← Акыда

Акыда · id 6820

الاستقامة

ابن تيمية

Полный текст (813 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وَقد روى هَذَا الحَدِيث البُخَارِيّ عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يَزْنِي العَبْد حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن وَلَا يسرق حِين يسرق وَهُوَ مُؤمن وَلَا يشرب الْخمر حِين يشرب وَهُوَ مُؤمن وَلَا يقتل وَهُوَ مُؤمن قَالَ عِكْرِمَة قلت لِابْنِ عَبَّاس كَيفَ ينْزع الْإِيمَان مِنْهُ قَالَ هَكَذَا وَشَبك بَين أَصَابِعه ثمَّ أخرجهَا فَإِن تَابَ عَاد إِلَيْهِ هَكَذَا وَشَبك بَين أَصَابِعه فَإِذا اقْترن بِهَذِهِ الْكَبَائِر تِلْكَ الْمحبَّة فِي نفس صَاحبهَا فَإِنَّهَا توجب حركتها وَقُوَّة إرادتها فيعطي من المَال مَا لم يكن يُعْطِيهِ وَيقدم على مخاوف لم يكن يقدم عَلَيْهَا ويحتال وَيُدبر مَا لم يكن يحتاله ويدبره قبل ذَلِك وَيصير والها من التفكر وَالنَّظَر مَا لم يكن قبل ذَلِك فَلَمَّا رَأَوْا مَا فِيهِ من هَذِه الْأُمُور الَّتِي هِيَ من جنس المحمودات حمدوه بذلك وَهَذَا من جنس من حمد الْخمر لما فِيهَا من الشجَاعَة وَالْكَرم وَالسُّرُور وَنَحْو ذَلِك

стр. 457

وَذَلِكَ أَن هَؤُلَاءِ كلهم لحظوا مَا فِيهَا من جنس المحبوب وأغفلوا مَا تتضمنه من جنس المذموم فَإِن الَّذِي يورثه الْعِشْق من نقص الْعقل وَالْعلم وَفَسَاد الْخلق وَالدّين والاشتغال عَن مصَالح الدّين وَالدُّنْيَا أَضْعَاف مَا يتضمنه من جنس الْمَحْمُود وأصدق شَاهد على ذَلِك مَا يعرف من أَحْوَال الْأُمَم وَسَمَاع أَخْبَار النَّاس فِي ذَلِك فَهُوَ يُغني عَن مُعَاينَة ذَلِك وتجريبه وَمن جرب ذَلِك أَو عاينه اعْتبر بِمَا فِيهِ كِفَايَة فَلم يُوجد قطّ عشق إِلَّا وضرره أعظم من منفعَته وَلِهَذَا قَالَ أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي فِي رسَالَته وَمن أصعب الْآفَات فِي هَذِه الطَّرِيقَة صُحْبَة الْأَحْدَاث وَمن ابتلاه الله بشئ من ذَلِك فبإجماع الشُّيُوخ هَذَا عبد أهانه الله وخذله بل عَن نَفسه شغله وَلَو لِأَلف الف كَرَامَة أَهله وهب أَنه بلغ رُتْبَة الشُّهَدَاء لما فِي الْخَبَر من التَّلْوِيح بذلك أَلَيْسَ قد شغل ذَلِك الْقلب

стр. 458

بمخلوق وأصعب من ذَلِك تهوين ذَلِك على الْقلب حَتَّى يعد ذَلِك يَسِيرا وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وتحسبونه هينا وَهُوَ عِنْد الله عَظِيم﴾ [سُورَة النُّور ١٥] وَهَذَا الوَاسِطِيّ ﵀ يَقُول إِذا أَرَادَ الله هوان عبد أَلْقَاهُ إِلَى هَؤُلَاءِ الأنتان والجيف وَقَالَ سَمِعت أَبَا عبد الله الصُّوفِي يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن أَحْمد النجار يَقُول سَمِعت أَبَا عبد الله الحصري يَقُول سَمِعت فتحا الْموصِلِي يَقُول صَحِبت ثَلَاثِينَ شَيخا كَانُوا يعدون من الابدال فكلهم أوصوني عِنْد فراقي إيَّاهُم وَقَالُوا لي اتَّقِ معاشرة الاحداث ومخالطتهم وَمن ارْتقى فِي هَذَا الْبَاب عَن حَال الْفسق وَأَشَارَ إِلَى أَن ذَلِك من بلايا الْأَرْوَاح وَأَنه لَا يضر فَمَا قَالُوهُ من وساوس الْقَائِلين

стр. 459

بِالسَّمَاعِ وإيراد حكايات عَن بعض الشُّيُوخ كَانَ الأولى بهم إسبال السّتْر على هناتهم وآفاتهم فَذَلِك نَظِير الشّرك وقرين الْكفْر فليحذر المريد من مجالسة الْأَحْدَاث ومخالطتهم فَإِن الْيَسِير مِنْهُ فتح بَاب الخذلان وبدء حَال الهجران ونعوذ بِاللَّه من قَضَاء السوء وَهنا أصل عَظِيم نَافِع يجب اعْتِبَاره وَهُوَ ان الْأُمُور المذمومة فِي الشَّرِيعَة كَمَا ذَكرْنَاهُ هُوَ مَا ترجح فَسَاده على صَلَاحه كَمَا أَن الْأُمُور المحمودة مَا ترجح صَلَاحه على فَسَاده فالحسنات تغلب فِيهَا الْمصَالح والسيئات تغلب فِيهَا الْمَفَاسِد والحسنات دَرَجَات بَعْضهَا فَوق بعض والسيئات بَعْضهَا أكبر من بعض فَكَمَا أَن أهل الْحَسَنَات ينقسمون إِلَى الْأَبْرَار الْمُقْتَصِدِينَ والسابقين المقربين فَأهل السَّيِّئَات ينقسمون إِلَى الْفجار الظَّالِمين وَالْكفَّار المكذبين وكل من هَؤُلَاءِ هم دَرَجَات عِنْد الله وَمن الْمَعْلُوم أَن الْحَسَنَات كلما كَانَت أعظم كَانَ صَاحبهَا أفضل فَإِذا انْتقل الرجل من حَسَنَة إِلَى أحسن مِنْهَا كَانَ فِي مزِيد التَّقْرِيب وَإِن

стр. 460

انْتقل إِلَى مَا هُوَ دونهَا كَانَ فِي التَّأَخُّر وَالرُّجُوع وَكَذَلِكَ السَّيِّئَات كلما كَانَت أعظم كَانَ صَاحبهَا أولى بِالْغَضَبِ واللعنة وَالْعِقَاب وَقد وَقَالَ تَعَالَى لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ غير اولي الضَّرَر وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل الله بأمولهم وأنفسهم فضل الله الْمُجَاهدين بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم على القاعدين دَرَجَة [سُورَة النِّسَاء ٩٥] وَقَالَ ﴿أجعلتم سِقَايَة الْحَاج وَعمارَة الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ إِلَى قَوْله ﴿الَّذين آمنُوا وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا فِي سَبِيل الله بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم أعظم دَرَجَة عِنْد الله وَأُولَئِكَ هم الفائزون﴾ [سُورَة التَّوْبَة ١٩ ٢٠] وَقَالَ لَا يَسْتَوِي مِنْكُم من أنْفق من قبل الْفَتْح وَقَاتل [سُورَة الْحَدِيد ١٠] وَقَالَ يرفع الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَالَّذين أُوتُوا الْعلم دَرَجَات [سُورَة المجادلة ١١] وَكَذَلِكَ قَالَ فِي السَّيِّئَات إِنَّمَا النسئ زِيَادَة فِي الْكفْر [سُورَة التَّوْبَة ٣٧] وَقَالَ زدناهم عذَابا فَوق الْعَذَاب [سُورَة النَّحْل ٨٨] وَقَالَ وَأما الَّذين فِي قُلُوبهم مرض فزادتهم رجسا إِلَى رجسهم [سُورَة التَّوْبَة ١٢٥] وَقَالَ فِي قُلُوبهم مرض فَزَادَهُم الله مَرضا [سُورَة الْبَقَرَة ١٠]

стр. 461

وَقَالَ وننزل من الْقُرْآن مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَة للْمُؤْمِنين وَلَا يزِيد الظَّالِمين إِلَّا خسارا [سُورَة الْإِسْرَاء ٨٢] وَمَعْلُوم أَن التَّوْبَة هِيَ جماع الرُّجُوع من السَّيِّئَات إِلَى الْحَسَنَات وَلِهَذَا لَا يحبط جَمِيع السَّيِّئَات إِلَّا التَّوْبَة وَالرِّدَّة هِيَ جماع الرُّجُوع من الْحَسَنَات إِلَى السَّيِّئَات وَلِهَذَا لَا يحبط جَمِيع الْحَسَنَات إِلَّا الرِّدَّة عَن الْإِيمَان وَكَذَلِكَ مَا ذَكرْنَاهُ فِي تفَاوت السَّيِّئَات هُوَ فِي الْكفْر وَالْفِسْق والعصيان فالكفار بَعضهم دون بعض وَلِهَذَا يذكر الْفُقَهَاء فِي بَاب الرِّدَّة وَالْإِسْلَام انْتِقَال الرجل كَأحد الزَّوْجَيْنِ من دين إِلَى دين آخر انْتِقَال إِلَى دين خير من دينه أَو دون دينه أَو مثل دينه فَيَقُولُونَ إِذا صَار الْكِتَابِيّ مجوسيا أَو مُشْركًا فقد انْتقل إِلَى شَرّ من دينه وَإِذا صَار الْمُشرك أَو الْمَجُوسِيّ كتابيا فقد انْتقل إِلَى خير من دينه وَإِذا تهود النَّصْرَانِي أَو بِالْعَكْسِ فقد انْتقل إِلَى نَظِير دينه والتمجس يقر عَلَيْهِ بالِاتِّفَاقِ وَأما الْإِشْرَاك فَلَا يقر عَلَيْهِ إِلَّا بعض النَّاس عِنْد بعض الْعلمَاء والصابئة نَوْعَانِ عِنْد الْمُحَقِّقين وعَلى قَوْلَيْنِ عِنْد آخَرين وَمَعْرِفَة مَرَاتِب الْأَدْيَان مُحْتَاج إِلَيْهَا فِي مَوَاضِع كَثِيرَة لمعْرِفَة مَرَاتِب الْحَسَنَات وَالْفُقَهَاء يذكرُونَ ذَلِك لأجل معرفَة أحكامهم وتناكحهم وذبائحهم وَفِي دِمَائِهِمْ وقتالهم وإقرارهم بالجزية المضروبة عَلَيْهِم وَنَحْو ذَلِك من الْأَحْكَام الَّتِي جَاءَ بهَا الْكتاب وَالسّنة فِي أهل الْملَل والأحزاب

стр. 462

الَّذين قَالَ الله فيهم وَمن يكفر بِهِ من الْأَحْزَاب فَالنَّار موعده [سُورَة هود ١٧] وَقد قَالَ الله تَعَالَى لنَبيه فَلذَلِك فآدع واستقم كَمَا أمرت وَلَا تتبع أهواءهم وَقل آمَنت بِمَا أنزل الله من كتاب وَأمرت لأعدل بَيْنكُم [سُورَة الشورى ١٥] وَالْعدْل وضع كل شئ فِي مَوْضِعه كَمَا أَن الظُّلم وضع الشئ فِي غير مَوْضِعه وَلِهَذَا لما اقْتتلَتْ فَارس الْمَجُوس وَالروم النَّصَارَى وَكَانَ النَّبِي ﷺ بِمَكَّة إِذْ ذَاك وَهُوَ فِي طَائِفَة قَليلَة مِمَّن آمن بِهِ كَانَ هُوَ وَأَصْحَابه يحبونَ أَن تغلب الرّوم لأَنهم أهل كتاب وَكَانَ الْمُشْركُونَ يحبونَ أَن تغلب فَارس لأَنهم من جنسهم لَيْسُوا أهل كتاب فَأنْزل الله فِي ذَلِك آلم غلبت الرّوم فِي أدنى الأَرْض [سُورَة الرّوم ١٢] والقصة مَشْهُورَة فِي كتب الحَدِيث وَالتَّفْسِير والمغازي وَإِذا كَانَ كَذَلِك فقد يكون الرجل على طَريقَة من الشَّرّ عَظِيمَة فَينْتَقل إِلَى مَا هُوَ أقل مِنْهَا شرا وَأقرب إِلَى الْخَيْر فَيكون حمد تِلْكَ الطَّرِيقَة ومدحها لكَونهَا طَريقَة الْخَيْر الممدوحة مِثَال ذَلِك أَن الظُّلم كُله حرَام مَذْمُوم فأعلاه الشّرك فَإِن الشّرك لظلم عَظِيم وَالله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وأوسطه ظلم الْعباد بالبغي والعدوان وَأَدْنَاهُ ظلم العَبْد نَفسه فِيمَا بَينه وَبَين الله فَإِذا كَانَ الرجل مُشْركًا كَافِرًا فَأسلم بَاطِنا وظاهرا بِحَيْثُ

стр. 463

صَار مُؤمنا وَهُوَ مَعَ إِسْلَامه يظلم النَّاس وَيظْلم نَفسه فَهُوَ خير من أَن يبْقى على كفره وَلَو كَانَ تَارِكًا لذَلِك الظُّلم واما إِذا أسلم فَقَط وَهُوَ مُنَافِق فِي الْبَاطِن فَهَذَا فِي الْآخِرَة فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار وَأما فِي الدُّنْيَا فقد يكون أضرّ على الْمُسلمين مِنْهُ لَو بقى على كفره وَقد لَا يكون كَذَلِك فَإِن إِضْرَار الْمُنَافِقين بِالْمُؤْمِنِينَ يخْتَلف بآختلاف الْأَحْوَال لَكِن إِذا أسلم نفَاقًا فقد يُرْجَى لَهُ حسن الْإِسْلَام فَيصير مُؤمنا كمن أسلم تَحت السَّيْف وَكَذَلِكَ من أسلم لرغبة أَو لرهبة أَو نَحْو ذَلِك فالإسلام وَالْإِيمَان أصل كل خير وَجَمَاعَة وَكَذَلِكَ من كَانَ ظَالِما للنَّاس فِي نُفُوسهم واموالهم وأعراضهم فانتقل عَن ذَلِك الى مَا يظلم بِهِ نَفسه خَاصَّة من خمر وزنا فَهَذَا أخف لأثمة وَأَقل لعذابه وَهَكَذَا النَّحْل الَّتِي فِيهَا بِدعَة قد يكون الرجل رَافِضِيًّا فَيصير زيديا فَلذَلِك خير لَهُ وَقد يكون جهميا غير قدري أَو قدريا غير جهمي أَو يكون من الْجَهْمِية الْكِبَار فيتجهم فِي بعض الصِّفَات دون بعض وَنَحْو ذَلِك فَهَؤُلَاءِ المتفسلفة وَنَحْوهم مِمَّن مدح الْعِشْق والغناء وَنَحْو ذَلِك وجعلوه مِمَّا يستعينون بِهِ على رياضة أنفسهم وتهذيبها وصلاحها

стр. 464

من هَذَا الْبَاب فَإِن هَؤُلَاءِ فِي طريقهم من الشّرك والضلال مَا لَا يُحْصِيه إِلَّا ذُو الْجلَال فَإِن المتفلسفة قد يعْبدُونَ الْأَوْثَان وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَنَحْو ذَلِك فَإِذا صَار أحدهم يروض نَفسه بالعشق لعبادة الله وَحده أَو رياضة مُطلقَة لَا يعبد فِيهَا غير الله كَانَ ذَلِك خيرا لَهُ من أَن يعبد غير الله وَكَذَلِكَ الاتحادية الَّذين يجْعَلُونَ الله هُوَ الْوُجُود الْمُطلق أَو يَقُولُونَ إِنَّه يحل فِي الصُّور الجميلة مَتى تَابَ الرجل مِنْهُم من هَذَا وَصَارَ يسكن نَفسه بعشق بعض الصُّور وَهُوَ لَا يعبد إِلَّا الله وَحده كَانَت هَذِه الْحَال خيرا من تِلْكَ الْحَال فَهَذِهِ الذُّنُوب مَعَ صِحَة التَّوْحِيد خير من فَسَاد التَّوْحِيد مَعَ عدم هَذِه الذُّنُوب وَلِهَذَا نجد النَّاس يفضلون من كَانَ من الْمُلُوك وَنَحْوهم إِنَّمَا يظلم نَفسه بِشرب الْخمر وَالزِّنَا أَو الْفَوَاحِش ويتجنب ظلم الرّعية ويتحرى الْعدْل فيهم على من كَانَ يتَجَنَّب الْفَوَاحِش وَالْخمر وَالزِّنَا وينتصب لظلم النَّاس فِي نُفُوسهم وَأَمْوَالهمْ وأعراضهم وَهَؤُلَاء الظَّالِمُونَ قد يجْعَلُونَ الظُّلم دينا يَتَقَرَّبُون بِهِ بجهلهم كَمَا أَن أُولَئِكَ الظَّالِمين لأَنْفُسِهِمْ قد يجْعَلُونَ ذَلِك بجهلهم دينا يَتَقَرَّبُون بِهِ فالشيطان قد زين لكثير من هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء سوء عَمَلهم فرأوه حسنا لَكِن كثير من النَّاس يجمعُونَ بَين هَذَا وَهَذَا فَإِن من عُقُوبَة السَّيئَة

стр. 465

السَّيئَة بعْدهَا وَمن ثَوَاب الْحَسَنَة الْحَسَنَة بعْدهَا والحسنات والسيئات قد تتلازم وَيَدْعُو بَعْضهَا إِلَى بعض كَمَا فِي الصَّحِيح عَن عبد الله بن مَسْعُود عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ عَلَيْكُم بِالصّدقِ فَإِن الصدْق يهدي إِلَى الْبر وَالْبر يهدي إِلَى الْجنَّة وَلَا يزَال الرجل يصدق ويتحرى الصدْق حَتَّى يكْتب عِنْد الله صديقا وَإِيَّاكُم وَالْكذب فَإِن الْكَذِب يهدي إِلَى الْفُجُور والفجور يهدي إِلَى النَّار وَلَا يزَال العَبْد يكذب ويتحرى الْكَذِب حَتَّى يكْتب عِنْد الله كذابا فالصدق مِفْتَاح كل خير كَمَا ان الْكَذِب مِفْتَاح كل شَرّ وَلِهَذَا يَقُولُونَ عَن بعض الْمَشَايِخ إِنَّه قَالَ لبَعض من استتابه من أَصْحَابه أَنا لَا أوصيك إِلَّا بِالصّدقِ فتأملوا فوجدوا الصدْق يَدعُوهُ إِلَى كل خير وَلِهَذَا فرق الله سُبْحَانَهُ بَين أهل السَّعَادَة وَأهل الشقاوة بذلك فَقَالَ فَمن أظلم مِمَّن كذب على الله وَكذب بِالصّدقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّم مثوى للْكَافِرِينَ وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ وَصدق بِهِ أُولَئِكَ هم المتقون لَهُم مَا يشاؤون عِنْد رَبهم ذَلِك جَزَاء الْمُحْسِنِينَ ليكفر الله

стр. 466

عَنْهُم أَسْوَأ الَّذِي عمِلُوا ويجزيهم أجرهم بِأَحْسَن الَّذِي كَانُوا يعْملُونَ [سُورَة الزمر ٣٢ ٣٥] وترتيب الْكَبَائِر ثَابت فِي الْكتاب وَالسّنة كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ قلت يَا رَسُول أَي الذَّنب أعظم قَالَ أَن تجْعَل الله ندا وَهُوَ خلقك قلت ثمَّ أَي قَالَ أَن تقتل ولدك خشيَة أَن يطعم مَعَك قلت ثمَّ أَي قَالَ أَن تُزَانِي بحليلة جَارك وتصديق ذَلِك فِي كتاب الله وَالَّذين لَا يدعونَ مَعَ الله إِلَهًا آخر وَلَا يقتلُون النَّفس الَّتِي حرم الله بِالْحَقِّ وَلَا يزنون [الْفرْقَان ٦٨] وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاء أكبر الْكَبَائِر الْكفْر ثمَّ قتل النَّفس بِغَيْر حق ثمَّ الزِّنَا لَكِن النَّبِي ﷺ ذكر لِابْنِ مَسْعُود من جنس أَعلَى فأعلى الْكفْر هُوَ أَن تجْعَل الله ندا بِخِلَاف الْكِتَابِيّ الَّذِي لَيْسَ بمشرك فَإِنَّهُ دون ذَلِك وَأعظم الْقَتْل ولدك وَأعظم الزِّنَا الزِّنَا بحليلة الْجَار

стр. 467

وَهَذَا كَمَا ذكرنَا أَن الظُّلم ثَلَاث مَرَاتِب الشّرك ثمَّ الظُّلم لِلْخلقِ ثمَّ ظلم النَّفس فالقتل من ظلم الْخلق فَإِذا كَانَ قتلا للْوَلَد الَّذِي هُوَ بعضه مِنْك كَانَ فِيهِ الظلمان وَالزِّنَا هُوَ من ظلم النَّفس لَكِن إِذا كَانَ بحليلة الْجَار صَار فِيهِ الظلمان أَيْضا لَكِن الْمُغَلب فِي الْقَتْل ظلم الْغَيْر وَالظُّلم فِي الزِّنَا ظلم النَّفس وَلِهَذَا كَانَ الْقود حَقًا للآدمي إِن شَاءَ اسْتَوْفَاهُ وَإِن شَاءَ عَفا عَنهُ وَكَانَ حد الزِّنَا حدا لله لَيْسَ لآدَمِيّ فِيهِ حق معِين لَكِن قد يقْتَرن بِبَعْض انواع الزِّنَا وَيَقْتَضِي أمورا تضر النَّاس يكون بهَا أعظم من قتل لَا يضر بِهِ إِلَّا الْمَقْتُول فَقَط وَأَيْضًا فَقتل النَّفس يدْخل فِيهِ من التَّأْوِيل مَا لَيْسَ يدْخل فِي الزِّنَا فَإِن حَلَاله بَين من حرَامه بِخِلَاف الْقَتْل فَإِن فِيهِ مَا يظْهر تَحْرِيمه وَفِيه مَا يظْهر وُجُوبه أَو اسْتِحْبَابه أَو حلّه وَفِيه مَا يشْتَبه وَلِهَذَا جعل الله فِيهِ شَيْئا وَلم يَجْعَل ذَلِك فِي الزِّنَا بقوله وَلَا يقتلُون النَّفس الْآيَة [سُورَة الْفرْقَان ٦٨]

стр. 468

فِي الْغيرَة وانواعها وَمَا فِيهَا من مَحْمُود ومذموم فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عبد الله بن مَسْعُود عَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَا اُحْدُ اغير من الله من اجل ذَلِك حرم الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَمَا اُحْدُ احب اليه الْمَدْح من الله وَلذَلِك مدح نَفسه وَفِي رِوَايَة لمُسلم وَلَيْسَ اُحْدُ احب اليه الْعذر من الله من اجل ذَلِك انْزِلْ الْكتاب وارسل الرُّسُل جمع النَّبِي ﷺ فِي هَذَا الحَدِيث بَين وَصفَة سُبْحَانَهُ بأكمل الْمحبَّة للممادح واكمل البغض للمحارم وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة قَالَ قَالَ سعد بن عبَادَة لَو رَأَيْت رجلا مَعَ امْرَأَتي لأضربنه بِالسَّيْفِ غير مصفح فَبلغ ذَلِك رَسُول الله ﷺ فَقَالَ تعْجبُونَ من غيرَة سعد

стр. 469

وَالله لأَنا اغير مِنْهُ وَالله اغير منى وَمن اجل غيرَة الله حرم الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَلَا اُحْدُ احب اليه الْعذر من الله من اجل ذَلِك بعث الْمُنْذرين والمبشرين وَلَا اُحْدُ احب اليه المدحة من الله من اجل ذَلِك وعد الله الْجنَّة وَقَالَ البُخَارِيّ وَقَالَ عبيد الله بن عَمْرو عَن عبد الْملك لَا شخص اغير من الله وَترْجم البُخَارِيّ على ذَلِك بَاب وَفِي الصَّحِيح عَن ابي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ انه قَالَ ان الله يغار وَغَيره الله ان يَأْتِي الْمُؤمن مَا حرم عَلَيْهِ وَفِي الصَّحِيح عَن اسماء انها سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لَا شَيْء اغير من الله وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة ان النَّبِي ﷺ قَالَ يَا

стр. 470

امة مُحَمَّد مَا اُحْدُ اغير من اله ان يَزْنِي عَبده اَوْ تَزني امته وَفِي السّنَن عَن النَّبِي ﷺ انه قَالَ ان من الْغيرَة مَا يُحِبهَا الله وَمن الْغيرَة مَا يكرهها فالغيرة الَّتِي يُحِبهَا الله الْغيرَة فِي الرِّيبَة والغيرة الَّتِي يكرهها الله الْغيرَة فِي غير رِيبَة وان من الْخُيَلَاء مَا يُحِبهَا الله وَمن الْخُيَلَاء مَا يبغضها الله فالخيلاء الَّتِي يُحِبهَا اختيال الرجل نَفسه عِنْد الْحَرْب وَعند الصَّدَقَة وَالْخُيَلَاء الَّتِي يبغضها الله اختيال الرجل فِي الْبَغي وَالْفَخْر وَقد ثَبت فِي الصِّحَاح ان النَّبِي ﷺ قَالَ لعمر دخلت الْجنَّة فَرَأَيْت امْرَأَة تتوضأ الى جَانب قصر فَقلت لمن هَذَا فَقَالُوا لعمر بن الْخطاب فَأَرَدْت ان ادخله فَذكرت غيرتك فَقَالَ

стр. 471

عمر بن الْخطاب يَا رَسُول الله بِأبي وامي اَوْ عَلَيْك اغار وَكَذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيث اسماء لما كَانَت تنقل النَّوَى للزبير قَالَت فَلَقِيت رَسُول الله ﷺ وَمَعَهُ نفر من الانصار فدعاني ثمَّ قَالَ إخ إخ ليحملني خَلفه فَاسْتَحْيَيْت ان اسير مَعَ الرِّجَال وَذكرت الزبير وغيرته وَكَانَ اغير النَّاس فَعرف رَسُول الله ﷺ اني قد استحييت فَمضى فَجئْت الزبير فَقلت لَقِيَنِي رَسُول الله ﷺ وعَلى رَأْسِي النَّوَى وَمَعَهُ نفر من اصحابه فَأَنَاخَ لأركب فَاسْتَحْيَيْت مِنْهُ وَذكرت غيرتك فَقَالَ وَالله لحملك النَّوَى كَانَ اشد على من ركوبك مَعَه قَالَت حَتَّى ارسل الى ابي ابو بكر بعد ذَلِك بخادم تكفيني سياسة الْفرس فَكَأَنَّمَا اعتقني فقد اخبر النَّبِي ﷺ لَا اُحْدُ اغير من الله وَقَالَ غيرَة الله ان يَأْتِي الْمُؤمن مَا حرم عَلَيْهِ وَهَذَا يعم جَمِيع الْمُحرمَات

стр. 472

وَقَالَ وَمن اجل غيرَة الله حرم الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن فَهَذَا تَخْصِيص لغيرته من الْفَوَاحِش وَكَذَلِكَ فِي حَدِيث عَائِشَة لَا اُحْدُ اغير من الله ان يَزْنِي عَبده اَوْ تَزني امته فَهَذِهِ الْغيرَة من الْفَوَاحِش وَكَذَلِكَ عَامَّة مَا يُطلق من الْغيرَة انما هُوَ من جنس الْفَوَاحِش وَبَين النَّبِي ﷺ انه اغير من غَيره من الْمُؤمنِينَ وان الْمُؤمن يغار وَالله يحب الْغيرَة وَذَلِكَ فِي الرِّيبَة وَمن لَا يغار فَهُوَ ديوث وَقد جَاءَ فِي الحَدِيث لَا يدْخل الْجنَّة ديوث فالغيرة المحبوبة هِيَ مَا وَافَقت غيرَة الله تَعَالَى وَهَذِه الْغيرَة هِيَ ان تنتهك محارم الله وَهِي ان تُؤْتى الْفَوَاحِش الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة لَكِن غيرَة العَبْد الْخَاصَّة هِيَ من ان يشركهُ الْغَيْر فِي اهله فغيرته من فَاحِشَة اهله لَيست كغيرته من زنا الْغَيْر لِأَن هَذَا يتَعَلَّق بِهِ وَذَاكَ لَا يتَعَلَّق بِهِ الا من جِهَة بغضه لمبغضة الله وَلِهَذَا كَانَت الْغيرَة الْوَاجِبَة عَلَيْهِ هِيَ فِي غيرته على اهله واعظم ذَلِك امْرَأَته ثمَّ اقاربه وَمن هُوَ تَحت طَاعَته وَلِهَذَا كَانَ لَهُ اذا زنت ان يلاعنها لما عَلَيْهِ فِي ذَلِك من الضَّرَر بِخِلَاف مَا اذا زنا غير امْرَأَته وَلِهَذَا

стр. 473

يحد قَاذف الامرأة الَّتِي لم يكمل عقلهَا ودينها اذا كَانَ زَوجهَا مُحصنا فِي اُحْدُ الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ احدى الرِّوَايَتَيْنِ عَن احْمَد فالغيرة الْوَاجِبَة مَا يتضمنه النَّهْي عَن المخزي والغيرة المستحبة مَا اوجبت الْمُسْتَحبّ من الصيانة واما الْغيرَة فِي غير رِيبَة وَهِي الْغيرَة فِي مُبَاح لَا رِيبَة فِيهِ فَهِيَ مِمَّا لَا يُحِبهُ الله بل ينْهَى عَنهُ اذا كَانَ فِيهِ ترك مَا امْر الله وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ لَا تمنعوا اماء الله مَسَاجِد الله وبيوتهن خير لَهُنَّ واما غيرَة النِّسَاء بَعضهنَّ من بعض فَتلك لَيْسَ مَأْمُورا بهَا لَكِنَّهَا من امور الطباع كالحزن على المصائب وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ انه قَالَ كلوا غارت امكم لما كسرت الْقَصعَة وَقَالَت عَائِشَة اَوْ لَا يغار مثلى على مثلك وَقَالَت مَا غرت على امْرَأَة مَا غرت على خَدِيجَة

стр. 474

وَعَن فَاطِمَة انها قَالَت للنَّبِي ﷺ ان النَّاس يَقُولُونَ انك لَا تغار لبناتك لما اراد على ان يتَزَوَّج بنت ابي جهل وخطب النَّبِي ﷺ وَذكر صهرا لَهُ من ابي الْعَاصِ وَقَالَ حَدثنِي فصدقني ووعدني فوفاني وَقَالَ ان بني الْعَاصِ استأذنوني فِي ان يزوجوا بنتهم عليا واني لَا آذن ثمَّ لَا آذن الا ان يُرِيد ابْن ابي طَالب ان يُطلق ابْنَتي ويتزوج ابنتهم وَالله لَا تَجْتَمِع بنت رَسُول الله وَبنت عَدو الله عِنْد رجل ابدا فَهَذِهِ الْغيرَة الَّتِي جَاءَت بهَا سنة رَسُول الله ﷺ وغيرة الله أَن يَأْتِي العَبْد مَا حرم عَلَيْهِ وغيرته ان يَزْنِي عَبده اَوْ تَزني امته وغيرة الْمُؤمن ان يفعل ذَلِك عُمُوما وخصوصا فِي حَقه والغيرة الَّتِي يُحِبهَا الله الْغيرَة فِي رِيبَة والغيرة الَّتِي يبغضها الله الْغيرَة الَّتِي فِي غير ربية وَهنا انقسم بَنو آدم اربعة اقسام قوم لَا يغارون على حرمات الله بِحَال وَلَا على حرمهَا مثل الديوث والقواد وَغير ذَلِك وَمثل اهل الاباحة الَّذين لَا يحرمُونَ مَا

стр. 475

حرم الله وَرَسُوله وَلَا يدينون دين الْحق وَمِنْهُم من يَجْعَل ذَلِك سوكا وطريقا واذا فعلوا فَاحِشَة قَالُوا وجدنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَالله امرنا بهَا قل ان الله لَا يَأْمر بالفحشاء سُورَة الاعراف ٢٨ وَقوم يغارون على مَا حرمه الله وعَلى مَا امْر بِهِ مِمَّا هُوَ من نوع الْحبّ والكره يجْعَلُونَ ذَلِك غيرَة فَيكْرَه احدهم من غَيره امورا يُحِبهَا الله وَرَسُوله وَمِنْهُم من جعل ذَلِك طَرِيقا ودينا ويجعلون الْحَسَد والصد عَن سَبِيل الله وبغض مَا احبه الله وَرَسُوله غيرَة وَقوم يغارون على مَا امْر الله بِهِ دون مَا حرمه فنراهم فِي الْفَوَاحِش لَا يبغضونها وَلَا يكرهونها بل يبغضون الصَّلَوَات والعبادات كَمَا قَالَ تَعَالَى فيهم فخلف من بعدهمْ خلف أضاعوا الصَّلَاة وَاتبعُوا الشَّهَوَات فَسَوف يلقون غيا سُورَة مَرْيَم ٥٩ وَقوم يغارون مِمَّا يكرههُ الله وَيُحِبُّونَ مَا يُحِبهُ الله هؤلا هم اهل الايمان فصل وَمن اسباب ذَلِك مَا وَقع من الاشراك فِي لفظ الْغيرَة فِي كَلَام الْمَشَايِخ اهل الطَّرِيق فَإِنَّهُم تكلمُوا فِيهَا بمعاني بَعْضهَا مُوَافق لعرف الشَّارِع وَبَعضهَا لَيْسَ كَذَلِك وبضعهم حمد مِنْهَا مَا حَمده الشَّارِع وَبَعْضهمْ حمد مِنْهَا مَا لم يحمده الشَّارِع بل ذمه

стр. 476

وَقد تقدم ان الْغيرَة الَّتِي وصف الله بهَا نَفسه اما خَاصَّة وَهُوَ ان يَأْتِي الْمُؤمن مَا حرم عَلَيْهِ واما عَامَّة وَهِي غيرته من الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن واما الْغيرَة فِي اصْطِلَاح طَائِفَة من اهل الطَّرِيق فَقَالَ ابو الْقَاسِم الْقشيرِي الْغيرَة كَرَاهَة مُشَاركَة الْغَيْر واذا وصف الْحق بالغيرة فَمَعْنَاه انه لَا يرضى بمشاركة الْغَيْر مَعَه فِيمَا هُوَ حق لَهُ تَعَالَى من طَاعَة عَبده لَهُ فَقَوله الْغيرَة كَرَاهَة مُشَاركَة الْغَيْر اشار بِلَفْظ الْغَيْر الى اشتقاق لفظ الْغيرَة وَهَذَا اقْربْ فَإِن الْغيرَة اما من تغير الغائر واما من مزاحمه الْغَيْر لَكِن قَوْله كَرَاهَة مُشَاركَة الْغَيْر هُوَ اصْطِلَاح خَاص لَيْسَ بمطابق لاصطلاح الشَّارِع بل هُوَ اعم مِنْهُ من وَجه واخص مِنْهُ من وَجه اما كَونه اعم فَإِنَّهُ يدْخل فِيهِ مُشَاركَة الْغَيْر الْمُبَاحَة كالمشاركة فِي الاموال والعبادات والطاعات وَهَذِه لَيست غيرَة مَأْمُورا بهَا بل بَعْضهَا محرم وَهُوَ حسد وَيدخل فِيهَا الْمُشَاركَة فِي الْبضْع والغيرة على ذَلِك غيرَة مَشْرُوعَة

стр. 477

وَأما كَونه اخص فانه يخرج مِنْهُ الْغيرَة الَّتِي لَا يُشَارِكهُ فِيهَا مثل غيرَة الْمُؤمن ان يَزْنِي اقاربه اَوْ غيرته ان تنتهك محارم الله فَإِن الله يغار من ذَلِك وَالْمُؤمن مُوَافق لرَبه فيحب مَا احب وَيكرهُ مَا كره وَلِهَذَا وصف غيرَة الله بِمَا يُوَافق اصطلاحة فَقَالَ غيرَة الله انه لَا يرضى بمشاركة الْغَيْر مَعَه فِيمَا هُوَ حق لَهُ من طَاعَة عَبده وَهَذِه الْغيرَة اعم مِمَّا ذكره النَّبِي ﷺ من وَجه وابعد عَن مَقْصُود الْغيرَة الَّتِي ذكرهَا النَّبِي ﷺ من غيرَة الْحق سُبْحَانَهُ فقد فسر غيرته ان يَأْتِي الْمُؤمن مَا حرم عَلَيْهِ وَبِأَن يَزْنِي عَبده اَوْ تَزني امته وَقَالَ من اجل غيرته حرم الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن فَجعل الغبرة مُطلقَة مُتَعَلقَة بِفعل الْمُحرمَات وَجعل عظمها وسلطانها فِي اتيان الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَمن جعلهَا لنفي الْمُشَاركَة فِي حَقه كَانَ دُخُول الشّرك فِي الله فِي بَاب الْغيرَة عِنْده اولى من دُخُول الْفَوَاحِش وَكَانَ اسْتِعْمَال لفظ الْغيرَة فِي الشّرك اولى من اسْتِعْمَال لفظ الْغيرَة فِي الزِّنَا وايضا اذا جعلناها لنفي الْمُشَاركَة فِيمَا هُوَ حق لَهُ من طَاعَة عَبده فقد يدْخل فِي ذَلِك مَا يَفْعَله العَبْد من الْمُبَاحَات على غير وَجه التَّقَرُّب فان هَذَا لم يَفْعَله لله وَمَعَ هَذَا فَلَيْسَ من غيرَة الله الَّتِي وصف الرَّسُول بهَا ربه وايضا فالمشاركة فِيمَا هُوَ حق لَهُ فد لَا يدْخل فِيهِ فعل الْفَوَاحِش

стр. 478

والمحرمات اذا لم يقْصد العَبْد بهَا طَاعَة غَيره وان كَانَ مُطيعًا فِيهَا للشَّيْطَان وانما يدْخل فِيهِ مَا فعله من الطَّاعَات لله وَلغيره برا وَنَحْوه وَمَعَ هَذَا فقد يُقَال بل كل مَا كَانَ من ترك وَاجِب اَوْ فعل محرم فَفِيهِ مُشَاركَة الْغَيْر مَعَه مَا يسْتَحقّهُ من طَاعَة عَبده وعَلى هَذَا فَيدْخل كل ذَنْب فِيمَا يغار الله مِنْهُ سَوَاء كَانَ ترك وَاجِب مَا اَوْ فعل محرم وَهَذَا الْمَعْنى حسن مُوَافق للشريعة فَإِن الله يبغض ذَلِك ويمقته فَيكون لفظ الْغيرَة مرادافا للفظ البغض والمقت والسخط لَكِن هُوَ اعم مِمَّا يظْهر فِي عرف الشَّارِع حَيْثُ جعل غيرته ان يَأْتِي الْمُؤمن مَا حرم عَلَيْهِ وَجعل غيرته ان يَزْنِي عَبده اَوْ تَزني امته وَمن غيرته ان حرم الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَهَذِه الْغيرَة اخص من مُطلق البغض الا ان يُقَال ترك للشريعة واما تَسْمِيَته غيرَة فَهُوَ امْر اصطلاحي والنزاع فِيهِ لَفْظِي ثمَّ انه ذكر عَن بعض الْمَشَايِخ مذهبين فِي الْغيرَة احدهما يتَضَمَّن الْغيرَة مِمَّا لَا يغار الله مِنْهُ بل يُحِبهُ وَالثَّانِي يتَضَمَّن ترك الْغيرَة مِمَّا يغار الله مِنْهُ وَيُحب الْغيرَة مِنْهُ وَيَأْمُر ذَلِك

стр. 479

وَكِلَاهُمَا مَذْهَب مَذْمُوم مُتَضَمّن اما لترك مَأْمُور يُحِبهُ الله اَوْ لفعل مَكْرُوه يكرههُ الله وَذكر من كَلَامه وَكَلَام الْمَشَايِخ مَا هُوَ حسن مَقْبُول فَاشْتَمَلَ كَلَامه فِي الْغيرَة على الاقسام الثَّلَاثَة فالاول من الْغيرَة كَرَاهَة تَوْبَة العاصين وَعبادَة الْمُقَصِّرِينَ كَمَا ذكر عَن الشبلى انه سُئِلَ مَتى يستريح قَالَ اذا لم ار لَهُ ذَاكِرًا وَقَالَ حكى ان الشبلي مَاتَ ابْن لَهُ كَانَ اسْمه ابو الْحسن فحزنت امهِ عَلَيْهِ وَقطعت شعرهَا وَدخل الشبلي الْحمام وتنور بلحيته فَكل من اتاه معزيا لَهُ قَالَ ايش هَذَا يَا ابا بكر فَكَانَ يَقُول مُوَافقَة لأهلي فَقَالَ لَهُ بَعضهم اخبرني يَا ابا بكر لم فعلت هَذَا قَالَ علمت انهم يعزونني على الْغَفْلَة وَيَقُولُونَ آجرك الله تَعَالَى ففديت ذكرهم لله تَعَالَى

стр. 480

على الْغَفْلَة بلحيتي قَالَ واذن الشبلي مرّة فَلَمَّا انْتهى الى الشَّهَادَتَيْنِ قَالَ لَوْلَا انك امرتني مَا ذكرت مَعَك غَيْرك قَالَ وَسمع النورى رجلا يُؤذن فَقَالَ طعنة وسم الْمَوْت وَسمع كَلْبا ينبح فَقَالَ لبيْك وَسَعْديك فَقيل لَهُ ان هَذَا ترك للدّين فَإِنَّهُ يَقُول للمؤذن فِي تشهده طعنة وسم الْمَوْت ويلبي عِنْد نباح الْكلاب فَسئلَ عَن ذَلِك فَقَالَ اما الْمُؤَذّن فانه يذكرهُ على رَأس الْغَفْلَة واما الْكَلْب فَإِن الله يَقُول وان من شَيْء الا يسبح بِحَمْدِهِ سُورَة الاسراء ٤٤ وَمثل هَذَا الْكَلِمَات والحكايات لَا تصلح ان تذكر للاقتداء اَوْ سلوك سَبِيل وَطَرِيقَة لما فِيهَا من مُخَالفَة امْر الله وَرَسُوله وَالَّذِي يصدر عَنهُ امثال هَذِه الامور ان كَانَ مَعْذُورًا بقصور فِي اجْتِهَاده اَوْ

стр. 481

غيبَة فِي عقله فَلَيْسَ من اتبعهُ بمعذور مَعَ وضوح الْحق والسبيل وان كَانَت سيئتة مغفورة لما اقْترن بهَا من حسن قصد وَعمل صَالح فَيجب بَيَان الْمَحْمُود والمذموم لِئَلَّا يكون لبسا للحق بِالْبَاطِلِ وابو الْحُسَيْن النوري وابو بكر الشبلي رَحْمَة الله عَلَيْهِمَا كَانَا معروفين بتغيير الْعقل فِي بعض الاوقات حَتَّى ذهب الشبلي الى المارستان مرَّتَيْنِ والنوري ﵀ كَانَ فِيهِ وَله وَقد مَاتَ بأجمة قصب لما غَلبه الوجد حَتَّى ازال عقله وَمن هَذِه حَاله لَا يصلح ان يتبع فِي حَال لَا يُوَافق امْر الله وَرَسُوله وان كَانَ صَاحبهَا مَعْذُورًا اَوْ مغفورا لَهُ وان كَانَ لَهُ من الايمان وَالصَّلَاح والصدق والمقامات المحمودة مَا هُوَ من اعظم الامور فَلَيْسَ هُوَ فِي ذَلِك بأعظم من السَّابِقين الاولين من الْمُهَاجِرين والانصار وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ باحسان فانهم يتبعُون فِي طَاعَة وَلَا يذكرُونَ الا بالجميل الْحسن وَمَا صدر مِنْهُم من ذَنْب اَوْ تَأْوِيل وَلَيْسَ هُوَ مِمَّا امْر الله بِهِ وَرَسُوله لَا يتبعُون فِيهِ فَهَذَا اصل يحب اتِّبَاعه فحلق اللحيه منهى عَنهُ ومثلة كرهها الله وَرَسُوله والمعزي اَوْ الْمُؤَذّن وان لم يكن مَعَه كَمَال الْحُضُور فَلَا يجوز سبه وذمه على مَا

стр. 482

اظهره من ذكر الله بل يُؤمر بِمَا يكمل ذَلِك من حقائق الْقُلُوب المحمودة وان كَانَ ذَاكِرًا لله بِلِسَانِهِ فأعظم الْمَرَاتِب ذكر الله بِالْقَلْبِ وَاللِّسَان ثمَّ ذكر الله بِالْقَلْبِ ثمَّ ذكر الله بِاللِّسَانِ وَقد رُوِيَ ان الْمَلَائِكَة حضرت محتضرا لم تَجِد لَهُ حَسَنَة الا ان لِسَانه يَتَحَرَّك بِذكر الله فَكَانَ ذَلِك مِمَّا ﵀ بِهِ وَقد قَالَ رجل للنَّبِي ﷺ اوصني فان شرائع الاسلام قد كثرت على فَقَالَ لَا يزَال لسَانك رطبا بِذكر الله وَقَالَ الله تَعَالَى انا مَعَ عَبدِي مَا ذَكرنِي وَالذكر يكون بِلِسَان الانسان وَلَكِن يكون لِقَلْبِهِ من ذَلِك نصيب اذ الاعضاء لَا تتحرك الا بارادة الْقلب لَكِن قد تكون الْغَفْلَة غالبة عَلَيْهِ وَذَلِكَ الْكَلَام خير من الْعَدَم وَالله يُحِبهُ وَيَأْمُر بِهِ

стр. 483

وَكَانَ النَّبِي ﷺ وَسلم اذا سمع الْمُؤَذّن لَا يَغْزُو الا اغار وَكثير من المؤذنين لَا يكون كَامِل الْحُضُور بل المُنَافِقُونَ الَّذين يظهرون الايمان بألسنتهم دون قُلُوبهم يقرونَ على ذَلِك فِي الظَّاهِر بِأَمْر الله وَرَسُوله فَكيف بِالْمُؤمنِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ انه قَالَ اذا سَمِعْتُمْ نهاق الْحمير فتعوذوا بِاللَّه من الشَّيْطَان فانها رَأَتْ شَيْطَانا واذا سَمِعْتُمْ صياح الديكة فَسَلُوا الله من فَضله فَإِنَّهَا رَأَتْ ملكا وَفِي سنَن ابي دَاوُد عَن جَابر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ اذا سَمِعْتُمْ نباح الْكلاب ونهيق الْحمر بِاللَّيْلِ فتوذوا بِاللَّه مِنْهُنَّ فَإِنَّهُنَّ يرين مَا لَا ترَوْنَ وَثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنهُ من حَدِيث ابي هُرَيْرَة انه قَالَ اذا اذن الْمُؤَذّن ادبر الشَّيْطَان وَله ضراط لَا يسمع التأذين فَإِذا قصى

стр. 484

التأذين اقبل فاذا ثوب بِالصَّلَاةِ ادبر فَإِذا قضى التثويب اقبل حَتَّى يخْطر بَين الْمَرْء وَنَفسه فَيَقُول اذكر كَذَا اذكر كَذَا لما لم يكن يذكر حَتَّى يضل الرجل لم يدر كم صلى فَإِذا كَانَ التأذين يطرد الشَّيْطَان ونباح الْكلاب يكون عَن رُؤْيَة الشَّيَاطِين كَيفَ يصلح ان يُقَال لهَذَا طعنة وسم الْمَوْت لأجل تَقْصِير هَذَا بغفلة فِي قلبه وَلِهَذَا لبيْك وَسَعْديك لكَون الْكَلْب يسبح بِحَمْدِهِ فَإِن هَذِه حجَّة فَاسِدَة اما ذَلِك الغافل فَإِن اجره ينقص بغفلته كَمَا روى ابو دَاوُد فِي السّنَن عَن عمار عَن النَّبِي ﷺ انه قَالَ ان العَبْد لينصرف من صلَاته وَلم يكْتب لَهُ مِنْهَا الا نصفهَا الا ثلثهَا الا ربعهَا الا خمسها الا سدسها حَتَّى قَالَ الا عشرهَا فَلَا ريب ان الاجر ينقص بالغفلة لَكِن اسْتِحْقَاق الْعقُوبَة نوع آخر واذا اسْتحق الْعقُوبَة لم يجز ان تكون عُقُوبَته مُقَابلَة لما اظهره من الْحَسَنَة

стр. 485

واما نباح الْكَلْب ان كَانَ تسبيحا فصوت الْمُؤَذّن اولى ان يكون تسبيحا فبكل حَال لَا يكون نباح الْكلاب الَّذِي يقْتَرن بِهِ الشَّيْطَان ادنى من ذَلِك من صَوت الْمُؤَذّن الَّذِي هُوَ سَبَب لهروب الشَّيَاطِين فَإِن ذَلِك ان كَانَ لدلالته على الربوبية فصوت الْمُؤَذّن اكمل وان كَانَ لعبادته بِمَا يسْتَحقّهُ الرب من الالهية فصوت الْمُؤَذّن اعظم عبَادَة لله من نباح الْكَلْب فتسبيح كل شَيْء بِحَمْدِهِ يدْخل فِيهِ الْمُؤَذّن بِكُل حَال اعظم مِمَّا يدْخل فِيهِ الْكَلْب فَكيف يدْخل الْكَلْب النابح وَيخرج الْمُؤَذّن لنَوْع من الْغَفْلَة فَهَذَا وَالْكَلب محرم اقتناؤه الا لضَرُورَة من صيد اَوْ حرث اَوْ مَاشِيَة وَمن اقتنى كَلْبا بِغَيْر هَذِه الثَّلَاثَة نقص كل يَوْم من عمله قِيرَاط وتلبية الْكَلْب فِي نباحه امْر مُنكر لَا وَجه لَهُ اصلا فَلَا يتبع اُحْدُ فِي ذَلِك وان كَانَ مَعْذُورًا اَوْ مغفورا لَهُ مشكورا على حَسَنَات غير هَذَا وَكَذَلِكَ الْحِكَايَة عَن الشبلي انه لما انْتهى الى الشَّهَادَتَيْنِ قَالَ لَوْلَا انك امرتني مَا ذكرت مَعَك غَيْرك فان ذكر هَذَا فِي بَاب الْغيرَة مُنكر من القَوْل وزور لَا يصلح الا ان نبين ان هَذَا من الْغيرَة الَّتِي يبغض الله صَاحبهَا بل الْغيرَة من الشَّهَادَة لرسله بالرسالة من الْكفْر وشعبه وَهل يكون موحدا شَاهدا لله بالالهية الا من شهد لرسله بالرسالة وَقد بَينا فِي غير مَوضِع من الْقَوَاعِد وَغَيرهَا ان كل من لم يشْهد برسالة الْمُرْسلين فَإِنَّهُ لَا يكون الا مُشْركًا يَجْعَل مَعَ الله الها اخر وان التَّوْحِيد والنبوة متلازمان وكل من ذكر الله عَنهُ فِي كِتَابه انه مُشْرك فَهُوَ مكذب

стр. 486

للرسل وَمن اخبر عَنهُ انه مكذب للرسل فانه مُشْرك وَلَا تتمّ الشَّهَادَة لله بالالهية الا بِالشَّهَادَةِ لعَبْدِهِ بالرسالة كَمَا جَاءَ مَرْفُوعا فِي قَوْله تَعَالَى ورفعنا لَك ذكرك سُورَة الانشراح ٤ قَالَ لَا اذكر الا ذكرت معي وَلَا تتمّ لامتك خطْبَة وَلَا تشهد حَتَّى يشْهدُوا انك عَبدِي ورسولي وَكَذَلِكَ الْحِكَايَة الَّتِي سَمعتهَا من بعض الْفُقَرَاء عَن ابي الْحسن الخزفاني انه قَالَ لَا اله الا الله من دَاخل الْقلب مُحَمَّد رَسُول

стр. 487

الله من القرط قَالَ ابو الْقَاسِم وَمن ينظر الى ظَاهر هَذَا اللَّفْظ يتَوَهَّم انه استصغر الشَّرْع وَلَا كَمَا يخْطر بالبال اذ الاخطار للأغيار بالإظافة الى قدر الْحق متصاغرة فِي التَّحْقِيق وَهَذِه الْحِكَايَة ايضا من اقبح الْكَلَام وافحشه وَذكر هَذَا فِي بَاب الْغيرَة من انكر الْمُنكر فَإِن هَذَا الْكَلَام لَا يُقَال انه استصغار للشَّرْع بل هُوَ من اكبر شعب النِّفَاق واعظم اركان الْكفْر وَصَاحبه ان لم يغْفر الله لَهُ لحسن قَصده فِي تَعْظِيم الرب كَمَا غفر للَّذي قَالَ اذا انا مت فاحرقوني واسحقوني وذروني فِي اليم فغفر لَهُ شكه فِي قدرته على اعادته لخشيتة مِنْهُ وَلم يتب من مثل هَذَا الْكَلَام والا كَانَ هَذَا الْكَلَام مُوجبا لعَظيم عِقَابه وَذَلِكَ ان الايمان بالرسل ﵈ لَيْسَ من بَاب ذكر

стр. 488

الاغيار بل لَا يتم التَّوْحِيد لله وَالشَّهَادَة لَهُ بالوحدانية والايمان بِهِ الا بالايمان بالرسالة فَمن جعل الايمان بملائكة الله وَكتبه وَرُسُله مغايرا للْإيمَان بِهِ وَجعل الاعراض عَنهُ من بَاب الْغيرَة المعظمة عِنْد الْمَشَايِخ فقد ضل سَعْيه وَهُوَ يحْسب انه يحسن صنعا وَمن لم تكن الشَّهَادَة بالرسالة دَاخله فِي ضمن قلبه بِالشَّهَادَةِ بالألوهية فَلَيْسَ بِمُؤْمِن وَفِي مثل هَذَا جَاءَ الحَدِيث الْمُتَّفق عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن اسماء عَن النَّبِي ﷺ انه قَالَ انه اوحى الي انكم تفتنون فِي قبوركم مثل وقريبا من فتْنَة الدَّجَّال يُؤْتى الرجل فِي قَبره فَيُقَال لَهُ مَا علمك بِهَذَا الرجل الَّذِي بعث فِيكُم فَأَما الْمُؤمن اَوْ الموقن فَيَقُول هَذَا هُوَ مُحَمَّد عبد الله وَرَسُوله جَاءَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهدى فَآمَنا بِهِ واتبعناه واما الْمُنَافِق اَوْ المرتاب فَيَقُول آه آه لَا ادري سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ شَيْئا فقلته

стр. 489

ثمَّ انك تَجِد هَؤُلَاءِ الَّذين يغلون بزعمهم فِي التَّوْحِيد حَتَّى يعرضون عَن الْكتاب وَالسّنة ويستخفون بحرمتهما ويعظم احدهم شَيْخه ومتبوعه اكثر مِمَّا يعظم الرَّسُول ﷺ وتحدهم يشركُونَ بِاللَّه فِي استغاثتهم بِغَيْرِهِ وخوفهم ورجائهم لغيره ومحبتهم لغيره فتجد فيهم من انواع الشّرك الجلى والخفي الَّتِي نهى الله عَنْهَا وَرَسُوله مَا الله بِهِ عليم وَمَعَ هَذَا فيعرضون عَمَّا هُوَ من تَمام التَّوْحِيد زعما انهم يحققون التَّوْحِيد واما اعتذار ابي الْقَاسِم عَنهُ بِأَن الاخطار للاغيار بالإظافة الى قدر الْحق متصاغرة فعذر بَاطِل وَذَلِكَ ان الشَّاهِد للرسول بالرسالة لم يَجعله ندا لله وَلَا شَرِيكا لَهُ وَلَا ظهيرا حَتَّى يفاضل بَينهمَا هَذَا الْكَلَام يَلِيق بِمن يَقُول ان الله ثَالِث ثَلَاثَة اَوْ يَجْعَل الله شَرِيكا وَولدا اَوْ بِمن يستغيث بمخلوق ويتوكل عَلَيْهِ اَوْ يعْمل لَهُ اَوْ يشْتَغل بِهِ عَن الله فَيُقَال لَهُ فاعبده واصطبر لعبادته هَل تعلم لَهُ سميا سُورَة مَرْيَم ٦٥ وَيُقَال لَهُ فاعبد الله مخلصا لَهُ الدّين الا لله الدّين الْخَالِص وَالَّذين اتَّخذُوا من دونه اولياء مَا نعبدهم الا ليقربونا الى الله زلفى ان الله يحكم بَينهم يَوْم الْقِيَامَة فيا هم فِيهِ

стр. 490

يَخْتَلِفُونَ سُورَة الزم ٢ ٣ وَقَوله تَعَالَى ام اتَّخذُوا من دون الله شُفَعَاء قل اَوْ لَو كَانُوا لَا يملكُونَ شَيْئا وَلَا يعْقلُونَ قل لله الشَّفَاعَة جيمعا سُورَة الزمر ٤٤٤٣ الى امثال ذَلِك مِمَّا فِي كتاب الله من الْآيَات الَّتِي فِيهَا تَجْرِيد التَّوْحِيد وتحقيقه وَقطع مُلَاحظَة الاغيار فِي الْعِبَادَة والاستغاثة وَالدُّعَاء وَالْمَسْأَلَة والتوكل والرجاء والخشية وَالتَّقوى والانابة وَنَحْو ذَلِك مِمَّا هُوَ من خَصَائِص حق الربوبية الَّتِي لَا تصلح لملك مقرب وَلَا نَبِي مُرْسل فَأَما الايمان بِالْكتاب وَالرَّسُول فَهَذَا من تَمام الايمان بِاللَّه وتوحيده لَا يتم الا بِهِ وَذكر الله بِدُونِ هَذَا غير نَافِع اصلا بل هُوَ سعى ضال وَعمل بَاطِل لم يتنازع الْمُسلمُونَ فِي ان الرجل لَو قَالَ اشْهَدْ ان لَا اله الا الله وَلم يقر بَان مُحَمَّدًا رَسُول الله انه لم يكن مُؤمنا وَلَا مُسلما وَلَا يسْتَحق الا الْعَذَاب وَلَو شهد ان مُحَمَّدًا رَسُول الله لَكَانَ مُؤمنا مُسلما عِنْد كثير من الْعلمَاء وَبَعْضهمْ يفرق بَين من كَانَ معترفا بِالتَّوْحِيدِ كاليهود وَمن لم يكن معترفا بِهِ وَبَعْضهمْ لَا يَجعله مُسلما الا بالنطق بِالشَّهَادَتَيْنِ وَهِي ثَلَاثَة اقوال مَعْرُوفَة فِي مَذْهَب احْمَد وَغَيره وَهَذَا معنى مَا يروي فِي بعض الْآثَار يَا مُحَمَّد تذكر وَلَا اذكر فأرضى وَاذْكُر وَلَا تذكر فاقبض يَعْنِي ذكره بالرسالة وَمن ذكره

стр. 491

بالرسالة فقد تضمن ذَلِك ذكر الله واما من ذكر الله وَلم يذكرهُ بالرسالة فَإِنَّهُ لَا يكون مُؤمنا وَحَيْثُ جَاءَ فِي الاحاديث يخرج من النَّار من قَالَ لَا اله الا الله واسعد النَّاس بشفاعتي يَوْم الْقِيَامَة من قَالَ لَا اله الا الله مخلصا من قلبه وَنَحْو ذَلِك فَلِأَن ذَلِك مُسْتَلْزم الايمان بالرسالة كَمَا بَيناهُ فِي غير هَذَا الْموضع وانه لَا تصح هَذِه الْكَلِمَة الا من المقرين بالرسالة وَبِمَا وَقع فِيهِ هَؤُلَاءِ وامثالهم من ضعف الايمان بِالْكتاب وَالرَّسُول وَبَعض انواع الضَّلَالَة والجهالة حَتَّى فِي الشّرك الَّذِي زَعَمُوا انهم فروا مِنْهُ فنسأل الله مُقَلِّب الْقُلُوب ان يثبت قُلُوبنَا على دينه وَكَذَلِكَ قَول الشبلي لما سُئِلَ مَتى تستريح فَقَالَ اذا لم ار لَهُ ذَاكِرًا وَذكر هَذَا فِي الْغيرَة الَّتِي هِيَ من طَرِيق اولياء الله وعباده الصَّالِحين من اعظم الْمُنْكَرَات وَمن القَوْل الَّذِي يبغضه الله وَرَسُوله واولياؤه من الاولين والآخرين ايغار الْمُؤمن ان يذكر الله اَوْ يغار

стр. 492

ان تنتهك محارم الله وَلَيْسَ لهَذَا القَوْل وَجه يحمد بِهِ واما قَائِله فَلَعَلَّهُ كَانَ مسلوب الْعقل حِين قَالَ ذَلِك فقد كَانَ كثيرا مَا يَزُول عقله فان قصد بِهِ ان احدا لَا يذكرهُ كَمَا يسْتَحقّهُ فَالَّذِي يسْتَحقّهُ هُوَ الْعِبَادَة الَّتِي هِيَ حَقه على عباده وَهُوَ لَا يكلفهم اكثر من طاقتهم وَهَذَا هُوَ الَّذِي يؤمرون بِهِ ويقبله الله مِنْهُم وان قصد انهم يقصرون فِي الْوَاجِب فبعض الْوَاجِب خير من تَركه كُله وَإِن كَانَ هَذَا لضيق فِي نَفسه وحرج فِي فُؤَاده فَهَذَا من الْغيرَة الَّتِى يبغضها الله وَرَسُوله وَهُوَ شَرّ من حسد وَمِمَّا يشبه هَذَا مَا ذكره لَهُ مرّة بعد اصحابنا الْفُقَرَاء وَفِيه خير وَدين وَمَعْرِفَة انه كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ فَقَامَ آخر يُصَلِّي قَالَ فَأَخَذَتْنِي الْغيرَة فَقلت لَهُ هَذَا حسد وضيق عطن وظلم لَيْسَ بِغَيْرِهِ انما لغيره اذا انتهكت محارم الله وَالله تَعَالَى وَاسع عليم يسع عباده الاولين والأخرين وَهُوَ يحب ذَلِك وَيَأْمُر بِهِ وَيَدْعُو اليه فَكيف يبغض الْمُؤمن مَا يُحِبهُ وَهَذَا الْقدر وَاقع كثير من ارباب الاحوال حَتَّى يقتل بَعضهم

стр. 493

بَعْضًا ويعتدى بَعضهم على بعض يُؤْذى بَعضهم بَعْضًا وَيَقُولُونَ هَذَا غيرَة على الْحق وانما هُوَ تعدِي لحدوده وظلم لِعِبَادِهِ وَصد عَن سَبيله وتمثيل فِيهِ للحق تَعَالَى بِالْمَرْأَةِ اَوْ الامرد الَّذِي يتغاير عَلَيْهِم الْفُسَّاق لضيق الْمحل غير الاشراك وَاصل ذَلِك من طلب الْفساد والعلو فِي الارض وَطلب الِانْفِرَاد بالتأله لَا لأجل الله لَكِن لاجل الاستعلاء فِي الارض فَهُوَ من الْكبر والحسد من جنس ذَنْب ابليس وَفرْعَوْن واخي ابْن ادم لَا من اعمال عوام الْخلق فضلا عَن مؤمنيهم فضلا عَن اولياء الله الْمُتَّقِينَ وَلِهَذَا نجد امثال هَؤُلَاءِ من اقل النَّاس غيرَة اذا انتهكت محارم الله وَيكون الْمُؤْمِنُونَ مِنْهُم فِي تَعب وَالْمُشْرِكُونَ مِنْهُم فِي رَاحَة ضد مَا نعت الله بِهِ الْمُؤمنِينَ حَيْثُ قَالَ اشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم سُورَة الْفَتْح ٢٩ وَقَالَ اذلة على الْمُؤمنِينَ اعزة على الْكَافرين سُورَة الْمَائِدَة ٥٤ فشأنهم من جنس الْخَوَارِج الَّذين قَالَ فيهم النَّبِي ﷺ يقتلُون اهل الاسلام وَيدعونَ اهل الاوثان

стр. 494

واما الْمَذْهَب الثَّانِي فَإِنَّهُ قَالَ وَمن النَّاس من قَالَ ان الْغيرَة من صِفَات اهل البدائة وان الموحد لَا يشْهد الْغيرَة وَلَا يَتَّصِف بِالِاخْتِيَارِ وَلَيْسَ لَهُ فِيمَا يجْرِي فِي المملكة تحكم بل الْحق سُبْحَانَهُ اولى بالاشياء فِيمَا يقْضى على مَا يقْضى وَقَالَ سَمِعت الشَّيْخ ابا عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ ﵀ يَقُول سَمِعت ابا عُثْمَان المغربي يَقُول الْغيرَة من عمل المريدين فَأَما اهل الْحَقَائِق فَلَا قَالَ سمعته يَقُول سَمِعت ابا نصر الاصبهاني يَقُول سَمِعت الشبلي يَقُول الْغيرَة غيرتان فغيرة البشرية على النُّفُوس وغيرة الالهية على الْقُلُوب قلت اما نفي الْغيرَة مُطلقًا وَجعلهَا من عمل المريدين فَهَذَا يضاهي قَول من يشْهد تَوْحِيد الربوبية وان الله خَالق كل شَيْء وربه

стр. 495

ومليكة لَا يشْهد تَوْحِيد الالهية وَمَا يسْتَحقّهُ الرب من عِبَادَته وطاعته وَطَاعَة رسله فَلَا يفرق بَين الْمُؤمن وَالْكَافِر والاعمى والبصير والظلمات والنور واهل الْجنَّة واهل النَّار وَهَذَا من جنس قَول الْمُشْركين الَّذين قَالُوا ﴿لَو شَاءَ الله مَا أشركنا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حرمنا من شَيْء﴾ سُورَة الانعام ١٤٨ فَإِن الْمُشْركين استدلوا بِالْقدرِ على نفي الامر وَالنَّهْي والمحبوب وَالْمَكْرُوه وَالطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة وَمن سلك هَذَا المسلك فَهُوَ فِي نوع من الْكفْر الْبَين وَقَول الْقَائِل ان الموحد لَا يَتَّصِف بِالِاخْتِيَارِ كَلَام مُجمل فَإِن اراد بِهِ انه لَا يخْتَار بِنَفسِهِ ولنفسه فقد احسن وان اراد بِهِ انه لَا يخْتَار مَا اخْتَارَهُ الله وامر بِهِ واحبه ورضيه وامره هُوَ ان يختاره ويريده وَيُحِبهُ فَهَذَا كفر وإلحاد بل الْمُؤمن عَلَيْهِ ان يُرِيد ويختار وَيُحب ويرضى وَيطْلب ويجتهد فِيمَا امْر الله بِهِ واحبه ورضيه واراده وَاخْتَارَهُ دينا وَشرعا وَكَذَلِكَ قَوْله لَيْسَ لَهُ فِيمَا يجْرِي فِي المملكة تحكم ان اراد بِهِ انه لَا يُعَارض الله فِي امْرَهْ وَنَهْيه فَهَذَا حسن وَحقّ فَإِن عَلَيْهِ ان يرضى بِمَا امْر الله بِهِ وَيسلم لله وَمن ذَلِك التَّسْلِيم لرَسُوله كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجا مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا﴾ سُورَة النِّسَاء ٦٥
следующие страницы →