← Тафсир

Тафсир · id 67

تفسير ابن عرفة

ابن عرفة

Полный текст (994 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

قال ابن عرفة: وتقدم لنا سؤال وهو أنه تسلط النفي هنا على الأخص دون الأعم فلو قيل: ولا يعلمون شيئا من علمنا بل علمه إلا ما شاء لكان أبلغ لأن الإحاطة بعلم الشيء أخص من مطلق علمه. قال: والجواب أنّا إن قلنا: إن العلوم كلها متساوية فلا فرق بين الإحاطة وعدمها. وإن قلنا: إنها غير متساوية فالسؤال وارد. وعادتهم يجيبون بأن (الآية) خرجت مخرج التمدح. والعلوم قسمان: ضرورية ونظرية، فالضرورية لا يقع عليها مدح ولا ذم لأنها جبرية يستوي فيها كل الناس وإنما يقع المدح على العلوم النظرية وهي لا تحصل إلاّ بالإحاطة لأنها ناشئة عن مقدمتين والعلم بالمقدمتين مستلزم الإحاطة بعلم النتيجة، فالإحاطة بها وعلمها (متساويان) . قيل لابن عرفة: الآية دالة أن المعدوم (يصدق) عليه شيء لأنّا إن لم نجعله داخلا تحت مسمى شيء لزم إبطال العمل بمفهوم الصّفة لأنّه يكون مفهوم الآية (أنهم) يحيطون بالمعدوم من (تعلق) علمه وهذا كفر؟ فأجاب: بأنه مفهوم أحرى لأنهم إذا لم يحيطوا بالموجود فأحرى المعدوم. قلت: وقال بعضهم: إن هذا السؤال غير وارد لأن المعنى إلا بما شاء أن يحيطوا به فإنهم محيطون به ولا يلزم منه نفي تعلق المشيئة بالمعدوم بل يبقى الأمر مسكوتا عنه فلا يلزم تعلق الحكم بنفيه ولا بإثباته.

стр. 877

قال ابن عطية: «وقد قال الخضر لموسى ﵉: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلاّ ما نقص هذا العصفور من البحر» . قال ابن عرفة: شبّه ما ليس بمُتناه بما هو متناهٍ لأن البحر متناهٍ، فالنقص فيه معقول وليس المراد حقيقة النقص، بل معناه نسبة علمي وعلمك من معلوم الله تعالى الذي لم ندركه نحن كنسبة ما يتعلق بالعصفور من ماء البحر إلى ماء البحر. انتهى. قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السماوات والأرض ... ﴾ . قال ابن عرفة: كلام الزمخشري هنا حسن وكلام ابن عطية في بعضه إيهام والألفاظ الموهمة إذا وردت من الشارع تأولت وردت الى الصواب، وإن وردت من غيره لم تتأول لأن الشارع يذكر الألفاظ الموهمة للابتلاء بها ﴿فَيُضِلُّ الله مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ (فالمحق) يصرفها عن ظاهرها إلى الصواب والمبطل يقف مع الظاهر، وأما إذا وردت من غير (الشارع) فلا تتأول. قلت: وكذا قال الزمخشري: لفظ الكرسي تخييلُ. والتخييل أن يعبر عن الشيء بلازمه كقوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشياطين﴾ قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ... ﴾ .

стр. 878

ان قلت: هلا قيل: حفظُها، بضمير جماعة ما لا يعقل أو: حفظُه، بضمير الكرسي لا شتماله على العرش والسّماوات والأرض، (والشي) (في نفسه) ليس كهو مع غيره، فلا يلزم من نفي الثقل (عن) السماوات والأرض (بخصوصيتها) نفي الثقل (عنها) مع غيرها؟ فالجواب: أنّه (خصهما) بالذكر لأنهما المشاهدان للإنسان الذي يراهما ويوافق على إمساكهما وعدم إزالتهما ليكون ذلك أقطع في طريق / الاستدلال وأقوى في قيام الحجة عليه. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ العلي العظيم﴾ . قال ابن عطية: أي عظيم القدر والخطر وليس من عظيم الأجرام وحكى (الطبّري) عن قوم أن العظيم بمعنى المعظم كقولهم: العتيق بمعنى المعتق، وأنكره آخرون وقالوا: لو كان بمعنى معظم لوجب ان لا يكون عظيما قبل أن يخلق الخلق وبعد فنائهم إذ لا معظم له حينئذ.

стр. 879

قال ابن عرفة: وهذا الإنكار غير صحيح، بل يفهم كما قال الضرير في أرجوزته لأنه قسم الحمد على قسمين: قديم وحادث، فالقديم حمده تعالى نفسه.

стр. 880

قوله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين ... ﴾ . نقل ابن عرفة عن ابن عطية الخلاف في سبب نزولها ثم قال: الظاهر عندي (أنّها) على ظاهرها ويكون خبرا في اللفظ والمعنى. والمراد أنه ليس في الاعتقاد إكراه وهو أولى من قول من جعلها خبرا في معنى النّهي. وكان أبو عمر ولد الأمير أبي الحسن على المريني في (أيام) مملكته جمع كل من كان في بلده من النّصارى وأهل الذمة وقال لهم: إما أن تسلموا أو ضربت أعناقكم، فأنكر عليه ذلك فقهاء بلده ومنعوه وكان في عقله اختبال. قيل لابن عرفة: من فسّر الدين بالإسلام لا يتمّ إلا على مذهب المعتزلة القائلين بأن الاعتقاد غير كاف. فقال: قد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدين عِندَ الله الإسلام﴾ وفسره في الحديث «بأنّ تشهد أن لاَ إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا» .

стр. 881

قوله تعالى: ﴿قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي ... ﴾ . (قد) للتوقع لأن المشركين كانوا يتوقعون بعثة رسول الله ﷺ َ. وعارضوها بقوله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ الله الخبيث مِنَ الطيب﴾ فجعل الخبيث مخرجا من الطيب، وعكس هنا. وأجيب: بأن هذا في أول الإسلام كان الكفر أكثر وتلك في آخر الإسلام كان الإيمان أكثر ودخل الناس في الدين أفواجا. قوله تعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بالطاغوت وَيْؤْمِن بالله ... ﴾ . قدم الكفر إما لأنّه من دفع المؤلم، أو لأنه مانع ولا يتم الدليل على الشيء إلاّ مع نفي المانع المعارض ولذلك قال في الإرشاد: «النظر في الشيء يضاد العلم بالمنظور ويضاد الجهل به والشك فيه» . فإذا كان الكافر مصمما على كفره استحال إيمانه وإذا ظهر له بطلان الكفر وبقي قابلا للإيمان ونظر في دلائله أنتجت له الإيمان. قوله تعالى: ﴿فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى ... ﴾ . قال الزمخشري: هذا تمثيل للمعلوم بالنّظر والاستدلال بالمشاهد المحسوس (ونظرٌ في دلالات أنتجت له) حتى يتصوره السّامع كأنّه ينظر (إليه) بعينه.

стр. 882

ابن عطية: هذا تشبيه واختلفوا في المشبه بالعروة فقال مجاهد: العروة الإيمان وقال السدى: الإسلام. وقال سعيد بن جبير والضّحاك: (العروة) لا إله إلا الله. قال ابن عرفة: إنما يريد المشبه خاصة ولو أراد المشبه به لكان تشبيه الشيء بنفسه. قوله تعالى: ﴿والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ . قال ابن عطية: لما كان الكفر بالطاغوت والإيمان بالله مما ينطق به اللسان ويعتقده القلب حسن في الصفات سميع من أجل النّطق وعليم من أجل المعتقد. وقال الفخر: هذا دليل على أنّ اعتقاد القلب الايمان غير كاف ولا بد من النطق. قال ابن عرفة: لايتم هذا إلاّ على مذهب المعتزلة الذين ينكرون الكلام النفسي ونحن نقول: كلام النفس مسموع ولذلك نتصوره في الكلام القديم الأزلي وهم ينكرونه.

стр. 883

قوله تعالى: ﴿الله وَلِيُّ الذين آمَنُواْ ... ﴾ . أفرد الولي هنا لأن الإيمان من لوازمه التوحيد والكفر من لوازمه الشرك وتعدد الآلهة.

стр. 884

قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُهُم مِّنَ الظلمات إِلَى النور ... ﴾ . وأورد الزمخشري في أول سورة الأنعام سؤالا فقال: لأي شيء جمع الظلمات وأفرد النور وحقه إن كان يورده هنا؟ وأجاب بتعدد طريق الشرك واتحاد طريق الإيمان. قال ابن عرفة: وإخراج المؤمنين من الظلمات إلى النور بالفعل حقيقة، لأنهم كانوا كافرين فآمنوا، والكافرون كانوا في مظنة الإيمان أو القبول إلى الإيمان فأخرجهم إلى التصميم على الكفر والقسمة رباعية كفر مستديم إلى الموت وإيمان دائم إلى الموت وكفر بعد الإيمان وإيمان بعد كفر فتضمنت الآية القسمين الأخيرين. قال ابن عرفة: إما أن يتجوز في لفظ «ءَامَنُوا» فيريد به المستقبل ويبقى «يخرجهم» على ظاهره، أو يبقى «ءَامَنُوا» على ظاهره ويتجوز في لفظ «يُخْرِجُهُم» وغلب في الآية مقام الوعظ والتخويف على مقام البشارة فلذلك لم يقل في الأول: ﴿أولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ وذكر في الثاني.

стр. 885

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ ... ﴾ . قوله تعالى: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ الله يَأْتِي بالشمس مِنَ المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب﴾ . إن قلت: هلا قال نمرود: أَنا هو الَّذي يأتي بها من المشرق فليأت بها ربّك من المغرب؟ قلت: إنه لا يقدر أن يقول ذلك لئلا تقوم عليه الحجة لأن الشمّس كانت تطلع من المشرق قبل أن يوجد نمرود. وذكره ابن عطية فقال: إن ذوي الأسنان يكذبونه.

стр. 886

قوله تعالى: / ﴿أَوْ كالذي مَرَّ على قَرْيَةٍ ... ﴾ . قال ابن عطية عن ابن عباس وجماعة: هو عزيز بن منبه، وجماعة هو أرمياء. (وقال ابن اسحاق أرميا هو الخضر) . (وضعفه ابن عطية. قال: إلاّ أن يكون اسما وافق اسما لأن الخضر) هو معاصر لموسى ﵇، والّذي مر على القرية (

стр. 887

هو) بعده بزمان من سبط هارون فيما روى وهب بن منبه. قال ابن عرفة: هذا بناء منه على أنّ الخضر ﵇ مات والنّاس يقولون: لم يزل حيا إلى الآن على أنّ العلماء قد حكوا في موته خلافا. (قال ابن عرفة: وعطفه) بغير فاء دليل على سرعة القول حتى أنه قال ذلك مع المرور لا بعده وتعجب من نفس الإحياء أو من كيفيته. قوله تعالى: ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا ... ﴾ . ولم يقل من بعد موتها إشارة إلى (كمال) التأخر والانفصال عن أزمنة البعدية لا أوّلها والمجاز فيها من أحد وجهين: إما أن يراد بالإحياء العمارة وبالموت الخراب أو يكون الإحياء حقيقة، والموت كذلك والمراد بعد موت أهلها. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ ... ﴾ . قيل لابن عرفة: ثم للمهلة ولا مهلة بين المائة عام وبين البعثة؟ فقال: إما أن يعتبر أول أزمنة المائة عام أو نقول: المائة عام ماهية مركبة من أجزاء والإماتة بعد مجموعها، ولا تسمى الماهية إلا بكمال أجزائها فكانت المهلة بين إماتته مائة عام وبعثه لابين آخر جزء مائة) .

стр. 888

قوله تعالى: ﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ... ﴾ . قالوا: إنه مات في أول النهار ضحوة وبُعث آخر النهار فقال: لبثت يوما ثم نظر فوجد الشّمس لم تزل على (الجدران) فقال: بعض يوم. قيل لابن عرفة: وكذلك كان يقول: لو وجدها غابت لأنه (ما مات) إلا ضحوة بعد مضي بعض النهار؟ فقال: ما اعتبر إلاّ ما بعد (موته) وما قبله كان فيها فيها مستصحبا الحياة. قوله تعالى: ﴿فانظر إلى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ... ﴾ .

стр. 889

الفاء للسببية والنّظر البصر ويستلزم العلم لقول الله: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . وقوله: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ . الزمخشري حمله على ثلاثة أوجه: أحدها: لم تمرّ عليه السنون لعدم تغيره مثل «عَلى لا حب لا يهتدي بمناره» فبقاؤه دال على عدم مرور السنين عليه ومرور السّنين عليه يقتضي عدم بقائه. الثاني: أنّ معناه لم يتغير. قوله تعالى: ﴿كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً ... ﴾ . قال أبو حيان: أعربوا «كَيْفَ نُنشِزُهَا» حالا من «العظام» أي انظر إلى العظام محياة. وردّ بأن الجملة الاستفهامية لا تقع حالا وإنما تقع حالا (كيف) وحدها. قال ابن عرفة: (يصح) ذلك على إضمار القول كما قال: «جاؤوا بمذق هل رأيت الذيب قط» ؟ . قوله تعالى: ﴿نُنشِزُهَا ... ﴾ . على قراءة الرّاء معناه نحييها فيحتج به على أن العظام تحلمها الحياة. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ ... ﴾ .

стр. 890

وقال أولا: ﴿أنى يُحْيِي هذه الله بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ ؟ قال ابن عرفة: إن كان كافرا فظاهر، وإن كان مؤمنا (فمذهبنا) على القول بأن العلوم النظرية تتفاوت بالقوة والضعف خلافا لقول أبي بكر الصديق ﵁ «لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا» . فهذا كان يعلم ذلك لكن علم المشاهدة أقوى من علم ما هو غائب. قيل لابن عرفة: إنّ بعض الناس يجري على لسانه: يا حمار عزير. فقال: يتقدم إليه وينهى عن ذلك فإن عاد إليه فلا يبعد أن يقال: إنه يؤدب. قلت: في كتاب القذف من التهذيب ومن قال: يا شارب خمر أو يا خائن، أو يا آكل الربا، أو يا ابن الحمار، (أو يا ثور) ، أو يا خنزير فعليه النكال. وفي المدارك للقاضي أبي الفضل عياض ﵀ في باب نوادر من أخبار مالك سأله رجل عمن قال للآخر: يا حمار؟ قال: يجلد. قال: وإن قال له: يا فرس؟ قال: تجلد أنت. ثم قال: يا ضعيف هل سمعت أحدا يقول: يا فرس؟ .

стр. 891

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الموتى ... ﴾ .

стр. 892

قال ابن عطية: قال الجمهور: إن إبراهيم لم يكن شاكا قط في إحياء الله الموتى، وإنما طلب المعاينة، وقال آخرون: إنه شك في قدرة الله تعالى (في) إحياء الموتى (ولذلك قال ابن عباس ﵄ ما في القرآن آية أرجى عندي من هذه. ابن عرفة: هذا كلام لا يليق بابن عباس) . وحمله على ظاهره يلزم عليه الكفر فلا بد من تأويله وهو أن الشك في كيفية وجود الشيء لا يلزم منه الشك في وجود ذلك الشيء، كما أنا لا نشك في موت عثمان ﵁ مقتولا ونشك في كيفية ذلك حسبما اختلف فيه الرواة والنقلة. قال: ومن هنا يستدل على القول بعدم تواتر القراءات (السبعة) غير ملزوم (للقول) بعدم تواتر القرآن جملة. قال ابن عرفة: فأراد ابراهيم ﵇ الانتقال من العلم النظري إلى العلم الضروري لأن (النظري) تعرض له الشكوك (والضروري لا تعرض له الشكوك) ولذلك يقول الفخر ابن الخطيب: في كلامه هذا تشكيك في الضروريات فلا يستحق جوابا. قيل له علم (النبي) ضروري لا نظري؟

стр. 893

فقال: علمه بنفس الإحياء ضروري وبكيفيته نظري، وقول النبي ﷺ َ «نحن أحق بالشك من إبراهيم» على سبيل الفرض والتقدير في حق إبراهيم، وعلى جهة التواضع منه ﵊ ُ، أي لو فرض وقوع الشك من إبراهيم ﵇ لكنا نحن أحق بذلك منه. قلت: تأول عياض في الشفاء هذه الآية بستة أوجه. أحدها: ما تقدم أنه طلب زيادة اليقين لأن العلوم تتفاوت. الثاني: علم وقوعه وأراد مشاهدته وكيفيته. الثالث: المراد اختبار منزلته عند الله تعالى وأن يعلم / إجابة دعوته، والمراد: أو لم تؤمن بمنزلتك واصطفائي (لك) . الرابع: لما احتج على الكفار بأن الله يحيي ويميت طلبه من ربه ليصحح احتجاجه به عيانا. الخامس: أنّه سؤال على طريق الأدب أي (أقدرني) على إحياء الموتى. والسادس: أنه آمن من نفسه الشّك ولم يشك لكن ليجاب فيزداد قربة.

стр. 894

وقول (رسول الله ﷺ َ) «نحن أحق بالشك من إبراهيم» نفي لأن يكون من إبراهيم شك أي نحن موقنون بالبعث وإحياء الموتى، فلو شك إبراهيم لكنا أولى بالشك منه (أو) على طريق الأدب أو المراد أمته (الذين) يجوز عليهم الشك أو هو تواضع، فأما قول الله تعالى ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ﴾ فقيل: معناه قل يا محمد للشاك: إن كنت في شك، كقوله تعالى: ﴿ياأيها الناس إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي﴾ وَ ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين﴾ وقيل: المخاطب غيره وقيل: إنّه تقرير كقوله: ﴿ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله﴾ وقد علم أنّه لم يقل. «وقيل: إن كنت في شك فأسأل تزدد علما إلى علمك، وقيل: إن كنت شاكا فيما شرّفناك به فاسألهم عن صفتك في الكتاب؟ وقيل: إن كنت في شك من غيرك فيما أنزلنا إليك. قال القاضي عياض: واحذر أن يخطر ببالك ما نقله بعضهم عن ابن عباس ﵄ أو غيره من إثبات شك النبي ﷺ َ فيما أوحي إليه وأنه من البشر فمثل هذا لايجوز جملة بل قال ابن عباس: لم يشك ﵊ ُ.

стр. 895

وانظر ما قيل على هذا الحديث (في كتاب الإيمان في دفتر الحديث، وفي أسئلة السكوني) . قوله تعالى: ﴿قَالَ بلى ولكن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ... ﴾ . دليل على أن (العقل) في القلب. قوله تعالى: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ... ﴾ . قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اجعل على كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً ... ﴾ . أي من الطير لأنهم جعلوه حالا من جزء فيكون نكرة تقدم عليها فانتصب (على الحال) . قال ابن عرفة: ويحتمل هذا أن يكون على كل جبل من الجبال فيعود الضمير على الجبال المفهومة من كل جبل. قيل لابن عرفة: هلا بين له ذلك بإعدامهن جملة ثم أيجادهن عن عدم؟ فقال: إيجادهن لايلزم منه إعادتهن بأعيانهن لأنه يشاهد كل قوم أمثالهن: وقد يظن أن الموجود غير هذا مماثل لهن فهذا أغرب، وهو رؤيته

стр. 896

أجْزَاءهُنّ المفترقة (حين) تجتمع وتعود كما كانت أول مرة قالوا: ولما اجتمعت أتت إليه التصق كل جسد مع رأسه. قال ابن راشد في اختصار ابن الخطيب: في الآية دليل على عدم اشتراط البنية خلاقا للمعتزلة. فقال ابن عرفة: هذا بناء فيه على أن البنية هي الشكل الخاص وليس كذلك مطلقا بل البنية المشترطة في الرؤية هي الشكل الخاص والبنية المشترطة في الحياة هي البلة والرطوبة المزاجية. نص عليه القاضي والمقترح وغيرهما لأنا نجد الحيوانات على أشكال متنوعة ولو كانت الشكل الخاص لكانت على (شكل) واحد. قوله تعالى: ﴿يَأْتِينَكَ سَعْياً ... ﴾ . دليل على أنّهن أتينه يمشين خلافا لمن أتينه يطرن. قوله تعالى: ﴿واعلم أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ . الحكمة مشروطة (بالإتقان) وهو سأل عن كيفية الإتقان فأخبره أنّه إذا علم كيفية الإتقان فلا يسأل عما وراء ذلك، فَإنّ اللهَ

стр. 897

عَزِيز حَكِيم لا يمانع ولا يعاند في فعله فإذا تدبّر الإنسان في ملكوت الله وقدرته على الأشياء وخلقه لها، فلا يتدبّر فيها وراء ذلك لئلا (يجر به) تدبيره إلى الكفر وفساد العقيدة كما قال تعالى: ﴿فارجع البصر هَلْ ترى مِن فُطُورٍ ثُمَّ ارجع البصر كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ.﴾

стр. 898

قوله تعالى: ﴿مَّثَلُ الذين يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله ... ﴾ . قال ابن عرفة: ويتناول (نفقة) النفوس وقدروه على حذف مضاف إمّا من الأول أو من الثاني. وعندي أنّه لا يحتاج إليه لأنّ المنفقين للأموال نشأ عنهم نفقات، ونشأ عن نفقاتهم منافع دنيوية من إعلاء كلمة الله وإظهار الإسلام وتكثير المسلمين وهضم (حمية) الكافرين واستئصالهم ومنافع أخروية بتكثير الثواب في الدار الآخرة كما أنّ الحبّة ينشأ عنها أولاد كثيرة. وعن الامام مالك ﵁ الأولاد حبوب كثيرة. قال الزمخشري: فإن قلت هلاّ قيل سبع سنبلات بلفظ جمع القلة؟ وأجاب بجواز إيقاع جمع الكثرة على جمع القلة فوقع جمع القلة مثل «ثَلاثَةُ قُرُوءٍ» . وأجاب ابن عرفة بأنّه لما سلك في الآية مسلك الحظ على النفقة في سبيل الله وتكثير الثواب المعد عليها روعي في ذلك وصف الكثرة فأتى به بجمع الكثرة.

стр. 899

وجعله الزمخشري وابى (عطية) من تشبيه المحسوس بالمحسوس قبل الوجود. زاد الزمخشري: أو تشبيه محسوس بمعقول مقدر الوجود. قال ابن عرفة: كان ابن عبد السلام يقول: هذا عندهم في أرض الحجاز وأما نحن فهو عندنا كثير والحبة الواحدة تنبت قدر الخمسين سنبلة أو مائة واما أنّ (في) كل سنبلة مائة حبة فهذا عندنا قليل الوجود.

стр. 900

قوله تعالى: ﴿الذين يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله ... ﴾ . قال ابن عرفة: أتى به غير معطوف لأنه في معنى التفسير للأول فعلى هذا يكون خبر مبتدإ مقدر، أي هم الذين ينفقون أموالهم. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ ... ﴾ . عطفه ب (ثم) / إما لبعد ما بين المنزلتين أو للمهلة حقيقة ويكون فيه إشارة إلى أنهم يمنون بنفقة طال (أمدها) وداموا عليها (فأحرى) أن لا يَمُنُّوا بنفس الإنفاق. قوله تعالى: ﴿مَنّاً وَلاَ أَذىً ... ﴾ . قال ابن عرفة: قالوا الأذى هو الشكوى بذلك والسب عليه. ابن عرفة: وتقدم لنا سؤال وهو أنه لا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم بل العكس، فالمنّ أعم من الأذى فإذا لم يمنّوا فأحرى أن لا يسبّوا عليها.

стр. 901

وأجيب بأن الإنسان قد يشكو بإعطائه النفقة لغيره ويذم معه ولا يمن عليه لأنه إذا رآه يستحيي منه (فلا يمن عليه) . فقال: المن على المعطي يكون بمحضره وفي غيبته. قال: وإنما عادتهم يجيبون بأن سبب المن أخف من سبب الأذى، فإنهم اعتبروا الفاعل ونحن نعتبر المفعول. فنقول: سبب المن مجرد بذل المال للفقير فقط، وأما الأذية (والتشكي) والسب فما يصدر إلا عن موجب وهو إذاية المعطي للفاعل ونحو ذلك. فلا يلزم من نفي المنّ نفي الأذى. قال: وقال هنا ﴿لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ وقال (بعده) ﴿الذين يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بالليل والنهار سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ فعطفه بالفاء. وأجاب الزمخشري بأنّ الموصول لم يضمّن هنا معنى الشرط وضمنه هناك لأن الفاء تدل على أنّ الإنفاق به استحق الأجر. قال ابن عرفة: هذا الكلام لا يستقل بنفسه، ولا يزال السؤال واردا، فيقال: لأي شيء أريد الشرط هناك ولم يرد هنا؟ قال: لكن عادتهم يجيبون بأنه لما قصد هناك الإخبار بأن مطلق الإنفاق في سبيل الله (يلزمه) الأجر قلّ أو كثر دخلت الفاء تحقيقا للارتباط، ولما كان المراد هنا إنفاقا خاصا على وجه شبيه بحسنة

стр. 902

موصوفة بهذه الصفة وأكدت خصوصية سلامته من المن والأذى كان ترتيب الأجر عليه كالمعلوم بالبديهة وكالمستفاد من اللفظ فلم يحتج إلى ما يحقق الارتباط. قوله تعالى: ﴿لَّهُمْ أَجْرُهُمْ ... ﴾ . أفادت الإضافة الاستحقاق أي أجرهم (اللائق) بهم فواحد يقل أجره وواحد يكثر وآخر في مادة التوسط بحسب (عمله) ونفقته. انتهى. قوله تعالى: ﴿وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ... ﴾ . قال: الخوف يتعلق بالمستقبل فالمناسب فيه أن يكون الفعل المقتضي للتجدد، والحزن يتعلق بالماضي فالمناسب (أن يكون بالاسم) المقتضي للثبوت والتحقيق.

стр. 903

قوله تعالى: ﴿لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بالمن والأذى ... ﴾ .

стр. 904

(قوله تعالى) : ﴿وَمَثَلُ الذين يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابتغآء مَرْضَاتِ الله ... ﴾ . تأوله المفسرون إمّا على الإضمار في الثاني أي كمثل غارس جنة بربوة أو على الإضمار في الأول أي ومثل إنفاق الذين ينفقون أموالهم. قال ابن عرفة: والظاهر أن يكون التقدير ومثل مال الذين ينفقون أموالهم فالمال هو الذي يُشبه «جَنَّة بِرَبْوَةٍ» وَ «تَثْبِيتا مِنْ أَنفُسِهِمْ» . قال ابن عطية: «ابْتِغَاءَ» مفعول من أجله فكيف عطف عليه «تثبيتا» مع أنّ التثبيت سبب في «ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ» ومتقدم عليه فهو علة فيه.

стр. 905

وأجيب بأنّه علة غائبة فذكره أبو حيان. قوله تعالى: ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ ... ﴾ . قال المفسرون: الضعف هو المثل، أي آتت أُكلها المعهود على مرتين أعني آتته وآتت مثله معه. قال ابن عرفة: ووقع في ابن الحاجب ما نصه: ولو أوصى بضعف نصيب ابنه فلا نص. فقيل مثله وقيل مثليه. ابن عرفة: فعلى هذا الخلاف يكون المعنى فأتت أكلها أربع مرات وعلى القول الآخر (يكون) كما قال المفسرون. قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ ... ﴾ . قال المفسرون: إن أصابها الوابل تؤتي أكلها مرتين وإن أصابها الطلّ فقط تؤتي أكلها مرة واحدة. ابن عرفة: ولا يمتنع أن يراد أنها تؤتي أكلها مرتين سواء أصابها وابل أو طلّ ويكون ذلك مدحا فيها وتأكيدا في أوصاف حسنها.

стр. 906

قوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ ... ﴾ . الهمزة للإنكار، أي لا يودّ أحدكم أن تكون له جنّة هكذا! وهذا التشبيه لمن أبطل صدقته بالمن والأذى.

стр. 907

(قوله تعالى) : ﴿لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثمرات ... ﴾ . وقد قال: ﴿مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ ، يعني أنّ معظمها النخيل والاعناب وفيها من كل الثمرات. قوله تعالى: ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ ... ﴾ . بيان لتمام الحاجة (إلى) ثمر الجنة أو هو احتراس لأن من بلغ الكبر يكفيه ذرية ينفقون عليه ولا يحتاج إلى أحد.

стр. 908

قوله تعالى: ﴿مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ... ﴾ . يحتمل المستلذات فيعمّ الحلال و (غيره) إلا أن يريد المستلذّ بقيد كونه (حلالا) أو يقال بالعموم لأن الغاصب إذا زكّى مَاغَصَبَ (يجزى) عن ربّه ولكن ذلك بعد الوقوع، وأما ابتداء (فيؤمر) بردّه إلى ربّه، وقيل: الطيب الحلال هنا. (وقوله) : ﴿وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأرض﴾ . إشارة إلى الحقيقة وأن الكسب إنّما هو سبب (لا مؤثر) ، لأن ما أُخرج من الأرض يدخل في الكسب فهو عطف خاص على عام أو مقيد على مطلق.

стр. 909

قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث مِنْهُ تُنْفِقُونَ ... ﴾ . إما الحرام أو ما تكرهون على التأويلين في الطيب. قال ابن عرفة: وعندي أن الإنسان إذا كانت عنده كسرة باردة وأخرى سخنة وهو يكره الباردة فتصدق بها يدخل في هذا.

стр. 910

قوله تعالى: ﴿واعلموا أَنَّ الله غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ . احتراس أن تتوهموا أن الصدقة بهذا يحصل بها نفع للآمر بل النفع لمخرجها فقط.

стр. 911

قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الحكمة مَن يَشَآءُ﴾ . قال ابن عرفة: الظاهر أنّ المراد به الفقه والعمل به.

стр. 912

قوله تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ الصدقات فَنِعِمَّا هِيَ ... ﴾ . ابن عطية: هي تفسير / الفاعل المضمر قبل الذكر. والتقدير: نعم شيء إبدَاؤهَا. قال ابن عرفة: وكان بعضهم يقول: غير هذا. وهو أنّ المازري ذكر في قوله ﷺ َ «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلاّ به» . الخلاف هل هو إشارة للفعل فقط أو للفعل بصفته (فكذلك)

стр. 913

يجيء هنا إن عاد الضمير على الصدقات بصفتها لم يحتج إلى هذا الإضمار والقرينة هنا تعيّن أن المراد الصفة، وهي قرينة التقسيم بين الإخفاء والإظهار قيل لابن عرفة: لعل القرينة هي المفسرة للمضمر؟ فقال: ثبت أن المراد هنا (الصّدقة) بصفتها وإنّما ثبت استعمال اللفظ في معنى ودار (الأمر) بين صرفه ذلك المعنى إلى القرينة أو إلى نفس اللّفظ فصرفه إلى نفس اللّفظ أولى. قوله تعالى: ﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفقرآء ... ﴾ .

стр. 914

قال ابن عرفة: لم يقل أو تبدوها وَتُؤْتُوهَا الفُقَرَاءَ. وعادتهم يجيبون: بأنك إظهارها مظنة الكشف عن حال آخذها، وكثرة السؤال عنه وإخفاؤها مظنة لعدم الكشف عن ذلك فإعطاؤها في العلانية متوقف على علم المعطي وغيره بفقر آخذها فلا تقع إلا في يد فقير لأنه إما أن يسأل عن حاله أو يراه من يعلم أنّه غني فينهاه عن الصدقة عليه وإعطاؤها (سّرا) يتوقف على مجرد علم المعطي فقط بذلك، فقد تقع في يد غني يظنه المعطي فقيرا لأنه لا يسأل عن حاله ولا يطلع عليه من يعرف حاله فيخبره بحاله فلذلك قال في الثاني: ﴿وَتُؤْتُوهَا الفقرآء﴾ .

стр. 915

قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ... ﴾ .
следующие страницы →