← Акыда

Акыда · id 6820

الاستقامة

ابن تيمية

Полный текст (813 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

واما مقَام الرجل وامثاله فِي ذَلِك الزَّمَان بجبل لبنان فان جبل لبنان وَنَحْوه كَانَ ثغرا للْمُسلمين لكَونه بساحل الْبَحْر مجاورا لِلنَّصَارَى بِمَنْزِلَة عسقلان والاسكندرية وَغَيرهمَا من الثغور وَكَانَ صالحو الْمُسلمين يُقِيمُونَ بالثغور للرباط فِي سَبِيل الله وَمَا ورد من الاثار فِي فضل هَذِه الْبِقَاع فلفضل الرِّبَاط فِي سَبِيل الله واما بعد غَلَبَة النَّصَارَى عَلَيْهَا والقرامطة وَالرَّوَافِض فَلم يبْق فِيهَا فضل وَلَيْسَ بِهِ فِي تِلْكَ الاوقات اُحْدُ من الصَّالِحين وَلَا يشرع فِي ديننَا سُكْنى الْبَوَادِي وَالْجِبَال الا عِنْد الْفِرَار من الْفِتَن اذ كَانَ الْمُقِيم بِالْمِصْرِ يلجأ اليها عِنْد الْفِتْنَة فِي دينه فيهاجر الى حَيْثُ لَا يفتن فَإِن المُهَاجر من هجر مَا نهى الله عَنهُ وَقد بسطنا هَذَا فِي غير الْموضع قلت فقد ظهر انهم يعنون بغيرة الْحق نَحْو مَا وصف بِهِ الرَّسُول ﷺ ان من غيرته على عَبده ان يَأْتِي مَحَارمه فَيدْخلُونَ فِي ذَلِك مَا لَا يُحِبهُ من فضول الْمُبَاح وَقد يعنون بهَا غيرته على مواجده وعطاياه الَّتِي لأوليائه ان يَضَعهَا فِي غير محلهَا فَجعلُوا الْغيرَة تَارَة فِي امْرَهْ وَنَهْيه وَتارَة فِي قَضَائِهِ وَقدره

стр. 527

واما الْغيرَة من اهل الطَّرِيق فقد يَعْنِي بهَا الْمَعْنى الشَّرْعِيّ وَهُوَ ان يغار الْمُؤمن ان تنتهك محارم الله ويدخلون فِي ذَلِك اباء المقربين من غيرتهم ان يكون الشَّيْء من امورهم لغير الله وَذَلِكَ قد يَعْنِي بهَا ان يغار الانسان على محاب الْحق ومرضاته ان تكون فِي غير محلهَا وَهَذَا قريب وَقد يَعْنِي بهَا ان يغار الانسان ان يُشَارِكهُ غَيره فِي طَرِيق الْحق ومواهبه وَيكون هَذَا حسدا واستكبارا وشبها بغيرة الضرائر على الرجل اَوْ غَيره الفحول على الانثى وَقد يَعْنِي بهَا ان يغار على الْحق ان يذكرهُ اُحْدُ اَوْ ان يعرفهُ اُحْدُ اَوْ ان ينظر اليه اُحْدُ كَمَا يغار الانسان على محبوبه الْعَزِيز عِنْده كَمَا تقدم عَن الشبلي وكما حَكَاهُ عَن بَعضهم قَالَ قيل لبَعْضهِم اتريد ان ترَاهُ فَقَالَ لَا قيل وَلم قَالَ انزه وَذَلِكَ الْجمال عَن نظر مثلى

стр. 528

قَالَ وَفِي الْمَعْنى انشدوا ... اني لأحسد ناظري عليكا ... حَتَّى اغض اذا نظرت اليكا واراك تخطر فِي شمائلك الَّتِي ... هِيَ فتنتي فَأَغَارَ مِنْك عليكا ... وكما ذكر فِي بَاب الْمحبَّة فَقَالَ سَمِعت الشَّيْخ ابا عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ يَقُول سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله يَقُول سَمِعت الشبلي يَقُول الْمحبَّة ان تغار على المحبوب ان يُحِبهُ مثلك وَهَذَا ايضا وَجه فَاسد جدا وَهُوَ جهل بِاللَّه وَبِمَا يسْتَحقّهُ وتشبيه لَهُ بالمحبوب من الْبشر وَظن من هَذَا الْقَائِل انه اذا رأى الله حصل بذلك نقص فِي حق الله اَوْ ضَرَر عَلَيْهِ فان الانسان انما يغار على محبوبه مِمَّا فِيهِ عَلَيْهِ ضَرَر اَوْ عَليّ الْمُحب فِيهِ ضَرَر فيغار من الشّركَة لما فِيهِ من الضَّرَر وَقد يغار عَلَيْهِ من نَفسه لاستشعاره بِهِ ان ذَلِك نقص وَذَلِكَ كُله محَال فِي حق الله

стр. 529

وَمن قَالَ هَذَا قد يَقُول اغار عَلَيْهِ من ان احبه ومثلى لَا يصلح ان يعبده وانما اعبد من يعبده وَنَحْو ذَلِك مِمَّا زينه الشَّيْطَان للْمُشْرِكين واهل الضلال وَذَلِكَ انهم قد يدْخلُونَ فِي غيرَة الله مَنعه لمواهبه وعطاياه من الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وتقربوا اليه بأصناف القربات كَمَا قد يمْنَع السَّيِّد والمحبوب عبيده ومحبيه مَا يستحقونه وَهَذَا ايضا جهل بِاللَّه وَتَكْذيب بوعده وتجوير لَهُ وتزكية لنفوسهم وَهُوَ بَاطِل وَفِي الْجُمْلَة فالغيرة المحمودة اما ترك مَا نهى الله عَنهُ اَوْ ترك مَا لم يَأْمر الله بِهِ وَلَا اوجبه وَمن لم يكن فِيهِ اُحْدُ الْحَالين فَهُوَ مِمَّن فسق عَن امْر ربه وَالثَّانيَِة حَال الكمل الصَّادِقين فَأَما الْغيرَة على مَا لم يحرمه اَوْ على مَا اباحه الله لِعِبَادِهِ ان يفعلوه وَهُوَ لَا يكرههُ وَلَا يسخطه فَهُوَ مَذْمُوم كُله كَمَا تقدم

стр. 530

فَهَذِهِ الْغيرَة الاصطلاحية من مدحها مُطلقًا فقد أَخطَأ وَمن ذمها مُطلقًا فقد أَخطَأ وَالصَّوَاب ان يحمد مِنْهَا مَا حَمده الله وَرَسُوله ويذم مِنْهَا مَا ذمه الله وَرَسُوله وَهَذَا يَقع كثيرا للسالكين فِي هَذَا الْخلق وَغَيره فَإِنَّهُ يلبس الْحق بِالْبَاطِلِ وَلِهَذَا السَّبَب يُنكر كثير من النَّاس مثل هَذَا الطَّرِيق لما فِيهِ من لبس الْحق بِالْبَاطِلِ وَالْآخرُونَ يعظمونه لما فِيهِ من الْحق وَالصَّوَاب الْفرْقَان ﴿وَمن لم يَجْعَل الله لَهُ نورا فَمَا لَهُ من نور﴾ سُورَة النُّور ٤٠ فصل فِيمَا ذكره الاستاذ ابو الْقَاسِم الْقشيرِي فِي بَاب الرِّضَا عَن الشَّيْخ ابي سُلَيْمَان الدَّارَانِي ﵀ انه قَالَ الرِّضَا ان لَا تسْأَل الله الْجنَّة وَلَا تستعيذ بِهِ من النَّار

стр. 531

فان النَّاس تنازعوا فِي هَذَا الْكَلَام فَمنهمْ من انكره وَمِنْهُم من قبله وَالْكَلَام على هَذَا الْكَلَام من وَجْهَيْن أَحدهمَا من جِهَة ثُبُوته عَن الشَّيْخ ابي سُلَيْمَان وَالثَّانِي من جِهَة صِحَّته فِي نَفسه وفساده اما الْمقَام الاول فَيَنْبَغِي ان يعلم ان الاستاذ ابا الْقَاسِم الْقشيرِي لم يذكرهُ عَن الشَّيْخ ابي سُلَيْمَان بِإِسْنَاد وانما ذكره مُرْسلا عَنهُ فِي رسَالَته عَن النَّبِي ﷺ وَالصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ والمشايخ وَغَيرهم تَارَة يذكرهُ بِإِسْنَاد وَتارَة يذكرهُ مُرْسلا وَكَثِيرًا مَا يَقُول فِي الرسَالَة وَقيل عَنهُ كَذَا ثمَّ الَّذِي يذكرهُ الاستاذ ابو الْقَاسِم [بِالْإِسْنَادِ] تَارَة يكون اسناده صَحِيحا وَتارَة يكون ضَعِيفا بل مَوْضُوعا وَمَا يذكرهُ مُرْسلا ومحذوفا

стр. 532

لقَائِل اولى وَهَذَا كَمَا يُوجد [ذَلِك] فِي مصنفات الْفُقَهَاء فَإِن فِيهَا من الاحاديث والْآثَار مَا هُوَ صَحِيح وَمِنْهَا مَا هُوَ ضَعِيف وَمِنْهَا مَا هُوَ مَوْضُوع فالموجود فِي كتب الرَّقَائِق والتصوف من الاثار المنقولة فِيهَا الصَّحِيح وفيهَا الضَّعِيف وفيهَا الْمَوْضُوع وَهَذَا امْر مُتَّفق عَلَيْهِ بَين جَمِيع الْمُسلمين لَا يتنازعون فِي ان هَذِه الْكتب فِيهَا هَذَا وفيهَا هَذَا بل نفس الْكتب المصنفة فِي الحَدِيث والاثار فِيهَا هَذَا وَهَذَا وَكَذَلِكَ الْكتب المصنفة فِي التَّفْسِير فِيهَا هَذِه وَهَذَا مَعَ ان اهل الحَدِيث اقْربْ الى معرفَة المنقولات وَفِي كتبهمْ هَذَا وَهَذَا فَكيف غَيرهم والمصنفون قد يكونُونَ أَئِمَّة فِي الْفِقْه اَوْ التصوف اَوْ الحَدِيث ويروون هَذَا تَارَة لأَنهم لم يعلمُوا انه كذب وَهُوَ الْغَالِب على اهل الدّين فَإِنَّهُم لَا يحتجون بِمَا يعلمُونَ انه كذب وَتارَة

стр. 533

يذكرُونَهُ وان علمُوا انه كذب اذ قصدهم رِوَايَة مَا روى فِي ذَلِك الْبَاب وَرِوَايَة الاحاديث المكذوبة مَعَ بَيَان انها كذب جَائِز واما رِوَايَتهَا مَعَ الْإِمْسَاك عَن ذَلِك رِوَايَة عمل فَإِنَّهُ حرَام عِنْد الْعلمَاء لما ثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ انه قَالَ من حدث عني بِحَدِيث وَهُوَ يرى انه كذب فَهُوَ اُحْدُ الْكَاذِبين وَقد فعل ذَلِك كثير من الْعلمَاء متأولين انهم لم يكذبوا وانما نقلوا مَا رَوَاهُ غَيرهم وَهَذَا يسهل اذ رَوَوْهُ ليعرف انه

стр. 534

روى لَا لأجل الْعَمَل بِهِ والاعتماد عَلَيْهِ وَالْمَقْصُود هُنَا ان مَا يُوجد فِي الرسَالَة وامثالها من كتب الْفِقْه والتصوف والْحَدِيث من المنقولات عَن النَّبِي ﷺ وَغَيره من السّلف فِيهِ الصَّحِيح وَفِيه الضَّعِيف وَفِيه الْمَوْضُوع فَالصَّحِيح الَّذِي قَامَت الدّلَالَة على صدقه والموضوع الَّذِي قَامَت الدّلَالَة على كذبه عَلَيْهَا وَلَا يحْتَج بهَا فَإِن الضعْف ظَاهر عَلَيْهَا وَإِن كَانَ هُوَ لَا يتَعَمَّد واما لاتهامه وَلَكِن يُمكن ان يكون صَادِقا فِيهِ فَإِن الْفَاسِق قد يصدق والغالط قد يحفظ وغالب ابواب الرسَالَة فِيهِ الاقسام الثَّلَاثَة وَمن ذَلِك بَاب الرِّضَا فَإِنَّهُ ذكر فِيهِ عَن النَّبِي ﷺ حَدِيثا صَحِيحا فِي اثناء الْبَاب وَهُوَ حَدِيث الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب عَن النَّبِي ﷺ انه قَالَ ذاق طعم

стр. 535

الايمان من رَضِي بِاللَّه رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دينا وَبِمُحَمَّدٍ نَبيا وَهَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه وان كَانَ الاستاذ لم يذكر ان مُسلما رَوَاهُ لَكِن رَوَاهُ بِإِسْنَاد صَحِيح وَذكر فِي اول هَذَا الْبَاب حَدِيثا ضَعِيفا بل مَوْضُوعا وَهُوَ حَدِيث جَابر الطَّوِيل الَّذِي رَوَاهُ من حَدِيث الْفضل بن عِيسَى الرقاشِي عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر فَهُوَ وان كَانَ اول حَدِيث ذكره فِي الْبَاب فَإِن حَدِيث الْفضل بن عِيسَى من اوهى الاحاديث واسقطها وَلَا نزاع بَين الائمة انه لَا يعْتَمد عَلَيْهَا وَلَا يحْتَج بهَا فَإِن الضعْف ظَاهر عَلَيْهَا وان كَانَ هُوَ لَا يعْتَمد الْكَذِب فَإِن كثيرا من الزهاد

стр. 536

وَالْفُقَهَاء لَا يحْتَج بِحَدِيثِهِمْ لسوء الْحِفْظ لَا لاعتماد الْكَذِب وَهَذَا الرقاشِي اتَّفقُوا على ضعفه كَمَا يعرف ذَلِك ائمة هَذَا الشَّأْن حَتَّى قَالَ ايوب السّخْتِيَانِيّ لَو ولد فضل اخرس لَكَانَ خيرا لَهُ وَقَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة لَا شَيْء وَقَالَ الامام احْمَد وَالنَّسَائِيّ هُوَ ضَعِيف وَقَالَ يحيى بن معِين رجل سوء وَقَالَ ابو حَاتِم وابو زرْعَة مُنكر الحَدِيث وَكَذَلِكَ مَا ذكره من الاثار فانه قد ذكر اثارا حَسَنَة بأسانيد حسنه مثل مَا رَوَاهُ عَن الشَّيْخ ابي سُلَيْمَان الدَّارَانِي انه قَالَ اذا سلا العَبْد عَن الشَّهَوَات فَهُوَ رَاض فَإِن هَذَا رَوَاهُ عَن شَيْخه ابي

стр. 537

عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ بِإِسْنَادِهِ وَالشَّيْخ ابو عبد الرَّحْمَن كَانَت لَهُ عناية بِجمع كَلَام هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخ وحكاياتهم وصنف فِي الاسماء كتاب الطَّبَقَات طَبَقَات الصُّوفِيَّة وَكتاب زهاد السّلف وَغير ذَلِك وصنف فِي الابواب كتاب مقامات الاولياء وَغير ذَلِك ومصنفاته تشْتَمل على الاقسام الثَّلَاثَة وَذكر عَن الشَّيْخ ابي عبد الرَّحْمَن انه قَالَ سَمِعت النصراباذي يَقُول من اراد ان يبلغ مَحل الرِّضَا فليلزم مَا جعل الله رِضَاهُ فِيهِ فَإِن هَذَا الْكَلَام فِي غَايَة الْحسن فَإِنَّهُ من لزم مَا يرضى الله من امْتِثَال اوامره وَاجْتنَاب نواهيه لَا سِيمَا اذ قَامَ بواجبها ومستحبها

стр. 538

يُرْضِي الله عَنهُ كَمَا انه من لزم محبوبات الله احبه الله كَمَا فِي الحَدِيث الصَّحِيح الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيّ من عادي لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وَمَا تقرب الي عَبدِي بِمثل اداء مَا افترضت عَلَيْهِ وَلَا يزَال عَبدِي يتَقرَّب الى بالنوافل حَتَّى احبه فَإِذا احببته الحَدِيث وَذَلِكَ ان الرِّضَا نَوْعَانِ احدهما الرِّضَا بِفعل مَا امْر بِهِ وَترك مَا نهى عَنهُ ويتناول مَا اباحه الله من غير تعد الى الْمَحْظُور كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَالله وَرَسُوله أَحَق أَن يرضوه إِن كَانُوا مُؤمنين﴾ سُورَة التَّوْبَة ٦٢ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو أَنهم رَضوا مَا﴾

стр. 539

﴿آتَاهُم الله وَرَسُوله وَقَالُوا حَسبنَا الله سيؤتينا الله من فَضله وَرَسُوله إِنَّا إِلَى الله راغبون﴾ سُورَة التَّوْبَة ٥٩ فَهَذَا الرِّضَا وَاجِب وَكَذَلِكَ ذمّ من تَركه بقوله ﴿وَمِنْهُم من يَلْمِزك فِي الصَّدقَات فَإِن أعْطوا مِنْهَا رَضوا وَإِن لم يُعْطوا مِنْهَا إِذا هم يسخطون﴾ سُورَة التَّوْبَة ٥٨ وَالنَّوْع الثَّانِي الرِّضَا بالمصائب كالفقر وَالْمَرَض والذل فَهَذَا الرِّضَا مُسْتَحبّ فِي اُحْدُ قولي الْعلمَاء وَلَيْسَ بِوَاجِب وَقد قيل انه وَاجِب وَالصَّحِيح ان الْوَاجِب هُوَ الصَّبْر كَمَا قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ ﵀ الرِّضَا عَزِيز وَلَكِن الصبرمعول الْمُؤمن وَقد روى فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس ان النَّبِي ﷺ قَالَ لَهُ ان اسْتَطَعْت ان تعْمل لله بِالرِّضَا مَعَ الْيَقِين فافعل

стр. 540

فَإِن لم تستطع فَإِن فِي الصَّبْر على مَا تكره خيرا كثيرا واما الرِّضَا بالْكفْر والفسوق والعصيان فَالَّذِي عَلَيْهِ ائمة الدّين انه لَا يرضى بذلك فَإِن الله لَا يرضاه كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر﴾ سُورَة الزمر ٧ وَقَالَ ﴿وَالله لَا يحب الْفساد﴾ سُورَة الْبَقَرَة ٢٠٥ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَإِن ترضوا عَنْهُم فَإِن الله لَا يرضى عَن الْقَوْم الْفَاسِقين﴾ سُورَة التَّوْبَة ٩٦ وَقل تَعَالَى فَجَزَاؤُهُ حهنم خَالِدا فِيهَا وَغَضب الله عَلَيْهِ ولعنه وَاعد لَهُ عذَابا عَظِيما سُورَة النِّسَاء: ٩٣ وَقَالَ ﴿ذَلِك بِأَنَّهُم اتبعُوا مَا أَسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أَعْمَالهم﴾ سُورَة مُحَمَّد ٢٨

стр. 541

وَقَالَ ﴿وعد الله الْمُنَافِقين والمنافقات وَالْكفَّار نَار جَهَنَّم خَالِدين فِيهَا هِيَ حسبهم﴾ سُورَة التَّوْبَة ٦٨ وَقَالَ ﴿لبئس مَا قدمت لَهُم أنفسهم أَن سخط الله عَلَيْهِم وَفِي الْعَذَاب هم خَالدُونَ﴾ سُورَة الْمَائِدَة ٨٠ وَقَالَ ﴿فَلَمَّا آسفونا انتقمنا مِنْهُم﴾ سُورَة الزخرف ٥٥ فَإِذا كَانَ الله سُبْحَانَهُ لَا يرضى لَهُم مَا عملوه بل يسخطه ذَلِك وَهُوَ يسْخط عَلَيْهِم ويغضب عَلَيْهِم فَكيف يسوغ لِلْمُؤمنِ ان يرضى ذَلِك وان لَا يسْخط ويغضب لما يسْخط الله ويغضبه وانما ضل هُنَا فريقان من النَّاس قوم من اهل الْكَلَام المنتسبين الى السّنة فِي مناظرة الْقَدَرِيَّة ظنُّوا ان محبَّة الْحق وَرضَاهُ وغضبه وَسخطه يرجع الى ارادته وَقد علمُوا انه مُرِيد لجَمِيع الكائنات

стр. 542

خلافًا للقدرية وَقَالُوا هُوَ ايضا محب لَهَا مُرِيد لَهَا ثمَّ اخذوا يحرفُونَ الْكَلم عَن موَاضعه فَقَالُوا لَا يحب الْفساد بِمَعْنى لَا يُرِيد الْفساد أَي لَا يُريدهُ للْمُؤْمِنين وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر بِمَعْنى لَا يُريدهُ أَي لَا يُريدهُ للْمُؤْمِنين وَهَذَا غلط عَظِيم فَإِن هَذَا عِنْدهم بِمَنْزِلَة ان يُقَال لَا يحب الايمان وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الايمان بِمَعْنى لَا يُريدهُ للْكَافِرِينَ وَلَا يرضاه للْكَافِرِينَ وَقد اتّفق اهل الاسلام على ان مَا امْر الله بِهِ فَإِنَّهُ يكون مُسْتَحبا يُحِبهُ ثمَّ قد يكون مَعَ ذَلِك وَاجِبا وَقد يكون مُسْتَحبا لَيْسَ بِوَاجِب سَوَاء فعل اَوْ لم يفعل وَالْكَلَام على هَذَا مَبْسُوط فِي غير هَذَا الْموضع والفريق الثانى من غالطي المتصوفة شربوا من هَذِه الْعين فَشَهِدُوا ان الله رب الكائنات جَمِيعهَا وَعَلمُوا انه قدر كل

стр. 543

شَيْء وشاءه وظنوا انهم لَا يكونُونَ راضين حَتَّى يرْضوا بِكُل مَا يقدره الله ويقضيه من الْكفْر والفسوق والعصيان حَتَّى قَالَ بَعضهم الْمحبَّة نَار تحرق من الْقلب كل مَا سوى مُرَاد المحبوب قَالُوا والكون كُله مُرَاد المحبوب وضل هَؤُلَاءِ ضلالا عَظِيما حَيْثُ لم يفرقُوا بَين الارادة الدِّينِيَّة والكونية والاذن الديني والكوني والامر الديني والكوني والبعث الكوني والديني والارسال الكوني والديني كَمَا بسطناه فِي غير هَذَا الْموضع وَهَؤُلَاء يؤول بهم الامر الى ان لَا يفرقُوا بَين الْمَحْظُور والمأمور واولياء الله واعداء الله والانبياء والمتقين ويجعلون الَّذين امنوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات كالمفسدين فِي الارض ويجعلون الْمُتَّقِينَ كالفجار ويجعلون الْمُسلمين كالمجرمين ويعطلون الامر وَالنَّهْي والوعد والوعيد والشرائع وَرُبمَا سموا هَذَا حَقِيقَة ولعمري انه حَقِيقَة كونية لَكِن هَذِه

стр. 544

الْحَقِيقَة الكونية قد عرفهَا عباد الاصنام كَمَا قَالَ تَعَالَى وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلق السَّمَوَات والارض ليَقُولن الله سُورَة لُقْمَان ٢٥ وَقَالَ ﴿قل لمن الأَرْض وَمن فِيهَا إِن كُنْتُم تعلمُونَ سيقولون لله قل أَفلا تذكرُونَ﴾ الايات سُورَة الْمُؤْمِنُونَ ٨٤ ٨٥ فالمشركون الَّذين يعْبدُونَ الاصنام كَانُوا مقرين بَان الله خَالق كل شَيْء وربه ومليكه فَمن كَانَ هَذَا مُنْتَهى تَحْقِيقه كَانَ غَايَته ان يكون كعباد الاصنام وَالْمُؤمن انما فَارق الْكفْر بِالْإِيمَان بِاللَّه وبرسله وبتصديقهم فِيمَا اخبروا وطاعتهم فِيمَا امروا وَاتِّبَاع مَا يرضاه الله وَيُحِبهُ دون مَا يَقْضِيه ويقدره من الْكفْر والفسوق والعصيان وَلَكِن يرضى بِمَا اصابه من المصائب لَا بِمَا فعله من المعايب فَهُوَ من الذُّنُوب يسْتَغْفر وعَلى المصائب يصبر كَمَا قَالَ تَعَالَى فاصبر ان وعد الله حق واستغفر لذبنك

стр. 545

سُورَة غَافِر ٥٥ فَيجمع بَين طَاعَة الامر وَالصَّبْر على المصائق كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن تصبروا وتتقوا لَا يضركم كيدهم شَيْئا﴾ سُورَة ال عمرَان ١٢٠ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن تصبروا وتتقوا فَإِن ذَلِك من عزم الْأُمُور﴾ سُورَة ال عمرَان ١٨٦ وَقَالَ يُوسُف ﵇ ﴿إِنَّه من يتق ويصبر فَإِن الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ﴾ سُورَة يُوسُف ٩٠ وَالْقَصْد هُنَا ان مَا ذكره الْقشيرِي عَن النصراباذي من احسن الْكَلَام حَيْثُ قَالَ من اراد ان يبلغ مَحل الرِّضَا فليلزم مَا جعل الله رِضَاهُ فِيهِ وَكَذَلِكَ قَول الشَّيْخ ابي سُلَيْمَان اذا سلا الْبعد عَن الشَّهَوَات فَهُوَ رَاض وَذَلِكَ ان العَبْد انما يمنعهُ من الرِّضَا والقناعة طلب نَفسه لفضول شهواتها فاذا لم يحصل سخط فاذا سلا عَن شهوات

стр. 546

نَفسه رَضِي بِمَا قسم الله لَهُ من الرزق وَكَذَلِكَ مَا ذكره عَن الفضيل بن عِيَاض انه قَالَ لبشر الحافي الرِّضَا افضل من الزّهْد فِي الدُّنْيَا لِأَن الراضي لَا يتَمَنَّى فَوق مَنْزِلَته كَلَام حسن لَكِن اشك فِي سَماع بشر الحافي من الفضيل وَكَذَلِكَ مَا ذكره مُعَلّقا قَالَ وَقيل قَالَ الشبلي بَين يَدي الْجُنَيْد لَا حول وَلَا قُوَّة الا بِاللَّه فَقَالَ الْجُنَيْد قَوْلك ذَا ضيق صدر وضيق الصَّدْر لترك الرِّضَا بِالْقضَاءِ فَإِن هَذَا من احسن الْكَلَام وَكَانَ الْجُنَيْد ﵁ سيد الطَّائِفَة وَمن احسنهم تَعْلِيما وتأديبا وتقويما وَذَلِكَ ان هَذِه الْكَلِمَة هِيَ كلمة استعانة لَا كلمة استرجاع وَكثير من النَّاس يَقُولهَا عِنْد المصائب بِمَنْزِلَة الاسترجاع ويقولها جزعا لَا صبرا

стр. 547

فالجنيد انكر على الشبلي حَاله فِي سَبَب قَوْله لَهَا اذ كَانَت حَالا يُنَافِي الرِّضَا وَلَو قَالَهَا على الْوَجْه الْمَشْرُوع لم يُنكر عَلَيْهِ وَفِيمَا ذكره آثَار ضَعِيفَة مثل مَا ذكره مُعَلّقا قَالَ وَقيل قَالَ مُوسَى الهي دلَّنِي على عمل اذا عملته رضيت عني فَقَالَ انك لَا تطِيق ذَلِك فَخر مُوسَى سَاجِدا متضرعا فَأوحى الله اليه يَا ابْن عمرَان رضائي فِي رضائك عني فَهَذِهِ الْحِكَايَة الاسرائيلية فِيهَا نظر فَإِنَّهُ قد يُقَال لَا يصلح ان يحْكى مثلهَا عَن مُوسَى ﵇ وَمَعْلُوم ان هَذِه الاسرئيليات لَيْسَ لَهَا اسناد وَلَا تقوم بهَا حجَّة فِي شَيْء من الدّين الا اذا كَانَت منقوله لنا نقلا صَحِيحا مثل مَا ثَبت عَن

стр. 548

نَبينَا ﷺ انه حَدثنَا بِهِ عَن بني اسرائيل وَلَكِن مِنْهُ مَا يعلم كذبه مثل هَذِه فَإِن مُوسَى ﵇ من أعظم اولى الْعَزْم واكابر الْمُرْسلين فيكف يُقَال انه لَا يُطيق ان يعْمل مَا يُرْضِي الله بِهِ عَنهُ وَالله تَعَالَى رَضِي عَن السَّابِقين الاولين من الْمُهَاجِرين والانصار وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان افلا يرضى عَن مُوسَى بن عمرَان كليم الرَّحْمَن وَقَالَ تَعَالَى ان الَّذين امنوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات اولئك هم خير الْبَريَّة جزاؤهم عِنْد رَبهم جنَّات عدن تجْرِي من تحتهَا الانهارخ الدّين فِيهَا ابدا رَضِي الله عَنْهُم وَرَضوا عَنهُ سُورَة الْبَيِّنَة ٨٦٧ وَمَعْلُوم ان مُوسَى ﵇ من افضل الَّذين امنوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات

стр. 549

ثمَّ ان الله خص مُوسَى بمزية فَوق الرِّضَا حَيْثُ قَالَ ﴿وألقيت عَلَيْك محبَّة مني ولتصنع على عَيْني﴾ سُورَة طه ٣٩ ثمَّ ان قَوْله لَهُ فِي الْخطاب يَا ابْن عمرَان يُخَالف مَا ذكره الله من خطابه لَهُ فِي الْقُرْآن حَيْثُ قَالَ يَا مُوسَى وَذَلِكَ الْخطاب فِيهِ نوع غض مِنْهُ كَمَا يظْهر وَمثل مَا ذكره عَن عمر بن الْخطاب ﵁ انه كتب لأبي مُوسَى الاشعري اما بعد فَإِن الْخَيْر كُله فِي الرِّضَا فَإِن اسْتَطَعْت ان ترْضى والا فاصبر فَهَذَا الْكَلَام كَلَام حسن وان لم يعلم اسناده واذا تبين ان فِيمَا ذكره مُسْندًا ومرسلا ومعلقا مَا هُوَ صَحِيح فَهَذِهِ الْكَلِمَة لم يذكرهَا عَن ابي سُلَيْمَان الا مُرْسلَة وبمثل ذَلِك لَا تثبت عَن ابي سُلَيْمَان بِاتِّفَاق النَّاس فَإِنَّهُ وان قَالَ بعض النَّاس ان الْمُرْسل حجَّة فَهَذَا لم يعلم ان الْمُرْسل هُوَ مثل الضَّعِيف وَغير

стр. 550

الضَّعِيف فَأَما اذا عرف ذَلِك فَلَا تبقى حجَّة بِاتِّفَاق الْعلمَاء كمن علم انه تَارَة يحفظ الاسناد وَتارَة يغلط فِيهِ والكتب المسندة فِي اخبار هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخ وَكَلَامهم مثل كتاب حلية الاولياء لأبي نعيم وطبقات الصُّوفِيَّة للشَّيْخ ابي عبد الرَّحْمَن وصفوة الصفوة لِابْنِ الْجَوْزِيّ وامثال ذَلِك لم يذكرُوا فِيهَا هَذِه الْكَلِمَة عَن الشَّيْخ ابي سُلَيْمَان وَقد ذكرُوا فِيهَا عَن الشَّيْخ ابي سُلَيْمَان الاثر الَّذِي رَوَاهُ عَنهُ مُسْندًا حَيْثُ قَالَ لاحمد دبن ابي الْحوَاري يَا احْمَد لقد اوتيت من الرِّضَا نَصِيبا لَو القاني فِي النَّار لَكُنْت بذلك رَاضِيا فَهَذَا الْكَلَام مأثور عَن ابي سُلَيْمَان بِالْإِسْنَادِ وَلِهَذَا اسنده عَنهُ الْقشيرِي من طَرِيق شَيْخه ابي عبد الرَّحْمَن بِخِلَاف تِلْكَ الْكَلِمَة فَإِنَّهَا لم تسند عَنهُ فَلَا اصل لَهَا عَن الشَّيْخ ابي سُلَيْمَان

стр. 551

ثمَّ ان الْقشيرِي قرن هَذِه الْكَلِمَة الثَّابِتَة عَن ابي سُلَيْمَان بِكَلِمَة احسن مِنْهَا فَإِنَّهُ قبل ان يَرْوِيهَا قَالَ وَسُئِلَ ابو عُثْمَان يَعْنِي ابا عُثْمَان الْحِيرِي النَّيْسَابُورِي عَن قَول النَّبِي ﷺ أَسأَلك الرِّضَا بعد الْقَضَاء فَقَالَ لِأَن الرِّضَا بعد الْقَضَاء هُوَ الرِّضَا فَهَذَا الَّذِي قَالَه الشَّيْخ ابو عُثْمَان كَلَام حسن سديد ثمَّ اسند بعد هَذَا عَن الشَّيْخ ابي سُلَيْمَان انه قَالَ ارجو ان اكون عرفت طرفا من الرِّضَا لَو انه ادخلني النَّار لَكُنْت بذلك رَاضِيا فَتبين بذلك ان مَا قَالَه ابو سُلَيْمَان لَيْسَ هُوَ رضى وانما هُوَ عزم

стр. 552

على الرِّضَا وانما الرِّضَا مَا يكون بعد الْقَضَاء واذا كَانَ هَذَا عزما على الرِّضَا فالعزم قد يَدُوم وَقد يَنْفَسِخ وَمَا اكثر انْفِسَاخ عزائم النَّاس خُصُوصا الصُّوفِيَّة وَلِهَذَا قيل لبَعْضهِم بِمَ عرفت الله قَالَ بِفَسْخ العزائم وَنقض الهمم وَقد قَالَ تَعَالَى لمن هُوَ افضل من هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخ ﴿وَلَقَد كُنْتُم تمنون الْمَوْت من قبل أَن تلقوهُ فقد رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُم تنْظرُون﴾ سُورَة آل عمرَان ١٤٣ وَقَالَ تَعَالَى يَا ايها الَّذين امنوا لم تَقولُونَ مَالا تَفْعَلُونَ كبر مقتا عِنْد الله ان تَقولُوا مَالا تَفْعَلُونَ ان الله يحب الَّذين يُقَاتلُون فِي سَبيله صفا كَأَنَّهُمْ بُنيان مرصوص سُورَة الصَّفّ ٤٢ وَفِي التِّرْمِذِيّ ان بعض الصَّحَابَة قَالُوا للنَّبِي ﷺ لَو علمنَا أَي الْعَمَل احب الى الله لعملناه فَأنْزل الله هَذِه الاية

стр. 553

وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين قيل لَهُم كفوا أَيْدِيكُم وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة فَلَمَّا كتب عَلَيْهِم الْقِتَال إِذا فريق مِنْهُم يَخْشونَ النَّاس كخشية الله أَو أَشد خشيَة وَقَالُوا رَبنَا لم كتبت علينا الْقِتَال لَوْلَا أخرتنا إِلَى أجل قريب﴾ الاية سُورَة النِّسَاء ٧٧ فَهَؤُلَاءِ الَّذين كَانُوا قد عزموا على الْجِهَاد واحبوه لما ابتلوا بِهِ كرهوه وفروا مِنْهُ واين الم الْجِهَاد من الم النَّار وَعَذَاب الله الَّذِي لَا طَاقَة لأحد بِهِ مثل هَذَا يذكر عَن سمنون الْمُحب انه كَانَ يَقُول ... وَلَيْسَ لي فِي سواك حَظّ ... فَكيف مَا شِئْت فاختبرني ... فَأَخذه الاسر من سَاعَته أَي حصر بَوْله فَكَانَ يَدُور على الْمكَاتب وَيفرق الْجَوْز على الصّبيان وَيَقُول ادعوا لعمكم الْكذَّاب وَحكى ابو نعيم الاصبهاني عَن ابي بكر الوَاسِطِيّ انه

стр. 554

قَالَ قَالَ سمنون يَا رب قد رضيت بِكُل مَا تقضيه على فاحتبس بَوْله اربعة عشر يَوْمًا فَكَانَ يتلوى كَمَا تتلوى الْحَيَّة على الرمل يتلوى يَمِينا وَشمَالًا فَلَمَّا اطلق بَوْله قَالَ يَا رب تبت اليك قَالَ ابو نعيم فَهَذَا الرِّضَا الَّذِي ادّعى سمنون ظهر غلطه فِيهِ بِأَدْنَى بلوى هَذَا مَعَ ان سمنون كَانَ يضْرب بِهِ الْمثل فِي الْمحبَّة وَله مقَام مَشْهُور حَتَّى روى عَن ابراهيم بن فاتك انه قَالَ رَأَيْت سمنونا يتَكَلَّم على النَّاس فِي الْمَسْجِد الْحَرَام فجَاء طَائِر صَغِير فَقرب مِنْهُ ثمَّ قرب فَلم يزل يدنو مِنْهُ

стр. 555

حَتَّى جلس على يَده ثمَّ لم يزل يضْرب بمنقاره الارض حَتَّى سقط مِنْهُ دم وَمَات الطَّائِر قَالَ ورأيته تكلم يَوْمًا فِي الْمحبَّة فَاصْطَفَقَتْ قناديل الْمَسْجِد وَكسر بَعْضهَا بَعْضًا وَقد ذكر الْقشيرِي فِي بَاب الرِّضَا عَن رُوَيْم الْمقري رَفِيق سمنون حِكَايَة تناسب هَذَا حَيْثُ قَالَ قَالَ رُوَيْم الرِّضَا ان لَو جعل جَهَنَّم عَن يَمِينه مَا سَأَلَ الله ان يحولها عَن يسَاره فَهَذَا يشبه قَول سمنون فَكيف مَا شِئْت فامتحني واذا لم يطق الصَّبْر على عسر الْبَوْل افيطيق ان تكون جَهَنَّم عَن يمنيه

стр. 556

والفضيل بن عِيَاض كَانَ اعلى طبقَة من هَؤُلَاءِ وابتلى بعسر الْبَوْل فغلبه الالم حَتَّى قَالَ بحبي لَك الا فرجت عني فانفرج عَنهُ ورويم وان كَانَ من رُفَقَاء الْجُنَيْد فَلَيْسَ هُوَ عِنْدهم من هَذِه الطَّبَقَة بل الصُّوفِيَّة يَقُولُونَ انه رَجَعَ الى الدُّنْيَا وَترك التصوف حَتَّى روى عَن جَعْفَر الْخُلْدِيِّ صَاحب الْجُنَيْد انه قَالَ من اراد ان يستكتم سرا فَلْيفْعَل كَمَا فعل رُوَيْم كتم حب الدُّنْيَا اربعين سنة فَقيل وَكَيف يتَصَوَّر ذَلِك قَالَ ولى اسماعيل بن اسحاق القَاضِي قَضَاء بَغْدَاد وَكَانَت بَينهمَا مَوَدَّة اكيدة فَجَذَبَهُ اليه وَجعله وَكيلا على بَابه فَترك لبس التصوف وَلبس الْخَزّ والقصب والديبقى وَأكل الطَّيِّبَات وَبنى الدّور واذا هُوَ كَانَ يكتم حب الدُّنْيَا مَا لم يجدهَا فَلَمَّا وجدهَا اظهر مَا كَانَ يكتم من حبها هَذَا مَعَ انه ﵀ كَانَ لَهُ من الْعِبَادَات مَا هُوَ مَعْرُوف وَكَانَ فَقِيها على مَذْهَب دَاوُد

стр. 557

وَهَذِه الْكَلِمَات الَّتِي تصدر عَن صَاحب حَال لم يفكر فِي لَوَازِم اقواله وعواقبها لَا تجْعَل طَريقَة وَلَا تتَّخذ سَبِيلا وَلَكِن قد يسْتَدلّ بهَا على مَا لصَاحِبهَا من الرِّضَا والمحبة وَنَحْو ذَلِك وَمَا مَعَه من التَّقْصِير فِي معرفَة حُقُوق الطَّرِيق وَمَا يقدر عَلَيْهِ من التَّقْوَى وَالصَّبْر وَمَا لَا يقدر عَلَيْهِ من التَّقْوَى وَالصَّبْر وَالرسل صلوَات الله عَلَيْهِم اعْلَم بطرِيق سَبِيل الله واهدى وانصح فَمن خرج عَن سنتهمْ وسبيلهم كَانَ منقوصا مخطئا محروما وان لم يكن عَاصِيا اَوْ فَاسِقًا اَوْ كَافِرًا وَيُشبه هَذَا الاعرابي الَّذِي دخل عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ وَهُوَ مَرِيض كالفرخ فَقَالَ هَل كنت دَعَوْت الله بِشَيْء فَقَالَ كنت اقول اللَّهُمَّ مَا كنت معذبي بِهِ فِي الاخرة فعجله لي فِي الدُّنْيَا فَقَالَ سُبْحَانَ الله لَا تستطيعه اَوْ لَا تُطِيقهُ هلأ قلت رَبنَا آتنا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الاخرة حَسَنَة وقنا عَذَاب النَّار

стр. 558

فَهَذَا ايضا حمله خَوفه من عَذَاب الاخرة ومحبته لِسَلَامَةِ عاقبته على ان يطْلب تَعْجِيل ذَلِك فِي الدُّنْيَا وَكَانَ مخطئا فِي ذَلِك غالطا وَالْخَطَأ والغلط مَعَ حسن الْقَصْد وسلامته وَصَلَاح الرجل وفضله وَدينه وزهده وورعه وكراماته كثير جدا فَلَيْسَ من شَرط ولي الله ان يكون مَعْصُوما من الْخَطَأ والغلط بل وَلَا من الذُّنُوب وافضل اولياء الله بعد الرُّسُل ابو بكر الصّديق ﵁ وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح ان النَّبِي ﷺ قَالَ لَهُ لما عبر رُؤْيا اصبت بَعْضًا وأخطأت بَعْضًا وَيُشبه وَالله اعْلَم ان ابا سُلَيْمَان لما قَالَ هَذِه الْكَلِمَة لَو القاني فِي النَّار لَكُنْت بذلك رَاضِيا ان يكون بعض النَّاس حَكَاهُ بِمَا

стр. 559

فهمه من الْمَعْنى انه قَالَ الرِّضَا ان لَا تسْأَل الله الْجنَّة وَلَا تستعيذه من النَّار وَتلك الْكَلِمَة الَّتِي قَالَهَا ابو سُلَيْمَان مَعَ انها لَا تدل على رِضَاهُ بذلك وَلَكِن تدل على عَزمَة بِالرِّضَا بذلك وَنحن نعلم ان ذَلِك الْعَزْم لَا يسْتَمر بل يَنْفَسِخ وان مثل هَذِه الْكَلِمَة كَانَ تَركهَا احسن من قَوْلهَا وانها مستدركة كَمَا استدركه دَعْوَى سمنون ورويم وَغير ذَلِك فَإِن بَين هَذِه الْكَلِمَة وَبَين تِلْكَ فرقا عَظِيما فان تِلْكَ الْكَلِمَة مضمونها ان من سَأَلَ الله الْجنَّة واستعاذه من النَّار لَا يكون رَاضِيا وَفرق بَين من يَقُول انا اذا فعل بِي كَذَا كنت رَاضِيا وَبَين من يَقُول لَا يكون رَاضِيا الا من لَا يطْلب خيرا وَمن لَا يهرب من شَرّ وَبِهَذَا وَغَيره يعلم ان الشَّيْخ ابا سُلَيْمَان كَانَ اجل من ان

стр. 560

يَقُول مثل هَذَا الْكَلَام فَإِن الشَّيْخ ابا سُلَيْمَان من اجلاء الْمَشَايِخ وساداتهم وَمن اتبعهم للشريعة حَتَّى انه كَانَ يَقُول انه ليمر بقلبي النُّكْتَة من نكت الْقَوْم فَلَا اقبلها الا بِشَاهِدين الْكتاب وَالسّنة فَمن لَا يقبل نكت قلبه الا بِشَاهِدين يَقُول مثل هَذَا الْكَلَام وَقَالَ الشَّيْخ ابو سُلَيْمَان ايضا لَيْسَ لمن ألهم شَيْئا من الْخَيْر ان يَفْعَله حَتَّى يسمع فِيهِ بأثر فَإِذا سمع فِيهِ بأثر كَانَ نورا على نور بل صَاحبه احْمَد بن ابي الْحوَاري كَانَ من اتبع الْمَشَايِخ للسّنة فَكيف ابو سُلَيْمَان وَتَمام تَزْكِيَة ابي سُلَيْمَان من هَذَا الْكَلَام يظْهر بالْكلَام فِي الْمقَام الثَّانِي وَهُوَ قَول الْقَائِل كَائِنا من كَانَ الرِّضَا ان لَا تسْأَل الله الْجنَّة وَلَا تستعيذه من النَّار ونقدم قبل ذَلِك مُقَدّمَة يتَبَيَّن

стр. 561

بهَا اصل مَا وَقع فِي مثل هَذِه الْكَلِمَات من الِاشْتِبَاه وَالِاضْطِرَاب وَذَلِكَ ان قوما كثيرا من النَّاس من المتفقهة والمتصوفة والمتكلمة وَغَيرهم ظنُّوا ان الْجنَّة لَيست إِلَّا التنعم بالمخلوق من اكل وَشرب ولباس وَنِكَاح وَسَمَاع اصوات طيبَة وشم رَوَائِح طيبَة وَلم يدخلُوا فِي مُسَمّى الْجنَّة نعيما غير ذَلِك ثمَّ صَارُوا حزبين حزبا انكروا ان يكون للعباد نعيم غير تنعمهم بِهَذِهِ الامور المخلوقة واشباهها ثمَّ من هَؤُلَاءِ من انكر ان يكون الْمُؤْمِنُونَ يرَوْنَ رَبهم كَمَا ذهب الى ذَلِك الْجَهْمِية من الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم وَمِنْهُم من اقر بِالرُّؤْيَةِ اما الرُّؤْيَة الَّتِي اخبر بهَا النَّبِي ﷺ كَمَا هُوَ مَذْهَب اهل السّنة وَالْجَمَاعَة واما بِرُؤْيَة فَسرهَا بِزِيَادَة كشف اَوْ علم اَوْ جعلهَا بحاسة سادسة وَنَحْو

стр. 562

ذَلِك من الاقوال الَّتِي ذهب اليها ضرار بن عَمْرو وَطَوَائِف من اهل الْكَلَام المنتسبين الى نصر اهل السّنة فِي مَسْأَلَة الرُّؤْيَة وان كَانَ مَا يثبتونه من جنس مَا نفته الْمُعْتَزلَة والضرارية والنزاع بَينهم لَفْظِي ونزاعهم مَعَ اهل السّنة معنوي وَلِهَذَا كَانَ بشر المريسي وامثاله يفسرون الرُّؤْيَة بِنَحْوِ من تَفْسِير هَؤُلَاءِ وَالْمَقْصُود هُنَا ان مثبتة الرُّؤْيَة مِنْهُم من انكر ان يكون الْمُؤمن ينعم بِنَفس رُؤْيَته ربه قَالُوا لِأَنَّهُ لَا مُنَاسبَة بَين الْمُحدث وَالْقَدِيم كَمَا ذكر ذَلِك الاستاذ ابو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ فِي الرسَالَة النظامية وكما ذكره ابو الْوَفَاء بن عقيل فِي بعض كتبه

стр. 563

ونقلوا عَن ابْن عقيل انه سمع قَائِلا يَقُول أَسأَلك لَذَّة النّظر الى وَجهك فَقَالَ يَا هَذَا هَب ان لَهُ وَجها اله وَجه يتلذذ بِالنّظرِ اليه وَذكر ابو الْمَعَالِي ان الله يخلق لَهُم نعيما بِبَعْض الْمَخْلُوقَات مُقَارنًا للرؤية فَأَما التنعم بِنَفس الرُّؤْيَة فَأنكرهُ وَجعل هَذَا من اسرار التَّوْحِيد واكثر مثبتي الرُّؤْيَة يقرونَ بتنعم الْمُؤمنِينَ بِرُؤْيَة رَبهم وَهُوَ مَذْهَب سلف الامة وأئمتها ومشايخ الطَّرِيق

стр. 564

كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَغَيره عَن النَّبِي ﷺ اللَّهُمَّ بعلمك الْغَيْب وبقدرتك على الْخلق احيني مَا كَانَت الْحَيَاة خيرا لي وتوفني اذا كَانَت الْوَفَاة خيرا لي اللَّهُمَّ اني أَسأَلك خشيتك فِي الْغَيْب وَالشَّهَادَة وَأَسْأَلك كلمة الْحق فِي الْغَضَب وَالرِّضَا وَأَسْأَلك الْقَصْد فِي الْفقر والغنى وَأَسْأَلك نعيما لَا ينْفد وقرة عين لَا تَنْقَطِع وَأَسْأَلك الرِّضَا بعد الْقَضَاء وَأَسْأَلك برد الْعَيْش بعد الْمَوْت وَأَسْأَلك لَذَّة النّظر الى وَجهك وَأَسْأَلك الشوق الى لقائك فِي غير ضراء مضرَّة وَلَا فتْنَة مضلة اللَّهُمَّ زينا بزينة الايمان واجعلنا هداة مهتدين وَفِي صَحِيح مُسلم وَغَيره عَن صُهَيْب عَن النَّبِي ﷺ قَالَ اذا دخل اهل الْجنَّة الْجنَّة نَاد مُنَاد يَا اهل الْجنَّة ان لكم عِنْد الله موعدا يُرِيد ان ينجزكموه فَيَقُولُونَ مَا هُوَ الم يبيض وُجُوهنَا ويثقل موازيننا ويدخلنا الْجنَّة ويجرنا من النَّار قَالَ

стр. 565

فَيكْشف الْحجاب فَيَنْظُرُونَ اليه فَمَا اعطاهم شَيْئا احب اليهم من النّظر اليه وَكلما كَانَ الشَّيْء احب كَانَت اللَّذَّة بنيله اعظم وَهَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ بَين السّلف والائمة ومشايخ الطَّرِيق كَمَا روى عَن الْحسن الْبَصْرِيّ انه قَالَ لَو علم العابدون انهم لَا يرَوْنَ رَبهم فِي الاخرة لذابت نُفُوسهم فِي الدِّينَا شوقا اليه وَكَلَامهم فِي ذَلِك كثير ثمَّ هَؤُلَاءِ الَّذين وافقوا السّلف والائمة والمشايخ على التنعم بِالنّظرِ الى الله تَعَالَى وَتَنَازَعُوا فِي مَسْأَلَة الْمحبَّة الَّتِي هِيَ اصل ذَلِك فَذهب طوائف من الْمُتَكَلِّمين وَالْفُقَهَاء الى ان الله لَا تحب نَفسه وانما الْمحبَّة محبَّة طَاعَته وعبادته وَقَالُوا هُوَ ايضا لَا يحب عباده الْمُؤمنِينَ وانما محبته ارادته للإحسان اليهم ولإثابتهم وَدخل فِي هَذَا القَوْل من انتسب الى نصر السّنة من اهل
следующие страницы →