← Тафсир

Тафсир · id 67

تفسير ابن عرفة

ابن عرفة

Полный текст (994 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ ... ﴾ . إن قلت: لِمَ أضافه هنا إليهم ولم يضفه في ﴿إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ﴾

стр. 842

قلنا: إنّما أضافه هنا لأنه في مقام التبليغ لهم بخلاف الأول فإنه حكاية عن (مقالتهم) التي لم يوفّوا بها وعصوا وقدم المجرور لأنهم المقصودون بالذكر. ابن عطية: عن وهب بن منبه لما سأل شمويل من الله أن يبعث لهم ملكا ونزله عليهم قال الله تعالى: «انظر القرن الذي فيه الدهن في بيتك فإذا دخل عليك رجل فسرا الدهن الذي فيه فهو ملك لبني إسرائيل. قال ابن عرفة سرا أي ارتفع. وهذا الخبر إن صح وإلاّ فما يكون (مفسره) (في قوله ﴿بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً﴾ ) إلا مجرد (الوحي) . فان قلت: (قد) حرف (توقع) حسبما ذكره الزمخشري في قول الله تعالى ﴿قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون﴾ وبنو اسرائيل لم يكونوا قط (متوقعين تأمّر طالوت عليهم؟ فالجواب: أنّهم كانوا) متوقعين البعثة بالإطلاق لا من حيث تعلقها بشخص معين. قال الزمخشري: طالوت إن كان من الطول فوزنه فعلوت إلا أن امتناع صرفه يمنع أن يكون منه إلا أن يقال: هو اسم عبراني وافق

стр. 843

عربيا، كما وافق: حنط حنطة، وبسمالاها رحمانا رحيما، بِسْم الله الرّحْمَانِ الرّحِيمِ. قال ابن عرفة: واستدلّوا على مرجوحية ملكه بالأصل، لأنه ليس في آبائه ملك ولا نبي أحق منه بالعادة لأن الأمير باعتبار العادة لا بد أن يكون غنيا عن غيره ولا يكون فقيرا أصلا. وغالطوا في احتجاجهم فأتوا بدليل ظاهره صواب يمكن قبوله فقالوا: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ المال﴾ . وعدلوا عن أن يقولوا: ولم يؤت شيئا من المال، لئلا يرمى دليلهم في وجوههم فيقال لهم: قد أوتي بعض المال وإنْ قل مع أن طالوت لم يكن لديه مال البتة. فأجيبوا عن الدليل الأول بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الله اصطفاه عَلَيْكُمْ﴾ فلا مزية لكم عليه بآبائكم، وعن الثاني بإن الزيادة في العلم والجسم أرجح / من الزيادة في المال، فإنّ المال سريع الذّهاب والعلم إذا حصل ثابت لا يزول وكذلك الجسم الطويل لا يعود قصيرا بوجه. الزمخشري: والواو في ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بالملك مِنْهُ﴾ واو الحال وفي ﴿وَلَمْ يُؤْتَ﴾ واو العطف. قال ابن عرفة: الأولى أن يكونا معا للحال وهو أبلغ في التعليل لأنّ كل واحد منهما علة مستقلة، أي أنّى يكون له الملك والحالة أنّا أحق به منه، وأنّى يكون له الملك علينا والحالة أنّه فقير لا مال له، فلم يعللوا بمجموع الأمرين بل بكل واحد منهما. قال ابن عرفة: وهما حالان من الفاعل والمفعول.

стр. 844

قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التابوت ... ﴾ . قال ابن عرفة: هذا دليل على صحة ما يقول ابن التلمساني من أنّ لفظ الآية ليس خاصا بالمعجزة لأن المراد (بها) هنا الدليل والعلامة بلا خلاف، وهذا اللفظ من حيث هو قابل لأن يراد به آية ثبوت ملكه ملكه أو آية بطلان ملكه، والمراد هنا الأول، فإما أن يكون على حذف مضاف أو (يقول) : «القرينة معينة فلا يحتاج إلى إضماره» . قال ابن عرفة: والتأكيد ب (إنّ) إنّما هو لمن ينكر ذلك وهم لا ينكرون هذا عند ظهور هذه العلامة. قال ابن عرفة: كان بعض الشيوخ يجيب بأن الإنكار تارة يتسلط على نسبة الخبر (للمخبر) عنه، وتارة يتسلط على الذات المخبر عنها وإن كانت النسبة متفقا عليها كقول الولد لأبيه الذي لا شك في صدقه: جميع ما نربح في هذه السلعة فهو لك وتكون السلعة بخيسة فالأب مستعد للرّبح من أصله وإن كان موافقا على النسبة. فالإنكار بمعنى استبعادهم وقوع ذلك، لأنه إن وقع لا يكون دليلا على صحة ملكه؟

стр. 845

وأجيب أيضا بأنّه روعي في ذلك مخالفتهم له أخيرا لأن بعضهم تعنتوا عليه. وذكر ابن عطية هنا أقوالا منها: أن التابوت من خشب (الشمشار) طوله ثلاثة أذرع وفيه عصى موسى. قيل لابن عرفة: (كيف) تَسَعُ فيه وهي طويلة؟ فقال: لعل ذراعهم كان أكبر من ذراعنا أو تكون العصا مفصلة أو مكسورة. وحكي في السكينة عن علي بن أبي طالب ﵁ أنها ريح (هفافة) لها وجه كوجه الإنسان وعنه أيضا أنها ريح (خجوج) لها رأسان. وقال الزمخشري هي صرصرة فيها ريح.

стр. 846

قال ابن عرفة: ولا يبعد ما حكى ابن عطية على مذهبنا لأن الوجود مصحح للرؤية فيمكن أن ترى الريح. وقوله: ريح (خجوج) أي لينة. قال ابن عطية: وقال أبو صالح: (البقية) عصى موسى وعصى هارون ولوحان من التّوراة والمنّ المنزل على بني إسرائيل. واستشكله ابن عرفة لأنهم ذكروا أنّ المراد المنّ إذا بقي يفسد. قلت: يجاب بأنّ هذه آية وخرق عادة. ابن عرفة: لما ذكر الخلاف كله قال: وهذه أخبار متعارضة ويمكن الجمع بينهما فإنّ السّكينة (تتطور) فتارة تكون كالطست وتارة كالهرّ وتارة كغيره، والله أعلم! قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ . قال ابن عرفة: إنّما أكّده ب (إِنّ) (لأن) الخطاب بهذا قبل وقوعه وقد كانوا منكرين له حينئذ أو بعد وقوعه ويكون تأكيدا لكونه آية. وقوله ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ إما حقيقة أو تهييجا على الاتصاف بالإيمان.

стр. 847

قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بالجنود قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ ... ﴾ . أضمر ابن عطية هنا الجواب فقال: التقدير، فاتفق بنو اسرائيل على ان طالوت ملك وأذعنوا وتهيّؤوا لغزوهم عدوهم فلما فصل طالوت بالجنود (تعنتوا) . قال ابن عرفة: ترك (إضماره) سبب الجواب وحقه ان كان يضمر شيئين: الجواب وسبب الجواب، ويقول: التقدير فلما أتاهم بآية ملكه وفصل بالجنود تعنتوا. قال ابن عرفة: وعطفه بالفاء لأنه سبب ظاهر كما تقول: جاء الغيم فلما نزل المطر كان كذا، وتقول أيضا: قام زيد ولما نزل المطر قعد فهذا ليس بسبب. قال ابن عرفة: وإنما قال: «بِالجُنُودِ» ولم يقل: بجنوده لما اقتضت الآية من أن أكثرهم تعنتوا عليه وخرجوا عن طاعته فليسوا بجنوده، وإنما قال: «مُبْتَلِيكُمْ» فعبر بالاسم دون الفعل تحقيقا لوقوع ذلك في نفس الأمر وثبوته في علم الله تعالى أزلا، وأنه لا بد منه. وعلمه بذلك، إما بالوحي أو بإخبار من النبي.

стр. 848

قوله تعالى: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي ... ﴾ . فسره الشيخ الزمشخري: بالكرع مع أنه ينفي فيه المفهوم لأن الشرب منه يكون كرعا ويكون بإناء تملأ منه أو باليد. وقوله «فَلَيْسَ مِنِّي» فسره إن أراد نفيه حقيقة عنه فيكون مجازا لأنه معلوم أنه ليس منه، فعبر بنفيه عنه نفيه عن ملته، وإن أراد نفيه عن اتباعه أي فليس من اتباعي وجندي فيكون على إضمار مضاف فيتعارض المجاز والإضمار. قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مني﴾ . قال ابن عرفة: أكد الثّاني (بإن) ، ولم يقل في الأول «فمن شرب منه فإنه ليس منّي» ؟ قال: والجواب بأنه إنّما لم يؤكد الأول لأن سببه أكثر (في) الوقوع، وأكد الثاني لأن سببه أقل في الوقوع فأكده حضا على المبادرة إلى امتثال سببه والعمل بمقتضاه. قال: واحتج به بعضهم على أنّ الماء طعام وهو قول ابن نافع نقله ابن يونس في كتاب السلم الثالث. وكان القاضي أبو عبد الله بن عبد السلام يحكي لنا عن الفقيه القاضي أبي القاسم/ بن علي بن البراء أن رجلا سأله وهو

стр. 849

راكب على بغلته عمن حلف بالله لا يتناول طعاما؟ فقال له: لا يأكل ولا يشرب الماء لأنه طعام واحتجّ بهذه الآية. ورده ابن عرفة بوجهين: الأول منهما: أن الآية اقتضت ذلك لغة، وأما الشرع فلا يسميه طعاما. الثاني: أنه نفى في الأول الشرب وفي الثاني الطعمية، والطعمية أوائل الشرب، ولذلك ذكروا في الصيام أن الصّائم اذا استطعم الماء وبصقه فإنه لا يفسد صومه، فلما تعلق النفي بأوائل الشرب قال: «فَإِنَّهُ مِنِّي» ، فأكد نسبته إليه ب (إنّ) أي من اتّصف بكمال البعد عنه فهو موصوف بكمال القرب مني وبقي الواسطة مسكوتا عنه وهو الذي شرب بالإناء على تفسير الزمخشري فإما أن ذنبه أقل من ذنب من كرع أو مُسَاوٍ. قال ابن عرفة: وَ (لَمْ) هنا بمعنى (لما) . قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ ... ﴾ . قال أبو حيان: يستثني من الجملة (الاولى وهي) ﴿فَمَن شَرِبَ﴾ . زاد أبو البقاء أو مِنْ «مَنْ» الثانية وهي ﴿وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ﴾ . وتعقب بأنّه لو كان من «مَن» الثانية للزم أن يكون من

стр. 850

اغترف غرفة واحدة بيده ليس منه (مع أنّه أبيحت لهم الغرفة) الواحدة باليد لأن الاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي إثبات. قال ابن عرفة: هذا لا يتعين بل يحتمل عندي استثناؤه من الجملتين فعلى أنّه مستثنى من الأولى يكون المراد نفيه عن الدخول في حكم ليس منِّي أي هو (منه) وعلى أنّه مستثنى من قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مني﴾ يكون (النَّاس) على ثلاثة أقسام: شارب بفيه فليس منه، وشارب منه بيده وهذا يقال فيه (هو) منه فقط، ومن لم يشرب منه شيئا يقال فيه: إنَّه منه مجاله أبلغ، فاستثناؤه من الأخص أي إلا من اغترف غرفة بيده فليس محكوما عليه بأنّه «منّي» أي ليس متصفا بكمال القرب مني. قيل لابن عرفة: يلزمك أن يكون ليس منّي قدرا مشتركا بين الحرام والمباح؟ فقال: لم نخرجه (منه) وإنّما أخرجتهم، من قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مني﴾ فإذا خرج من هذا كان منفيا عنه أي يكون منه (وقد) قال: أول الآية ﴿فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ . فيتعين أنّ النفي هنا (نفي) أخص باعتبار ترك الأمر المستحب بفعل الأمر المباح، فالمستحب ترك الشرب، والمباح الشرب باليد، والحرام الكرع فيه بالفم.

стр. 851

قال ابن عرفة: وغرفة بالضم والفتح، فالفتح هو الماء والضم الفعل. (قال ابن عرفة) : وعلى أنها الفعل يكون المفعول مقدرا أي إلا من اغترف غرفة ماء. قال (ابن عرفة) : وفائدة التأكيد بالمصدر على هذا تحقيقا للرخصة في ذلك الفعل وتأكيدَ (إباحتها) خشية أن يتوهم قصر ذلك على أدنى شيء من الماء المأخوذ باليد فأكده تنبيها على إباحتة الغرفة الواحدة بكمالها. قوله تعالى: ﴿قَالَ الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُواْ الله﴾ . قال ابن عرفة: إن أريد الملاقاة بالإطلاق فهي بمعنى العلم وإن أريد الملاقاة حينئذ فالظن على بابه لأن الإنسان لا علم له بزمن موته. قال (ابن عرفة) : وعبر عنهم بهذا إشارة إلى ما قاله بعضهم في رسالة: «من أحب الممات حيي ومن أحب الحياة مات» . قوله تعالى: ﴿بِإِذْنِ الله﴾ . قال ابن عرفة: قال ابن عطية: إذنُ الله هنا تمكينه وعلمه بمجموع ذلك الإذن.

стр. 852

(ابن عرفة: كذا يقول في كل موضع) والصواب أنّ معناه بقدرة الله وفضله وإرادته. قال ابن عرفة: وهذا إما أن بعضهم قاله لبعض أو قالوه كلهم لأنفسهم (تشجيعا) لها وتوطينا على الصبر على القتال والهجوم عليه. قوله تعالى: ﴿والله مَعَ الصابرين﴾ . قالوا: هذا إما من كلامهم أو من كلام الله تعالى. ابن عرفة: (والصواب أنه من كلامهم لأن فيه تشجيعا لأنفسهم وحضا لها على المقاتلة وأما إن كان من قوله الله تعالى) خطابا لنبيه ﷺ َ فهو بعد انفصال تلك القضية فلا مناسبة لها، انتهى.

стр. 853

قوله تعالى: ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً ... ﴾ . دَعَوْا بالأمر المعنوي وهو الصبر وبالحسي (والمراد) بتثبيت الأقدام عدم الرجوع على الأعقاب، وليس المراد الوقوف في موضع واحد وابتدؤوا في الدعاء بالصبر لأنه سبب في تثبيت الأقدام. قاله الزمخشري: «أي هب لنا ما نثبت به من القوة والرعب (في قلب العدو) ونحوه من الاسباب.

стр. 854

قال ابن عرفة: وهذا على مذهبه في أن العبد يستقل بفعله ونحن نقول: المراد ثبت أقدامنا حقيقة. قوله تعالى: ﴿وانصرنا عَلَى القوم الكافرين﴾ . تنبيه على أن قتالهم إياهم إنما هو لوصف كفرهم لا لغرض دنيوي، وهنا محذوف مقدر أي فقاتلوهم فهزموهم. وحكى ابن عطية هنا والزمخشري أن (ايشي) كان له ستة أولاد أحدهم (داود) وكان صغير السن فمر في طريقه بثلاثة أحجار، قال له: كل واحد منها خذني (فَبِي تقتل) جالوت فجعلها في مخلاته وطلب جالوت (المبارزة) ، فقال طالوت: من يبرز فيقلته فأنا أزوجه بنتي وأحكمه في مالي؟ وكان داود من أرمى الناس بالمقلاع والتأمت الحجارة فوضعها في (المقلاع) وسمى بالله وأداره ورماه فأصاب رأس جالوت فقتله وحزّ رأسه وجعله في مخلاته. قال ابن عرفة: المقلاع شبه الوضف.

стр. 855

الزمخشري: / وزوجه طالوت ابنته وروي أنه (حسده) وأراد قتله ثم تاب. قيل لابن عرفة: كيف صحّ هذا وقد حكى الزمخشري عن بعضهم أنّ طالوت (نبي) . والنّبي معصوم؟ فقال: الأكثر على أنّه غير نبي وقد (تاب) من هذا، ومعلوم ما فيه. قال ابن عرفة: وهذه الآية يرد بها على الكوفيين في قولهم: إن الواو تفيد الترتيب لأن المفسرين نقلوا هنا أنّ الهزيمة إنما كانت بعد أن قتل داود جالوت فحينئذ انهزموا وتفرقوا.

стр. 856

قوله تعالى: ﴿مِمَّا يَشَآءُ ... ﴾ . قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأرض ... ﴾ . قال ابن عطية: أي لولا دفعه لكفر بالمؤمنين لفسدت الأرض بعموم (الكفر) من أقطارها، لكه لا يخلو زمان من داع إلى الله ومقاتل عليه إلى أن جعله في أمة محمد ﷺ َ. وقال مكي:

стр. 857

أكثر المفسرين على أن المراد لولا ان يدفع الله بمن يصلي عمن لا يصلي وبمن يتقي عمن لا يتقي (لأهلك) لاناس بذنوبهم. وضعفه ابن عطية قال: والحديث الذي ذكر عن ابنِ عمر ﵄ المعارض للآية لا يصح. قلت: انظره في تفسير مكي. قال ابن عرفة: وكان بعضهم يبدي في هذه الآية معنى ذكره البيانيون وهو الفرق بين قولك: أكلت بعض الرغيف وبين قولك: أكلت الّرغيف بعضه. وكذلك: أكلت بعض الشاة، وأكلت الشاة بعضها. (فما تقول) إلا أذا كان المأكول أكثرها أو كان أفضلها، لأنه من باب إطلاق اسم الكل على الجزء ولا يكون إلا لمعنى. قال: وفي الآية حجة على من يجعل لفظ البعض لا يطلق إلا على الأقل وهو (خلاف نقله) الآمدي في شرح الجزولية في باب التثنية والجمع لأن البعض الأول عبر به عن الدافع والبعض الثاني عن المدفوع، والدافع إما أقل من المدفوع أو أكثر أو مساو. وأجيب بأن هذا لازم إذا كانا قسمين فقط ولعلها ثلاثة أقسام دافع ومدفوع عنه ومدفوع.

стр. 858

قال ابن عرفة: وفي الآية حجة لمن قال: إن العقل ما خلا عن سمع قط لاقتضائها أنّه لولا ذهاب الفساد بالصلاح المرشد إلى اتباع أوامر الله ونواهيه لعمّ الكفر والفساد الأرض، فلو خلا العقل من سمع في زمن من الأزمان لهلك الخلق كلهم. فقال: بعض الطلبة بمحضره: إنّما يتم هذا على أحد تفسيري ابن عطية. فقال ابن عرفة: والآية دالة على أنّ الفساد هو الأصل والأكثر فيستفاد (منها) فيما إذا كنّا شككنا في صفته، واحتملت الصحة والفساد أنّها تحمل على الفساد كقولهم في فداء المسلمين من أيدي الكفار بالسلاح والكراع هل يجوز؟ وتغلب مصلحة استخلاص المسلمين منهم على مفسدة تقوي الكافرين بالسّلاح أو يمتنع؟ وكذلك إذا تترّس الكفار بالمسلمين هل يباح قتل الترس أم لا؟ قوله تعالى: ﴿ولكن الله ذُو فَضْلٍ عَلَى العالمين﴾ . قال ابن عرفة: هذا احتراس وهو حجة لأهل السنة لأن ما قبلها تضمّن أنّ الله تعالى يذهب الفاسد بالصالح فلو اقتصر عليه لأوهم وجوب مراعاة الأصلح على الله تعالى فبين بهذه الآية أن ذلك محض تفضل من الله تعالى ولا يجب عليه شيء.

стр. 859

قال ابو حيان: «وَلَكِنّ» استدراك بإثبات الفضل على جميع العالمين لما يتوهمه من يريد الفساد أن الله غير متفضل عليه إذ لم يبلغه مقاصده. قال ابن عرفة: هذا بناء على أنّ ما بعد (لَكِنّ) لا يكون (مضادا) لما قبلها، ومن يجيز كونه مخالفا له لا يحتاج إلى هذا بل نقول: معناه لهلك النّاس كلّهم بغلبة الفساد. (وعلّل تفضله) بالجميع لأنّه عام يناله المفسد والمصلح والمدفوع عنه، أما نيله المدفوع فظاهر وأما المفسد فلأن منعه من ذلك منقذ (له) من الهلاك ودخول النّار فيصير صالحا.

стр. 860

قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الله نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بالحق ... ﴾ . قال ابن عرفة: الإشارة إلى الآيات المتقدمة. وعبر عن التلاوة الماضية بصيغة المستقبل للتصور والدّوام، وإمّا أن يكون «نتلوها» مستقبلا حقيقة والإشارة إلى المتقدم باعتبار لفظه فقط. مثل: عندي درهم ونصفه، أو الإشارة إلى المستقبل (المقدر) في الذهن تحقيقا لوقوعه وتنزيلا له منزلة الدافع حقيقة. وفي الآية التفات بالانتقال من الغيبة إلى التكلم. قوله «ءَايَاتُ اللهِ» إشارة إلى عظمها وجلالة قدرها.

стр. 861

وقوله «نَتْلُوهَا» لم يقل: يتلوها الله عليك فعبر (بالنون المشتركة) بين المتكلم وحده وبين المتكلم ومعه غيره إشارة إلى بلوغها للنبي ﷺ َ بواسطة الملك. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ المرسلين﴾ .

стр. 862

ابن عرفة: هذا كالنتيجة بعد المقدمتين لأن تلك الآيات المعجزات دالة على صحة رسالة محمد ﷺ َ. وأكدت رسالته ب (أن) واللاّم بورودها بهذا اللفظ لأنه أبلغ من قوله وإنّك (المرسل) كما قال ﴿يس والقرآن الحكيم إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين﴾ قاله الزمخشري في قول الله في سورة العنكبوت ﴿والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصالحين.﴾

стр. 863

قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرسل فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ ... ﴾ . قال (الزمخشري) : الإشارة إلى جماعة الرسل التي ذكرت فقط في السّورة، أو التي (ثبت) علمها عند رسول الله ﷺ َ. قال ابن عرفة: بل الإشارة إلى ما قبله يليه وهي الرسل المفهومة من قوله ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ المرسلين﴾ قال ابن عرفة: فهذا التفضيل إما مطلقا / أي بعضهم أفضل من بعض (مطلقا) ، أو من وجه دون وجه، فبعضهم أفضل من بعض في شيء والمفضول في ذلك أفضل من الفاضل في شيء آخر، فهل هو كالأعم مطلقا أو كالأعم من وجه دون وجه، والظاهر الأول. وما ورد في الحديث: «لا تفضلوني على موسى ولا ينبغي لأحد أن يقول: أنا أفضل من يونس بن متى» فلا يعارض هذا لأن الآية اقتضت تفضيل بعضهم على بعض من غير تعيين الفاضل من المفضول. قيل له: معلوم أن رسول الله ﷺ َ أفضل الخلق؟ (فقال) : بان ذلك يعتقده (الإنسان) ولا يقوله بمحضر الكفار لئلا يقعوا بالنبي ﷺ َ بتنقيص (فيتركه) سدّا للذريعة، أو يجاب بأنه تواضع من النبي ﷺ َ، قاله الغزالي كقوله: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» . وأجاب القاضي عياض في الإكمال عن معارضة حديث نوح لحديث «لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى» وحديث «لا

стр. 864

تفضلوا بين الأنبياء» مع حديث «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» . أحدها أن يكون قبل إعلام الله له أنه أفضل ولد آدم أو يكون على طريق الأدب والتواضع، أو المراد: لا تفضّلوا بينهم في النبوة وإنّما تفضيلهم بخصائص خص الله بها بعضهم كما قال ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ الله﴾ الآية. قيل لابن عرفة: (إنّ) ابن عطية أخطأ في قوله هنا لأن يونس ﵇ كان شابا وتشيخ تحت أعباء النبوة؟ فقال: لا شيء في مثل هذا. قال ابن عرفة: وكون بعض الرسل أوتي ما لم يؤته النبي ﷺ َ (لا ينافي كون النبي ﷺ َ) أفضل الخلق لأن المفضول قد يختص بفضيلة هي ليست في الفاضل كما قالوا: إن (أفضل) الصحابة أبو بكر مع أن لبعضهم من الخصوصيات ما ليست في أبي بكر، وكذلك كون عيسى (اختص) بإحياء الموتى وموسى بالكلام لا ينافي كون النبي ﷺ َ أفضل منهم، وكذلك قوله في سورة النجم ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الذي وفى﴾ وتكليم الله للرسل ليس بمعجزة، وكذلك رفع الدرجات مشترك بينهم، فلذلك لم يسنده إلى معين (ولما كان إيتاء البينات والتأييد خاصا بروح القدس أسنده إلى عيسى. والكلام هنا المراد به) كلام الرحمة.

стр. 865

فإن قلت: وكل رسول أيّد بروح القدس وهو جبريل؟ قلت: عيسى اختص من ذلك بقدر زائد من صغره إلى كبره لتكونه من نفخ جبريل ﵇ في فرج مريم وتكلّمه في المهد. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله مَا اقتتل الذين مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينات ... ﴾ . قال الزمخشري: مشيئته قَصْدٌ وَإلجاءٌ لأنّ العبد عنده يستقل بفعله وفعله بإرادته فيقول: إنّه لا تتعلق إرادة الله تعالى بذلك الفعل. قال ابن عرفة: وفي هذه الآية عندي حجة لمن يقول: إنّ العدم الإضافي تتعلق به القدرة لأن المعنى: ولو شاء الله عدم اقتتالهم. فقيل له: فرق بين الإرادة والقدرة؟ فقال: قد تقدم الخلاف في الإرادة هل هي مؤثرة أو لا؟ والصحيح أنه اختلاف لفظي (وأنَّه) خلاف في حال. فإن كان المقصود بها الإبراز من العدم إلى الوجود فليست مؤثرة، إن أريد به كون الشيء على صفة مخصوصة فهي مؤثرة، وإذا كانت مؤثرة فيه كالقدرة وقد تعلقت هنا بالعدم. قال (السكاكي) : ومفعول (شاء) (لا يحذف) إلا إذا كان (عدما) أو أريد به العموم.

стр. 866

قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَآءَ الله مَا اقتتلوا ... ﴾ . قدم المؤمن لشرفه وإلاّ فالكافر أكثر وأسبق وجودا. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله﴾ إما تأكيد، أو المراد بالأول جميع الخلق. (والمراد) بهذا المؤمنون. قوله تعالى: ﴿ولكن الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ . صريح في مذهب أهل السنة وهو ينعكس بنفسه، فكل مراد مفعول لقوله ( ﴿ولكن الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ . وكل مفعول مراد) . ولقوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله مَا اقتتلوا﴾ فدل على أنه أراد اقتتالهم إذ لو لم يرده لما وقع. انتهى.

стр. 867

قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم﴾ . قال ابن عطية: (هو عام في الجهاد والتطوع) . والتحاكم في هذا إلى السبب المتقدم (هل ينهض) إلى وجوب القصد عليه أو يعم فيه وفي غيره؟ قال ابن عرفة: وفرقوا بين قولك: تَصَدّقْ، وبين قولك: يا غني تَصَدّقْ. بثلاثة أوجه: إما للوصف المناسب، أو تنبيه المخاطب، أو استحضار ذهنه. وإما خوف احتمال الشركة في النّداء.

стр. 868

فإن قلنا: إن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة فينتفي احتمال (الشريك) هنا، وأيضا فسبب النّزول يعين كون الخطاب للمؤمنين فانحصر كون فائدته إمّا التنبيه أو الإشعار بأنّ سبب الأمر بذلك وصف الإيمان. قوله تعالى: ﴿مِمَّا رَزَقْنَاكُم ... ﴾ . مذهب أهل السنة تعميم الرزق في الحلال والحرام، وأمروا هنا بالحلال لأن (من) للتبعيض فيبقى البعض الآخر. قوله تعالى: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ ... ﴾ . واليوم حمله المفسرون على يوم القيامة. قال ابن عرفة: وعندي أنه يوم موت كل واحد لأن من مات قد قامت قيامته. قيل لابن عرفة: يلزمك الإضمار لأن يوم القيامة لا بيع فيه بالإطلاق ويوم موت كل واحد لا بيع له فيه ولا خلة له فيه، وإلاّ فالبيع لغيره ثابت له فيه لأن غيره حي قطعا؟ فقال: إنّما تعلق النّفي بيوم الموت والبيع غير ثابت فيه من حيث كونه يوم الموت، ونفي البيع لايستلزم نفي الخلة لأنه قد لا يكون عنده ما يبيع وقد يكون (له) صاحب يحميه وينصره، ولا يلزم من نفي الخليل نفي الشفاعة لأن العدو قد (يرق) لعدوه ويشفع فيه،

стр. 869

ولأن الخليل يستنقذ بالانتصار والقوة والغلبة والشفيع يستنقذ بالرغبة والفضل لا بالقوة.

стр. 870

قوله تعالى: ﴿الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم ... ﴾ . قال الامام ابن العربي في شرح الاسماء الحسنى: يقال: حي وحيى ويحيي وقيل: حاي على وزن فاعل والخبر آكد، أي جنس الحي، وقيل: هو الحياة والحي نوع من القبيلة سمى به مجازا لأن به يستعزون على حماية أنفسهم وحياة مواشيهم بالخصب ورعي الحَيَا، وشربه وهو المطر، والحياة وصف للجسم (عرض) إذا وجدت في جسم أو جوهر كان دراكا فعالا والعرب إذا أرادت الإدراك والحس قالت: هذا حي، والحي في الشاهد من قوله: حياة. وأما الغائب فبعضهم قال: لا أقول: إنّ الله حي بحياة، إذ لم يرد فيه ولا في السمع والبصر ونقول: (عالم بعلم) لِوروده «. وقال الامام الغزالي: والكثير من علمائنا: الحي: الفعال الدرّاك. وهو باطل بوجوه: منها أن البارىء في الأزل حي مدرك بنفسه وصفاته ولم يفعل، وأيضا الإدراك معنى غير الحياة والفعل فكيف يفسر معنى بمعنى مغاير له، واعلم أنّ وجود الحياة مصحح للادراك والفعل فيلزم الإدراك إذ لايصح حي غير مدرك ويصح الفعل ولا يلزم. ووجوب الحياة للبارىء يختص بخمسة أوصاف: أنه لم يسبقه موت، ولا (يعتريه) ،

стр. 871

وليس له (بلل) ورطوبة، ولا يحتاج إلى غذاء، فإنه يطعم وهي للعبد بعكس ذلك كله. قال الزمخشري: والحي الباقي الّذي لا سبيل للفناء عليه وهو على اصطلاح المتكلمين الذي يصح أن يعلم ويقدر. قال ابن عرفة: وكل شيء يصح اتصافه بالعلم والقدرة لكن الحي بغير واسطة والجماد بواسطة الحياة. قال ابن عرفة: قال ابن عطية: قال المعتزلة وقوم: الله حي لا بحياة، وهو باطل. وقال آخرون: حي بحياة، وقال قوم: هو حي كما وصف نفسه، وسلم ذلك أن ينظر فيه. وقد تقدم الخلاف في الصفات فنحن نثبتها ونقول: الله عالم بعلم، قادر بقدرة. حي بحياة. المعتزلة ينفونها، وتقدم الخلاف بيننا في الأحوال كالعالمية والقادرية والحيية. فمنا من يثبتها، ومنا من ينفيها، والمثبتون لها قسموها على قسمين: معللة وغير معللة، والمعللة عندهم مشروطة بالحياة والسوادية والبياضية غير معللة، والعالمية معللة كالقادرية. وكان بعضهم يرد على من يقول: إنها معللة بصفات الحياة لأن الحياة حال ليست معللة لئلا يلزم عليه تعليل الشيء بنفسه. قوله تعالى: ﴿الحي القيوم ... ﴾ . قال الامام ابن العربي: على وزن فيعول: اجتمعت ياء وواو، سبقت إحداهما بالسكون فقلبت وأدغمت. والقيام أصله القيوام وأهل

стр. 872

الحجاز يصرفون الفعال إلى الفعلان فيقولون في الصّداع صداع. والقيم عند سيبويه فيعل للتأكيد، فقلب وأدغم. وأنكر الفراء أن في الأمثلة فيعل، وقال: أصلها فعيل ككريم وكان (أصلهم) أن يجعلوا الواو وألفا لافتتاح ما قبلها ثم يسقطونها لسكونها وسكون الياء بعدها فلمّا فعلوا ذلك صار فعيل على لفظ فعل فزادوا ياء ليكمل بها بناء الحرف. قال ابن العربي: واختلفوا في معناه فقيل: الدائم الذي لا يزول، فالقيوم معناه: الباقي الدائم. وقيل: القيوم هو القيم على كل شيء بالرعاية والمدبر لجميع أمور العالم بمعنى: الحفيظ والمدبّر. وقيل: الذي لا تفنيه الدهورو ولا يتغير بانقلاب الأمور فهو بمعنى: الثابت القدوس. قال: والصحيح أنه مبالغة قائم من قام إذا أطاق. قال: وروى ابن راشد الأزدي أنه ورد على النبي ﷺ َ فقال له: «ما اسمك؟ فقال عبد العزى بن (غاويه» ) فقال له: ﵊ ُ: بل اسمك عبد الرحمان بن راشد، قال: من الذي معك؟ قال: مولاي قال: ما اسمه؟ قال: قيوم. قال: ولكنه عبد القيوم «. ورواه الدارقطني وعبد الغني الحافظ كذلك ورواه ابن (رشد) قال:» ما اسم مولاك. قال: القيوم. قال:

стр. 873

لا بل عبد القيوم «والدارقطني أحفظ وأوثق. قال: فأما القائم فله في اللغة ثلاثة معان: قام إذا انتصب وعلا، وقام بالامر أي استقل به، وقام إذا لازم. قال الله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً﴾ فقيل كلها حقيقة، وقيل: الأول فقط، واختلفوا في معنى كون الله قائما بنفسه، فقيل: لا يحتاج إلى مكان، وقيل: موصوف بصفاته العلية، وقيل: مستغن عن كل شيء. والصحيح أنه لا يصح وصفه إلا مُضافا لما يبينه فإذا قلت: قائم على كل نفس بما كسبت فصحيح معنى وارد شرعا، وإن قلت: قائم بنفسه فصحيح لم يرد. واختلفوا في معنى قائم على كل نفس بما كسبت، فقيل بما كسبت من رزق تفضلا فهو امتنان، وقيل: بما كسبت من عمل يحفظه عليها فهو وعيد. وقيل: يطلع عليها لا يخفى عليه من أمرها شيء، وقيل: المراد الملائكة الموكلون بحفظ بني آدم لا يستوون مع الأصنام فكيف بخالق الملائكة ومن هو قائم عليها ومدبرها وهذا مجاز. ابن العربي: والصّحيح أنه قائم بالخلق والحفظ والرزق وغير ذلك فهو غني عنه. قوله تعالى: ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ .

стр. 874

قال ابن عرفة: هذا كالدليل / على كونه حيا قيوما و ﴿لَّهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ كالدّليل على أنه لا تأخذه سنة ولا نوم. فان قلت: نفي السِّنة يستلزم نفي النوم فهلا قدم النوم على السنة؟ قال: فالجواب من وجهين: الأول منهما: (قصد) نفى السنة بالمطابقة واللزوم. الثاني: إنّا نجد من يدافع النوم لا تأخذه سنة لأنه مهما تأخذه السّنة يدافعها ويغلبها حتى يأتيه النوم غلبة فينام فما يلزم من عدم السّنة عدم النوم. قوله تعالى: ﴿لَّهُ مَا فِي السماوات﴾ دليل على أن أعمال العباد مخلوقة لله تعالى لأنها ما في السَّمَاوَاتِ وما في الأرض. قوله تعالى: ﴿مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ... ﴾ . قال ابن عرفة: ورد النّفي بصغية الاستفهام وهو أبلغ لاقتضائه موافقة المخاطب عليه. قال ابن عطية: الإذن قسمان فهو في الشفاعة في الخروج من النّار بمعنى الأمر لحديث «يامحمد ارفع رأسك تعطه واشفع تشفع» ، وهو ((في شفاعة غيره من الأنبياء والعلماء وشفاعة (الجار) والصاحب الذين يشفعون)) قبل أن (يؤمروا) بمعنى العلم والتمكين.

стр. 875

قال ابن عرفة: (يريد) بمعنى خلق الدّاعي والقدرة على ذلك. قال: واقتضت الآية ألاّ شفاعة إلا بإذن والإذن فيها يقتضي قبولها فيعارض قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشافعين﴾ فدلّ على أنّ هناك من يشفع ولا تقبل منه، إلا أن يجاب بأن تلك سالبة، مثل: الحائط لا يبصر (لا معدومة) مثل: زيد غير بصير، فليس المراد شفاعة الشافعين لا تنفعهم بل هو من باب نفي الشيء بنفي لازمة مثل: على لا حب لا يهتدى بمنارة ... أي ليس له منار يهدى به، أي لا شافع هناك فتنفع شفاعته. قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ... ﴾ . هنا دليل على عموم تعلق علمه بالجزيئات والكليات فيرد بها على من نفى تعلقه بالجزيئات. قيل لابن عرفة: قد يقال إنه دليل ظاهر لا نص وندعى تخصيص عمومه؟ فقال: استدلوا بظواهر (الآي) في (كثير) من المطالب وتعقبوا على ابن الخطيب في قوله في المحصول: إن الدلائل السمعية لا تفيد الظن فضلا عن اليقين.

стр. 876

قال ابن عرفة: وتقدم لنا سؤال وهو أنه تسلط النفي هنا على الأخص دون الأعم فلو قيل: ولا يعلمون شيئا من علمنا بل علمه إلا ما شاء لكان أبلغ لأن الإحاطة بعلم الشيء أخص من مطلق علمه. قال: والجواب أنّا إن قلنا: إن العلوم كلها متساوية فلا فرق بين الإحاطة وعدمها. وإن قلنا: إنها غير متساوية فالسؤال وارد. وعادتهم يجيبون بأن (الآية) خرجت مخرج التمدح. والعلوم قسمان: ضرورية ونظرية، فالضرورية لا يقع عليها مدح ولا ذم لأنها جبرية يستوي فيها كل الناس وإنما يقع المدح على العلوم النظرية وهي لا تحصل إلاّ بالإحاطة لأنها ناشئة عن مقدمتين والعلم بالمقدمتين مستلزم الإحاطة بعلم النتيجة، فالإحاطة بها وعلمها (متساويان) . قيل لابن عرفة: الآية دالة أن المعدوم (يصدق) عليه شيء لأنّا إن لم نجعله داخلا تحت مسمى شيء لزم إبطال العمل بمفهوم الصّفة لأنّه يكون مفهوم الآية (أنهم) يحيطون بالمعدوم من (تعلق) علمه وهذا كفر؟ فأجاب: بأنه مفهوم أحرى لأنهم إذا لم يحيطوا بالموجود فأحرى المعدوم. قلت: وقال بعضهم: إن هذا السؤال غير وارد لأن المعنى إلا بما شاء أن يحيطوا به فإنهم محيطون به ولا يلزم منه نفي تعلق المشيئة بالمعدوم بل يبقى الأمر مسكوتا عنه فلا يلزم تعلق الحكم بنفيه ولا بإثباته.

стр. 877

قال ابن عطية: «وقد قال الخضر لموسى ﵉: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلاّ ما نقص هذا العصفور من البحر» . قال ابن عرفة: شبّه ما ليس بمُتناه بما هو متناهٍ لأن البحر متناهٍ، فالنقص فيه معقول وليس المراد حقيقة النقص، بل معناه نسبة علمي وعلمك من معلوم الله تعالى الذي لم ندركه نحن كنسبة ما يتعلق بالعصفور من ماء البحر إلى ماء البحر. انتهى. قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السماوات والأرض ... ﴾ . قال ابن عرفة: كلام الزمخشري هنا حسن وكلام ابن عطية في بعضه إيهام والألفاظ الموهمة إذا وردت من الشارع تأولت وردت الى الصواب، وإن وردت من غيره لم تتأول لأن الشارع يذكر الألفاظ الموهمة للابتلاء بها ﴿فَيُضِلُّ الله مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ (فالمحق) يصرفها عن ظاهرها إلى الصواب والمبطل يقف مع الظاهر، وأما إذا وردت من غير (الشارع) فلا تتأول. قلت: وكذا قال الزمخشري: لفظ الكرسي تخييلُ. والتخييل أن يعبر عن الشيء بلازمه كقوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشياطين﴾ قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ... ﴾ .

стр. 878

ان قلت: هلا قيل: حفظُها، بضمير جماعة ما لا يعقل أو: حفظُه، بضمير الكرسي لا شتماله على العرش والسّماوات والأرض، (والشي) (في نفسه) ليس كهو مع غيره، فلا يلزم من نفي الثقل (عن) السماوات والأرض (بخصوصيتها) نفي الثقل (عنها) مع غيرها؟ فالجواب: أنّه (خصهما) بالذكر لأنهما المشاهدان للإنسان الذي يراهما ويوافق على إمساكهما وعدم إزالتهما ليكون ذلك أقطع في طريق / الاستدلال وأقوى في قيام الحجة عليه. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ العلي العظيم﴾ . قال ابن عطية: أي عظيم القدر والخطر وليس من عظيم الأجرام وحكى (الطبّري) عن قوم أن العظيم بمعنى المعظم كقولهم: العتيق بمعنى المعتق، وأنكره آخرون وقالوا: لو كان بمعنى معظم لوجب ان لا يكون عظيما قبل أن يخلق الخلق وبعد فنائهم إذ لا معظم له حينئذ.

стр. 879

قال ابن عرفة: وهذا الإنكار غير صحيح، بل يفهم كما قال الضرير في أرجوزته لأنه قسم الحمد على قسمين: قديم وحادث، فالقديم حمده تعالى نفسه.

стр. 880

قوله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين ... ﴾ . نقل ابن عرفة عن ابن عطية الخلاف في سبب نزولها ثم قال: الظاهر عندي (أنّها) على ظاهرها ويكون خبرا في اللفظ والمعنى. والمراد أنه ليس في الاعتقاد إكراه وهو أولى من قول من جعلها خبرا في معنى النّهي. وكان أبو عمر ولد الأمير أبي الحسن على المريني في (أيام) مملكته جمع كل من كان في بلده من النّصارى وأهل الذمة وقال لهم: إما أن تسلموا أو ضربت أعناقكم، فأنكر عليه ذلك فقهاء بلده ومنعوه وكان في عقله اختبال. قيل لابن عرفة: من فسّر الدين بالإسلام لا يتمّ إلا على مذهب المعتزلة القائلين بأن الاعتقاد غير كاف. فقال: قد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدين عِندَ الله الإسلام﴾ وفسره في الحديث «بأنّ تشهد أن لاَ إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا» .
следующие страницы →