← Тараджим

Тараджим · id 678

نور القبس

اليغموري

Полный текст (128 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بسم الله الرحمن الرحيم وبه أستعين الحمد لله وصلواته على خير خلقه أجمعين وآله وصحبه الطاهرين. وبعد فهذا علقته انتخابا من كتاب الشهاب القبس من المقتبس تأليف الشيخ الحافظ أبي عُبيد الله محمد بن عمران بن موسى المرزباني ﵀ في أخباره النحاة والقراء والرواة. انتخبه الشيخ الامام نجم الدين بشير بن أبي بكر حامد بن سليمان الجعفري التبريزي المجاور بمكة حرسها الله تعالى وقال: الباعث عليه أمران أولها استفادتي منه ساعة بعد ساعة وثانيهما إفادة أهليه بغرائبه والنوادر التي فيه، فقد سمعت مشيختنا يقولون: لا يوجد من هذا الكتاب نسخة سوى الأصل الذي هو بخط المصنف، وهو ثمانية عشر مجلدا في وقف الوزير نظام الملك في مدرسته بمدينتة السلام حماها الله تعالى، وقال: وقد حذفت الأسانيد والطرق وما لا يتعلق ولم أخل ترجمة منه غير أني أذكر أحاسن ما ذكر، وبالله التوفقيق والعصمة في حُسن الاختار. في الحث على تعلم العلم وتقويم اللسان قال ﵇: أعربوا القارآن والتسوا غرائبه. وقال عُمر الخطاب ﵁: تعلموا العربية فإنها تُنبت العقل وتزيد في المروة. وقال علي ﵇: عليكم السلام: عليكم بالعربية والشعر فإنها يحلان عُقدتين من اللسان العُجبمة والدكنة. وقالت عائشة ﵂: تعلموا الشعر فإنه يُعرب ألسنتكم. وقال عبد الملك بن مروان: اللحن في الرجل السري كاجدري في الوجه الحسن. وقال لبنيه: اطلبواالعلم فإن استغنيتم كان لكم جمالا وإن افتقرتم كان لكم مالا. وقال أبو الحراج العقيلي: تعلموا العلم فإنكم إن كنتم ملكوكا فقتم، وإن كنتم أوساطاً سُدتم، وإن أعوزتم عشتم. وكان عُمر بن عبد العزيز يُؤدب أولاده ورعيته على اللحن. وكتب كاتب لأبي موسى إلى عمر ﵄: من أبو موسى. فكتب عمر أن اضربه سوطا واعزله عن عَمَلك! قال رجل للحسن: يا أبو سعيد! فقال له: كسب الدوانيق شغلك عن أن تقول: يا ابا سعيد! ثم قال: تعلموا الفقه للاديان والطب للابدان والنحو للسان. وقال الضحاك بن رمل: شهدت سليمان بن عبد الملك يعرض الخيل بدابق، فقام إله رجل وقال: أصلح لله الأمير! إن أبينا هلك فوثب أخانا وأخذ مالنا. فقال سليمان: فلا رحم الله! قال سليمان: دعوه! فلو كان تارك اللحن ترك االساعة. ودخل على عبد العزيز بن مروان رجل يشكو صهراً فقال: إن خَتَني فَعَلَ كذا وكذا. فقال له عبد العزيز: ومن خَتَنَك؟ قال: الختان الذي يختن الناس. فقال عبد العزيز لكاتبه: ويحك! بم أجابني؟! فقال أيها الامير، إنك لحنت! وهو لا يعرف اللحن، كان ينبغي أن تقوا: من خَنَتُك؟ فاشتغل عبد العزيز حنى صار من أفصح الناس، وكان يُعطي على العربية ويحرم على اللحن. كان الرجلُ يأتيه، فيقول له: ممن أنت؟ فيقول: من بني فلان. فيقول لكاتبه: أعطيه مائتي دينار! ودخل عليه رجل من عبد الدار فقال له: ممن أنت؟ فقال: من بنو عبد الدار. فقال هل: تجدها في جائزتك! فأمر له بمائة درهم. ودخل أبو عمرو بن العلآء دار القُطن، فرأى على أعدال التجار مكتوباً: لأبو فلان. فقال: ياعجباً أيَلْحَنون ويَرْبَحون؟! وقال الحجاج ليحيى بن يعمر: أسمِعتني ألحن؟ قال: الأمير أفصح الناس! ثم اعاد عليه، فقال: نعم، حرفا واحدا! قال: أين؟ قال: في القرآن قال: ذلك اشنع! فما هو؟ قال: قرأت (قُلْ إِنْ كَانَ أَبَاؤُكُمْ وأَبناؤُكًمْ) إلى قوله (أَحب إِلَيْكُم) قرأت: احب، بالرفع كأنه لما طال الكلام نسيت ما ابتدأت به. فقال له الحجاج: لاجرم، لا تسمع ذلك مني أبدا! وألحقه بخراسان، وكان بها يزيد بن المُهلب فاستكتبه، فكتب: عن يزيد بن المهلب إلى الحجاج، إنا لقينا العدو، ففعلنا واضطررناهم إلى عُرعرة الجبل. فقال الحجاج: ما لابن المهلب ولذا الكلام؟ فقيل له: إن ابن يَعمر هناط. قال: ذاك إذا!. ابتدآءُ امر النَحْو ومن تكلم فيه

стр. 2

كان علي بن أبي طالب ﵁ قد رسم لأبي الأسود الدُؤلي حروفاً يعلمها الناس لما فسدت ألسنُتهم، فكان لا يحب أن يظهر ذلك ضنا به بعد علي ﵁. فلما كان زياد وجه إليه أن اعملشيئاً تكون فيه إماما وينتفع به الناسُ، فقد كنت شرعت فيه لتصلح ألسنة الناس! فدافع بذلك حتى مر يوما بكلاء البصرة، وإذا قارى يقرأ (أَنَّ ألله بَرِيء مِنَ المشرِكِينَ وَرَسُوِله) وفي آخرين، حتى سمع رجلا قال: سقطت عصاتي. فقال: لا يحل لي بهد هذا أن أترك الناس. فجاء إلى زياد فقال: أنا أفعل ما أمر به الأمير، فلبغ لي كاتباً حصيفا ذكيا يعقل ما أقول. فأتي بكاتب من عبد القيس فلم يَرضه، فأتي بآخر من ثقيف، فقال له أبو الأسود: إذا رأيتني قد فتحت فمي بحرف فانقط نقطة على ألاه، إذا ضَممتُ فمي فانقُط نُقطة بين يدي الحرف، وإذا كسرت فاضجَعلِ النُقطة تحت الحرف، فإذا أتبعتُ ذلك عُنَّةً، فاجعل النقطة نقطتين. ففعل. فهذا نقطُ أبي الأسود، وعمل الرفع والنصب والجر. واختلف الناي إليه يتعلمون العربية. وكان ابرع أصحابه واحفظهم عنه عنبسة، فلما مات وكان ألقنهم عنه ميمُون الأقْرَنُ أخذ الناس عنه، فلما مات وكن اكثر الناس أخذا عنه عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي مولى الحضارمة أخذوا عنه، وهو أول من بعج النحو ومد القياس والعلل. وكان معه أبو عمرو العلآء. قال سماك بن حرب: لا أظنُ فيهم أحدا أتم فهما ولا أحسن عقلا من أبي إسحاق؛ فنجم من اصحابه عيسى بن عمر الثقفي، ونجم من أصحاب عيسى الخليل بن أحمد الفراهيدي. قال شعبة: ولا أظن أنه كان فيهم مثله ولا أكمل منه. وأخذ عن الخليل عمر بن عثمان بن قنبر مولى بني الحارث بن كعب وهو سيبويه؛ وأخذ عن سيبويه أبو الحسن الأخفش أبو عثمان المازني، ولا أعلم أن أحد ضبط عنه ظبطه. فأما خلف الأحمر فأخد النحو عن عيسى بن عُمر، وأخذ اللغة عن أبي عمرو. وجمع بلال بن أبي بردة بين ابن أبي إسحاق وابي عمرو بالبصرة، وهو يومئذ والٍ عليها، ولاه خالد بن عبد الله القسري أيام هشام بن عبد الملك. قال يونس: قال أبو عمرو: فغلبني ابن أبي إسحاق بالهمز يومئذ، فنظرت فيه بعد ذلك وبالغتُ فيه. وأخذ يونس حبيب عن أبي عمرو، وكان مع ابن أبي إسحاق وأبي عمرو مَسْلَمَةُ بن عبد الله بن سعد بن محارب الفهري وهو مسلمة النحو، كان ابن أبي إسحاق خاله؛ وكان معهم حماد بن الزبرقان، وكان يونس يُفضله في النحو. ومدح الفرزدق يزيد بن عبد الملك بأبيات فيها: مُسْتَقْبِلِينِ شمال الشامِ تَضِربُنا ... بحاصب كنديف القطن منْثُور على عَمائمِنا يُلقَى وأَرْحُلنا ... على زَواحِف تُرْجَى مُخُّها رير قال ابن أبي إسحاق: أخطأت، أنما هي ريرُ، وكذلك قياس النحو في هذا الوضع. قال يونس: والذي قال جائز حسنٌ. فلما ألُّحو على الفرزدق قال: " زواحف نُزجيها محاسير ". قال التوزي: يقال: رير ورار وهو المخ الرقيق، وكيح الجبل أسفله، وقيدٌ رُمح وقاد رمُح. من اخبار العلماء والنحاة والرواة من اهل البصرة ١ - من أخبار أبي الأسْوَد هو أبو الأسود ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل بن يعمر بن حلس - ويقال حُلَيس - بن نُفاثة بن عدي بن الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. قال يونس: الدُول في بني حنيفة ساكنة الواو، والديل في عبد القيس ساكنة الياء، والدُؤل مهموز في بني كنانة رهط أبي الأسود. وقال عيسى بن عمر: الدُئلي بكسر الهمز والقياسُ الفتح. - أدرك أبو الأسود حياة رسول الله ﷺ ، قال: وُلدتُ عام الفتح. وهاجر الى البصرة على عهد عمر بن الخطاب، واستعمله عليٌّ على البصرة خلافة لعبد الله بن العباس، وكان شيعةً له، وهو شاعر مجيد مكثر، وعنه أخذ يحيى بن يعمر.

стр. 3

قال أبو الأسود: دخلت يوماً على علي بن أبي طالب، فرأيته مطرقاً يُفكر، فقلت: مالي أراك ياأمير المؤمنين مفكراً؟ فقال: قد سمعت من بعض مَنْ معي لحناً، وقد هممت أن أصنع كتاباً أجمع فيه كلام العرب. فقلتُ: إن فعلت ذلك أحييت قوماً وأبقيت العربية في الناس. فألقى إليَّ صحيفة فيها الكلامُ كلُّه: اسم وفعل وحرف، فالاسم مادلَّ على المسمى، والفعل مادلَّ على الحركة، والحرف ماجاء لمعنى ليس باسم ولافعلٍ. فاستأذنته في أن أضع في نحو ماصنع شيئاً أعرضه عليه، فأذن لي؛ فألفت كلاماً وأتيته به، فزاد فيه ونقص، وكان هذا اصل النحو. قال ابن الأعرابي: الفصحاء في الإسلام أربعة: أبان بن عثمان والحسن بن يسار البصري وأبو الأسود الدُؤْلي وقبيصة بن جابر الأسدي. - وكتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي موسى الأشعري وهو على البصرة: أما بعد، فتفقهوا في الدين، وتفهموا العربية، وأحسنوا عبارة الرؤيا، وليعلم أبو الأسود أهل البصرة الإعراب، وعلموا أولادكم العوم الدرية، وألقوا الرُكب، وأنزوا على الخيل نزوا! - الرُكب جمع ركاب - وقيل: إن أبا الأسود أتى ابن عباس فقال: إني أرى ألسنة العرب قد فسدت، فأردت أن أضع لهم شيئاً يقيمون به ألسنتهم. قال: لعلك تريد النحو، أما إنه حق، وأستعين بسورة يوسف ﵇. - وقال الشعبي: قاتل الله أبا الأسود! ماكان أعف أطرافه وأحضر جوابه! كان استعمل عليّ أبا الأسود على البصرة وزياداً على الديوان والخراج، فبلغ أن زياداً يطعن عليه عند علي، فقال: رأيت زياداً ينتحيني بشره ... وأعرضُ عنه بادٍ مقاتله وكلٌّ امرئٍ، والله بالناس عالمٌ ... له عادةٌ قامت عليه شمائله تعوَّدها فيما مضى من شبابه ... كذلك يدعو كُلَّ أمرٍ أوائله ويُعجبه صّفحي له وتحملي ... وذو الجهل يجزي الفحش من لايعادله ولما هلك عليّ ﵇ قال أبو الأسود: ألا أبلغ معاوية بن حربٍ ... فلا قرَّت عيون الشامتينا أفي الشهر الحرام فجعتمونا ... بخير الناس طُراً أجمعينا قتلتم خير من ركب المطايا ... وخيَّسها ومن ركب السفينا ومن لبس النعال ومن حذاها ... ومن قرأ المثاني والمئينا إذا استقبلت وجه أبي حُسين ... رأيت البدر راق الناظرينا لقد علمت معد حيث كانت ... بأنك خيرها حسباً ودينا ولما حمل عبيد الله بن زياد ولد الحسين بن علي ﵁ وحرمه إلى يزيد بن معاوية شيَّعهم جمعٌ من أهل الكوفة، فلما بلغوا النجف وقفوا لتوديعهم، فأنشأت أم كلثوم بنت عليّ بن أبي طالب: ماذا تقولون، إنْ قال النبي لكم: ... ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم بأهل بيتي وأنصاري ومحرمتي ... منهم أسارى وقتلى ضُرجوا بدمِ ماكان هذا جزائي إذ نصحت لكم ... أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي والشعر لأبي الأسود. - قال: (رَبَّنا ظَلْمنا أنْفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) . وقال أبو الأسود: أترجو أمَّةٌ قتلت حُسيناً ... شفاعة جده يوم الحساب وأرسل معاوية إلى زياد رسولاً فهما في أمر أراده فقال: سترى عنده أبا الأسود الدؤلي شيخاً عليه عمامة سوداء، يجلس عن يمينه، لايتقدمه عنده أحدٌ في الكلام، فقل له: أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول لك: خبرني عن قولك: يقول الأرذلون بنو قُشير: ... طوال الدهر لاتنسى عليا أحِبُّ محمداً حُباً شديداً ... وعبَّاساً وحمزة والوصيا أُحبهم لحُب الله حتى ... أجيءَ إذا بُعثت على هويّا هوىً أعطيته منذ استدارت ... رحى الإسلام لم يعدل سويا وما أنسى الذي لاقى حسينُ ... ولاحسن بأهونهم عليا بنو عم النبي وأقربوه ... أحب الناس كلهم إليا فن يك حبهم رشدنا ... ولست بمخطيءٍ إن كان غيا

стр. 4

أشككت في حبهم أرُشد هو أم غيٌّ؟ فلما حضر عند زياد قال لأبي الأسود ذلك، فقال أبو الأسود: قل له: ماكنت أحب إلا تعلم أني متحقق متيقن في حبهم أنه رشد، فإن الله قال: (وإنا أو إياكم لعلى هُدى أو في ضلال مبين) ، أفيرى الله شك في ضلالتهم ولكنه حققه بهذا عليم؟! ولما وقعت الفتنة بالبصرة في أيام ابن الزبير مر أبو الأسود على مجلس بني قشير فقال: يابني قشير، على ماذا اجتمع رأيكم في هذه الفتنة؟ قالوا: ولم تسألنا؟ قال: لأخالفه، فإن الله لايجمعكم على هدى! - وأنشد عمر في هذا المعنى: إذا اشتبه الأمران يوماً وأشكلا ... عليَّ ولم أعرف صواباً ولم أدر سألت أبا بكر خليلي محمداً ... فقلت له: ماتستحب من الأمر فإن قال قولاً قلت خلافه ... لأن خلاف الحق قول أبي بكر وقال زياد لأبي الأسود: كيف حبك لعلي؟ قال؛ حبي يزداد له شدة كما يزداد بغضك له شدة، ويزداد لمعاوية حبا، وأيم الله إني لأريد بما أنا فيه الآخرة وما عند الله، وإنك لتريد بما أنت فيه الدنيا وزخرفها، وذلك زائل بعد قليل! فقال له زياد: إنك شيخ قد خزفت، ولولا أني أتقدم إليك لأنكرتني. فقال أبو الأسود: غضب الأمير بأن صدقت وربما ... غضب الأمير على البري المسلم ودخل أبو الأسود على معاوية، فقال له: أصبحت جميلاً ياأبا الأسود، فلو علقت تميمة تدفع عنك العين! فقال أبو الأسود وعرف أنه يهزأ به: أفنى الشباب الذي فارقت بهجته ... كر الجديدين من آت ومنطلق لم يتركا لي في طول اختلافهما ... شيئاً أخاف عليه لذعة الحدق قد كنت أرتاع للبيضاء أنظرها ... في شعر رأسي وقد أيقنت بالبلق والآن حين خضبت الرأس فاقني ... ما كنت التذ من عيشي ومن خلقي وقال زياد لأبي الأسود: لولا أنك قد كبرت لاستعنا بك في بعض أمورنا. فقال: إن كنت تريدني للصراع فليس عندي، وإن كنت تريد رأيي وعقلي فهو أوفر مما كان. وأنشأ يقول: زعم الأمير بأن كبرت وربما ... نال المكارم من يدبُّ على العصا أأبا المغيرة رُبَّ أمر مبهمٍ ... فرَّجته بالمكر مني والدَّها مر عبيد الله بن زياد على أبي الأسود وعليه ثياب رثة يكثر لبسها، فقال: إلا تستبدل بجبتك هذه؟ فقال: رب مملولٍ لايستطاع فراقه! فأرسل إليه عبيد الله ثمانين ثوبا - وقيل: مائة -، فقال أبو الأسود: كساك ولم تستكسه فاشكرن له ... أخُ لك يعطيك الجميل وناصر وإن أحق الناس إن كنت شاكراً ... بشكرك من أعطاك والوجه وافر وقال أبو الأسود لابنه: يابني، إذا كنت في قوم فحدثهم على قدر سنك، وسائلهم على قدر محلك، ولاترتفع عن الواجب فتستثقل، ولا تنحط عنه فتحتقر! وإذا أوسع الله عليك فابسط، وإذا أمسك عليك فأمسك، ولاتجاود الله ، فالله أجود منك! - وزوّج ابنتيه فقال لإحداهما: يابنية، أكرمي أنف زوجك وعينيه وأذنيه! يريد: لايشم منك إلا طيبا ولايرى إلا جميلا ولايسمع إلا حسنا. وقال للأخرى: يابنية، أمسكي عليك الفضلين! يريد: فضل النكاح وفضل الكلام. - وقال لأولاده: أحسنت إليكم كباراً وصغاراً وقبل أن تولدوا! قالوا: أحسنت إلينا صغارا وكبارا، فكيف قبل أن نولد؟ قال: طلبت لكم النسيب كيلا تعيروا. وقيل له: من أكرم الناس عيشا؟ قال: من حسن عيش غيره في خيره. فمن أسوأ الناس عيشا؟ قال: من لايعيش في عيشه أحد. - وقال: البلاغة سلاطة اللسان. وقيل: مارضيته الخاصة وفهمته العامة. وقال: ليس شيءٌ أعز من العلم، وذاك لأن الملوك حكام على الناس والعلماء حكام على الملوك. وقال: العلم زين وتشريف لصاحبه ... فاطلب هديت فنون العلم والأدبا لاخير فيمن له أصل بلا أدب ... حتى يكون على ما زانه حدبا كم من حسيب أخيٍ عيٍ وطمطمة ... فدم لدى القوم معروق إذا انتسبا في بيت مكرمة أباؤه نجب ... كانوا رؤوساً فأمسى بعدهم ذنبا وخامل مقرف الأباء ذي أدب ... نال المعالي بالآداب والرتبا

стр. 5

أضحى عزيزاً عظيم الشأن مشتهراً ... في خده صعر قد ضل محتجبا العلم كنز وذخر لانفاد له ... نعم القرين إذا ما صاحب صحبا قد يجمع المرء مالاً ثم يسلبه ... عما قليل فيلقى الذل والحربا وجامع العلم مغبوط به أبدا ... ولا يحاذر منه الفوت والسلبا يا جامع العلم نعم الذخر تجمعه ... لاتعدلن به درّا ولاذهبا وقال: وإذا وعدت الوعد كنت كغارم ... ديناً أقرّ به وأحضر كاتبا حتى أنفذه كما وجهته ... وكفى عليَّ له بنفسي طالبا وإذا منعت منعت منعاً بيتنا ... وأرحت من طول العناء الراغبا لاأشتري الحمد القليل بقاؤه ... يوما بذم الدهر أجمع واصبا وقال: إذا لم يكن للمرء عقل فإنه ... وإن كان ذا مال على الناس هين وإن كان ذا عقل أجل لعقله ... وأفضل عقل عقل من يتدين وقال: وعدد من الرحمان فضلا ونعمة ... عليك إذا ماجاء للخير طالب وأن أمرا لايرتجى الخير عنده ... يكن هيناً ثقلاً على من يصاحب أرى دولاً هذا الزمان بأهله ... وبينهم فيه تكون النوائب فلا تمنعن ذا حاجة جاء طالباً ... فإنك لاتدري متى أنت راغب وإن قلت في شيء نعم فأتمه ... فإن نعم دين على الحر واجب وإلا فقل: لا، واسترح وأرح بها ... لكيلا يقول الناس: إنك كاذب إذا كنت تبغي شيمة غير شيمة ... جبلت عليها لم تطعك الضرائب تخلق أحيانا إذا ما أردتها ... وخلقك من دون التخلق غالب وقال: إا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ... ففاض ففي صدري لسري متسع إذا فات شيء فاصطبر لذهابه ... ولاتتبعن الشيء إن فاتك الجزع ففي اليأس عما فات عزٌ وراحة ... وفيه الغنى والفقر ياضافي الطمع إذا صاحبا وصل بحبل تجاذبا ... فمل قواه أوهن الحبل فانقطع ولاتحفرن بئراً تريد أخا بها ... فإنك فيها أنت من دونه تقع وكلُّ امرئ يبغي على الناس ظالماً ... تصبه على رغم عواقب ما صنع وذكرت العمائم عنده، فقال: العمامة خير ملبوس: جنة في الحروب وواقية في الأحداث، مسكنة من الحر ومدفئة من البرد، وقار في الندي وزيادة في القامة، وهي تعد من تيجان العرب. وقال لابن قيس الرقيات: وما خصلة قد تذل الرجال ... بأسوأ وأخزى من المسأله فإن مت ضراً فلا تسألن ... أخا الجهل من ماله خردله فترجع من عنده نادماً ... وتقطع من كفك الأنمله وإن هو أعطاك مجهوده ... فليس بأعطى من المكحله وقال: وما طلب المعيشة بالتمني ... ولكن ألق دلوك في الدلاء تجئك بملئها يوماً ويوما ... تجئ بحماة وقليل ماء ولاتقعد على كسل التمني ... تحيل على المقادر في القضاء فإن مقادر الرحمان تجري ... بأرزاق العباد من السماء مقدرة بقبض أو ببسط ... وعجز المرء من سبب البلاء وبعض الرزق في دعة وخفض ... وبعض الرزق يكسب بالعناء بينا أبو الأسود يوماً في طريق إذ لقيته امرأة لها رواء، فقالت: يا أبا الأسود، هل لك فيّ؟ قال: ومن أنت؟ قالت: فلانة ابنة فلان. فعرفها فتزوجها؛ فلما مضت عليه أيام استكتمها سرا، فأفشته، فنهاها، ثم عادت لمثل مانهاها، فقال لها: أصنعي طعاما وابعثي إلي إخوتك حتى يأتوك! فلما جاؤوا وأكلوا وقف أبو الأسود عليهم وقال: أرأيت امرأ كنت لم أبله ... أتاني فقال: اتخذني خليلا فخاللته ثم صافيته ... فلم أستفد منه يوماً فتيلا فعاتبته ثم ناقرته ... عتاباً رفيقاً وقولاً جميلا فألفيته حين خاللته ... خؤون الأمانة خبا بخيلا

стр. 6

ألست حقيقاً بهجرانه ... وإسماع أذنيه هجراً طويلا قالوا: بلى والله، من كان كذلك فهو محقوق بهذا. فقال: هي أختكم، خذوا بيدها! وطلقها. وخاصمت أمرأة أبي الأسود أبا الأسود في ولدها إلى معاوية - وكان معاوية قد حج المدينة، وكان أبو الأسود كبيراً عنده يقرب مجلسه ويسأله عن أشياء، فيقول فيها بعلم - فقالت: أصلح الله أمير المؤمنين، أمتع به! إن الله جل وعز جعلك خليفة في البلاد، ورقيبا على العباد، يستسقى بك المطر، ويستنبت بك الشجر، ويؤمن بك الخائف، ويردع بك الحائف، فأنت الخليفة المصطفى، والأمير المرتضى، فأسأل الله النعمة من تغيير، والبركة من غير تقتير، فقد ألجأني إليك - ياأمير المؤمنين - أمر، ضاق به عني الهم، ولينصفني من الخصم، وليكن ذلك على يديه، وأنا أعوذ بعد لك من العار الوبيل، والأمر الجليل، الذي يستتر على الحرائز ذوات البعول. فقال لها معاوية: من هذا الذي شعرك بشناره؟ فقالت: أمر طلاق كان من بعل غادر، لاتأخذه من الله مخافة، ولايجد بأحد رأفة. قال: ومن بعلك؟ قالت: هو أبو الأسود. فالتفت معاوية إليه وقال: أجق ماتقول هذه المرأة؟ قال: إنها لتقولن من الحق بعضا، وليس يطيق أحدُ عليها تقضا، أما ما ذكرت من طلاقها فهو حق، وسأخبرك عن ذلك بصدق، أما والله ما طلقتها لريبة ظهرت، ولامن هفوة حضرت، كرهت شمائلها، فقطعت حبائلها. قال: وأي شمائلها كرهت؟ قال: إنك مهيجها علي بلسان شديد، وجواب عتيد. قال: لابد لك من مجاوبتها، فأردد عليها قولها عند محاورتها. قال: هي ياأمير المؤمنين كثيرة الصخب، دائمة الذرب، مهينة للأهل، مؤذية للبعل، إن ذكر خير دفنته، وإن ذكر شر أذاعته، تخبر بالباطل، وتطير مع الهازل، ولاتنكل من صخب، ولايزال منها زوجها في تعب. فقالت: أما والله لولا حضور أمير المؤمنين، ومن حضره من المسلمين، أرددت عليك بوادر كلامك بنوادر تردع كل سهامك. فقال معاوية: عزمت عليك لما أجبته! فقالت: ياأمير المؤمنين، هو والله سؤول جهول، ملحاح بخيل، إن قالفشر قائل، وإن سكت فذو ضغائن، ليث خبيث مأمن ثعلب حين يخاف، شحيح حين يضاف، إن ألتمس الجود عنده انقطع، لما يعلم من لؤم أبائه، وقصور بنائه، ضيفه جائع، وجاره ضائع، لايحمي ذمارا، ولايضرم نارا، ولايرى جوارا، أهون الناس عليه من أكرمه، وأكرمهم عليه من أهانه. فقال معاوية: ما ر أيت أعجب من هذه المراة! أنصرفي إليَّ رواحا! فلما كان العبثي جاءت، ومعاوية يخطب. فقال أبو الأسود: اللهم أكفني شرها! قالت: قد كفاك الله شري، وأرجو أن يعيذك من شر نفسك! فقال معاوية: مارأيت أعجب من هذه المرأة! فقال أبو الأسود: ياأمير المؤمنين، إنها تقول من الشعر أبياتا، فتجيدها. قال: فتكلف أنت لها أبياتا، لعلك أن تقهرها بالشعر. فقال أبو الأسود: مرحبا بالتي تجور علينا ... ثم أهلا بحامل محمول أغلقت بابها علي وقالت: ... إن خير النساء ذات البعول شغلت قلبها عليَّ فراغا ... هل سمعتم بفارغ مشغول فقالت تجيبه: ليس من قال بالصواب وبالحق ... كمن جار عن منار السبيل كان حجري فناءه حين يضجي ... ثم ثديي سقاءه بالأصيل لست أبغي بواحدي ياابن حرب ... بدلا ما رأيته والجليل وفي رواية أنها قالت: إن هذا يريد أن يغلبتي على ابني، وقد كان بطني له رعاء، وثديي له سقاء، وحجري له فناء. فقال أبو الأسود: أبهذا تريدين أن تغلبيني على ابني، فوالله لقد حملته قبل أن تحمليه، ووضعته قبل أن تضعيه. فقالت: ولاسواء إنك حملته خفا وحملته ثقلا، ووضعته شهوة ووضعته كرها. فقال معاوية: ليس من غذاه طفلا صغيرا ... وسقاه من ثديه بالخذول هي أولى به وأقرب رحما ... من أبيه، وفي قضاء الرسول أنه ما حنث عليه ورقت ... هي أولى بذا الغلام الجميل فدفعه معاوية إليها. اشترى أبو الأسود جارية - يقال لها صلاح - لتخدمه، فطمعت فيه وأقبلت تتطيب وتتعرض لفراشه، فأنشأ يقول: أصلاح إني لاأريدك للصبا ... فذري التشكل حولنا وتبدَّلي إني أريدك للعجين وللرحا ... ولحمل قربتنا وغلي المرجل

стр. 7

إذا تروح ضيف أهلك أو غدا ... فخذي التأهب نحو آخر مقبل وقال له رجل: إنك والله ظريف لفظ، وظرف علم، ووعاء حلم، غير أنك بخيل. فقال: وما خير ظرف لايمسك مافيه؟! - وسلّم أعرابي عليه فقال: كلمة مقولة. قال: أتأذن في الدخول؟ قال: وراءك أوسع عليك! قال: هل عندك شئٌ يؤكل؟ قال: نعم. قال: أطعمني! قال: عيالي أحق به! قال: مارأيت ألأم منك! قال: نسيت نفسك! - وكان يقول: ليس السائل الملحف مثل الردّ الجامسّ أي الجامد. وكان أبو الأسود قد أتخذ دكاناً على باب داره بقدر مجلسه، لايسع غيره وغير طبق يكون بين يديه يأكل منه، فإذا مرّ به مار فسلم عليه عرض عليه طعامه، فينظر فلايرى لنفسه موضعاً، فيدعو له وينصرف. فمر به أعرابي وهو يأكل، فدعاه، فأجابه وأقبل يأكل معه وهو قائم؛ فلما اشتد عليه القيام أخذ الطبق فوضعه في الأرض وقال له: إن كان لك في الطعام حاجة فانزل وكل! وأقبل الأعرابي يأكل، وأبو الأسود ينظر إليه ويتغيظ، ثم قال: ماأسمك، يأعرابي؟ قال: لقمان. فقال: لقد أصاب أصلك اسمك! ثم أنشأ يقول: أنظر الى جلسته ومطه ... ولقمه مبادراً وغطه ولفه رقاقه ببطه ... كأن جالينوس تحت ابطه وسأله رجل فمنعه، فقال: ماأصبحت حاتمياً! قال: بلى أصبحت حاتمياً من حيث لاتدري! أليس حاتم الذي يقول: أماويَّ إما مانعٌ فمبين ... وأما عطاءٌ لاينهنهه الزجر وكانت له ناحية من عبد الله بن عامر، فأنكر بعض شأنه ورأى منه جفوة، فقال أبو الأسود: ألم تر مابيني وبين ابن عامر ... من الود قد بالت عليه الثعالب وأصبح ماقد كان بيني وبينه ... كأن لم يكن، والدهرُ فيه العجائب فقلت: تعلم أن صرمك جاهرا ... ووصلك عنه شقةٌ متقارب فما أنا بالباكي عليك صبابة ... ولا بالذي تأتيك مني المثالب إذا المرء لم يحببك إلا تكرها ... فذلك من أخلاقه ما يغالب فللنأي خير من دنو على أذى ... ولاخير فيمن خالفته الضرائب كان أبو الأسود صديقا لحوثرة بن مسلم عامل إصبهان، فخرج إليه، فلم يحفل به حوثرة، فكتب إليه: إنك اليوم امرؤ محتقرٌ ... خصَّه الله بلؤم وضعه يسأل الناس ولا يعطيهم ... هبلته أمه ما أخضعه لاتؤاخ الدهر خبا راضعاً ... ملهب الشد سريع المنزعه خفق النعل إذا ماقلته ... واحذرن مخزاته في المجمعه لايكن برقك برقا خلباً ... إن خير البرق ما الغيث معه لاتشوبن بحق باطلا ... إن في الحق لذي الدين سعه أولها: سل خليلي ماالذي غيَّر لي ... وده والنصح حتى ودعه لاتهني بعد إذ أكرمتني ... فشديد عادةٌ منتزعه فلما قرأها أعياه جوابه. فعرضه على جماعة شعراء، فلم يجترؤا على أبي الأسود، فأجابه عنه عطية بن حمزة بأبيات لم يلتفت إليها، فأجابه أبو الأسود: ألم تر أني والتكرم شيمتي ... وكلُّ أمرىٍ جارٍ على ماتعودا أطهر أثوابي من الغدر والخنا ... وأنجو إذا ماكان خيرا وأنجدا أعود على المولى إذا زال حلمه ... بحلمي وكان الحلم أبقى وأحمدا وكنت إذا المولى بدا لي غشه ... تجاوزت عنه وانتظرت به غدا لتحكمه الأيام أو غيره ... عليَّ ولم أبسط لساناً ولايدا فحمل إليه حوثرة مائة درهم. ولما كبر أبو الأسود كان يكثر الركوب، فقيل له: قد كبرت، فلو تودعت ولزمت منزلك! فقال: صدقتم! ولكن الركوب يشد بضبعي، وأسمع من الخير مالاأسمع في بيتي، وأستنشق الريح وألقى الإخوان، ولو جلست في منزلي اغتم أهلي واستأنس بي الصبي واجترأت عليَّ الخادم، وكلمني من أهلي من كان يهاب كلامي، لإلفهم إياي وجلوسي عندهم. وله: أظل كئيباً لو تشوكك شوكة ... وتفرح لو دهدهت من رأس حالق لشتان مابيني وبينك في الإخا ... صدقتك في نفسي ولست بصادق

стр. 8

أفق عنك لايذهب بك التيه سالماً ... فإنك مخلوق ولست بخالق وكل أخٍ عند الهوينا ملاطف ... ولكنما الإخوان عند الحقائق وقال له رجل وكان حسن المتجرد: أشتهي أن يكون متاعي في سرَّتك! فقال: ياأحمق، إذا يصير جرداني في سبتك! - وقال له رجل: لايبقى إلا الله والعمل الصالح! إن العمل السوء يبقى حتى يخزي صاحبه. ولما ولي حارثة بن بدر الغداني سرق كتب إليه أبو الأسود: أحار بن بدر قد وليت ولاية ... فكن جرذا فيها يخون ويسرق ولاتحقرن ياحار شيئاً فإنما ... يصيبك من مال العراقين سُرقُ وإنك تلقى الناس إما مكذب ... يقول بما يهوى وإما مصدق يقولون أقوالاً ولايبرمونها ... فإن قيل: هاتوا حققوا! لم يحققوا وباه تميما بالغنى إن للغنى ... لساناً به العي الهيوبة ينطق وكن حازما في اليوم إن الذي به ... يجئ غد يومٌ على الناس مطبق ولاتعجزن فالعجز أوطأ مركب ... وماكل من يدعى إلى الخير يرزق إذا مادعاك القوم عدوك آكلا ... فكل حار أوجع لست ممن يحمق وشيع أبو الأسود حارثة بن بدر لما ولاه عبيد الله بن زياد سرق، فلما أراد فراقه قال حارثة: جزاك إله العرش خير جزائه ... فقد قلت معروفاً وأوصيت كافياً أشرت بأمر لو أشرت بغيره ... لألفيتني فيه لرأيك عاصياً ستلقى أخا يصفيك بالود حازما ... ويوليك حفظ العهد إن كان نائياً وأيسر ماعندي المؤاساة مسمحا ... إذا لم تجد يوماً صديقاً مؤاسياً فقال أبو الأسود: إذا نلت الإمارة فاسم فيها ... إلى العلياء بالأمر الوثيق ولاتك عندها حلواً فتحسى ... ولا مراً فتنشب في الحلوق فكل إمارة إلا قليلا ... مغيرة الصديق على الصديق وما استخبأت في رجل خبيئاً ... كدين الصدق أو حسب عتيق ذوو الأحساب أكرم مخبرات ... وأصبر عند نائبة الحقوق مرض أبو الأسود فقيل له: اصبر، فهذا أسر الله! قال: هو، أشد له! - مات ﵀ في الطاعون الجارف سنة تسع وستين، وسنة خمس وثمانون سنة. ٢ - ومن أخبار يحيى بن يعمر العدواني كان من بني عدوان وعداده في بني ليث؛ روى عن ابن عباس وابن عمر وابن مسعود وعائشة، روى عنه قتادة وإسحاق بن سويد وغيرهما من العلماء، وهو من أهل البصرة. - قال عبد الملك بن عمير: أدركت فصحاء العرب ثلاثة: قبيصة بن جابر الأسدي وموسى بن طلحة ويحيى بن يعمر. وقيل: هو أول من نقط المصاحف. قال له الحجاج: أين ولدت؟ قال: بالأهواز. قال: فمن أين لك هذه الفصاحة؟ قال: كان أبي نشأ بتَّوج فأخذت عنه. - وكان الحجاج قد استدعاه من خراسان بسبب كتاب كتبه عن يزيد بن المهلب اعجبته فصاحته فيه، ثم قال له: أسمعتني ألحن؟ قال: نعم، إنك تقصر الممدود وتمد المقصور. - وقيل: تجعل مكان أن إن - فرده إلى خراسان. - وقيل: إنه قال له: يايحيى، أنت الذي تزعم أن ولد علي من فاطمة ولد رسول الله ﷺ ! قال: فقلت: إن آمنتني تكلمت. قال: فأنت آمن، والله لتخرجن من ذلك أو لألقين الأكثر منك شعرا! فقلت: نعم، أقرأ ذلك في كتاب الله أن الله يقول، وقوله الحق: (ووهبنا لهُ إسحق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمن وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزي المحسنين، وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كلٌ من الصالحين) . وعيسى كلمة الله وروحه، ألقاها إلى العذراء البتول، نسبه الله إلى إبراهيم ﵇، فجعله من ذرية إبراهيم. قال: مادعاك إلى نشر هذا ذكره؟ قلت: ماأستوجب الله به على العلماء في علمهم، ليبيننه للناس ولايكتمونه. قال: لاتعودن لذكر هذا ونشره! ثم كتب إلى قتيبة: إذا جاءك كتابي هذا فاجعل يحيى بن يعمر على قضائك، والسلام. سأل يزيد بن المهلب يحيى بن يعمر: هل تشرب النبيذ؟ فقال: ما أدعه صباحي ولامسائي ولافيما بينهما! فقال له: أنت مشغول بنبيذك! وعزله.

стр. 9

فمرّ به الفرزدق ذات يوم، فتعبث به يحيى وذكر بعض شعره، وكان يحيى أعلم أهل زمانه بالنحو، فقال له الفرزدق: مرة عند الحجاج تلحنه، ومرة تخبر يزيد بن المهلب بشربك النبيذ، ومرة تتعرض للفرزدق، وما أتى هذا كله إلا من طول لحيتك! فقال يحيى: ياأبا فراس، لو صلح أن نقطع منها مايزيد في لحيتك فعلنا! فقال الفرزدق: ياأحمق، لو أن هذا يكون لما تركك كواسج قومك وعليك منه شئ! فقال: مازحناك، ياأبافراس! قال: نحن جاددناك! إن شئت فزد حتى نزيد. مات يحيى ﵀ في سنة ثلاث وثمانين. ٣ - ومن أخبار نصر بن عاصم الليثي كان ممن أخذ العربية من أبي الأسود وكان فقيها، وقيل أيضاً: إنه أوّل من نقط المصاحف. ٤ - ومن أخبار سعد الرابية هو سعد بن شداد اليربوعي، أخذ النحو من أبي الأسود. وإنما قيل له سعد الرابية لأنه كان يعلم النحو في مكان يقال له رابية بني تميم. قال فيه الفرزدق: إني لأبغض سعداً أن أُجاوره ... ولاأحب بني عمرو بن يربوع قوم إذا غضبوا لم يخشهم أحد ... والجار فيهم ذليل غير ممنوع وكان مضحكاً لزياد. ٥ - ومن أخبار عنبسة بن معدان الفيل كان أبرع أصحاب أبي الأسود. وإنما لقب أبوه بالفيل لأنه كان قد أهدى إلى زياد فيل، فكان يجري عليه في كل يوم عشرة دراهم، فجاء معدان وهو من أهل ميسان، فقال: ادفعوه إلى وخذوا مني في كل يوم عشرة دراهم! فدفعه إليه زياد، فكان يدور به في البصرة ويكتسب به فأثرى. - وادعى إلى مهرة بن حيدان. ٦ - ومن أخبار عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي كان يقال له أعلم أهل البصرة وأعقلهم، فرع النحو وقاسه، وتكلم في الهمز حتى عمل فيه كتاب مما أملاه. كان يقول: قد آذاني هؤلاء الفترخانيون! والفترخة المبالغة في الشئ والتعمق فيه، وأنشد أعرابي: يصد الفترخانيون عني ... كما صدت عن الشرط الجوالي إذا اجتمعوا على ألف وباه ... فيالك من قتال أو جدال اجتمع أبو عمر بن العلاء وعيسى بن عمر وابن أبي أسحاق عند بلال بن أبي بردة، فقال: أنشدوني أنصاف أبيات مكتفية. فأنشد عيسى بن عمر لنمر بن تولب: فكيف ترى طول السلامة يفعل وأنشد عبد الله لحميد بن ثور: وحسبك داءً أن تصح وتسلما وأنشد أبو عمرو لأبي ذؤيب: والدهر ليس بمعتب من يجزع قال عبد الله يوماً عند الحسن: رَعُفْتُ. فقال الحسن: تقول " رعُفتُ " وأنت رأس في العربية؟ قل: رعَفتُ. توفي ابن أبي اسحاق قبل الثلاثين والمائة ﵀. ٧ - ومن أخبار أبي عمرو بن العلاء قال المرزباني: لم يكن أصحابه يعرفون اسمه سنين إجلالاً له، قيل: اسمه كنيته. قال الأصمعي: قلت لأبي عمرو بن العلاء: مااسمك؟ فقال: أبو عمرو. وقيل: إن أسمه زبان وهو أثبت، وقيل: ريان، وقيل: جزء، وقيل: عتيبة، وقيل: العريان وهو الأكثر عند العلماء، واسم أبي العلاء عمار، قال الفرزدق: مازلت أفتح أبواباً وأغلقها ... حتى أتيت أبا عمرو بن عمار حتى أتيت فتى ضخما دسيعته ... مُرّض المريرة حراً وابن أحرار وعمار هو ابن عبد الله بن الحصين بن الحارث بن جلهمة من بني مازن بن مالك ابن عمرو بن تميم. وكان لأبي عمرو ثلاثة إخوة: أبو سفيان - واسمه عيينة - وعمر ومعاذ، وأبو عمرو وأسنهم. وكان يقول: نحن من أهل كازون. - وقال أبو عمرو بن العلاء: إني دعي، فلو كنت مدعيا لادعيت الى من هو أشرف ممن أنا منه. - كان أسمر طوالا ضرب البدن حاد النظر فهما عالما مشدود الثنيتين بالذهب. وقال: إن لأهل الكوفة حذلقة النبط وصلفها، ولأهل البصرة حدة الخوز ونزقها، ولنا دهاء فارس وأحلامها. - قيل: كانت دفاتر أبي عمرو ملأ بيت إلى السقف، ثم انتسك فأحرقها. وكان رأساً في القرآن والحسن حيُّ، وكان من التابعين، لقي أنس بن مالك. ومر الحسن به وحلقته متوافرة والناس عكوف، فقال: من هذا؟ فقالوا: أبو عمر. قالَ: لاإله إلا الله، كاد العلماء أن يكونوا أرباباً! - كان يشتري كلَّ يوم كوزاً بفلس، فيشرب فيه يومه، ثم يتصدق به، ويشتري بفلس ريحاناً فيشمه، ثم يجففه ويخلطه بالأشنان.

стр. 10

وقد قرأ العظيم على عبد الله بن كثير، وعبد الله على مجاهد، ومجاهد على ابنى عباس، وابن عباس على أبي، وقرأ أبي على النبي ﷺ . - قال أبو عمر: كان سعيد بن جبير إذا رآني بمكة قاعداً مع الشباب ناداني: ياأبا عمرو، قم عن هؤلاء وعليك بالشيوخ! وكان أبي قد هرب من الحجاج، فلحق بمكة، فلقيت بها عدة ممن قرأ على النبي ﷺ . - وقال: الرجز والرجس واحد كالأزد والأسد. وقال: الأسارى من شدَّ، والأسرى من كان في أيديهم غير مشدودين. وسأل رجل أبا عمرو حاجة، فوعده بقضائها، فتعذرت عليه بعد أجتهاد، فلقيه الرجل فقال له: قد غمني أن وعدتني وعدا لم تنجزه! فقال له أبو عمر: فمن أحق بالغم أنا أو أنت؟ قال الرجل: أنا المدفوع عن حاجتي. قال أبو عمرو: بل أنا لأني وعدتك وعدا، فأنت بفرح الوعد، وأنا بهم الإنجاز، وبت ليلتك فرحا مسروراً، وبت ليلتي مفكراً مغموماً، ثم عاق القدر عن بلوغ الوطر، فلقيتني مدلا، ولقيتك محتشماً، فأنا أولى بالغم منك. وقال: ماقالت الشعراء في شئ كما قالوا في المشيب، ومابلغوا كنهه. قال الاصمعي: ولقد أجاد النمري حيث يقول " من البسيط ": ماكنت أوفي شبابي كنه غرته ... حتى مضى فإذا الدنيا له تبع وقال أبو عمرو: اتفقوا على أن أشعر الشعراء امرؤ القيس والنابغة وزهير. - وكان يشبه شعر ثلاثة من شعراء الإسلام بشعر ثلاثة من شعراء الجاهلية: الفرزدق بزهير وجرير بالأعشى والأخطل بالنابغة. قيل: فهلا شبهوا جريراً بأمرئ القيس؟ قال: هو بالأعشى أشبه، كانا بازيين يصيدان مابين الكركي إلى العندليب. وشبه شعر زهير بشعر الفرزدق لمتانتهما واعتسارهما، والأخطل بالنابغة لقرب مأخذهما وسهولتهما، وهما مع ذلك لو ضربت بهما الحائط ثلمته! - النابغة وزهير من مضر وامرؤ القيس من اليمن والأعشى من ربيعة. - وقيل للفرزدق: من أشعر الناس؟ فقال: النابغة إذا رهب، وامرؤ القيس إذا ركب، وزهير إذا رغب، والأعشى إذا طرب! أو قال: غضب. - وقال أبو عمرو في ترتيبهم: امرؤ القيس ثم النابغة ثم زهير ثم الأعشى. قال: ثم بعدهم جرير والفرزدق والأخطل. وقال: افتتح الشعر بأمرئ القيس وخُتم بذي الرمة. - وقال: أقسام الشعر تؤول إلى أربعة أركان: فمنه افتخار ومنه مديح ومنه هجاء ومنه نسيب، فأما الافتخار فيسبق الناس إليه جرير في قوله " من الوافر ": إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلَّهم غضابا وأما المديح فبرز فيه جرير على الناس في قوله " من الوافر ": ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح وأما الهجاء فبرز فيه جرير على الناس في قوله " من الوافر ": فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولاكلابا وأما النسيب فبرز فيه جرير على الناس في قوله " من البسيط ": إن العيون التي في طرفها مرض ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا وكان يفضل الأخطل ويقول: لو أدرك من الجاهلية يوماً واحداً ما قدّمت عليه جاهلياً ولاإسلامياً. وقال: ماتساب اثنان إلا غلب ألأمُهما. وقال: عاجلوا الأضياف بالحاضر فإن الضيف متعلق القلب بالسرعة. - وقال يونس: قدم إلينا أبو عمرو طبق رطب، فأكلنا، فرفعت يدي، فقال: كل! فقلت: قد أحسبني. فضحك أبو عمرو وأعجبه ذلك وقال: هذا من قول الله : (جزاء من ربك عطاء حسابا) ! أي كافياً. وقيل له: من أبدع الناس بيتا؟ فقال: الذي يقول " من الرمل ": لم يطل ليلي ولكن لم أنم ... ونفى عني الكرى طيف ألم قيل: من أمدح الناس؟ قال: الذي يقول " من الطويل ": لمست بكفي كفه أبتغي الغنى ... ولم أدر أن الجود من كفه يُعدي فلا أنا منه ماأفاد ذوو الغنى ... أفدت وأعداني فبذرت ماعندي قيل: فمن أغزل الناس بيتاً؟ قال: الذي يقول " من الرمل ": ختم الحُبُّ لها في عنقي ... موضع الخاتم من أهل الذمم والكل لبشار بن برد. - وقال: أرثى بيت قيل قول عبدة في قيس بن عاصم " من الطويل ": فما كان قيس هُلكه هلك واحدٍ ... ولكنه بنيان قومٍ تهدما وقال: أحسن المراثي ابتداء قول " أوس بن حجر في " فضالة بن كلدة العبسي " من المنسرح ": أيتها النفس أجملي جزعا ... إن الذي تحذرين قد وقعا

стр. 11

إن الذي جمَّع السماحة ... والنجدة والبرَّ والتُقى جُمعا الألمعي الذي يظن لك ... الظن كأن قد رأى وقد سمعا قال الصولي: ولاأعرف ابتداء بعد هذه أحسن من أبتداء أبي تمام في مرثيته " من الطويل ": أصم بك الناعي وإن كان أسمعا وقال: ماقالت العرب بيتاً أبرع من قول أبي ذؤيب " من الكامل ": والنفس راغبةٌ إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع وقال: ماقالت أمدح من قول الشاعر " من الطويل ": تراه إذا ما جئته متهللاً ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله وأنشد أبو عمرو لجابر بن رالان وهو أحسن ماوصف به الماء " من الطويل ": أيا لهف نفسي كلما التحت لوحة ... على شربة من ماءٍ أحواض مأرب بقايا نطاف أودع الغيم صفوها ... مصقلة الأرجاء زرق المشارب ترقرق ماء الحسن فيهن والتوت ... عليهن أنفاس الرياح الغرائب قال: ولم أسمع في وصف الماء أحسن من قول امرئ القيس " من الطويل ": فلما استطابوا صب في الصحن نصفه ... وجئ بماءٍ غير طرقٍ ولاكدر بماء سحاب زلَّ عن متن صخرة ... إلى جوف أخرى طيب طعمه خصر وكان يستحسن قول الشاعر " من الطويل ": وتهجره إلا اختلاساً بلحظها ... وكم من محب رهبة الناس هاجر وقال الجرمي: كيف بأبي عمرو لو سمع قول ابن الدمينة " من الطويل ": بنفسي من لابد أني هاجره ... وأني في الميسور والعسر ذاكره ومن قد رماه الناس حتى أتقاهم ... ببغضي إلا ما تجن ضمائره وقال أبو عمرو: وأحسن ماقيل في الصبر " من الطويل ": تقول: أراه بعد عُروة لاهياً ... وذلك رزءٌ ماعلمت جليل فلا تحسبي أني تناسيت عهده ... ولكنَّ صبري يا أميم جميلُ قال الاصمعي: وأنا أقول: أحسن ماقيل في الصبر قول أبي ذؤيب " من الكامل ": وتجلدي للشامتين أريهم ... أني اريب الدهر لاأتضعضع حتى كأني للحوادث مروة ... بلوى المشقر كل يومٍ تقرع وسمع أبو عمرو رجلاً ينشد " من الخفيف ": أصبر النفس عند كل مهم ... إن في الصبر حيلة المحتال لاتضيقن في الأمور فقد ... يكشف غماؤها بغير احتيال ربما تجزع النفوس من الأمر ... له فرجة كحل العقال وكان قد خرج يريد الانتقال وهو مختف من الحجاج فقال: ماالأمر؟ قال: مات الحجاج. قال: فلم أدر بأيهما أنا أفرح بموت الحجاج أم بقوله فرجة؟ وكنا نقول: فرجة من الفرج وغيره. قال الأصمعي: بالفتح من الفرج وبالضم فُرجة الحائط. دخل أبو عمرو على سليمان بن علي، فسأله عن شئ، فصدقه، فلم يعجب ذلك سليمان، فخرج أبو عمرو متعجباً من كساد الصدق عندهم ونفاق الكذب، فقال " من المتقارب ": أنفت من الُّل عند الملوك ... وإن أكرموني وإن قربوا إذا ما صدقتهم خفتهم ... ويرضون مني بأن يكذبوا قال أبو عبيدة: فكنا نرى أن الشعر له. - قال أبو عمرو: وسمعت هاتفاً يقول في بعض الأدوية " من الطويل ": وإن أمرأ دنياه أكبر همه ... لمستمسك منها بحبل غرور وقال عبد الله بن عتمة الضبي يرثي بسطام بن قيس الشيباني لما قتلته ضبة، ويصف قسمته الغنائم في أصحابه إذا أصابها " من الطويل ": لك المرباع منها والصفايا ... وحكمك والنشيطة والفضول قال أبو عمرو: المرباع أن يكون له ربع الغنيمة، والصفايا ما اصطفى لنفسه من الغنيمة، وحكمك يقول: لك أن تحكم في الغنيمة بما أحببت، والنشيطة ما انتشط دون الحي الذي يطلب فيه فهو له، إن شاء قسم لهم وإن شاء أخذ لنفسه، والفضول إذا قسم الغنائم على أصحابه ففضلت فضلة لا تنقسم مثل بعير وبعيرين وثلاثة لايقع فيها قسم فهي له. قال أبو عمرو: فجاء الله بالإسلام بالخمس فأبطل المغانم كلها. وقال: كان لبيد مجبراً والأعشى عدلياً، وأنشد قول لبيد " من الرمل ": من هداه سُبل الخير اهتدى ... ناعم البال ومن شاء أضل وأنشد للأعشى " من المنسرح ": استأثر الله بالوفاء ... وبالعدل وولَّى الملامة الرجلا

стр. 12

وقال أبو عمرو في قول جميل " من الطويل ": رمى الله في عيني بثينة بالقذي ... وفي الغر من انيابها بالقوادح قال: عيناها رقباؤها، وأنيابها ساداتها لاأسنانها التي في فيها، والقوادح الحجارة. وقال أبو عمرو: حضرت الفرزدق وهو يجود بنفسه في سنة عشر ومائة، وقدم جرير من اليمامة، فاجتمع إليه الناس، فما أنشدهم، ولاوجدوه كما عهدوه، فقلت له في ذلك، فقال: أطفأ موت الفرزدق والله جمرتي وأسال عبرتي وقرب مني منيتي. ثم شخص إلى اليمامة، فنعي لنا في شهر رمضان من تلك السنة. وسأل أبو عمرو رؤبة: مالسانح؟ قال: ماولاك ميامنه. قال: مالبارح؟ قال: مولاك مياسره، والذي يأتيك من أمامك النطيح، والذي يأتيك من خافك القعيد. وقال أبو عمرو: خرجت مع جرير إلى الشام نريد هشام بن عبد الملك، فلما قربنا من بساطه طرب جرير، فقال: ياأبا عمرو، أنشدني للمليحي! - يعني كثيرا - فأنشدته " من الطويل ": وأدنيتني حتى إذا ما سبيتني ... بقول يحل العصم سهل الأباطح توليت عني حين مالي حيلة ... وخليت ما خليت بين الجوانح فقال جرير: والله، لولا أني شيخ يقبح بمثلي النخير لنخرت نخرة يسمعها الإمام على سريره! وأتى أبو عمرو ذا الرمة فقال: أنشدني قصيدتك " من البسيط ": مابال عينك منها الماء ينسكب فأنشده إياها إلى قوله " من البسيط ": تصغي إذا شدها بالكور جانحة ... حتى إذا مااستوى في غرزها تثب قال له أبو عمرو: قول عمك الراعي أحسن مما قلت وأثبت، وهي " من المتقارب ": تراها إذا قام في غرزها ... كمثل السفينة أو أوقر ولا تعجل المرء قبل البرو ... ك وهي بركبته أبصر فقال ذو الرمة: الراعي وصف ناقة ملك، وأنا أصف ناقة سوقة. - قال الصولي: يروى أن أعرابياً سمع ذا الرمة ينشد بيته هذا، فقال: سقط والله الرجل. - وما أحسن ماأخذ هذا الإصغاء أبو نواس، فقال يصف الناقة في مدحه الخصيب بن عبد الحميد " من السريع ": وكأنها مصغ لتسمعه ... بعض الحديث بأذنه وقر وقال أبو عمرو: قال رؤبة: ما سمعت بأفخر من قول امرئ القيس " من الطويل ": فلو أ، ماأسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال ولكنما أسعى لمجد مؤثلٍ ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي ولاأنذل ولاأبعد من قوله " من الوافر ": لنا غنم نسوقها غزار ... كأن قرون جلتها عصي فتملا بيتنا أقطا وسمنا ... وحسبك من غني شبع وري ومن شعر أبي عمرو " من البسيط ": هبت تلوم وما أحدثت من حدث ... إلا ولوعا تلافاه بتأنيب أن تحمليني على مالست راكبه ... فقد أردتن كيداً بابن يعقوب وقال أبو عمرو: ماكذبت في شيء قط غير أني زدت في شعر الأعشى " من البسيط ": واستنكرتني وما الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعل وقال أبو عبيدة: قرأت شعر الأعشى على بشار، فقال: هذا البيت كأنه ليس من نفس الأعشى، ولايورد خاطره مثله لأنه أنكر إنكارها ما لا يحب أن ينكر مثله من قولها. فلما قال أبو عمرو هذا علمت أن بشارا أعلم بالشعر وأشد تمييزاً لألفاظه ومعانيه. ومما يروى لأبي عمرو " من الطويل ": ترى المرء يبكيه الذي عاش بعده ... وموت الذي يبكي عليه قريب يحب الفتى المال الكثير وإنما ... لنفس الفتى مما يحب نصيب وأنكر أبو عمرو الوقوف على هاء (ماأغنى عني ماليه) . فقيل له: هي من لغة قربش، أما رأيت قول ابن قيس الرقيات " من الكامل ": إن الحوادث بالمدينة قد ... أوجعتني وقرعن مروتيه وجببتني جب السنام فلم ... يتركن ريشاً في مناكبيه قال الأصمعي: يلحن ابن قيس الرقيات في بيت منها في الندبة حين قال " من الكامل ": تبكيهم أسماء معولة ... وتقول ليلي: وارزيتيه كان ينبغي أن يقول: وارزيتاه! كما تقول: واعماه! واأخاه! وكان أبو عمرو إذا استراب من شئ تمثل بهذين البيتين " من الوافر ": كما قال الحمار ليهم رامٍ ... به عقب البعير وريش نسر حديدة صقيل في عود نبع ... لقد جمعت من شتى الأمر

стр. 13

قال أبو عمرو: أصيب حجر مزبور بقنسرين بالعبرانية، فترجم فإذا فيه " من الوافر ": إذا جار الأمير وصاحباه ... وقاضي الأمريدهن في القضاء فويل ثم ويلُ ثم ويل ... لقاضي الأرض من قاضي السماء قال: وأصيب حجر مزبور بالطالقان، فترجم فإذا فيه " من البسيط ": اليأس عما بأيدي الناس نافلة ... والمال يعجز والأخلاق تتسع لاتجزعن على ما فات مطلبه ... هب قد جظعت فماذا ينفع الجزع قال: وأصيب على باب مدينة من مدائن سليمان بن داود ﵉ حجر مزبور فإذا فيه " من الهزج ": لاتصحب أخا الجهل ... وإياك وإياه فكم من جاهل أردى ... حليماً حين آخاه يقاس المرء بالمرء ... إذا ماهو ماشاه وللشيء من الشيء ... علامات وأشباه وللقلب على القلب ... دليل حين يلقاه قال: ووجد في زمن سليمان بن عبد الملك بدمشق حجر مكتوب فيه بالأعجمية، فترجم فإذا فيه: ياابن آدم، لو رأيت يسير مابقي من أجلك، لزهدت في طويل ماترجو من أملك، ولقصر بك عن حرصك وحيلك، وإنما تلقى ندمك، لو زلت بك قدمك، وفارقك أهلك وحشمك، وانصرف عنك القريب، وودعك الحبيب، فلا أنت في عملك زائد، ولا إلى أهلك عائد، فاعمل ليوم القيامة، قبل الحسرة والندامة! وقال: لقيت أعرابياً فقلت: من أين أنت؟ قال: من عمان. فقلت: صف لي أرضك! فقال: سيف أفيح، وفضاء صحصح، وجبل صلدح، ورجل أصبح. فقلت: فمالك؟ قال: النخل. قلت: فأين أنت عن الأبل؟ قال: إن النخل حملها غذاء، وسعفها ضياء، وجذعها بناء، وكربها صلاء، وليفها رشاء، وخوصها وعاء، وقرؤها إناء. - وقال رجل لأبي عمرو لم سميت الخيل خيلا وإنما هي الدواب؟ فلم يكن عنده جواب. فقال أعرابي حضرهم: سميت خيلاً لاختيالها. أبو عمرو عن أبيه عن أبن عباس أنه قال: إن لكل داخل دهشة فالقوه بالتحية. - وقال أبو عمرو: جنان الدنيا ثلاثة: نهر الأبلة وغوطة دمشق وسغد سمرقند؛ وحشوش الدنيا ثلاثة: هيت وأردبيل وعمان. قال محمد بن سلام: ذاكرت معاوية بن أبي عمرو ببيت جرير: من الوافر ": ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح وقلت: أين هو من بيت الأخطل " من البسيط ": شمس العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا فقال: بيت جرير أسهل وأيسر، وبيت الأخطل أجود وأحكم. - قال الصولي: بيت الأخطل عند من يفهم الشعر وينقده أحسن وأجود قسمة لأن قوله " شمس العداوة حتى يستقاد لهم " قسمة حسنة قائمة بنفسها، ثم قال " وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا " فقابل ورتب وقسَّم؛ وبيت جرير: " الستم خير من ركب المطايا " هو إلى ههنا كالكلام الفارغ، وإنما يستحسن " بطون راح ". ولد أبو عمرو في أول خلافة عبد الملك بن مروان وهو يحارب مصعب بن الزبير. وتوفي سنة خمس وخمسين ومائة وهو ابن تسعين سنة. وكان يقول في مرضه الذي مات فيه: اللهم إن أنزلت بلاءً فأنزل صبرا، وإن وهبت عافية فهب شكرا! - وشخص أبو عمرو من البصرة يريد بيت المقدس، فمات بالكوفة. ودخل يونس بن حبيب على أولاد أبي عمرو معزياً لهم، فقال " من الوافر ": نعزيكم وأنفسنا بمن لا ... نرى شبها له أخرى الزمان والله لو قسم علم أبي عمرو ﵀ وزهده على مائة إنسان لكانوا كلهم علماء زهاداً، والله لو رآه رسول الله ﷺ لسره ماهو عليه. فأجابه معاوية بن أبي عمرو - فإنه كان يلزم مجلسه ويأخذ عنه كثيراً - فقال مرتجلاً " من الرجز ": أنت أبونا بعده وعمنا ... وأنت بعد الله مرجو لنا قد كان قبل الموت وصاك بنا ... فأقض بإقبال علينا حقنا فليس نشكو ما بقيت فقدنا ... عشت لنا كهفاً وعشت بعدنا ولزموا مجلس يونس فما منهم إلا عالم. - وقال معاوية بن أبي عمرو: سألت بلال بن جرير عن لكع، فقال: هو الجحش الصغير في لغتنا، وإلى هذا كان يذهب الحسن البصري. وقعد الناس يبكون على أبي عمرو عند موته، فقال: لاتبكوا عليَّ، أنا مامت لكني قد فنيت! وقيل له: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت كما قال الربيع بن ضبع الفزاري " من المنسرح ":

стр. 14

أصبحت لاأحمل السلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا والذئب أخشاه إن مررت به ... وحدي وأخشى الرياح والمطرا ٨ - ومن أخبار سلمة بن عياش العامري هو مولى بني عامر بن لؤي، وهو من غلمان ابن أبي إسحاق الحضرمي، ولد سنة ثمانين ومات وقد قارب السبعين. قال ولده عبد الله بن سلمة بن عياش: بينا أنا أسير في طرق إصبهان إذا أنا برجل عليه فرو جالس إلى العين في المنزل، فقال لي: ممن الرجل؟ قلت: من أهل البصرة. فقال: أنشدني لأبي نواسكم شيئاً! فإنه لو كشف استه كان أحسن من قوله " من المنسرح ": وجه جنان سراء بستان ... جمع فيه من كل ألوان فأنشدته له " من الكامل ": ممتايه بجماله صلف ... لايستطاع كلامه تيها للحسن في وجناته بدع ... ما إن يمل الدرس قاريها لو كانت الأشياء تعقله ... أجللته إجلال باريها لو تستطيع الأرض لأنقبضت ... حتى يصير جميعه فيها قال: أنشدني غير هذا! فأنشدته " من البسيط ": إن السحاب لتستحيي إذا نظرت ... إلى نداك فقاسته بما فيها حتى تهم بإقلاع فيمنعها ... خوف التسخط من عصيان منشيها قال: أحسن وأجاد! قلت: من أنت؟ قال: أنا كلثوم بن عمرو العتابي. قلت: ألا تنشدني من شعرك؟ فأنشدني " من الكامل ": طمع النفوس مطية الفقر ... وليأسها أدنى إلى الوفر اصبر إذا بدهتك نازلة ... ماعال منقطع إلى الصبر الصبر أنبل ما أعتصمت به ... ولنعم حشو جوانح الصدر ٩ - ومن أخبار مسلمة النحوي هو أبو محارب مسلمة بن عبد الله بن سعد بن محارب الفهري، وهو ابن أخت عبد الله بن أبي أسحاق الحضرمي، وكان مؤدباً لجعفر بن أبي جعفر المنصور، ومضى معه إلى الموصل، وأقام بها حتى مات، فصار علم أهل الموصل من قبله. - قال مسلمة: إن زياداً أول من أتخذ ديوان زمام وخاتما، امتثالا لما كانت الفرس تفعله. - وقال: قال كسرى: ما قرأت كتاب رجلٍ إلا عرفت عقله. ١٠ - ومن أخبار يزيد بن أبي سعيد النحوي قال الجاحظ: كان من الفقهاء المذكورين. وقال يحيى بن معين: هو خراساني من أهل مرو وهو ثقة في الحديث. روى عن عكرمة عن أبن عباس أن رسول الله صلىة الله عليه وسلم بعث سرية، فأسروا قوما ولقوا رجلا، فقال: إني لست منهم، أنا عشقت امرأة منهم أدماء قنواء جسيمة. فكلمها ثم أقبل إلينا، فضربنا عنقه. فجاءت المرأة فوقعت عليه، فسمعنا شهقة فنظرنا فإذا هي ميتة. فلما قدمنا على رسول الله ﷺ أخبرناه بحديثهما، فقال: أما فيكم رجل رحيم؟! ١١ - ومن أخبار أبي بكر الهذلي واسمه سلمان أو سلم، وقيل: سليمان بن عبد الله، وأمه بنت حميد بن عبد الرحمان الحميري. وقال ابن أبي خيثمة: اسمه سلمي بن عبد الله، وكذا قال يحيى بن معين. قال أبو بكر: قال لي الزهري: أيعجبك الحديث؟ قلت: نعم. قال: أما أنه يعجب ذكور الرجال ويكرهه مؤنثوهم! وقال: قال لي الشعبي: أتحب الشعر؟ قلت: نعم. قال: إنما يحبه فحول الرجال ويكرهه مؤنثوهم. - وروى أبو بكر عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: رخص رسول الله ﷺ في شعر الجاهلية إلا القصيدة الحائية لأمية بن أبي الصلت في أهل بدر، وقصيدة الأعشى في ذكر عامر وعلقمة، فإنه نهى عن إنشادهما. وقال أبو بكر: كنا مع الحسن في وليمة ومعنا محمد بن سيرين، فجاؤا بجام فضة - أو قال: صحفة فضة - فيها خبيص. فقال محمد: إليك إليك! فقال الحسن: هلم! فأخذ الصحفة فقلب ما فيها من الخبيص على رغيف، ثم رفع الصحفة وقال: كلوا! - قال: وكنا جلوساً عند الحسن البصري إذ جاء الفرزدق، فتخطى حتى جلس إلى جنبه، فجاء رجل فقال: يا أبا سعيد، الرجل يقول: لاوالله وبلى والله! لايعقد اليمين؟! فقال الفرزدق: لاشئ! فقال الحسن: وما علمك بذلك؟ قال: أوما سمعت ما قلت؟ قال الحسن: وما قلت؟ قال: قلت " من الطويل ": ولست بمأخوذ بشئ تقوله ... إذا لم تعمد عاقدات العزائم

стр. 15

قال: فسكت الحسن. ثم لم يلبث أن جاء رجل فقال: إنما نكون في هذه المغازي فنصيب المرأة ذات الزوج، أفيحل غشيانها ولم يطلقها زوجها؟ فقال: الفرزدق: نعم! أوما سمعت ماقلت؟ قال الحسن: وما قلت؟ قال: قلت " من الطويل ": وذات حليل أنكحتنا رماحنا ... حلالا لمن يبني بها لم تطلق قال: فسكت الحسن. قال: قال لي ابن سيرين: أيُّ بيت قالت العرب أنسب؟ فقلت: لاأدري. فقال: قول يزيد بن معاوية " من الطويل ": إذا سرت ميلاً أو تغيبت ساعة ... دعتني دواعي الحب من آل خالد قال: فذكرت ذلك لمسعر بن كدام، فقال: بل قول كثير " من الطويل ": وما أنصفت أما النساء فبغضت ... إلينا وأما بالنوال فضنت قال: ودخلت على محمد بن سيرين، وقد خدرت رجلاه، وقد نقعهما في الماء وهو يتمثل بقول قيس بن ذريح " من الطويل ": إذا خدرت رجلي تذكرت من لها ... فناديت لبنى باسمها ودعوت دعوت التي لو أن نفسي تطيعني ... لألقيت نفسي نحوها فقضيت فقلت: يا أبا بكر، أتنشد مثلها؟ فقال: يالكع، إنما هو كلام فحسنه حسن وقبيحه قبيح! وقال: قال لي السفاح: بأي شيء بلغ حسنكم مابلغ؟ قال: قلت: ياأمير المؤمنين، جمع كتاب الله وهو ابن اثنتي عشرة سنة؛ فلم يجاوز سورة إلى غيرها حتى يعرف تأويلها وفيما أنزلت، ولم يقلب درهماً في تجارة، ولم يل لسلطان إمارة، ولم يأمر بشء حتى يدعه. فقال: بهذا بلغ الشيخ. وقال أبو بكر الهذلي: اجتمعنا عند أبي لعباس السفاح، ولم يكن من أهل البصرة غيري، وكان من أهل الكوفة محمد بن عبد الرحمان بن أبي ليلى والحجاج بن أرطاة، وحضر الحسن بن زيد. فذكروا أهل البصرة وأهل الكوفة، فقال ابن أبي ليلى: نحن والله، ياأمير المؤمنين. أكثر منهم خراجاًوأوسع أنهاراً. فقال السفاح: ذاك إن رضي أبو بكر. قال: قلت: معاذ الله! وكيف يكون ذلك ولنا السند والهند، وكرمان ومكران، والقرض والفرض، والديار وسعة الانهار؟! فقال ابن أبي ليلى: نحن أكثر منهم فقها، وأغزر علماً، مقر بذلك أهل البصرة لأهل الكوفة، كما أقرّ أهل مكة لأهل المدينة. فقال أبو بكر: هم أكثر أنبياء وأقل أتقياء وأعظم كبرياء، منهم المغيرة الخبيث السريرة وبيان وأبو بيان، وتنبت فيهم الأنبياء، والله ما أتانا إلا نبي واحد ﷺ ، والله ما رأيت بلداً قط أكثر نبياً مصلوباً ولا رأساً مضروباً من أهل الكوفة. فقال الحسن بن زيد: أنتم أصحاب عليّ يوم سرتم إليه لتقتلوه. فقال أبو بكر: نحن والله أصحاب عليّ يوم سرنا إليه لنقتله، فكف الله أيدينا وشوكتنا عنه وعن غيره، وسار إليه أهل الكوفة فقتلوه، فأينا أعظم ذنباً؟! فقال الحجاج بت أرطأة: لقد أخبرني بعض أشياخنا أن أهل البصرة كانوا يومئذ ثلاثين ألفا، فلما ألتقت حلقتا البطان وتناهد النهدان وأخذت الرجال أقرانها فما كانوا إلا كرماد في يوم عاصف. فقال أبو بكر: كيف يكون ذلك وخرجت ربيعة سامعة مطيعة تعين علياً، وخرج الأحنف بن قيس في سعد والرباب وهم السنام الأعظم والجمهور الأكبر يعين علياً؟! ولكن سل هؤلاء كم كان عدتنا يوم استعانوا بنا! فلما التقت حلقتا البطان وتناهد النهدان وأخذت الرجال أقرانها شدخنا منهم في صعيد واحد سبعة آلاف نقتلهم قتل الحمنانن! - يعني القردان الصغار. فقال أبن ابي ليلى: نحن أشرف منهم أشرافا، وأذكر منهم أسلافا، مقر بذلك أبو بكر! فقلت: معاذ الله! هل كان في تميم الكوفة مثل الأحنف ابن قيس في تميم البصرة يقول له الشاعر " من الوافر ": إذا الأبصار أبصرت ابن قيس ... ظللن مهابة منه خشوعا وهل كان في قيس الكوفة مثل قتيبة بن مسلم في قيس البصرة الذي يقول فيه الشاعر " من الخفيف ": كل عام يحوي قتيبة نهبا ... ويزيد الأموال مالا جديدا دوخ السغد بالقنابل حتى ... ترك السغد بالعراء قعودا باهلي قد عصب التاج حتى ... شبن منه مفارق كن سودا وهل كان في أزد الكوفة مثل المهلب في أزد البصرة الذي يقول له الشاعر " من الطويل ": إذا ما خشينا من أمير ظلامة ... أمرنا أبا غسان يوماً فعسكرا وهل كان في بني قيس الكوفة مثل الحكم بن المنذر بن الجارود في قيس البصرة الذي يقول له الشاعر " من الرجز "؟

стр. 16

أنت الجواد بن الجواد المحمود ... سرادق المجد عليك ممدود فانقطعوا كلهم، وضحك السفاح حتى ضرب برجله وقال: والله ما رأيت مثل هذه الغلبة قط. ولما توفيت أمرأة الهذلي وبلغ ذلك المنصور فأمر الربيع الحاجب أن يأتيه ويعزيه عنها، ويقول له: إن أمير المؤمنين موجه الليل بجارية نفيسة لها أدب وظرف وهيئة ومعرفة تسليك عن امرأتك. فلم يزل أبو بكر يتوقع ذلك فلم يره، وأنسيه المنصور، ثم حج وأبو بكر معه، فقال وهو بالمدينة: إني أحب أن أطوف الليلة في المدينة، فانظروا لي رجلا يعرف منازل أهل المدينة ومساكنها ورباعها وطرقها وأخبارها، يكون معي فيعرفني ذلط! فقالوا له: ما تعلم أحداً أعلم بذلك من أبي بكر. فأمر بالحضور، وخرج المنصور على حمار يطوف معه في سكك المدينة، ويسأله عن ربع ربع وسكة سكة، فيخبره لمن هو ولمن كان، حتى مر ببيت عاتكة، فسأل عنه، فقال: ياأمير المؤمنين، هذه بيت عاتكة الذي يقول فيه الأحوص " من الكامل ": يابيت عاتكة الذي أتعزل ... حذر العدى وبه الفؤاد موكل وأنشده القصيدة حتى بلغ قوله: وأراك تفعل ما تقول ومنهم ... مذق الحديث يقول ما لايفعل فقال له المنصور: ويحك ياأبا بكر وفي الدنيا أحد يعد ولاينجز ويقول ولايفعا! قال: نعم، ياأمير المؤمنين، إذا نسي. قال: فضحك المنصور وقال: صدقت! أذكرتني ماكنت وعدتك، لاجرم والله لاتصبح حتى يأتيك ذلك! قال: فلم يصبح حتى وجه بجارية نفيسة بفرشها وأثاثها ووصلنا بمال. وقال الهذلي: طلبت اإذن على المنصور، فوعدت بيوم أدخل عليه فيه، فوافيت ذلك اليوم، فوجدت أبا حنيفة وعمرو بن عبيد قد سبقاني، فقعدنا قليلاً، ثم خرج الآذان فأذن، وكنت هيأت كلاماً ألقى به أبا جعفر المنصور، وهيأ أبو حنيفة مثل ذلك. فلما رأيناه أرتج علينا وكان جهدنا أن أقمنا التسليم، فأومأ برأسه إلينا، فجلست أنا وأبو حنيفة في شق، وجلس عمرو بن عبيد في شق. فأقبل أبو جعفر ينكت في الأرض وقد طأطأ رأسه، فرفع عمرو رأسه فقال: (بسم الله الرحمن الرحيم، والفَجر، وَليالٍ عشرٍ، والشفع والوتر، والليل إذا يسر، هل في ذلك قسم لذي حجر، ألم تر كيف فعل ربك بعاد، إرم ذات العتناد، التي لم يخلق مثلها في البلاد، وثمود الذين جابوا الصخر بالوادي، وفرعون ذي الأوتاد، الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، فصب عليهم ربك سوط عذاب، إن ربك لبالمرصاد) ، ياأمير المؤمنين، بالمرصاد لمن عمل مثل عملهم أن ينزل به مثل مانزل بهم، فاتق الله ياأمير المؤمنين، فإن وراءك نيرانا تأجج من الجور، ما يعمل فيها بكتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ . فقال: ياأبا عثمان، إنا لنكتب إليهم في الطوامير فآمرهم بالعمل بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، فإن لم يفعلوا فما عسى أن نصنع؟ فقال: ياأمير المؤمنين، مثل أذن فأرة يجزيك من الطوامير، الله تكتب إليهم في حاجة نفسك فينفذونها، وتكتب إليهم في حاجة الله فلا تنفذ، إنك والله لو لم ترض من عمالك إلا بالعدل إذن لتقرب إليك من لانية له فيه! ثم ذكر سليمان بن مجالد ومعارضته لعمرو. فقال له عمرو: ياابن مجالد، خزنت نصيحتك عن أمير المؤمنين، ثم أردت أن تحول بينه وبين من أراد نصيحته! ياأمير المؤمنين، إن هؤلاء اتخذوك سلماً لشهواتهم، فأنت كالآخذ بالقرنين وغيرك يحلب، فاتق الله ياأمير المؤمنين، فإنك ميت وحدك ومبعوث وحدك ومحاسب وحدك، لن يغني عنك هؤلاء من الله شيئاً! فأطرق أبو جعفر يفكر في كلامه، ثم دعا خادماً فسار بشئ، فأتاه بمنديل فيه دنانير، فقال: ياأبا عثمان، بلغني ما الناس فيه من الشدة، فاصرف هذه حيث شئت! قال: ماكنت لآخذها! قال: لتأخذنها! قال: لاآخذها! قال: والله لتأخذنها! قال: والله لاآخذها! فقال له المهدي: أيحلف أمير المؤمنين لتأخذنها وتحلف أنت لاتأخذه؟! فقال عمرو: ياأبن أخي، أمير المؤمنين أقدر على الكفارة مني! فقال أبو جعفر للمهدي: اسكت فإن عمك بنا واثق. قال: فسكت وقعد قليلاً، وقمنا، فقلت لأبي حنيفة عند خروجنا: عدّ أنا نسينا ما أردنا من الكلام، فكيف ذهب عنا أن نجيء بما جاءؤ به عمرو من كتاب الله؟! أبو بكر الهذلي - اسمه سلمي بن عبد الله بن سلمي - مات في سنة تسع وخمسين ومائة. ١٢ - ومن أخبار عيسى بن عمر الثقفي

стр. 17

ومن مولى بني مخزوم، كثير السماع من العرب كثير الرواية عالماً بالنحو، أخذ عن أبن أبي إسحاق. وقال القحذمي: عيسى بن عمر مولى لخالد بن الوليد. وأنكر وديعة فأتي به يوسف بن عمر، فأمر بضربه، فاعترف وقال: أيها الأمير، إنما كانت أثياباً في أسيفاط قبضها عشاروك! فوكل به حتى أخذها منه. تؤفي عيسى بن عمر ﵀ سنة تسع وأربعين، وقيل: خمسين ومائة. وسئل الأصمعي عن معنى قول ذي الرمة " من الطويل ": يقاربن حتى يطمع اليافع الصبي ... وتشرع أحشاء القلوب الحوائم حديث كطعم الشهد حلو صدوره ... وأعجازه الخطبان دون المحارم فقال: سألت عيسى بن عمر عن ذلك، فقال: هنّ لعفتهن شهد إذا أمن الحرام، وخطبان إذا خشينه، والخطبان خضر الحنظل. فعرضت هذا على خلف، فقال: أراد أن صدور حديثه حلوة لشغف اللقاء والتلسيم، وأعجازه مرة لحين الفراق والتوديع، وما في الحالتين تعرض لمحرم. قال الصولي: فأخذه أبو العميثل فقال " من الطويل ": أتيت ابنة السهمي زينب عن عفر ... ونحن حرام مسي عاشرة العشر فكلمتها ثنتين كالثلج منهما ... وأخرى على لوح أحر من الجمر فسئل ثعلب وأنا حاضر عن معنى هذين البيتين، فقال: الأولى الباردة كلام السلام، والأخرى الحارة كلام الوداع، فظننت أن أبا العميثل لم يسبق إلى هذا المعنى، ولاسبق ثعلب إلى تفسيره حتى سمعت خبر الأصمعي. ١٣ - ومن أخبار أبي الخطاب الأخفش اسمه عبد الحميد مولى بني قيس بن ثعلبة، وهو من أصحاب عبد الله بن أبي إسحاق هو ويونس وعيسى، وهو أعلم الناس. وقيل: كان هو وخلف الأحمر يأخذان عن أبي عمرو بن العلاء. وكان يعرف بالأخفش الكبير، وكان لايدع الإعراب. فدخل عليه لصوص فضربوه بالسيوف، فجعل يقول: قد كم الآن قد كم الآن. ١٤ - ومن أخبار حماد بن سلمة هو أبو سلمة بن أبي صخرة بن دينار مولى بني تميم، وقيل: مولى جعدة ابن هبيرة، وهو ابن أخت حميد الطويل، وكان فقيهاً حافظاً فاضلاً عالماً بالقرآن كثير الحديث إلا أنه ربما حدث بالمناكير، وكان شاعراً مجيداً. قال الأصمعي: وصفني شعبة لحماد بن سلمة فقال: جئني به! فذهبت معه إليه، فقال لي: كيف تنشد بيت الحطيئة " من الطويل ": أولئك قوم إن بنوا أحسنوا ماذا؟ قلت: إلينا. فلوى حماد شفتيه، فقلت له: فكيف تنشد أنت؟ فقال: أولئك قوم إن بنوا أحسنوا إلبنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا قال الأصمعي: فما رأيت حمادا بعد ذلك إلا هبته! قال يحيى بن معين: حدثنا شيخ قال: كنت عند حماد بن سلمة، فجاءه كتاب أبي حرة يعاتبه في هذه الأحاديث التي حدث بها حماد - يعني في الرؤية - ويأمره بالرجوع عنها. فقال حماد: لاأفعل، سمعتها من قوم ثقات فأنا أحدث بها كما سمعت! - قال يحيى: وكان حماد من خيار المسلمين وأهل السنة، وهو ثقة مأمون عندنا، والأحاديث التي حدث بها في الرؤية نؤمن بها، ومن كذب بها كان عندنا مبتدعا، ولانفسرها نحن برأينا. مات حماد ﵀ يوم الثلاثاء في ذي الحجة سنة سبع وستين ومائة، وصلى عليه إسحاق بن محمد. - قال بعضهم: رأيت حماد بن سلمة في النوم، فقلت: مافعل الله بك؟ قال: غفر لي ورحمني وأسكنني الفردوس. قلت: بماذا؟ قال: بقولي: ياذا الطول والإكرام، ياكهيعص، لأسكني الفردوس! فأسكنني الفردوس. ١٥ - ومن أخبار يونس بن حبيب النحوي هو أبو عبد الرحمان مولى بني ضبة، وقيل: مولى بني ليث بن بكر بن عبد مناة من كنانة، وقيل: مولى بلال بن هرمي من بني ضبيعة بن بجالة، قيل: إنه من أهل جبل. ولد يونس سنة تسعين، ومات سنة أثنتين وثمانين ومائة وهو ابن اثنتين وتسعين سنة، وقيل: مات وله مائة وسنتان. ومات هو وابو يوسف القاضي وعلي بن يقطين ومروان بن أبي حفصة الشاعر في يوم واحد.

стр. 18

وقال يونس: اشتهي أن أعاتب في الجنة ثلاثة: آدم ﵇ فأقول: أبي رضي الله عنك، أدخلك الله الجنة وأباحها لك كلها إلا شجرة واحدة، فأكلتها وأشقيتنا وأخرجتنا من الجنة! ويوسف ﵇ فأقول: رضي الله عنك، تركت أباك وبينك وبينه مسيرة كذا وكذا، فتركته كذا وكذا من الدهر لم تكتب إليه كتاباً ولم ترسل إليه رسولاً حتى ذهب بصره من الحزن! وطلحة والزبير فأقول: رضي الله عنكما، بايعتما علياً بالحجاز ثم خلعتماه وجئتما تقاتلانه من غير حدث أحدث. سأل رجلُ عن بني المحبل: من هم من العرب؟ فلم يعرف ذلك أحد، فلم يترك بالحجاز والشأم والكوفة أحداً إلا سأله. فأتى البصرة فلم يعرفهم أحد، فقيل له: إيت يونس بن حبيب! فأتاه فسأله، فضحك فقال: هؤلاء قوم من كندة عرفوا بأبيهم، وكان من قضيته أنه قال " من الوافر ": أكرم جارتي وأصون عرضي ... وأفرغ في مزادتها سقائي فأتركها وإن كانت عقيما ... كناز البطن من مذخور مائي فقيل له: المحبل وتجنب الناس جواره. ومن حكمه ومستحسن ألفاظه، كان يقول: إنما سمي الشاعر شاعرا لأنه يشعر من تأليف الكلام ونظمه ما لايشعر له غيره؛ الحمية طابع الصحة؛ الكبر وكل عيب، العزل وكلّ ذنب، الولاية وكل مدح، الشباب وكل صحة، اليسار وكل فضيلة، الفقر وكل لؤم؛ أعلم الناس بالزمان من لم يتعجب من أحداثه؛ ليس لمعجب رأي ولا لمتكبر صديق. - وكان يشرب الصبر كثيرا، فقيل له في ذلك، فقال: إنه يصفي البشرة ويذهب بالبثور وينقي الأعصاب. - وكان يقول: حسن الوجه يجذب أعنة الأبصار؛ ويقول: ليس لناقص البيان بهاء ولو حك بأنفه عنان السماء. وسمع يونس رجلاً ينشد " من البسيط ": استودع العلم قرطاساً فضيعه ... وبئس مستودع العلم القراطيس فقال: قاتله الله ماأشد صبابته بالعلم وأحسن صيانته للعلم، ثم قال: مالك من بدنك وحفظك من روحك: فحفظ علمك حفظ روحك وحفظ مالك حفظ بدنك. وأخذ محمد بن بشير هذا المعنى فقال " من المنسرح ": قل لبغاة الآداب: ماوقعت ... منها إليكم فلا تضيعونها وضمنوا علمها الدفاتر ... والحبر بحسن الكتاب أوعوها وإن دعتكم إلى القراطيس ... والأنقاس نفس فلا تطيعوها وقال يونس: اختلفنا في أن الشعر ينقض الوضوء أم لا، فرأيت محمد ابن سبرين قد دخل المسجد، فبعث إليه رجلا فسأله، فأنشأ يقول " من الطويل ": ألا تلكم عرس الفرزدق ناشزا ... ولو رضيت رمح استه لاستقرت ثم استقبل القبلة فقال: الله أكبر. استأذن أبو سفيان على رسول الله ﷺ ، فأذن لرجال قبله ثم أذن له، فقال: يارسول الله، كدت تأذن لحجارة الجهلتين قبلي. فقال رسول الله ﷺ : إنما مثلك في ذلك، ياأبا سفيان، ما قال الأول: كل الصيد في جوف الفرلء. - قال خلاد: فحدثت يونس، فقال: والله لقد جود له رسول الله ﷺ ! أتدري ماهذا؟ خرج رجال فتصيدوا، فاصطاد رجل منهم حمار وحش، واصطاد الآخرون من بين ظبي وأرنب، فاجتمعت نساؤهم، فجعلت المرأة تقول: اصطاد زوجي كذا، فيقول صاحب الحمار: كل الصيد في جوف الفراء. وسئل يونس عن قوله تعالى: (فاليوم ننجيك ببدنك) وقد أغرق الله فرعون ولم ينجه، فقال: يعني نلقيك بنجوة البحر، وهي شاطئه وكذلك نجوة الوادي شفير الوادي، وتمثل بقول الشاعر " من البسيط ": دان مسف فويق الأرض هيدبه ... يكاد يمسكه من قام بالراح فمن بنجوته كمن بعقوته ... والمستكن كمن يمشي بقرواح يقول: المستكن كمن يمشي بالفضاء. قال أبو حنيفة ليونس: ياأبا عبد الرحمان، علمت أن الزمان ليس من الفاكهة؟ قال: لم؟ قال: لقول الله : (فيهما فاكهة ونخل ورمان) . فقال يونس: فجبريل وميكائيل إذا ليسا من الملائكة لقوله تعالى: (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل) . قال: فكيف ذاك؟ قال: إن الله إذا خص الشيء بالفضل أدخله في الجملة ثم أبانه بالاستثناء وأفرد ذكره. وقال يونس: من أمثال العرب: المرء يعجز لا المحالة، يريد أن العجز يأتي من قبله. فأما الحيلة فواسعة غير ضيقة، وأنشد " من الكامل ": أعصيت أمر ذوي النهى ... وأطعت أمر ذوي الجهاله

стр. 19

واحتلت حين عصيتني ... والمرء يعجز لا المحاله وسئل عن مثل: مجير أم عامر، فقال: خرج فتيان من العرب إلى الصيد فأثاروا ضبعا، فانفلتت من أيديهم ودخلت خباء بعض الأعراب، فخرج إليهم فقال: والله لاتصلون إليها وقد استجارت بي! فخلوا بينه وبينها. فلما أنصرفوا عمد إلى خبز ةلبن وسمن فثرده وقربه إليها، فأكرلت حتى شبعت، وتمددت في جانب الخباء، وغلب الأعرابي النوم، فلما استثقل وثبت عليه، فقرضت حلقه وبقرت بطنه وأكلت حشوته وخرجت تسعى، وجاء أخُ للأعرابي، فلما نظر إليها أنشد يقول " من الطويل ": ومن يصنع المعروف في غير أهله ... يلاق الذي لاقى مجير أم عامر أعد لها لما أستجارت ببيته ... قراها من ألبان اللقاح البهازر فأشبعها حتى إذا ما تمطرت ... فرته بأنياب لها وأظافر فقل لبني المعروف هذا جزاء من ... يجود بمعروف إلى غير شاكر وقال: لم يقل لبيد في الإسلام إلا بيتاً واحداً وهو " من البسيط ": الحمد لله إذ لم يأتني أجلي ... حتى لبست من الإسلام سربالا وقال: إن علماء البصرة كانوا يقدمون أمرء القيس، وإن أهل الكوفة كانوا يقدمون الأعشى، وإن أهل الحجاز والبادية كانوا يقدمون زهيرا والنابغة. - وكان يفضل الفرزدق على جرير، وكان يقول: ماتهاجى شاعران قط في جاهلية ولا إسلام إلا غلب أحدهما على صاحبه غيرهما، فإنهما تهاجيا نحوا من ثلاثين سنة، فلم يغلب أحد منهما على صاحبه. - وقال: لو تمنيت أن أقول الشعر لما تمنيت أن أقول إلا مثل قول عدي بن زيد " من الخفيف ": أيها الشامت المعير بالمو ... ت أأنت المبرأ الموفور أم لديك العهد الوثيق من الأيام ... أم أنت جاهل مغرور من رأيت المنون عزين أم من ... ذا عليه من أن يضام خفير وقال: أشعر بيت قالت العرب قول دريد بن الصمة في مرثيته أخاه عبد الله " من الطويل ":س صبا ماصبا حتى إذا شاب رأسه ... وأحدث حلماً قال للباطل: أبعد قليل التشكي للمصيبات حافظ ... من اليوم أدبار الأحاديث في غدِ وقال: أتينا خالد بن صفوان نعزيه في ابنه، فانتهينا إليه وهو يقول " من الطويل ": وهون ما ألقى من الوجد أنني ... أجاوره في داره اليوم أو غدا قال الاصمعي: قلت ليونس: ما - أراد ذو الرمة بقوله " من الطويل ": وليلٍ كجلباب العروس ادَّرعتهُ ... بأربعةٍ والشخص في العين واحدُ فقال يونس: لاأحسب الجنَّ تقع على ماوقع عليه وفطن له، قوله: " وليلٍ كجلباب العروس " يقول: ليلٌ كقميص العروس في الطول لأن العروس تجرُ أذيالها، " ادرعته ": لبسته، " بأربعة ": يعني نفسه وناقته وسيفه وظله يعني خيمته، " والشخص في العين واحد " يقول: والإنسان واحدُ. ودخل المهلَّبُ على الحجاج بعد فراغه من أمر الخوارج، فأجلسه إلى جانبه وقال: أنت والله كما قال لقيط الإيادي " من البسيط ": فقلدوا أمركم، لله درُّكم ... ثبت الجنان بأمر الحرب مضطلعا لامترفاً إن رخاء العيش ساعده ... وليس إن عضَّ مكروه به خشعا

стр. 20

وقال: كنت في حلقة أبي عمرو بن العلاء، فجاءه شبيل بن عزرة الضُبَعّيُّ، فتزحزح له أبو عمرو ورفعه، فقال لأبي عمرو: ألا تعجبون لرؤبتكم هذا؟! سألته مم اشتقاق اسمه فلم يعرفه! قال يونس: فما تمالكت أن قمت فجلست بين يديه، وقلت له: لعلك تظن أن معَّد بن عدنان كان أفصح من رؤبة! فأنا غلام رؤبة، فما الروبة والروبة والروبة والروبة والرؤبة إحداهن مهموز! فقام مغضباً، فقال لي أبو عمرو: ماأردت بهذا؟ رجلٌ شريف أتانا في مجلسنا، فسؤته - أو قال: فأَذَّيته وأبسته -! قال: هو مثل التهكم! فقلت: والله ما تمالكت إن ذكر رؤبة أن قلت ما قلت. ثمّ فسّر لنا يونس ذلك فقال: الروُبة الحاجة، يقال: قمتُ بروبة أهلي، أي بحاجتهم؛ والروبة: ما يلقى في اللبن الحليب من اللبن الحامض حتى يروب؛ والروبة: جمام الفحل، يقال: أعرني روبة فحلك؛ والروبة: القطعة من الليل؛ والرؤبة القطعة من الخشب يشعب بها القعب ويرقع بها العُسُّ وما أشبه ذلك، يقال: رأبت الشئ أرابه رأباً إذا أصلحته، والعمل الرأب وكلّ شئ أصلحته فقد رأبته، ومنه اشتقاق اسم رئاب، ومنه قولهم: اللهم أرأب ثأينا، أي أصلح فسادنا! ومن ذلك اشتقاق اسم رؤبة إن كان مهموزاً. - والروبة: من النوم ومنه " من المقارب ": فأما تميم تميمُ بنُ مُرٍ ... فألفاهمُ القومُ روبى نياما ويقال: مازال على روبة واحدة، أي طريقة واحدة؛ قال: روبة البحر: وسطه ومعظمه، والمهموز منه: رأبت، من القطعة التي يرأب بها القَدَحُ. - قال: وقلت لرؤبة: مامعنى قوله ﵇: لاعدوى ولاطيرة ولا صفر، مالصفر؟ قال: داءٌ يأخذ الإبل، يعدي فيهم يخافون إعداءه. وقال يونس: إني جالس إذ أقبلت جارية من أحسن الناس، ثم طلع فتىً في نحو هيئتها؛ فوقف علينا وسلم ودهش وخفي عليه مسلكها، فقلت له: أخذت ههنا! فاتبعها وهو يقول " من الطويل ": إذا سلكت قصد السبيل سلكته ... وتعدلُ أحياناً بنا فنحيد ويروى " فنميل "، ويروى: " وإن هي جارت جرت حيث تجور ". وقال الشعبي: وجد في خزائن عادٍ سهم ريشه ريش نسر مكتوب فيه " من الطويل ": فليس إلى أكناف صبح بذي اللوى ... لوى الرمل فأعذرن النفوس معاد بلاد بها كنا وكنا نحبها ... إذا الناس ناس والبلاد بلاد وقال يونس: ماصحَ عندنا ولابلغنا أنّ علياً قال شعرا إلا هذين البيتين " من البسيط ": تلكم قريش تمنتني لتقتلني ... فلا وربك مابروا وما ظفروا فإن هلكت فرهن ذمتي لهم ... بذات روقتين لايعفو لها أثر قال ثعلب: يقول أترك فيهم آثاراً لاتذهب. وقال: الظل من طلوع الفجر إلى زوال الشمس، والفيء من زوال الشمس إلى الليل، وأنشد لابن سلاّم " من الطويل ": لعمري لأنت البيت أكرم أهله ... وأقعد في أفيائه بالأصائل وأنشد " من الطويل ": فلا ظلٌ من برد الضحى تستطيعه ... ولا الفيء من برد العشي تطيق قيل ليونس: قد بلغت سن الشيخوخة، فقال: هذا الذي كنت أتمنى. أخذ هذا المعنى محمد بن عبد الملك الزيات فقال " من البسيط ": وعائبٍ عابني بشيبٍ ... لم يعد لما ألمَّ وقته فقلت: إذ عابني بشيبي ... يا عائب الشيب لا بلغته ١٦ - ومن أخبار أبي عبد الرحمان الخليل بن أحمد الفراهيدي لم نجد في نسبه زيادة على أسم أبيه، ويقول البصريون: لايعرف أحدُ سميّ بأحمد بعد النبي ﷺ قبل أبيه، وهو من الأزد من حي يقال لهم الفراهيد. وسئل: من أي العرب أنت؟ فقال: فرهيدي. ثم سئل، فقال: فرهودي. قال أبو العباس: قوله " فراهيدي " أنتسب إلى فراهيد بن مالك بن فهم بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد، وكان من أنفسهم صحيح النسب معروف الأهل؛ وقوله " فرهودي " انتسب إلى واحد الفراهيد وهو فوهود، والفراهيد صغار الغنم. - وكان من أهل عمان من قرية من قراها. ثم أنتقل إلى البصرة. - وكان من أزهد الناس وأعلاهم نفساً؛ وكان يعيش من بستان له بالخريبة خلفه له أبوه. - وكان يحج سنة ويغزو سنة إلى أن مات. وكان يقول: أشتهي أن أكون عند الله من أرفع الناس وعند الناس من أوسط الناس وعند نفسي من أسفل الناس. وكان يدعو بذلك. - ومر بقوم يتكلمون فيه فقال " من الطويل ":

стр. 21

سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب ... وإن كثرت منه عليَّ الجرائم وما الناس إلا واحد من ثلاثة ... شريف ومشروف ومثل مقاوم فأما الذي فوقي فأعرف فضله ... وأتبع فيه الحق والحق لازم وأما الذي مثلي فإن زل أو هفا ... تفضلت إن الفضل بالعز حاكم وأما الذي دوني فإن قال: صنت عن ... إجابته عرضي وإن لام لائم وقال: قدمت من عمان ورأيي رأي الصفرية، فجلست إلى أيوب بن أبي تميمة السختياني، فسمعته يقول: إذا أردت أن تعلم علم أستاذك فجالس غيره! فظننت أنه يعنيني، فلزمته فنفعني الله به. قال يونس: قلت للخليل: مابال أصحاب رسول الله ﷺ كأنهم بنو أم واحدة وعليّ بن أبي طالب ﵇ كأنه ابن علة؟ فقال: من أين لك هذا السؤال؟ قلت: أريد أن تجيبني! فقال: على أن تكتم عليَّ مادمت حياً! قلت: أجل! فقال: تقدمهم إسلاماً وبذهم شرفاً وفاقهم علماً ورجحهم حلماً وكثرهم زهداً وأنجدهم شجاعة، فحسدوه، والناس إلى أمثالهم وأشكالهم أميل منهم إلى من فاقهم وكثرهم ورجحهم. وقال ابن سلام: لم يكن في العرب أذكى من الخليل بعد الصحابة ولا في العجم أذكى من أبن المقفع ولا اجمع من حماد بن زيد. - وقد ضربت الشعراء الأمثال في أشعارهم بالخليل، قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي يهجو الأصمعي " من الوافر ": أليس من العجائب أنّ قرداً ... أصيمع باهلياً يستطيل ويزعم أنه قد كان يفتي ... أبا عمرو ويسأله الخليل وقال خالد النجار يهجو التوزي " من الكامل ": يا من يزيد تمقتاً ... وتباغضاً في كل لحظه والله لو كنت الخليل ... لمار روينا عنك لفظة وقيل لابن المقفع: كيف رأيت الخليل؟ قال: رأيت رجلاً عقله أكثر من علمه. وقيل للخليل: كيف رأيت ابن المقفع؟ قال: رأيت رجلاً علمه اكثر من عقله. قال المغيرة بن محمد: صدقاً، ادى عقل الخليل إلى أن مات ازهد الناس، وجهل أبن المقفع إلى ان قتل. وذلك أنه كتب كتاباً لعبد الله بن علي إلى المنصور، فقال فيه ما كان مستغنياً أن يقوله، كتب: ومتى غدر أمير المؤنين بعمه عبد الله بن علي فنساؤه طوالق ودوابه حبيس وعبيده أحرار والمسلمون منه في حل من بيعته. فأشتد ذلك على المنصور جداً وخاصة أمر البيعة، فكتب إلى سفيان بن معاوية المهلبي - وهو امير البصرة من قبله - أن اقتل ابن المقفع! فقتله. وقال الخليل يمدح كتابي عيسى بن عمر في النحو " من الرمل " بطل النحو الذي جمعتم ... غير ما احدث عيسى بن عمر ذاك إكمال وهذا جامع ... وهما للناس شمس وقمر وعن عيسى اخذ الخليل النحو، وأخذ عن الخليل جماعة لم يكن فيهم مثل سيبويه، وهو اعلم الناس بعد الخليل، فألف كتابه الذي سماه الناس قرآن النحو، وعقد أبوابه بلفظه ولفظ الخليل. قال النضر بن شميل: كان اصحاب الشعر يمرون بالخليل فيتكلمون النحو، فقال الخليل: لا بد لهم من اصل. فوضع العروض، فخلا في بيت ووضع بين يديه طستاً، فجعل يقرعه بعود ويقول: فأعلن مستفعلن فعولن. قال: فسمعه أخوه فخرج الى المسجد فقال: إن اخي قد أصابه جنون! فأدخلهم على الخليل وهو يضرب الطست، فقالوا: يا أبا عبد الرحمن، مال؟ اصابك شئ؟ أتحب أن نعالجك؟ قال: وما اك؟ قالوا: أخوك يزعم انك قد خولطت. فأنشأ يقول: لو كنت تعلم ما أقول عذرتني ... او كنت أجهل ما تقول عذلتكا لكن جهلت مقالتي فعذلتني ... وعلمت أنك جاهل فعذرتكا دخل أعرابي مسجد البصرة فطاف على الخلق وسمع ما يقولون حتى صار إلى حلقة الخليل، فسمعهم يتذاكرون النحو والشعر حتى افضوا إلى دقيق النحو والعروض، فقام عنهم وقال: ما زال أحدهم في النحو يعجبني ... حتى تعاطوا كلام الزنج والروم حتى سمعت كلاماً لست اعرفه ... كأنه زجل الغربان والبوم رفضت نحوهم والله يعصمني ... من التقحم في تلك الحراثيم

стр. 22

وكان الخليل منفطعاً إلى الليث بن رافع بن نصر بن سيار صاحب خراسان، وكان من أكتب الناس وكان بارع الادب وكان كاتباً للبرامكة. فأراد الخليل ان يهدي له هدية، فعلم أن المال والاناث لا يقعان عنده موقعاً، فصنف له كتاب العين الي لم يوضع مثله. فوقع عنده موقعاً جسيماً، وحفظ نصفه. وكانت له بنت عم تحته عاقلة، فأبتاع جارية بارعة الجمال، فبلغها ذلك فنالتها عليه غيرة، فقالت: لاغظينه! وعمدت إلى الكتاب فأحرقته لعلمها بإعجابه به. فطلب الليث الكتاب. فطلب نسخة للكتاب، فأعوزته لأن الخليل كان قد خصه به. فأستدرك النصف من حفظة وجمع على النصف الباقي أدباء زمانه، فمثلوا على النصف الأول ولم يلحقوا، فالنصف الأخير الذي في أيدي الناس ليس من تصنيف الخليل. وهو أول من جمع الحروف في بيت فقال " من البسيط ": صف خلق خودٍ كمثل الشمس إذ بزغت ... يحظى الضجيع بها نجلاء معطار وله ثلاثة أبيات على قافية واحدة وهي " من السريع ": يا ويح قلبي من دواعي الهوى ... إذ رحل الجيران عند الغروب أتبعتهم طرفي وقد أمعنوا ... ودمع عيني كفيض الغروب بانوا وفيهم طفلةٌ حرةٌ ... تفتر عن مثل أقاحي الغروب وقال " من المتقارب ": كفاك لم تخلقا للندى ... ولم يكُ بخلهما بدعه فكفٌ عن الخير مقبوضةٌ ... كما نقصت مائة سبعه وكفٌّ ثلاثة آلافها ... وتسعٌ مئيها لها شرعه وهذا مما أبدع فيه الخليل ولم يسبق إليه أنه وصف انقباض اليدين بحالين من الحساب مختلفتين في القدر متشاكلين في الصورة وهما ثلاثة وتسعون وتسعمائة وثلاثة آلاف. - وأنشد المبرد لغيره في معناه " من الوافر ": وما تسعون تخفرها ثلاث ... يشدُّ بعقدها رجلٌ شديدُ بكفٍ حزقةٍ جمعت لوجءٍ ... بأنكد من عطائك يا يزيد وقال الخليل على وزن فَعْلُنْ فَعْلُنْ " من المتدارك ": يعدو عمرو يستنهي من ... زيدٍ عند الفضل القاضي فانهوا عمراً إني أخشى ... صول الليث العادي الماضي ليس المرءُ الحامي أنفاً ... مثل المرءِ الصتْم الراضي وقال على وزن فَعِلُنْ فَعِلُن " من المتدارك ": سُئلوا فأبوا فلقد بخلوا ... ولبئس لعمرك ما فعلوا أبكيت على طلل طرباً ... فشجاك وأحزنك الطلل وقال: إن لم تعلم الناس ثوابا فعلمهم لتدرس بتعليمهم ما عندك! ولا تجزع ممن يقرع السؤال فإنه ينبهك على علم ما لم تعلم! وقال: العلوم أقفال والسؤالات مفاتيحها. وقال: أخرج من منزلي فألقي رجلاً من أربعة رجال: رجلاً أعلم مني فهو يوم فائدتي، أو رجلاً مثلي فهو يوم مذاكرتي، أو رجلاً متعلماً فهو يوم ثوابي وأجري، أو رجلاً دوني في الحقيقة وهو يرى أنه فوقي وهو يحاول أن يتعلم مني وكأنه يعلمني، فذاك الذي لا أكلمه ولا أنظر إليه. - وقال " من البسيط ": العلم يذكي عقولاً حين يصحبها ... وقد يزيدها طول التجاريب وذو التأدب في الجهال مغترب ... يرى ويسمع ألوان الأعاجيب وقال: الرجال أربعة: فرجلُ يدري ويدري أنه يدري فذاك عالم، فاتبعوه! ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فذاك ناس، فأذكروه! ورجلُ لايدري ويدري أنه لايدري فذاك جاهل، فعلموه! ورجلٌ لايدري ولايدري أنه لايدري فذاك مائق، فاحذروه! - وقال " من السريع ": ما أتسعت أرض إذا كان من ... تبغض في شئ من الأرض وله " من الطويل ": ربَّ امري يجري ويدري بأنه ... إذا كان لايدري جهول بما يجري وتجري ولاتدري بأنك من عمى ... لأنك لاتدري بأنك لاتدري وقال أبو عثمان الناجم: أنشدنا الناشئ لنفسه في داود بن علي الإصبهاني " من الطويل ": أقول كما قال الخليلُ بن أحمد ... وإن شتَّ ما بين النظامين في الشعر عذلت على مالو علمت بقدره ... بسطت مكان العذل واللوم من عذري جهلت ولم تعلم بأنك جاهل ... فمن لي بأن تدري بأنك لاتدري وقال " من البسيط ": اعمل بعلمي وإن قصرت في عملي ... ينفعك علمي ولا يضررك تقصيري

стр. 23

وانظر لنفسك فيما أنت فاعله ... من الأمور وشمر فوق تشميري وقال: تكلم أربعة أملاك بأربع كلمات كأنها رمية واحدة، قال كسرى: أنا على رد مالم أقل أقدر مني على رد ما قلت. وقال قيصر: لاأندم على مالم أقل وقد أندم على ما قلت. وقال ملك الصين: إذا تكلمت بالكلمة ملكتني وإذا لم أتكلم بها ملكتها. وقال ملك الهند: عجبت لمن يتكلم بالكلمة وإن رفعت عليه ضرته وإن لم ترفع عليه لم تنفعه. قال الخليل: فطلبت لها نظائر في أشعار العرب فوجدتها، قال الشاعر " من الخفيف ": حبس ما لم أقل عليَّ يسيرٌ ... وعسيرٌ ردُّ الكلام المقول وقال آخر " من الكامل ": ما لم أقله فلا أشعه ندامةً ... ومتى أقل يكثر عليَّ تندمي وقال آخر " من الطويل ": كلامك مملوك إذا لم تفه به ... وتلقاه إن أطلقته لك مالكاً وقال آخر " من الرجز ": عجبت للقائل قولاً هذراً ... متى يشع يدن إليه ضررا وليس بالنافع إما سترا وقال يزيد بن المهلب للخليل: يا أبا عبد الرحمان، ما تقول في السماح؟ فقال: هو إلى الكرم ارتياح، وفي النعم امتناح، وليس فيه كبير جناح، يغفر الله عما فوقه، ويأخذ بما هو دونه، وما أحبُّ أن أغرَّ بقولي ورعاً، ولا أهزُّ طبعا. وسئل عن قولهم " من المتقارب ": إذا كنت في حاجة مرسلاً ... فأرسل حكيماً ولا توصه فقال: الحكيم الذي لايحتاج إلى وصية: الدرهم. - وقال: أكمل ما يكون الرجل عقلاً وذهناً وهو ابن أربعين سنة، وهي السنُّ التي بعث الله رسوله فيها، ثم يتغير وينقص إذا صار ابن ثلاث وستين، وهي السنُّ التي قبض ﷺ فيها، وأصفى مايكون ذهنه في السحر. - وقال " من الوافر ": إذا ضيقت أمراً زاد ضيقاً ... وإن هونت صعب الأمر هانا فلا تجزع لأمر ضاق شيئاً ... فكم صعبٍ تشدد ثم لانا وقال " من الوافر ": وما بقيت من اللذات إلا ... محاورة الرجال ذوي العقول وقد كانوا إذا عدوا قليلاً ... فقد صاروا أقل من القليل وقال " من الوافر ": وما شيءُ أحب إلى لئيم ... إذا سبَّ الكرام من الجواب متاركة اللئيم بلاى جوابٍ ... أشدُ على اللئيم من السباب وقال: الزاهد من لايطلب المفقود حتى يفقد الموجود. وقال: الجود بذل الموجود. وقال: الأيام ثلاثة: معهود ومشهود وموعود، فالمعهود أمس والمشهود اليوم والموعود غداً. وقال " من الرجز ": حسبك مما تبتغيه القوت ... ما أكثر القوت لمن يموت وقال " من السريع ": غرَّ جهولاً أمله ... حتى يوافي أجله ومن دنا من حتفه ... لم تغن عنه حيله لايصحب الإنسان من ... دنياه إلا عمله قال ابن المعتز: يستحسن من شعر الخليل في وصف الدنيا وذمها وترك الحرص عليها قوله " من الطويل ": وما هي إلا ليلة ثم يومها ... وحولٌ إلى حولٍ وشهرٍ إلى شهر مطايا يقربن الجديد من البلى ... ويدنين أشلاء الكرام من القبر ويتركن أزواج الغيور لغيره ... ويبعدن جثمان الشحيح من الوفر وقال " من الكامل ": إذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ... ذخراً يكون كصالح الأعمال وقال " من الكامل ": عش مابدا لك، قصرك الموت ... لا مزحل عنه ولا فوت بينا غنى بيت وبهجته ... زال الغنى وتقوض البيت يا ليت شعري ما يراد بنا ... ولقلما تغني إذا ليت وقال " من الكامل ": المرءُ ذو صوت يعيش به ... في الناس ثم سينفذ الصوت وقال " من الوافر ": يعيش المرء في أمل ... يردده إلى الأبد يؤمل ما يؤمل من ... صنوف المال والولد ولا يدري لعلّ المو ... ت يأتي دون بعد غد فلا يبقى لوالده ... ولا يبقي على ولد وقال " من الوافر ": أتبكي بعد شيب قد علاكا ... ولا ينهاك شيبك عن بكاكا فهلا إذ بكيت على التصابي ... بكيت على الصبابة في صباكا

стр. 24

وقال: الرجل بلا صديق كاليمين بلا شمال. - وقال " من الطويل ": تكثر من الإخوان ما اسطعت إنهم ... بطون إذا استنجدتهم وظهور وما بكثير ألف خل لعاقل ... وإن عدوا واحداً لكثير وقال: إذا أخبرك بعيبك صديق قبل أن يخبرك به عدوٌ فأحسن شكره واقبل نصحه، فإنك إن قبلته لم ينفعه وإن رددته لم تضر إلا نفسك! ومن أظهر لك عيوباً وكشف لك عن مكروه قناعاً فقس ما غاب عنك بما ظهر لك من فعله! وأنشد " من الكامل ": ليس المسئ إذا تغيب سوءه ... عني بمنزلة المسء المعلن من كان يظهر ما أحب فإنه ... عندي بمنزلة الأمين المحسن والله أعلم بالقلوب وإنما ... لك ما بدا لك منهم بالألسن وكان الخليل قد نظر في النجوم وبالغ وأشرف على مالا يحب، ثم لم يرضها، فأنشأ يقول " من الخفيف ": أبلغا عنيّ المنجم أني ... كافرٌ بالذي قضته الكواكب عالمٌ أنَّ ما يكون وماكا ... ن بحكم من المهيمن واجب شاهد أنَّ من يفوض أو يجبر ... زارٍ على المقادير كاذب قالت القدرية: لايكون قدرٌ من الله عملاً مني. والمعنى: لايكون معنيان في شيء واحد. فكلم الخليل رجلاً منهم فأخذ عوداً فكسره وقال للقدري: أيُّ شيءٍ كان مني في هذا العود؟ قال: الكسر. قال: فأي شيءٍ كان من العود في نفسه؟ قال: الانكسار. قال: قد اجتمع المعنيان في شيء واحد الكسر والانكسار. قال الخليل: بعث إليَّ المهدي، فأتيته وهو جالسٌ في الماء على سريرٍ له إلى صدره، فسلمت عليه. فقال لي: إني اشتهيت الحديث الساعة، فحدثني! ثم قال: حدثني عن القمر! فلم أدر عن أيه أحدثه، ثم عرض لي أن قلت: قيل للقمر: كم أنت ابن ليله؟ قال: رضاع سخيله. قيل: لليلتين؟ قال: حديث أمتين بكذب ومين. قيل: ابن ثلاث؟ حديث فتيات مختلفات. قيل: ابن أربع؟ قال: عتمة أم الربع. قيل: ابن خمس؟ قال: سر وأمس. قيل: ابن ست؟ قال: سر وبت. قيل: ابن سبع؟ قال: عشية جمع. قيل: لثمان؟ قال: قمر إضحيان. قيل: لتسع؟ قال: مثقب الجزع. قيل: لعشر؟ قال: أبادر الفجر. ثم قلت: يا أمير المؤمنين، قيل: لا يحفظ هذا الحديث إلا عاقل. قال: فخذه عليَّ! فأعاده كما حدثته. ثم دعا بثيابه فخرج، وأتينا بمائدة عليها خمسة قوالب كأنها الثلج، فأكل وقال: كل! فأكلت، فلم أر شيئاً قط أطيب منه. فقال لي: هذا المخ بالطبرزد، وأتي بشراب شديد الحمرة حسن اللون، فشرب ثم قال: اشرب! فظننت أنه الخمر فقلت: لاأشرب من هذا. قال: اشرب، لا ام لك! فشربت شيئاً لم أشرب مثله قط فوجدت برده في عيني. فقال: هذا عصارة الرمان، وتفاح لبنان، وعسل إصبهان، وماء المسرقان، وثلج ماسبذان، بزعفران. ثم خرجت من عنده بغير شيء. ولما وليّ سليمان بن حيب المهلبي الأهواز زاره الخليل، فلم يحمد أمره، فرجع إلى البصرة وكتب إليه " من البسيط ": أبلغ سليمان أني عنه في سعةٍ ... وفي غنىً غير أني لست ذا مال سخى بنفسي أتي لاأرى أحدا ... يموت هزلاً ولايبقى على حال وإن بين الغنى والفقر منزلة ... مخطومة بجديد ليس بالبالي الرزق عن قدرٍ لاالضعف ينقصه ... ولا يزيدك فيه حول محتال إن كان ضنَّ سليمان بنائله ... فالله أفضل مسؤول لسؤال فكتب يعتذر إليه، فلما أتاه الرسول أدخله منزله فأخذ خبزاً يابساً فبله بماء ثم قال للرسول: أبلغ سليمان أنا لاحاجة لنا فيه مادمنا نجد هذا! - وقال وهب بن جرير: خرج أبي والخليل والفضل بن المؤتمن العتكي إلى سليمان بن الحبيب بن المهلب إلى الأهواز، فبدأ بعطاء الإثنين قبل الخليل، فكتب إليه الخليل بأبيات تمثل بها " من الكامل ": ورد العفاة المعطشون فأصدروا ... رياً فطاب لهم لديك المكرع ووردت حوضك ظامئاً متدفقاً ... فرددت دلوي شنها يتقعقع وأراك تمطر جانباً عن جانب ... وفناء أرضي من سمائك بلقع أبحسن منزلتي تؤخر حاجتي ... أم ليس عندك لي خير مطمع

стр. 25

ورحل عنه، فوّجه إليه بألف دينار، فردّها وقال: هيهات، أفلتت قائبة من قوبها! وقال: أبلغ سليمان الأبيات. - وأنشد أبو هفّان للخليل " من البسيط ": وزلةٍ يكثر الشيطان إن ذكرت ... منها التعجب جاءت من سليمانا لاتعجبن لخير زلَّ عن يده ... فالكواكب النحس يسقى الأرض أحيانا وقيل: كان الخليل صديق سليمان بن حبيب، وكثر الزوار، فتشاغل عنهم، فسألوا الخليل يذكره بأمرهم، فكتب إليه " من الكامل ": لاتقبلن الشعر ثم تعقه ... وتنام والشعراء غير نيام واعلم بأنهم إذا لم ينصفوا ... حكموا لأنفسهم على الحكام وجناية الجاني عليهم تنقضي ... وعتابهم يبقى على الأيام لما دخل الخليل البصرة عزم على مناظرة أبي عمرو بن العلاء، فجلس في حلقته، ثم انصرف ولم ينطق. فقيل له: ماحملك على السكوت عن مناظرته؟ قال: نظرت فإذا هو رئيس منذ خمسين سنة، فخفت أن ينقطع فيفتضح في البلد، فلم أكلمه. وقيل: أراد بعض آل المهلب أن يشتري أرضاً، فأشير عليه أن لايشتريها. وأشار عليه الخليل بشرائها، ففعل فرأى مايحب، فقال الخليل يصفها " من البسيط ": ترفعت عن ندى الأعماق وانخفضت ... عن المعاطش واستغنت بسقياها فاعتم بالطلح والزيتون أسفلها ... وماد بالنخل والرمان أعلاها وصار يحسده من كان يعذله ... ولائم لام فيها قد تمناها أبا معاوية اشكر فضل واهبها ... وكلما جثتها فاعمر مصلاها وعن الخليل أنه قال: كلم ابن عباس عبد الله بن الزبير في محمد بن الحنفية وقال: ماتريد من رجل كفّ لسانه ويده عنك؟ اتق الله! فإنك قادم على ربك. فقال له ابن الزبير: تكلمني في رجل سخيف الرأي ضعيف العقل، ليس له بذم ولادين. فقال ابن عباس: رماه الله بداءٍ لاشفاء له إن كان شرا منك في الدين والدنيا! فغضب ابن الزبير وقال: أنت أيضاً تتكلم عندي؟! فقام ابن عباس، وندم ابن الزبير على ماقال، وخرج من عند ابن الزبير من وجهه إلى الطائف وقال: العجب من حنكيل يتعجب من كلامي عنده، وقد تكلمت غلاماً عند رسول الله ﷺ وعند أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، يرونني أحق من نطق، يستمع قولي وتقبل مشورتي، ليحك حنكيل جربه، ولاينقاص عليَّ انقياص الكثيب! أظن ابن الزبير أني مساعده على بني عبد المطلب؟! والله لأنملة من أنامل ابن الحنفية أحب إليَّ من أبن الزبير! والله غنه لأوفر منه عقلاً وأوفى منه عهداً وأكمل منه رأياً وأفضل ديناً وأصدق ورعاً! - فمات ابن عباس بالطائف، وصلى عليه ابن الحنفية، كبر عليه أربعاً وضرب عليه قسطاطاً وقال: دفنتم اليوم خير هذه الأمة. - قال ابن دريد: رجل بذم: إذا كان ذا قوة، وحنيكل تصغير حنكل: وهو الصغير المجتمع الخلق، وينقاص: يتهدم، وانقاصت سنه: إذا انكسرت، وأنشد " من الطويل ": فراق كقيص السن فالصبر إنه ... لكل أناسٍ عبرةٌ وحبور قال الخليل: مرَّ بنا الفرزدق ونحن صبيان نلعب، وقد انصرف من المهالبة وهو على بغل، وكان قبيح الوجه، فجعلنا ننظر إليه، فوقف وقال " من الكامل ": نظروا إليك بأعين محمرة ... نظر التيوس إلى مدى القصاب فقال له بعضنا: نظرنا إليك أنك مليح، كما ينظر إلى القرد وهو مليح، فصرف وجه بغلته وانصرف. - قال أبو العيناء: الخليل قال له هذه المقالة وهو صبي، ولكنه لم يحب أن تحكيه عن نفسه. ويروى أن سيار بن هاني أبا إبراهيم بن سيار النظام جاء بابنه إبراهيم إلى الخليل، وقال: أحب أن يكون هذا الصبي بين يديك! فقال الخليل لإبراهيم كالعابث وفي دار الخليل نخلة: صف لي هذه النخلة! قال: بمدح أم بذم. قال: بذم! قال: هي صعبة المرتقى خبيثة المجتنى. قال: فصف زجاجتي هذه! - يعني كأساً في يده. فقال: أبمدح أم بذم؟ قال: بذم! قال: هي سريعة الانكسار بطيئة الانجبار. فقال الخليل لأبيه: أنا أحتاج أن أتعلم من أبنك هذا. ومن شعر الخليل " من السريع ": ما أسمج النسك بسأ ال ... وأقبح البخل بذي المال وأقبح الثروة ما لم تكن ... عند أخي جودٍ وإفضال

стр. 26

والحرص من شر أداة الفتى ... لاخير في الحرص على حال من بات محتاجاً إلى أهله ... هان على ابن العم والخال ما وقع الواقع في ورطة ... أزرى به من رقة الحال وقال " من البسيط ": رزقت جوداً ولم أرزق مرؤته ... وما المروءةُ إلا كثرة المال إذا أردت مساماة تقاعدني ... عما ينوه باسمي رقة الحال وقال " من الوافر ": وهذا المال يرزقه رجال ... مناديل إذا اختبروا فسول ورزق الخلق مجلوب إليهم ... مقادير يقدرها الجليل كما تسقى سباخ الأرض ريا ... وتصرف عن كرائمها السيول فلا ذو المال يرزقه بعقل ... ولا بالمال تقتسم العقول وقال في تفضيل شكر الشاكر على إنعام المنعم " من الطويل ": وما بلغ الإنعام في النفع غايةً ... من الفضل إلا مبلغ الشكر أفضل وما بلغت أيدي المنيلين بسطة ... من الطول إلا بسطة الشكر أطول ولا رجحت بالمرء يوماً صنيعة ... على المرء إلا وهي بالشكر أثقل وقال " من المجتث ": إن لم يكن لك لحم ... كفاك خلُّ وزيت أو لم يكن ذا وهذا ... فكسرة وبييتُ تظل فيه وتأوى ... حتى يجيئك موتُ هذا عفاف وأمن ... فلا يغرك ليت وقال يصف قصر عيسى بن جعفر بالخريبة " من البسيط ": زر وادي القصر نعم القصر والوادي ... لابدَّ من زورة من غير ميعاد زره فليس له شبه يعادله ... من منزل حاضرٍ إن شئت أو باد ترفى قراقيره والعيس واقفة ... والنون والضب والملاح والحادي القراقير: ضرب من السفن، وترفى: أي توقف السفن بها، والمعنى أنه مجمع البر والبحر. وقال - وقيل: هي لأبي عيينة المهلبي " من المنسرح ": يا جنة فاقت الجنان فما ... تبلغها قيمةٌ ولا ثمن ألفتها فاتخذتها وطناً ... إن فؤادي لأهلها وطن صاهر حيتانها الضباب بها ... فهذه كنة وذا ختن من سفن كالنعام مقبلةٍ ... ومن نعامٍ كأنها سفن سأل الأخفش الخليل: لم سميت الطويل طويلاً؟ قال: لأنه تمت أجزاؤه. قال: فالبسيط؟ قال: لأنه أنبسط عن مدى الطويل. قال: فالمديد؟ قال: لتمدد سباعيه حول خماسيه. قال: فالوافر؟ قال: لوفارة الأجزاء. وتدا بوتد. قال: فالكامل؟ قال: لأن فيه ثلاثين حركة لم يجتمع في غيره. قال: فالرجز؟ قال: لاضطرابه كاضطراب قوائم الناقة الرجزاء. قال: فالهزج؟ قال: لأنه يضطرب شبه هزج الصوت. قال: بعض. قال: لأنه يسرع على اللسان. قال: فالمنسرح؟ قال: لانسراحه وسهولته. قال: فالخفيف؟ قال: لأنه أخف السباعيات. قال: فالمقتضب؟ قال: لأنه اقتضب من الشعر لقلته. قال: فالمضارع؟ قال: لأنه ضارع المقتضب. قال: فالمجتث؟ قال: لأنه أجتث، أي قطع من طول دائرته. قال: فالمتقارب؟ قال: لتقارب أجزائه، وإنها خماسية كلها يشبه بعضها بعضاً. وتردد إلى مجلس الخليل بعضهم فلم يحظ منه بطائل لقصور فهمه، فقال له الخليل " من الوافر ": إذا لم تستطع أمراً فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع وقال: أنا أول من سمى الأوعية ظروفاً، وإنما قيل للإنسان ظريف لأنه جعل ظرفاً لأدب ونظافة. - قالت امرأة الخليل له: لاأراك تجلس عندي كثيرا. قال: ما أصنع عندك؟ أنت تجلين عن دقيقي وأنا أدق عن جليلك! ومات الخليل سنة ستين ومائة. - قال عليّ بن نصر: رأيت الخليل في النوم فقلت في نفسي: لاأرى أحداً من أسلافنا في النوم أعقل من الخليل. فقلت ما صنع الله بك؟ قال: غفر لي ورحمني! ثم قال لي: رأيت ماكنا فيه ما انتفعنا بشئ منه، وكله باطل، ولكن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ما رأينا انفع منهن! ١٧ - ومن أخبار أبي محرز خلف بن حيان الأحمر

стр. 27

مولى بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، وهو من السغد الذين سباهم قتيبة بن مسلم الباهلي، فوهبهم سلم بن قتيبة لبلال بن أبي بردة. - أخذ النحو عن عيسى بن عمر واللغة عن أبي عمرو بن العلاء، ولم ير أحدٌ أعلم بالشعر والشعراء منه. ومما نسب من شعره إلى تأبط شراً " من المديد ": إن بالشعب الذي دون سلع ... لقتيلاً دمه ما يُطل القصيدة. - ومر خلف باليزيدي، فقال له: يا أبا محرز، ما معنى قول الشاعر " من الكامل "؟ وإذا انتشيت فإنني ... ربُّ الخورنق والسدير وإذا صحوت فإنني ... ربُّ الشويهة والبعير فقال له خلف " من الكامل ": وإذا انتشيت فإنني ... ربُّ الحريبة والرميح وإذا صحوت فإنني ... ربُّ الدوية واللويح يعرض باليزيدي أنه معلم. - قال الأصمعي: قرأت على خلف شعر جرير، فلما بلغت قوله " من الطويل ": ويومٍ كإبهام القطاة محبب ... إليّ هواه غالبُ لي ماطله رزقنا به الصيد الغرير ولم نكن ... كمن نبله محرومة وحبائله فيالك يوماً خيره قبل شره ... تغيب واشيه وأقصر عاذله فقال: ويله! وما ينفعه خير يؤول إلى شر؟ فقلت له: كذا قرأته على أبي عمرو، فقال لي: صدقت وكذا كان يجب أن يقول؟ قال: الأجود لو قال: " فيالك يوماً خيره دون شره "، فاروه هكذا! فقد كانت الرواة قديماً تصلح أشعار القدماء. فقلت: والله لاأرويه بعدها إلا هكذا. - وقال خلف: ما أحد بيَّن عن حقيقة الطيف إلا قيس بن الخطيم في قوله " من الكامل ": ما تمنعي يقظي فقد تؤتينه ... في النوم غير مكدر محسوب كان المنى بلقائها فلقيتها ... فلهوت من لهو امرئ مكذوب ولا اتبعه حق الاتباع إلا ذو الرمة في قوله " من الطويل ": إذا نحن عرسنا بأرض سرى لنا ... هوى لبسته بالقلوب اللوابس نأت دار ميٍ أن تزار وزورها ... إذا مادجا الإظلام منَّا وساوس وقرأ أبو نواس على خلف، وأمره أن يرثيه وهو حي، فرثاه أبو نواس، فلما سمعه خلف قال له: أنت أشعر الناس! وقال له مرة أخرى: يابني لشعرك فوق سنك. - وجاء رجلٌ إلى خلف فقال: إني قد قلت شعرا أحببت أن أعرضه عليك. قال: هات! فأنشده " من الكامل ": رقد النوى حتى إذا انتبه الهوى ... بعث النوى بالبين والترحال ياللنوى جدُّ النوى قطع النوى ... بالوصل بين ميامن وشمال فقال له خلف: قولي، واحذر الشاة! فو الله لئن ظفرت بهذا الشعر لتجعله بعرا، على أني ما ظننت بك هذا كله. وقال الأصمعي: حج قومٌ بالبصرة وقدموا، فأهدى إليهم خلف هدية فقصروا في ثوابه، فقال " من الوافر ": سقى حجاجنا نوءُ الثريا ... على ماكان من لؤم وبخل همُ شدّوا القباب وأحرزوها ... فلو زادوا لها باباً بقفل وقد عدوا لنا شيئاً بشئٍ ... مقايضة له مثلا بمثل فإن أهديت فاكهة وكبشاً ... وعشر دجائج بعثوا بنعل ومسواكين طولهما ذراع ... وعشرٍ من صغار المقل خشل فإن أهديت ذاك ليحملوني ... على نعل فدق الله رجلي أناس مائهون لهم رواءٌ ... تغيم سماؤهم من غير وبل إذا نسبوا فحي من قريش ... ولكنَّ الفعال فعال عُكْل وقال ليحيى بن وردان وقد قدم من مكة فلم يهد إليه شيئاً " من البسيط ": هلا أتيت بقمري أربيه ... أو ساق حرٍ إذا ما شئت غناني فليس للبر والتقوى حججت ولا ... من خشية الله يايحيى بن وردان كنت الخبيث إذا شدوا محاملهم ... أيام مكة أنت الفاسق الزاني قال حبيب القاضي: خرجنا بسحرة نريد بعض الفقهاء ومعنا عباد بن صهيب، فجاء كلب حتى تشممه، ثم بال عليه، فقال خلف: كان هذا الكلب من قافة بني مدلج، وضع البول في موضعه!

стр. 28

وقال خلف: كنت أسمع ببشار وما كنت رأيته، فذكروه لي يوماً وذكروا بيانه وسرعة جوابه وجودة شعره، وأنشدوني شعراً ليس بالمحمود عندي. فقلت: والله لآتينه ولأطأطئن منه! فأتيته وهو جالس على باب داره، فرأيت أعمى قبيح المنظر عظيم الجثة، فقلت: لعن الله من يبالي بهذا! فوقفت أتأمله طويلاً، فبينا أنا كذلك إذ جاءه رجل فقال: إن فلاناً سبعك عند الأمير محمد بن سليمان ووضع منك. فقال: أفعل؟ قال: نعم! فأطرق، وجلس الرجل عنده وجلست، وجاء قومٌ فسلموا عليه، فلم يردد ﵈، فجلسوا ينظرون إليه، فندرت أوداجه فما نشب أن أنشدنا بأعلى صوته وأفخمه " من الكامل ": نبئت راكب أمه يغتابني ... عند الأمير وهل عليَّ أمير ناري محرقة وسيبي واسع ... للمعتفين ومجلسي مغمور ولي المهابة في الأحبة والعدى ... وكأنني أسد به تأمور غرثت حليلته وأخطأ صيده ... فله على لقم الطريق زئير فارتعدت والله فرائصي وعظم في عيني جداً وقلت في نفسي: الحمد لله الذي أنقذني من شرك! وذكر عليّ بن هارون المنجم عن أبيه أن خلفاً قال قصيدة نحلها عباد بن الممزق، يذكر فيها أبا محمد اليزيدي ويرميه باللواط بأملح معان وأقرب لفظ، وهي " من الكامل ": إني ومن وسج المطي له ... حدب الذرى اقرابها رجف يطرحن باليد السخال إذا ... حث النجاء الركب وازدهفوا وإذا قطعن مساف مهمهة ... تأتي تعرض دونه شرف والمحرمون لصوتهم زجل ... بفناء كعبته إذا هتفوا وافت بهم فرض مزممة ... مثل القسي ضوامر شسف مني إليه غير ذي كذبٍ ... ما أن رأى قوم ولا عرفوا في غبر الناس الذين بقوا ... والفرط الماضيين إذ سلفوا في معرك تلقى الكمي به ... للوجه منبطحاً وينحرف وإذا أكب القرن أتبعه ... طعناً دوين صلاه ينخسف لله درك أي ذي دلف ... في الحرب أنت إذا هم وقفوا لاتخطئ الوجعاء ألته ... ولا تصد إذا هم زحفوا وله جياد ليس تعوزها الاجلال والمضمار والعلف جرد يهان لها السويق وألبان اللقاح كأنها ترف مرد وأطفال تخالهم ... دراً تطابق فوقه الصدف ومتى يشا يجنب له جذع ... نهد أسيل الخد مشترف يمشي العرضنة تحت فارسه ... عبل الشوى في مشيه قطف ربذا إذا عرقت مغابنه ... ذهب السكون وأقبل العنف في حقوه عرد تقدمه ... صلعاء في يافوخها قنف جرداءُ تشحذ بالبصاق إذا ... دعيت نزال وهبّ ترتدف أقعت على قيد الذراع شديد الجلز في يافوخه جوف خاط ممر متنه ضرم ... لاخانه خور ولا قضف لو أنّ قناصاً تأمله ... نادى بحر الويل يلتهف وإذا يمسحه لعادته ... ودنا الطراد فمدعس قطف وإذا أبس به رباً وثرا ... حتى يكاد لعابه يكف ياليتني أدري أمنجيتي ... وجناء ناجية بها شدف من أن تعلقني حبائله ... أو أن يواري هامتي اللحف ربما أقول لصاحبي خلف ... إيها هديت تحرزن خلف فلو أنّ بيتك في ذرى علم ... من دون قلّة رأسه شعف ذلق أعليه وأسفله ... وعلا تنائف بينها قذف لخشيت جزرك أن يبيتني ... إن لم يكن لي عنك منصرف وهجا رجلاً كوسجاً يقال له محرز " من الوافر ": أمحرز ما نظرت إليك إلا ... ذكرت من النساء عجوز لوط أرى شعراً بخدك غير حلو ... شبيهاً حين يمشط بالخيوط فما شيء بأشبه من عجوز ... إذا فكرت من شيخ سنوط وقال يصف حية " من الوافر ": يرون الموت دونك إن رأوني ... وصل صفا لنابيه ذباب من المتطويات بكهف طود ... عرام لا يرام له جناب

стр. 29

أبى الحاوون أن يطوا حماه ... ولا تسري بعقونه الذئاب إذا ما استجرس الأصوات أبدى ... لساناً دونه الموت العباب يعظل نهاره نوماً سباتاً ... ونزوته طموراً وانسياب كأن جرادة نشرت عليه ... جناحاً فارتدى منها الحباب متى مايرم عن عينيه شخصاً ... فليس إلى الحياة له إياب وقال " من الكامل ": صب اإله على عبيد حية ... لاتنفع النفاث فيها والرقى جبلية تسري إذا ما جنها ... ليلٍ وتكمن بالنهار فما ترى مهروتة الشدقين ينطف نابها ... سماً ترى ما أن يهاب ويتقى خضرت لها عنق وسائر خلقها ... بض يبين كمثل مصباح الدجى وكأنما لبست بأعلى لونها ... برداً من الأثواب أنعجة البلى رقشاه تقتصد الطريق إذا دنا ... منها المساء كأنها ثنيا رشا قرناء أنساها الزمان فأدركت ... عاداً فليس لنهشه منها شفا أو حية ذا طفيتين أحله ... آباؤه في شامخ صعب الذرى فنشا بغار مظلم أرجاؤه ... لا الريح تصرده ولا برد الشتا لم تغشه شمس وحالف قعره ... فنهاره ومساؤه فيه سوا لو عض حرفي صخرة لتطايرت ... من نابه فلقا كأفلاق النوى أو حالكاً أما النهار فكامن ... متطرق فإذا رأى ليلاً سرى في عينه قبل وفي خيشومه ... فطس وفي أنيابه مثل المدى يلقى عبيداً ماشياً متفضلاً ... متخلفاً قد ملَّه طول السرى في ليلة نحس يحار هداتها ... لا لابساً خفاً يقيه ولاحذا فيحوصه في كعبه بمذرب ... ماضٍ إذا أنحى على عظم فرى وقال يدعو على رجل بالرتيلي " من الرجز ": ابعث له من الرتيلي سقما ... مذبوبة تبعث فيه ألما يظل منه لحمه مقسماً ... دهماء مثل العنكبوت أيما لم تبق بعلاً لا ولم تبق اينما ... جزاء خطاب بما تأثما وقال أيضاً في مثله " من الرجز ": ابعث له يارب ذات أرجل ... في فمها أحجن مثل المنجل دهماء مثل العنكبوت المحول ... تأخذه من تحته ومن عل وقال في العقرب " من الرجز ": يا ربنا ربَّ الشمال والصبا ... ومن سعى بالبيت أو تحصبا ابعث له تحت الظلام عقربا ... مصفرة تنمي إليه خببا تسل محجوباً نحيفاً نيربا ... أكلف لو مسسته لأندبا كأنما تمس منه حربا ... حتى إذا خالطه فضربا أتاك منه سائلاً محبباً ... فإن نجا فابعث إليه القرطبا فمرَّ يفري سبسباً فسبسباً ... فصعدا دماغه وصوبا وأكلا من لحمه وشربا ... جزاء خطاب بما تحوبا وقال في البرغوث " من الرجز ": يا عجباً للدهر ذي الإعجاب ... للأحدب البرغوث ذي الأنياب يلسع لسع العقرب الدباب ... يقفز بين الجلد والثياب وقال " من الرجز ": وحية مسكنه الرمال ... كأنه إذا انثنى خلخال وقال " من الرجز ": ابعث على الكذاب في برد السحر ... حية غار في منيف مشمخر وقال " من الرجز ": وحنش كأنه رشاء ... أسود ما لمسه دواء وقال في مرض موته " من الرجز ": يا أيها الليل الطويل ذنبه ... كأن ديناً لك عندي تطلبه أما لهذا الليل صبح يقربه وتمثل عند موته بهذا البيت " من البسيط ": لايبرح المرء يستقري مضاجعه ... حتى يبيت بأقصاهن مضجعا وقال المبرد: إن خلفاً بقي إلى وفاة الرشيد أو بعد ذلك. وقال عبد الباقي ابن قانع: توفي خلف سنة خمس وسبعين ومائة. وهذا بعيد مما أورده المبرد لأن الرشيد توفي سنة ثلاث وتسعين ومائة، والله أعلم. ١٨ - ومن أخبار أبي محمد اليزيدي

стр. 30

هو يحيى بن المبارك بن المغيرة العدوي، وإنما سمي اليزيدي لصحبته يزيد بن منصور خال المهدي، وبذلك كبر وارتفع صيته، وكان من غلمان أبي عمرو بن العلاء. - ثم أدب المأمون وكان ابنه محمد لاصقاً بالمأمون من أهل أنسه، وكان يدخل إلى المأمون مع الفجر فيصلي به ويدرس عليه المأمون ثلاثين آية، وكان لايزال يعادله في أسفاره ويفضي إليه بأسراره. - وكان شاعرا فصيحاً نحوياً، روى عنه أبو عبيد القاسم بن سلام. وله " كتاب نوادر في اللغة " على مثال كتاب نوادر الأصمعي الذي عمله لجعفر بن يحيى البرمكي، وفي مقدار عدد ورقه، وله جامع شعر جيد. وأخذ عن الخليل بن أحمد العروض وغيره، وكتب عن أبي الوليد عبد الملك بن جريج، وتوفي ابن جريج سنة خمسين ومائة. - قال ابو هفان: أشعر العلماء النبل أربعة: الكميت والطرماح والكساني واليزيدي. وله من الأولاد محمد وإبراهيم وإسماعيل وعبد الله ويعقوب وإسحاق، وترتيبهم في السن على هذا النسق: فيعقوب وإسحاق تزهدا وكانا عالمين بالحديث، والأربعة برعوا في اللغة العربية، ونادم المأمون من هذه الجماعة محمد وإبراهيم، وكان محمد المتقدم وهو الخارج مع المعتصم حين خرج إلى المبيضة بمصر، فمات محمد بها ومات الباقون ببغداد. قال اليزيدي: اجتمعت مع الكسائي عند المهدي فقال: كيف نسبوا إلى البحرين؟ فقالوا: بحراني! ونسبوا إلى الحصنين؟ فقالوا: حصني! ولم يقولوا: حصناني؟ قلت: أصلح الله الأمير، إنهم لو نسبوا إلى البحرين فقالوا بحري لم يعرف إلى البحرين نسبوه أم إلى البحر، ولما جاؤا إلى الحصنين لم يكن موضع آخر يقال له الحصن ينسب إليه غير الحصنين فقالوا حصني. قال أبو محمد اليزيدي: فسمعت الكسائي يقول لعمر بن بزيع: لو سألني الأمير لأخبرته فيها بعلة هي أحسن من هذه. قال أبو محمد: قلت: اصلح الله الأمير! إن هذا يزعم أنك لو سألته لأجاب بأحسن مما أجبت به. قال: فقد سألته. فقال الكسائي: لما نسبوا إلى الحصنين كانت فيه نونان فقالوا: حصني اجتراء بإحدى النونين من الأخرى، ولم يكن في البحرين إلا نون واحدة فقالوا بحراني. فقلت: أصلح الله الأمير، كيف ينسب رجلاً من جنان يلزمه أن يقول جني لأن في جنان نونين؟ فإن قال كان ذلك، فقد سوى بينه وبين المنسوب إلى الجن! فقال المهدي: فتناظرا! قال: فتناظرنا. قال: وسأل المأمون اليزيدي عن شيء، فقال: لا وجعلني الله فداءك يا أمير المؤمنين! فقال: لله درك! ما وضعت واو قط موضعاً أحسن من وضعها في لفظك هذا! - وشكا اليزيدي إلى المأمون خلَّة أصابته وديناً ارتكبه، فقال: ماعندنا في هذه الأيام ما إن أعطيناكه بلغت به ماتريد. فقال: عندك منادمون فيهم ما إن حركته نلت منهم ما أريد، فأطلق لي الحيلة فيهم! قال: قل مابدا لك! قال: إذا حضروا وحضرت الباب فمر فلانا الخادم أن يوصل إليك رقعتي، فإذا قرأتها فأرسل إليّ: دخولك في هذا الوقت متعذر، ولكن أختر لتفسك من أحببت ينادمك! فقال: أفعل! فلما علم أبو محمد بجلوس المأمون واجتماع ندمائه إليه أتى الباب فدفع الرقعة إلى الخادم الذي ذكره للمأمون، فأوصلها إليه، فقرأها فإذا فيها " من السريع ": ياخير إخوان وأصحاب ... هذا الطفيلي على الباب خبر أنذَ القوم في دعوة ... يرنو إليها كلُّ أواب فصيروني بعض جلاسكم ... أو أخرجوا لي بعض أصحابي فقرأها المأمون على من حضره، فقالوا: ما ينبغي أن يدخل علينا الطفيلي. فأرسل إليه المأمون: دخولك في هذا الوقت متعذر، فأختر لنفسك من أحببت نخرجه إليك لتنادمه! فقال: ماأرى لنفسي اختياراً غير عبد الله بن طاهر. فقال له المأمون: قد وقع اختياره فصر إليه! فقال: ياأمير المؤمنين، فأكون شريك الطفيلي؟! قال: فما يمكت ردُّ أبي محمد عن أمرين فإن أحببت أن تخرج وإلا فافد نفسك! فقال: ياأمير المؤمنين، له عليَ عشرة آلاف درهم! قال: لاأحسب ذلك يقنعه منك ومن مجالستك. قال: فلم يزل يزيده عشرة والمأمون يقول له: لاأرضى له بذلك! حتى بلغ المائة، فقال له المأمون: فعجلها له! فكتب بها إلى وكيله ووجه معه رسولاً. فأرسل المأمون إلى أبي محمد: تقبض هذه في هذا الوقت أصلح لك من منادمته على مثل حاله وأنفع عاقبة.

стр. 31

وقيل: إنه استأذن على المأمون ينادمه، فأخطا في كلام تكلم به، فانقبض المأمون من ذلك، فعرفه ذلك بعض الناس، فأتاه وهو متكفن متحنط وأنشده " من الطويل ": أنا المذنب الخطاء والعفو واسع ... ولو لم يكن ذنب لما عرف العفو فقبل عذره وعفا عنه. اجتمع اليزيدي وسلم الخاسر عند عيسى بن عمر، فقال سلم لليزيدي: اهجني وليكن على روي قصيدة امرئ القيس " من المديد ": ربَّ رام من بني ثعل ... مخرج كفيه من ستره فقال اليزيدي وكان حيياً عفيفاً: مالك ولهذا؟ قال سلم: كذلك أريد! فقال اليزيدي: ما أغنانا عن التعرض للنشر فلتسعك العافية! وأراد سلم أن يعرف عيسى أن لليزيدي مفحم عيي، فقال سلم: إنك لتحتجز بغاية الاحتجاز. فقال عيسى: سألتك يا أبا محمد إلا فعلت! فأخذ نعله وقلبها وكتب عليعا " من المديد ": ربَّ مغموم بعافية ... غمط النعماء من أشره وامرئ طالت سلامته ... فرماه الدهر من غيره بسهام غير مشويةٍ ... نقضت منه قوى مرره وكذاك الدهر منقلب ... بالفتى حالين من عصره يخلط العسرى بميسرة ... ويسار المرء في عسره عق سلم أمه سفهاً ... وأبا سلم على كبره كلُّ يومٍ خلقه رجلٌ ... رامح يسعى على أثره يولج الغرمول سبته ... كولوج الضب في حجره فقال سلم: هكذا استدعاء الشر والشقاء، ما كان أغناني عن هذا! فقال عيسى: لاأبعد الله غيرك! ولاأتعس إلا جدك! قد كان الرجل يستعفيك ويحترز منك أشد الاحتراز، بقياً على دينه فأبيت إلا ماسمعت. ومن شعر اليزيدي " من السريع ": من يلم الدهر ألا ... فالدهر غير معتبه أو يتعجب لصرو ... ف الدهر أو تقلبه وكل ذي عجوبة ... جار إلى تعجبه مضى بذاك مثل ... من ير يوماً ير به قول حكيم قاله ... في سالفات حقبه ورأس أمر لامرئ ... خير له من ذنبه حتف امرئ لسانه ... في جده أو لعبه بين اللهى مقتله ... ركب في مركبه ورب ذي مزح أفيتت نفسه في سببه ليس الفتى كلَّ الفتى ... إلا الفتى في أدبه وبعض أخلاق الفتى ... خير له من نسبه يحلم عنك في الرضا ... كحلمه في غضبه وذو النهى ليست تبا ... عات الهوى من أدبه لما يرى من أفنه ... فيه ومن تشعبه وآفة الرأي الهوى ... والحزم في تجنبه والأصل ينمي فرعه ... والمرء عند حسبه واظنن بكل كاذب ... ما شئت بعد كذبه والصدق من أفضل ما ... يؤثر عن مكتسبه من يقنع الدهر وإن ... قلَّ اثاث نشبه يعش رحيباً باله ... في ضيقه أو رحبه ومن يصاحب صاحباً ... ينسب إلى مستصحبه بزانيات رشده ... أو شانيات رتبه وربما عرَّ صحا ... حاً جرب بجربه يعرف من حال الفتى ... في لبسه ومركبه وفي شمأزيزته ... منك وفي تعتبه عليك او إصغائه ... إليك أو تحببه والحر قد تعرفه ... بلينه وقربه وعزمه وحزمه ... ورأيه وحدبه والمرء قد يدركه ... يوماً جنود منصبه بجهله يعرف و ... سيماه في توثبه وشرة النفس وفي ... إلحاحه وطلبه رفيق كل مطمع ... بحرصه وتعبه وقد تعدى طوره ... عن كنهات رتبه وقال " من الكامل ": آخ الكريم فإن ... صحبتك اللئام عليك وصمه والمال أصلحه ... فليس لمقتر في الناس حرمه وإذا استشرت فلا تشا ... ور غير من جربت حزمه

стр. 32

واحلم إذا جهل الجهو ... ل إذا دعتك الجهل حلمه ودع المراء لأهله ... واحذر معرته وإثمه وقال " من الكامل ": استبق ودَّ أبي المقا ... تل حين تدنو من طعامه سيان كسر رغيفه ... أو كسر شئ من عظامه ويصوم كرها ضيفه ... لم ينو أجرا في صيامه وقال " من الكامل ": باعد أخاك ببعده ... وإذا دنا شيئاً فزده كم من أخ لك ياابن بشار وأمك لم تلده وقال يهجو علماء البصرة والكوفة " من السريع ": وقل لمن يطلب علماً ألا ... ناد بأعلى شرف ناد ياضيعة النحو به مغرب ... عنقاء أودت ذات إصعاد أفسده قوم وأزروا به ... من بين أغتام وأوغاد ذوي مراء وذوي لكنة ... لئام آباء وأجداد لهم قياس احدثوه هم ... قياس سوء غير منقاد فهم من النحوواو عمرواأعمار عادٍفي أبي جاد أما الكسائي فذاك امرؤ ... في النحو حادٍ غير مزداد وهو لمن يأتيه جهلاً به ... مثل سراب البيد للصادي كان أبو عبيدة معمر بن المثنى يتهم بالغلمان، فجاء أبو محمد وحمل غلاما على عاتقه وقال له: اكتب على السارية التي يجلس إليها أبو عبيدة " من البسيط ": صلى الإله على لوط وأسرته ... أبا عبيدة قل بالله 'مينا وأنت عندي بلا شكٍ تبيتهم ... منذ احتلمت وقد جاوزت سبعينا فلما دخل أبو عبيدة المسجد وإذا السارية مكتوب في أعلاها البيتان، فحمل رجلاً على عنقه وقال: امحه! فقال: قد محوته وقد بقيت الطاء. فقال: امحها! فإنما البلاء في الطاء. وقال أبو زيد الانصاري يهجو أبا محمد " من الخفيف ": وجه يحيى يدعو إلى البصق فيه ... غيلا أني أصون عنه بصاقي وقال أبو محمد " من الوافر ": متى ما تسمعي بقتيل عشق ... أصيب فإنني ذاك القتيل فأخذ المعنى ابنه أبو عبد الله فقال " من الوافر ": بكيت ولم يهج حزني ... رسومٌ لا ولا طلل ولكن للنوى أبكي ... وطول العهد ياأمل أتيتك عائذا بك منك لما ضاقت الحيل وصيرني هواك وبي ... لحيني يضرب المثل فإن سلمت بكم نفسي ... فما لاقيته جلل وإن قتل الهوى رجلاً ... فإني ذلك الرجل وقال أبو محمد " من السريع ": قومٌ كرامٌ ماعدا أنهم ... صولتهم منهم على جارهم وتوفي أبو محمد ﵀ اثنتين ومائتين وكذا ذو الرئاستين. آخر الجزء الاول من نور القبس والحمد لله وحده ١٩ - ومن أخبار أبي عبد الله محمد بن أبي محمد اليزيدي قال محمد بن العباس اليزيدي: قال جدي محمد "..... " وأنشدها المأمون " من الكامل ": الجهل بعد الأربعين قبيح ... فزعِ الفؤاد وإن ثناه جموح وبع السفاهة بالوقار وبالنهى ... ثمن لعمرك إن عقلت ربيح وأغنم بقايا من شبابك آذنت ... بتصرم والجسم منك صحيح فلقد حدا بك حاديان إلى البلى ... ودعاك داعٍ بالرحيل فصيح إلى غير ذلك من النمط، فبعث إليه الرشيد: مالنا وما لهذا الشعر يا محمد؟ فقال " من الكامل ": يسعى إليك بها غلام أهيف ... من جيبه ريح العبير يفوح ميسان أما دلّه فمخنثٌ ... غنج وأما وجهه فمليح وقال " من الوافر ": صحيحٌ وُدٌّ من أمسى عليلاً ... ليكتب أو يرى لكم رسولا رآك نشوبه الهجران حتى ... إذا ما أعتل كنت له دليلا هما موتان موتُ هوى وهجرٍ ... وموت الهجر شرهما سبيلا وقال غيره في المعنى وأحسن منه " من الطويل ": يودُّ بأن يمسي سقيماً لعلها ... إذا سمعت عنه بشكوى تراسله ويهتزُ للمعروف في طلب العلى ... لتحمد يوماً عنه سلمى شمائله قال محمد: دخلتُ على المأمون، فقال لي: أما ترى عتق هذا الشراب حتى لم يبق إلا أقله، ما أحسن ما قيل في قدم الشراب؟ فقلت: قولُ الحكمي " من المديد ":

стр. 33

عُتِقت حتى لو أتصلت ... بلسان ناطقٍ وفم لاتبت في القوم ماثلة ... ثمَّ قصت الأمم فقال: كان هذا في نفسي. ثمّ نكت في الأرض ورفع رأسه وقال: يا محمد، قد قلت شعرا في شربنا! ثمّ أنشدني " من البسيط ": إني وأنت رضيعاً قهوةٍ نطفت ... عن العيان ودقَّت عن مدى الفهم مابيننا رحمٌ إلا إدارتها ... والكأس حُرمتها أولى من الرحم وقال محمد بن يزيد: كنتُ بباب المأمون، إذ جاءه محمد بن أبي محمد اليزيدي، فقال له الحاجب: قد أخذ أمير المؤمنين دواءٍ وأمرني أن لاآذن لأحد. فقال له: فأمرك ألا تدخل رقعة؟ قال: لا. فدعا بدواةٍ وقرطاس وكتب " من الوافر ": هديتي التحية للإمام ... إمامِ العدل والملك الهمام لأني لو بذلت له حياتي ... وما أحوي لقلا للإمام اراك من الدواءِ الله نفعاً ... وعافيةً تكون إلى تمام وأعقبك السلامة منه ربٌّ ... يريك سلامةً في كل عام ااذن في الدخول بلا كلام ... سوى تقبيل كفك والسلام فأدخل الحاجب الرقعةَ وخرج مبادراً وأدخله، فقبل يده، ثمّ ضمه إليه، وحمل معه ثلاثة آلاف دينار. - وقال " من الكامل ": نعم المحدّث والنديمُ كتابُ ... تلهو به إن ملك الأحباب لا مفشياً سِراً إذا استودعته ... ولديه ما تحيى به الألباب لا عيب فيه غير أنَّ ندامهُ ... لا أكلَ فيه وليس ثمَّ شراب ٢٠ - ومن أخبار أبي إسحاق إبراهيم بن أبي محمد اليزيديّ كان ذا حظ وافرٍ من الأدب، وله الكتاب الذي يصول به اليزيديون ويفتخرون وهو " ما أتفق لفظه واختلف معناه " في نحو من سبعمائة ورقةٍ، وله " كتاب مصادر ونوادر من لغات العرب " وكان شاعراً فاضلا. حضر مجلس المأمون يحيى بن أكتم وإبراهيم بن أبي محمد اليزيدي، فأقبل يحيى على إبراهيم يمازحه فقال يحيى لإبراهيم: مابال المعلمين ينيكون الصبيان؟ فرفع إبراهيم رأسه، فإذا المأمون يحرش يحيى على العبث به، فغاظ ذلك إبراهيم فقال إبراهيم: أمير المؤمنين أعلم خلقِ الله بهذا، إلا أنَّ أبي أدَّبه. فقام المأمون من مجلسه، ورفعت الملاهي وكلّ ماكان بحضرته، فأقبل يحيى على إبراهيم فقال: أتدري ما أتيت وما تكلمت؟ إني لأحسب أنّ هذا سبب زوال أمركم! قال إبراهيم: فزالت عني سورة النبيذ، وسألت بعض الخدم أن يحضر لي دواةٍ ورقعة، فأحضرها، فكتبت معتذراً " من الطويل ": أنا المُذنب الخطاء والعفو واسعٌ ... ولو لم يكن ذنبٌ لما عرف العفو سكرت فأبدت مني الكأس بعض ما ... كرهت وما إن يستوي السُكر والصحو ولاسيما إذ كنتُ عند خليفةٍ ... وفي مجلسٍ ما إن يليقُ به اللغو ولولا حمياً الكأس كان احتمال ما ... بدهت به لاشك فيه هو السرو تنصلت من ذنبي تنصل ضارع ... إلى من لديه يغفر العمد والسهو فإن تعفُ عني ألفِ خطوي واسعاً ... وإن لايكن عفوٌ فقد قصر الخطو قال: فأدخلها الحاجب ثمّ خرج إلي فأدخلني، فمدّ المأمون باعيه، فأكببتُ على يديه فقبلتهما، فضمني إليه وأجلسني ثمّ قال: مه يا أبا إسحاق، فإن الشراب بساط يطوي ماعليه. ٢١ - ومن أخبار أبي عليّ اسماعيل بن أبي محمد اليزيدي كان راويةً أديباً شاعرا، وابنه أبو الحسن أحمد مثله، ولإسماعيل كتاب في طبقات الشعراء لطيف، ومات أحمد قبل أبيه وأسن إسماعيل وله " من البسيط ": أتت ثمانون فاستمرت ... بالنقص من قوتي وحزمي فرقّ جلدي ودقّ عظمي ... واختل بعد التمام جسمي وقد رماني الزمان منه ... في العين من ركبتي بسهم فإن أنؤتؤت لا بحمد ... لقوةٍ الساق بل بذم كأن ما كنت فيه مما ... خلا من العيش ضغث حلم ٢٢ - ومن أخبار أبي جعفر أحمد بن محمد بن أبي محمد اليزيدي

стр. 34

قال أحمد بن محمد: كنا بين يدي المأمون فأنشدته مدحاً له، فقال: لئن كانت حقوق أصحابي تجب عليَّ بطاعتهم بأنفسهم، فإن أحمد بن محمد تجب له المراعاة والتفقد بنفسه وصحبته ولأبيه وخدمته ولجده وسبقته، وإنه لعريق في موالاتنا، متصلُ النسب في خدمتنا. فقلت: علمتني والله يا أمير المؤمنين كيف أقول! ثمّ تنحيّت ورجعت فأنشدته " من الكامل ": ليَ بالخليفة أعظم السبب ... فيه أمنت بوائق العطب ملك غذتني كفه فأبي ... قبلي وجدي كان قبل أبي فاختصني الرحمن منه بما ... أسمو به في العجم والعرب فقال: نظمت أحمد ما نثرناه. وقال أحمد: دخلت على المأمون في مجلس غاص بأهله، فأنشدته مديحاً فيه، وكان يستمع من الشعراء ماكان فيه نسيب أو وصف ضربٍ من الضروب حتى - إذا بلغ إلى مديحه فأنشد منه المنشد بيتين أو ثلاثة - قال: حسبك ترفعاً! فأنشدته " من الكامل ": يامن شكوت إليه ماألقاه ... وبذلت من ودي له أقصاه فأثابني بخلاف ما أملته ... ولربما حرم الحريص مناه أترى جميلاً إن شكا ذو صبوة ... فهجرته وغضبت من شكواه يكفيك صمت أو جواب مؤيس ... إن كنت تكره وصلهُ وهواه موت المحب سعادة إن كان من ... يهواه يزعم أنّ فيه رضاه فلما صرت إلى المديح قلت " من الكامل ": أبقى لنا الله الإمام وزاده ... عزاً إلى العز الذي أعطاه فالله أكرمنا بأنا معشرٌ ... عتقاءُ من نعم العباد سواه فسرَّه ذلك وضحك وقال: جعلنا الله وإياكم ممن يشكر النعم بحسن العمل. قال أحمد: قال لي المأمون وبحضرتنا يحيى بن أكتم: ياأحمد، أريد أبياتاً في الخضاب لم يتداولها الناس ولم يُقلْ في معناها. قلتُ: الساعة يا أمير المؤمنين! قال: فاعتزلت ناحية فقلت " من المتقارب ": إذا ظلم الشيبُ رأس الفتى ... فنازله وهو غضُّ الشباب فأحسن حالاته ستره ... ليترك أحبابه في ارتياب فبين مكذبةٍ إن وشى ... إليها به كاشحٌ ذو اغتياب وبين مصدقهةٍ لم ترع ... بحدة صاحبها في الخضاب بذلك أوصي بني أربعين ... وخمسين أو نحو هذا الحساب فان طال عُمرٌ فترك الخضا ... ب أولى بهم لانقضاء التصابي قال: فاستحسنها المأمون، فقال يحيى: يا أمير المؤمنين، فيها عيب! قال: ماهو؟ قال: لم يمدح أمير المؤمنين فيها! قال: فقلت: إنما أمرني أن أقول في الخضاب. ثمّ قلت " من المتقارب ": لقد أجمع الناس أنّ الإمام ... لقد بان بالفضل في كلّ باب وما زال مذ ساس أمر العباد ... يوفقُ في حكمه للصواب فآراؤه كلُّها حازمٌ ... إذا عيَّ بالرأيِ أهل الخطاب قليل العقوبة للمذنبيين ... وللمحسنيين جزيلُ الثواب فبلغه الله آماله ... وصير أعداءه في تباب وأمكنه من بلاد العدو ... ليحكم فيها بحكم الكتاب وقد كان همَّ بالخروج إلى بلاد الروم. ٢٣ - ومن أخبار أبي العباس الفضل بن محمد بن أبي محمد اليزيدي كتب إلي أبي صالح عبد الله بن محمد بن يزداد وكان يداعبه، فجرت بينهما جفوة " من السريع ": استحي من نفسك في هجري ... واعرف بنفسي أنت لي قدري واذكر دخولي لك في كلّ ما ... يجمل أو يقبح من أمري قد مرّ لي شهرٌ ولم ألقكم ... لا صبر لي أكثر من شهر قال إبراهيم بن المدُبَّر: اجتمع عندي يوماً الفضل اليزيدي والبحتري وأبو العيناء، فجعل الفضل يلقي على بعض الفتيان نحواً، فقال له أبو العيناء: في أي بابٍ هو من النحو؟ قال: في باب الفاعل والمفعول به. فقال: هذا بابي وباب الوالدة حفظها الله! فغضب الفضل وخرج، ثمّ خرج البحتري من بغداد إلى سُرَّ من رأى وكتب إليّ بشعر وقال " من الخفيف ": ذكرتنيك روحة للشمول ... أوقدت لوعتي وهاجت غليلي ليت شعري يا ابن المدبر هل يد ... نيك فرطُ الرجاءِ والتأميل

стр. 35

بعد العهد غير رجع كتاب ... يصف الشوق أو بلاغ رسولي أيُّ شئٍ ألهاك عن سرَّ من ر ... أى وظلٍّ للعيش فيها ظليل اقتصاراً على أحاديث فضلٍ ... وهو مستبردٌ كثير الفضول وهي طويلة وآخرها: جُلُّ ما عنده الترددُ في الفا ... عل من والديه والمفعول قال ابن المدبر: فأمرت أن يكتب جواب الكتاب ويوجه إليه بمائة دينار، ودخل أبو العيناء، فأقرأته الشعر، فقال: أعطني نصف المائة، هجاه والله بكلامي! فأخذ خمسين، ووجهت إلى البحتري بخمسين وعرفته الخبر، فكتب إليَّ البحتري: صدق والله، مابنيت إلا عليه! ٢٤ - أخبار رجلٍ من اليزيديين لم يسمَّ قال هذا اليزيدي: دخلت دار الواثق، فرآني من حيث لا أراه أمشي مسترسلاً، فلَّما دنوت منه قال: أتخطر في داري؟ فانقدعت حياءً، فقال: كيف تقول: قام زيدٌ؟ فقلت: قام زيدٌ. فقال: كيف تقول: لم يقم زيدٌ؟ فقلت: لم يقم زيد. قال: كيف تقول: أقيم زيد؟ قلت: أُقيم زيد. قال: مرفوع إذا فعل وإذا لم يفعل وإذا فُعل به. فقلت " من الرمل ": أحدث الواثقُ بالله لأهل النحو كيداً وهو المانعُ أن يضرب عبد الله زيدا ٢٥ - ومن أخبار سيبويه وهو أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر ويقال: كنيته أبو الحسن، من موالي بني الحارث بن كعب، ويقال: هو مولى آل الربيع بن زياد الحارثي، وتفسير سيبويه بالفارسية رائحة التفاح، وقيل: إن امرأة كانت ترقصه وهو صغير تقول له ذلك. أخذ النحو عن عيسى بن عمر ويونس بن حبيب والخليل بن أحمد، واللغة عن أبي الخطاب الأخفش وغيره. قال ابن دريد: هو من أهل أرجان. وقيل: إنه كان يستملُّ على حماد بن سلمة، فقال له حماد يوماً: قال رسول الله ﷺ : ما أحدٌ من أصحابي إلا وقد أخذت عليه ليس أبا الدردراء. فقال سيبويه: ليس أبو الدردراء. فقال حماد: لحنت يا سيبويه! فقال سيبويه: لاجرم لأطلبن علماً لاتلحنني فيه أبداً! فطلب النحو ولزم الخليل. قال المبرد: لم يقرأ أحدٌ كتاب سيبويه عليه وإنما قُرئ بعده على أبي الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش، وكان ممن قرأه على الأخفش صالح بن إسحاق الجرمي. - قال أبو زيد النحوي يفتخر: كلُّ ما حكى سيبويه في كتابه فقال: أخبرني الثقة، فأنا أخبرته. - قال الأخفش: كان الكسائي جاءنا إلى البصرة وسألني أن أقرئه كتاب سيبويه، ففعلت، فوّجه إليَّ خمسين ديناراً. وكان الأخفش أسنَّ من سيبويه، ولم يأخذ عن الخليل. وقال الفراء: كان سيبويه عضلة من العضل، ولما قال بشار في وصفه السفينة " من الطويل ": تُلاعب نينان البحور وربما ... رأيت نفوس القوم من جريها تجري أنكر سيبويه ذلك على بشار وزعم أن العرب لاتجمع النون على نينان، وأتصل ذلك ببشار، فقال: ويحه! أما يقول: حُوت وحيتان وغول وغيلان؟! - وقيل: إن الذي عاب عليه ذلك أبو الحسن الأخفش - وتوعد بشار سيبويه ولدغه بأبيات، فكف سيبويه عن تتبع شعره واحتج ببعضه تقرباً إليه واستكفافاً لشره. وقد كان في نسيب هذه القصيدة " من الطويل ": على الغزلي مني السلام فربما ... لهوت بها في كلّ مخضرّة زهرِ يريد بالغزالي الغزل، فعاب عليه سيبويه " الغزالي " وقال: لم يسمع هذا من العرب. واتصل ذلك ببشار فقال: هذا مثلُ النقري والجفلي والمرطي وهو السرعة في المشي. وقال بشار فيه " من الطويل ": اسيبويه يا ابن الفارسية مالذي ... تحدثت من شتمي وما كنت تنبذُ أطلت تغنى سادراً بمساءتي ... وأُمك بالمصرين تعطي وتأخذ فقيل لبشار: تنسبه إلى الفارسية؟ فقال: نسبته إلى أعرف أبويه. قيل: فلم جعلتها فارسية؟ قال: إن بفارس الوضيع والشريف. - وقال أبو محكم: كانت بالبصرة امرأة زانية يقال لها الفارسيَّة، مشهورة بالزنا، فكان أهل البصرة إذا أرادوا أن يزنُّوا إنساناً قالوا: يا ابن الفارسية! وإلى هذا ذهب بشار. قال ابن سلام: سألت سيبويه عن قوله : (لَلَوْلا كانتْ قَرْيَةٌ آمنَتْ فَنَفَعها إيمانَهُا إلا قَوْمَ يُونُس) على أي شيء نصب؟ قال: ألا إذا كانت بمعنى لكنَّ نصبت.

стр. 36

وقيل: كان سبب ميتة سيبويه أنه كان عنده صديق له، فتمسى عنده وأخذ منه الشراب، فحرص به صاحب المنزل أن يبيت عنده، فأبى فوجّه معه غلاماً ليوصله إلى منزله، فصار إلى دربه وقد أغلق دونه، فتسور الدرب ومكث الغلام مكانه، فتردى من أعلى الدرب على رأسه فوقص فسمع وهو يقول " من الطويل ": يَسُرُّ الفتى ماكان قدَّم من تقى ... إذا أبصر الداءَ الذي هو قاتله وقيل: إنه مات من علة وله ثمان وثمانون سنة. - وقيل له في علته التي مات فيها: ماتشتهي؟ فقال: أشتهي أن أشتهي. وقيل: لما احتضر وضع رأسه في حجر أخيه، فأغمي عليه، فدمعت عبنُ أخيه فقطرت قطرة من دموعه على خده، فأفاق من غشيته فرأى أخاه يبكي فقال " من الطويل ": أخَييَّنِ كنَّا فرَّقَ الدَهْرُ بيننا ... إلى الأمدِ الأقصى فمن يأمن الدَهْرا وقال ابن دريد: مات سيبويه بشيراز وقبره بها. وقال عبد الباقي بن قانع: مات بالبصرة سنة احدى وستين ومائة. قال المرزباني: وهم فيهما جميعاً أعني في الموضع والتاريخ. ٢٦ - ومن أخبار أبي الحسن الأخفش وهو سعيد بن مسعدة المجاشعي، مولى بني مجاشع بن دارم، وضع كتباً في النحو، ومات قل استتمامها، ولو بقي وخرج علمه ما تقدمه أحد. وقيل: كان أعلم الناس بالكلام وأحذقهم فيه بالجدل، وكان غلام أبي شمر على مذهبه. قال أبو عثمان المازني: قال لي الأخفش: أتلزم الأصمعي؟ قلت: ما أفارقه. قال: أتتعلم منه النحو؟ قلت: لا، ولكنني أتعلمُ منه المعاني واللغة والشعر. فقال: سلني عن شيء منه! فقلت: عن صعبه أم سهله؟ فقال: سهله. فقلت: مايريد الشاعر بقوله " من الهزج ": أمن زينب ذي النارُ ... قبيل الصبح ماتخبو إذا ما خمدت يلقى ... عليها المندلُ الرَطبُ ولم أعرب البيت ألول كله؟ فقال الأخفش: أمن زينب صاحبة النار؟ فقلت: ليس هذا هكذا عنده، يريد: هذه النار التي تخبو. فقال: هذا أحسن. قال المبرد: مات الأخفش بعد الفراء، ومات الفراء سنة سبع ومائتين بعد دخول المأمون العراق " بثلاث سنين ". قال الأخفش: ".... " احتجت أنّ أركب في حاجة لي، فأردت أن أستعير منه دابته، ودابة لاتقع في الشعر لأن فيه حرفين ساكنين ملتقيين أحدهما الألف والآخر الباء المدغمة، فكتبت إليه " من المتقارب ": أردت الركوب إلى حاجتي ... فمرُ لي بفاعلة من دببتُ فكتب إليَّ " من المتقارب ": بُريذيننا يا أخي غامز ... فكن محسناً فاعلاً من عذرتُ وقال أبو حاتم السجستاني: كنت عند أبي الحسن الأخفش وعنده التوزي، فقال لي: ياأبا حاتم، ماصنعت في " كتاب المذكر والمؤنث "؟ قلتُ: قد عملت في ذلك شيئاً. قال: فما تقول في الفردوس؟ قلت: ذَكَر. قال: فإن الله يقول: (الفرِدوسَ هُم فيهَا خَالِدونَ) . قلت: ذهب إلى الجنة فأنث. قال لي التوزي. ياغافل، أما تسمع الناس يقولون: أسألك الفردوس الأعلى!؟ فقلت: يانائم، الأعلى ههنا أفعل وليس بفعلي! قال الأخفش: حدثنا المجالد بن سعيد عن الشعبي قال: قالت كاهنة أشجع في الجاهلية: الرجالُ أربعة والنساء أربع: فطويل نعنع وقصير مدقع ومن لايضر ولا ينفع وأسك أصمع. وإنما أرادت الذكر فأوقعت اللفظ على الرجال والمعنى للذكر؛ وقولها: مُدقعٌ: لاشيء عنده من آلة الجماع، والأسك: الصغير الكمرة، ومن لايضر ولا ينفع: عنينٌ. والنساءُ أربعٌ: فمنهن الحرحة: وهي المساحقة، والشَّفرة: وهي التي شهوتها بين شفريها، والقعرة: التي شهوتها في أقصاه والعنينة. قال الأخفش: سمعت عيسى بن عمر يقول: الزابن واحد الزبانية، وقال بعضهم: واحدها الزباني والزبنية، والعرب لاتكاد تعرف هذا وتجعله من الجمع الذي لاواحد له مثا أبابيل، وتقول: جاءت إبلي أبابيل أي فرقاً، وهذا يجيءُ في معنى التكثير مثل عبابيد وشعارير. - قال: وكُلّ ماكان من الأسماء الأعجمية تحسن فيه الألف واللام في حال المعرفة فاصرفه مثل راقودٍ وياقوت وطاووس وزن فاعول. - وقال في قوله ﷺ : لايدخل الجنة قتات! القتات والقساس: النمام. ٢٧ - ومن أخبار النضر بن شُميل بن خرشة بن يزيد بن كلثوم المازنيّ

стр. 37

كنيته أبو الحسن، بصري الأصل، نزل مرورود وهي من بلاد بني مازن؛ وكان راوية عن البصريين، سمع من ابن عونٍ وشعبة بن الحجاج وأشكال هؤلاء، كان ثقة ثبتاً صاحب عربية، وكان يدعو إلى السُنَّة، ومات بمرورود سنة أربع وقيل ثلاث ومائتين. قال النضر: دخلت على المأمون يوماً بمرو وعليَّ أطمار ثيابٍ رثةٍ، فقال: أتدخل على الخليفة في مثل هذه الاطمار؟ فقلت: إن حرَّ مرو لايدفع إلا بمثل هذه الأخلاق. قال: ولكنك متقشف! ثمّ تجارينا الحديث، فقال المأمون: حدثني هشيم بن بشير عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان في ذلك سدادٌ من عوز. وكان المأمون متكئاً فاستوى جالساً وقال: يانضر، السداد لحن! قلت: هو في هذا الحديث لحن، وإنما لحنه هشيم لأنه كان لحانةً. فقال: مالفرق بينهما؟ قلت: السداد القصد في الدين والسبيل، والسداد البلغة! - وقال الجوهري والسداد ما يسد به الشء - فقال: فهل تعرف العرب ذلك؟ قلت: نعم، هذا العرجي من ولد عثمان بن عفان حيث يقول " من الوافر ": أضاعوني وأيَّ فتىً أضاعوا ... ليومِ كريهةٍ وسداد ثغر فأطرق المأمون ملياً وقال: قبح الله من لاأدب له! ثمّ قال: أنشدني، يانضر، أخلب بيت للعرب! قلت: قول ابن بيضٍ، يا أمير المؤمنين " من المنسرح ": تقول لي والعيون هاجعةٌ: ... أقم علينا يوماً فلم أقم أيَّ الوجوه انتجعت، قلت لها: ... لا لي وجهٌ إلا إلى الحكم متى يقل حاجباً سرادقه ... هذا ابن بيض بالباب يبتسم قد كنت أسلمت فيك مقتبلاً ... فهات إذ حلَّ أعطني سلمي فقال المأمون: لله درُّك! فكأنما شُقَ لك عن قلبي؟ ثمّ أنشدني أقنع بيت قالت العرب! قلت: قول ابن عبدلٍ - وقال الجوهري: قول راعي الإبل - " من المنسرح ": إني امرؤ لم أزل وذاك من ... الله أديباً أعلمُ الأُدبا أقيم بالدار ما أطمأنت بي ... الدارُ وإن كنتُ نازحاً طربا أطلب ما يطلب الكريم من المال بنفسي وأحسن الطلبا وأحلُبُ الثرة الصفيَّ ولا ... أجهد أخلاف غيرها حلبا إني رأيت الفتى الكريم إذا ... رغبَّته في كريمة رغبا والنذل لايطلب العلاء ولا ... يعطيك شيئاً إلا إذا رهبا ولم أجد غرة الخلائق ... إلا الدين مهما اختبرت والحسبا قد يرزق الخافض المقيم وما ... شدَّ لعنس رحلا ولا قتبا ويحرم الرزق ذو المطية والرحل ومن لايزال مغتربا فقال: أحسنت أحسنت أحسنت - ثلاثا -، هذه أحسن من الأولى! فعندك ضدُّ هذا؟ قلت: نعم، أحسن منه. قال: هات! فأنشدته " من الوافر ": يدُ المعروف غيمٌ حيث كانت ... تحملها شكور أو كفورُ قال: أحسنت، فأنشدني أنصف بيت قالته العرب! فقلت: هذا ابن أبي عروة - وقال الزبير بن بكار: هذا ابن أبي عروبة - " من الكامل ": إني وإن كان ابن عمي كاشحاً ... لمزاحم من خلفه وورائه ومفيده نصري وإن كان آمرأً ... متزحزحاً في أرضه وسمائه وأكون والى سره فأصوته ... حتى يحين عليَّ وقت أدائه وإذا دعا باسمي ليركب مركبا ... صعباً قعدت له على سيسائه وإذا استجاش رفدته ونصرته ... وإذا تصعلك كنت من قرنائه وإذا الحوادث أجحفت بسوامه ... قرنت صحيحتنا إلى جربائه وإذا أتى من وجهه لطريقه ... لم أطلع مما وراء خبائه وإذا رأيت عليه ثوباً ناعماً ... لم يلفني متمنياً لردائه ويروى. واذا ارتدى ثوباً جميلاً لم أقل ... ياليت أنَّ عليَّ حسن ردائه

стр. 38

فلم يكلمني عندها بشء وأخذ القرطاس ومدّ يده إلى دواة وجعل يكتب شيئاً لاأدري ماهو، ثمّ قال: يانضر، كيف تأمر إذا أردت أن تترب الكتاب؟ قلت: أتربه! قال: فمن الطين؟ قلت: طنه! قال: فهو ماذا؟ قلت: مترب مطين. قال: هذه أحسن من الأولى. ثمّ ناول الكتاب خادما، فمضى به إلى الفضل بن سهل، ففتح الكتاب وقال لي: مالسبب الذي وصلك فيه أمير المؤمنين بثلاثين ألفا؟ فأخبرته. فقال: سبحان الله ألحنت أمير المؤمنين؟ قلت: كلا، أيها الوزير، وإنما لحنه هشيم لأنه كان لحانه! فقال: حدثني عن الخليل بن أحمد! قلت: أتيت أبا ربيعة الأعرابي وكان من أعلم الناس - وقال ابن مخلد والجوهري: صرت أنا والخليل إلى أبي ربيعة الأعرابي، فإذا هو على سطحٍ، فسلمنا فرد علينا السلام وقال لنا: استتوا! فبقينا متحيرين لم ندر ما قال. فقال أعرابي بحنبه: إنه يقول لكم: ارتفعوا! فاستخرجها الخليل من قول الله : (ثُمَّ اسنوى إلى السَّماءِ وَهيَ دُخانٌ) أي ارتفع. فصعدنا فقال: هل لكم في خبز فطير ولبن خمير وماء نمير؟ فقلنا: لا! فقال: سلاماً! فبقينا أيضاً متحيرين لم ندر ماقال لنا. فقال الأعرابي: إنه سألكم متاركة لاخير بيننا ولاشرَّ! فاستخرجها الخليل من قول الله : (وإذا خاطبهمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلاَما) . فقال الفضلُ: هذا أحسن مما حكيت للخليفة! فزادني من عنده عشرين ألفاً، فانصرفت بخمسين ألفاً. ومرض النضر، فدخل الناس إليه يعودونه، فقال له رجل: مسح الله مابك! فقال النضر: لاتقل مسح بك، ولكن مصح! ألم تسمع قول الأعشى " من الرمل ": وإذا ما الخمر فيها أزبدت ... أفل الإزبادُ فيها فمصحْ فقال الرجل: لابأس! السين قد تعاقب الصاد فتقوم مقامها. فقال النضر: إن كان كذا فينبغي أن تقول لمن أسمه سليمان صليمان، وتقول: قال رصول الله! ثمّ قال النضر: لايكون هذا في السين إلا مع أربعة أحرف، الطآء والخآء والقاف والغين، فيبدلون السين بهذه، وربما أبدلوها بزاي، كما قالوا: سراط وصراط وزراط. - قال الصولي: وهذه يقال لها حروف الاستعلاء، تبدل إذا كانت بعد السين، فأما إذا كانت قبل فلا. وقال النضر يوماً: أنشدونا من زهد ابي نواس! فأنشده " من الطويل ": وما الناس إلا هالك وابن هالكٍ ... وذو نسبٍ في الهالكين عريقِ فقال: قاتله الله لكأنه سمع الحسن يقول: إن امرءاً ليس بينه وبين آدم ﵇ إلا أب ميت لنعرق في الموت. - وحدث حرب بن ميمون قال: رأيت خاتم النبي ﷺ عند النضر وهو فضة أبيض. ومات النضر ﵀ سنة أربع ومائتين. ٢٨ - ومن أخبار أبي فيد مؤرِّج بن عمرو السَدُوسيّ كان يقول: اسمي وكنيتي غريبان، اسمي مؤرج، والعرب تقول: أرجت بين القوم وأرشت إذا حرَّشت، وأنا أبو فيد والفيد ورد الزعفران زيقال: فاد الرجل يفيد فيداً إذا مات. وقال: القنديد الكافور وأنشد " من الطويل ": ببابل لم تعصر فجاءت سلافة ... تخالط قنديداً ومسكاً مختما وقال المؤرج " من البسيط ": روُعت بالبين حتى ما أراع به ... وبالمصائب في أهلي وجيراني لم يترك الدهر لي إلفاً أضن به ... إلا اصطفاه بنأي أو بهجران سمع " كتاب الأنواء " لمؤرج بجرجان، وخرج المأمون منه سنة أربع ومائتين، وخرج المؤرج إلى البصرة، فمات فيها. ٢٩ - ومن أخبار أبي زيد الأنصاري وهو سعيد بن أوس بن ثالب " بن بشير بن ثابت بن زيد " بن قيس بن زيد بن النعمان بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج. وشهد ثابت أحداً والمشاهد بعدها، وهو أحد العشرة الذين بعث عمر ﵁ مع أبي موسى الأشعري إلى البصرة وأحد الستة الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلة الله عليه وسلم، وله عقب بالبصرة. وكان أبو زيد أعلم من الأصمعي وأبي عبيدة بالنحو وكانا بعده يتقاربان. وقال المبرد: أبو زيد صاحب لغة وغريب ونحو وكان أكبر من الأصمعي في النحو، وكان أبو عبيدة أعلم من أبي زيد والأصمعي بالأنساب والأيام والأخبار، وكان الأصمعي بحراً في اللغة لايعرف مثله فيها وفي كثرة الرواية. قال عبَّاس الأزرق: كنت عند شعبة بن الحجاج ذات يوم وقد اجتمع أصحاب الحديث ليحدثهم، فنظر إلى أبي زيد النحوي في أخريات الناس فرفع رأسه ثمّ قال " من البسيط ":

стр. 39

استعجمت دار نعم لاتكلمنا ... والدارُ لو كلمتنا ذات أخبار أدن، يا أبا زيد، ادنه! فما زالا يتناشدان الشعر، فقال بعض أصحاب الحديث: ياأبا بسطام، نقطع إليك ظهور الإبل لحديث رسول الله ﷺ ، فتتركنا وتقبل على إنشاد الشعر! فغضب شعبة وقال: ياهذا، أنا أعلم بأمري، أنا والله في هذا أسلم مني في ذاك! - قال أبو زيد: قال لي شعبة: سلني عما شئت من الشعر! قلت له: فما معنى قوله " من الطويل ": بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم ... ولم تكثر القتلى بها حين سلَّت فأطرق ثمّ قال: لاأدري. ومعناه: لم يشيموها أي لم يغمدوها إلا وقد كثرت القتلى بها. حضر أعرابي عند أبي زيبد، فقال: أنتم أهل خشونة، ياأهل البادية، ونحن أهل لين وغزل. فقال الأعرابي: كيف تكونون أغزل منا ومنا من يقول " من البسيط ": هيفاءُ مقبلةً عجزاء مدبرةً ... لم تجف طولاً ولا أزرى بها قصر غراء كالقمر المشهور طلعته ... لابل يرى مثلها لما أستوى القمر مالان قلبي لناه عن مودتها ... وهل يلين لقول الواعظ الحجر قال: فكتبنا. قال: وفينا من يقول أيضاً " من البسيط ": هيفاءُ فيها إذا استقبلتها قصف ... عجزاء خامصة الكشخين معطار غراء لم يرها مما يحذرها ... بساحة الدار لابعل ولاجار قال أبو زيد: قلت لأعرابي: أقرأ! فقال: سبح اسم ربك الأعلى، الذي خلق فسَّوى، والذي منَّ على الحبلى، فأخرج منها نسمة تسعى، حتى إذا شبَّ واستوى، أدبر وتولى. ذكر عند أبي زيد تفسير الأصمعي لقول الأعشى " من الكامل ": وسيئة مما تعتق بابل ... كدم الذبيح سلبتها جريالها وإنه قال: معناه شربتها حمراء وبلتها بيضاء فسلبتها الجريال. فقال أبو زيد: لم يقل أبو سعيد شيئاً، قد نرى الزنجي يفعل ذلك يشربها حمراء ويبولها بيضاء، وإنما أراد: أخذت حمرتها في وجنتي فصار لونها في خدي، وهذا مانراه أبداً عند الامتحان. كان ديسم العنزي لايزال يحفظ أشياء من هجو حماد عجرد وأبي هشام الباهلي في بشار بن برد فبلغه ذلك فقال " من الطويل ": أديسم يا ابن الذئب من نجل زراع ... أتروي هجائي سادراً غير مقصر قال أبو حاتم: فأنشدت أبا زيد هذا البيت وقلت له: ماتقول؟ فقال: لمن الشعر؟ قلت لبشار. قال: قاتله الله، ما أعلمه بكلام العرب! ثمّ قال له: الديسم ولد الذئب من الكلبة، وزارع اسم الكلب ويقال للكلاب: أولاد زارع، والعسبار ولد الضبع من الذئب، والسمع ولد الذئب من الضبع، وزعمت العرب أن السمع لايموت حتف أنفه، وإنه لأسرع من الريح. وقال أبو زيد: مرّ بي رؤبة فاستنشدته، فأنشدني أرجوزته: وقاتم الأعماق خاوي المخترق فاجتمع الناس عليه حتى سدوا الطريق، ومرت به عجوز فلم يمكنها أن تتخطى، فقال " من الرجز ": تنح للعجوز عن طريقها ... إذ اقبلت رائحة من سوقها دعها فما النحوي من صديقها قال أبو زيد: ما سمعت أحداً يقول: فلان من صديقي! قبل رؤبة. - وشهد رؤبة قوماً يلعبون بالنرد وهو لايدري ماهم فيه، ثمّ حضر الطعام فقال " من الرجز ": ياأخوتي جاء الطعام فارفعوا ... خيابة كعابها تقعقع لم أدر ما ثلاثها والأربع وقف أعرابيٌّ على أبي زيد، فظن أنه جاء يسأله عن مسألةٍ في النحو، فقال: سل عما بدا لك! فقال الأعرابي " من الخفيف ": لست للنحو جئتكم ... لا ولا فيه أرغب أنا مالي ولأمري ... أبد الدهر يضرب خل زيداً لشأنه ... حيثما شاء يذهب واستمع قول عاشق ... قد شجاه التطرب همه الدهر طفلة ... فهو فيها يشيب قال أبو زيد: وقفت على قصاب فقلت: بكم البطنان؟ فقال: بمصفعان، يامضرطان! قال: فغطيت رأسي وفررت لئلا يسمع الناس فيضحكوا مني. - وأنشد أبو زيد " من المتقارب ": إذ أنت لم تعف عن صاحب ... أساء وعاقبته إن عثر بقيت بلا صاحب فاحتمل ... وكن ذا وفاءٍ وإن هو غدر ولا تسأل الحرَّ عن عورة ... وإن قام يوماً عليها ستر

стр. 40

قال أبو عبد الرحمان السُلمي: خطبنا الحسن بن علي ﵄ بعد وفاة عليّ ﵁، فقال: ياأيها الناس، والله قد فقدتم رجلاً ما سبقه أحد كان قبله، ولا يلحقه أحدٌ يكون بعده، كان رسول الله ﷺ يبعثه جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، ماترك صفراء ولا بيضاء إلا ثماني مائة درهم فضلت عن عطائه، أراد أن يشتري بها خادما. ثمّ بكى وبكى الناس، ثمّ قال: وقد أخبره رسول الله ﷺ أنه مقتول، " فإنا لله وإنا إليه راجعون "، لا معقب لحكمه ولاراد لقضائه! قال المازني: دخلت على أبي زيد في مرضه الذي مات فيه، فقال: أشتكي صدري. فقلت: أمرخه بشمع ودهن! فقال: ليس كذا، إنما هو أمرخه، فتعجبت منه في تلك الحال يعلمني. - ومات أبو زيد ﵀ سنة خمس عشرة - وقيل: أربع عشرة - ومائتين، وله ثلاث - وقيل: اربع، وقيل: خمس - وتسعون سنة. ٣٠ - ومن أخبار أي عبيدة معمر بن المثنى هو مولى لتيم قريش في قول أبي عبيد القاسم بن سلام، وقال أبو سعيد السُكري: أبو عبيدة مولى بني سلامة من بني تيم بن مرة، وسلامة هذه أم عبد الرحمان، ومنهم من وهم ويقول: آل سلامة مخففاً يوهمون أنه رجل، وعثمان بن عفان قاضي البصرة خاله، ولد سنة اثنتي عشرة ومائة ومات سنة ثمان ومائتين، بلغ ثلاثا وتسعين سنة. قال ثعلب: من أراد أخبار الجاهلية فعليه بكتب أبي عبيدة، ومن أراد أخبار الإسلام فعليه بكتب المدائني. - وهو أولُ من رسم في الجاهليين والإسلاميين من الجوداء والفرسان وغير ذلك كتاباً سماه الناس بالديباج. - كان أبو نواس يتعلم من أبي عبيدة ويصفه ويشنأ الأصمعي ويهجوه، فقيل له: ماتقول في الأصمعي؟ قال: بلبل في قفص. قيل: فما تقول في خلف الأحمر؟ قال: جمع علم الناس وفهمه. قيل: فما تقول في أبي عبيدة؟ قال: ذاك أديم طوي على علم. قال أبو عبيدة: قال لي رجلً من الملحدين: مامعنى قول الله تعالى (قُلْ إنْ كان للرِحمن وَلَدٌ فأنَا أَوَّلُ العَابدين) . فقلت: العابد في قول العرب الآنف، ألم تسمع قول الشاعر " من الوافر ": وأعبد أن أسبَّهم بقومي ... وأترك دارماً وبني رياح أولئك إن سببت وفاءُ قومي ... وأحذر أن أعاقب بالجناح وكذا قولُ الفرزدق " من الطويل ": أولئك أكفائي فجئني بمثلهم ... وأعبدُ أن أهجو عبيداً بدارمِ وقال أبو حاتم: كان أبو عبيدة صفرياً وكان يكتم ذلك فأنشدني لعمران ابن حطان " من البسيط ": أنكرت بعدك من قد كنت أعرفه ... ماالناس بعدك يامرداسُ بالناس إما تكن ذقت كأساً دار أولها ... على القرون فذاقوا نهلة الكاس فكل من لم يذقها شاربٌ عجل ... منها بأنفاس وردٍ بعد أنفاس قد كنت أبكيك حيناً ثمّ قد يئست ... نفسي فما ردَّ عني عبرتي ياسي قال: وكثيرا ما ينشد أشعارهم ثمّ يتمثل " من الطويل ": أولئك قومٌ إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا قال: والصفرية أصحاب عبد الله بن صفار أحد بني سعد؛ والإباضية أصحاب عبد الله بن إباض أحد بني سعد؛ والأزارقة أصحاب نافع بن الأزرق، وكان صفرياً ثمّ خالفهم في تعذيب الأطفال، فتبرؤا منه واتبعه على رأيه أبو فديك ونجدة بن عامر الحنفي. - قال التوزي: كنت إذا أردت أن أنشط أبا عبيدة سألته عن أخبار الخوارج فأبعج منه ثبج بحرٍ، فجئته يوماً وهو مطرق ينكت في الأرض في صحن المسجد، وقد قربت منه الشمس، فسلمت فلم يُردَّ عليَّ، فتمثلتُ " من الوافر ": وما للمرء خير في حياةٍ ... إذا ما عُدَّ من سقط المتاع فنظر إليَّ وقال: ويحك! أتدري لمن البيت؟ فقلت: لقطري. فقال: أسكت، فضَّ الله فاك إلا قلت: أمير المؤمنين أبو نعامة! ثمّ انتبه فقال: أكتمها عليَّ! فقلت: هي بنت الأرض. قال أبو عبد الله محمد بن زيد الواسطي: كنت في مجلس المبرد فجرى ذكر قول أبي عبيد القاسم بن سلام محتجاً لمذهبه في أن الأسم هو المسمى بقول لبيد - وهو مذهب أبي عبيدة - " من الطويل ": إلى الحول ثمّ اسم السلام عليكما
следующие страницы →