Полный текст (813 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
وَقد ثَبت عَنهُ فِي الصَّحِيح أَنه قَالَ إِن الله طيب يحب الأطيباء وَهَذَا مِمَّا يسْتَدلّ بِهِ على التجمل فِي الْجمع والأعياد كَمَا فِي الصَّحِيح أَن عمر بن الْخطاب رأى حلَّة تبَاع فِي السُّوق فَقَالَ يَا رَسُول الله لَو اشْتريت هَذِه تلبسها فَقَالَ إِنَّمَا يلبس هَذِه من لَا خلاق لَهُ فِي الْآخِرَة
وَهَذَا يُوَافقهُ فِي حسن الثِّيَاب مَا فِي السّنَن عَن ابي الْأَحْوَص الْجُشَمِي قَالَ رَآنِي النَّبِي ﷺ وعَلى أطمار فَقَالَ هَل لَك من مَال قلت نعم قَالَ من أَي المَال قلت من كل مَا
стр. 422
أَتَى الله من الْإِبِل وَالشَّاء قَالَ فلتر نعْمَة الله وكرامته عَلَيْك
وَفِي السّنَن أَيْضا عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله يحب أَن يرى أثر نعْمَته على عَبده لَكِن هَذَا الظُّهُور لنعمة الله وَمَا فِي ذَلِك من شكره وَالله يحب أَن يشْكر وَذَلِكَ لمحبته الْجمال
وَهَذَا الحَدِيث قد ضل قوم بِمَا تأولوه عَلَيْهِ وَآخَرُونَ رَأَوْهُ مُعَارضا لغيره من النُّصُوص وَلم يهتدوا للْجمع
فالاولون قد يَقُولُونَ كل مَصْنُوع الرب جميل لقَوْله الَّذِي أحسن كل شئ خلقه [سُورَة السَّجْدَة ٧] فَنحب كل شئ وَقد يستدلون بقول بعض الْمَشَايِخ الْمحبَّة نَار تحرق فِي الْقلب كل مَا سوى مُرَاد المحبوب والمخلوقات كلهَا مُرَاده وَهُوَ لَا يَقُوله قَائِلهمْ فَصرحَ بِإِطْلَاق الْجمال وَأَقل مَا يُصِيب هَؤُلَاءِ أَنهم يتركون الْغيرَة لله وَالنَّهْي عَن الْمُنكر والبغض فِي الله وَالْجهَاد فِي سَبيله وَإِقَامَة حُدُوده
стр. 423
وهم فِي ذَلِك متناقضون إِذْ لَا يتمكنون من الرِّضَا بِكُل مَوْجُود فَإِن الْمُنْكَرَات هِيَ أُمُور مضرَّة لَهُم ولغيرهم وَيبقى أحدهم مَعَ طبعة وذوقه وهواه يُنكر مَا يكره ذوقه دون مَا لَا يكره ذوقه وينسلخون عَن دين الله وَرُبمَا دخل أحدهم فِي الِاتِّحَاد والحلول الْمُطلق وَمِنْهُم من يحض الْحُلُول أَو الِاتِّحَاد بِبَعْض الْمَخْلُوقَات كالمسيح أَو عَليّ بن أبي طَالب أَو غَيرهمَا من الْمَشَايِخ والملوك والمردان فَيَقُولُونَ بحلوله فِي الصُّور الجميلة ويعبدونها
وَمِنْهُم من لَا يرى ذَلِك لَكِن يتدين يحب الصُّور الجميلة من النِّسَاء الْأَجَانِب والمردان وَغير ذَلِك وَيرى هَذَا من الْجمال الَّذِي يُحِبهُ الله وَيُحِبهُ هُوَ ويلبس الْمحبَّة الطبيعية الْمُحرمَة بالمحبة الدِّينِيَّة وَيجْعَل مَا حرمه الله مِمَّا يقرب إِلَيْهِ ﴿وَإِذا فعلوا فَاحِشَة قَالُوا وجدنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَالله أمرنَا بهَا قل إِن الله لَا يَأْمر بالفحشاء﴾ [سُورَة الْأَعْرَاف ٢٨]
وَالْآخرُونَ قَالُوا ثَبت فِي صَحِيح مُسلم عَن ابي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِن الله لَا ينظر إِلَى صوركُمْ وَأَمْوَالكُمْ وَإِنَّمَا ينظر إِلَى قُلُوبكُمْ وَأَعْمَالكُمْ وَمَعْلُوم أَنه لم ينف نظر الْإِدْرَاك لَكِن نظر الْمحبَّة
стр. 424
وَقد قَالَ تَعَالَى عَن الْمُنَافِقين ﴿وَإِذا رَأَيْتهمْ تعجبك أجسامهم وَإِن يَقُولُوا تسمع لقَولهم كَأَنَّهُمْ خشب مُسندَة﴾ [سُورَة المُنَافِقُونَ ٤]
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا﴾ [سُورَة مَرْيَم ٧٤] والأثاث المَال من اللبَاس وَنَحْوه والرئي المنطر فَأخْبر ان الَّذين أهلكهم قبلهم كَانُوا أحسن صورا وأموالا لنتبين أَن ذَلِك لَا ينفع عِنْده وَلَا يعبأ بِهِ
وَقَالَ النَّبِي ﷺ لَا فضل لعربي على عجمي وَلَا لأبيض على أسود إِلَّا بالتقوى
وَفِي السّنَن عَنهُ أَنه قَالَ البذاذة من الايمان
وَأَيْضًا فقد حرم علينا من لِبَاس الْحَرِير وَالذَّهَب وآنية الذَّهَب وَالْفِضَّة مَا هُوَ أعظم الْجمال فِي الدُّنْيَا وَحرم الله الْفَخر وَالْخُيَلَاء واللباس الَّذِي فِيهِ الْفَخر وَالْخُيَلَاء كإطالة الثِّيَاب
стр. 425
حَتَّى ثَبت فِي الصَّحِيح عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا ينظر الله يَوْم الْقِيَامَة إِلَى من جر إزَاره بطرا
وَفِي الصَّحِيح عَن ابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من جر ثَوْبه خُيَلَاء لم ينظر الله إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة
وَفِي الصَّحِيح أَيْضا قَالَ بَيْنَمَا رجل يجر أزاره من الْخُيَلَاء خسف بِهِ فَهُوَ يتجلجل فِي الأَرْض إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
وَقد قَالَ تَعَالَى فِي حق قَارون ﴿فَخرج على قومه فِي زينته﴾ [سُورَة الْقَصَص ٧٩] قَالُوا ثِيَاب الأرجوان
وَلِهَذَا ثَبت فِي الصَّحِيح عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ رَآنِي رَسُول الله ﷺ وعَلى ثَوْبَيْنِ معصفرين فَقَالَ إِن هَذِه من ثِيَاب
стр. 426
الْكفَّار فَلَا تلبسها قلت أغسلهما قَالَ احرقهما
وَلِهَذَا كره الْعلمَاء الْمُحَقِّقُونَ الْأَحْمَر المشبع حمرَة كَمَا جَاءَ النَّهْي عَن الميثرة الْحَمْرَاء وَقَالَ عمر بن الْخطاب دعوا هَذِه الرَّايَات للنِّسَاء وَقد بسطنا القَوْل فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فِي موضعهَا
وَأَيْضًا فقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿قل للْمُؤْمِنين يغضوا من أَبْصَارهم ويحفظوا فروجهم﴾ إِلَى قَوْله وتوبوا إِلَى الله جَمِيعًا أَيهَا الْمُؤمنِينَ [سُورَة النُّور ٣٠ ٣١]
وَقَالَ النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح عَن ابي هُرَيْرَة العينان تزينان وزناهما النّظر
وَفِي الصَّحِيح عَن جرير بن عبد الله قَالَ سَأَلت النَّبِي ﷺ عَن نظر الْفجأَة فَقَالَ اصرف بَصرك
стр. 427
وَفِي السّنَن أَنه قَالَ لعَلي يَا عَليّ لَا تتبع النظرة النظرة فَإِنَّمَا لَك الأولى وَلَيْسَت لَك الْآخِرَة
وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تَمُدَّن عَيْنَيْك إِلَى مَا متعنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُم زهرَة الْحَيَاة الدُّنْيَا لنفتنهم فِيهِ ورزق رَبك خير وَأبقى﴾ [سُورَة طه ١٣١]
وَقَالَ وَلَا تَمُدَّن عَيْنَيْك إِلَى مَا متعنَا بِهِ ازواجنا مِنْهُم وَلَا تحزن عَلَيْهِم واخفض جناحك للْمُؤْمِنين [سُورَة الْحجر ٨٨] وَقَالَ ﴿زين للنَّاس حب الشَّهَوَات من النِّسَاء والبنين والقناطير المقنطرة من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالْخَيْل المسومة والأنعام والحرث ذَلِك مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا وَالله عِنْده حسن المآب قل أؤنبئكم بِخَير من ذَلِكُم للَّذين اتَّقوا عِنْد رَبهم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا وَأَزْوَاج مطهرة ورضوان من الله وَالله بَصِير بالعباد﴾ [سُورَة آل عمرَان ١٣ ١٥]
وَقد قَالَ مَعَ ذمه لمذامه من هَذِه الزِّينَة ﴿قل من حرم زِينَة الله الَّتِي أخرج لِعِبَادِهِ والطيبات من الرزق قل هِيَ للَّذين آمنُوا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا خَالِصَة يَوْم الْقِيَامَة﴾ [سُورَة الْأَعْرَاف ٣٢]
стр. 428
فَنَقُول أعلم أَن مَا يصفه بِهِ النَّبِي ﷺ من محبَّة الْأَجْنَاس المحبوبة من الْأَعْيَان وَالصِّفَات وَالْأَفْعَال وَمَا يبغضه من ذَلِك هُوَ مثل مَا يَأْمر بِهِ من الْأَفْعَال وَينْهى عَنهُ من ذَلِك فَإِن الْحبّ والبغض هما أصل الامر والنهى وَذَلِكَ نَظِير مَا يعده على الاعمال الْحَسَنَة من الثَّوَاب ويتوعد بِهِ على الْأَعْمَال السَّيئَة من الْعقَاب
فَأمره وَنَهْيه ووعده وحبه وبغضه وثوابه وعقابه كل ذَلِك من جنس وَاحِد والنصوص النَّبَوِيَّة تَأتي مُطلقَة عَامَّة من الْجَانِبَيْنِ فتتعارض فِي بعض الْأَعْيَان وَالْأَفْعَال الَّتِي تندرج فِي نُصُوص الْمَدْح والذم وَالْحب والبغض وَالْأَمر وَالنَّهْي والوعد والوعيد وَقد بسطنا الْكَلَام على مَا يتَعَلَّق بِهَذِهِ الْقَاعِدَة فِي غير مَوضِع لتعلقها بأصول الدّين وفروعه
فَإِن من أكبر الْمسَائِل الَّتِي تتبعها مَسْأَلَة الْأَسْمَاء وَالْأَحْكَام فِي فساق اهل الْملَّة وَهل يجْتَمع فِي حق الشَّخْص الْوَاحِد الثَّوَاب وَالْعِقَاب كَمَا يَقُوله أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أم لَا يجْتَمع ذَلِك وَهل يكون الشئ الْوَاحِد محبوبا من وَجه مبغوضا من وَجه مَحْمُودًا من وَجه مذموما من وَجه كَمَا يَقُوله جُمْهُور الْخَوَارِج والمعتزلة وَهل يكون الْفِعْل الْوَاحِد مَأْمُورا بِهِ من وَجه مَنْهِيّا عَنهُ من وَجه
وَقد تنَازع فِي ذَلِك أهل الْعلم من الْفُقَهَاء والمتكلمين وَغَيرهم
стр. 429
والتعارض بَين النُّصُوص إِنَّمَا هُوَ لتعارض المتعارض الْمُقْتَضى للحمد والذم من الصِّفَات الْقَائِمَة بِذَاتِهِ تَعَالَى وَلِهَذَا كَانَ هَذَا الْجِنْس مُوجبا للكفر أَو الْفِتْنَة فَأول مَسْأَلَة فرقت بَين الْأمة مَسْأَلَة الْفَاسِق الملي فأدرجته الخوراج فِي نُصُوص الْوَعيد وَالْخُلُود فِي النَّار وحكموا بِكُفْرِهِ ووافقتهم الْمُعْتَزلَة على دُخُوله فِي نُصُوص الْوَعيد وخلوده فِي النَّار لَكِن لم يحكموا بِكُفْرِهِ فَلَو كَانَ الشئ خيرا مَحْضا لم يُوجب فرقة وَلَو كَانَ شرا مَحْضا لم يخف أمره لَكِن لِاجْتِمَاع الْأَمريْنِ فِيهِ أوجب الْفِتْنَة
وَكَذَلِكَ مسالة الْقدر الَّتِي هِيَ من جملَة فروع هَذَا الأَصْل فَإِنَّهُ اجْتمع فِي الْأَفْعَال الْوَاقِعَة الَّتِي نهى الله عَنْهَا أَنَّهَا مُرَادة لَهُ لكَونهَا من الموجودات وَأَنَّهَا غير محبوبة لَهُ وَلَا مرضية بل ممقوتة مبغوضة لكَونهَا من المنهيات
فَقَالَ طوائف من اهل الْكَلَام الْإِرَادَة والمحبة وَالرِّضَا وَاحِدَة أَو متلازمة ثمَّ قَالَت الْقَدَرِيَّة وَالله لم يحب هَذِه الافعال وَلم يرضها فَلم يردهَا فأثبتوا وجود الكائنات بِدُونِ مَشِيئَة
стр. 430
وَلِهَذَا لما قَالَ غيلَان القدري لِرَبِيعَة بن عبد الرَّحْمَن يَا ربيعَة نشدتك بِاللَّه أَتَرَى الله يحب أَن يعْصى فَقَالَ لَهُ ربيعَة أفترى الله يعْصى قسرا فَكَأَنَّهُ ألقمه حجرا يَقُول لَهُ نزهته عَن محبَّة الْمعاصِي فسلبته الْإِرَادَة وَالْقُدْرَة وَجَعَلته مقهورا مقسورا
وَقَالَ من عَارض الْقَدَرِيَّة بل كل مَا أَرَادَهُ فقد أحبه ورضيه ولزمهم ان يكون الْكفْر والفسوق والعصيان محبوبا لله مرضيا
وَقَالُوا أَيْضا يَأْمر بِمَا لَا يُريدهُ وكل ماأمر بِهِ من الْحَسَنَات فَإِنَّهُ لم يردهُ وَرُبمَا قَالُوا وَلم يُحِبهُ وَلم يرضه إِلَّا إِذا وجد وَلَكِن أَمر بِهِ وَطَلَبه
فَقيل لَهُم هَل يكون طلب وَإِرَادَة واستدعاء بِلَا إِرَادَة وَلَا محبَّة وَلَا رضَا هَذَا جمع بَين النقيضين فتحيروا
فَأُولَئِك سلبوا الرب خلقه وَقدرته وإرادته وَهَؤُلَاء سلبوا محبته وَرضَاهُ وإرادته الدِّينِيَّة وَمَا يَصْحَبهُ أمره وَنَهْيه من ذَلِك فَكَمَا أَن الْأَوَّلين لم يثبتوا أَن الشَّخْص الْوَاحِد يكون مثابا معاقبا بل إِمَّا مثاب وَإِمَّا معاقبه فَهَؤُلَاءِ لم يبينوا أَن الْفِعْل الْوَاحِد يكون مرَادا من وَجه دون وَجه مرَادا غير مَحْبُوب بل إِمَّا مُرَاد مَحْبُوب وَإِمَّا غير مُرَاد وَلَا مَحْبُوب وَلم يجْعَلُوا الْإِرَادَة إِلَّا نوعا وَاحِدًا وَالتَّحْقِيق أَنه يكون مرَادا غير
стр. 431
مَحْبُوب وَلَا مرضى وَيكون مرَادا من وَجه دون وَجه وَيكون محبوبا مرضيا غير مُرَاد الْوُقُوع
والإرادة نَوْعَانِ إِرَادَة دينية وَهِي الْمُقَارنَة الْأَمر وَالنَّهْي وَالْحب والبغض وَالرِّضَا وَالْغَضَب
وَإِرَادَة كونية وَهِي الْمُقَارنَة للْقَضَاء وَالْقدر والخلق وَالْقُدْرَة
وكما تفَرقُوا فِي صِفَات الْخَالِق تفَرقُوا فِي صِفَات الْمَخْلُوق فَأُولَئِك لم يثبتوا لَهُ إِلَّا قدرَة وَاحِدَة تكون قبل الْفِعْل وَهَؤُلَاء لم يثبتوا لَهُ إِلَّا قدرَة وَاحِدَة تكون مَعَ الْفِعْل
أُولَئِكَ نفوا الْقُدْرَة الكونية الَّتِي بهَا يكون الْفِعْل وَهَؤُلَاء نفوا الْقُدْرَة الدِّينِيَّة الَّتِي بهَا يَأْمر الله العَبْد وينهاه
وَهَذَا من أصُول تفرقهم فِي مَسْأَلَة تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق وانقسموا إِلَى قدرية مَجُوسِيَّة تثبت الْأَمر وَالنَّهْي وتنفى الْقَضَاء وَالْقدر وَإِلَى قدرية مشركية شَرّ مِنْهُم تثبت الْقَضَاء وَالْقدر وَتكذب بِالْأَمر وَالنَّهْي أَو بِبَعْض ذَلِك
وَإِلَى قدرية إبليسية تصدق بالأمرين لَكِن ترى ذَلِك تناقضا مُخَالف للحق وَالْحكمَة
وَهَذَا شَأْن عَامَّة مَا تتعارض فِيهِ الْأَسْبَاب والدلائل تَجِد فريقا يَقُولُونَ بِهَذَا دون هَذَا وفريقا بِالْعَكْسِ وفريقا رَأَوْا الْأَمريْنِ واعتقدوا
стр. 432
تناقضهما فصاروا متحيرين أَو معرضين عَن التَّصْدِيق بهما جَمِيعًا أَو متناقضين مَعَ هَذَا تَارَة وَمَعَ هَذَا تَارَة
وَهَذَا تَجدهُ فِي مسَائِل الْكَلَام والاعتقادات ومسائل الْإِرَادَة والعبادات كَمَسْأَلَة السماع الصوتي وَمَسْأَلَة الْكَلَام ومسأئل الصِّفَات وَكَلَام الله وَغير ذَلِك من الْمسَائِل
وجماع القَوْل فِي ذَلِك أَن كل أَمريْن تَعَارضا فَلَا بُد أَن يكون أَحدهمَا راجحا أَو يَكُونَا متكافئين فَيحكم بَينهمَا بِحَسب الرجحان ويحسب التكافؤ فالعملان والعاملان إِذا امتاز كل مِنْهُمَا بِصِفَات فَإِن ترجح أَحدهمَا فَهُوَ الرَّاجِح وَإِن تكافئا سوى بَينهمَا فِي الْفضل والدرجة وَكَذَلِكَ أَسبَاب الْمصَالح والمفاسد وَكَذَلِكَ الْأَدِلَّة بِأَنَّهُ يعْطى كل دَلِيل حَقه وَلَا يجوز أَن تَتَكَافَأ الْأَدِلَّة فِي نفس الْأَمر عِنْد الْجُمْهُور لَكِن تَتَكَافَأ فِي نظر النَّاظر وَأما كَون الشئ الْوَاحِد من الْوَجْه الْوَاحِد ثَابتا منتفيا فَهَذَا لَا يَقُوله عَاقل
وأصل هَذَا كُله الْعدْل بالتسوية بَين المتماثلين فَإِن الله تَعَالَى يَقُول ﴿لقد أرسلنَا رسلنَا بِالْبَيِّنَاتِ وأنزلنا مَعَهم الْكتاب وَالْمِيزَان ليقوم النَّاس بِالْقِسْطِ﴾ [سُورَة الْحَدِيد ٢٥] وَقد بسطنا القَوْل فِي ذَلِك وَبينا أَن الْعدْل جماع الدّين وَالْحق وَالْخَيْر كُله فِي غير مَوضِع
وَالْعدْل الْحَقِيقِيّ قد يكون متعذرا إِمَّا عمله وَإِمَّا الْعَمَل بِهِ
стр. 433
لَكِن التَّمَاثُل من كل وَجه غير مُمكن أَو غير مَعْلُوم فَيكون الْوَاجِب فِي مثل ذَلِك مَا كَانَ أشبه بِالْعَدْلِ وَأقرب إِلَيْهِ وَهِي الطَّرِيقَة المثلى
وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وأوفوا الْكَيْل وَالْمِيزَان بِالْقِسْطِ لَا نكلف نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ [سُورَة الْأَنْعَام ١٥٢]
وعَلى هَذَا فَالْحق الْمَوْجُود وَهُوَ الثَّابِت الَّذِي يُقَابله الْمَنْفِيّ وَالْحق الْمَقْصُود وَهُوَ الْمَأْمُور بِهِ المحبوب الَّذِي يُقَابله المنهى عَنهُ المبغوض ثَلَاثَة أَقسَام
فَإِنَّهَا فِي الْحق الْمَقْصُود إِمَّا أَمر ترجحت الْمصلحَة المحبوبة فِيهِ وَهَذَا يُؤمر بِهِ
وَإِمَّا أَمر ترجحت فِيهِ الْمفْسدَة الْمَكْرُوهَة فَهَذَا ينْهَى عَنهُ
وَإِمَّا أَمر اسْتَوَى فِيهِ هَذَا وَهَذَا فَهَذَا لَا يُؤمر بِهِ وَلَا ينْهَى عَنهُ وَلَا يتَرَجَّح فِيهِ الْحبّ وَلَا يتَرَجَّح فِيهِ البغض بل يكون عفوا
وَمَا دون هَذَا إِن كَانَ مثل هَذَا مَوْجُودا فَإِن النَّاس يتنازعون فِي وجوده فَقيل هُوَ مَوْجُود وَقيل بل هُوَ يقدر فِي
стр. 434
الْفِعْل لَا وجود لَهُ بل لَا بُد من الرجحان كَمَا قيل مثل ذَلِك فِي تكافؤ الْأَدِلَّة
وعَلى هَذَا فَالْأَمْر الَّذِي ترجحت فِيهِ الْمصلحَة وَأمر بِهِ غلب فِيهِ جَانب الْمحبَّة مَعَ أَن الَّذِي فِيهِ الْمفْسدَة مبغض لكنه مُرَاد فَهُوَ مُرَاد بغيض وَالْأَمر الَّذِي ترجح فِيهِ جَانب الْمصلحَة مَحْبُوب لكنه مُرَاد التّرْك مَحْبُوب فَهُوَ مَحْبُوب فِي نَفسه لَكِن لملازمته لما هُوَ بغيض وَجب أَن يُرَاد تَركه تبعا لكَرَاهَة لَازِمَة فَإِنَّهُ بغض اللَّازِم وَنفى الْمَلْزُوم
فحاصله أَن المُرَاد إِرَادَة جازمة هُوَ أحد الْأَمريْنِ إِمَّا الْفِعْل وَإِمَّا التّرْك وَالْأول هُوَ الْمَأْمُور بِهِ وَالثَّانِي هُوَ المنهى عَنهُ لَكِن مَعَ هَذَا فقد يشْتَمل الْمَفْعُول على بغيض مُحْتَمل ويشتمل الْمَتْرُوك على حبيب مرفوض فَهَذَا أصل نَافِع
فَهَذَا فِي الْفِعْل الْوَاحِد وَأما الْفَاعِل الْوَاحِد الَّذِي يعْمل الْحَسَنَة والسيئة مَعًا وَهُوَ وَإِن كَانَ التَّفْرِيق بَينهمَا مُمكنا لكنه هُوَ يعملهما جَمِيعًا أَو يتركهما جَمِيعًا لكَون محبته لأَحَدهمَا مستلزمة لمحبته للاخرى وبغضه لأَحَدهمَا مستلزما لبغضه لِلْأُخْرَى فَصَارَ لَا يُؤمر إِلَّا بالْحسنِ من الْفِعْلَيْنِ وَلَا ينْهَى إِلَّا عَن السئ مِنْهُمَا وَإِن لزم ترك الْحَسَنَة لَا يَنْبَغِي أَن يَأْمُرهُ فِي مثل هَذَا بِالْحَسَنَة المرجوحة فَإِنَّهُ يكون أمرا بِالسَّيِّئَةِ وَلَا ينهاه
стр. 435
عَن السَّيئَة المرجوحة فَإِنَّهُ يكون نهيأ عَن الْحَسَنَة الراجحة وَهَكَذَا الْمعِين يعين على الْحَسَنَة الراجحة وعَلى ترك السَّيئَة المرجوحة
وَهَذَا أصل عَظِيم تدخل فِيهِ أمورا عَظِيمَة مثل الطَّاعَة لأئمة الْجور وَترك الْخُرُوج عَلَيْهِم وَغير ذَلِك من الْمسَائِل الشَّرْعِيَّة وَهَكَذَا حكم الطَّائِفَة الْمُشْتَملَة أفعالها على حَسَنَات وسيئات بِمَنْزِلَة الْفَاعِل فِي ذَلِك وَبِمَا ذَكرْنَاهُ فِي الْفِعْل الْوَاحِد وَالْفَاعِل الْوَاحِد تظهر أُمُور كَثِيرَة إِمَّا الْحق الْمَوْجُود وَإِمَّا أَن يكون الشئ فِي نَفسه ثَابتا ومنتفيا لَكِن كثيرا مَا تحصل الْمُقَابلَة بَين إِثْبَات عَام وَنفي عَام وَيكون الْحق فِي التَّفْصِيل وَهُوَ ثُبُوت بعض ذَلِك الْعَام وَانْتِفَاء بعضه وَهَذَا هُوَ الْغَالِب على الْمسَائِل الْكِبَار الَّتِي يتنازع فِيهَا أحزاب الْكَلَام والفلسفة وَنَحْوهم
وَالدَّلِيل إِمَّا أَن يكون دَلِيلا مَعْلُوما فَهَذَا لَا يكون إِلَّا حَقًا لَكِن كثيرا مَا يظنّ الْإِنْسَان أَن الشئ مَعْلُوم وَلَا يكون مَعْلُوما وَحِينَئِذٍ فَإِذا ظن ظان تعَارض الْأَدِلَّة الْمَعْلُومَة كَانَ غالطا فِي تعارضها بل يكون أحد الْأَمريْنِ لَازِما إِمَّا كلهَا أَو بَعْضهَا غير مَعْلُوم وَإِمَّا أَن مُوجب الدَّلِيل حق من غير تعَارض وَإِن ظَنّه الظَّان تَعَارضا فَالْحق الْمَوْجُود لَا ينافى الْحق الْمَوْجُود بل يكون مِنْهُمَا مَوْجُودا بِخِلَاف الْحق الْمَقْصُود فَإِنَّهُ قد
стр. 436
يقْصد الضدان لما فِي كل مِنْهُمَا من الْمصَالح الْمَقْصُودَة لَكِن لَا يُوجد الضدان وَإِن كَانَ الدَّلِيل مغلبا للظن اعْتقد فِيهِ مُوجبه وَإِذا تَعَارَضَت هَذِه الْأَدِلَّة رجح راجحها وَسوى بَين متكافيها
إِذا تقرر ذَلِك فَنَقُول قَول النَّبِي ﷺ إِن الله جميل يحب الْجمال كَقَوْلِه للَّذي علمه الدُّعَاء اللَّهُمَّ إِنَّك عَفْو تحب الْعَفو فأعف عني وَقَوله تَعَالَى ﴿إِن الله يحب التوابين وَيُحب المتطهرين﴾ [سُورَة الْبَقَرَة ٢٢٢] وَإِن الله نظيف يحب النَّظَافَة
فَهُوَ سُبْحَانَهُ إِذا كَانَ يحب الْعَفو لم يُوجب هَذَا أَلا يكون فِي بعض أَنْوَاع الْعَفو من الْمعَارض الرَّاجِح مَا يُعَارض مَا فِيهِ من محبَّة الْعَفو وَلَوْلَا ذَلِك لَكَانَ يَنْبَغِي أَن يعْفُو عَن كل محرم فَلَا يُعَاقب مُشْركًا وَلَا فَاجِرًا لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَة وَهَذَا خلاف الْوَاقِع ولوجب أَن يسْتَحبّ لنا الْعَفو عَن كل كَافِر وَفَاجِر فَلَا نعاقب أحدا على شئ وَهَذَا خلاف مَا أمرنَا بِهِ وَخلاف مَا هُوَ صَلَاح لنا وَنَافِع فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
وَكَذَلِكَ محبته للمتطهرين ومحبته للنظافة لَا تمنع حُصُول الْمعَارض الرَّاجِح مثل أَن يكون المَاء مُحْتَاجا إِلَيْهِ للعطش فمحبته لسقي العطشان راجحة على محبته للطَّهَارَة والنظافة
стр. 437
وَكَذَلِكَ سَائِر مَا يتزاحم من الْوَاجِبَات والمستحبات فَإِنَّهَا جَمِيعهَا محبوبة لله وَعند التزاحم يقدم أحبها إِلَى الله والتقرب إِلَيْهِ بالفرائض أحب إِلَيْهِ من التَّقَرُّب إِلَيْهِ بالنوافل وَبَعض الْوَاجِبَات والمستحبات إِلَيْهِ من بعض
وَكَذَلِكَ إِذا تعَارض الْمَأْمُور والمحظور فقد تعَارض حَبِيبه وبغيضه فَيقدم أعظمهما فِي ذَلِك فَإِن كَانَ محبته لهَذَا أعظم من بغضه لهَذَا قدم وَإِن كَانَ بغضه لهَذَا أعظم من حبه لهَذَا قدم
كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَسْأَلُونَك عَن الْخمر وَالْميسر قل فيهمَا إِثْم كَبِير وَمَنَافع للنَّاس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ [سُورَة الْبَقَرَة ٢١٩] وعَلى هَذَا اسْتَقَرَّتْ الشَّرِيعَة بترجيح خير الخيرين وَدفع شَرّ الشرين وترجيح الرَّاجِح من الْخَيْر وَالشَّر المجتمعين
وَالله سُبْحَانَهُ يحب صِفَات الْكَمَال مثل الْعلم وَالْقُدْرَة وَالرَّحْمَة وَنَحْو ذَلِك فَفِي صَحِيح مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ الْمُؤمن الْقوي خير وَأحب إِلَى الله من الْمُؤمن الضَّعِيف وَفِي كل خير وَفِي الصَّحِيح عَنهُ انه قَالَ لَا يرحم الله من لَا يرحم النَّاس
стр. 438
وَفِي الصَّحِيح أَيْضا عَنهُ إِنَّمَا يرحم الله من عباده الرُّحَمَاء
وَفِي السّنَن حَدِيث ثَابت عَنهُ الراحمون يرحمهم الرَّحْمَن ارحموا من فِي الأَرْض يَرْحَمكُمْ من فِي السَّمَاء
وَمَعَ هَذَا فقد قَالَ تَعَالَى فِي حد الزَّانِي والزانية ﴿وَلَا تأخذكم بهما رأفة فِي دين الله إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾ [سُورَة النُّور ٢]
وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّبِي جَاهد الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِم﴾ [سُورَة التَّوْبَة ٧٣]
وَهَذَا فِي الْحَقِيقَة من رَحْمَة الله بعباده فَإِن الله إِنَّمَا أرسل مُحَمَّدًا رَحْمَة للْعَالمين وَهُوَ سُبْحَانَهُ أرْحم بعباده من الوالدة بِوَلَدِهَا لَكِن قد تكون الرَّحْمَة الْمَطْلُوبَة لَا تحصل إِلَّا بِنَوْع من ألم وَشدَّة تلْحق بعض النُّفُوس كَمَا ورد فِي الْأَثر إِذا قَالُوا للْمَرِيض اللَّهُمَّ ارحمه يَقُول الله كَيفَ أرحمه من شئ بِهِ أرحمه
وَكَذَلِكَ كَون الْفِعْل عفوا وصف يَقْتَضِي محبَّة الله لَهُ فَإِذا عَارضه
стр. 439
مَا هُوَ احب إِلَى الله مِنْهُ اَوْ اشْتَمَل على بغض الله لَهُ أعظم من محبته لذَلِك الْعَفو قدم الرَّاجِح
فكون الشئ جميلا يَقْتَضِي محبَّة الله لَهُ وَهُوَ سُبْحَانَهُ أحسن كل شئ خلقه إِذْ كل مَوْجُود فَلَا بُد فِيهِ من وَجه الْحِكْمَة الَّتِي خلقه الله لَهَا وَمن ذَلِك الْوَجْه يكون حسنا محبوبا وَإِن كَانَ من وَجه آخر يكون مستلزما شَيْئا يُحِبهُ الله ويرضاه أعظم مِمَّا فِيهِ نَفسه من البغض
فَهَذَا مَوْجُود فِينَا فقد يفعل الشَّخْص الْفِعْل كشرب الدَّوَاء الكرية الَّذِي بغضه لَهُ أعظم من حبه لَهُ وَهَذَا لما تضمن مَا هُوَ محبته لَهُ أعظم من بغضه للدواء أَرَادَهُ وشاءه وَفعله فَأَرَادَ بالإرادة الجازمة الْمُقَارنَة للقدرة فعلا فِيهِ مِمَّا يبغضه أَكثر مِمَّا يُحِبهُ لكَونه مستلزما لدفع مَا هُوَ إِلَيْهِ أبْغض ولحصول مَا محبته لَهُ أعظم من بغضه لهَذَا فَإِن بغضه للمرض ومحبته للعافية أعظم من بغضه للدواء
فالأعيان الَّتِي نبغضها كالشياطين والكافرين وَكَذَلِكَ الْأَفْعَال الَّتِي نبغضها من الْكفْر والفسوق والعصيان خلقهَا وَأَرَادَ وجودهَا لما تستلزمه من الْحِكْمَة الَّتِي يُحِبهَا وَلما فِي وجودهَا من دفع مَا هُوَ إِلَيْهِ أبْغض فَهِيَ مُرَادة لَهُ وَهِي مبغضة لَهُ مسخوطة كَمَا بَينا هَذَا فِي غير هَذَا الْموضع
وَأما الْجمال الْخَاص فَهُوَ سُبْحَانَهُ جميل يحب الْجمال وَالْجمال الَّذِي
стр. 440
لِلْخلقِ من الْعلم وَالْإِيمَان وَالتَّقوى أعظم من الْجمال الَّذِي لِلْخلقِ وَهُوَ الصُّورَة الظَّاهِرَة
وَكَذَلِكَ الْجَمِيل من اللبَاس الظَّاهِر فلباس التَّقْوَى أعظم واكمل وَهُوَ يحب الْجمال الَّذِي للباس التَّقْوَى أعظم مِمَّا يحب الْجمال الَّذِي للباس الرياش وَيُحب الْجمال لِلْخلقِ أعظم مِمَّا يحب الْجمال الَّذِي لِلْخلقِ
كَمَا ثَبت عَنهُ فِي الصَّحِيح أَنه قَالَ أكمل الْمُؤمنِينَ إِيمَانًا أحْسنهم خلقا
وَفِي صَحِيح مُسلم عَن النواس بن سمْعَان قَالَ سَأَلت رَسُول الله ﷺ عَن الْبر وَالْإِثْم فَقَالَ الْبر حسن الْخلق وَالْإِثْم مَا حاك فِي نَفسك وكرهت أَن يطلع عَلَيْهِ النَّاس
وَفِي السّنَن عَنهُ انه قَالَ أثقل مَا يوضع فِي الْمِيزَان الْخلق الْحسن
стр. 441
وروى عَنهُ أَنه قَالَ لأم سَلمَة يَا ام سَلمَة ذهب حسن الْخلق بِخَير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
وَمن الْمَعْلُوم أَن أحب خلقه إِلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ فَإِذا كَانَ أكملهم إِيمَانًا أحْسنهم خلقا كَانَ أعظمهم محبَّة لَهُ أحْسنهم خلقا والخلق الدّين كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإنَّك لعلى خلق عَظِيم﴾ [سُورَة الْقَلَم ٤] قَالَ ابْن عَبَّاس على دين عَظِيم وَبِذَلِك فسره سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَأحمد بن حَنْبَل وَغَيرهمَا كَمَا قد بَيناهُ فِي غير هَذَا الْموضع
وَهُوَ سُبْحَانَهُ يبغض الْفَوَاحِش وَلَا يُحِبهَا وَلَا يَأْمر بهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يَأْمر بالفحشاء﴾ [سُورَة الْأَعْرَاف ٢٨]
стр. 442
فَإِذا كَانَ الْجمال متضمنا لعدم مَا هُوَ أحب إِلَيْهِ أَو لوُجُوده مَا هُوَ أبْغض لَهُ لزم من ذَلِك فَوَات مَا فِي الْجمال المحبوب فَإِذا كَانَ فِي جمال الثِّيَاب بطر وفخر وخيلاء وسرف فَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا يحب كل مختال فخور وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين إِذا أَنْفقُوا لم يُسْرِفُوا وَلم يقترُوا﴾ [سُورَة الْفرْقَان ٦٧] بل هُوَ يبغض البطر الفخور المختال والمسرف وَقَالَ إِن المسرفين هم أَصْحَاب النَّار [سُورَة غَافِر ٤٣] فَلهَذَا قَالَ ص لَا ينظر الله يَوْم الْقِيَامَة إِلَى من جر أزاره خُيَلَاء وبطرا فَإِنَّهُ ببغضه فَلَا ينظر إِلَيْهِ وَإِن كَانَ فِيهِ جمال فَإِن ذَلِك غرق فِي جَانب مَا يبغضه الله من الْخُيَلَاء والبطر
وَكَذَلِكَ الْحَرِير فِيهِ من السَّرف وَالْفَخْر وَالْخُيَلَاء مَا يبغضه الله وينافي التَّقْوَى الَّتِي هِيَ مَحْبُوب الله كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنهُ أَنه نزع فروج الْحَرِير وَقَالَ لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتقين
стр. 443
وَكَذَلِكَ سَائِر مَا حرمه الله وَكَرِهَهُ مِمَّا فِيهِ جمال فَإِن ذَلِك لاشْتِمَاله على مَكْرُوه ألحق على مَا فِيهِ مِمَّا يبغضه الله أعظم مِمَّا فِيهِ من محبوبه ولتفويته مَا هُوَ أحب إِلَيْهِ مِنْهُ
وَكَذَلِكَ الصُّور الجميلة من الرِّجَال وَالنِّسَاء فَإِن أحدهم إِذا كَانَ خلقه سَيِّئًا بِأَن يكون فَاجِرًا أَو كَافِرًا مُعْلنا أَو منافقا كَانَ البغض أَو المقت لخلقه وَدينه مستعليا على مَا فِيهِ من الْجمال
كَمَا قَالَ تَعَالَى عَن الْمُنَافِقين وَإِذا رَأَيْتهمْ تعجبك أجسامهم [سُورَة المُنَافِقُونَ ٤]
وَقَالَ وَمن النَّاس من يُعْجِبك قَوْله فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا [سُورَة الْبَقَرَة ٢٠٤] فَهَؤُلَاءِ إِنَّمَا أعجبه صورهم الظَّاهِرَة لِلْبَصَرِ وأقوالهم الظَّاهِرَة للسمع لما فِيهِ من الْأَمر المعجب لَكِن لما كَانَت حقائق أَخْلَاقهم الَّتِي هِيَ أملك بهم مُشْتَمِلَة على مَا هُوَ أبْغض الْأَشْيَاء وأمقتها إِلَيْهِ لم يَنْفَعهُمْ حسن الصُّورَة وَالْكَلَام
وَقَالَ النَّبِي ﷺ إِن الله لَا ينظر إِلَى صوركُمْ وَلَا إِلَى أَمْوَالكُم وَإِنَّمَا ينظر إِلَى قُلُوبكُمْ وَأَعْمَالكُمْ
стр. 444
وَكَذَلِكَ الْمَرْأَة وَالصَّبِيّ إِذا كَانَ فَاجِرًا فَإِن ذَلِك يفوت حسن الْخلق وَالتَّقوى الَّتِي هِيَ أحب إِلَى الله من ذَلِك وَيُوجب بغض الله للفاحشة ولصاحبها ولسئ الْخلق ومقته وغضبه عَلَيْهِ مَا هُوَ أعظم بِكَثِير مِمَّا فِيهِ من الْجمال الْمُقْتَضى للمحبة
وَكَذَلِكَ الْقُوَّة وَإِن كَانَت من صِفَات الْكَمَال الَّتِي يُحِبهَا الله
فَإِذا كَانَت الْإِعَانَة على الْكفْر والفجور الَّذِي بغض الله لَهُ ومقته عَلَيْهِ وتفويته لما يُحِبهُ من الْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالح أعظم بِكَثِير من مُجَرّد مَا فِي الْقُوَّة من الامر المحبوب ترجح جَانب البغض بِقدر ذَلِك
فَإِذا كَانَت الْقُوَّة فِي الْإِيمَان كَانَ الْأَمر كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ الْمُؤمن الْقوي خير وَأحب إِلَى الله من الْمُؤمن الضَّعِيف وَمن الْمَعْلُوم أَن الله يحب الْحَسَنَات وَأَهْلهَا وَيبغض السَّيِّئَات وَأَهْلهَا فَهُوَ يحب كل مَا أَمر بِهِ أَمر إِيجَاب أَو أَمر اسْتِحْبَاب وكل مَا حَمده وَأثْنى عَلَيْهِ من الصِّفَات مثل الْعلم وَالْإِيمَان والصدق وَالْعدْل وَالتَّقوى وَالْإِحْسَان وَغير ذَلِك وَيُحب المقسطين وَيُحب التوابين وَيُحب المتطهرين وَيُحب الْمُحْسِنِينَ وَالَّذين يُقَاتلُون فِي سَبيله صفا كَأَنَّهُمْ بُنيان مرصوص وَيبغض الْكفْر وأنواعه وَالظُّلم وَالْكذب وَالْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَلَا أحد أغير مِنْهُ وكل مَا حرمه يبغضه
стр. 445
فَإِذا كَانَ مَعَ الْجمال أَو غَيره مِمَّا فِيهِ وَجه محبَّة مَا هُوَ بغيض من الْفَوَاحِش أَو الْكَذِب أَو الظُّلم أَو غير ذَلِك كَمَا ذكره فِي قَوْله ﴿قل إِنَّمَا حرم رَبِّي الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَالْإِثْم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا وَأَن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ [سُورَة الْأَعْرَاف ٣٣] فَإِن ذَلِك يفوت مَا هُوَ أحب إِلَى الله من الْجمال بِكَثِير وَيُوجب من مقت الله وبغضه مَا هُوَ أعظم بِكَثِير مِمَّا لمُجَرّد الْجمال من الْحبّ وَيُوجب النَّهْي عَمَّا يُوجب هَذِه السَّيِّئَات الْكَثِيرَة ويفوت الْجمال الْأَفْضَل وَهُوَ كَمَال الْخلق وَحسنه وَمَا فِي ذَلِك من الْحَسَنَات وَكَانَ مَا فِي ذَلِك من المبغضات وَترك المحبوبات راجحا على الْحبّ الَّذِي للجمال
وعَلى هَذَا يجْرِي الْأَمر على محبَّة الْإِنْسَان للشئ الْجَمِيل من الصُّورَة وَالنَّظَر إِلَيْهِ وَمَا يدْخل فِي ذَلِك من قُوَّة الْحبّ وَالزِّيَادَة فِيهِ الَّتِي تسمى الْعِشْق فَإِن ذَلِك إِذا خلا عَن الْمفْسدَة الراجحة مثل أَن يحب الْإِنْسَان امْرَأَته وجاريته حبا معتدلا أَو يحب مَا لَا فتْنَة فِيهِ كحبه للجميل من الدَّوَابّ وَالثيَاب وَيُحب وَلَده وأباه وَأمه وَنَحْو ذَلِك من محبَّة الرَّحِم كنوع من الْجمال الْحبّ المعتدل فَهَذَا حسن
стр. 446
أما إِذا أحب النِّسَاء الاجانب أَو المردان وَنَحْو ذَلِك فَهَذَا الْحبّ مُتَضَمّن للمحبة الحيوانية وَلَيْسَ فِي ذَلِك مُجَرّد محبَّة الْجمال والمحبة الحيوانية مِمَّا يبغضها الله ويمقتها وتوابعها منهى عَنْهَا مَعَ ذَلِك سَوَاء كَانَ مَعَ الْمحبَّة فعل الْفَاحِشَة الْكُبْرَى أَو كَانَت للتمتع بِالنّظرِ وَالسَّمَاع وَغير ذَلِك
فالتمتع مُقَدمَات الْوَطْء فَإِن كَانَ الْوَطْء حَلَالا حلت مقدماته وَإِن كَانَ الْوَطْء حَرَامًا حرمت مقدماته وَإِن كَانَ فِي ذَلِك رفض للجمال كَمَا فِيهِ رفض للذة الْوَطْء الْمحرم فَإِن مَا فِي ذَلِك مِمَّا يبغضه الله ويمقت عَلَيْهِ أعظم مِمَّا فِي مُجَرّد الْجمال من الْحبّ المتضمن وَذَلِكَ مُتَضَمّن لتفويت محاب الله من التَّقْوَى والعفاف والإقبال على مصَالح الدّين وَالدُّنْيَا أعظم بِكَثِير مِمَّا فِيهَا من مُجَرّد حب الْجمال فَلهَذَا كَانَت هَذِه مذمومة مَنْهِيّا عَنْهَا حَتَّى حرم الشَّارِع النّظر فِي ذَلِك بلذة وشهوة وَبِغير لَذَّة وشهوة إِذا خَافَ النَّاظر الْفِتْنَة والفتنة مخوفة فِي النّظر إِلَى الْأَجْنَبِيَّة الْحَسَنَة والأمرد الْحسن فِي أحد قولي الْعلمَاء الَّذِي يُصَحِّحهُ كثير من أَصْحَاب الشَّافِعِي وَأحمد وَغَيرهمَا وَهَذَا قد يخْتَلف بأختلاف الْعَادَات والطبائع وَأما النّظر للْحَاجة من غير شَهْوَة وَلَا لَذَّة فَيجوز
وَلِهَذَا لم يَأْمر الله وَلَا رَسُوله وَلَا أهل الْعلم وَالْإِيمَان بعشق الصُّور الجميلة
стр. 447
وَلَا أثنوا على مَا كَانَ كَذَلِك وَكَذَلِكَ الْعُقَلَاء من جَمِيع الْأُمَم وَلَكِن طَائِفَة من المتفلسفة والمتصوفة تَأمر بذلك وتثنى عَلَيْهِ لما فِيهِ زَعَمُوا من إصْلَاح النَّفس ورياضتها وتهذيب الْأَخْلَاق واكتساب الصِّفَات المحمودة من السماحة والشجاعة وَالْعلم والفصاحة والاختيال وَنَحْو ذَلِك من الْأُمُور حَتَّى أَن طَائِفَة من فلاسفة الرّوم وَالْفرس وَمن اتبعهم من الْعَرَب تَأمر بِهِ وَكَذَلِكَ طَائِفَة من المتصوفة حَتَّى يَقُول أحدهم يَنْبَغِي للمريد أَن يتَّخذ لَهُ صُورَة يجْتَمع قلبه عَلَيْهَا ثمَّ ينْتَقل مِنْهَا إِلَى الله وَرُبمَا قَالُوا إِنَّهُم يشْهدُونَ الله فِي تِلْكَ الصُّورَة وَيَقُولُونَ هَذِه مظَاهر الْجمال ويتأولون قَوْله ص إِن الله جميل يحب الْجمال على غير تَأْوِيله
فَهَؤُلَاءِ وأمثالهم مِمَّن يدْخل فِي ذَلِك يَزْعمُونَ أَن طريقهم مُوَافق لطريق الْعقل وَالدّين والخلق وَإِن اندرج فِي ذَلِك من الْأُمُور الْفَاحِشَة مَا اندرج
وَهَؤُلَاء لَهُم نصيب من قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا فعلوا فَاحِشَة قَالُوا وجدنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَالله أمرنَا بهَا قل إِن الله لَا يَأْمر بالفحشاء﴾ [سُورَة الْأَعْرَاف ٢٨]
لَكِن الْعَرَب الَّذين كَانُوا سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة إِنَّمَا كَانَت فاحشتهم الَّتِي قَالُوا فِيهَا مَا قَالُوا طوافهم بِالْبَيْتِ عُرَاة لاعتقادهم أَن ثِيَابهمْ الَّتِي
стр. 448
عصوا الله فِيهَا لَا تصلح أَن يعبد الله فِيهَا فَكَانُوا ينزهون عبَادَة الله عَن ملامسة ثِيَابهمْ فيقعون فِي الْفَاحِشَة الَّتِي هِيَ كشف عَوْرَاتهمْ
وَأما هَؤُلَاءِ فَأَمرهمْ أجل وَأعظم إِذْ غَايَة مَا كَانَ أُولَئِكَ يَفْعَلُونَ طواف الرِّجَال وَالنِّسَاء عُرَاة مختلطين حَتَّى كَانَت الْمَرْأَة مِنْهُم تَقول ... الْيَوْم يَبْدُو بعضه أَو كُله وَمَا بدا مِنْهُ فَلَا أحله ...
وَلم يكن ذَلِك الِاخْتِلَاط والاجتماع إِلَّا فِي عبَادَة ظَاهِرَة لَا يَتَأَتَّى فِيهَا فعل الْفَاحِشَة الْكُبْرَى وَلم يقصدوا بالتعري إِلَّا التنزة من لِبَاس الذُّنُوب بزعمهم
فَالَّذِينَ يَجْتَمعُونَ من الرِّجَال وَالنِّسَاء والمردان لسَمَاع المكاء والتصدية ويطفئون المصابيح حَتَّى لَا يرى أحدهم الآخر حَتَّى اجْتَمعُوا على غناء وزنا ومطاعم خبيثة وَجعلُوا ذَلِك عبَادَة فَهَؤُلَاءِ شَرّ من أُولَئِكَ بِلَا ريب فَأن هَؤُلَاءِ فتحُوا أَبْوَاب جَهَنَّم
كَمَا روى أَبُو هُرَيْرَة قَالَ سُئِلَ رَسُول الله ﷺ مَا أَكثر
стр. 449
مَا يدْخل النَّاس النَّار فَقَالَ الأجوفان الْفَم والفرج قَالَ التِّرْمِذِيّ حسن صَحِيح
وَكَذَلِكَ روى عَنهُ أَنه قَالَ أخوف مَا أَخَاف عَلَيْكُم شهوات الغي فِي بطونكم وفروجكم ومضلات الْفِتَن
وَفِي الصَّحِيح عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ حجبت النَّار بالشهوات وحجبت الْجنَّة بالمكاره وَفِي رِوَايَة مُسلم حفت مَكَان حجبت
وَإِذا كَانَت النَّار محجوبة ومحفوفة بالشهوات لم يدْخل النَّار إِلَّا بهَا وَإِذا كَانَت الْجنَّة محجوبة ومحفوفة بالمكاره لم يدْخل الْجنَّة إِلَّا بهَا
стр. 450
وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن سهل بن سعد عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من يضمن لي مَا بَين لحييْهِ وَمَا بَين رجلَيْهِ أضمن لَهُ الْجنَّة وَمَا بَين لحييْهِ يتَنَاوَل الْكَلَام وَالطَّعَام
كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَأبي شُرَيْح الْخُزَاعِيّ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَلْيقل خيرا أَو ليصمت
فَبين ص أَنه من ضمن لَهُ هذَيْن ضمن لَهُ الْجنَّة وَهَذَا يَقْتَضِي أَن من هذَيْن يدْخل النَّار وَلِهَذَا حرم الله الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَحرم أَيْضا انتهاك الْأَعْرَاض وَجعل فِي الْقَذْف بالفاحشة من الْعقُوبَة الْمقدرَة وَهِي حد الْقَذْف ثَمَانِينَ جلدَة
وَبَين ص أَن الزِّنَا من الْكَبَائِر وَأَن قذف الْمُحْصنَات الْغَافِلَات من الْكَبَائِر وَهُوَ وَهُوَ من نوع الْكَبَائِر إِذْ لم يَأْتِ عَلَيْهِ
стр. 451
الْقَاذِف بأَرْبعَة شُهَدَاء وَإِن كَانَ قد وَقع فَإِنَّهُ أظهر مَا يحب الله إخفاؤه
كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين يحبونَ أَن تشيع الْفَاحِشَة فِي الَّذين آمنُوا لَهُم عَذَاب أَلِيم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة﴾ [سُورَة النُّور ١٩]
وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح قَالَ النَّبِي ﷺ كل أمتِي معافى إِلَّا المجاهرين وَإِن من المجاهرة أَن يعْمل الرجل بِاللَّيْلِ عملا ثمَّ يصبح وَقد ستره الله عَلَيْهِ فَيَقُول يَا فلَان عملت البارحة كَذَا وَكَذَا بَات يستره ربه وَيُصْبِح يكْشف ستره
وَقَالَ من ابتلى من هَذِه القاذورة بشئ فليستتر بستر الله فَإِنَّهُ من يُبْدِي لنا صفحته نقم عَلَيْهِ كتاب الله
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن صَفْوَان بن مُحرز أَن رجلا سَأَلَ ابْن عمر كَيفَ سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول فِي النَّجْوَى قَالَ يدنو أحدكُم من ربه حَتَّى يضع كنفه عَلَيْهِ فَيَقُول عملت كَذَا وَكَذَا فَيَقُول نعم
стр. 452
وَيَقُول عملت كَذَا وَكَذَا فَيَقُول نعم فيقرره ثمَّ يَقُول سترتها عَلَيْك فِي الدُّنْيَا وَأَنا أغفرها لَك الْيَوْم وَلِهَذَا يكثر وُقُوع النَّاس فِي أحد هذَيْن الذنبين
فَمن النَّاس من يبتلى بالفاحشة وَإِن كَانَ ممسكا عَن الْكَلَام وَمن النَّاس من يَبْتَلِي بالْكلَام والاعتداء على غَيره بِلِسَانِهِ وَإِن كَانَ عفيفا عَن الْفَاحِشَة
وَأَيْضًا فَإِن من الْكَلَام المنهى عَنهُ الْخَوْض فِي الدّين بالبدع والضلالات مَعَ تضمنه لشَهْوَة الطَّعَام وَمَا بَين الفرجين يتَضَمَّن أقوى الشَّهَوَات وَذَلِكَ من الِاسْتِمْتَاع بالخلاق فِي الدُّنْيَا كَمَا جمع الله تَعَالَى بَينهمَا بقوله فَاسْتَمعُوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كَمَا استمتع الَّذين من قبلكُمْ بخلاقهم وخضتم كَالَّذي خَاضُوا [سُورَة التَّوْبَة ٦٩] الأول يتَضَمَّن الشُّبُهَات وَالثَّانِي يتَضَمَّن الشَّهَوَات الأول يتَضَمَّن الدّين الْفَاسِد وَالثَّانِي يتَضَمَّن الدُّنْيَا الْفَاجِرَة
стр. 453
وَكَانَ السّلف يحذرون من هذَيْن النَّوْعَيْنِ من المبتدع فِي دينه والفاجر فِي دُنْيَاهُ كل من هذَيْن النَّوْعَيْنِ وَإِن لم يكن كفرا مَحْضا فَهَذَا من الذُّنُوب والسيئات الَّتِي تقع من أهل الْقبْلَة
وجنس الْبدع وَإِن كَانَ شرا لَكِن الْفُجُور شَرّ من وَجه آخر وَذَلِكَ أَن الْفَاجِر الْمُؤمن لَا يَجْعَل الْفُجُور شرا من الْوَجْه الآخر الَّذِي هُوَ حرَام مَحْض لَكِن مَقْرُونا بأعتقاده لتحريمه وَتلك حَسَنَة فِي أصل الِاعْتِقَاد وَأما المبتدع فَلَا بُد ان تشْتَمل بدعته على حق وباطل لَكِن يعْتَقد ان باطلها حق أَيْضا فَفِيهِ من الْحسن مَا لَيْسَ فِي الْفُجُور وَمن السئ مَا لَيْسَ فِي الْفُجُور وَكَذَلِكَ بِالْعَكْسِ
فَمن خلص من الشَّهَوَات الْمُحرمَة والشهوات المبتدعة وَجَبت لَهُ الْجنَّة وَهَذِه هِيَ الثَّلَاثَة الْكَلَام المنهى عَنهُ وَالطَّعَام المنهى عَنهُ وَالنِّكَاح المنهى عَنهُ فَإِذا اقْترن بِهَذِهِ الْكَبَائِر استحلالها كَانَ ذَلِك أمرا فَكيف إِذا جعلت طَاعَة وقربة وعقلا ودينا
وَهَؤُلَاء هم الَّذين يسْتَحقُّونَ عُقُوبَة أمثالهم من الْأُمَم كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح أَنه يكون فِي هَذِه الْأمة من يمسخ قردة وَخَنَازِير وكما روى أَنه سَيكون فِيهَا خسف وَقذف ومسخ
وَقَالَ بعض السّلف فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا هِيَ من الظَّالِمين بِبَعِيد﴾
стр. 454
[سُورَة هود ٨٣] أَي من ظالمي هَذِه الْأمة وَفِي ذَلِك من الْأَحَادِيث مَا يضيق هَذَا الْموضع عَن ذكره وَفِي عامتها يذكر استحلالهم لَهَا
وأصل الضلال والغي من هَؤُلَاءِ الَّذين يستحسنون عشق الصُّور ويحمدونه ويأمرون بِهِ وَإِن قيدوه مَعَ ذَلِك بالعفة أَن الْمحبَّة هِيَ أصل كل حَرَكَة فِي الْعَالم فَالنَّفْس إِذا لم يكن فِيهَا حَرَكَة وَلَا هِيَ قَوِيَّة الهمة والإرادة حَتَّى تحصل لَهَا محبَّة شَدِيدَة كَانَت تِلْكَ المنهيات عَنْهَا هِيَ أصُول الشَّرّ وَهِي الَّتِي إِذا ظَهرت قَامَت السَّاعَة
كَمَا فِي الصَّحِيح عَن أنس أَنه قَالَ لأحدثنكم حَدِيثا لَا يحدثكمونه أحد بعدِي سمعته من النَّبِي ﷺ سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول إِن من أَشْرَاط السَّاعَة أَن يرفع الْعلم وَيظْهر الْجَهْل وَيشْرب الْخمر وَيظْهر الزِّنَا ويقل الرِّجَال وتكثر النِّسَاء حَتَّى يكون لخمسين امْرَأَة قيم وَاحِد
стр. 455
فَمن ظُهُور الْجَهْل ظُهُور الْكَلَام فِي الدّين بِغَيْر علم وَهُوَ الْكَلَام بِغَيْر سُلْطَان من الله وسلطان الله كِتَابه وَمن ظُهُور الزِّنَا ظُهُور اللواط وَإِن كَانَ لَهُ اسْم يَخُصُّهُ فَهُوَ شَرّ نَوْعي الزِّنَا وَلكَون ظُهُور شهوات الغي الْبَطن والفرج هِيَ أغلب مَا يدْخل النَّاس النَّار كَمَا ذكر ذَلِك النَّبِي ﷺ فِيمَا أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن وَلَا يسرق السَّارِق حِين يسرق وَهُوَ مُؤمن وَلَا يشرب الْخمر حِين يشْربهَا وَهُوَ مُؤمن وَالتَّوْبَة معروضة بعد
وَالسَّرِقَة بِالْمَالِ الَّذِي هُوَ أعظم مَقْصُود الْأكل وَلِهَذَا يعبر عَن اخذه بِالْأَكْلِ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [سُورَة الْبَقَرَة ١٨٨]
وَهَذِه الثَّلَاثَة هِيَ الَّتِي يعْقد الْفُقَهَاء فِيهَا أَبْوَاب الْحُدُود بَاب حد الزِّنَا بَاب حد السّرقَة بَاب حد شرب الْخمر وَرَابِعهَا بَاب حد الْقَذْف مندرجة فِيمَا بَين لحييْهِ وَبَين رجلَيْهِ
стр. 456
وَقد
روى هَذَا الحَدِيث البُخَارِيّ عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يَزْنِي العَبْد حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن وَلَا يسرق حِين يسرق وَهُوَ مُؤمن وَلَا يشرب الْخمر حِين يشرب وَهُوَ مُؤمن وَلَا يقتل وَهُوَ مُؤمن قَالَ عِكْرِمَة قلت لِابْنِ عَبَّاس كَيفَ ينْزع الْإِيمَان مِنْهُ قَالَ هَكَذَا وَشَبك بَين أَصَابِعه ثمَّ أخرجهَا فَإِن تَابَ عَاد إِلَيْهِ هَكَذَا وَشَبك بَين أَصَابِعه
فَإِذا اقْترن بِهَذِهِ الْكَبَائِر تِلْكَ الْمحبَّة فِي نفس صَاحبهَا فَإِنَّهَا توجب حركتها وَقُوَّة إرادتها فيعطي من المَال مَا لم يكن يُعْطِيهِ وَيقدم على مخاوف لم يكن يقدم عَلَيْهَا ويحتال وَيُدبر مَا لم يكن يحتاله ويدبره قبل ذَلِك وَيصير والها من التفكر وَالنَّظَر مَا لم يكن قبل ذَلِك فَلَمَّا رَأَوْا مَا فِيهِ من هَذِه الْأُمُور الَّتِي هِيَ من جنس المحمودات حمدوه بذلك وَهَذَا من جنس من حمد الْخمر لما فِيهَا من الشجَاعَة وَالْكَرم وَالسُّرُور وَنَحْو ذَلِك
стр. 457
وَذَلِكَ أَن هَؤُلَاءِ كلهم لحظوا مَا فِيهَا من جنس المحبوب وأغفلوا مَا تتضمنه من جنس المذموم فَإِن الَّذِي يورثه الْعِشْق من نقص الْعقل وَالْعلم وَفَسَاد الْخلق وَالدّين والاشتغال عَن مصَالح الدّين وَالدُّنْيَا أَضْعَاف مَا يتضمنه من جنس الْمَحْمُود
وأصدق شَاهد على ذَلِك مَا يعرف من أَحْوَال الْأُمَم وَسَمَاع أَخْبَار النَّاس فِي ذَلِك فَهُوَ يُغني عَن مُعَاينَة ذَلِك وتجريبه وَمن جرب ذَلِك أَو عاينه اعْتبر بِمَا فِيهِ كِفَايَة فَلم يُوجد قطّ عشق إِلَّا وضرره أعظم من منفعَته
وَلِهَذَا قَالَ أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي فِي رسَالَته وَمن أصعب الْآفَات فِي هَذِه الطَّرِيقَة صُحْبَة الْأَحْدَاث وَمن ابتلاه الله بشئ من ذَلِك فبإجماع الشُّيُوخ هَذَا عبد أهانه الله وخذله بل عَن نَفسه شغله وَلَو لِأَلف الف كَرَامَة أَهله وهب أَنه بلغ رُتْبَة الشُّهَدَاء لما فِي الْخَبَر من التَّلْوِيح بذلك أَلَيْسَ قد شغل ذَلِك الْقلب
стр. 458
بمخلوق وأصعب من ذَلِك تهوين ذَلِك على الْقلب حَتَّى يعد ذَلِك يَسِيرا وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وتحسبونه هينا وَهُوَ عِنْد الله عَظِيم﴾ [سُورَة النُّور ١٥]
وَهَذَا الوَاسِطِيّ ﵀ يَقُول إِذا أَرَادَ الله هوان عبد أَلْقَاهُ إِلَى هَؤُلَاءِ الأنتان والجيف
وَقَالَ سَمِعت أَبَا عبد الله الصُّوفِي يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن أَحْمد النجار يَقُول سَمِعت أَبَا عبد الله الحصري يَقُول سَمِعت فتحا الْموصِلِي يَقُول صَحِبت ثَلَاثِينَ شَيخا كَانُوا يعدون من الابدال فكلهم أوصوني عِنْد فراقي إيَّاهُم وَقَالُوا لي اتَّقِ معاشرة الاحداث ومخالطتهم
وَمن ارْتقى فِي هَذَا الْبَاب عَن حَال الْفسق وَأَشَارَ إِلَى أَن ذَلِك من بلايا الْأَرْوَاح وَأَنه لَا يضر فَمَا قَالُوهُ من وساوس الْقَائِلين
стр. 459
بِالسَّمَاعِ وإيراد حكايات عَن بعض الشُّيُوخ كَانَ الأولى بهم إسبال السّتْر على هناتهم وآفاتهم فَذَلِك نَظِير الشّرك وقرين الْكفْر
فليحذر المريد من مجالسة الْأَحْدَاث ومخالطتهم فَإِن الْيَسِير مِنْهُ فتح بَاب الخذلان وبدء حَال الهجران ونعوذ بِاللَّه من قَضَاء السوء
وَهنا أصل عَظِيم نَافِع يجب اعْتِبَاره وَهُوَ ان الْأُمُور المذمومة فِي الشَّرِيعَة كَمَا ذَكرْنَاهُ هُوَ مَا ترجح فَسَاده على صَلَاحه كَمَا أَن الْأُمُور المحمودة مَا ترجح صَلَاحه على فَسَاده فالحسنات تغلب فِيهَا الْمصَالح والسيئات تغلب فِيهَا الْمَفَاسِد والحسنات دَرَجَات بَعْضهَا فَوق بعض والسيئات بَعْضهَا أكبر من بعض فَكَمَا أَن أهل الْحَسَنَات ينقسمون إِلَى الْأَبْرَار الْمُقْتَصِدِينَ والسابقين المقربين فَأهل السَّيِّئَات ينقسمون إِلَى الْفجار الظَّالِمين وَالْكفَّار المكذبين وكل من هَؤُلَاءِ هم دَرَجَات عِنْد الله
وَمن الْمَعْلُوم أَن الْحَسَنَات كلما كَانَت أعظم كَانَ صَاحبهَا أفضل فَإِذا انْتقل الرجل من حَسَنَة إِلَى أحسن مِنْهَا كَانَ فِي مزِيد التَّقْرِيب وَإِن
стр. 460
انْتقل إِلَى مَا هُوَ دونهَا كَانَ فِي التَّأَخُّر وَالرُّجُوع وَكَذَلِكَ السَّيِّئَات كلما كَانَت أعظم كَانَ صَاحبهَا أولى بِالْغَضَبِ واللعنة وَالْعِقَاب
وَقد وَقَالَ تَعَالَى لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ غير اولي الضَّرَر وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل الله بأمولهم وأنفسهم فضل الله الْمُجَاهدين بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم على القاعدين دَرَجَة [سُورَة النِّسَاء ٩٥]
وَقَالَ ﴿أجعلتم سِقَايَة الْحَاج وَعمارَة الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ إِلَى قَوْله ﴿الَّذين آمنُوا وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا فِي سَبِيل الله بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم أعظم دَرَجَة عِنْد الله وَأُولَئِكَ هم الفائزون﴾ [سُورَة التَّوْبَة ١٩ ٢٠]
وَقَالَ لَا يَسْتَوِي مِنْكُم من أنْفق من قبل الْفَتْح وَقَاتل [سُورَة الْحَدِيد ١٠]
وَقَالَ يرفع الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَالَّذين أُوتُوا الْعلم دَرَجَات [سُورَة المجادلة ١١]
وَكَذَلِكَ قَالَ فِي السَّيِّئَات إِنَّمَا النسئ زِيَادَة فِي الْكفْر [سُورَة التَّوْبَة ٣٧]
وَقَالَ زدناهم عذَابا فَوق الْعَذَاب [سُورَة النَّحْل ٨٨]
وَقَالَ وَأما الَّذين فِي قُلُوبهم مرض فزادتهم رجسا إِلَى رجسهم [سُورَة التَّوْبَة ١٢٥]
وَقَالَ فِي قُلُوبهم مرض فَزَادَهُم الله مَرضا [سُورَة الْبَقَرَة ١٠]
следующие страницы →