← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6789

الثبات عند الممات

ابن الجوزي

Полный текст (157 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الْبَابِ الأَوَّلِ فِي بَيَانِ فَضِيلَةِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ وَلُزُومِ الْقَبُولِ مِنْهُمَا قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْعَقْلَ هُوَ الآلَةُ الَّتِي عُرِفَ بِهَا الإِلَهُ وَحَصَلَ بِهِ تَصْدِيقُ الرُّسُلِ وَالْتِزَامُ الشَّرَائِعِ وَأَنَّهُ الْمُحَرِّضُ عَلَى طَلَبِ الْفَضَائِلِ وَالْمُخَوِّفُ مِنْ رُكُوبِ الرَّذَائِلِ وَالنَّاظِرُ فِي الْمَصَالِحِ وَالْعَوَاقِبِ فَهُوَ مُدَبِّرُ أَمْرَ الدَّارَيْنِ وَمَثَلُهُ كَالضَّوْءِ فِي الظُّلْمَةِ فَقَدْ يَقِلُّ عِنْدَ أَقْوَامٍ فَيَكُونُ كَعَيْنِ الأَعْشَى وَيَزِيدُ فَيَكُونُ كَنُورِ الْقَبَسِ وَيَكُونُ عِنْدَ قَوْمٍ كَضَوْءِ الشَّمْعَةِ وَعِنْدَ الْكَامِلِينَ كَطُلُوعِ الشَّمْسِ عَلَى عَيْنِ زَرْقَاءِ الْيَمَامَةِ وَلِهَذَا تَتَفَاوَتُ الْعُقَلاءُ فِي الْعُلُومِ وَالأَعْمَالِ فَيَنْبَغِي لِمَنْ رُزِقَ الْعَقْلَ

стр. 2

أَنْ لَا يُخَالِفَهُ وَلا يَخْلُدَ إِلَى ضِدِّهِ وَهُوَ الْهَوَى فَمَتَى مَالَ إِلَى الْهَوَى صُيِّرَ الإِمَامُ مَأْمُومًا وَذَلِكَ لَا يَحْسُنُ فَصْلُ فَأَمَّا النَّقْلُ فَإِنَّ الْعَقْلَ لَمَّا نَظَرَ فِي مُعْجِزَاتِ الرُّسُلِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ صَدَّقَهُمْ وَعَلِمَ أَنَّمَا أَتَوْا بِمَا أَتَوْا بِهِ عَنِ الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ فَقَوْلُهُمْ مَعْصُومٌ عَنِ خَطَأٍ مَحْفُوظٌ عَنْ غَلَطٍ وَإِذْ قَدْ بَانَ فَضْلُ الْعَقْلِ وَشَرَفُ النَّقْلِ لَزِمَ الْقَبُولُ مِنْهُمَا

стр. 3

الْبَابُ الثَّانِي فِيمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْعَقْلُ وَالنَّقْلُ مِنْ أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ بَلاءٍ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُنْكِرَ فِيهَا وُقُوعَ الْبَلاءِ مَنِ اسْتَخْبَرَ الْعَقْلَ وَالنَّقْلَ عَنْ وَضْعِ الدُّنْيَا أَخْبَرَاهُ أَنَّهَا مَارَسْتَانُ بَلاءٍ فَلا يُنْكِرُ وُقُوعَ الْبَلاءِ بِهَا وَلَيْسَ فِيهَا لَذَّةٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ إِنِّمَا لَذَّتُهَا رَاحَةٌ مِنْ مُؤْلِمٍ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مِنَ الأَكْلِ إِقَامَةٌ خَلْفَ الْمُتَحَلَّلِ ثُمَّ كَمْ فِيهِ مِنْ مَحْذُورٍ فَإِنِّ الإِكْثَارَ يُوجِبُ التُّخَمَةَ وَمِنَ الْمَطَاعِمِ مُؤَدٍّ بِالإِسْهَالِ أَوْ بِالإِمْسَاكِ وَمِنْهَا مَا يُقَوِّي بَعْضَ الأَخْلاطِ وَإِنَّمَا جُعِلَتِ اللَّذَّةُ فِي التَّنَاوُل كالبرطيل وَكَذَلِكَ الوطأ فَإِنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ إِقَامَةُ الْخَلَفِ وَكَمْ فِي ضِمْنِهِ مِنْ أَذًى أَقَلُّهُ قِلَّةُ الْقُوَى وَتَعَبُ الْكَسْبِ ومقاسات أَخْلاقِ الْمُعَامَلَةِ وَمَتَى حَصَلَ مَحْبُوبٌ كَأَنَّ نَغَصَهُ تُرْبِي عَلَى لَذَّاتِهِ وَيَا سُرْعَانَ ذِهَابُهُ مَعَ قُبْحِ مَا يَجْنِي وَأَقَلُّ آفَاتِهِ الْفِرَاقُ الَّذِي يَنْكُبُ الْفُؤَادَ وَيُذِيبُ الأَجْسَادَ

стр. 4

وَكُلُّ مَا يُظَنُّ مِنَ الدُّنْيَا سَرَابٌ وَعِمَارَتُهَا وَإِنْ حَسُنَتْ صُورَتُهَا خَرَابٌ وَمَجِيئُهَا إِلَى مَجِيبِهَا ذِهَابٌ وَمَنْ خَاضَ الْمَاءَ الْغَمْرَ لَمْ يِجْزَعْ مِنْ بَلَلٍ كَمَا أَنَّ مَنْ دَخَلَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ لَمْ يَخْلُ مِنْ وَجَلٍ وَالْعَجَبُ لِمَنْ يَدُهُ فِي سَلَّةِ الأَفَاعِي كَيْفَ يُنْكِرُ اللَّسْعَ وَأَعْجَبُ مِنْهُ مَنْ يَطْلُبُ مِنَ الْمَطْبُوعِ عَلَى الضُّرِّ التَّمَنُّعَ وَمَا أَحْسَنُ قَوْلَ الشَّاعِرِ ... طُبِعَتْ عَلَى كَدَرٍ وَأَنْتَ تُرِيدُهَا ... صفوا من الأقذار وَالأَكْدَارِ ... وَمُكَلِّفُ الأَيَّامَ ضِدَّ طِبَاعِهَا ... مُتَطَلِّبٌ فِي الْمَاءِ جَذْوَةَ نَارِ ... وَإِذَا رَجَوْتَ الْمُسْتَحِيلَ فَإِنَّمَا ... تَبْنِي الرَّجَاءَ عَلَى شَفِيرٍ هَارِ ... وَلَوْلا أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ ابْتِلاءٍ لَمْ تعتور الْأَمْرَاض والأكدار وَلم يضيق الْعَيْشُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ وَالأَخْيَارِ وَلَقَدْ لُزِقَ بِهِمُ الْبَلاءُ وَعُدِمُوا الرَّاحَةَ فَآدَمُ يُعَانِي الْمِحَنَ إِلَى أَنْ خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا وَنُوحٌ يَبْكِي ثُلْثَمِائَةِ عَامٍ وَإِبْرَاهِيمُ يُكَابِدُ النَّارَ وَذَبْحَ الْوَلَدِ وَيَعْقُوبُ يَبْكِي حَتَّى ذَهَبَ الْبَصَرُ وَمُوسَى يُقَاسِي فِرْعَوْنَ وَيَلْقَى مِنْ قَوْمِهِ الْمِحَنَ وَعِيسَى لَا مَأْوَى لَهُ إِلا الْبِرُّ فِي الْعَيْشِ الضَّنْكِ وَمُحِمِّدٌ ﷺ يُصَابِرُ الْفَقْرَ وَقَذْفَ الزَّوْجَةِ وَقَتْلَ مَنْ يُحِبُّهُ وَلَوْ خُلِقَتِ الدُّنْيَا لِلَّذَّةِ لَمْ يُبْخَسْ حَظُّ الْمُؤْمِنِ مِنْهَا فَإِنَّ الْجَمَلَ

стр. 5

يَأْكُلُ أَكْثَرَ مِنْهُ وَالْعُصْفُورُ يُسَافِدُ أَكْثَرَ مِنْهُ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ الدُّنْيَا سجن الْمُؤمن وجنة الْكَافِر وَإِذ بَانَ أَنَّهَا دَارُ ابْتِلاءٍ وَسَجْنٍ وَمِحَنٍ فَلا يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ جَزَعٌ مِنَ الْبَلْوَى

стр. 6

الْبَابُ الثَّالِثُ فِي ذِكْرِ الْمُصَابِ بِالْمَحْبُوبِ مِنَ الأَهْلِ ... الْمَرْءُ يُصَابُ مَصَائِبُ لَا تَنْقَضِي ... حَتَّى يُوَارَى جِسْمه فِي رمسه فمؤجل يَلْقَى الرَّدَى فِي غَيْرِهِ ... وَمُعَجَّلٌ يَلْقَى الرَّدَى فِي نَفْسِهِ ... وَعِلاجُ فَقْدِ الْمَحْبُوبِ بِثَمَانِيَةِ أَشْيَاءٍ أَحَدِهَا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْقَدَرَ قَدْ سَبَقَ بِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿لكَي لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَصَائِبَ مُقَدَّرَةٌ لَا أَنَّهَا وَقَعَتْ عَلَى وَجْهِ الاتِّفَاقِ كَمَا يَقُول الطباعيون وَلا أَنَّهَا عَبَثٌ بَلْ هِيَ صَادِرَةٌ عَمَّنْ صَدَرَتْ عَنْهُ مُحْكَمَاتُ الأُمُورِ وَمُتْقَنَاتُ الأَعْمَالِ وَإِذَا كَانَتْ صَادِرَةٌ عَنْ تَدْبِيرِ حَكِيمٍ لَا يَعْبَثُ إِمَّا لِزَجْرٍ عَنْ فَسَادٍ أَوْ لِتَحْصِيلِ أَجْرٍ أَوْ لِعُقُوبَةٍ عَلَى ذَنْبٍ وَقَعَ التَّسَلِّي بِذَلِكَ الثَّانِي الْعِلْمُ بِأَنَّ الدُّنْيَا دَارُ الابْتِلاءِ وَالْكَرْبِ لَا يُرْجَى مِنْهَا رَاحَةٌ

стр. 7

.. وَمَا اسْتَغْرَبَتْ عَيْنِي فِرَاقًا رَأَيْتُهُ ... وَلا أَعْلَمَتْنِي غَيْرَ مَا الْقَلْبُ عَالِمُهُ ... وَالثَّالِثِ الْعِلْمُ بِأَنَّ الْجَزَعَ مُصِيبَةٌ ثَانِيَةٌ وَالَّرابِعِ أَنْ يُقَدِّرَ وُجُودَ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْ تِلْكَ الْمُصِيبَةِ كَمَنْ لَهُ وَلَدَانِ ذَهَبَ أَحَدُهُمَا وَالْخَامِسِ النَّظَرُ فِي حَالِ مَنِ ابْتُلِيَ بِمِثْلِ هَذَا الْبَلاءِ فَإِنَّ التَّأَسِّيَ رَاحَةٌ عَظِيمَةٌ قَالَتِ الْخَنْسَاءُ ... وَلَوْلا كَثْرَةُ الْبَاكِينَ حَوْلِي ... عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي وَمَا يَبْكُونَ مِثْلُ أَخِي وَلَكِنْ ... أُعَزِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي ... وَهَذَا الْمَعْنَى قَدْ حَرَمَهَ اللَّهُ أَهْلَ النَّارِ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُخَلَّدِينَ فِيهَا مَحْبُوسٌ وَحْدَهُ يَظُنُّ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي النَّارِ سِوَاهُ وَالسَّادِسِ النَّظَرُ فِي حَالِ مَنِ ابْتُلِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا الْبَلاءِ فَيَهُونَ هَذَا وَالسَّابِعِ رَجَاءُ الْخَلَفِ إِنْ كَانَ مِنْ مَعْنًى يَصْلُحُ عَنْهُ الْخَلَفُ كَالْوَلَدِ وَالزَّوْجَةِ قِيلَ لِلُقْمَانَ مَاتَتْ زَوْجَتُكَ فَقَالَ تَجَدَّدَ فِرَاشِي وَأَنْشَدُوا ... هَلْ وَصْلُ غرَّة إِلا وَصْلُ غَانِيَةٍ ... فِي وَصْلِ غَانِيَةٍ مِنْ وَصْلِهَا خُلْفُ ... وَالثَّامِنِ طَلَبُ الأَجْرِ بِحِمْلِ أَعْبَاءِ الصَّبْرِ فَلْيَنْظُرْ فِي فَضَائِلِ الصَّبْرِ وَثَوَابِ الصَّابِرِينَ وَسِيرَتِهِمْ فِي صَبْرِهِمْ وَإِنْ تَرَقَّى إِلَى مَقَامِ الرِّضَى فَهُوَ الْغَايَةُ

стр. 8

فَصْلٌ فِي فَضَائِلِ الصَّبْرِ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطاء قطّ خيرا وَلَا قَالَ الترمذى حَدِيث حسن صَحِيح أَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ قَالَ أَخْبَرَنَا

стр. 9

الْقَطِيعِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاهُمْ فَمَنْ صَبَرَ فَلَهُ الصَّبْرُ وَمن جزع فَلهُ الْجزع رُوَاته ثِقَات وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الصَّبْرُ فِي أَوَّلِ صَدْمَةٍ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْتَسِبَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مَا أُخِذَ مِنْهُ وَيُوقِنَ بِحُسْنِ الْجَزَاءِ وَذَلِكَ يُهَوِّنُ الصَّبْرَ وَمِنْ عَلامَةِ الصَّبْرِ الْكَفُّ عَنْ تَمْزِيقِ ثَوْبٍ أَوْ لَطْمِ خَدٍّ وَحَبْسُ اللِّسَانِ عَنِ اعْتِرَاضٍ وَتَسَخُّطٍ وَالامْتِنَاعُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُوجِبُ إِظْهَارَهُ تَأَثُّرَ الْمُبْتَلِي وَلْيَعْلَمِ الْعَاقِلُ أَنَّ الْبَلايَا ضُيُوفٌ فَلْيُعِدَّ لَهَا قِرَى الصَّبْرِ

стр. 10

قَالَ الْحُكَمَاءُ الْعَاقِلُ يَفْعَلُ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الْمُصِيبَةِ مَا يَفْعَلُهُ الْجَاهِلُ بَعْدَ خَمْسَةِ أَيَّامٍ وَقَالَ عَلِيٌّ ﵇ لِلأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ إِنَّكَ إِنْ صَبَرْتَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَإِلا سَلَوْتَ كَمَا تَسْلُو الْبَهَائِمُ فَصْلٌ وَأَمَّا ثَوَابُ الصَّابِرِ عَلَى فَقْدِ الأَوْلادِ فَأَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن جَعْفَر قَالَ حَدثنَا عبد الله ابْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن عبد الرحمن بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِلنِّسَاءِ مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ يَمُوتُ لَهَا ثَلاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ إِلا كَانُوا لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ فَقَالَتِ امْرَأَةٌ وَاثْنَيْنِ فَقَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَاثْنَيْنِ

стр. 11

قَالَ أَحْمَدُ وَحَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ قَالَ حَدَّثَنَا الزَّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ لَهُ ثَلاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ فَتَمَسَّهُ النَّارُ إِلا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ قَالَ أَحْمَدُ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ أَبِي السَّلِيلِ عَنْ أَبِي حَسَّانَ قَالَ تُوُفِّيَ ابْنَانَ لِي فَقُلْتُ لأَبِي هُرَيْرَةَ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا تَحَدَّثَنَاهُ تَطِيبُ أَنْفُسُنَا عَنْ مَوْتَانَا قَالَ نَعَمْ صِغَارُهُمْ دَعَامِيصُ الْجَنَّةِ يَلْقَى أَحَدُهُمْ أَبَاهُ أَوْ قَالَ أَبَوَيْهِ فَيَأْخُذَ بِنَاصِيَةِ ثَوْبِهِ أَوْ بِيَدِهِ كَمَا آخُذُ بِصِنْفَةِ ثَوْبِكَ وَلا يُفَارِقُهُ حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِ هَذَا الْحَدِيثِ مُسْلِمٌ وَاتُّفِقَ عَلَى الَّذِي قَبْلَهُ

стр. 12

وَالدُّعْمُوصُ دُوَيِّبَةٌ تَسْبَحُ فِي الْمَاءِ قَالَ الشَّاعِرُ ... إِذَا الْتَقَى الْبَحْرَانِ عَمَّ الدُّعْمُوصُ ... فَبَقِيَ أَنْ يَسْبَحَ أَوْ يَغُوصَ ... فَصْلٌ وَكُلَّمَا قَرُبَ الْمَحْبُوبُ الْمُسْتَلَبُ مِنَ الْقَلْبِ كَانَ الأَجْرُ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ فَيَنْبَغِي لِلصَّابِرِ أَنْ يَتَسَلَّى بِالْجِنْسِ فَصْلٌ فَأَمَّا الرِّضَاءُ بِالْقَضَاءِ فَهُوَ الْغَايَةُ قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إِنَّ اللَّهَ إِذَا قَضَى قَضَاءً أَحَبَّ أَنْ يُرْضَى بِهِ وَقَالَ أَبُو عبد الله البراثي من وهب لَهُ الرضى فَقَدْ بَلَغَ أَقْصَى الدَّرَجَاتِ وَقَالَتْ رَابِعَةُ إِنَّ اللَّهَ إِذَا قَضَى لأَوْلِيَائِهِ قَضَاءً لَمْ يَتَسَخَّطُوهُ

стр. 13

وَقُتِلَ لِبَعْضِ الصَّالِحِينَ وَلَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَكَى فَقِيلَ لَهُ أَتَبْكِي وَقَدِ اسْتُشْهِدَ فَقَالَ إِنَّمَا أَبْكِي كَيْفَ كَانَ رِضَاهُ عَنِ اللَّهَ حِينَ أَخَذَتْهُ السُّيُوفُ فَإِنْ قِيلَ قَدْ يُتَصَوَّرُ الصَّبْرُ فَأَمَّا الرِّضَا بِالْمَكْرُوهِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ فَالْجَوَابُ أَنَّ نُفُورَ الطَّبْعِ مِنَ الْمُنَافِي لَا يُضَادِّ رِضَى الْقَلْبِ بِالْقَدَرِ فَإِنَّمَا نَرْضَى بِالْقَضَاءِ وَإِنْ كَرِهْنَا الْمُقْضَى فَصْلٌ فِي ذِكْرِ أَخْبَارِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّابِرِينَ وَالرَّاضِينَ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدثنَا عبد الله ابْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا بَهْزٌ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ مَاتَ وَلَدٌ لأَبِي طَلْحَةَ مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ فَقَالَتْ لأَهْلِهَا لَا تُحَدِّثُوا أَبَا طَلْحَةَ بِابْنِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا أُحَدِّثُهُ قَالَ فَجَاءَ فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ عَشَاءً فَأَكَلَ وَشَرِبَ ثُمَّ تَصَنَّعَتْ لَهُ أَحْسَنَ مَا كَانَتْ تَصْنَعُ قَبْلَ ذَلِكَ فَوَقَعَ بِهَا فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهُ قَدْ شَبِعَ وَأَصَابَ مِنْهَا قَالَتْ يَا أَبَا طَلْحَةَ أَرَأَيْت لَو أَن قوما أعاروا عَارِيَتَهُمْ أَهْلَ بَيْتٍ وَطَلَبُوا عَارِيَتَهُمْ أَلَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُمْ قَالَ لَا فَقَالَتْ فَاحْتَسِبِ ابْنَكَ

стр. 14

أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ مَالِكٍ قَالَ حَدثنَا عبد الله بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا هَاشِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الأَحْوَصِ الْجُشَمِيُّ قَالَ دَخَلْنَا عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ وَعِنْدَهُ بَنُونٌ لَهُ ثَلاثَةُ غِلْمَانٍ كَأَنَّهُمُ الدَّنَانِيرُ فَجَعَلْنَا نَتَعَجَّبُ مِنْ حُسْنِهِمْ فَقَالَ كَأَنَّكُمْ تَغْبِطُونِي بِهِمْ قَلْنَا إِي وَاللَّهِ بِمِثْلِ هَؤُلاءِ يُغْبَطُ الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى سَقْفِ بَيْتٍ لَهُ صَغِيرٍ قَدْ عَشْعَشَ فِيهِ الْخُطَّافُ وَبَاضَ فَقَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَنْ أَكُونَ قَدْ نَفَضْتُ يَدِي عَنْ تُرَابِ قُبُورِهِمْ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَسْقُطَ عُشِّ هَذَا الْخُطَّافِ وَيَنْكَسِرَ بَيْضُهُ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ مَا أَصْبَحْتُ عَلَى حَالٍ فَتَمَنَّيْتُ أَنِّي عَلَى سِوَاهُ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا الْجَوْهَرِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْن حيوية قَالَ أَحْمَدُ بْنُ مَعْرُوفٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهْمِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنِي يَعْقُوب بن عبد الله الْقُمِّيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغيرَة عَن سعيد بن عبد الرحمن بْنِ أَبْزَيْ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّهُ قَالَ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّهُ أَرْضَى لَكَ عَنِّي أَنْ أَرْمِي نَفْسِي مِنْ هَذَا الْجَبَلِ فَأَتَرَدَّى فَعَلْتُ وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّهُ أَرْضَى لَكَ عَنِّي أَنْ أُوقِدَ نَارًا عَظِيمَةً فَأَقَعُ فِيهَا فَعَلْتُ وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّهُ أَرْضَى لَكَ عَنِّي أَنْ أُلْقِيَ نَفْسِي فِي الْمَاءِ فَأَغْرَقُ فَعَلْتُ

стр. 15

وَكَانَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ قَدْ سَقَى بَطْنَهُ فَكَانَ يَقُولُ أَحَبُّهُ إِلَيَّ أَحَبُّهُ إِلَى اللَّهِ وَقَالَ عَلْقَمَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قلبه﴾ قَالَ هِيَ الْمُصِيبَةُ تُصِيبُ الرَّجُلَ فَيَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَيُسْلِمُ لَهَا وَيَرْضَى أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ بِشْرَانَ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ صَفْوَانَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ حَدَّثَنَا يعلي بن عبد الرحمن قَالَ حَدَّثَنَا سَيَّارُ بْنُ سَلامَةَ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى أَبِي الْعَالِيَةِ فِي مَرَضِهِ الَّذِي

стр. 16

مَاتَ فِيهِ فَقَالَ إِنَّ أَحَبَّهُ إِلَيَّ أَحَبُّهُ إِلَى اللَّهِ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ مَالِكٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا بَهْزٌ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدثنَا ثَابت قَالَ مَاتَ عبد الله بْنُ مُطَرِّفٍ فَخَرَجَ مُطَرِّفُ عَلَى قَوْمِهِ فِي ثِيَابٍ حَسَنَةٍ وَقَدِ ادهن فغضبوا وَقَالُوا يَمُوت عبد الله ثُمَّ يَخْرُجُ فِي ثِيَابٍ مِثْلِ هَذِهِ مُدَّهِنًا قَالَ أَفَأَسْتَكِينُ لَهَا لَقَدْ وَعَدَنِي ﵎ عَلَيْهَا ثَلاثَ خِصَالٍ لِكُلِّ خِصْلَةٍ مِنْهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا كُلِّهَا قَالَ اللَّهُ ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هم المهتدون﴾ وَقَالَ مَا مِنْ شَيْءٍ أُعْطِيَ فِي الآخِرَةِ قَدْرَ كُوزٍ مِنْ مَاءٍ إِلا وَوَدِدْتُ أَنَّهُ أُخِذَ مِنِّي فِي الدُّنْيَا قَالَ أَحْمَدُ وَحَدَّثَنَا عَفَّانُ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ أَنَّ صِلَةَ بْنَ أَشْيَمٍ كَانَ فِي مَغْزًى لَهُ وَمَعَهُ ابْنٌ لَهُ فَقَالَ أَيْ بُنَيَّ تَقَدَّمْ فَقَاتِلْ حَتَّى أَحْتَسِبَكَ عِنْدَ اللَّهِ فَحَمَلَ فَقَاتَلَ حَتَّى قَتَلَ ثُمَّ تَقَدَّمَ فَقُتِلَ فَاجْتَمَعَتِ النِّسَاءُ عِنْدَ امْرَأَتِهِ مُعَاذَةَ فَقَالَتْ مَرْحَبًا إِنْ كُنْتُنَّ جِئْتُنَّ لِتُهَنِّيَنِّي فَمَرْحَبًا بِكُنَّ وَإِنْ كُنْتُنَّ جِئْتُنَّ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَارْجِعْنَ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عبد العزيز وَقَدْ مَاتَ ابْنُهُ وَمَوْلاهُ مَا أُحِبُّ أَنَّ شَيْئًا

стр. 17

مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لأَنَّ اللَّهَ أَرَادَهُ وَقَالَ أَبُو جُحَيْفَةَ إِنَّا لَمُتَوَجِّهُونَ إِلَى مَهْرَانَ وَمَعَنَا رَجُلٌ مِنَ الأَسَدِ فَجَعَلَ يَبْكِي فَقُلْتُ لَهُ أَجَزَعٌ هَذَا قَالَ لَا وَلَكِنْ تَرَكْتُ ابْنِي فِي الرَّحْلِ فَوَدِدْتُ أَنَّهُ كَانَ مَعِي فَدَخَلْنَا الْجَنَّةَ جَمِيعًا وَقَالَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوَلانِيُّ لأَنْ يُولَدَ لِي مَوْلُودٌ يُحْسِنُ اللَّهُ نَبَاتَهُ حَتَّى إِذَا اسْتَوَى عَلَى شَبَابِهِ وَكَانَ أَعْجَبَ مَا يَكُونُ إِلَيَّ قَبْضُهُ مِنِّي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِيَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِم الأزحي قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ جَهْضَمٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عبد الله بْنِ حَفْصٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُوَفَّقِ قَالَ سَمِعْتُ حَاتِمًا الأَصَمَّ يَقُولُ لَقِينَا التُّرْكَ فَكَانَ بَيْنَنَا جَوْلَةٌ فَرَمَانِي تُرْكِيٌّ بِوَهَقٍ فَغَلَبَنِي عَنْ فَرَسِي وَنَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ فَقَعَدَ عَلَى صَدْرِي وَأَخَذَ بِلِحْيَتِي وَأَخْرَجَ مِنْ خُفِّهِ سِكِّينًا لِيَذْبَحَنِي فَوَحَقِّ سَيِّدِي مَا كَانَ قَلْبِي عِنْدَهُ وَلا عِنْدَ سِكِّينَتِهِ إِنَّمَا كَانَ قَلْبِي عِنْدَ سَيِّدِي أَنْظُرُ مَاذَا يَنْزِلُ بِهِ الْقَضَاءُ مِنْهُ فَقُلْتُ سَيِّدِي

стр. 18

قَضَيْتَ أَنْ يَذْبَحَنِي هَذَا فَعَلَى الرَّأْسِ وَالْعَيْنِ إِنَّمَا أَنَا لَكَ وَمِلْكُكَ فَبَيْنَمَا أَنَا أُخَاطِبُ سَيِّدِي وَهُوَ قَاعِدٌ عَلَى صَدْرِي آخِذٌ بِلِحْيَتِي لِيَذْبَحَنِي رَمَاهُ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ بِسَهْمٍ فَمَا أَخْطَأَ حَلْقَهُ فَسَقَطَ عَنِّي فَقُمْتُ أَنَا إِلَيْهِ وَأَخَذْتُ السِّكِّينَ مِنْ يَدِهِ فَذَبَحْتُهُ فَمَا هُوَ إِلا أَنْ تَكُونَ قُلُوبُكُمْ عِنْدَ السَّيِّدِ حَتَّى تَرَوْنَ مِنْ عَجَائِبِ لُطْفِهِ مَا لَمْ تَرَوْا مِنَ الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ وَقَالَ الشَّاعِرُ ... إِنْ كَانَ سُكَّانُ الغَضَا ... رَضُوا بِقَتْلِي فَرِضَا وَاللَّهِ مَا كُنْتُ لِمَا ... يَهْوَى الْحَبِيبُ مُبْغِضَا صِرْتُ لَهُمْ عَبْدًا وَمَا ... لِلْعَبْدِ أَنْ يعترضا ... وَقَالَ الآخر ... إِن رِضَاكُمْ فِي سَهَرِي ... فَسَلامُ اللَّهِ عَلَى وَسَنِي ... وَقَالَ الآخَرُ ... فَمَا لِجُرْحٍ إِذَا أَرْضَاكُمْ أَلَمٌ ... فَصْلٌ وَقَدْ خُذِلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ عِنْدَ مَوْتِ أَحْبَابِهِمْ فَمِنْهُمْ مَنْ خَرَقَ ثَوْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَطَمَ وَمِنْهُمْ مَنِ اعْتَرَضَ وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلا كَبِيرًا قَدْ قَارَبَ الثَّمَانِينَ وَكَانَ يُحَافِظُ عَلَى الْجَمَاعَةِ فَمَاتَ وَلَدٌ لابْنَتِهِ فَقَالَ مَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَدْعُوَ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَجِيبُ ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ يُعَانِدُنَا فَمَا يَتْرُكُ لَنَا وَلَدًا فَعَلِمْتُ أَنَّ صَلَوَاتَهُ وَفِعْلَهُ لِلْخَيْرِ عَادَةٌ لأَنَّهُ لَا يَنْشَأُ عَنْ مَعْرِفَةٍ وَإِيمَانٍ وَهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ

стр. 19

الْبَابُ الرَّابِعُ فِي ذِكْرِ الْمُصِيبَاتِ الْمُخْتَصَّةِ بِذَاتِ الإِنْسَانِ ٠ إِنِّي رَأَيْتُ جُمْهُورَ النَّاسِ إِذَا طَرَقَهُمُ الْمَرَضُ اشْتَغَلُوا تَارَةً بِالْجَزَعِ مِنْهُ وَالشَّكْوَى وَتَارَةً بِالتَّدَاوِي إِلَى أَنْ يَشْتَدَّ فَيُشْغِلُهُمُ اشْتِدَادُهُ عَنِ الالْتِفَاتِ إِلَى الْمَصَالِحِ مِنْ وَصِيَّةٍ أَوْ فِعْلٍ لِلْخَيْرِ أَوْ تَأَهُّبٍ لِلْمَوْتِ فَكَمْ لَهُ مِنْ ذُنُوبٍ لَا يَتُوبُ مِنْهَا أَوْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ لَا يَرُدُّهَا أَوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ زَكَاةٌ أَوْ فِي ذِمَّتِهِ ظِلامَةٌ لَا يَخْطُرُ لَهُ تَدَارُكُهَا وَإِنَّمَا حُزْنُهُ عَلَى فِرَاقِ الدُّنْيَا إِذْ لَا هِمَّةَ لَهُ سِوَاهَا وَرُبَّمَا أَفَاقَ فَأَوْصَى بِجَوْرٍ وَسَبَبُ هَذَا ضَعْفُ الإِيمَانِ كَمَا قَالَ ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعلم﴾ وَقَدْ عَمَّ هَذَا أَكْثَرَ الْخَلْقِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخِذْلانِ فَيَنْبَغِي لِلْمُتَيَقِّظِ أَنْ يَتَأَهَّبَ فِي حَالِ صِحَّتِهِ قَبْلَ هُجُومِ الْمَرَضِ فَرُبَّمَا ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ عَمَلٍ أَوِ اسْتِدْرَاكِ فَارِطٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَر قَالَ حَدثنَا عبد الله ابْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَا حَقُّ امْرِئ مُسْلِمٍ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ وَلَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ إِلا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ

стр. 20

فصل فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَوْصَى فِي الصِّحَّةِ فَلْيُبَادِرْ فِي أَوَّلِ الْمَرَضِ فَلْيُوصِ وَلْيَحْذَرْ مِنَ الْجَوْرِ فِي وَصِيَّتِهِ فَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ الرَّجُلِ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْخَيْرَ سَبْعِينَ سَنَةً فَإِذَا أَوْصَى جَارَ فِي وَصِيَّتِهِ فَيُخْتَمُ لَهُ بِشَرِّ عَمَلِهِ فَيَدْخُلُ النَّارَ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الشَّرَّ سَبْعِينَ سَنَةً فَيَعْدِلُ فِي وَصِيَّتِهِ فَيُخْتَمُ لَهُ بِخَيْرِ عَمَلِهِ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَفِي حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ مَنْ فَرَّ بِمِيرَاثِهِ مِنْ وَارِثٍ حَرَمَهُ اللَّهُ مِيرَاثَهُ مِنَ الْجَنَّةِ فَصْلٌ وَلْيَعْلَمَ الْمَرِيضُ أَنَّ الْمَرَضَ يُذهِبُ الْخَطَايَا وَكُلَّمَا اشْتَدَّ الْمَرَضُ كَانَ أَذْهَبَ لَهَا أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عبد الله ابْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا

стр. 21

أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّمِيمِيِّ عَنِ الْحَارِثِ بن سُوَيْد عَن عبد الله قَالَ دَخَلْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُوعِكُ فَمَسِسْتُهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا فَقَالَ أَجَلْ إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلانِ مِنْكُمْ قُلْتُ إِنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ فَقَالَ نَعَمْ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا عَلَى الأَرْضِ مُسْلِمٌ يُصِيبُهُ أَذًى مِنْ مَرَضٍ فَمَا سِوَاهُ إِلا حَطَّ اللَّهُ مِنْ خَطَايَاهُ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا قَالَ أَحْمَدُ وَحَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزَّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنَا عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إِلا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا الْحَدِيثَانِ فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَ أَحْمَدُ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَزَالُ الْبَلاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي جَسَدِهِ وَفِي مَالِهِ وَفِي وَلَدِهِ

стр. 22

حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَة // حسن صَحِيح قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَدَخَلَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَخَذَتْكَ أُمُّ مِلْدَمٍ قَطُّ قَالَ وَمَا أُمُّ مِلْدَمٍ قَالَ حَرٌّ يَكُونُ بَيْنَ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ قَالَ مَا وَجَدْتُ هَذَا قَطُّ قَالَ فَهَلْ أَخَذَكَ الصُّدَاعُ قَالَ وَمَا الصُّدَاعُ قَالَ عَرَقٌ يُضْرَبُ عَلَى الإِنْسَانِ فِي رَأْسِهِ قَالَ مَا وَجَدْتُ هَذَا قَطُّ فَلَمَّا وَلَّى قَالَ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا قَالَ أَحْمَدُ وَحَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ اسْتَأْذَنَتِ الْحُمَّى عَلَى النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ مَنْ هَذِهِ قَالَتْ أُمُّ مِلْدَمٍ فَأَمَرَ بِهَا إِلَى أَهْلِ قُبَاءٍ فَلَقُوا مِنْهَا مَا يَعْلَمُ اللَّهُ فَأَتَوْهُ فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ قَالَ مَا شِئْتُمْ إِنْ شِئْتُمْ أَنْ أَدْعُوَ اللَّهَ لَكُمْ فَيَكْشِفَهَا عَنْكُمْ وَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَكُونَ لَكُمْ طَهُورًا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَ يَفْعَلُ قَالَ نَعَمْ قَالُوا فَدَعْهَا وَفِي أَفْرَادِ مُسْلِمٍ من حَدِيث جَابر بن عبد الله أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ الْحُمَّى تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ

стр. 23

وَقَالَ الْحَسَنُ لِيُكَفَّرُ مِنَ الْعَبْدِ خَطَايَاهُ كُلُّهَا بِحُمَّى لَيْلَةٍ فَصْلٌ فَإِذَا اشْتَدَّ الْمَرَضُ عَلَيْهِ فَلْيُدَاوِ نَفْسَهُ بِسَبْعَةَ عَشَرَ دَوَاءً قَدْ ذَكَرْنَا مِنْهَا ثَمَانِيَةً فِيمَا تَقَدَّمَ وَالتَّاسِعِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ كَيْفَ جَرَى الْقَضَاءُ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بن جَعْفَر قَالَ حَدثنَا عبد الله ابْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ عَن عبد الرحمن بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى لله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَجِبْتُ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابِتْهُ سَرَّاءٌ فَشَكَرَ كَانَ خَيْرًا وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءٌ فَصَبَرَ كَانَ خَيْرًا لَهُ انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ وَالْعَاشِرِ أَنَّ تَشْدِيدَ الْبَلاءِ يَخْتَصُّ بِالأَخْيَارِ أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدثنَا عبد الله ابْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النُّجُودِ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ

стр. 24

قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً قَالَ الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الصَّالِحُونَ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ مِنَ النَّاسِ يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسْبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلابَةٌ زِيدَ فِي بَلائِهِ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ خُفِّفَ عَنْهُ وَمَا يَزَالُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ قَالَ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن سُلَيْمَان عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ كَانَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ رَكْوَةٌ أَوْ عُلْبَةٌ فِيهَا مَاءٌ فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي الْمَاءِ فَيَمْسَحُ بِهَا وَجْهَهُ وَيَقُولُ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ ثمَّ نصب يَدَهُ فَجَعَلَ يَقُولُ فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى حَتَّى قُبِضَ وَمَالَتْ يَدُهُ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْن المقوى قَالَ أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي الْمُنْذِرِ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيم بن سَلمَة بن نجر قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بن ماجة قَالَ حَدثنَا عبد الرحمن بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ قَالَ حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُوعَكُ فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَيْهِ فَوَجَدْتُ حَرَّهُ بَيْنَ يَدِي فَوْقَ اللِّحَافِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَشَدَّهَا عَلَيْكَ قَالَ إِنَّا كَذَلِكَ يُضَعَّفُ لَنَا الْبَلاءُ وَيُضَعَّفُ لَنَا الأَجْرُ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ

стр. 25

النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً قَالَ الأَنْبِيَاءُ قُلْتُ ثُمَّ مَنْ قَالَ الصَّالِحُونَ إِنْ كَانَ لَيُبْتَلَى بِالْفَقْرِ حَتَّى مَا يَجِدُ إِلا الْعَبَاءَةَ يَحْوِيهَا وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيَفْرَحُ بِالْبَلاءِ كَمَا يفرح أحدكُم بالرخاء // اسناده صَحِيح رِجَاله ثِقَات قُلْتُ وَالأَحَادِيثَ عَمَّنْ كَانَ يَخْتَارُ الْبَلاءَ وَيُحِبُّهُ نَظَرًا إِلَى ثَوَابِهِ كَثِيرَةٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي إِيثَارِ مَوْتِ أَوْلادِهِ وَعَنْ أَهْلِ قُبَاءٍ فِي إِيثَارِ دَوَامِ الْحُمَّى وَأَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ السَّرَّاجِ قَالَ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ مَالِكٍ قَالَ حَدثنَا عبد الله بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ أَبِي حَيَّانَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ دَخَلُوا عَلَى سُوَيْدِ بْنِ شُعْبَةَ وَقَدْ صَارَ عَلَى فِرَاشِهِ كَأَنَّهُ فَرْخٌ وَامْرَأَتُهُ تُنَادِيهِ مَا نُطْعِمُكَ مَا نَسْقِيكَ فَأَجَابَهَا بِصَوْتٍ خَفِيٍّ دَبَرَتِ الْحَرَاقِفُ وَطَالَتِ الضَّجْعَةُ وَمَا أُحِبُّ أَنَّ اللَّهَ نَقَصَنِي مِنْهُ قُلامَةَ ظُفْرٍ قَالَتْ عَائِشَةُ مَا رَأَيْتُ الْوَجَعَ عَلَى أَحَدٍ أَشَدَّ مِنْهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 26

الْحَادِي عَشَرَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ مَمْلُوك وَلَيْسَ فِي نَفْسِهِ شَيْءٌ قَالَ الشَّاعِرُ الْمَاهِرُ الْبَاهِرُ ... صِرْتُ لَهُمْ عَبْدًا ... وَمَا للْعَبد أَن يعْتَرض ... وَالثَّانِي عَشَرَ أَنْ يَذْكُرَ عَظَمَةَ الْمُبْتَلِي وَعِزَّ الْقَاتِلِ ثُمَّ يُقَدِّرُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ فَيَقُولُ يَا نَفْسُ أَنَسِيتِ أَنَّ اللَّهَ اشْتَرَاكِ فَإِنْ كُنْتِ رَضِيتِ الْبَيْعَ فَمَا لَكِ فِيكِ شَيْءٌ قَالَ أَبُو الْوَفَاءِ بْنُ عَقِيلٍ مَاتَ وَلَدِي عَقِيلٌ وَكَانَ قَدْ تَفَقَّهَ وَنَاظَرَ وَجَمَعَ أَدَبًا حَسَنًا فَتَعَزَّيْتُ بِقصَّة عَمْرو بن عبدود الَّذِي قَتَلَهُ عَلِيٌّ ﵇ فَقَالَتْ أُمُّهُ تُرْثِيهِ ... لَوْ كَانَ قَاتِلُ عَمْرٍو غَيْرَ قَاتِلِهِ ... مَا زِلْتُ أَبْكِي عَلَيْهِ دَائِمَ الأَبَدِ لَكِنَّ قَاتِلَهُ مَنْ لَا يُعَابُ بِهِ ... مَنْ كَانَ يُدْعَى أَبُوهُ بَيْضَةَ الْبَلَدِ ... فَأَسْلاهَا وَعَزَّاهَا جَلالَةُ الْقَاتِلِ وَالافْتِخَارُ بِأَنَّ ابْنَهَا مَقْتُولٌ لَهُ فَنَظَرت إِلَى أَن الْقَاتِل وَلَدِي الْمَالِكُ الْحَكِيمُ فَهَانَ الْقَتْلُ وَالْمَقْتُولُ لِجَلالَةِ الْقَاتِلِ وَالثَّالِثَ عَشَرَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ هَذَا الْوَاقِعَ وَقَعَ بِرِضَى الْمَالِكِ وَإِرَادَتِهِ فَيَجِبُ أَنْ يَقَعَ الرِّضَى بِمَا رَضِيَ بِهِ الْمَالِكُ وَالرَّابِعَ عَشَرَ أَنْ يُعَاتِبَ نَفْسَهُ إِذَا جَزِعَتْ فَيَقُولُ لَهَا أَمَا

стр. 27

عَلِمْتِ أَنَّ هَذَا لَا بُدَّ مِنْهُ فَمَا وَجْهُ الْجَزَعِ مَمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بن عبد الباقي الْبَزَّارُ قَالَ أَخْبَرَنَا الْجَوْهَرِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ حَيَّوَيْهَ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ مَعْرُوفٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَارِثُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدثنِي الحكم ابْن الْقَاسِمِ عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ لَمَّا كَانَ مَرَضُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ طفق يَقُول لنَفسِهِ مَالك تَلُوذِينَ كُلَّ مَلاذٍ وَالْخَامِسَ عَشَرَ أَنْ يَقُولَ لِنَفْسِهِ إِنَّمَا هِيَ سَاعَةٌ ثُمَّ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ مَا كَانَ وَلْيَتَذَكَّرْ أَمْرَاضًا جَرَتْ عَلَيْهِ فَبَالَغَتْ فِي أَلَمِهِ ثُمَّ ذَهَبَتْ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ وَإِنَّمَا الاعْتِبَارُ بِالْعَوَاقِبِ وَمَنْ تَأَمَّلَ الْعَاقِبَةَ هَانَ عَلَيْهِ الْبَلاءُ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدثنَا عبد الله ابْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيِا مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً ثُمَّ يُقَالُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ فَيَقُولُ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ وَيُؤْتَي بَأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُصْبَغُ فِي الْجَنَّةِ صَبْغَةً فَيُقَالُ لَهُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسا قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ فَيَقُولُ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بؤس قطّ وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ

стр. 28

وَالسَّادِسَ عَشَرَ أَنْ يَتَخَايَلَ الانْتِقَالَ إِلَى نَعِيمِ الْجَنَّةِ الَّذِي لَا انْقِطَاعَ لَهُ فَمَا قَدْرُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ بَلْ مَا قَدْرُ جَمِيعِ عُمْرِ الدُّنْيَا بِالإِضَافَةِ إِلَى الْبَقَاءِ السرمدي وَبَين هَذَا بِأَنَّا لَوْ قَدَّرْنَا أَنَّ اللَّهَ كَبَسَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بِخَرْدَلٍ ثُمَّ خَلَقَ طَائِرًا وَاحِدًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَنْقِلَ كُلَّ أَلْفِ أَلْفِ عَامٍ خَرْدَلَةً تَصَوَّرْ نَفَادَ ذَلِكَ وَبَقَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَا نَفَادَ لَهُ وَمَنْ تَخَايَلَ الْبَقَاءَ السَّرْمَدِيَّ وَأَنَّهُ بَاقٍ فِي النَّعِيمِ السَّرْمَدِيِّ بِبَقَاءِ الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ وَبَقَاؤُهُ لَا يَنْقَطِعُ طَاشَ فَرَحًا وَنَسِيَ كُلَّ أَلَمٍ وَإِذَا كَانَ الْمَوْتُ هُوَ الطَّرِيقُ إِلَى ذَلِكَ النَّعِيمِ هَانَ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّد قَالَ أخبرنَا عبد الله ابْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ قَالَ حَدَّثَنَا حَمْزَةُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الأَغَرِّ أَبِي مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ يُنَادَى أَهْلُ الْجَنَّةِ إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلا تَمُوتُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلا تَسْقَمُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلا تَهْرَمُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تيأسوا أَبَدًا وَالسَّابِعَ عَشَرَ أَنْ يَحْتَقِرَ مَا يَبْذُلُ مِنَ الصَّبْرِ بِالإِضَافَةِ إِلَى عَظَمَةِ

стр. 29

الْحَقِّ فَيَكُونُ كَمُحْتَقِرِ هَدِيَّةٍ إِلَى مَلِكٍ كَبِيرٍ أَنْبَأَنَا زَاهِرُ بْنُ طَاهِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو نَعِيمٍ عبد الملك بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ النُّوفَلِيُّ قَالَ حَدثنَا عبد الله بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنِ عَطَاءِ ابْن عَجْلانَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ أسرت الرّوم عبد الله بْنَ حُذَافَةَ السَّهْمِيَّ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ الطَّاغِيَةُ تَنَصَّرْ وَإِلا أَلْقَيْتُكَ فِي النُّقْرَةِ النُّحَاسِ فَقَالَ مَا أَفْعَلُ فَدَعَا بِنُقْرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ فَمُلِئَتْ زَيْتًا وَأُغْلِيَتْ وَدَعَا رَجُلا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَعَرَضَ عَلَيْهِ النَّصْرَانِيَّةَ فَأَبَى فَأَلْقَاهُ فِي النُّقْرَةِ فَإِذا عِظَامه تلوح فَقَالَ لعبد الله ابْن حُذَافَةَ تَنَصَّرْ وَإِلا أَلْقَيْتُكَ قَالَ مَا أَفْعَلُ فَأَمَرَ أَنْ يُلْقَى فِي النُّقْرَةِ فَكَتَّفُوهُ فَبَكَى فَقَالُوا قَدْ جَزِعٍَ قَدْ بَكَى قَالَ رُدُّوهُ فَقَالَ لَا تَظُنَّنَّ أَنِّي بَكَيْتُ جَزِعًا وَلَكِنْ بَكَيْتُ إِذْ لَيْسَ لِي إِلا نَفْسٌ وَاحِدَةٌ يُفْعَلُ بِهَا هَذَا فِي اللَّهِ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لِي أَنْفُسٌ عَدَدَ كُلِّ شَعْرَةٍ فِيَّ ثُمَّ تُسَلَّطُ عَلَيَّ فَتَفْعَلَ بِي هَذَا قَالَ فَأَعْجَبَهُ وَأَحَبَّ أَنْ يُطْلِقَهُ فَقَالَ قَبِّلْ رَأْسِي وَأُطْلِقُكَ قَالَ مَا أَفْعَلُ قَالَ تَنَصَّرْ وَأُزَوِّجُكَ ابْنَتِي وَأُقَاسِمُكَ مُلْكِي قَالَ مَا أَفْعَلُ قَالَ قَبِّلْ رَأْسِي وَأُطْلِقُ مَعَكَ ثَمَانِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ أَمَّا هَذَا فَنَعَمْ فَقَبَّلَ رَأْسَهُ فَأَطْلَقَهُ وَثَمَانِينَ مَعَهُ فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى عُمَرَ قَامَ إِلَيْهِ عُمَرُ فَقَبَّلَ رَأْسَهُ وَكَانَ أَصْحَاب رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يمازحون عبد الله وَيَقُولُونَ قَبَّلْتَ رَأْسَ عِلْجٍ

стр. 30

فَصْلٌ وَلْيُعْلَمَ أَنَّ هَذَا الصَّبْرَ وَالتَّمَاسُكَ إِنَّمَا هُوَ سَاعَةٌ مِنَ الزَّمَانِ أَوْ نَحْوُهَا ثُمَّ يَغِيبُ الذِّهْنُ فَلا تَحُسُّ بِأَلَمٍ وَيَنْبَغِي أَنْ يُشَجِّعَ نَفْسَهُ وَيَقُولُ إِنَّمَا هِيَ سَاعَةٌ ثُمَّ يَتَلَقَّى كُلُّ مُوَجَّهٍ مِنَ الْبَلاءِ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ فَإِذَا غَرَقَ الْحِسُّ بِمَوْجٍ لَا يُتَدَارَكُ غَدْرُ الْمَلاحِ وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ حَفِظَ أَوَامِرَ اللَّهِ فِي صِحَّتِهِ حَفِظَهُ الله فِي شدته قَالَ ﷺ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهِ تَجِدْهُ أَمَامَكَ تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشَّدَّةِ أَلا تَرَى أَنَّ يُونُسَ ﵇ لَمَّا وَقَعَ فِي تِلْكَ الشِّدَّةِ وَكَانَتْ لَهُ أَعْمَالٌ صَالِحَةٌ مُتَقَدِّمَةٌ أَخَذَتْ بِيَدِهِ فَنَجَا وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِفِرْعَوْنَ عَمَلُ خَيْرٍ لَمْ يَجِدْ مُتَعَلَّقًا وَقْتَ الشِّدَّةِ فَقِيلَ لَهُ الْآن

стр. 31

وَكَانَ عبد الصمد الزَاهِدُ يَقُولُ عِنْدَ الْمَوْتِ سَيِّدِي لِهَذِهِ السَّاعَةِ خَبَّأْتُكَ فَصْلٌ وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ يَكْرَهُونَ الشَّكْوَى إِلَى الْخَلْقِ وَالشَّكْوَى وَإِنْ كَانَ فِيهَا رَاحَةٌ إِلا أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى ضَعْفٍ وَذُلٍّ وَالصَّبْرُ عَنْهَا دَلِيلٌ عَلَى قُوَّةٍ وَعِزٍّ ثُمَّ إِنَّهَا إِشَاعَةُ سِرِّ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ العَبْد وَهُوَ تُورِثُ شَمَاتَةَ الأَعْدَاءِ وَرَحْمَةَ الأَصْدِقَاءِ قَالَ الشَّاعِرُ ... لَا تَشْكُوَنَّ إِلَى صَدِيقٍ حَالَةً ... فَاتَتْكَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ فَلِرَحْمَةِ الْمُتَوَجَّعِينَ مَضَاضَةٌ ... فِي الْقَلْبِ مِثْلُ شَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ ... وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ يَكْرَهُونَ الأَنِينَ لأَنَّهُ نَوْعُ شَكْوَى فَمَتَى أَمْكَنَ الصَّبْرُ عَنْهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَصْبِرَ فَإِذَا غَلَبَ الْمَرَضُ عُذِرَ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لابْنِهِ اقْرَأْ عَلَيَّ حَدِيث طَاوُوس أَنَّهُ كَرِهَ الأَنِينَ فِي الْمَرَضِ فَقَرَأَ عَلَيْهِ فَمَا أَنَّ حَتَّى مَاتَ وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ يَجْعَلُونَ مَكَانَ الأَنِينِ ذِكْرَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وِالاسْتِغْفَارَ وَالتَّعَبُّدَ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ بْنُ صَفْوَانَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدثنَا خلف ابْن الْوَلِيد قَالَ حَدثنِي شيخ بهشلي قَالَ

стр. 32

دَخَلنَا على أَبُو بكر البهشلي وَهُوَ فِي السَّوْقِ وَهُوَ يُومِئ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ بْنُ السَّمَّاكِ عَلَى هَذَا الْحَالِ قَالَ أُبَادِرُ طَيَّ صَحِيفَتِي قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْقرشِي وحَدثني الْحسن بن عبد العزيز قَالَ حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ سُلَيْمٍ لَمَّا احْتُضِرَ حَضَرَهُ أَخُوهُ فَجَعَلَ يَتَقَلَّبُ قَالُوا كَانَ لَهُ حَاجَةً فَقَالَ نَعَمْ فَقَالَتِ ابْنَتُهُ مَا لَهُ من احاجة إِلا أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ تَقُومُوا عَنْهُ فَيَقُومَ فَيُصَلِّيَ وَمَا ذَاكَ فِيهِ فَقَامَ الْقَوْمُ عَنْهُ وَقَامَ إِلَى مَسْجَدَةٍ يُصَلِّي فَصَاحَتِ ابْنَتُهُ بِهِمْ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَحَمَلُوهُ فَمَاتَ قَالَ الْقُرَشِيُّ وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ الْوَاسِطِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عمر قَالَ دَخَلنَا على حرى ابْن عُمَرَ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ فَجَعَلَ يُكَبِّرُ وَيُهَلِّلُ وَيَذْكُرُ اللَّهَ وَجَعَلَ النَّاسُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِ أَرْسَالا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ فَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ وَيَخْرُجُونَ فَلَمَّا كَثُرُوا عَلَيْهِ أَقْبَلَ عَلَى وَلَدِهِ فَقَالَ يَا بُنَيَّ اعْفِنِي رُدَّ السَّلامَ عَلَى هَؤُلاءِ لَا يُشْغِلُونِي عَنْ رَبِّي أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْعَامِرِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي صَادِقٍ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ بَاكِرِيَّةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو يَعْقُوبَ الْخَرَّاطُ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَرِيرِيُّ قَالَ حَضَرْتُ عِنْدَ الْجُنَيْدِ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِسَاعَتَيْنِ فَلَمْ يَزَلْ تَالِيًا وَسَاجِدًا فَقُلْتُ لَهُ يَا أَبَا الْقَاسِمِ قَدْ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى مِنَ الْجَهْدِ فَقَالَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أَحْوَجُ مَا كُنْتُ إِلَيْهِ هَذِهِ السَّاعَةَ فَلَمْ يَزَلْ تَالِيًا وَسَاجِدًا حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا

стр. 33

فَصْلٌ وَقَدْ يَعْرِضُ إِبْلِيسُ لِلْمَرِيضِ وَالْمُحْتَضَرِ فَيُؤْذِيهِ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ وَقَدْ رَوَى أَبُو الْيُسْرِ عَنِ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْغَرَقِ وَالْحَرْقِ وَالْهَدْمِ وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ يَتَخَبَّطَنِيَ الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّ إِبْلِيسَ لَا يَكُونُ فِي حَالٍ أَشَدُّ مِنْهُ عَلَى ابْنِ آدَمَ عِنْدَ الْمَوْتِ يَقُولُ لأَعْوَانِهِ دُونَكُمُوهُ فَإِنَّهُ إِنْ فَاتَكُمُ الْيَوْمَ لَمْ تَلْحَقُوهُ وَقَدْ يَسْتَوْلِي عَلَى الإِنْسَانِ حِينَئِذٍ فَيُضِلُّهُ فِي اعْتِقَادِهِ وَرُبَّمَا حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ وَرُبَّمَا مَنَعَهُ مِنَ الْخُرُوجِ مِنْ مَظْلَمَةٍ أَوْ آيَسَهُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَيَقُولُ لَهُ قَدْ أَقْبَلَتْ إِلَيْكَ سَكَرَاتُ الْمَوْتِ لَا تُطِيقُهَا الْجِبَالُ وَنَزْعٌ شَدِيدٌ وَقَدْ كَانَ أَنْ يُرْفِقَ بِكَ رَبُّكَ فَمَا فَائِدَةُ هَذَا التَّعْذِيبِ وَسَتُفَارِقُ الْمَحْبُوبَاتِ وَسَيَبْلَى هَذَا الْبَدَنُ ثُمَّ لَا يدْرِي أبن الْمَصِيرُ فَيَقَعُ بِهَذِهِ الْوَسَاوِسِ الْقَلَقُ وَرُبَّمَا جَاءَ الاعْتِرَاضُ عَلَى الْقَدَرِ فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ تِلْكَ السَّاعَةَ هِيَ مَصْدُوقَةٌ لِلْحَرْبِ وَحِينَ يَحْمِي الْوَطِيسُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَجَلَّدَ وَيَسْتَعِينَ بِاللَّهِ عَلَى الْعَدُوِّ وَلْيَرْجِعْ عَنْهُ خَائِبًا أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عبد الله بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ وِرْدَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ

стр. 34

أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُنْضِي شَيَاطِينَهُ كَمَا يُنْضِي أَحَدُكُمْ بَعِيرَهُ فِي السَّفَرِ فَصْلٌ وَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُجِيبَ الشَّيْطَانَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ قَالَهُ بِجَوَابٍ فَيَقُولُ لَهُ أَوْلا قَدْ عَلِمْتُ مَا فَعَلْتَ بِأَبِي وَعَرِفْتُ عَدَاوَتَكَ لِي فَمَا وَجْهُ هَذَا الإِشْفَاقِ عَلَيَّ ثُمَّ يُجَدِّدُ التَّوْبَةَ وَيَنْظُرُ فِيمَا يُوصِي بِهِ وَيَخْرُجُ عَنِ الْمَظَالِمِ وَيَقْضِيَ الدُّيُونَ وَيَقُولَ لِلشَّيْطَانِ لَا وَجْهَ لِلْيَأْسِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَأما لما السَّكَرَاتُ فَجَوَابُهُ مِنْ سِتَّةِ أَوْجُهٍ أَحَدِهَا أَنَّنِي رُبَّمَا عُوفِيتُ مِنْ هَذَا الْمَرَضِ وَكَمْ مِنْ مَرَضٍ هُوَ أَشَدُّ مِنْ هَذَا تَعْقُبُهُ الْعَافِيَةُ وَقَدْ عَاشَ فُلانٌ وَفُلانٌ أَكْثَرَ مِنِّي وَمَا آيَسَ وَالثَّانِي لِمَ تُعَجَّلُ لِيَ الْفِكْرَةُ فِي الشِّدَّةِ وَالْفِكْرَةُ فِيهَا شِدَّةٌ أُخْرَى وَقَدْ قَالَ الْحُكَمَاءُ دَعُوا الْفِكْرَ لِتَمُوتُوا مَرَّةً وَاحِدَةً لَا مَرَّاتٍ وَالثَّالِثِ أَنَّهُ رُبَّمَا رُفِقَ بِي فِي تِلْكَ السَّكَرَاتِ وَقَدْ يَكُونُ فِي طَيِّ الإِعْسَافِ إِسْعَافٌ وَالرَّابِعِ قَدْ دَانَ الأَمْرُ كَمَا قُلْتَ أَيَنْفَعُنِي الْجَزَعُ وَالْخَامِسِ أَنَّ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ لَا بُدَّ مِنْهُ وَقَدْ عِشْتُ أَكْثَرَ مِنْ فُلانٍ وَفُلانٍ

стр. 35

وَالسَّادِسِ أَنَّهُ كُلَّمَا زَادَتِ الشِّدَّةُ زَادَ الأَجْرُ أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ السَّرَّاجِ قَالَ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدثنَا عبد الله بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ عبد العزيز أَنَّهُ قَالَ مَا أُحِبُّ أَنْ يَهُونَ عَلَيَّ سَكَرَاتُ الْمَوْتِ إِنَّهُ آخِرُ مَا يُكَفَّرُ بِهِ عَنِ الْمُسلم قَالَ عبد الله وَحَدَّثَنِي أَبُو مُعَمَّرٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُرَيْكٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَحْمِدَ عِنْدَ الْمَوْتِ قَالَ عبد الله وَحَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ قَابُوسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ آخِرُ شِدَّةٍ يَلْقَاهَا الْمُؤْمِنُ الْمَوْتُ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بن عبد الباقي الْبَزَّارُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ بن حَيَّوَيْهَ قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَعْرُوفٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهْمِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سعد قَالَ حَدثنَا عبد الملك ابْن عَمْرٍو الْعَقْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ عَنِ ابْنِ أَبِي مليكَة أَن عبد الرحمن بْنَ أَبِي بَكْرٍ تُوُفِّيَ بِالْجَيْشِ عَلَى رَأْسِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ فَنَقَلَهُ ابْنُ صَفْوَانَ إِلَى مَكَّةَ فَبَلَغَ ذَلِكَ عَائِشَةَ فَقَالَتْ مَا آسَى مِنْ أَمْرِهِ إِلا عَلَى خَصْلَتَيْنِ أَنَّهُ لَمْ يُعَالَجْ وَأَنَّهُ لَمْ يُدْفَنْ حَيْثُ مَاتَ وَكَانَ مَاتَ فَجْأَةً قَالَ شَيْخُنَا ابْنُ نَاصِرٍ مَعْنَى لَمْ يُعَالَجْ لَمْ يُمَرَّضْ فَيَكُونَ قَدْ نَالَهُ

стр. 36

مِنَ الْمَرَضِ مَا يَكُونُ كَفَّارَةً لِذُنُوبِهِ وَيُذَكِّرُهُ الْمَوْتُ فَيُوصِي وَيَتَسَلَّى أَهْلُ بَيْتِهِ بِمُعَالَجَتِهِ فِي مَرَضِهِ فَصْلٌ وَأَمَّا قَوْلُ إِبْلِيسَ مَا وَجْهُ هَذَا التَّعْذِيبِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى اللُّطْفِ فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنَّ هَذَا الاعْتِرَاضِ عَلَى الْمَالِكِ وَأَفْعَالُهُ سُبْحَانَهُ لَا تُعَلَّلُ وَفَرْضُ الْعَقْلِ أَنْ يُسَلِّمَ فَإِنَّهُ امْتَحَنَ الأَبْدَانَ بِالأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ وَابْتَلَى الْعُقُولَ بِمَا لَا تَفْهَمُهُ لِيُسَلِّمَ مِثْلِ إِيلامِ الْحَيَوَانِ وَرَجْمِ الزَّانِي وَغَيْرِ ذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُلاحِظَ عَظَمَةَ الْمُتَصَرِّفِ وَيَعْلَمَ كَمَالَ حِكْمَتِهِ وَذَلِكَ يُوجِبُ الاسْتِطْرَاحَ لِقَضَائِهِ وَالتَّسْلِيمَ لأَمْرِهِ وَيُلْزِمُهُ أَنْ يَسْتَحِقَّ مَا يَفْعَلُهُ الْحَقُّ لِعِلْمِهِ بِكَمَالِ الْحِكْمَةِ وَالْعَقْلُ ضَرْبٌ مِنَ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ فَحَدُّهُ إِدْرَاكُ الْمَعْلُومَاتِ وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَتِهِ أَنْ يُدْرِكَ الْحَسَنَ وَالْقَبِيحَ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي قُوَّةِ الْحَوَاسِّ الْمُدْرِكَةِ لِلأَشْيَاءِ مِنَ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ أَنْ يَعْلَمَ مَضَارَّهَا وَمَنَافِعَهَا فَالاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ مِنْ أَقْبَحِ الأَحْوَالِ وَإِنَّمَا يَعْتَرِضُ مَنْ يَقِيسُ صِفَتَهُ بِصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ مِثَالُهُ أَنْ يَسْمَعَ أَنَّهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَيَطْلُبُ الرَّحْمَةَ الَّتِي يَجِدُهَا مِنَ الْمَخْلُوقِينَ فَيَرَاهُ قَدْ سَلَّطَ الأَعْدَاءَ عَلَى الأَوْلِيَاءِ وَالْجَوَارِحَ عَلَى

стр. 37

الصَّيْدِ فَيَظُنَّ عَدَمَ الرَّحْمَةِ فَيَكْفُرَ فَسَلِّمْ لأَوْصَافِهِ كَمَا سَلَّمْتَ لِذَاتِهِ فَهُوَ أَهْلٌ أَنْ يُسَلَّمَ لَهُ وَلَسْتَ بِأَهْلٍ أَنْ تَعْتَرِضَ عَلَيْهِ وَلَقَدْ كَانَ يُسَلِّطُ الْبَلايَا عَلَى الأَنْبِيَاءِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَلا تَتَغَيَّرُ قُلُوبُهُمْ بِنِيَّاتِهِمْ يَنْصُرُ يَوْمَ بَدْرٍ سَلَّطَ الأَعْدَاءَ يَوْمَ أُحُدٍ وَاعْتِقَادَاتُ الْقَوْمِ ثَابِتَةٌ يُعَلِّمُهُمْ أَنَّهُ لَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ فَأَمَّا أَنْتَ فَاعْتِقَادُكَ مُزَلْزَلٌ أَقَلُّ شَيْءٍ يُحَرِّكُهُ وَهَذَا أَصْلُ الأُصُولِ فَمَنْ تَأَمَّلَهُ وَفَهِمَهُ سَلِمَ مِنَ الآفَاتِ وَالْوَحْشَةِ الثَّانِي أَنَّ هَذَا الَّذِي ظَاهِرُهُ تَعْذِيبٌ رُبَّمَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَاطِنِ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ يَلْطُفُ بِالْمُؤْمِنِ فَيُشْغِلُ بَصَرَهُ بِرُؤْيَةِ مَنْزِلِهِ مِنَ الْجَنَّةِ وَسَمْعَهُ بِمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ إِذَا جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ يَقْبِضُ رُوحَ الْمُؤْمِنِ قَالَ لَهُ إِنَّ رَبَّكَ يُقْرِؤُكَ السَّلامَ وَيُشْغِلُ الْقَلْبَ بِالْفِكْرِ فِي انْتِظَارِ اللِّقَاءِ فَلا تَحُسُّ الْجَوَارِحُ بِمَا يَجْرِي كَتَقْطِيعِ أَيْدِي النِّسْوَةِ عِنْدَ رُؤْيَةِ يُوسُفَ ﵇ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ إِذَا اسْتَشْفَعَتْ نَفْسُ الْمُؤْمِنِ جَاءَهُ مَلَكٌ فَقَالَ السَّلامُ عَلَيْكَ يَا وَلِيَّ اللَّهِ اللَّهُ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ وَقَرَأَ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُم﴾

стр. 38

وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ تَأْتِي الْمَلائِكَةُ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَ يَقُولُونَ لَا تَخَفْ مِمَّا أَنْتَ قَادِمٌ عَلَيْهِ فَيُذْهِبُ اللَّهُ خَوْفَهُ وَلا تَحْزَنْ عَلَى الدُّنْيَا وَأَهْلِهَا وَأَبْشِرْ بِالْجَنَّةِ فَيَمُوتُ وَقَدْ جَاءَتْهُ الْبُشْرَى أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن جَعْفَر قَالَ حَدثنَا عبد الله بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ الْمَيِّتَ تَحْضُرُهُ الْمَلائِكَةُ فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ قَالُوا اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ اخْرُجِي حَمِيدَةً وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانَ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ فَلا يَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَ ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ فَيُسْتَفْتَحُ لَهَا فَيُقَالُ مَنْ هَذَا فَيُقَالُ فُلانٌ فَيَقُولُونَ مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الطَّيِّبَةِ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ ادْخُلِي حَمِيدَةً وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانَ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ قَالَ أَحْمَدُ وَحَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ الْمنْهَال عَن عَمْرو بن زَاذَانَ عَنِ الْبَرَّاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الآخِرَةِ نَزَلَ إِلَيْهِ مَلائِكَةٌ مِنَ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ

стр. 39

الْبَصَرِ ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ أيتها النَّفس الطّيبَة اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانَ قَالَ فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِيِّ السِّقَاءِ فَيَأْخُذُهَا فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ وَتَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ قَالَ فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلأ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِلا قَالُوا مَا هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ فَيَقُولُونَ فُلانُ بْنُ فُلانٍ بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمَّوْنَ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُشَيِّعُهُ مِنْ كل سَمَاء مقربوها حَتَّى ينتهين بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ فَصْلٌ وَأَمَّا قَوْلُهُ سَتُفَارِقُ الْمَحْبُوبَاتِ فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْن أَحدهَا أَنَّ الأَغْلَبَ فِيمَا يُفَارِقُهُ أَنَّهُ يُوشِكُ فِرَاقَهُ خُصُوصًا إِنْ كَانَ شَيْخًا كَبِيرًا فَلا يَنْبَغِي أَنْ يَحْزَنَ لِفِرَاقِ الدُّنْيَا مَنْ لَا يَحْزَنَ الثَّانِي الرَّجَاءُ بِمُلاقَاةِ مَنْ هُوَ أَحَبُّ إِلَيْكَ وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يَمُوتُ فَيُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَمَا ذَاكَ إِلا لأَنَّهُ رَاحَةٌ عَظِيمَةٌ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عبد الله ابْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ

стр. 40

حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ قَالَ حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ قَالَ حَدَّثَنِي بَجِيرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِي عُمَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَا مِنَ النَّاسِ نَفْسٌ مُسْلِمٌ يَقْبِضُهَا رَبُّهَا تُحِبُّ أَنْ تَعُودَ إِلَيْكُمْ وَإِنَّ لَهَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا إِلا الشَّهِيد // رِجَاله ثِقَات ٢ فَصْلٌ وَأَمَّا قَوْلُهُ سَيَبْلَى هَذَا الْبَدَنُ فَجَوَابُهُ أَنَّ الْبَلاءَ الْمُرَكَّبِ لَا يَضُرُّ الرَّاكِبَ وَالنَّظَرُ إِلَى مَا يُؤْذِي النَّفْسَ وَيَنْفَعُهَا فَأَمَّا نَفْسُ الْبَدَنِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ إِنَّمَا هُوَ لَهُ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ بن عبد الباقي قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْبَرْمَكِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ حَيَّوَيْهَ قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَعْرُوفٍ قَالَ أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهْمِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ قَالَ لَمَّا قتل هِشَام بن العَاصِي يَوْم أجنادين وَقع عَلَيْهِ تلمة فَسَدَّهَا وَلَيْسَ لَهُمْ طَرِيقٌ غَيْرُهَا فَلَمَّا انْتَهَى الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهَا هَابُوا أَنْ يَطَؤُهَا الْخَيْلَ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَدِ اسْتَشْهَدَهُ وَرَفَعَ رُوحَهُ وَإِنَّمَا هُوَ جُثَّةٌ فَأَوْطِئُوهُ الْخَيْلَ ثُمَّ
следующие страницы →