← Тафсир

Тафсир · id 67

تفسير ابن عرفة

ابن عرفة

Полный текст (994 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

أبو حيان: «إذَا رَجَعْتُمْ» قيل العامل في «إذا» «صيام» ورده ابن عرفة: بِأَنّه يلزم أن يكون صوم الثلاثة بعد الرجوع والفرض أنه قبل الرجوع إلا أن يجاب بأنّ يكون مثل: عندي درهم ونصفه، فالمعنى فيصوم سبعة إذا رجع، فيكون «صِيَامُ» عاملا فيه لفظا لا معنى. قيل (له) : يلزمك على هذا الجواب العطف على عاملين، وصيام سبعة (إذا رجع) بعطف «صيام» على «صيام» «وإذا» على قوله «فِي الحَجّ» . فقال: إنما هو عامل واحد فقط. قلت: وقال الأستاذ أبو العباس أحمد بن القصار: (العامل) / «صيام» ، كما قال أبو حيان باعتبار لفظ المطلق والمعنى يبنه كما تقول: أكرم في الدار زيدا. أو في السوق عمرا أو لو لزم كون الثلاثة بعد الرجوع لتناقضت الآية ولكان يلزم أن يكون السبعة في الحج لأنه كما (تجعل) إذا رجعتم قيدا في صيام الجميع فاجعل «في الحج» أيضا قيدا في صيام الجميع. هذا إذا جعلنا «في الحَجّ» و «إِذَا رَجَعْتُمْ» متعلقين ب «صيام» . قال: والصواب عندي غير هذا. وهو أن يكون، «إذَا رَجَعْتُمْ» صفة ل «سبعة» ، فالسبعة ظرف زمان فيصح وصفها بظرف الزمان ويكون في الحج أيضا صفة ل «ثلاثة» .

стр. 667

قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ... ﴾ . قال ابن عرفة: (أحدُ تفسيري) ابن عطية بناء على أنّ أسماء الأعداد نصوص، والآخر على أنّها ليست كذلك. وأورد الزمخشري هنا سؤالين: أحدهما عن الإتيان بالفذلكة وهي لفظ «تِلْكَ» وأجاب بثلاثة أوجه. قال بعض الطلبة: فيبقى السؤال لأيّ شيء لم يقل: فهي عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ؟ فقال ابن عرفة: «تِلْكَ» القصد بها التعظيم. قال ابن عرفة: وعادتهم يجيبون بأن القاعدة أنّ الصوم المتتابع أعظم ثوابا من المفرّق، فقد يتوهّم بتفريقها أن ثوابها أقل من ثوابها لو كانت مجموعة (فأشار بقوله «عشرة» إلى أن ثوابها على هذه الصفة أعْظَمُ من ثوابها لو كانت مجموعة فرعا عن أن) يكون مثله ولذلك قال: «كاملة» . قيل لابن عرفة: وأشار إليه مكي.

стр. 668

قال ابن عرفة: وعادة الشيوخ يحكون عن ابن الحاجب أنه قال: في قول الأصوليين: إن عمومات القرآن كلها مخصوصة (إلا قوله: ﴿والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أنهم كان ينبغي أن يمثلوه بآية تقتضي حكما من الأحكام الشرعية) كقول الله تعالى ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ﴾ الآية ونحوه. وكان الشاطبي يرد عليه بما إذا كان الولي مسلما والزوجين مشركين فإن ظاهر عموم الآية المنع من إنكاحهما مع أنّه جائز فيكون عمومها مخصوصا (بهذا) . قيل لابن عرفة: هل المراد ولا تنكحوا المشركين المؤمنات؟ فقال: هذا تخصيص. قال ابن عرفة: وهذه الآية عندي من العام الباقي على عمومه إلا أن يجاب بأنه مخصوص بالمرض فإن المريض لا يقدر على الصيام ولو كانت باقية على عمومها للزم في المريض أن يؤمر بالقضاء وليس كذلك. قال أبو حيان: فِي الحَجّ: في وقت الحج، فيجوز عنده الصيّام قبل أن يحرم بالحج وبعده. وقيل: في وقت أفعال الحج فلا يجوز الصوم إلاّ بعد الإحرام.

стр. 669

قال ابن عرفة: لا يحتاج إلى هذا لأن قوله «فِي الحَجّ» يَدُل عليه لأن الحج بذاته فعل والصوم فيه. قيل لابن عرفة: ليس الصوم فيه؟ فقال: الحج بنفس أن يحرم فيه ينسحب عليه حكمه (فالثلاثة) الأَيَّامُ هي في الحج حكما. قوله تعالى: ﴿ذلك لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المسجد الحرام ... ﴾ . قال ابن عرفة: يؤخذ فيمن له أهل بمكة وأهل بغيرها. فقد قال الإمام مالك ﵁: إنها من مشبَّهات الأمور يؤخذ منه أن حكمه حكم الحاضر بدليل قول (مالك) في المسافر: إذا سافر ومر ببلد له فيها أهل فإنه يتمّ الصلاة كالمقيم. قوله تعالى: ﴿واعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب﴾ . دليل على أنّ الطلب المتقدم قبل هذا كله للوجوب.

стр. 670

قوله تعالى: ﴿الحج أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ... ﴾ . ابن عطية: أي وقت الحج أشهر. ابن عرفة: أو الحج ذو أشهر كقولهم: زيد عدل أي ذو عدل. ابن عرفة: وعادتهم يوردون في هذا تشكيكا وهو أن هذه القضية، إمّا صادقة أو كاذبة وكلاهما باطل، أمّا بطلان الثاني فظاهر

стр. 671

وأمّا الأول فلأنّها إذا كانت معلومة كان الإخبار بها غير مفيد إذ هو تحصيل الحاصل كقولك هذا (الشهر) معلوم. والجواب أن المعلوم قسمان: باق على أصله ومعلوميته لم يقع فيه (تغيير) بوجه، ومعلوم غير عن وضعه وهذا منه، كما قالوه في النسيء: فإنهم كانوا (يؤخرون) المحرم لصفر ويجعلونه كذلك عاما بعد عام حتى كانت حجّة أبي بكر ﵁ في ذي القعدة سنة تسع، وحجّة سيّدنا رسول الله ﷺ َ أعني حجة الوداع في ذي الحجة ولذلك قال في خطبته: «إن الزّمان قد استدار كهئته يوم خلق الله السماوات والارض» فاقتضت الآية أنّ (الحجّ) هو الأشهر المعلومات (الأصلية) التي ليس فيها ذلك (التغيير) . (والجواب الثاني) بأن فائدة ذلك التنبيه على هذه الأشهر المعلومة بالحج كما هو في شرع من قبلنا هي في شرعنا. ورده ابن عرفة بأنّ اللّفظ لا يقتضى ذلك. قال ابن عرفة: فإن قلت: ما فائدة (العدول) عن الحقيقة إلى المجاز في الإخبار بظرف الزمان عن المصدر مثل: زيد عدل؟

стр. 672

فأجاب عن ذلك بأن عادتهم يقولون: (فائدته) التنبيه على مفارقة الصلاة / فإن الصلاة الفائتة تقضى في غير وقتها، والحج لا يقضى إلا في هذه الأشهر فجعلت كأنها هي نفس الحج لملازمته لها. قال ابن عطية: وأشهر الحج، شوال، وذو القعدة، وعشر ذي الحجة، حكاه الشيخ ابن حبيب عن الإمام مالك ﵁ وترك قولين آخرين في المذهب: أحدهما: أنّه شوال وذو القعدة وذو الحجة، والثاني أنه شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة وأيام الرمي. قوله تعالى: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج ... ﴾ . نقل الفخر في المحصول عن أبي الدّبوسي من (الحنفية) : أن الفرض ما نشأ عن دليل قطعي لأنه مأخوذ من الفرض في (الخشبة) ، والواجب ما نشأ عن دليل (ظني) لأن الوجوب في اللغة السقوط. قال الله تعالى ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ القانع والمعتر﴾ ولذلك يقولون: هذا واجب وجوب السنن ولا يقولون: هذا فريضة فرض السنن.

стр. 673

قال ابن عرفة: فإن قلت لم أعيد لفظ الحجّ مظهرا، وهلا قيل: فمن فرضه فيهن؟ فأجاب عن ذلك بأنه لو قيل كذلك لكان فيه عود الضمير على اللفظ لا على المعنى مثل: عندي درهم ونصفه لأن الحج الأول مطلق يصدق بصورة فيتناول حج زيد وعمرو بالتعيين الواقع منهما وحجمها القابل لأن يفعلاه. وقول الله ﷻ : ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج﴾ مقيد بحج كل واحدٍ واحدٍ بعينه، والشخص المعين (حجه مقيد لا) مطلق، فلذلك أعيد لفظ الحج مظهرا فيتناول الفرض والتطوع. قيل لابن عرفة: ما الفرق بين (جواز تقديم) إحرام الحجّ على أشهر الحج ومنع تقديم إحرام الصلاة على وقتها؟ فقال: الإحرام قسمان منقطع ومستصحب، فالمنقطع كتكبيرة الإحرام والمستصحب النية، فالنية يصح تقديمها على الوقت لأنها لايزال حكمها منسحبا على المصلي في جميع أجزاء صلاته ولا يصح تقديم تكبيرة الإحرام لانقطاعها بالفراغ منها، ونظيره هنا السعي، لا يجوز تقديمه على أشهر الحج. وأما نية الإحرام والتوجه فهو مستصحب فيصح تقديمه على أشهر الحج. وفرقوا بين إحرام الصلاة وإحرام الحج بأنّ إحرام الصلاة متيسر (لا مشقة) فيه فامتنع تقديمه وأمر المقدم له بإعادته واعتقاد وجوبه بخلاف إحرام الحج. قوله تعالى: ﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج ... ﴾ .

стр. 674

نقل ابن التلمساني في شرح المعالم الفقهية عن الإمام مالك رضي لله عنه: إنّ أقل الجمع اثنان، وقال الباجي في الفصول: المشهور عن مالك وعن أصحابه أن أقل الجمع ثلاثة إلا ابن خويز منداد فإنه قال أقله اثنان. واحتج الأولون بقوله: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الحرث إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القوم وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ وأجيب باحتمال أنْ يريد بالضمير الفاعل والمفعول معا، أي الحاكم المحكوم عليه. وردّه ابن التلمساني بإلزام كون الضمير فاعلا ومفعولا في حالة واحدة فيكون مرفوعا منصوبا، انظر المسألة الخامسة من الباب الثالث. قوله تعالى: ﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ ... ﴾ . قال أبو حيان: قرأ الأعمش رفوث.

стр. 675

قال ابن عرفة: هو إما جمع بناء على أن جمع المصدر إذا اختلفت أنواعه إما قياسا كما قال ابن عصفور أو سماعا كما قال ابن أبي الربيع وابن هشام، وإمّا مفردا. قلت: مثل قعود ووقوف وكقولك: أقل أفولا، ولزم لزوما، والجمع كالحلوم وأما «رَفَثَ» فمثل قولك وَجِلَ وَجَلا وخَجل خجلا. قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله ... ﴾ . إن قلت: المتقدم نهي وامتثاله بالترك كما أنّ امتثال الأمر بالفعل، فهلا عقب بأن يقال: وما تتركوا من شيء يَعْلَمَهُ اللهُ؟ قيل لابن عرفة: نقول إن الترك فعل؟ فقال: البحث على أنّه غير فعل. قال: وإنّما الجواب بما قال ابن الحاجب من أنّ نقيض الجلي (جلي) ، ونقيض الخفي خفي فالإخبار بأن الله تعالى يعلم الفعل يستلزم معرفته نقيض ذلك وهو الترك وإنّما عدل على التنصيص على ذلك بالمطابقة إلى دلالة الالتزام ليفيد الكلام أمرين، وهو الحض على عدم الاقتصار على ترك ذلك فقط فيتضمن طلب تركه وطلب تعويضه بفعل الخير المحصل للثواب فإنه تعالى عالم بمن يترك ذلك ويفعل الخير فنبه على الترك والفعل.

стр. 676

قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ... ﴾ . سبب نزول هذه الآية أَنَّهم كانو يتوهمون أن سفر الحاج إذا خالطته نية التجارة ينقص من ثوابه أو يوقع في الإثم، فنزلت

стр. 677

الآية. وقوله «مِّن رَّبِّكُمْ» دليل على أنّ المراد التجارة بالمال الحلال أما الحرام فلا. قيل لابن عرفة: كله من الله؟ فقال: أما باعتبار القدرة فنعم، وأمّا باعتبار الإذن فلا، والآية خرجت مخرج الإذن ورفع الحرج. ابن عطية: الجناح أعم من الإثم لأنه فيما يقتضي العقاب وفيما يقتضي العقاب والزجر. قال ابن عرفة: والنفي ب (ليس) لما يتوهم وقوعه والإثم كان متوهما وقوعه في سفر الحج للتجارة بخلاف النفي ب (لا) . حسبما ذكره المنطقيون في السالبة والمعدومة، مثل: الحائط لا يبصر، وزيد ليس يبصر، أو غير بصير. قوله تعالى: ﴿فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فاذكروا الله ... ﴾ . ذكر الزمخشري هنا أنّ التاء في (بنت) ليست للتأنيث. قال ابن عرفة: يقال له بل للتأنيث لأن المذكر «ابن» المؤنث «بنت» وعادتهم يجيبون بأن تاء التأنيث لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا كفاطمة. أبو حيان: منهم من قال: العامل في «إذا» «فَاذْكُرُوا» قال (وأخذ) من الآية أن جواب «إذَا» لا يعمل فيها لأن مكان إنشاء الإفاضة غير مكان الذكر فإذا اختلف المكان لزم منه ضرورة اختلاف الزمانين فلا يجوز أن يكون الذكر عند المشعر الحرام واقعا عند انشاء الإفاضة.

стр. 678

قيل لابن عرفة: نقول: إنه يذكر الله تعالى عند آخر أزمنة انفصاله من عرفات إلى المشعر الحرام، فقال: هذا صحيح لو لم يكن بين المكانين فاصل، وإنما الجواب الذي عادتهم يقولونه: إنّك تقول إذا قدم زيد من سفره فاكرمه بعد قدومه بيوم، فالعامل في «إذا» هو أكرمه مع اختلاف الزمان. قال: عادتهم يقولون: ليس العامل في إذا أكرمته بذاته، بل لاستلزامه معنى فعل آخر يصح عمله تقديره: إذا قدم زيد فاعلم أنّكَ مكلف بإكرامه بعد قدومه بيوم، وكذلك (تفهَم) هذه الآية فلا يتم لأبي حيان الرد بهما على من يقول العامل في «إذا» جوابُها. قوله تعالى: ﴿واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ ... ﴾ . الأول: ذكرُ الحَجّ، والثاني: ذِكْرٌ مُطْلَقٌ، فهو تأسيس لا تأكيد وقوله: «كَمَا هَدَاكُمْ» الكاف إمّا للتعليل مثل: ﴿وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ﴾ قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضآلين ... ﴾ . قال ابن عرفة: إن قلت هذا تأكيد لأن الهداية تستلزم تقدم الضّلال لها. فالجواب أنّه إنما (كان) يكون تأكيدا (أن) لو قيل: وَإِن كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ ضَالِّينَ. وهذا أخص لأن قولك: زيد من الصالحين أخصّ من قولك: زيد صالح.

стр. 679

قاله الزمخشري في قول الله تعالى ﴿والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصالحين.﴾

стр. 680

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس ... ﴾ . قال أبو حيان: «ثم» قيل إنّها للترتيب في الذكر لا في الزّمان لتعذره وهذا على (الإفاضة) من عرفات وقيل بمعنى الواو. قال ابن عرفة: لا فرق بينهما لأن الواو كذلك هي أيضا للترتيب في الذكر فالمقدم فيها مقدم في اللفظ لا في المعنى. قيل لابن عرفة: إنّما يريد النحويون بذلك الذكر القلبي بمعنى: أنه لم يستحضر أوّلا غير (الأول) من المعطوفين فلذلك بدأ به فلما نطق به استحضر الآخر وهذا مستحيل في الآية. وذكر الزمخشري أن «ثُمّ» هنا لبعد ما بين الإفاضتين وأن إحداهما صواب والأخرى خطأ كما تقول: أحسن إلى الناس ثم لا تحسن الى غير كريم. قال ابن عرفة: فإن قلت: هلا (قال) ثم أحسن إلى الكريم فيعطف الأمر على الأمر فهو أولى من عطف النهي على الأمر. فأجاب بأنه أراد تحقيق كونها لبعد ما بين الصواب وهو الإحسان إلى الكريم والخطأ وهو الإحسان إلى غير الكريم ولو أتى بالكل أمرا

стр. 681

لكانت «ثم» بين الجائز والأولى (ولم) تكن صريحة في البعد والتفاوت. (وزاد) أبو حيان قولين: أحدهما: أنّها للترتيب الزماني والإفاضة (من) جمع. والآخر: أنها على بابها من الترتيب. وفي الكلام تقديم وتأخير أي وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الألْبَاب ثم أفيضوا. قال ابن عرفة: والفرق بين القولين (الأولين) عندي أن يريد بقوله «ثُمّ» هنا، قيل للترتيب في الذكر، إنّها في هذه الآية خاصة بمعنى الواو، وبالقول الثاني: إنها بمعنى الواو مطلقا والله أعلم. قال ابن عرفة: وعادتهم يقولون: إنّها للتراخي والمهلة فهي على بابها، والمهلة فيها بين الذي يليها فقط والذي يليها هو معطوف على ما قبله بالواو والمشهور في الواو أنّها للجمع من غير ترتيب ولا مهلة، فتكون الجملة الموالية ل «ثم» مراد بها التقديم. والتقدير: «فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللهَ كَمَا هَدَاكُمْ» «ثم أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ» و ﴿واذْكُرُا الله عِند المَشْعَرِ الحَرَامِ﴾ . قال ابن عرفة: وهذا معنى سادس لم يذكروه، وهو الذي (ينبغي) حمل الآية عليه. والله أعلم.

стр. 682

وقول الله تعالى: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس﴾ قرأ ابن جبير (الناسي) . أبو حيان: والألف واللاّم قيل للعهد وقيل للجنس فالعهد يريد آدم ﵇. (قال) ابن عرفة: كونها للجنس (إما) أن يريد النّاسِي في الحجّ أو بالإطلاق. فالنّاسي في الحج لا إفاضة له لأنه نسي الإفاضة فلا يصح أمرنا له بالإفاضة من حيث أفاض النّاس وإِن أراد الناسي مطلقا، وهو الذي نسي غير هذا أي من حيث أفاض الذي من شأنه النسيان فباطل أيضا، لأن ترتيب الحكم على الاسم (المشتق) (يشعر) بمناسبة معناه للحكم، وعلته له فإذا قلت. أكرم زيدا المصلي، فإكرامه إنما هو لصلاته لا لصدقته. قال ابن عطية: ويجوز عند بعضهم حذف الياء. قال: فأما جوازه في العربية فذكره سيبويه وأمّا جوازه مقروءاً به فلا أحفظه.

стр. 683

قال ابن عرفة: وهذا غير صحيح كيف يقول: لا أحفظه وهو شأن الزوائد في القرآن في الاسم والفعل، قال الله تعالى ﴿يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ وقال أيضا ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ فقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة: «يَأْتِ» «وَنَبْغِ» بحذف الياء وصلا ووقفا. وتعقبه أبو حيان بأن سيبويه لم يجزه إلا في الشعر وجوّزه الفراء. قال ابن عرفة: وعادتهم يقولون: لم عدل في الآية عن دلالة المطابقة وهي حقيقة إلى دلالة الالتزام، وهي مجاز، فعبر بالإفاضة المستلزمة للوقوف، وهلا عبر بالوقوف نفسه فيقول: ثم قفوا من حيث وقف الناس، فما السر في ذلك؟ قال: وعادتهم يجيبون عن ذلك بأنّ قريشا كانوا لا يخرجون من الحرم لشرفه ويرون الخروج عنه موجبا للوقوع في الإثم، (ويقفون بالمشعر الحرام، فأتت الآية ردا عليهم وتنبيها على أن الخروج هنا لاينقص أجرا ولا يوقع في الإثم) ثم إنّ الإتيان إلى المحل الشريف من

стр. 684

المحل البعيد مُشْعِر بنهاية تعظيمه وكمال تشريفه، فقصد التنبيه على الحكم مقرونا بعلته، وهذا هو المذهب الكلامي عند البيانيين. ولو قيل: ثم قفوا، لما أشعر بالانتقال والرجوع من الحل إلى الحرم بعد الخروج منه، فعبر بالإفاضة التي من شأنها أن لاتكون (إلا بعد) وقوف لإشعارها بالانتقال من المحل البعيد وهو عرفة لأنه في الحل إلى هذا الحرم الشريف تكريما له وإجلالا، فالإفاضة مستلزمة للرجوع إلى الحرم، ومشعرة بالوقوف المستلزم للخروج من الحرمِ إلى الحل. قيل لابن عرفة: أو يجاب بأنه عبر بالإفاضة للمناسبة بينه وبين لفظه في أول الآية والله أعلم.

стр. 685

قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ ... ﴾ . المراد: القضاء المطلق اللّغوي وهو فعل (العبادة) سواء كان في وقتها أو بعد وقتها، أي إذا فرغتم من حجكم. قوله تعالى: ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً ... ﴾ .

стр. 686

الأشدية إما في القدر أو باعتبار حضور النيّة فالمراد إما الإكثار من ذكره أو كمال الحضور والإخلاص في ذكره. وفي إعرابه ستة أوجه. قال الزّمخشري: «أَشَدّ» معطوف على ما أضيف إليه الذكر في قوله ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ﴾ .

стр. 687

قال الطيبي: وضعفه بعضهم لأن فيه العطف على (المضمر المخفوض) من غير أعادة الخافض. قال ورد قراءة من قرأ ﴿تَسَآءَلُونَ بِهِ والأرحام﴾ بالخفض أقبح رد. قال ابن عرفة: وهذا إما كفر أو معصية لأنها قراءة حمزة. قال ابن عرفة: ومنهم من فرق بين العطف على الضمير المجرور بالحرف وبين العطف على المخفوض (بالإضافة) فأجاز العطف على المضاف من غير إعادة الخافض. قال الزّمخشري: كما تقول (كذكر) قريش آباءهم أو قوما أشد منهم ذكرا. قال: ويكون «أشد» في موضع نصب عطفا على « (آبَاءَكُمْ) أَوْ أَشَدّ ذِكْرا» من آبائكم على أن «ذِكْرا» من فعل المذكور. واختلف في تفسيره فقال أبو حيان: معناه أنك إذا عطفت «أشَدّ» على «آبَاءَكُمْ» كان التقدير: أو قوما أشَدّ ذِكْرا من آبائكم فالقوم مذكورون والذكر الذي هو (تمييز) (بعد) أشَدّ

стр. 688

هو من فعلهم أي وفعل القوم المذكورين لأنه جاء بعد أفعل الذي هو صفة للقوم أي أو قوما أشَدّ ذِكْرا من ذكركم لآبائكم. قال ابن عرفة: فمعناه عنده أو كذكركم قوما ذاكرين الله بذكر هو أشد ذكرا، أي بذكر هو أشد من الأذكار التي تذكرون بها آباءكم، فجعل القوم المذكورين ذاكرين وهو بعيد. وقال الطيبي: أراد الزمخشري أن معناه كذكركم قوما مذكورين بذكر هو أشد ذكرا، فقوما مفعول وأشدّ صفة، فوصفوا بالأشدية من حيث كونهم مذكورين أي كذكركم قوما ذكرتموهم بذكر هو أشد ذكرا. قال ابن عرفة: واعلم أن «أَفْعَلَ (مِنْ) » إن انتصب تمييزها كانت من صفته وإن انخفض كانت من صفة الاسم الذي (جرت) عليه. تقول: زيد أحسن عبدا بالنصب، أي زيد يملك عبدا أحسن من عبيد غيره. وأن خفضت كان معناه: أن زيدا في نفسه أحسن عبيد الله تعالى. ففي الآية هنا على كلام التفسيرين جعل للذكر ذكر مبالغة مثل جد جده وشعر (شعره) أي ذكرا شبيها بذكر آبائهم أو ذكرا أشد، فالأشدية من صفة ذكر المتأخر وهو غير الأول فيكون الذكر ذكر مبالغة. فالحاصل أن معناه عند أبي حيان: أو كذكركم قوما ذاكرين الله بذكر ذلك الذكر أشد ذكرا، أي ذلك الذكر كلّه ذكر أشدّ من الأذكار التي يذكرون بها آباءهم.

стр. 689

(وعند الطيبي: المعنى أو كذكركم قوما ذكرتموهم، فذكر له ذكر أشد من غيره من الأذكار التي تذكرون بها آباءكم) . فقول الزمخشري: على أن «ذكرا» من فعل المذكور هو عند أبي حيان (الفعل) وعند الطيبي الفعل الاصطلاحي النّحوي وكلام. الطّيبي أصوب لأن (التشبيه) بالقوم إنمّا هو من حيث كونهم مذكورين بأشد الأذكار لا من حيث كونهم ذاكرين بأشد الأذكار. قال ابن عرفة: وهذه مسألة طويلة (عويصة) ما رأيت من يفهمها من الشيوخ إلا الشيخ ابن عبد السلام، والشيخ (ابن الحباب) . وهكذا كانا يقررانها وما قصّر الطيبي (فيها) (وهو الذي كشف القناع عنها و (تكلم عليها) هنا وفي قول الله تعالى في النساء ﴿يَخْشَوْنَ الناس كَخَشْيَةِ الله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ وكلامه في تلك الآية هو الذي حمل التونسيين على نسخه لأني كنت عند ابن عبد السلام في السقيقة لما قدم الواصل بكتاب الطيبي فقلت له: ننظر ما قال في «أشَدَّ خَشْيَةً» فنظرناه فوجدنا فيه زيادة على ما قال الناس فحض الشيخ إذاك على نسخه.

стр. 690

قلت: ولما (حد) ابن الصائغ (المصدر) في بابه استشكل نصب «ذكرا» في الآية لما تقدم من أن (التمييز) المنتصب بعد افعل سواء بدأ (غير) الموصوف بها مثل: زيد أفضل الناس أبا، ف «أشدّ» في الآية صفة للذكر ثم أجاب بأنّه كقولك: زيد أفضل الناس رجلا وعبدا، ومعناه عند سيبويه أفضل النّاس إذا وصفوا رجلا رجلا، وليس المراد أن عبده أو (رجله) أفضل النّاس، فمعنى الآية أشد الأذكار إذا (صنفت) «ذكرا» في الآية تمييز أو حال والأكثر في مثل هذا أنْ تضاف إليه افعل لكنه لتقدم الذكر قبله قد يجوز مثل: زيد أفضل النّاس رجلا. قال: ويمكن أن يكون «ذكرا» مصدرا ل «اذكروا» فقدمت صفته وهو (ذكر) فانتصب على الحال. والممعنى: واذكروا الله ذكرا كذكركم آباءكم، وأطال الكلام بما هذا حاصله. قلت: وعلى هذا لا يحتاج فيه إلى المجاز الذي في: جد جده وشعر شعره. وبالله التوفيق. قال ابن عرفة: هذه الآية نص في (أنّ) الأمر بالشيء نهي عن ضده لأنّهم قالوا: سبب نزولها أنّ قريشا الحمس كانوا

стр. 691

يجتمعون بعد الإفاضة من عرفات فيفتخرون بأنسابهم فنزلت الآية ردا عليهم فكان الأصل أن يقال: فإذا قضيتم مناسككم لا تفتخروا بآبائكم. لكنه لو قيل ذلك لاحتمل أن يسكتوا ولا يتكلّموا بشيء ويتحدّثوا في أخبار الأوائل فيما ليس بذكر ولا فخر فأمرهم الله تعالى بذكر حتى يتناول النهي عن الاشتغال بجميع أضداده المنافية له. قال ابن عرفة: و «أَوْ» في قوله «أَوْ أَشَدّ» للتفصيل فمن هو كثير الشغل والشغب فذكره كذكر آبائه ومن هو خالي البال يعني الخاطر فذكره أشدّ ذكرا ويزيد ما استطاع. قوله تعالى: ﴿فَمِنَ الناس مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدنيا وَمَا لَهُ فِي الأخرة مِنْ خَلاَقٍ﴾ . قال ابن عطية: سببها أنهم كانوا في الجاهلية يدعون في مصالح الدنيا فقط إذ كانوا لا يعرفون الآخرة فنهو عن ذلك. قال ابن عرفة: فتقدير (السَّببية) على هذا إما أنهم نهوا عن الاقتصار (في الدعاء) بمصالح الدنيا فقط وأمروا بالشعور بالآخرة واستحضار وجودها. قال: ويحتمل (تقدير) السببية بوجهين آخرين. أحدهما: أن في الآية اللف والنشر مَن «يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدنيا» راجع

стр. 692

لقوله «كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ» وقوله تعالى ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدنيا حَسَنَةَ﴾ راجع إلى قوله «أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً» . قيل لابن عرفة: (يعكر) عليه قوله «وَمَا لَهُ فِي الأخرة مِنْ خَلاَقٍ» (يدل على أنه كافر فيكف يذكر الله كذكره أباه؟ فقال: قد تقرر أنّ «وَمَا لَهُ فِي الأخرة مِنْ خَلاَقٍ» (معتبر) بأمرين لأنّ الواو فيه واو الحال فيحتمل أن يراد أنه في نفس الأمر ليس له نصيب في الآخرة، ويحتمل (أن) يريد من الناس المؤمنين من يطلب أمور الدنيا، ولم يتعلق له بال بطلب الثواب في الآخرة عليه، فقد يعمل العمل الصالح، ويطلب المعونة عليه، ولم يخطر بباله طلب الثواب عليه في الآخرة بوجه (أو بطلب الرزق الحلال من نعيم الدنيا ومستلذاتها، ويصرفه في وجهه وهو مع ذلك طائع، ولا يتشوق إلى طلب الآخرة بوجه) بل (يغفل) عن ذلك. الوجه الثاني في تقرير السببية: أنه لما تقدم الأمر بذكر الله عقبه بهذا تنبيها على أن من الناس من لا يمتثل هذا الامر ولا يقبله، ومنهم من يمتثله ويعمل بمقتضاه فهو الذي يقول: ﴿رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدنيا حَسَنَةً وَفِي الأخرة حَسَنَةً﴾ أو يرجع إلى القبول والأجر. وتقرر أن القبول أخص، فمن الناس من يفعل العبادة فلا يجزيه ويخرجه من عهدة التكليف فقط ولا يثاب عليها كمن يصلي رياء ومنهم من يفعلها بالإخلاص ونية فتقبل منه، ويثاب عليها في الدار الآخرة.

стр. 693

قال ابن عرفة: وعادتهم يختلفون في الألف واللام في «الناس» فمنهم من كان يقول إنها للعهد والمراد بها الناس الحجاج (ومنهم من جعلها للجنس فعلى أنّها للعهد يكون التقسيم مستوفيا لأن الحجاج) لا بد أنهم يدعون إما بأمر دنيوي أو بأخروي (وعلى أنها للجنس لايكون مستوفيا) لأن بعض الناس قد لا يدعون بشيء أصلا لا دنيوي ولا أخروي. قيل لابن عرفة: وكذلك على أنها للعهد لأن بعض الحجاج يدعو أيضا بأمر الآخرة فقط؟ ... قال أبو حيان: ومفعول «آتِنَا» الأول محذوف. ق ابن عرفة: هذا أحد القولين فيها، وفيها قول آخر بأن الفعل المتعدي إذا ضمن المجرور الذي بعده معنى آخر تصح نيابته مناب المفعول. و «في» هنا يتضمنه معنى كقولك: أكلت من الرغيف.

стр. 694

قوله تعالى: ﴿وَفِي الأخرة حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النار﴾ . ضعف الشيخ أبو حيان العطف هنا للفصل. وأجاب بعض الطلبة بأن «حسنة» مفعول صريح وفي الآخيرة مجرور مؤخر في المعنى، فتقديمه يصيره فاصلا. فقال ابن عرفة: لا يضر ذلك عندهم. وأنا فيه عندي أنّه نعت نكرة تقدم عليها فصار حالا والحال صفة في المعنى، وإذا كان صفة فالفصل (به) جائز لأنه جزء من الموصوف أو كالجزء. ونظيره (

стр. 695

من) الآية التي مثل بها. قال: (وما يجيء) (تمثيل) الفصل إلا بقوله تعالى ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ بالنصب على قراءة حمزة وأما قوله تعالى ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إلى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ الناس أَن تَحْكُمُواْ بالعدل﴾ فالفصل هنالك بالظرف (وهي) جملة معطوفة على جملة.

стр. 696

قوله تعالى: ﴿أولئك لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ ... ﴾ . راجع للفريقين فمن طلب الدنيا لها وكذلك الآخرة. قوله تعالى: ﴿والله سَرِيعُ الحساب﴾ . قال ابن عطية: قيل لعلي كيف يحاسب الله العباد في يوم؟ فقال (كما يرزقهم في يوم) . قل ابن عرفة: كما يفهم أن العرض لا يبقى زمنين والقدرة صالحة إلى الإمداد بعرض آخر فكذلك القدرة صالحة (لأن)

стр. 697

يخلق لله في نفس كل واحد الإخبار بما لَهُ وما عليه (فيخبرُون) بذلك في زمن واحد. وهذا أمر خارق للعادة ولا يمكن قياسه على الشاهد.

стр. 698

قوله تعالى: ﴿واذكروا الله في أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ... ﴾ . الأمر إما خاص (بالحاج) أو عام لأن سائر الناس أيضا يكبّرون في تلك الأيام غير أنّ الحجاج يكبرون في كل النهار وغيرهم يكبّر دبر (كل) صلاة فقط، وقد كان عمر يرفع صوته بالتكبير في (خبائِه) فيكبّر من خلفه ثم يكبر النّاس كلّهم حتى (يُسْمَع) التكبير من مكة. (وقيل) هل الأمر للوجوب أو للندب؟ قال: إن أريد مطلق الذكر فهو للوجوب وإن أريد الذكر الخاص في الوقت الخاص فهو للندب، وأما للاباحة (فلا) . وقوله «مَّعْدُودَاتٍ» أخذوا منه أن الواحد عدد لأنه جمع مفرده معدود. وأجيب بأن الشيء في نفسه ليس كهو مع غيره فالمجموع عدد والبعض غير عدد. قوله تعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ .

стр. 699

(تُؤول) بأمرين إما نفي للإثم حقيقة أو إثبات الأجر له والثواب (لأن الثواب) كان حاصلا (بالإقامة) لأن الذكر معلوم أنه يحصل الثواب فما يبقى إلا توهم الوقوع في الإثم هنا (لما كان) الجاهلية يعتقدون. (فنفي) ما يتوهم وبقي ما عداه ثابتا بالأصالة وهو حصول الثواب على الذكر. قيل لابن عرفة: والآية تدلّ على ترك العمل (بمفهوم) العدد لأن مفهومها أن المتعجل في أقل من يومين مأثوم، مع أن التأخير سنة وتارك السنة غير مأثوم؟ فقال: إمّا أن نفرّع على أن تارك السنن متعمدا مأثوم وتقدم نظيره في الوتر، أو نقول: معنى «لاَ إِثْمَ» أي له الثواب. قيل للامام: ففيه حجة للقائل بأن تارك السّنن متعمّدا مأثوم؟ قال: لا حجة فيه لاحتمال أن يراد بنفي الإثم حصول الثواب. قوله تعالى: ﴿واعلموا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ . في ظاهره دليل على أنّ الحشر بإعادته هذه (الأجساد) بعينها. قيل لابن عرفة: وفيه دليل على ذم التقليد؟ فقال: يقال الحاصل للمقلد علم لا ظن.

стр. 700

قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الناس مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ ... ﴾ . حكى ابن عطية في سبب نزولها ثلاثة أوجه: إمّا أنها عامة في كل من أبطن الكفر وأظهر الإسلام، وإما أنّها خاصة بقوم من المنافقين تكلَّموا في قوم من المؤمنين استشهدوا في غزوة الرجيع. وإما أنها خاصة بالأخنس بن (شريق) . قال أبو حيان: و «من» إما موصولة بمعنى الذي أو نكرة موصوفة. قال ابن عرفة: إعرابها نكرة مناسب للقول بعموم الآية في كل منافق، وإعرابها موصولة مناسب للقولين الآخرين لأجل العهد الذي في الصلة فيقتضي تقدم معهود على (الخصوص) ويكون تعجبك ماضيا في المعنى (أي) بفلظ المضارع للتصوير والتحقيق كأنه مشاهد وعلى العموم فهو مستقبل حقيقة. قوله تعالى: ﴿فِي الحياة الدنيا﴾ . إما متعلق ب «يعجبك» أو ب «قَوْلُهُ» . وعادتهم يوردون عليه سؤالا وهو أنه إن تعلق ب «يعجبك» كان الكلام غير مفيد لأنه معلوم لأن الإعجاب منه إنما هو في الدنيا، ولا يقع في الآخرة فهو تحصيل الحاصل، وإن تعلق ب «قَوْلُهُ» فإما أن يراد نفس قوله أو متعلقه، فمتعلقه إنّما هو في الآخرة لا في الدنيا لأن (محصول) ذلك القول (الإسلام) وهو أمر أخروي لا دنيوي. وإن أريد نفس «قَوْلُهُ» فذلك القول

стр. 701

إنما وقع منه في الدنيا ونحن نعلم ذلك من غير حاجة إلى الإعلام به فيرجع إلى تحصيل الحاصل. قال: فالجواب أنه على حذف مضاف، أي يعجبك قوله في شأن الحياة الدنيا، لأنه إنما (يقصد) بكلمة الإسلام عصمته من القتل والأسر وضرب (الجزية) ، وصيانة ماله وعرضه، فالإعجاب راجع إلى حكم دنيوي لأن المراد به نفس التعجب. قوله تعالى: ﴿وَيُشْهِدُ الله على مَا فِي قَلْبِهِ ... ﴾ . دليل على أن العقل في القلب. قيل لابن عرفة: وهذا من الكذب على الله. وقد ذكر ابن التلمسانى فيه قولين: قيل إنه كفر، وقيل لا؟ قال ابن عرفة: إنّما الخلاف في الكذب على الله في الأحكام كقوله: أَحَلّ الله كذا وحرم كذا وأما قول القائل أي الحالف لقد كان كذا والله يعلم أنّي لصادق، فهو يمين غموس وليس من ذلك القبيل وعلق التعجب بالقول ليفيد التعجّب من كلامه من باب أحرى. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الخصام﴾ . إنما كان مُلدّا لحلفه على الباطل وتأكيده الحلف يعلم أنه تعالى أنه حق.

стр. 702

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تولى سعى فِي الأرض لِيُفْسِدَ فِيِهَا ... ﴾ .

стр. 703

(ابن عطية) : يحتمل أن يكون توليه بقلبه، أي ضل، أو بجسده، أي أدبر عنكم بجسمه. وضعف ابن عرفة الأول بأنه لم يكن قط مسلما والتولي عن الشيء يقتضي تقدم الكون فيه. قوله تعالى: ﴿وَيُهْلِكَ الحرث والنسل ... ﴾ . من عطف الخاص على العام. قوله تعالى: ﴿والله لاَ يُحِبُّ الفساد﴾ . الصحيح أنّه ليس المراد حقيقة المحبة بل الذمّ على ذلك والله يذم الفساد ويعاقب على فعله لقول العرب في المدح التام: حَبَّذَا زَيْدٌ، وفي الذم التام: لاَ حَبَّذاَ زَيْدٌ، واحتجاج المعتزلة بها لا يتم. والجواب عنه بما قلناه. . وكذلك احتجاجهم بقول الله تعالى ﴿وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر.﴾

стр. 704

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتق الله أَخَذَتْهُ العزة بالإثم فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ المهاد﴾ . قال ابن عرفة: الآية لها منطوق ومفهوم والتقدير: لم يتق لأجل ما نالته (من العزة) بسبب الإثم واكتفى عن ذلك المفهوم فذكر علته. وفي كتاب الأقضية والشهادة فيمن قال له القاضي أو غيره: اتّق الله فإنّه يقول له: اللهم اجعلنا من المتّقين، لئلا يدخل في ضمن هاته الآية. قال: ولا ينبغي أن يقول أحد لأحد: اتّق الله، فإنه تعريض له لعدم التقوى.

стр. 705

قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الناس مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابتغآء مَرْضَاتِ الله ... ﴾ . قيل: إنّها خاصة بصهيب وقيل عامة في كل مجاهد أو في كل آمر بالمعروف وناه عن المنكر. قال ابن عرفة: (يشري) على أنها خاصة (فعل حال وعلى العموم) مستقبل حقيقة و «النّاس» إمّا المؤمنون فقط أو المؤمنون والكافرون لأنه إذا تعارض العموم في جنس أقرب أو فيه وفي أبعد منه فالأقرب (أولى) . «مَرْضَاتِ» : قال ابن عطية: وقف عليها حمزة بالتاء والباقون بالهاء. وتبعه أبو حيان وهو غلط إنما وقف عليها بالهاء الكسائي فقط. وعن ورش في إمالتها وجهان، والمشهور عدم الإمالة. قال ابن عرفة: وهو عندي منتقد على الشاطبي لأنه ذكر أنّ ورشا يميل ذوات الياء ثم عدها من ذوات الياء فضاهره إنه يميلها. قوله تعالى: ﴿والله رَءُوفٌ بالعباد﴾ .
следующие страницы →