← Тафсир

Тафсир · id 67

تفسير ابن عرفة

ابن عرفة

Полный текст (994 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

فإن قلت: ما فائدة قوله: «بِأَنْفُسِهِنَّ» ؟ قلت: فائدته التنبيه على مجاهدة النفس بمنعها شهواتها وتحملها الصبر على النكاح حتى تنقضي العدة. فإن قلت: ظاهر الآية أن يكون التربص مقصودا لها. والمذهب على أنها إذا لم تعلم بوفاة زوجها إلاّ بعد مضي العدة فإنّها تجزيها تلك ولا تستأنف عدة أخرى بوجه؟ قلنا: الأغلب في النساء معرفة - وكذلك المذهب - في الأربعة أشهر وعشرا أنها تكفي بشرط أن تحيض فيها حيضة وهو الأعم الأغلب في النساء فإن لم تحض (واسترابت) رفعت إلى تسعة أشهر فإن زالت عنها/ الرّيبة فقد انقضت عدتها وإن (استرابت) بحس بطن فإنّها تمكث أقصى أمد الحمل، ولهذا قال في المدونة: والعدة في الطلاق بعد الرّيبة وفي الوفاة قبل الريبة. قوله تعالى: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ... ﴾ . قيل: أراد عشر ليال بأيامها وغلب اللّيالي لأنها أسبق. الزمخشري: ولا تراهم فقط يستعملون التّذكير فيه ذاهبين إلى الأيام تقول: صمت عشرا، ولو ذُكرت خرجت من كلامهم. قال المبرّد: وعشر مدد كل مدة منها يوم وليلة.

стр. 807

وتعقبه أبو حيان بأنه لا حاجة إلى ذكر اللّيالي والعدد لأنهم مضوا على أن المعدود إذا كان مذكرا أو حذفته فلك في العدد وجهان إما التذكير الفصيح أو التأنيث. قال ابن عرفة: كان الشيوخ يحكون عن شيوخهم خلافا فيمن يشتري سلعة بعشرة دارهم وفي تونس القديم والجديد فكان سيدى الشيخ الفقيه أبو محمد عبد الله الزواوي يفتي بأن له أن يعطيه عنها ثمانية دراهم جديدة لأن غالب حال الناس التعامل بالجديد وهو الأكثر. وكان الشيخ الفقيه القاضي أبو القاسم بن زيتون يقول أسماء العدد نصوص فما يعطيه إلا عشرة دراهم قديمة كما وقع العقد بينهما. قلت: وذكرت هذا بعينه في سورة العنكبوت.

стр. 808

قوله تعالى: ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النسآء ... ﴾ . الزمخشري الكناية: هي أن يذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له مثل: فلان جبان، (القلب) عظيم الرماد. والتعريض: أن يذكر شيئا يستدل به على شيء لم يذكره.

стр. 809

ابن عرفة: فلفظه يقتضي أن الكناية ترجع لدلالة المطابقة والتعريض لدلالة الالتزام ولهذا كان بعضهم يقول في قولك: رأيت أسدا يريد به رجلا شجاعا إنه مطابقة ويرد على من كان يقول: إنّه مجاز ولذلك فرقوا بين دلالة اللفظ وبين الدلالة باللفظ لأن المطابقة دلالة اللّفظ على تمام مسماه بالإطلاق وما عرض من جعله مجازا، إلا أنه (فسر دلالة المطابقة بأنها دلالة اللّفظ على) تمام ما وضع له أوّلا. قلت: قال القزويني في الإيضاح الكناية لفظ أريد به لازم معناه مع جواز إرادة ذلك كقولك فلان: كثير رماد القدر، كناية عن الكرم. وطويل نجاد السيف كناية عن طول قامة الرجل. ومثله: بَعِيدَةٌ (مَهْوَى) القرط كناية عن طول قامة المرأة. قيل لابن عرفة: هل يجوز لمن عنده أربع نسوة أن يعرض ويواعد خامسة؟ فقال: الظاهر الجواز وهو أخف من المواعدة في العدة لأن من تزوج في العدة تحرم عليه للأبد، ومن تزوج خامسة يجبر على تطليق واحدة ونكاحه صحيح، وأيضا فالمواعد في العدة غير قادر على تنجيز (العقد عليها في الحال ومتزوج الخامسة) قادر على تطليق واحدة في الحال ويتزوجها. فإن قلت: (ليس) قادرا على أن يطلقها طلقة بائنة؟ قلنا: هو قادر على أن يطلقها بالثلاث.

стр. 810

قيل لشيخنا القاضي أبي عبد الله: محمد بن القاضي أبي العباس أحمد بن حيدرة كان يقول: هذا إذا كان التعريض من أحد الجانبين فقط. وأما إذا وقع منهما التعريض فظاهر المذهب أنه كصريح المواعدة. فان قلت: إذا نفي الجناح في التعريض فأحرى أن ينتفي عما يخطر بالقلب فما فائدة عطفه عليه. قلت: فائدته الإشعار بالتّسوية بينه وبين ما في النفس من الجواز أي هما سواء في رفع الحرج عن صاحبهما وعلى الحكم بتعريض الرجل للمرأة لأنه الأغلب والأكثر وجودا أن الرجال يخطبون النّساء فهو مفهوم خرج مخرج الغالب فيستفاد منه جواز العكس قياسا عليه. قوله تعالى: ﴿ولكن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً ... ﴾ . الزمخشري: المستدرك مقدر، أي فاذكروهنّ وَلكِن لاَ تُوَاعدوهنّ سِرّا. قال ابن عرفة: هذا يتخرج من الخلاف في أنّ ما بعد (لَكِن) إن كان مناقضا لما قبلها جاز بلا خلاف وإن وافقه امتنع اتّفاقا فإن خالفه فقولان، ومفهومه تحريم المواعدة جهرا من باب أحرى. قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ... ﴾ .

стр. 811

جلعها الزمخشري متصلا أمّا مستثنى من مصدر «تُوَاعِدُوهُنَّ» أي إلاّ مواعدة القول المعروف فينتصب على المصدر أو مفرعا من مجرور أي إلاّ بالقول المعروف فينتصب على إسقاط حرف الجر، ومنع انفصاله على استثنائه من «سِرّا» لعدم تسلّط العامل عليه فلا يجوز: لاَ تُوَعِدُوهُنّ إِلاّ التعريض. ورده أبو حيان بمنع الحصر لأن المنفصل قسمان ما تسلط عليه العامل. مثل: مَا رَأَيْتُ أَحَدا (إِلاّ حِمَارا) فالحجازيون أوجبوا نصبه والتميميون أجازوا اتباعه لما قبله. وما لم يسلط عليه العامل نحو ما زاد إلا ما نقص. (قلت: وعبر القرافي عمّا يتسلط عليه العامل بأن يكون الحكم على المستثنى بنقيض الحكم على المستثنى منه، وعمّا لا يتسلط عليه بأن يكون الحكم بغير النقيض مثل ما زاد إلا ما نقص) ، فالزيادة هي نقيض عدم الزيادة وذلك بعد أن قال: الاستثناء المتصل هو أن يكون الحكم على المستثنى بنقيض الحكم على المستثنى منه وأن يكون استثناء من غير الجنس فإن اختل أحدهما أو هما / كان منقطعا ومثل الحكم بعدم النقيض فقول الله تعالى: ﴿لاَ تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ فظاهره جواز أكل التجارة بالباطل وليس كذلك.

стр. 812

وتعقب ابن عرفة منع الزمخشري الانفصال وتعليله بأنه مشترك الالزام بين المتصل والمنفصل. وأجيب عن ذلك بأن (المفرّغ) أصله مستثنى من شيء محذوف تقديره في الآية: وَلَكِن لاَ تُوَاعِدُوهُنّ سِرّا بشيء من الأشياء بالقول المعروف. ونظيره: ما مررت إلاّ بزيد، أي ما مررت بأحد فليس (فيه) مشترك الإلزام. وتعقب ابن عرفة قول أبي حيان في: ما رأيت أحدا إلاّ حمارا بأن ذلك إنّما هو في النقيض. قيل لابن عرفة: قد ذكر القرافي والشلوبين وغيرهما ومثلوه بقول الله تعالى: ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الموت إِلاَّ الموتة الأولى﴾ فقال: هذا منفي، مع صحة قولك لا يذوقون إلاّ الموتة الأولى. فقيل له: لايجوز لا يذوقون إلاّ الموتة الأولى؟ فقال: (سقط فيها) .

стр. 813

قلت: قال بعضهم: كلام أبي حيان صحيح وما تقدم للقرافي بيّنه. قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النكاح حتى يَبْلُغَ الكتاب أَجَلَهُ ... ﴾ . أبو البقاء: عقدة مصدر مضاف إلى المفعول، أو على إسقاط حرف الجر كقول عنترة: ولقد أبيت على الطوى وأظلّه ... حتى أنال به كريم المأكل أي وأظل عليه. قيل لابن عرفة: تقدم النهي عن المواعدة في العدة وهي أدنى من هذا والنهي عن الأدنى يستلزم النهي عما فوقه من باب أحرى؟ فقال: دلالة المطابقة أقوى. قيل له: والأول من دلالة المطابقة مثل: ﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ﴾ فقال: الصحيح عنهم أنّه من دلالة الالتزام؟ قال: والعزم منهم من يفسره هنا بالفعل وهو عقد النكاح. ومنهم من فسره بالنية، أي لا تنووا عقدة النكاح وهو الصحيح لأن العزم هو

стр. 814

الجزم بفعل الشيء فهو أمر قلبي. قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الأمر﴾ وَمما (يؤيده) هنا قوله: ﴿واعلموا أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا في أَنفُسِكُمْ فاحذروه﴾ . فدل على أنّه أمر قلبي. وحكى ابن عطية عن ابن الجلاب: أن العقد في العدة يوجب حرمتها أبدا. وكان بعضهم يقيده بما إذا تعمد ذلك فإن وقع العقد خطأ لم يتأبد التحريم. قيل لابن عرفة: الصواب العكس لأن النكاح متى كانت له شبهة تأبد فيه التحريم ومتى لم تكن له شبهة لم يتأبد التحريم؟ فقال ابن عرفة: ليس كذلك لأن (عليه) المعاقبة بنقيض المقصود. قوله تعالى: ﴿واعلموا أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا في أَنفُسِكُمْ فاحذروه ... ﴾ . عبر فيه بِ (اعْلَمُوا) وب (احْذَرُوهُ) تأكيدا في التنفير عن ذلك والعقوبة من المواطأة هنا على ما في النفس والإصرار عليه.

стр. 815

قوله تعالى: ﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ .

стр. 816

وجه الفصل كونها جملة خبرية والأولى طلبية فلذلك لم يعطفها عليها. قال ابن مالك: وإلا فالقاعدة أن الجملتين إذا كانتا متقاربتين في المعنى لم يعطف. قوله تعالى: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ... ﴾ . ابن عرفة هذا كما (قال) غير مرة: إن من أكثر ما وردت (لَمْ) في القرآن لنفي الماضي المتصل بزمن الحال قال: و (أو) هنا بمعنى الواو. كما قال ابن راشد، وهو الصحيح، لأنها إذا كانت على بابهما أعني (للتنويع) لزم نفي الجناح (عمن طلق بعد الدخول في نكاح التفويض، وإذا اكانت بمعنى الواو فيكون المراد برفع الجناح) بسقوط نصف الصداق) بالطلاق. قوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ ... ﴾ . قال ابن عرفة: إنما عطف هذه وهي أمر على ما قبلها وهي خبر لأن قبلها تضمن حكم الطّلاق وهو سبب في الأمر بالمتعة والسببية ظاهرة فلذلك عطفت (بالواو) ولو كانت خفية لعطفت بالفاء.

стр. 817

قال ابن عرفة في مختصره الفقهي: المتعة ما يؤمر الزوج بإعطائه الزوجة لطلاقه أياها، والمعروف أنّها مستحبة يؤمر بها ولا يقضى بها ولا (تحاصص) . قال ابن زرقون في المبسوط عن محمد بن مسلمة هي واجبة (يقضي بها) (لأنه) لا يأبى أن يكون من المحسنين ولا المتقين إلاّ رجل سوء. قال ابن عرفة: ولأن رأي المتقدمين أن المؤمن والمتقي متساويان ولأن قوله: ﴿حَقّاً عَلَى المتقين﴾ يقتضي عموم تعلقها بكل مسلم لأنه متق الشرك وقوله «عَلَى الْمُحْسِنِينَ» مفهومه عدم تعقلها بمن ليس بمحسن من المسلمين فيتعارض العموم والمفهوم والأصح عند الأصوليين أن العموم مقدم ونقله اللَّخمي ولم يعزه وعزاه الامام ابن عبد السلام لابن حبيب. قال ابن عرفة: قال أبو عمران: إنما يقدر حال المرأة، وابن عبد البر يقدر حال الرجل وابن رشد (يقدر) حالهما. قال ابن عرفة: وهي لكل مطلقة في عصمة لا رجعة فيها ولا خيار على الزوج.

стр. 818

وفي المدونة ما نصّه: لا متعة لمختلعة ولا مصالحة ولا ملاعنة ولا مطلقة قبل البناء. وقد فرض لها اللخمي. ولا مفتدية ولا متبارية ولا من اختارت نفسها لعتقها ولا من فسخ نكاحها ولم تعارض. قال الامام ابن رشد: ظاهر قول ابن القاسم ان طلّق فيما يفسخ بطلاق فسخه، فلا متعة عليه. اللخمي: إن فسخ الرضاع بأمر الزوج رأيت / عليها المتعة وإن اشترى زوجته لم يمتعها لبقائها معه ولو اشترى بعضها متّعها، وأما المخيرة والمملكة فقال الامام ابن رشد: روى ابن وهب: أنّ لهما المتعة. وقال ابن خويز منداد: لا متعة لهما، وقال ابن يونس: لمن اختارت نفسها بتزويج أمة عليها المتعة، انتهى. قال ابن عرفة: المطلقة لا متعة لها في البائن دون الرجعي فإن ماتت في العدة فالظاهر أن المطلق يرث من تلك المتعة. قيل لابن عرفة: لا يرث لأنّه إذا كان الطلاق بائنا فلا متعة ولا ميراث، وإن كانت رجعية فقد ماتت قبل أن تجب لها لأنها إنّما تجب لها بعد انقضاء العدة؟

стр. 819

فقال إنّما (أجّلنا) المتعة بانقضاء العدة رجاء أن يرتجعها قبل تمامها فإذا ماتت ذهبت تلك العدة. قيل لابن عرفة: إنما هي جبر لقلبها ففي الموت لا متعة؟ فقال: قد قالوا: إنّها تجب. وقرىء «عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ» . واستشكلها ابن عرفة بحذف المجرور. وقد انتقد القرافي على الفخر الرازي تسميته كتاب المحصول، لأن اسم المفعول من الفعل الذي لا يتعدى إلا بحرف الجر لايجوز أن يحذف مجروره، وأجابوا: بأن ذلك اسم عَلَمٍ سمّاه بالمحصول كما قال تعالى ﴿عِندَ سِدْرَةِ المنتهى﴾ لكن ذلك الجواب لا يتصور هنا. وأجيب: بأن هذا يتعدى بنفسه تقول: وسعت المكان والدار والطريق ووسعت الأمر: - قال الله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السماوات والأرض﴾ _ وقال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ.﴾

стр. 820

قوله تعالى: ﴿مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ ... ﴾ . قوله تعالى: ﴿وَأَن تعفوا أَقْرَبُ للتقوى ... ﴾ . الخطاب للأولياء، ويحتمل أن يكون الخطاب بالأول للزوجات والأولياء ليعفوا عن نصف الصداق إذا لم (يمكن) قبضه، وذلك حيث تكون ملية والزوج معسر. والخطاب (بهذه) للأزواج حيث يكون الزوج مليا والمرأة معسرة فالعفو عما زاد على النصف. ومعنى «أَقْرَبُ للتقوى» أن الصداق أمر دنيوي وقد ورد «حبّ الدّنيا رأس كل خطيئة» فتركه أقرب للتقوى) ، وإنما عدي باللام التي للاختصاص دون (إلى) إشارة إلى خصوص العفو عنه بالتقوى.

стр. 821

قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنسَوُاْ الفضل بَيْنَكُمْ ... ﴾ . المراد إما إنشاء التفضل أو مراعاة الفضل المتقدم، أي لا تتركوا أيقاع التفضل ولا تتركوا عند الطلاق مراعاة ما وقع بينكم من الفضل عند عقد النكاح، فإن أريد الأول فيكون تأكيدا لأن ما قبله يغني عنه، وإن أريد الثاني فهو تهييج على (العفو عن) الصداق. قوله تعالى: ﴿بَيْنَكُمْ ... ﴾ . دليل على أن الخطاب للأزواج وللزوجات وغلب فيه ضمير (المذكر) . وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ . قال ابن عرفة: وعد ووعيد. قيل له: إنما هو وعد خاصة لأن ما قبله تفضل ومستحب لا واجب؟ فقال: هو وعيد بالذات ويحتمل أن يتناول الواجب.

стр. 822

قوله تعالى: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصلوات ... ﴾ . إن قلت: ما وجه مناسبتها مع أن ما قبلها في شأن الزوجات؟ قلنا: الجواب عنه بأمرين: إما بأنّه تنبيه الأزواج أن لا يشتغلوا بأمور زوجاتهم عن الصلوات، وإما بأن بعضهم كان لا يراعي (المناسبة ولا يشتغل) بها.

стр. 823

قال ابن عرفة: إنما قال «حَافِظُوا» ولم يقل: احفظوا، إشارة إلى تأكدها (وتكرر) الأمر بها من وجهين: أحدهما: أن «حَافِظُوا» مفاعلة لا تكون إلاّ من اثنين مثل: قاتلت زيدا، ووقوعها هنا من الجانبين مستحيل، فيتعين صرف ذلك إلى تكرر (الأمر) بوقوعه وتأكده. الثاني: إنّ لفظه يقتضي الاستيلاء والإحاطة فهو إشارة إلى تعميم الإحاطة بالصلوات دون ترك شيء (منها) وتخصيص الصّلاة الوسطى منها بالذكر: إما لورودها على النّاس في زمن شغلهم أو في زمن راحتهم ونومهم أو لكونهم من بقية الصلوات التي كانت مفروضة على الأمم المتقدمة وهو من عطف الخاص على العام. قوله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ . فسره ابن عطية بالقيام الحسي حقيقة قال: ومعناه في صلاتهم فسره بعضهم بالقيام المعنوي وهو الجد في الطلب والطاعة فيتناول ركوع الصلوات وسجودها مثل: «قمت بالأمر» .

стр. 824

قوله تعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً ... ﴾ . قال ابن عرفة: الخوف أمر محقق لكونه شرطا في الرخصة والرخصة إنما تكون في الأمر المحقق الثابت لأنها مظنة المبادرة للعمل بمقتضاها لما فيها من التخفيف، فلو لم يكن شرطها محققا لأدّى إلى التهاون بفعلها

стр. 825

من غير استيفاء شروطها، فحق هذا الشرط أن يكون ب (إذا) الدالة على التحقيق كما كان الشرط وهو «فَإِذَآ أَمِنتُمْ» لكنه روعي في الشرطين شيء آخر وهو الحظ على تشجيع النفس بإحضار الطمأنينة والأمن من العدوّ وعدم الاهتبال به حتى كأن الخوف منه غير واقع في الوجود بوجه، ولها عبر في آية الخوف ب (إن) وفي آية الأمن ب (إذَا) . وقال الزمخشري: وعند الإمام أبي حنيفة لا يصلون في حال المشي. وعند الإمام الشافعي ﵁ يصلّون في كل حال والراكب يومىء ويسقط عنه التوجه إلى القبلة. قال ابن عرفة: مذهب الإمام مالك والشافعي ﵄ في ذلك سواء وينوي بقلبه التوجّه إلى القبلة (وهذا إذا خاف العدوّ وفوات الوقت المختار) فإن رَجَا حصول الأمن فيه أخّر/ الصلاة و (وكذا) الخائف من لصوص أو سباع لأنّ الفرع في هذا أقوى من أصله كما (قالوا) في الجدة للأم مع الجد للأب، لأن الخائف من العدوّ لا يقضي والخائف من اللصوص أو السباع يقضي. قوله تعالى: ﴿فَإِذَآ أَمِنتُمْ فاذكروا الله ... ﴾ . قال ابن عطية: قيل فإذا زال خوفكم الذي اضطرّكم إلى هذه الصلاة. وقيل: فإذا كنتم آمنين قبل أو بعد أي فمتى كنتم عل (أمن) .

стр. 826

ورده ابن عرفة بأن الشرط هنا يقتضي أنه مستقبل لم يقع في الوجود لا أنه ماض.

стр. 827

قوله تعالى: ﴿فِي مَا فَعَلْنَ في أَنْفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ ... ﴾ . وقال قبله: ﴿فِيمَا فَعَلْنَ في أَنْفُسِهِنَّ بالمعروف﴾ قال ابن عرفة: الجواب أنهم قالوا إن آية «مِنْ مَعْروفٍ» نزلت قبل آية «بِالمَعْرُوف» فنزل هنا معرفا للعهد المتقدم في النزول وإن كان متأخرا في التلاوة كقول الله تعالى ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَآ إلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فعصى فِرْعَوْنُ الرسول﴾ وقاله الزمخشري في قول الله تعالى حكاية عن ابراهيم ﴿رَبِّ اجعل هذا بَلَداً آمِناً﴾ في سورة البقرة ثم قال في سورة إبراهيم ﴿رَبِّ اجعل هذا البلد آمِناً﴾ انتهى.

стр. 828

قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بالمعروف حَقّاً عَلَى المتقين﴾ . قال ابن عرفة: عادتهم يقولون إنّ هذا أبلغ من قوله: «فَمَتِّعُوهُنّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ» من وجهين: أحدهما: لقوله ﴿حَقّاً عَلَى المتقين﴾ (إذا قلنا إنّ المتّقي مرادف للمؤمن، فأفاد وجوبها على عموم المؤمنين وتلك اقتضت خصوص وجوبها بالمحسنين فقط) .

стр. 829

الثاني: أن ذلك أمر وهذا خبر في معنى الأمر وورود الأمر عندهم بصيغة الخبر أبلغ لاقتضائه ثبوت الشيء المأمور به ووقوعه في الوجود حتى صار مخبرا عنه بذلك.

стр. 830

قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ ... ﴾ . أي مثل هذا البيان في المتعة وفي العدة وجميع ما تقدم يبين الله لكم ءاياته. (والظاهر) ان المراد آيات الأحكام، ويحتمل العموم في المعجزات وغيرها وهو دليل على صحة من منع الوقف على قوله ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله﴾ وقال لابد من وصله بقوله ﴿والراسخون فِي العلم﴾ قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ . قال ابن عرفة: ليس المراد هنا العقل التكليفي بل أخص منه وهو العقل النافع. وذكر ابن عطية حديثا وقال هو حديث لين. ابن عرفة أي ضعيف.

стр. 831

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ ... ﴾ . أي متآلفون مجتمعون، خرجوا في وقت واحد فارين من الموت، والرؤية إما بصرية أو علمية لكن (العلمية لاتتعدى ب (الى) فلذلك قال أبو حيان: «المعنى لم ينته علمك إلى الذين خرجوا من ديارهم) .

стр. 832

قال ابن عرفة: وكذا البصرية ممتنعة هنا فإن أولئك غير موجودين (حين) الخطاب لكن نزل الماضي منزلة الحاضر تحقيقا له حتى كأنه مشاهد كما قال سيبويه، وهذا باب كذا. وفرق في الإرشاد بين نظر في كذا وهو النظر الفكري فجعله يتعدى (بفي) . قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ ... ﴾ . أورد الزمخشري هنا سؤالا فقال: كيف قال لهم الله» مُوتُوا «وكان الأصل فأماتهم الله. قال ابن عرفة: هذا السؤال إنّما يرد على مذهبه لأنه ينفي الكلام النفسي. وأجاب بأنه عبارة عن سرعة (التكوين) وزاد فيه (تدقيقا) لمذهبه بقاعدة (إجماعية) وهي قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وهذا بناء على خطاب المعدوم وهل يصح (أم) لا؟ قال ابن عرفة: وهنا إضمارٌ أي: فماتوا ثم أحياهم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس ... ﴾ .

стр. 833

فضله عام باعتبار الكم وباعتبار الكيف فالكم راجع إلى تكثير أعداد النعم والكيف راجع إلى حالها في أنفسها، والناس عام، فالكافر منعم عليه في الدنيا وأما في الأخرة فمحل نظر. والاستدراك في قوله ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس﴾ راجع إلى لازم قوله ﴿لَذُو فَضْلٍ﴾ فإن من لوازم فضله على الناس أن يشكروه ويحمدوه فلذلك استدرك بعده ب (لكن) .

стр. 834

قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله ... ﴾ . المقاتلة تكون للجهاد بالذات لتكون كلمة الله هي العليا أو باللزوم كمن يقاتل ليذبّ عن حريمه، فإنّه يستلزم الجهاد. معناها ليكن اعتقادهم ونيتكم بالقتال (سبيل الله) . قوله تعالى: ﴿واعلموا أَنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ . قال ابن عرفة: وجه مناسبة الصفتين أن من قعد ولم يخرج للقتال لا بد أن يتكلم في المؤمنين ويتحدث في أمره فالله سميع له عليم. (قتال) من قاتل، ففيه وعد ووعيد.

стр. 835

قوله تعالى: ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً ... ﴾ . هذه رحمة من الله تعالى لأنه متولّ على جميع الخلق غني بذاته عنهم، ومع هذا يجعل طاعتهم له (سلفا) منهم له، وقال في سورة براءة: ﴿إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجنة﴾ ووصفه بالحسن في كميته وكيفيته. و «قرضا» إن كان مصدرا فهو مجاز، كما قال الامام المازري في ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ

стр. 836

تَطْهِيراً﴾ إنّ التأكيد يصير التطهير المعنوي حسيا وهو من ترشيح المجاز كقولك قول هند زوجة ابن زنباع: بكى الخزمن (عوف) وانكره جلده ... وعج عجيجا من جذام المطارق قوله تعالى: ﴿أَضْعَافاً كَثِيرَةً ... ﴾ . قال ابن عرفة: «كثيرة» راجع الى المجموع (وإفراد) ، كل واحد من تلك الأضعاف موصوف/ بالكثرة. قوله تعالى: ﴿والله يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . قدم القبض ترجيحا له أي ذلك القبض الذي ينالكم (بالصلاة) والزكاة (راجع) لكونه يعود عليكم بالبسط في الدنيا والثواب في الآخرة، وهذا بحسب الأشخاص فقد يكون إنفاق درهم قليلا لشخص (وكثيرا لآخر كما في الحديث: «سَبَقَ دينار مائة، فمن عنده درهمان فأنفق منهما) درهما ليس كمن عنده عشرة دراهم فينفق منها درهما» .

стр. 837

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الملإ مِن بني إِسْرَائِيلَ ... ﴾ . قال ابن عرفة: الرؤية إن كانت بصرية ونزل الغائب منزلة الحاضر تحقيقا له، (فالخطاب) للنبي ﷺ َ وحده، وكذلك

стр. 838

قالوا في قول سيبويه: هذا باب: إنّ الخطاب للخواص لا للعوام. وإن كانت علمية فالخطاب للجميع والظاهر الاول (لتعديه بإلى) . قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُواْ ... ﴾ . قوله تعالى: ﴿لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابعث لَنَا مَلِكاً ... ﴾ . لم يقل: لنبيّهم لأجل مخالفتهم له وعدم اتّباعهم إياه فلذلك لم يضفه إليهم، والنبي إما شمعون، أو شمويل، أو يوشع. وأبطل ابن عطية كونه يوشع لأن يوشع كان بعد موسى وبينه وبين داود قرون كثيرة. قال ابن عرفة: لعل يوشع رجل آخر (غير) الذي كان بعد موسى. (ابن عرفة قال: وتقدم لنا أنّ الإخبار بهذا القصص إما معجزة له ﷺ َ (أو وعظ وتخويف لأمّته أن ينالهم مثل ما نال أولئك) . قوله تعالى: ﴿نُّقَاتِلَ فِي سَبِيلِ الله ... ﴾ .

стр. 839

القتال مع أنّهم لم يقاتلوا إلا لأجل استخلاص (حريمهم) وأولادهم لكنه مستلزم لقتالهم في سبيل الله. قوله تعالى: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ ... ﴾ . قال الزمخشري: (هل) استفهام في معنى الإنكار عليهم والتقدير مثل: ﴿هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ مِّنَ الدهر﴾ قال ابن عرفة: ويظهر لي أنه استفهام على بابه، وأنه تأكيد في التلطف في الخطاب لمّا وبخهم على العصيان تلطف في العبارة عنه بوجهين: أحدهما: ذكره له بلفظ الرجاء (مقاربة) العصيان دون التحقيق. الثاني: لفظ الاستفهام دون الخبر. فإن قلت: هم إنما طلبوا منه أن يؤمر عليهم ملكا في قتال يتطوعون به فكيف أجابهم بامتناعهم من قتال يكتب عليهم فرضا؟ قلت: إذا امتنعوا من امتثال قتال يجب عليهم (فأحرى) (ألا يوفوا) بقتال يتطوعون به. وقرأ الكل «عَسَيتُمْ» بفتح السين إلا نافعا كسرها.

стр. 840

قال الزمخشري: وهي ضعيفة. قال ابن عرفة: هذا (عادته) في تجاسره على القراءات (السبعة) وتصريحه بأنها غير متواترة. قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا ... ﴾ . قال ابن عرفة: (إما أنّهم جعلوا) إخراج مثلهم كإخراجهم فنزّلوا إخراج المماثل لهم منزلة إخراجهم، وإمّا أن المراد وقد قاربنا الإخراج من الديار. قيل لابن عرفة (أو) أخرجوا منها حقيقة ثم رجعوا إليها وقيل: إنّه على القلب، أي إخراج أبنائنا من ديارنا. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال تَوَلَّوْاْ ... ﴾ . ابن عرفة: هذا أبلغ من لو قيل: فكُتب عليهم القتال فتولوا، لأن قولك: لما قام زيد قام عمرو، أبلغ من قولك: قام زيد فقام عمرو، لاقتضائه تحقيق السبيبية والارتباط. ابن عرفة: ويحتمل أن يكون (تقدم) سؤالهم سببا في (وجوب) القتال عليهم وكان قبل ذلك تطوعا كقضية بني إسرائيل في البقرة.

стр. 841

قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ ... ﴾ . إن قلت: لِمَ أضافه هنا إليهم ولم يضفه في ﴿إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ﴾

стр. 842

قلنا: إنّما أضافه هنا لأنه في مقام التبليغ لهم بخلاف الأول فإنه حكاية عن (مقالتهم) التي لم يوفّوا بها وعصوا وقدم المجرور لأنهم المقصودون بالذكر. ابن عطية: عن وهب بن منبه لما سأل شمويل من الله أن يبعث لهم ملكا ونزله عليهم قال الله تعالى: «انظر القرن الذي فيه الدهن في بيتك فإذا دخل عليك رجل فسرا الدهن الذي فيه فهو ملك لبني إسرائيل. قال ابن عرفة سرا أي ارتفع. وهذا الخبر إن صح وإلاّ فما يكون (مفسره) (في قوله ﴿بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً﴾ ) إلا مجرد (الوحي) . فان قلت: (قد) حرف (توقع) حسبما ذكره الزمخشري في قول الله تعالى ﴿قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون﴾ وبنو اسرائيل لم يكونوا قط (متوقعين تأمّر طالوت عليهم؟ فالجواب: أنّهم كانوا) متوقعين البعثة بالإطلاق لا من حيث تعلقها بشخص معين. قال الزمخشري: طالوت إن كان من الطول فوزنه فعلوت إلا أن امتناع صرفه يمنع أن يكون منه إلا أن يقال: هو اسم عبراني وافق

стр. 843

عربيا، كما وافق: حنط حنطة، وبسمالاها رحمانا رحيما، بِسْم الله الرّحْمَانِ الرّحِيمِ. قال ابن عرفة: واستدلّوا على مرجوحية ملكه بالأصل، لأنه ليس في آبائه ملك ولا نبي أحق منه بالعادة لأن الأمير باعتبار العادة لا بد أن يكون غنيا عن غيره ولا يكون فقيرا أصلا. وغالطوا في احتجاجهم فأتوا بدليل ظاهره صواب يمكن قبوله فقالوا: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ المال﴾ . وعدلوا عن أن يقولوا: ولم يؤت شيئا من المال، لئلا يرمى دليلهم في وجوههم فيقال لهم: قد أوتي بعض المال وإنْ قل مع أن طالوت لم يكن لديه مال البتة. فأجيبوا عن الدليل الأول بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الله اصطفاه عَلَيْكُمْ﴾ فلا مزية لكم عليه بآبائكم، وعن الثاني بإن الزيادة في العلم والجسم أرجح / من الزيادة في المال، فإنّ المال سريع الذّهاب والعلم إذا حصل ثابت لا يزول وكذلك الجسم الطويل لا يعود قصيرا بوجه. الزمخشري: والواو في ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بالملك مِنْهُ﴾ واو الحال وفي ﴿وَلَمْ يُؤْتَ﴾ واو العطف. قال ابن عرفة: الأولى أن يكونا معا للحال وهو أبلغ في التعليل لأنّ كل واحد منهما علة مستقلة، أي أنّى يكون له الملك والحالة أنّا أحق به منه، وأنّى يكون له الملك علينا والحالة أنّه فقير لا مال له، فلم يعللوا بمجموع الأمرين بل بكل واحد منهما. قال ابن عرفة: وهما حالان من الفاعل والمفعول.

стр. 844

قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التابوت ... ﴾ . قال ابن عرفة: هذا دليل على صحة ما يقول ابن التلمساني من أنّ لفظ الآية ليس خاصا بالمعجزة لأن المراد (بها) هنا الدليل والعلامة بلا خلاف، وهذا اللفظ من حيث هو قابل لأن يراد به آية ثبوت ملكه ملكه أو آية بطلان ملكه، والمراد هنا الأول، فإما أن يكون على حذف مضاف أو (يقول) : «القرينة معينة فلا يحتاج إلى إضماره» . قال ابن عرفة: والتأكيد ب (إنّ) إنّما هو لمن ينكر ذلك وهم لا ينكرون هذا عند ظهور هذه العلامة. قال ابن عرفة: كان بعض الشيوخ يجيب بأن الإنكار تارة يتسلط على نسبة الخبر (للمخبر) عنه، وتارة يتسلط على الذات المخبر عنها وإن كانت النسبة متفقا عليها كقول الولد لأبيه الذي لا شك في صدقه: جميع ما نربح في هذه السلعة فهو لك وتكون السلعة بخيسة فالأب مستعد للرّبح من أصله وإن كان موافقا على النسبة. فالإنكار بمعنى استبعادهم وقوع ذلك، لأنه إن وقع لا يكون دليلا على صحة ملكه؟

стр. 845

وأجيب أيضا بأنّه روعي في ذلك مخالفتهم له أخيرا لأن بعضهم تعنتوا عليه. وذكر ابن عطية هنا أقوالا منها: أن التابوت من خشب (الشمشار) طوله ثلاثة أذرع وفيه عصى موسى. قيل لابن عرفة: (كيف) تَسَعُ فيه وهي طويلة؟ فقال: لعل ذراعهم كان أكبر من ذراعنا أو تكون العصا مفصلة أو مكسورة. وحكي في السكينة عن علي بن أبي طالب ﵁ أنها ريح (هفافة) لها وجه كوجه الإنسان وعنه أيضا أنها ريح (خجوج) لها رأسان. وقال الزمخشري هي صرصرة فيها ريح.
следующие страницы →