِرٍ، وَكَانَ إبْرَاهِيمُ هَذَا رَجُلًا كَثِيرَ الْعِلْمِ، قَدْ صَنَّفَ كُتُبًا مُسْتَفِيضَةً فِي اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ، وَكَانَ يَقُولُ بِنَفْيِ الْقِيَاسِ، بَعْدَ أَنْ كَانَ يَقُولُ بِإِثْبَاتِهِ. (قَالَ فَقُلْتُ) لَهُ: مَا الَّذِي أَوْجَبَ عِنْدَكَ الْقَوْلَ بِنَفْيِ الْقِيَاسِ بَعْدَمَا كُنْت قَائِلًا بِإِثْبَاتِهِ؟ فَقَالَ: قَرَأْتُ إبْطَالَ الِاسْتِحْسَانِ لِلشَّافِعِيِّ فَرَأَيْتُهُ صَحِيحًا فِي مَعْنَاهُ، إلَّا أَنَّ جَمِيعَ مَا احْتَجَّ بِهِ فِي إبْطَالِ الِاسْتِحْسَانِ هُوَ بِعَيْنِهِ يُبْطِلُ الْقِيَاسَ، فَصَحَّ بِهِ عِنْدِي بُطْلَانُهُ. وَجَمِيعُ مَا يَقُولُ فِيهِ أَصْحَابُنَا بِالِاسْتِحْسَانِ فَإِنَّهُمْ إنَّمَا قَالُوهُ مَقْرُونًا (بِدَلَائِلِهِ وَحُجَجِهِ) لَا عَلَى جِهَةِ الشَّهْوَةِ وَاتِّبَاعِ الْهَوَى، وَوُجُوهُ دَلَائِلِ الِاسْتِحْسَانِ مَوْجُودَةٌ فِي الْكُتُبِ الَّتِي عَمِلْنَاهَا فِي شَرْحِ كُتُبِ أَصْحَابِنَا، وَنَحْنُ نَذْكُرُ هَهُنَا جُمْلَةً، نُفْضِي بِالنَّظَرِ فِيهَا إلَى مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ قَوْلِهِمْ فِي هَذَا الْبَابِ بَعْدَ تَقْدِمَةٍ بِالْقَوْلِ فِي جَوَازِ إطْلَاقِ لَفْظِ الِاسْتِحْسَانِ.
стр. 1130
فَنَقُولُ: لَمَّا كَانَ (مَا حَسَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى) بِإِقَامَتِهِ الدَّلَائِلَ عَلَى حُسْنِهِ مُسْتَحْسَنًا، جَازَ لَنَا إطْلَاقُ لَفْظِ الِاسْتِحْسَانِ فِيمَا قَامَتْ الدَّلَالَةُ بِصِحَّتِهِ. وَقَدْ نَدَبَ اللَّهُ تَعَالَى إلَى فِعَالِهِ، وَأَوْجَبَ الْهِدَايَةَ لِفَاعِلِهِ، فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر: ١٧] ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٨] . وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ قَالَ: «مَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى حَسَنٌ وَمَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى سَيِّئٌ» فَإِذَا كُنَّا قَدْ وَجَدْنَا هَذَا اللَّفْظَ أَصْلًا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَمْ يَمْنَعْ إطْلَاقُهُ بَعْضَ مَا قَامَتْ عَلَيْهِ الدَّلَالَةُ
стр. 1131
بِصِحَّتِهِ عَلَى جِهَةِ تَعْرِيفِ (الْمَعْنَى) وَإِفْهَامٍ هُوَ الْمُرَادُ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إنْ كَانَ الِاسْتِحْسَانُ اسْمًا لِمَا قَامَتْ الدَّلَالَةُ عَلَى صِحَّتِهِ، وَثَبَتَتْ حُجَّتُهُ فَوَاجِبٌ عَلَى هَذِهِ الْقَضِيَّةِ أَنْ يُسَمَّى كُلُّ مَا قَامَتْ دَلَالَةُ صِحَّتِهِ اسْتِحْسَانًا، حَتَّى يُسَمَّى النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ وَجَمِيعُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ اسْتِحْسَانًا. قِيلَ لَهُ: إنَّ جَمِيعَ مَا حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ ﷺ بِهِ فَهُوَ حَسَنٌ، وَكُلُّ مَا قَامَتْ دَلَالَةُ صِحَّتِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ مُسْتَحْسَنٌ لَا مَحَالَةَ، لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ إطْلَاقُ اللَّفْظِ مَقْصُورًا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ عَلَى بَعْضِ ذَلِكَ، دُونَ بَعْضٍ لِاخْتِصَاصِ، كُلِّ مَعْنًى سِوَاهُ بِأَسْمَاءٍ مَعْرُوفَةٍ. فَلِمَا احْتَاجُوا فِيمَا عَرَفُوهُ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ إلَى اسْمٍ يُفِيدُونَ بِهِ السَّامِعَ الْمَعْنَى (الَّذِي) اخْتَارُوا لَهُ هَذَا اللَّفْظَ دُونَ غَيْرِهِ، مَعَ مَا وَجَدُوا لَهُ مِنْ الْأَصْلِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَقَدْ سَمَّى أَصْحَابُنَا عُمُومَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ اسْتِحْسَانًا وَكَذَلِكَ الْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ، وَسَنُبَيِّنُهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَلَيْسَتْ الْأَسْمَاءُ مَحْظُورَةً عَلَى أَحَدٍ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى الْإِفْهَامِ بَلْ لَا يَسْتَغْنِي أَهْلُ كُلِّ عِلْمٍ وَصِنَاعَةٍ إذَا اخْتَصُّوا بِمَعْرِفَةِ دَقِيقِ ذَلِكَ الْعِلْمِ وَلَطِيفِهِ وَغَامِضِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَأَرَادُوا الْإِبَانَةَ عَنْهَا وَإِفْهَامَ السَّامِعِينَ لَهَا (مِنْ) أَنْ يَشْتَقُّوا لَهَا أَسْمَاءً، وَيُطْلِقُوهَا عَلَيْهَا عَلَى جِهَةِ الْإِفَادَةِ وَالْإِفْهَامِ، كَمَا وَضَعَ النَّحْوِيُّونَ أَسْمَاءً لِمَعَانٍ عَرَفُوهَا وَأَرَادُوا إفْهَامَهَا غَيْرَهُمْ، فَقَالُوا:
стр. 1132
الْحَالُ، وَالظَّرْفُ، التَّمْيِيزُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَكَمَا قَالُوا فِي الْعَرُوضِ: الْبَسِيطُ، وَالْمَدِيدُ، وَالْكَامِلُ، وَالْوَافِرُ. وَكَمَا أَطْلَقَ الْمُتَكَلِّمُونَ اسْمَ الْعَرَضِ، وَالْجَوْهَرِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ عَلَى الْمَعَانِي الَّتِي عَرَفُوهَا وَأَرَادُوا الْعِبَارَةَ عَنْهَا، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَحْظُورًا عَلَيْهِمْ، إذْ كَانَ الْغَرَضُ فِيهِ الْإِبَانَةُ وَالْإِفْهَامُ لِلْمَعْنَى بِأَقْرَبِ الْأَسْمَاءِ مُشَاكَلَةً وَأَوْضَحِهَا دَلَالَةً عَلَيْهِ. ثُمَّ لَيْسَ يَخْلُو لِغَائِبٍ الِاسْتِحْسَانُ مِنْ أَنْ يُنَازِعَنَا فِي اللَّفْظِ أَوْ فِي الْمَعْنَى. فَإِنْ نَازَعَنَا فِي اللَّفْظِ، فَاللَّفْظُ مُسَلَّمٌ لَهُ، فَلْيُعَبِّرْ هُوَ بِمَا شَاءَ، عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُنَازَعَةِ فِي اللَّفْظِ وَجْهٌ، لِأَنَّ لِكُلِّ (وَاحِدٍ أَنْ يُعَبِّرَ عَمَّا عَقَلَهُ مِنْ الْمَعْنَى) بِمَا شَاءَ مِنْ الْأَلْفَاظِ، لَا سِيَّمَا بِلَفْظٍ يُطْلَقُ مَعْنَاهُ فِي الشَّرْعِ وَاللُّغَةِ. وَقَدْ يُعَبِّرُ الْإِنْسَانُ عَنْ الْمَعْنَى بِالْعَرَبِيَّةِ تَارَةً وَبِالْفَارِسِيَّةِ أُخْرَى فَلَا نُنْكِرُهُ. وَقَدْ يُطْلِقُ الْفُقَهَاءُ لَفْظَ الِاسْتِحْسَانِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ.
وَرُوِيَ عَنْ إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ قَالَ: (قِيسُوا الْقَضَاءَ مَا صَلُحَ النَّاسُ، فَإِذَا فَسَدُوا فَاسْتَحْسِنُوا) وَأَنَّهُ قَالَ: (مَا وَجَدْتُ الْقَضَاءَ إلَّا مَا يَسْتَحْسِنُ النَّاسُ) وَلَفْظُ الِاسْتِحْسَانِ مَوْجُودٌ فِي كُتُبِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَسْتَحْسِنُ أَنْ تَكُونَ الْمُتْعَةُ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا فَأَطْلَقَ أَيْضًا لَفْظَ الِاسْتِحْسَانِ. وَاسْتَعْمَلَ جَمِيعُ الْفُقَهَاءِ لَفْظَ الِاسْتِحْسَانِ، فَسَقَطَ بِمَا قُلْنَا الْمُنَازَعَةُ فِي إطْلَاقِ الِاسْمِ، أَوْ مَنْعِهِ.
стр. 1133
وَإِنْ نَازَعَنَا فِي الْمَعْنَى، فَإِنَّمَا لَمْ يُسَلِّمْ خَصْمُنَا تَسْلِيمَ الْمَعْنَى لَنَا بِغَيْرِ دَلَالَةٍ، بَلْ تَضَمَّنَ لِجَمِيعِ الْمَعَانِي الَّتِي يَذْكُرُهَا مِمَّا يَتَضَمَّنُهُ لَفْظُ الِاسْتِحْسَانِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا: إقَامَةُ الدَّلَالَةِ عَلَى صِحَّتِهِ وَإِثْبَاتُهُ بِحُجَّةٍ (وَبَيَانُ وُجْهَةٍ)
стр. 1134
[بَابُ الْقَوْلِ فِي مَاهِيَّةِ الِاسْتِحْسَانِ وَبَيَانِ وُجُوهِهِ]
ِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَفْظُ الِاسْتِحْسَانِ يَكْتَنِفُهُ مَعْنَيَانِ
أَحَدُهُمَا: اسْتِعْمَالُ الِاجْتِهَادِ وَغَلَبَةُ الرَّأْيِ فِي إثْبَاتِ الْمَقَادِيرِ الْمَوْكُولَةِ إلَى اجْتِهَادِنَا وَآرَائِنَا، نَحْوُ تَقْدِيرِ مُتْعَةِ الْمُطَلَّقَاتِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] ، فَأَوْجَبَهَا عَلَى مِقْدَارِ يَسَارِ الرَّجُلِ وَإِعْسَارِهِ، وَمِقْدَارُهَا غَيْرُ مَعْلُومٍ إلَّا مِنْ جِهَةِ أَغْلَبِ الرَّأْيِ وَأَكْبَرِ الظَّنِّ.
وَنَظِيرُهَا أَيْضًا: نَفَقَاتُ الزَّوْجَاتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وَلَا سَبِيلَ إلَى إثْبَاتِ الْمَعْرُوفِ مِنْ ذَلِكَ إلَّا مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥] . ثُمَّ لَا يَخْلُو الْمِثْلُ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْقِيمَةُ أَوْ النَّظِيرُ مِنْ النَّعَمِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ (فِيهِ) ، وَأَيُّهُمَا كَانَ فَهُوَ مَوْكُولٌ إلَى اجْتِهَادِ الْعَدْلَيْنِ، وَكَذَلِكَ أُرُوشُ الْجِنَايَاتِ الَّتِي لَمْ يَرِدْ فِي مَقَادِيرِهَا نَصٌّ، وَلَا اتِّفَاقٌ، وَلَا تُعْرَفُ إلَّا مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وَتَعْدِيلُهُمَا وَالْحُكْمُ بِتَزْكِيَتِهِمَا غَيْرُ مُمْكِنٍ إلَّا مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ.
стр. 1135
وَنَظَائِرُهَا) فِي الْأُصُولِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا مِنْهَا (مِثَالًا) يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى نَظَائِرِهِ. فَيُسَمِّي أَصْحَابُنَا هَذَا الضَّرْبَ مِنْ الِاجْتِهَادِ اسْتِحْسَانًا، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْمَعْنَى خِلَافٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَلَا يُمْكِنُ أَحَدًا مِنْهُمْ الْقَوْلُ بِخِلَافِهِ
وَأَمَّا الْمَعْنَى الَّذِي قَسَّمْنَا عَلَيْهِ الْكَلَامَ بَدْءًا مِنْ ضَرْبَيْ الِاسْتِحْسَانِ: فَهُوَ تَرْكُ الْقِيَاسِ إلَى مَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُ وَذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فَرْعٌ يَتَجَاذَبُهُ أَصْلَانِ يَأْخُذُ الشَّبَهَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَيَجِبُ إلْحَاقُهُ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، لِدَلَالَةٍ تُوجِبُهُ، فَسَمَّوْا ذَلِكَ اسْتِحْسَانًا (إذْ لَوْ) لَمْ يَعْرِضْ لِلْوَجْهِ الثَّانِي لَكَانَ لَهُ شَبَهٌ مِنْ الْآخَرِ يَجِبُ إلْحَاقُهُ بِهِ.
وَأَغْمَضُ مَا يَجِيءُ مِنْ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ، وَأَدَقُّهَا مَسْلَكًا: مَا كَانَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، وَوَقَفَ هَذَا الْمَوْقِفَ، لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ فِي تَرْجِيحِ أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ عَلَى الْآخَرِ إلَى إنْعَامِ النَّظَرِ، وَاسْتِعْمَالِ الْفِكْرِ وَالرَّوِيَّةِ فِي إلْحَاقِهِ بِأَحَدِ الْأَصْلَيْنِ دُونَ الْآخَرِ.
وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ يَقُولُ: إنَّ لَفْظَ الِاسْتِحْسَانِ عِنْدَهُمْ يُنَبِّئُ عَنْ تَرْكِ حُكْمٍ إلَى حُكْمٍ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ، لَوْلَاهُ لَكَانَ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ ثَابِتًا.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي مِنْهُمَا: فَهُوَ تَخْصِيصُ الْحُكْمِ مَعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ.
وَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ سَنَذْكُرُهُ بَعْدَ فَرَاغِنَا مِنْ بَيَانِ وُجُوهِ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ مِمَّا قَسَّمْنَا عَلَيْهِ الْكَلَامَ آنِفًا، فَنَقُولُ: إنَّ نَظِيرَ الْفَرْعِ الَّذِي يَتَجَاذَبُهُ أَصْلَانِ مُلْحَقٌ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، مَا قَالَ أَصْحَابُنَا فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ: إذَا حِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَتَقُولُ: قَدْ حِضْت، أَنَّ الْقِيَاسَ أَنْ لَا تُصَدَّقَ حَتَّى يُعْلَمَ وُجُودُ الْحَيْضِ مِنْهَا، أَوْ يُصَدِّقَهَا الزَّوْجُ، إلَّا أَنَّا نَسْتَحْسِنُ فَنُوقِعُ الطَّلَاقَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَقَدْ يَدْخُلُ فِي هَذَا الِاسْتِحْسَانِ بَعْضُ الْقِيَاسِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَّا قَوْلُهُ: إنَّ الْقِيَاسَ أَنْ لَا تُصَدَّقَ، فَإِنَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِأَصْلٍ مُتَّفَقٍ
стр. 1136
عَلَيْهِ، أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُصَدَّقُ فِي مِثْلِهِ فِي إيقَاعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا، وَهُوَ الرَّجُلُ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَإِنْ كَلَّمْت زَيْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَقَالَتْ بَعْدَ ذَلِكَ: قَدْ دَخَلْتهَا بَعْدَ الْيَمِينِ، أَوْ كَلَّمْت زَيْدًا، وَكَذَّبَهَا الزَّوْجُ، أَنَّهَا لَا تُصَدَّقُ، وَلَا تَطْلُقُ، حَتَّى يُعْلَمَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِإِقْرَارِ الزَّوْجِ، فَكَانَ قِيَاسُ هَذَا الْأَصْلِ يُوجِبُ أَنْ لَا تُصَدَّقَ فِي وُجُودِ الْحَيْضِ الَّذِي جَعَلَهُ الزَّوْجُ شَرْطًا لِإِيقَاعِ الطَّلَاقِ.
وَكَمَا أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا: إذَا حِضْت، فَإِنْ عَبْدِي حُرٌّ، أَوْ قَالَ: فَامْرَأَتِي الْأُخْرَى طَالِقٌ، فَقَالَتْ: قَدْ حِضْت وَكَذَّبَهَا الزَّوْجُ لَمْ يَعْتِقْ الْعَبْدُ، وَلَمْ تَطْلُقْ الْمَرْأَةُ الْأُخْرَى، فَقَدْ أَخَذَتْ هَذِهِ الْحَادِثَةُ شَبَهًا مِنْ هَذِهِ الْأُصُولِ الَّتِي ذَكَرْنَا، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِهَذِهِ الْحَادِثَةِ غَيْرُ هَذِهِ الْأُصُولِ لَكَانَ سَبِيلُهَا أَنْ تَلْحَقَ بِهَا، وَيُحْكَمُ لَهَا بِحُكْمِهَا، إلَّا أَنَّهُ قَدْ عَرَضَ لَهَا أَصْلٌ آخَرُ مَنَعَ إلْحَاقَهَا بِالْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرْنَا، وَأَوْجَبَ إلْحَاقَهَا بِالْأَصْلِ الثَّانِي دُونَهُ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا قَالَ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وَرُوِيَ عَنْ السَّلَفِ: أَنَّهُ أَرَادَ: مِنْ الْحَيْضِ وَالْحَبَلِ وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ: (مِنْ الْأَمَانَةِ أَنْ ائْتُمِنَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى فَرْجِهَا) دَلَّ وَعْظُهُ إيَّاهَا
стр. 1137
وَنَهْيُهُ لَهَا عَنْ الْكِتْمَانِ، عَلَى قَبُولِ قَوْلِهَا فِي بَرَاءَةِ رَحِمِهَا مِنْ الْحَبَلِ، وَشُغْلِهَا بِهِ، وَوُجُودِ الْحَيْضِ وَعَدَمِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ﴿وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٨٢] فَوَعَظَهُ وَنَهَاهُ عَنْ الْبَخْسِ وَالنُّقْصَانِ، عُلِمَ أَنَّ الْمَرْجِعَ إلَى قَوْلِهِ فِي مِقْدَارِ الدَّيْنِ.
فَصَارَتْ الْآيَةُ الَّتِي قَدَّمْنَا أَصْلًا فِي قَبُولِ قَوْلِ الْمَرْأَةِ، إذَا قَالَتْ: أَنَا حَائِضٌ، وَتَحْرِيمُ وَطْئِهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ، فَإِنَّهَا إذَا قَالَتْ: قَدْ طَهُرْت، حَلَّ لِزَوْجِهَا قُرْبُهَا.
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَتْ وَهِيَ مُعْتَدَّةٌ قَدْ انْقَضَتْ عِدَّتِي، صُدِّقَتْ فِي ذَلِكَ، وَانْقَطَعَتْ رَجْعَةُ الزَّوْجِ عَنْهَا، وَجُعِلَ قَوْلُهَا فِي ذَلِكَ كَالْبَيِّنَةِ فِي بَابِ إسْقَاطِ حَقِّ الزَّوْجِ عَنْهَا وَانْقِطَاعِ الزَّوْجِيَّةِ بَيْنَهُمَا.
وَكَانَ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ: أَنَّ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ بِالْحَيْضِ مَعْنًى يَخُصُّهَا، وَلَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا.
فَيُوجِبُ عَلَى ذَلِكَ إذَا قَالَ الزَّوْجُ إذَا حِضْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَقَالَتْ: قَدْ حِضْتُ أَنْ تُصَدَّقَ فِي بَابِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا، كَمَا صُدِّقَتْ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ مَعَ إنْكَارِ الزَّوْجِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْنًى يَخُصُّهَا، أَعْنِي: (أَنَّ) الطَّلَاقَ وَالْحَيْضَ لَا يُعْلَمُ وُجُودُهُ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا، وَلَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا غَيْرُهَا.
فَفَارَقَ أَمْرَ الْحَيْضِ إذَا عُلِّقَ بِهِ الطَّلَاقُ، الدُّخُولُ، وَالْكَلَامُ، وَسَائِرُ الشُّرُوطِ، لِأَنَّ هَذِهِ مَعَانٍ قَدْ يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَى مَعْرِفَتِهَا مِنْ جِهَةِ غَيْرِهَا، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ (قَالُوا) : إنَّهَا لَا تُصَدَّقُ عَلَى وُجُودِ الْحَيْضِ إذَا عَلَّقَ (بِهِ طَلَاقَ غَيْرِهَا، أَوْ عَلَّقَ) بِهِ عِتْقَ الْعَبْدِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا جُعِلَ (قَوْلُهَا) كَالْبَيِّنَةِ فِي الْأَحْكَامِ الَّتِي تَخُصُّهَا دُونَ غَيْرِهَا.
стр. 1138
أَلَا تَرَى: أَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّ الزَّوْجَ لَوْ قَالَ: قَدْ أَخْبَرَتْنِي أَنَّ عِدَّتَهَا قَدْ انْقَضَتْ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ (أُخْتَهَا) كَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَلَا تُصَدَّقُ هِيَ عَلَى بَقَاءِ الْعِدَّةِ فِي حَقِّ غَيْرِهَا، وَتَكُونُ عِدَّتُهَا بَاقِيَةً فِي حَقِّهَا، وَلَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا، فَصَارَ كَقَوْلِهَا: قَدْ حِضْتُ. (وَلَهُ) حُكْمَانِ.
أَحَدُهُمَا: فِيمَا يَخُصُّهَا وَيَتَعَلَّقُ بِهَا، وَهُوَ طَلَاقُهَا وَانْقِضَاءُ عِدَّتِهَا، وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ، جُعِلَ قَوْلُهَا فِيهِ كَالْبَيِّنَةِ.
وَالْآخَرُ: فِي طَلَاقِ غَيْرِهَا، أَوْ (فِي) عِتْقِ الْعَبْدِ، فَصَارَتْ فِي هَذَا الْحَالِ شَاهِدَةً كَإِخْبَارِهَا بِدُخُولِ الدَّارِ، وَكَلَامِ زَيْدٍ، إذَا عَلَّقَ بِهِ الْعِتْقَ أَوْ الطَّلَاقَ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: يَلْزَمُك إذَا جَعَلْت قَوْلَهَا كَالْبَيِّنَةِ مِنْ وَجْهٍ، وَصَدَّقْتهَا فِيهِ فِي بَابِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا، أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمُهُ فِي سَائِرِ الْوُجُوهِ، حَتَّى تُصَدَّقَ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ عَلَى غَيْرِهَا. فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهَا كَالْبَيِّنَةِ فِي حَالٍ، وَلَا يَكُونُ لَهُ هَذَا الْحُكْمُ فِي وَجْهٍ آخَرَ.
قِيلَ لَهُ: لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لِقَوْلِهَا هَذَانِ الْحُكْمَانِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَا.
وَلِهَذَا نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ فِي الْأُصُولِ: مِنْهَا أَنَّ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ لَوْ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِالسَّرِقَةِ، حَكَمْنَا بِشَهَادَتِهِمْ فِي بَابِ اسْتِحْقَاقِ الْمَالِ، وَلَمْ نَحْكُمْ بِهَا فِي إيجَابِ الْقَطْعِ، وَامْتِنَاعِ جَوَازِ الْحُكْمِ بِهَا فِي الْقَطْعِ لَمْ يَمْنَعْ إيجَابَ الْحُكْمِ بِهَا فِي الْمَالِ.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا ذَكَرَ أَنَّ امْرَأَتَهُ هَذِهِ أُخْتَهُ مِنْ أَبِيهِ، أَوْ أُمِّهِ، وَهِيَ مَجْهُولَةُ النَّسَبِ، وَثَبَتَ عَلَى ذَلِكَ فَرَّقْنَا بَيْنَهُمَا. وَلَمْ نَحْكُمْ بِالنَّسَبِ، فَأَثْبَتْنَا حُكْمَ إقْرَارِهِ مِنْ وَجْهٍ وَأَبْطَلْنَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ فِي الْأُصُولِ
وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ الَّذِي حَكَيْنَاهُ فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ فِي هَذَا الِاسْتِحْسَانِ بَعْضُ
стр. 1139
الْقِيَاسِ فَإِنَّمَا عُنِيَ بِهِ إلْحَاقُهُ بِأَصْلٍ آخَرَ وَقِيَاسُهُ عَلَيْهِ، دُونَ الْحَلِفِ بِدُخُولِ الدَّارِ، فَسُمِّيَ الِاسْتِحْسَانُ قِيَاسًا فِي هَذَا الْوَجْهِ، وَهُوَ لَعَمْرِي كَذَلِكَ فِيمَا بَيَّنَّاهُ.
وَمِنْ نَظِيرِهِ أَيْضًا: الْمَشْيُ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ الْقَلِيلَ مِنْهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ غَيْرُ مُفْسِدٍ لَهَا. أَلَا تَرَى: «أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ ثُمَّ مَشَى حَتَّى صَارَ فِي الصَّفِّ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : زَادَك اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ» ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِاسْتِئْنَافِ الصَّلَاةِ.
وَرُوِيَ عَنْ «ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَامَ عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ ﷺ يُصَلِّي فَأَدَارَهُ إلَى يَمِينِهِ» ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِاسْتِئْنَافِهَا.
وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي فَمَرَّتْ بَهِيمَةٌ فَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى لَصِقَ بِالْحَائِطِ فَمَرَّتْ الْبَهِيمَةُ خَلْفَهُ» ، فَكَانَ الْمَشْيُ الْيَسِيرُ مَعْفُوًّا عَنْهُ.
وَمَعْلُومٌ (مَعَ ذَلِكَ) : أَنَّهُ لَوْ مَشَى فِي صَلَاتِهِ مِيلًا أَوْ نَحْوَهُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، وَلَوْ جَعَلَ كُلَّ خُطْوَةٍ مِنْهَا بِحُكْمِ نَظِيرِهَا مِمَّا تَقَدَّمَهَا، لَوَجَبَ أَنْ لَا تَفْسُدَ صَلَاتُهُ، وَإِنْ مَشَى مِيلًا قِيَاسًا عَلَى الْمَشْيِ الْيَسِيرِ، إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ هُنَا أَصْلٌ آخَرُ قَدْ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَشْيُ الْكَثِيرُ الَّذِي لَيْسَ مِنْ عَمَلِ الصَّلَاةِ، أَنَّهُ يُفْسِدُهَا، جَعَلُوا الْمَشْيَ مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ وَلَمْ يَسْتَدْبِرْ الْقِبْلَةَ فِي حُكْمِ الْخُطْوَةِ وَالسَّيْرِ، وَأَفْسَدُوا الصَّلَاةَ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُشْبِهُ سَائِرَ الْأَفْعَالِ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ الصَّلَاةِ.
وَمِنْ نَظَائِرِ ذَلِكَ: مَسْأَلَةٌ يُشَنِّعُ بِهَا الْمُخَالِفُونَ عَلَى أَصْحَابِنَا، حِينَ قَالُوا فِي قَوْمٍ نَقَبُوا بَيْتًا وَدَخَلُوهُ وَسَرَقُوا مَتَاعًا وَلِيَ بَعْضُهُمْ إخْرَاجَهُ دُونَ الْبَاقِينَ: إنَّ الْقِيَاسَ أَنْ يُقْطَعَ الَّذِي وَلِيَ إخْرَاجَهُ دُونَ مَنْ سِوَاهُ. وَلَكِنَّا نَسْتَحْسِنُ فَنَقْطَعُهُمْ جَمِيعًا.
فَيُشَنِّعُوا عَلَيْهِمْ حِينَ اسْتَحْسَنُوا إيجَابَ الْقَطْعِ، وَتَرَكُوا الْقِيَاسَ فِيهِ، وَمِنْ شَأْنِ الْحُدُودِ دَرْؤُهَا بِالشُّبُهَاتِ.
وَذَهَبَ عَلَيْهِمْ: أَنَّهُ لَا شُبْهَةَ فِي الْحَدِّ مَعَ قِيَامِ الدَّلَالَةِ عَلَى إيجَابِهِ.
стр. 1140
وَأَمَّا وَجْهُ اسْتِحْسَانِهِمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: إنَّمَا هُوَ قِيَاسًا عَلَى أَصْلٍ آخَرَ، وَهَذَا هُوَ الْفَرْعُ الَّذِي يَتَجَاذَبُهُ أَصْلَانِ. وَأَحَدُهُمَا أَوْلَى بِهِ مِنْ الْآخَرِ.
فَأَمَّا الْأَصْلُ الَّذِي سَمَّاهُ قِيَاسًا: فَهُوَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ قَوْمًا لَوْ اجْتَمَعُوا فَأَكْرَهُوا امْرَأَةً حَتَّى زَنَى بِهَا رَجُلٌ مِنْهُمْ، أَنَّ الْحَدَّ عَلَى الَّذِي وَلِيَ الزِّنَا مِنْهُمْ، دُونَ مَنْ أَعَانَ عَلَيْهِ، فَكَانَ الْقِيَاسُ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْقَطْعُ عَلَى مَنْ وَلِيَ إخْرَاجَ الْمَتَاعِ، دُونَ مَنْ ظَاهَرَ فِيهِ وَأَعَانَ عَلَيْهِ، فَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ الَّذِي ذُكِرَ أَنَّهُ تَرَكَهُ.
ثُمَّ وَجَدُوا أَصْلًا آخَرَ يَقْتَضِي إلْحَاقَ السَّارِقِ بِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَهُمْ قُطَّاعُ الطُّرُقِ الَّذِينَ يَتَعَاوَنُونَ عَلَى قَطْعِ الطَّرِيقِ، وَقَتْلِ النُّفُوسِ، وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ عَلَى جِهَةِ الِامْتِنَاعِ، وَالتَّظَاهُرِ، ثُمَّ لَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُ مَنْ وَلِيَ الْقَتْلَ، وَأَخَذَ الْمَالَ، وَحُكْمُ مَنْ ظَاهَرَ، وَأَعَانَ عَلَيْهِ، وَاشْتَرَكُوا جَمِيعًا فِي اسْتِحْقَاقِ الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٣٣] الْآيَةَ، لِأَجْلِ اشْتِرَاكِهِمْ فِي السَّبَبِ الَّذِي بِهِ تَوَصَّلُوا إلَى أَخْذِ الْمَالِ، وَقَتْلِ النُّفُوسِ، وَهُوَ الْخُرُوجُ عَلَى جِهَةِ الِامْتِنَاعِ وَالْمُحَارَبَةِ.
كَذَلِكَ السَّارِقُ لَمَّا اشْتَرَكَ الْجَمِيعُ فِي السَّبَبِ الَّذِي بِهِ تَعَلَّقَ وُجُوبُ الْقَطْعِ وَهُوَ انْتِهَاكُ الْحِرْزِ وَأَخْذُ الْمَالِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِسْرَارِ، وَجَبَ أَلَّا يَخْتَلِفَ حُكْمُ مَنْ وَلِيَ إخْرَاجَ الْمَتَاعِ، وَحُكْمُ مَنْ ظَاهَرَ فِيهِ، وَأَعَانَ عَلَيْهِ، فَكَانَ إلْحَاقُهُ بِهَذَا الْأَصْلِ الَّذِي فِيهِ أَخْذُ الْمَالِ عَلَى جِهَةِ الِاشْتِرَاكِ فِي السَّبَبِ وَالتَّظَاهُرِ عَلَيْهِ أَوْلَى مِنْهُ بِالزَّانِي.
وَمِنْ نَظَائِرِ ذَلِكَ أَيْضًا: أَنَّ جَيْشًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَوْ دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ وَغَنِمُوا غَنَائِمَ، أَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ السَّهْمَانِ: مَنْ قَاتَلَ مِنْهُمْ وَمَنْ أَعَانَ، فَاسْتَوَوْا جَمِيعًا فِي الْحُكْمِ عِنْدَ اشْتِرَاكِهِمْ فِي السَّبَبِ الَّذِي بِهِ حَصَلَتْ الْغَنَائِمُ، وَهُوَ الْمَنَعَةُ وَالْمُظَاهَرَةُ عَلَى الْقِتَالِ، فَصَارَتْ مَسْأَلَةُ السَّرِقَةِ بِهَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ أَشْبَهَ مِنْهَا بِمَسْأَلَةِ الزِّنَا الَّتِي إنَّمَا يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ فِيهَا بِوُجُودِ الْفِعْلِ دُونَ سَبَبٍ آخَرَ غَيْرِهِ، وَيَحْصُلُ فِيهِ الِاشْتِرَاكُ
стр. 1141
وَلَيْسَ الْغَرَضُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الِاحْتِجَاجُ لِلْمَسْأَلَةِ، وَإِنَّمَا أَرَدْنَا أَنْ نَذْكُرَ مِثَالًا لِمَسَائِلِ الِاسْتِحْسَانِ الَّتِي تَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى لِيَكُونَ غَيْرُهُ فِيمَا سِوَاهُ، وَلِذَلِكَ نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ تَفُوتُ الْإِحْصَاءَ. (وَ) فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذَا النَّوْعِ كِفَايَةٌ.
وَرُبَّمَا جَاءَتْ مَسَائِلُ يَذْكُرُونَ فِيهَا الْقِيَاسَ (وَ) الِاسْتِحْسَانَ، ثُمَّ يَقُولُونَ: وَبِالْقِيَاسِ نَأْخُذُ فَيَتْرُكُونَ الِاسْتِحْسَانَ.
وَذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِهِمْ - فِيمَنْ أَسْلَمَ إلَى رَجُلٍ فِي ثَوْبٍ مَوْصُوفٍ، ثُمَّ اخْتَلَفَا - فَقَالَ رَبُّ السَّلَمِ: شَرَطْت طُولَهُ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، وَقَالَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ، شَرَطْت طُولَهُ خَمْسَةَ أَذْرُعٍ أَنَّ الْقِيَاسَ أَنْ يَتَحَالَفَا وَيَتَرَادَّا السَّلَمَ، وَالِاسْتِحْسَانُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ: وَبِالْقِيَاسِ نَأْخُذُ.
فَذَكَرُوا الْقِيَاسَ وَالِاسْتِحْسَانَ جَمِيعًا، ثُمَّ تَرَكُوا الِاسْتِحْسَانَ وَأَخَذُوا بِالْقِيَاسِ.
وَوَجْهُ الْقِيَاسِ فِيهِ: أَنَّهُمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي جِنْسِ الثَّوْبِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: مَرْوِيٌّ وَقَالَ الْآخَرُ: هَرَوِيٌّ أَوْ اخْتَلَفَا فِي صِفَتِهِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: جَيِّدٌ، وَقَالَ الْآخَرُ: رَدِيءٌ، أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ، وَيَتَرَادَّانِ، لِأَنَّ السَّلَمَ عَقْدٌ عَلَى صِفَةٍ، وَاخْتِلَافُهُمَا فِي الْجِنْسِ اخْتِلَافٌ فِي الصِّفَةِ
وَكَذَلِكَ اخْتِلَافُهُمَا فِي الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ، وَكَأَنَّ ذَلِكَ اخْتِلَافًا فِي نَفْسِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، إذْ كَانَ السَّلَمُ عَقْدًا عَلَى صِفَةٍ، فَوَجَبَ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَنْ يَكُونَ اخْتِلَافُهُمَا فِي مِقْدَارِ الذَّرْعِ
стр. 1142
الْمَشْرُوطِ اخْتِلَافًا فِي نَفْسِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، إذْ كَانَ الذَّرْعُ صِفَةً. وَالسَّلَمُ عَقْدٌ عَلَى صِفَةٍ، فَوَجَبَ بِالتَّحَالُفِ وَالتَّرَادِّ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ الَّذِي قَالَ: بِهِ نَأْخُذُ.
وَأَمَّا الِاسْتِحْسَانُ الَّذِي ذَكَرَهُ: فَإِنَّ وَجْهَهُ أَنَّ رَجُلًا لَوْ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ ثَوْبًا بِعَيْنِهِ ثُمَّ اخْتَلَفَا فِيمَا شَرَطَ مِنْ مِقْدَارِ ذَرْعِهِ. وَقَالَ الْبَائِعُ: شَرَطَ خَمْسَةَ أَذْرُعٍ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: شَرَطَ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ وَلَا يَتَحَالَفَانِ، وَلَا يَتَرَادَّانِ فَكَانَ هَذَا وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنْ الْقِيَاسِ (إلَّا أَنَّ الْقِيَاسَ الَّذِي أَخَذَ بِهِ كَانَ أَوْلَى مِنْ هَذَا الْقِيَاسِ) الَّذِي سَمَّاهُ اسْتِحْسَانًا، وَكَانَ إلْحَاقُ مَسْأَلَةِ السَّلَمِ بِاخْتِلَافِهَا فِي الْجَوْدَةِ وَالْجِنْسِ، أَوْلَى مِنْهَا بِمَسْأَلَةِ اخْتِلَافِهِمَا فِي ذَرْعِ الثَّوْبِ الْمُعَيَّنِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الذَّرْعَ لَمَّا كَانَ صِفَةً، وَكَانَتْ صِفَةُ الْأَعْيَانِ مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ عَلَيْهَا الْعَقْدُ بِدَلَالَةِ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى ثَوْبًا عَلَى أَنَّهُ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ، فَوَجَدَهُ أَقَلَّ كَانَ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ الثَّمَنِ بِحِسَابِ (نُقْصَانِ الذَّرْعِ، وَلَوْ وَجَدَهُ أَكْثَرَ كَانَ جَمِيعُهُ لَهُ، وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ مِنْ الثَّمَنِ بِحُسْبَانِ) زِيَادَةِ الذَّرْعِ. فَعَلِمْت أَنَّ الذَّرْعَ فِي الْأَعْيَانِ لَا يَتَعَلَّقُ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، فَلَمْ يَكُنْ اخْتِلَافُهُمَا فِي الذَّرْعِ اخْتِلَافًا فِي نَفْسِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَجِبْ فِيهِ التَّحَالُفُ وَالتَّرَادُّ.
وَأَمَّا السَّلَمُ: فَلَمَّا كَانَ عَقْدًا عَلَى صِفَةٍ، وَكَانَ الِاخْتِلَافُ فِي الذَّرْعِ اخْتِلَافًا فِي الصِّفَةِ صَارَ اخْتِلَافُهُمَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ اخْتِلَافًا فِي نَفْسِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ اخْتِلَافِهِمَا فِي الْجِنْسِ، (وَ) فِي الْجَوْدَةِ، وَالرَّدَاءَةِ، وَكَانَ إلْحَاقُهُمَا بِهَذِهِ أَوْلَى مِنْهَا بِالِاخْتِلَافِ فِي ذَرْعِ الْعَيْنِ.
أَلَا تَرَى: أَنَّ اخْتِلَافَهُمَا فِي شَرْطِ جِنْسِ الْعَيْنِ، أَوْ فِي شَرْطِ جَوْدَتِهِ وَرَدَاءَتِهِ لَا تُوجِبُ التَّحَالُفَ، وَإِنَّمَا تَجْعَلُ الْقَوْلَ قَوْلَ الْبَائِعِ، وَأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي السَّلَمِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ
стр. 1143
يُوجِبُ التَّحَالُفَ إذْ كَانَ عَقْدًا عَلَى صِفَةٍ، وَأَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ مَتَى اخْتَلَفَا فِي نَفْسِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَجَبَ التَّحَالُفُ، وَالتَّرَادُّ، إذْ كَانَ الْفَسْخُ مُمْكِنًا فِيهِ.
وَمِمَّا تَرَكُوا فِيهِ الِاسْتِحْسَانَ وَأَخَذُوا بِالْقِيَاسِ: قَوْلُهُمْ - فِيمَنْ قَرَأَ سَجْدَةً مِنْ آخِرِ السُّورَةِ، فَرَكَعَ بِهَا -: إنَّ رَكْعَتَهُ تُجْزِيه مِنْ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ فِي الْقِيَاسِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا تُجْزِيه.
قَالُوا: وَبِالْقِيَاسِ نَأْخُذُ، فَذَكَرُوا الْقِيَاسَ وَالِاسْتِحْسَانَ، (وَتَرَكُوا الِاسْتِحْسَانَ لِلْقِيَاسِ، وَلَهُمْ مَسَائِلُ مِنْ نَظَائِرِ ذَلِكَ، يَتْرُكُونَ مِنْهَا الِاسْتِحْسَانَ) لِلْقِيَاسِ، وَإِنَّمَا الْغَرَضُ فِي مِثْلِهَا تَنْبِيهُ الْمُتَعَلِّمِ عَلَى أَنَّ لِلْحَادِثَةِ شَبَهًا بِأَصْلٍ آخَرَ، قَدْ كَانَ يَجُوزُ إلْحَاقُهَا بِهِ إلَّا أَنَّ إلْحَاقَهَا بِالْقِيَاسِ الَّذِي وَصَفْنَاهُ أَوْلَى.
وَرُبَّمَا ذَكَرُوا الْقِيَاسَ عَلَى الِاسْتِحْسَانِ فَيَتْرُكُونَهُ، وَيَرْجِعُونَ إلَى قِيَاسِ الْأَصْلِ، وَيُسَمُّونَ قِيَاسَ الْأَصْلِ اسْتِحْسَانًا.
وَذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِهِمْ - فِيمَنْ احْتَلَمَ فِي الصَّلَاةِ -: إنَّ الْقِيَاسَ أَنْ يَغْتَسِلَ وَيَبْنِيَ، إلَّا أَنَّهُ تَرَكَ الْقِيَاسَ وَاسْتَحْسَنَ أَنْ يَغْتَسِلَ، وَيَسْتَقْبِلَ.
وَالْقِيَاسُ الَّذِي ذَكَرَهُ: هُوَ قِيَاسُ الْحَدَثِ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ الْأَمْرُ بِأَنْ قَاسَ عَلَى الْأَثَرِ. وَجَوَازُ الْبِنَاءِ مَعَ الْحَدَثِ اسْتِحْسَانٌ تَرَكُوا فِيهِ الْقِيَاسَ لِلْأَثَرِ، فَلَوْ قَاسَ عَلَى الْأَثَرِ (لَجَازَ) الْبِنَاءُ مَعَ الْجِنَايَةِ إلَّا أَنَّهُ تَرَكَ هَذَا الْقِيَاسَ، لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْحَدَثَ يَمْنَعُ الْبِنَاءَ.
وَإِنَّمَا تَرَكُوا (فِيهِ الْقِيَاسَ) لِلْأَثَرِ، وَالْأَثَرُ إنَّمَا وَرَدَ فِي الْحَدَثِ دُونَ الْجِنَايَةِ، فَسَلَّمُوا لِلْأَثَرِ مَا وَرَدَ فِيهِ، وَحَمَلُوا الْبَاقِيَ عَلَى قِيَاسِ الْأَصْلِ، فَسُمِّيَ الْقِيَاسُ الْأَصْلِيُّ اسْتِحْسَانًا لَمَّا تُرِكَ بِهِ قِيَاسًا آخَرَ قَدْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ لَوْلَا مَا وَصَفْنَا
стр. 1144
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ الِاسْتِحْسَانِ الَّذِي هُوَ إلْحَاقُ الْفَرْعِ بِأَحَدِ النَّظِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ يَأْخُذُ الشَّبَهَ مِنْهُمَا، وَهَذَا الضَّرْبُ لَيْسَ فِيهِ تَخْصِيصُ الْحُكْمِ مَعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ، وَلَا تَرْكُهَا لِمَعْنًى أَوْجَبَ ذَلِكَ لَهَا، وَإِنَّمَا هُوَ قِيَاسُ الْحَادِثَةِ عَلَى أَحَدِ الْأَصْلَيْنِ دُونَ الْآخَرِ.
وَبَقِيَ عَلَيْنَا بَيَانُ وُجُوهِ الضَّرْبِ الْآخَرِ مِنْ الِاسْتِحْسَانِ، الَّذِي هُوَ تَخْصِيصُ الْحُكْمِ مَعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ، ثُمَّ الدَّلَالَةُ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ بِهِ، فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ -: إنَّ الِاسْتِحْسَانَ الَّذِي هُوَ تَخْصِيصُ الْحُكْمِ مَعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ، أَنَّا مَتَى أَوْجَبْنَا حُكْمًا لِمَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي قَدْ قَامَتْ الدَّلَالَةُ عَلَى كَوْنِهِ عَلَمًا لِلْحُكْمِ، وَسَمَّيْنَاهُ عِلَّةً لَهُ، فَإِنَّ إجْرَاءَ ذَلِكَ الْحُكْمِ عَلَى الْمَعْنَى وَاجِبٌ حَيْثُمَا وُجِدَ، إلَّا مَوْضِعًا تَقُومُ الدَّلَالَةُ فِيهِ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ فِيهِ مَعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا وَجَبَ الْحُكْمُ فِي غَيْرِهِ، فَسَمَّوْا تَرْكَ الْحُكْمِ مَعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ اسْتِحْسَانًا.
وَقَدْ يُتْرَكُ (حُكْمُ) الْعِلَّةِ تَارَةً بِالنَّصِّ، وَتَارَةً بِالْإِجْمَاعِ، وَتَارَةً بِقِيَاسٍ آخَرَ يُوجِبُ فِي الْحَادِثَةِ حُكْمًا سِوَاهُ، وَإِلْحَاقُهَا بِأَصْلٍ غَيْرِهِ.
стр. 1145
وَنَظِيرُ تَرْكِهِ بِالنَّصِّ: مَا قَالَ أَصْحَابُنَا فِي الصَّغِيرِ يَمُوتُ عَنْ امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَامِلٌ: ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: أَنَّ الْقِيَاسَ أَنْ تَكُونَ عِدَّتُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، لِأَنَّ الْحَمْلَ مِنْ غَيْرِ الزَّوْجِ، إلَّا أَنَّهُ تَرَكَ الْقِيَاسَ، وَاسْتَحْسَنَ أَنْ يَجْعَلَ عِدَّتَهَا وَضْعَ الْحَمْلِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَسَمَّى تَرْكَ الْقِيَاسِ لِلْعُمُومِ اسْتِحْسَانًا.
وَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا يَصِحُّ لَك مَا ادَّعَيْت فِي ذَلِكَ مِنْ تَرْكِ الْقِيَاسِ لِلْعُمُومِ، لِأَنَّ هَذَا الْعُمُومَ لَمْ يَرِدْ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، إنَّمَا وَرَدَ فِي الْمُطَلَّقَاتِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاَللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاَللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وَلَمْ نَجِدْ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا ذِكْرًا فِي الْآيَةِ، فَيُتْرَكُ الْقِيَاسُ مِنْ أَجْلِهَا.
стр. 1146
قِيلَ لَهُ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا ظَنَنْت، لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] كَلَامٌ مُكْتَفٍ بِنَفْسِهِ يَنْتَظِمُ الْمُطَلَّقَةَ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا (وَ) إنْ كَانَ ابْتِدَاءُ الْخِطَابِ فِي الْمُطَلَّقَاتِ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَجَبَ اسْتِعْمَالُ (حُكْمِ) الْعُمُومِ فِي جَمِيعِ مَا انْتَظَمَهُ اللَّفْظُ.
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ: أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا اخْتَلَفَتْ فِي عِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إذَا كَانَتْ حَامِلًا، اعْتَبَرَ جَمِيعُهُمْ وَضْعَ الْحَمْلِ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ.
فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: عِدَّتُهَا أَبْعَدُ الْأَجَلَيْنِ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: عِدَّتُهَا أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا، فَصَحَّ بِذَلِكَ اعْتِبَارُ عُمُومِ آيَةِ الْحَمْلِ فِي تَرْكِ الْقِيَاسِ فِيمَا وَصَفْنَا.
وَمِمَّا خَصُّوهُ مِنْ جُمْلَةِ الْقِيَاسِ بِالْأَثَرِ وَتَرَكُوا فِيهِ حُكْمَ الْعِلَّةِ: قَوْلُهُمْ فِي الْأَكْلِ نَاسِيًا فِي رَمَضَانَ: إنَّ الْقِيَاسَ يَقْضِي، إلَّا أَنَّهُمْ تَرَكُوا الْقِيَاسَ فِيهِ لِلْأَثَرِ.
وَوَجْهُ الْقِيَاسِ: أَنَّهُمْ وَجَدُوا سَائِرَ الْعِبَادَاتِ لَا يَخْتَلِفُ حُكْمُهَا إذَا تُرِكَتْ عَلَى جِهَةِ السَّهْوِ، أَوْ الْعَمْدِ.
أَلَا تَرَى: أَنَّ الْأَكْلَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ فِي حَالِ السَّهْوِ وَالْعَمْدِ، وَكَذَلِكَ الْجِمَاعُ، وَالْحَلْقُ، وَاللُّبْسُ فِي الْإِحْرَامِ. وَكَمَا لَا تَخْتَلِفُ نِيَّةُ الصَّوْمِ فِي تَرْكِهَا سَهْوًا أَوْ عَمْدًا، فَكَانَ الْقِيَاسُ عَلَى هَذَا أَنْ لَا يَخْتَلِفَ حُكْمُ السَّهْوِ وَالْعَمْدِ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي نَهَارِ شَهْرِ رَمَضَانَ، مِنْ حَيْثُ كَانَ تَرْكُهُ مِنْ فُرُوضِهِ، إلَّا أَنَّهُمْ تَرَكُوا الْقِيَاسَ فِيهِ لِلْأَثَرِ.
وَنَظِيرُهُ أَيْضًا: الْقَهْقَهَةُ فِي الصَّلَاةِ، كَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا وُضُوءَ فِيهَا، (كَمَا لَا وُضُوءَ فِيهَا) فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، لِأَنَّ كُلَّ مَا كَانَ حَدَثًا لَا يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ نَقْضِ الطَّهَارَةِ فِي حَالِ وُجُودِهِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا، إلَّا أَنَّهُمْ تَرَكُوا الْقِيَاسَ فِيهِ لِلْأَثَرِ، إذْ لَا حَظَّ لِلنَّظَرِ مَعَ الْأَثَرِ.
стр. 1147
وَنَظِيرُهُ أَيْضًا: مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي إجَازَتِهِ الْوُضُوءَ بِنَبِيذِ التَّمْرِ، وَكَانَ الْقِيَاسُ عِنْدَهُ أَنْ لَا يَجُوزَ الْوُضُوءُ بِهِ، لِزَوَالِ اسْمِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ عَنْهُ، كَمَا لَا يَجُوزُ سَائِرُ الْأَشْرِبَةِ، كَنَبِيذِ الزَّبِيبِ، وَشَرَابِ الْعَسَلِ، وَالْخَلِّ، وَالْمَرَقِ.
أَلَا تَرَى: أَنَّهُ تَرَكَ الْقِيَاسَ لِلْأَثَرِ الْوَارِدِ فِيهِ. وَلِذَلِكَ نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ لَوْ تَقَصَّيْنَاهَا لَطَالَ بِهَا الْكِتَابُ بِذِكْرِهَا، وَإِنَّمَا نَذْكُرُ مِنْهَا أَمْثِلَةً تَكُونُ دَلِيلًا عَلَى مَا لَمْ نَذْكُرْ.
وَأَمَّا تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ بِالْإِجْمَاعِ: فَنَظِيرُهُ مَا قَالَ أَصْحَابُنَا فِي عِلَّةِ تَحْرِيمِ النَّسَاءِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُجِيزُوا الْحِنْطَةَ بِالشَّعِيرِ نَسَاءً، وَلَا الْحَدِيدَ بِالنُّحَاسِ، وَلَا شَيْئًا مِنْ الْمَكِيلِ بِالْمَكِيلِ، وَلَا الْمَوْزُونَ بِالْمَوْزُونِ، وَلَا الْجِنْسَ بِالْجِنْسِ نَسَاءً.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَكِيلًا وَلَا مَوْزُونًا، نَحْوُ الثِّيَابِ الْمَرْوِيَّةِ بِالثِّيَابِ الْهَرَوِيَّةِ، فَصَارَ وُجُودُ أَحَدِ وَصْفَيْ عِلَّةِ تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ: عِلَّةً لِتَحْرِيمِ النَّسَاءِ.
وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ عِلَّةً صَحِيحَةً فِي مَوْضِعِهَا، لِقِيَامِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهَا.
وَلَيْسَ، هَذَا مَوْضِعُ بَيَانِ صِحَّةِ هَذَا الِاعْتِلَالِ، فَلَوْ لَزِمُوا سَبِيلَ الْقِيَاسِ وَمَا يَقْتَضِيه هَذَا الِاعْتِلَالُ، لَوَجَبَ تَحْرِيمُ النَّسَاءِ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، بِسَائِرِ الْمَوْزُونَاتِ، لِوُجُودِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّحْرِيمِ فِي نَظَائِرِهَا. إلَّا أَنَّهُمْ تَرَكُوا الْقِيَاسَ وَأَجَازُوهُ، إذْ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ هُمَا أَثْمَانُ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَدُورُ عَلَيْهَا بِيَاعَاتِ النَّاسِ، وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى جَوَازِ النَّسَاءِ فِيهَا بِسَائِرِ الْمَوْزُونَاتِ.
وَمِنْ نَظَائِرِهِ أَيْضًا: مَا قَامَتْ الدَّلَالَةُ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ مِنْ أَنَّ مُلَاقَاةَ النَّجَاسَةِ (لِلْمَاءِ تُوجِبُ الْحُكْمَ بِنَجَاسَتِهِ، فَقَالُوا فِي الْإِنَاءِ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ: إنَّ الْمَاءَ مَحْكُومٌ لَهُ بِحُكْمِ النَّجَاسَةِ) ، لِمُلَاقَاتِهِ لَهَا، وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ، وَلَا لَوْنُهُ، وَلَا رَائِحَتُهُ، فَلَوْ لَزِمُوا طَرِيقَ
стр. 1148
الْقِيَاسِ وَأَجْرَوْا الْحُكْمَ عَلَى الْعِلَّةِ، لَأَوْجَبَ ذَلِكَ أَنْ لَا يَطْهُرَ الثَّوْبُ الَّذِي تُصِيبُهُ النَّجَاسَةُ، أَوْ الْبَدَنُ أَوْ الْأَوَانِي أَبَدًا، وَإِنْ غُسِلَ خَمْسِينَ مَرَّةً، مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْمَاءَ الْأَوَّلَ يُلَاقِي نَجِسًا، فَيَتَنَجَّسُ، ثُمَّ يَزُولُ بَعْدَ مُلَاقَاتِهِ لِلنَّجَاسَةِ، وَحُصُولِ حُكْمِهَا فِيهِ.
فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَصِيرَ حُكْمُ هَذَا الْمَاءِ حُكْمَ النَّجَاسَةِ الَّتِي كَانَتْ فِي الثَّوْبِ، فَلَا يَطْهُرُ، كَذَلِكَ الْمَاءُ الثَّانِي يُلَاقِي مَاءً نَجِسًا، فَلَا تَزُولُ إلَّا بَعْدَ مُلَاقَاتِهِ لِلنَّجَاسَةِ، وَانْتِقَالِ حُكْمِهَا إلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْمَاءُ الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ وَمَا بَعْدَهُ، (وَإِنْ كَثُرَ) إلَّا أَنَّهُمْ تَرَكُوا الْقِيَاسَ، وَحَكَمُوا بِطَهَارَتِهِ إذَا زَالَ عَيْنُ النَّجَاسَةِ، لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى طَهَارَتِهِ إذَا صَارَ بِهَذَا الْحَدِّ، فَهَذَا وَجْهٌ مِمَّا تُرِكَ الْقِيَاسُ فِيهِ، وَحُكْمٌ مُوجِبٌ الْعِلَّةَ بِالْإِجْمَاعِ.
وَمِمَّا تَرَكُوا الْقِيَاسَ فِيهِ، وَخَصُّوا الْحُكْمَ مَعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ لِعَمَلِ النَّاسِ: مَا ثَبَتَ عِنْدَهُمْ أَنَّ عُقُودَ الْإِجَارَاتِ لَا تَجُوزُ إلَّا بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ، وَكَذَلِكَ قَالَ ﷺ : «مَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَلْيُعْلِمْهُ أَجْرَهُ» فَصَارَتْ أَبْدَالُ الْمَعْلُومِ مِنْ الْمَنَافِعِ كَأَبْدَالِ الْوُجُودِ مِنْ الْأَعْيَانِ، فِي بَابِ اعْتِبَارِ كَوْنِهَا مَعْلُومَةً فِي الْعَقْدِ.
وَكَذَلِكَ قَالُوا - إذَا اسْتَأْجَرَ عَبْدًا أَوْ دَارًا -: إنَّ الْحَاجَةَ إلَى مَعْرِفَةِ الْمُدَّةِ كَهِيَ إلَى مِقْدَارِ الْأُجْرَةِ، فَلَمْ يُجِيزُوهَا بِأَجْرٍ مَجْهُولٍ، وَلَا عَلَى مُدَّةٍ مَجْهُولَةٍ.
فَلَوْ لَزِمُوا هَذَا الِاعْتِبَارَ وَأَعْطَوْا الْعِلَّةَ حَقَّهَا مِمَّا يَقْتَضِيه مِنْ الْحُكْمِ وَيُوجِبُهُ، لَوَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ لِلْإِنْسَانِ دُخُولُ الْحَمَّامِ حَتَّى يُبَيِّنَ مِقْدَارَ مَا يُعْطِي مِنْ الْأُجْرَةِ، وَمِقْدَارَ لُبْثِهِ فِي الْحَمَّامِ، وَمَا يَصُبُّ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْمَاءِ، إلَّا أَنَّهُمْ تَرَكُوا الْقِيَاسَ فِي ذَلِكَ، وَاتَّبَعُوا عَمَلَ النَّاسِ، وَإِجَازَتَهُمْ لَهُ.
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ: عَمَلَ النَّاسِ: أَنَّ السَّلَفَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَعُلَمَاءِ التَّابِعِينَ قَدْ كَانُوا يُشَاهِدُونَ النَّاسَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، فَلَمْ يَظْهَرْ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ نَكِيرٌ عَلَى فَاعِلِهِ، فَصَارَ ذَلِكَ إجَازَةً مِنْهُمْ لَهُ،
стр. 1149
وَإِقْرَارًا لَهُمْ عَلَيْهِ، إذْ كَانُوا هُمْ الْآمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّاهِينَ عَنْ الْمُنْكَرِ، كَمَا وَصَفَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، فَصَارَ ذَلِكَ أَصْلًا بِنَفْسِهِ خَارِجًا عَنْ مُوجِبِ الْقِيَاسِ الَّذِي وَصَفْنَا.
وَنَحْوُ ذَلِكَ أَيْضًا: قُعُودُ الْإِنْسَانِ فِي سِمَايَةٍ وَإِعْطَاءِ الْمَلَّاحِ مَقْطَعَةً مِنْ غَيْرِ شَرْطِ مَوْضِعِ الْعُبُورِ وَلَا بَيَانِ مِقْدَارِ مَا يُعْطِيه. وَمِثْلُهُ أَيْضًا: شِرَاءُ الْبَقْلِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، مِمَّا يُعْطِي فِيهِ مَقْطَعَةٍ، فَيَأْخُذُهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ لِمِقْدَارِ مَا يَأْخُذُ أَوْ يُعْطَى.
وَكَذَلِكَ أَجَازُوا أَنْ يَشْتَرِيَ أَرْطَالَ لَحْمٍ مِمَّا بَيْنَ يَدَيْ الْقَصَّابِ، فَيُعْطِيَ الدَّرَاهِمَ وَيَأْخُذَ اللَّحْمَ
وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ، حَتَّى يُسَمَّى فِيهِ شَيْئًا بِعَيْنِهِ، إلَّا أَنَّهُمْ تَرَكُوا الْقِيَاسَ لِمَا وَصَفْنَا.
وَمِنْ نَظَائِرِ ذَلِكَ: الِاسْتِصْنَاعُ، وَهُوَ: أَنْ يَسْتَصْنِعَ عِنْدَ الرَّجُلِ خُفَّيْنِ، أَوْ نَعْلَيْنِ، أَوْ قَلَنْسُوَةً، أَوْ نَحْوَهَا، وَيُسَمِّي الثَّمَنَ، وَيَصِفُ لَهُ الْعَمَلَ.
فَكَانَ الْقِيَاسُ عِنْدَهُمْ أَنْ لَا يَجُوزَ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ.
كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ خُفًّا مَوْصُوفًا، أَوْ قَلَنْسُوَةً، أَوْ نَحْوَهَا، مِمَّا لَيْسَ عِنْدَهُ، إلَّا أَنَّهُمْ تَرَكُوا الْقِيَاسَ فِيهِ، وَأَجَازُوهُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ عَمَلِ النَّاسِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَّا.
وَأَمَّا تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ بِالْقِيَاسِ، فَنَحْوُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - فِي رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا عَلَى أَنْ يَعْتِقَهُ: إنَّ الشِّرَاءَ فَاسِدٌ إنْ أَعْتَقَهُ، فَإِنَّ الْقِيَاسَ أَنْ يَلْزَمَهُ الْقِيمَةُ، لِوُقُوعِ الْبَيْعِ عَلَى فَسَادٍ.
стр. 1150
وَمَتَى أَعْتَقَ الْمُشْتَرِي الْعَبْدَ الْمُشْتَرَى شِرَاءً فَاسِدًا بَعْدَ الْقَبْضِ، كَانَ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ، فَلَوْ أَجْرَى حُكْمَ الْعَبْدِ الْمَشْرُوطِ عِتْقُهُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ لَوَجَبَتْ الْقِيمَةُ. إلَّا أَنَّهُ تَرَكَ هَذَا الْقِيَاسَ، وَقَاسَ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَصْلٍ آخَرَ ثَابِتٍ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا، وَهُوَ: الْعِتْقُ عَلَى مَالٍ.
فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَجُلٍ: اعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَأَعْتَقَهُ لَزِمَهُ الْأَلْفُ، وَعَتَقَ الْعَبْدُ عَنْ الْمُعْتَقِ عَنْهُ.
وَكَذَلِكَ قَدْ يَجُوزُ عِتْقُ الْعَبْدِ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ مُلْزِمَةٍ فِي نَفْسِهِ، فَأَشْبَهَ شَرْطَ عِتْقِ الْعَبْدِ فِي الْبَيْعِ الْمُعْتَقِ عَلَى مَالٍ.
وَفَارَقَ سَائِرَ الشُّرُوطِ سِوَاهُ، مِثْلُ شَرْطِهِ فِي الْجَارِيَةِ عَلَى أَنْ يَتَّخِذَهَا أُمَّ وَلَدٍ فَيَسْتَوْلِدَهَا الْمُشْتَرِي، فَيَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا دُونَ الثَّمَنِ الْمَشْرُوطِ. إذْ لَمْ يَكُنْ لِإِثْبَاتِ الِاسْتِيلَادِ عَلَى مَالٍ أَصْلٌ يُوجِبُ تَخْصِيصَ الْقِيَاسِ الْأَوَّلِ، فَبَقِيَ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ فِي الْبِيَاعَاتِ الْفَاسِدَةِ، إذَا تَصَرَّفَ فِيهَا الْمُشْتَرِي وَكَانَتْ الشُّرُوطُ الْمُفْسِدَةُ، لِلْبُيُوعِ مُقْتَصَرًا بِهَا عَلَى مَا عَدَا الْعِتْقِ
стр. 1151
[بَابُ الْقَوْلِ فِي تَخْصِيصِ أَحْكَامِ الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ]
ِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: تَخْصِيصُ أَحْكَامِ الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ جَائِزٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا. وَعِنْدَ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَأَبَاهُ بِشْرُ بْنُ غِيَاثٍ، وَالشَّافِعِيُّ. وَاَلَّذِي حَكَيْنَاهُ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ، أَخَذْنَاهُ عَمَّنْ شَاهَدْنَاهُمْ مِنْ الشُّيُوخِ الَّذِينَ كَانُوا أَئِمَّةَ الْمَذْهَبِ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ يَعْزُونَهُ إلَيْهِمْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَّا، يَحْكُونَهُ عَنْ شُيُوخِهِمْ الَّذِينَ شَاهَدُوهُمْ، وَمَسَائِلُ أَصْحَابِنَا وَمَا عَرَفْنَاهُ مِنْ مَقَالَتِهِمْ فِيهَا تُوجِبُ ذَلِكَ.
وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِنَا وَشُيُوخِنَا أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ مَذْهَبِهِمْ، إلَّا بَعْضَ مَنْ
стр. 1152
كَانَ هَهُنَا بِمَدِينَةِ السَّلَامِ فِي عَصْرِنَا مِنْ الشُّيُوخِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَنْفِي أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ مِنْ مَذَاهِبِهِمْ. وَلَهُ مَنَاكِيرُ - فِي هَذَا الْبَابِ - فِي أَجْوِبَةِ مَسَائِلِهِمْ، لَا تُخَيَّلُ عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى رِيَاضَةٍ بِفِقْهِهِمْ، إنْ كَانَ مَا يَحْكِيه لَيْسَ مِنْ مَقَالَتِهِمْ. نَحْوُ قَوْلِهِ فِي جَوَازِ الْوُضُوءِ بِنَبِيذِ التَّمْرِ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ: إنَّ أَبَا حَنِيفَةَ إنَّمَا أَجَازَ ذَلِكَ فِي تَمْرٍ أُلْقِيَ فِي مَاءٍ فَلَمْ يَسْتَحِلْ نَبِيذًا، وَكَانَ حُلْوًا، وَإِنَّ نَبِيذَ التَّمْرِ الْمَطْبُوخِ الْمُسْتَحِيلِ إلَى حَالِ الشِّدَّةِ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ عِنْدَهُ.
وَمَذَاهِبُهُمْ فِي تَخْصِيصِ أَحْكَامِ الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يَدْفَعَهُ إنْكَارُ مُنْكِرٍ، وَلَعَمْرِي إنَّهُ يُمْكِنُ حَصْرُ الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ فِي جَمِيعِ مَسَائِلِ الِاسْتِحْسَانِ الَّتِي خَصَصْنَا عِلَلَهَا بِمَعَانٍ لَا يَلْزَمُ عَلَيْهَا التَّخْصِيصُ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ دَفْعُ الْمَذَاهِبِ بِجَوَازِ مَا وَصَفْنَا.
وَتَقْيِيدُ الْعِلَّةِ مِمَّا لَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ التَّخْصِيصُ. كَقَوْلِ أَصْحَابِنَا فِي عِلَّةِ تَحْرِيمِ النَّسَاءِ: إنَّهَا وُجُودُ أَحَدِ وَصْفَيْ عِلَّةِ تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ، فَمَتَى أَطْلَقْنَا (الْعِلَّةَ) عَلَى هَذَا الْحَدِّ احْتَجْنَا إلَى تَرْكِ الْحُكْمِ، مَعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، إذَا أَسْلَمَهَا فِي سَائِرِ الْمَوْزُونَاتِ، فَيَكُونُ فِيهِ تَخْصِيصٌ مِنْ جُمْلَةِ مُوجِبِ الْعِلَّةِ.
وَلَوْ قَيَّدْنَاهَا بِأَنْ قُلْنَا: إنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِ النَّسَاءِ هِيَ: وُجُودُ أَحَدِ وَصْفَيْ عِلَّةِ تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِي غَيْرِ جِنْسِ الْأَثْمَانِ، كَانَ حُكْمُهَا حِينَئِذٍ جَارِيًا مَعَهَا مَوْجُودًا بِوُجُودِهَا، وَلَا تُوجَدُ فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ عَارِيَّةً مِنْ إيجَابِ حُكْمِهَا.
وَكَذَلِكَ لَوْ قُلْنَا فِي الِابْتِدَاءِ: إنَّ الْعِلَّةَ أَحَدُ وَصْفَيْ عِلَّةِ تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِيمَا يَتَعَيَّنُ، لَمْ يَلْزَمْنَا عَلَيْهَا التَّخْصِيصُ، لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ لَا تَتَعَيَّنَانِ بِالْعُقُودِ عِنْدَنَا.
وَاسْتِعْمَالُ التَّقْيِيدِ وَحَصْرُ الْعِلَلِ بِمَا لَا يَلْزَمُ عَلَيْهَا التَّخْصِيصُ مُمْكِنٌ فِي سَائِرِ الْعِلَلِ الَّتِي خَصُّوا أَحْكَامَهَا، إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يُعْزَى إلَيْهِمْ مَا لَيْسَ مِنْ مَقَالَتِهِمْ، لِأَجْلِ إمْكَانِ ذَلِكَ، (وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ) .
стр. 1153
[بَابُ الِاحْتِجَاجِ لِمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ]
ُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: الْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْعِلَلَ الشَّرْعِيَّةَ لَيْسَتْ عِلَلًا مُوجِبَةً لِأَحْكَامِهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ أَمَارَاتٌ مَنْصُوبَةٌ لِإِيجَابِ أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ، وَسُمِّيَتْ عِلَلًا مَجَازًا، تَشْبِيهًا لَهَا بِالْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ الْمُوجِبَةِ لِأَحْكَامِهَا. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِأَحْكَامِهَا: جَوَازُ وُجُودِهَا عَارِيَّةً مِنْهَا، وَلَوْ كَانَتْ مُوجِبَةً لَاسْتَحَالَ وُجُودُهَا عَارِيَّةً مِنْهَا، كَالْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ، لَمَّا كَانَتْ مُوجِبَةً لِأَحْكَامِهَا اسْتَحَالَ وُجُودُهَا عَارِيَّةً. فَلَمَّا وَجَدْنَا الْمَعَانِيَ الَّتِي سَمَّيْنَاهَا عِلَلًا لِأَحْكَامِ الْحَوَادِثِ قَدْ كَانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، غَيْرَ مُوجِبَةٍ لِهَذِهِ الْأَحْكَامِ، ثَبَتَ أَنَّهَا غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِأَحْكَامِهَا، وَإِنَّمَا وَجَبَ الْأَحْكَامُ بِهَا مِنْ حَيْثُ جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى أَمَارَاتٍ لَهَا. أَلَا تَرَى: أَنَّ مَا جَعَلَهُ الْقَائِسُونَ عِلَلًا لِتَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ، قَدْ كَانَ مَوْجُودًا فِي تِلْكَ الْأَصْنَافِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلتَّحْرِيمِ، فَعَلِمْنَا بِذَلِكَ: أَنَّهَا لَمْ تُوجِبْ هَذِهِ الْأَحْكَامَ بِأَنْفُسِهَا، وَأَنَّ الْأَحْكَامَ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ حَيْثُ جُعِلَتْ أَمَارَةً لَهَا. فَلَا يَمْتَنِعُ إذَا كَانَ هَذَا عَلَى مَا وَصَفْنَا: أَنْ يُجْعَلَ عَلَامَةً فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ، وَفِي مَوْضِعٍ دُونَ مَوْضِعٍ، كَمَا جَازَ أَنْ يَجْعَلَهُ أَمَارَةً لِلْحُكْمِ، بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، وَهَذَا حُكْمٌ جَارٍ فِي كُلِّ مَا يَجُوزُ فِيهِ النَّسْخُ وَالتَّبْدِيلُ.
стр. 1154
أَلَا تَرَى: أَنَّ الْمَيْتَةَ الْمُحَرَّمَةَ مَعَ قِيَامِ حُكْمِ التَّحْرِيمِ فِيهَا، لَمْ يَمْتَنِعْ إبَاحَتُهَا فِي حَالِ الضَّرُورَةِ، لِأَجْلِ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمُ التَّحْرِيمِ لِنَفْسِ الْمَيْتَةِ. أَلَا تَرَى: أَنَّ الْمَيْتَةَ قَدْ كَانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ (مَجِيءِ) الشَّرْعِ غَيْرَ مُحَرَّمَةٍ، وَإِنَّمَا الْحَظْرُ تَنَاوَلَهَا بِمَجِيءِ الشَّرْعِ، ثُمَّ جَازَ تَخْصِيصُ حَظْرِهَا بِحَالٍ دُونَ حَالٍ، كَذَلِكَ الْعِلَلُ الشَّرْعِيَّةُ هِيَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ، لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا أَنْكَرْت أَنَّهَا مَتَى صَحَّتْ عِلَّةً وَأَمَارَةً لِلْحُكْمِ، فَوَاجِبٌ أَنْ لَا يَخْتَلِفَ حُكْمُهَا وَحُكْمُ الْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ فِي بَابِ امْتِنَاعِ جَوَازِ التَّخْصِيصِ فِيهَا، لِأَنَّ طَرِيقَ اسْتِدْرَاكِهَا وَالْوُصُولِ إلَيْهَا دُونَ السَّمْعِ: إنَّمَا هُوَ الْعَقْلُ. قِيلَ لَهُ: هَذَا غَلَطٌ، لِأَنَّ وُرُودَ السَّمْعِ لَمْ يُخْرِجْهَا عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ كَوْنِهَا غَيْرَ مُوجِبَةٍ لِأَحْكَامِهَا، لِأَنَّ مَا لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا لِلْحُكْمِ بِنَفْسِهِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَرِدَ السَّمْعُ بِأَنَّهُ مُوجِبٌ لَهُ لِنَفْسِهِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ: فَحُكْمُهَا بَعْدَ وُرُودِ السَّمْعِ، كَهُوَ قَبْلَ وُرُودِهِ فِي هَذَا الْمَعْنَى، فَوَاجِبٌ إذًا أَنْ يَعْتَبِرَهَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الْحُكْمِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا، فِي كَوْنِهَا عَلَامَةً لِلْحُكْمِ وَأَمَارَةً لَهُ، عَلَى مَا بَيَّنَّا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّهُ لَمَّا كَانَ طَرِيقُ اسْتِدْرَاكِهَا بَعْدَ وُرُودِ السَّمْعِ: الْعَقْلَ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ بِمَنْزِلَةِ الْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ، فَغَيْرُ مُوجِبٍ لِمَا ذُكِرَ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَعَانِيَ الْمَعْقُولَةَ مِنْ الْمَسْمُوعَاتِ طَرِيقُ مَعْرِفَتِهَا الْعَقْلُ أَيْضًا، لِأَنَّ مَنْ لَا يَعْقِلُ لَا يَعْلَمُهَا، وَلَا يَصِلُ إلَى حَقِيقَةِ مَعْنَاهَا، ثُمَّ لَمْ يَمْتَنِعْ جَوَازُ التَّخْصِيصِ عَلَيْهَا، فَكَذَلِكَ هَذِهِ الْعِلَلُ. وَإِنْ كَانَ طَرِيقُ اسْتِدْرَاكِهَا بَعْدَ وُرُودِ السَّمْعِ: الْعَقْلُ، فَإِنَّ حَظَّ الْعَقْلِ مِنْهُ إنَّمَا هُوَ
стр. 1155
لِلْإِيصَالِ إلَى الْعِلْمِ بِكَوْنِهَا أَمَارَةً لِلْحُكْمِ، ثُمَّ الْعَقْلُ هُوَ الَّذِي يُجِيزُ تَخْصِيصَهُ، كَمَا يُجِيزُ تَخْصِيصَ الْمَسْمُوعِ نَفْسِهِ. أَوَلَا تَرَى: أَنَّ هَذِهِ الْمَعَانِيَ قَدْ كَانَتْ مَعْقُولَةً مِنْ جِهَةِ الِاسْتِنْبَاطِ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَجْلِهِ أَمَرَ مُعَاذًا بِالِاجْتِهَادِ فِيمَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ الْحَوَادِثِ ثُمَّ لَمْ يَمْتَنِعْ مَعَ ذَلِكَ جَوَازُ وُرُودِ النَّسْخِ وَالتَّخْصِيصِ عَلَيْهَا، وَعَلَى أُصُولِهَا الْمَسْمُوعَةِ، وَلَمْ تَصِرْ مِنْ أَجْلِ مَا ذَكَرْت بِمَنْزِلَةِ الْعِلَلِ (الْعَقْلِيَّةِ) الَّتِي لَا يَجُوزُ عَلَيْهَا التَّبْدِيلُ. فَبَانَ بِمَا وَصَفْت سُقُوطُ هَذَا السُّؤَالِ، وَصَحَّ أَنَّ كَوْنَهَا مُسْتَنْبَطَةً مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ لَا يَمْنَعُ مِنْ جَوَازِ التَّخْصِيصِ فِيهَا. دَلِيلٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ عِلَلَ الشَّرْعِ لَمَّا كَانَتْ عَلَامَاتٍ وَسِمَاتٍ لِلْأَحْكَامِ عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ بَيَانِهَا، صَارَتْ كَالْأَسْمَاءِ الَّتِي هِيَ سِمَاتٌ وَأَمَارَاتٌ لِلْمُسَمَّيَاتِ. فَمِنْ حَيْثُ جَازَ أَنْ يُعَلَّقَ الْحُكْمُ (بِالِاسْمِ) فَيَكُونُ دَلَالَةً عَلَيْهِ، وَعَلَامَةً لَهُ، ثُمَّ جَازَ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ الِاسْمُ بِعَيْنِهِ عَلَمًا لِحُكْمٍ آخَرَ غَيْرِهِ، مِثْلُ تَحْرِيمِ اللَّهِ تَعَالَى الْعَمَلَ عَلَى الْيَهُودِ يَوْمَ السَّبْتِ، وَكَانَ اسْمُ السَّبْتِ عَلَمًا لِلتَّحْرِيمِ، ثُمَّ أَبَاحَهُ لَنَا، فَصَارَ ذَلِكَ الِاسْمُ بِعَيْنِهِ عَلَمًا لِلْإِبَاحَةِ، وَجَازَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ تَخْصِيصُهَا، مِنْ حَيْثُ جَازَ عَلَيْهَا النَّسْخُ وَالتَّبْدِيلُ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ الْعِلَلُ الَّتِي هِيَ دَلَالَاتُ الْأَسْمَاءِ، هِيَ جَارِيَةٌ مَجْرَاهَا فِي بَابِ جَوَازِ التَّخْصِيصِ عَلَيْهَا، حَسَبَ جَوَازِهِ فِي الْأَسْمَاءِ، مِنْ حَيْثُ لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يَنْصِبَ اللَّهُ تَعَالَى الْأَوْصَافَ الَّتِي هِيَ عِلَلٌ أَعْلَامًا، لِلْإِبَاحَةِ تَارَةً، وَلِلْحَظْرِ أُخْرَى، عَلَى حَسَبِ إيجَابِهِ فِي الْأَسْمَاءِ الَّتِي مِنْهَا اقْتَضَتْ هَذِهِ الْعِلَلُ.
فَلَمَّا جَرَتْ هَذِهِ الْعِلَلُ مَجْرَى الْأَسْمَاءِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ (حُكْمُهَا حُكْمَهَا) ، فِي بَابِ جَوَازِ التَّخْصِيصِ عَلَيْهَا، كَجَوَازِهَا فِيهَا، فَيَكُونُ الْمَعْنَى الْجَامِعُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَنْصِبَهُ اللَّهُ تَعَالَى تَارَةً عَلَمًا لِلْحَظْرِ، وَتَارَةً عَلَمًا لِلْإِبَاحَةِ.
стр. 1156
وَجِهَةٌ أُخْرَى: وَهِيَ أَنَّ عِلَلَ الشَّرْعِ لَمَّا كَانَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى السَّمْعِ، ثُمَّ جَازَ تَخْصِيصُ الْمَسْمُوعِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ، فَالْفَرْعُ الَّذِي هُوَ مَبْنِيٌّ (عَلَيْهِ أَوْلَى) بِالْجَوَازِ، إذْ كَانَ الْأَصْلُ آكَدُ مِنْ الْفَرْعِ. أَلَا تَرَى: أَنَّ رَادَّ الْمَسْمُوعِ نَفْسَهُ يَسْتَحِقُّ التَّكْفِيرَ، وَرَادَّ الْعِلَلِ الْمُسْتَنْبَطَةِ لَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ، فَعَلِمْتَ أَنَّ الْمَسْمُوعَ آكَدُ فِي بَابِ ثُبُوتِهِ مِنْ الْعِلَلِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنْهُ. فَمِنْ حَيْثُ جَازَ تَخْصِيصُ الْمَسْمُوعِ، كَانَ تَخْصِيصُ عِلَلِهِ الَّتِي هِيَ فَرْعٌ لَهُ أَوْلَى بِذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: لَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ الْعِلَلِ فِيمَا وَصَفْتَ بِالْأَسْمَاءِ، لِأَنَّ الِاسْمَ إنَّمَا جَازَ فِيهِ التَّخْصِيصُ، لِأَنَّ مَا يَبْقَى بَعْدَ التَّخْصِيصِ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ (عِبَارَةً عَنْهُ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ هَذَا الِاسْمُ) عِبَارَةً عَنْ الْبَاقِي بَعْدَ التَّخْصِيصِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْعِلَلِ، لِأَنَّ الْعِلَلَ إنَّمَا تَعَلَّقَ بِهَا الْحُكْمُ لِوُجُودِهَا، وَمَتَى لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ تَكُنْ عِلَّةً. قِيلَ (لَهُ) : قَدْ رَضِينَا بِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ إنْ كُنْتَ مِمَّنْ تَعْقِلُ مَعَانِيَ الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ.
فَنَقُولُ: إنَّهُ لَمَّا جَازَ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ مِنْ حَيْثُ صَلُحَ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ عِبَارَةً عَنْ الْبَاقِي بَعْدَ التَّخْصِيصِ (جَازَ أَيْضًا تَخْصِيصُ الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ، مِنْ حَيْثُ صَلُحَ أَنْ تَكُونَ أَمَارَةً لِلْبَاقِي بَعْدَ التَّخْصِيصِ) أَلَا تَرَى: أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ تُجْعَلَ الْعِلَّةُ أَمَارَةً فِي مَوْضِعٍ دُونَ مَوْضِعٍ، كَمَا جَازَ فِي الِاسْمِ، فَلَوْ جَعَلْنَا ذَلِكَ ابْتِدَاءً دَلِيلٌ عَلَى قَوْلِنَا صَحَّ الِاسْتِدْلَال بِهِ.
стр. 1157
وَأَمَّا قَوْلُهُ: (إنَّ) الْعِلَّةَ إنَّمَا تَعَلَّقَ بِهَا الْحُكْمُ بِوُجُودِهَا، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَائِلَهُ لَا يَعْرِفُ مَعَانِيَ الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ، وَأَنَّهُ إنَّمَا ظَنَّهَا فِي مَعْنَى الْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ. أَنَّهَا بِوُجُودِهَا تَقْتَضِي مُوجِبَاتِ أَحْكَامِهَا، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ كَمَا ظَنَّ لَمَا جَازَ وُجُودُهَا عَارِيَّةً مِنْ أَحْكَامِهَا، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ تَخْصِيصَ الِاسْمِ إنَّمَا يَجُوزُ مِنْ حَيْثُ جَازَ فِيهِ الِاسْتِثْنَاءُ مَقْرُونًا بِاللَّفْظِ، فَجَرَتْ دَلَالَةُ التَّخْصِيصِ مَجْرَى لَفْظِ الِاسْتِثْنَاءِ. كَذَلِكَ لَا يَمْتَنِعُ إطْلَاقُ الْعِلَّةِ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَنُقِيمُ الدَّلَالَةَ عَلَى تَخْصِيصِهَا. وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الْعِلَلِ الْمُسْتَنْبَطَةِ، لَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِلَلِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا. إذْ كَانَتْ كُلُّهَا أَمَارَاتٍ غَيْرِ مُوجِبَةٍ لِأَحْكَامِهَا الَّتِي تَعَلَّقَتْ بِهَا. وَأَكْثَرُ مُخَالِفِينَا يُجِيزُونَ تَخْصِيصَ الْعِلَلِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا، وَيُنْتَقَضُ (بِهِ عَلَيْهِمْ) جَمِيعُ مَا يَسْأَلُونَ عَنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَيَتَعَاطَوْنَ الْفَصْلَ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْعِلَّةَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهَا مَعْقُولٌ مِنْ جِهَةِ السَّمْعِ، وَالْمُسْتَنْبَطَة لَمْ يُوجِبْهَا السَّمْعُ (وَإِنَّمَا صَحَّتْ بِالِاسْتِنْبَاطِ) ، وَهَذَا لَا يَعْصِمُهُمْ مِمَّا أَلْزَمْنَاهُمْ، مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْمُسْتَنْبَطَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى السَّمْعِ.
فَإِذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهَا فِيمَا لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهَا وَهِيَ مُسْتَخْرَجَةٌ مِنْ النَّصِّ أَوْلَى بِجَوَازِ التَّخْصِيصِ. وَعَلَى أَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، إنَّمَا عَلِمْنَاهُ عِلَّةً لِلْحُكْمِ مِنْ طَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ، لَا مِنْ جِهَةِ النَّصِّ. أَلَا تَرَى: أَنَّ كَثِيرًا مِنْ نُفَاةِ الْقِيَاسِ لَا يَعْرِفُونَهُ عِلَّةً، وَلَا يَعْتَبِرُونَهُ فِيمَا يُوجَدُ فِيهِ، فَإِنَّمَا يَحْتَاجُ أَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَى كَوْنِهِ عِلَّةً، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِمَّا لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ.
стр. 1158
وَمُخَالِفُونَا يُجِيزُونَ تَخْصِيصَ دَلَالَاتِ الْقَوْلِ عِنْدَهُمْ فِي قَوْلِهِمْ: إنَّ الْمَخْصُوصَ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ مَا عَدَاهُ بِخِلَافِهِ، فَالْعِلَّةُ أَوْلَى بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَبْقَى لِلْعِلَّةِ حُكْمٌ فِيمَا لَمْ يَخُصَّ، وَلَا يَبْقَى لِدَلَالَةِ الْقَوْلِ حُكْمٌ فِيمَا خَصُّوهُ، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] . وَنَظَائِرُهُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي بَابِهِ. .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: الْفَرْقُ بَيْنَ تَخْصِيصِ الِاسْمِ وَتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ، أَنَّ مَا يُوجِبُ كَوْنَ الْمَعْنَى عِلَّةً لِلْحُكْمِ وُجُودُ الْحُكْمِ بِوُجُودِهِ، وَارْتِفَاعُهُ بِارْتِفَاعِهِ، فَمَتَى وُجِدَ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْحُكْمِ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً، وَلَيْسَ شَرْطُ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِالِاسْمِ مُسَاعِدَةُ الْحُكْمِ لَهُ حَيْثُمَا وُجِدَ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ اعْتِبَارُ الْعِلَّةِ بِالِاسْمِ. قِيلَ لَهُ: إنَّ دَلَالَةَ صِحَّةِ الْعِلَّةِ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مَوْجُودًا بِوُجُودِهِ، وَمَعْدُومًا بِعَدَمِهِ، فَلَيْسَ كُلُّ خُصَمَائِكَ يُسَلِّمُونَهُ لَك، بَلْ قَدْ حَكَيْنَا فِيمَا سَلَفَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَعْتَبِرُ ذَلِكَ فِي عِلَلِ الشَّرْعِ، وَلَا يَلْزَمُ أَيْضًا مَنْ يَعْتَبِرُ ذَلِكَ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى صِحَّةِ الْعِلَلِ، لِأَنَّهُ يَقُولُ: إنْ هَذَا أَحَدُ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَيْهِ. وَلِتَصْحِيحِ الْعِلَّةِ دَلَائِلُ أُخْرَى مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ. (فَيَقُولُ: إنِّي) أَعْتَبِرُ ذَلِكَ دَلَالَةً عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ، مَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى تَنَافِي الْأَحْكَامِ وَتَضَادِّهَا، فَمَتَى أَدَّى إلَى ذَلِكَ احْتَجْتُ إلَى طَلَبِ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ، كَمَا يَقُولُ مُخَالِفُنَا فِي هَذَا الضَّرْبِ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ: إنَّهُ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْعِلَلِ، مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ، فَإِذَا مَنَعَ مِنْهُ لَمْ يَدُلَّ.
стр. 1159
أَلَا تَرَى: أَنَّهُ يَسْتَدِلُّ عَلَى أَنَّ الشِّدَّةَ فِي الْخَمْرِ عِلَّةٌ لِلتَّحْرِيمِ، ثُمَّ وُجِدَ الْحُكْمُ، بِوُجُودِهَا، وَزَوَالُهُ بِزَوَالِهَا، ثُمَّ قَدْ وَجَدْنَا الشِّدَّةَ فِي الْخَمْرِ يُوجِبُ تَكْفِيرَ مُسْتَحِلِّهَا (وَيَزُولُ كُفْرُ) الْمُسْتَحِلِّ بِزَوَالِ الشِّدَّةِ، وَلَا نَجْعَلُ الشِّدَّةَ عِلَّةً لِتَكْفِيرِ الْمُسْتَحِلِّ لِلنَّبِيذِ، مَعَ وُجُودِ الْحُكْمِ بِوُجُودِهَا، وَارْتِفَاعِهِ بِارْتِفَاعِهَا. وَكَذَلِكَ نَقُولُ: إنَّ وُجُودَ الْحُكْمِ بِوُجُودِ الْمَعْنَى وَارْتِفَاعِهِ بِارْتِفَاعِهَا، عَلَمٌ لِكَوْنِهِ عِلَّةً مَا لَمْ تَقُمْ دَلَالَةُ التَّخْصِيصِ، وَكَمَا نَقُولُ جَمِيعًا فِي الْعُمُومِ: إنَّهُ عَلَمٌ لِلْحُكْمِ مَا لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ دَلَالَةُ الْخُصُوصِ. وَأَيْضًا: فَجَائِزٌ أَنْ يُقَالَ: إنَّ اعْتِبَارَ وُجُودِ الْحُكْمِ بِوُجُودِ الْمَعْنَى وَارْتِفَاعِهِ بِارْتِفَاعِهِ فِي كَوْنِهِ عِلَّةً، إنَّمَا يُسَوَّغُ فِي الْعِلَّةِ الْعَامَّةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا تَخْصِيصٌ، وَأَمَّا مَا قَامَتْ فِيهِ دَلَالَةُ التَّخْصِيصِ فَإِنَّ طَرِيقَ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى صِحَّتِهِ فِي الِابْتِدَاءِ غَيْرُ هَذِهِ الْعِبْرَةِ عَلَى حَسَبِ مَا قَدَّمْنَا مِنْ وُجُوهِ دَلَائِلِ الْعِلَلِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّ الْقَوْلَ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ يُوجِبُ تَكَافُؤَ أَدِلَّةِ الْأَحْكَامِ الْمُتَضَادَّةِ وَتُنَافِيهَا. مِنْ قِبَلِ أَنَّك إذَا اسْتَنْبَطْتَ عِلَّةً فَأَوْجَبْتَ بِهَا حُكْمًا، ثُمَّ جَوَّزَتْ وُجُودَهَا عَارِيَّةً مِنْ الْحُكْمِ، جَازَ لِمُخَالِفِكَ أَنْ يَعْتَبِرَ مَوْضِعَ التَّخْصِيصِ، فَيَجْعَلَهُ أَصْلًا فِي نَفْيِ حُكْمِ عِلَّتِكَ، وَيَسْتَخْرِجَ مِنْهُ عِلَّةً تُوجِبُ مِنْ الْحُكْمِ ضِدَّ مَا أَوْجَبَهُ عِلَّتُكَ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى تَكَافُؤِ الْعِلَّتَيْنِ وَبُطْلَانِهِمَا، فَلَا يَسْتَقِرُّ عَلَى ذَلِكَ تَخْصِيصًا.
قِيلَ لَهُ: الْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قَوْلُ مَنْ لَا يُجِيزُ وُجُودَ ذَلِكَ.
стр. 1160
وَالْآخَرُ: (قَوْلُ) مَنْ يُجِيزُ وُجُودَهُ. (فَأَمَّا) مَنْ (لَا) يُجِيزُ قِيَامَ الدَّلَالَةِ عَلَى صِحَّةِ عِلَّتِهِ مَعَ مُقَاوَمَةِ عِلَّةٍ أُخْرَى بِإِزَائِهَا مُوجِبَةً لِلْحُكْمِ بِضِدِّ مَا يُوجِبُهَا، فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَسْت وَاجِدًا ذَلِكَ أَبَدًا، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ قَالَ: (إنِّي) : أَنْصِبَ عِلَّةً بِإِزَاءِ عِلَّتِكَ أَقِيسُ بِهَا فِي نَفْيِ حُكْمِكَ الَّذِي أَوْجَبَتْهُ عِلَّتُكَ سَاغَ لَهُ ذَلِكَ. وَإِنَّمَا ثَبَاتُ الْعِلَلِ مَوْقُوفٌ عَلَى دَلَائِلِهَا، وَغَيْرُ جَائِزٍ قِيَامُ الدَّلَالَةِ عَلَى تَصْحِيحِ عِلَّتَيْنِ مُتَضَادَّتَيْ الْأَحْكَامِ. وَلَوْ اسْتَدَلَّ خَصْمُنَا بِمِثْلِ دَلِيلِنَا عَلَى صِحَّةِ اعْتِلَالِهِ، كَانَ لَا بُدَّ مِنْ قِيَامِ دَلَالَةٍ تُوجِبُ تَرْجِيحَ أَحَدِهِمَا، هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ (غَيْرُ هَذَيْنِ) الْقَوْلَيْنِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَخْرُجُ مِنْهُمَا، وَلَا بُدَّ (مِنْ) أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ تَعَالَى دَلِيلٌ عَلَى حُكْمِهِ، وَعَلَى صَوَابِ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُكَافِئَهُ مَا لَيْسَ بِدَلِيلٍ. وَعَلَى أَنَّهُ لَوْ لَزِمَنَا ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي سَأَلَ عَنْهُ السَّائِلُ لَلَزِمَ مِثْلُهُ جَمِيعَ الْقَائِسِينَ لِنَفَّاتِ الْقِيَاسِ، لِأَنَّ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا عَلَى هَذَا الْوَضْعِ: نَحْنُ نَنْصِبُ بِإِزَاءِ عِلَلِكُمْ عِلَلًا فِي مُنَافَاةِ مَا أَوْجَبَتْهَا، بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُكُمْ الِانْفِصَالُ مِنْهَا، وَلَا مِنْ أَضْدَادِهَا فِيمَا عَارَضْنَاكُمْ بِهِ. فَيَكُونُ مِنْ جَوَابِنَا جَمِيعًا لَهُمْ: أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَا نَنْصِبُهُ مِنْ الْعِلَلِ بِإِزَاءِ عِلَّتِنَا يَجُوزُ أَنْ
следующие страницы →