Полный текст (813 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
بهَا اصل مَا وَقع فِي مثل هَذِه الْكَلِمَات من الِاشْتِبَاه وَالِاضْطِرَاب وَذَلِكَ ان قوما كثيرا من النَّاس من المتفقهة والمتصوفة والمتكلمة وَغَيرهم ظنُّوا ان الْجنَّة لَيست إِلَّا التنعم بالمخلوق من اكل وَشرب ولباس وَنِكَاح وَسَمَاع اصوات طيبَة وشم رَوَائِح طيبَة وَلم يدخلُوا فِي مُسَمّى الْجنَّة نعيما غير ذَلِك ثمَّ صَارُوا حزبين حزبا انكروا ان يكون للعباد نعيم غير تنعمهم بِهَذِهِ الامور المخلوقة واشباهها ثمَّ من هَؤُلَاءِ من انكر ان يكون الْمُؤْمِنُونَ يرَوْنَ رَبهم كَمَا ذهب الى ذَلِك الْجَهْمِية من الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم
وَمِنْهُم من اقر بِالرُّؤْيَةِ اما الرُّؤْيَة الَّتِي اخبر بهَا النَّبِي ﷺ كَمَا هُوَ مَذْهَب اهل السّنة وَالْجَمَاعَة واما بِرُؤْيَة فَسرهَا بِزِيَادَة كشف اَوْ علم اَوْ جعلهَا بحاسة سادسة وَنَحْو
стр. 562
ذَلِك من الاقوال الَّتِي ذهب اليها ضرار بن عَمْرو وَطَوَائِف من اهل الْكَلَام المنتسبين الى نصر اهل السّنة فِي مَسْأَلَة الرُّؤْيَة وان كَانَ مَا يثبتونه من جنس مَا نفته الْمُعْتَزلَة والضرارية والنزاع بَينهم لَفْظِي ونزاعهم مَعَ اهل السّنة معنوي وَلِهَذَا كَانَ بشر المريسي وامثاله يفسرون الرُّؤْيَة بِنَحْوِ من تَفْسِير هَؤُلَاءِ
وَالْمَقْصُود هُنَا ان مثبتة الرُّؤْيَة مِنْهُم من انكر ان يكون الْمُؤمن ينعم بِنَفس رُؤْيَته ربه قَالُوا لِأَنَّهُ لَا مُنَاسبَة بَين الْمُحدث وَالْقَدِيم كَمَا ذكر ذَلِك الاستاذ ابو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ فِي الرسَالَة النظامية وكما ذكره ابو الْوَفَاء بن عقيل فِي بعض كتبه
стр. 563
ونقلوا عَن ابْن عقيل انه سمع قَائِلا يَقُول أَسأَلك لَذَّة النّظر الى وَجهك فَقَالَ يَا هَذَا هَب ان لَهُ وَجها اله وَجه يتلذذ بِالنّظرِ اليه
وَذكر ابو الْمَعَالِي ان الله يخلق لَهُم نعيما بِبَعْض الْمَخْلُوقَات مُقَارنًا للرؤية فَأَما التنعم بِنَفس الرُّؤْيَة فَأنكرهُ وَجعل هَذَا من اسرار التَّوْحِيد
واكثر مثبتي الرُّؤْيَة يقرونَ بتنعم الْمُؤمنِينَ بِرُؤْيَة رَبهم وَهُوَ مَذْهَب سلف الامة وأئمتها ومشايخ الطَّرِيق
стр. 564
كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَغَيره عَن النَّبِي ﷺ اللَّهُمَّ بعلمك الْغَيْب وبقدرتك على الْخلق احيني مَا كَانَت الْحَيَاة خيرا لي وتوفني اذا كَانَت الْوَفَاة خيرا لي اللَّهُمَّ اني أَسأَلك خشيتك فِي الْغَيْب وَالشَّهَادَة وَأَسْأَلك كلمة الْحق فِي الْغَضَب وَالرِّضَا وَأَسْأَلك الْقَصْد فِي الْفقر والغنى وَأَسْأَلك نعيما لَا ينْفد وقرة عين لَا تَنْقَطِع وَأَسْأَلك الرِّضَا بعد الْقَضَاء وَأَسْأَلك برد الْعَيْش بعد الْمَوْت وَأَسْأَلك لَذَّة النّظر الى وَجهك وَأَسْأَلك الشوق الى لقائك فِي غير ضراء مضرَّة وَلَا فتْنَة مضلة اللَّهُمَّ زينا بزينة الايمان واجعلنا هداة مهتدين
وَفِي صَحِيح مُسلم وَغَيره عَن صُهَيْب عَن النَّبِي ﷺ قَالَ اذا دخل اهل الْجنَّة الْجنَّة نَاد مُنَاد يَا اهل الْجنَّة ان لكم عِنْد الله موعدا يُرِيد ان ينجزكموه فَيَقُولُونَ مَا هُوَ الم يبيض وُجُوهنَا ويثقل موازيننا ويدخلنا الْجنَّة ويجرنا من النَّار قَالَ
стр. 565
فَيكْشف الْحجاب فَيَنْظُرُونَ اليه فَمَا اعطاهم شَيْئا احب اليهم من النّظر اليه
وَكلما كَانَ الشَّيْء احب كَانَت اللَّذَّة بنيله اعظم وَهَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ بَين السّلف والائمة ومشايخ الطَّرِيق كَمَا روى عَن الْحسن الْبَصْرِيّ انه قَالَ لَو علم العابدون انهم لَا يرَوْنَ رَبهم فِي الاخرة لذابت نُفُوسهم فِي الدِّينَا شوقا اليه وَكَلَامهم فِي ذَلِك كثير
ثمَّ هَؤُلَاءِ الَّذين وافقوا السّلف والائمة والمشايخ على التنعم بِالنّظرِ الى الله تَعَالَى وَتَنَازَعُوا فِي مَسْأَلَة الْمحبَّة الَّتِي هِيَ اصل ذَلِك فَذهب طوائف من الْمُتَكَلِّمين وَالْفُقَهَاء الى ان الله لَا تحب نَفسه وانما الْمحبَّة محبَّة طَاعَته وعبادته وَقَالُوا هُوَ ايضا لَا يحب عباده الْمُؤمنِينَ وانما محبته ارادته للإحسان اليهم ولإثابتهم
وَدخل فِي هَذَا القَوْل من انتسب الى نصر السّنة من اهل
стр. 566
الْكَلَام حَتَّى وَقع فِيهِ طَائِفَة من اصحاب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَاحْمَدْ كَالْقَاضِي ابي بكر وَالْقَاضِي ابي يعلى وابي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ وامثال هَؤُلَاءِ وَهَذَا فِي الْحَقِيقَة شُعْبَة من التجهم والاعتزال فَإِن اول من انكر الْمحبَّة فِي الاسلام الْجَعْد بن دِرْهَم استاذ الجهم بن صَفْوَان
стр. 567
فضحى بِهِ خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي وَقَالَ ايها النَّاس ضحوا تقبل الله ضَحَايَاكُمْ فَإِنِّي مضح بالجعد بن دِرْهَم انه زعم ان الله لم يتَّخذ ابراهيم خَلِيلًا وَلم يكلم مُوسَى تكليما ثمَّ نزل فذبحه
وَالَّذِي دلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة وَاتفقَ عَلَيْهِ سلف الامة وأئمتها وَجَمِيع مَشَايِخ الطَّرِيق ان الله يحب وَيُحب وَلِهَذَا وافقهم على ذَلِك من تصوف من اهل الْكَلَام كَأبي الْقَاسِم الْقشيرِي وابي حَامِد الْغَزالِيّ وامثالهما وَنصر ذَلِك ابو حَامِد فِي الاحياء وَغَيره وَكَذَلِكَ ابو الْقَاسِم ذكر ذَلِك فِي الرسَالَة على طَرِيق الصُّوفِيَّة كَمَا فِي كتاب ابي طَالب الْمَكِّيّ الْمُسَمّى بقوت الْقُلُوب
وابو حَامِد مَعَ كَونه تَابع فِي ذَلِك الصُّوفِيَّة اسْتندَ فِي ذَلِك
стр. 568
لما وجده من كتب الفلاسفة من اثبات نَحْو ذَلِك حَيْثُ قَالُوا يعشق ويعشق
وَقد بسطت الْكَلَام على هَذِه الْمَسْأَلَة الْعَظِيمَة فِي الْقَوَاعِد الْكِبَار بِمَا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه
وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ سُورَة الْمَائِدَة ٥٤ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين آمنُوا أَشد حبا لله﴾ سُورَة الْبَقَرَة ١٦٥ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أحب إِلَيْكُم من الله وَرَسُوله﴾ سُورَة التَّوْبَة ٢٤
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ انه قَالَ ثَلَاث من كن فِيهِ وجد حلاوة الايمان ان يكون الله وَرَسُوله احب اليه مِمَّا سواهُمَا وان يحب الْمَرْء لَا يُحِبهُ الا لله وان يكره ان يرجع فِي الْكفْر بعد ان انقذه الله مِنْهُ كَمَا يكره ان يقذف فِي النَّار
стр. 569
وَالْمَقْصُود هُنَا ان هَؤُلَاءِ المتجهمة من الْمُعْتَزلَة وَمن وافقهم الَّذين يُنكرُونَ حَقِيقَة الْمحبَّة يلْزمهُم ان ينكروا التَّلَذُّذ بِالنّظرِ اليه وَلِهَذَا لَيْسَ فِي الْحَقِيقَة عِنْدهم الا التنعم بِالْأَكْلِ وَالشرب وَنَحْو ذَلِك وَهَذَا القَوْل بَاطِل بِالْكتاب وَالسّنة واتفاق سلف الامة ومشايخها فَهَذَا اُحْدُ الحزبين الغالطين
والحزب الثَّانِي طوائف من المتصرفة والمتفقرة والمتنسكة وافقوا هَؤُلَاءِ على ان الْمحبَّة لَيست الا هَذِه الامور الَّتِي يتنعم بهَا الْمَخْلُوق وَلَكِن وافقوا السّلف والائمة على اثبات رُؤْيَة الله والتنعم بِالنّظرِ اليه واصابوا فِي ذَلِك وصاروا يطْلبُونَ هَذَا النَّعيم وتسمو همتهم اليه وَيَخَافُونَ فَوَاته وَصَارَ احدهم يَقُول مَا عبدتك شوقا الى جنتك وَلَا خوفًا من نارك وَلَكِن
стр. 570
لانظر اليك اَوْ اجلالا لَك وامثال هَذِه الْكَلِمَات ومقصودهم بذلك طلب مَا هُوَ اعلى من الاكل وَالشرب والتمتع بالمخلوق وَلَكِن غلطوا فِي اخراج ذَلِك من الْجنَّة وَقد يغلطون ايضا فِي ظنهم انهم يعْبدُونَ الله بلاحظ وَلَا ارادة وان كل مَا يطْلب مِنْهُ فَهُوَ حَظّ النَّفس وتوهموا ان الْبشر يعْمل بِلَا ارادة وَلَا مَطْلُوب وَلَا مَحْبُوب وَهُوَ سوء معرفَة بِحَقِيقَة الايمان وَالدّين والاخرة
وَسبب ذَلِك ان همة احدهم الْمُتَعَلّقَة بمطلوبه ومحبوبه ومعبوده تقنيه عَن نَفسه حَتَّى لَا يشْعر بِنَفسِهِ واراداتها فيظن انه يفعل بِغَيْر مُرَاد وَالَّذِي طلبه وعلق بِهِ همته هُوَ غَايَة مُرَاده ومحبوبه ومطلوبه
وَهَذَا كَحال كثير من الصَّالِحين والصادقين وارباب الاحوال والمقامات يكون لاحدهم وجد صَحِيح وذوق سليم لَكِن لَيْسَ لَهُ
стр. 571
عبارَة تبين مُرَاده فَيَقَع فِي كَلَامه غلط وَسُوء ادب مَعَ صِحَة مَقْصُوده وان كَانَ من النَّاس من يَقع مِنْهُ غلط فِي مُرَاده واعتقاده فَهَؤُلَاءِ الَّذين قَالُوا مثل هَذَا الْكَلَام اذا عنوا بِهِ طلب رُؤْيَة الله تَعَالَى اصابوا فِي ذَلِك لَكِن أخطأوا من جِهَة انهم جعلُوا ذَلِك خَارِجا عَن الْجنَّة فأسقطوا حُرْمَة اسْم الْجنَّة وَلزِمَ من ذَلِك امور مُنكرَة
وَنَظِير ذَلِك مَا ذكره عَن الشبلي ﵀ انه سمع قَارِئًا يقْرَأ ﴿مِنْكُم من يُرِيد الدُّنْيَا ومنكم من يُرِيد الْآخِرَة﴾ سُورَة آل عمرَان ١٥٢ فَصَرَخَ وَقَالَ ايْنَ من يُرِيد الله فيحمد مِنْهُ كَونه اراد الله وَلَكِن غلط فِي ظَنّه ان الَّذين ارادوا الأخرة مَا ارادوا الله
стр. 572
وَهَذِه الاية فِي اصحاب النَّبِي ﷺ الَّذين كَانُوا مَعَه بِأحد وهم افضل الْخلق فَإِن لم يُرِيدُوا الله افيريد الله من هُوَ دونهم كالشبلي وامثاله
وَمثل ذَلِك مَا اعرفه عَن بعض الْمَشَايِخ انه سُئِلَ مرّة عَن قَوْله ﴿إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة﴾ سُورَة التَّوْبَة ١١١ قَالَ فَإِذا كَانَت الانفس والاموال فِي ثمن الْجنَّة فالرؤية بِمَ تنَال فَأَجَابَهُ مُجيب بِمَا يشبه هَذَا السُّؤَال
وَالْوَاجِب ان نعلم ان كل مَا اعده الله لأوليائه من نعيم بِالنّظرِ اليه وَمَا سوى ذَلِك فَهُوَ فِي الْجنَّة كَمَا ان كل مَا توعد بِهِ اعداءه هُوَ فِي النَّار وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿فَلَا تعلم نفس مَا أُخْفِي لَهُم من قُرَّة أعين﴾ سُورَة السَّجْدَة ١٧
стр. 573
وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ يَقُول الله اعددت لعبادي الصَّالِحين مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا اذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر بله مَا اطعتم عَلَيْهِ
وَكَذَلِكَ فِي قَوْله فِي حَدِيث ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ ان ادنى اهل الْجنَّة منزلَة من ينظر فِي ملكه من مسيرَة الف عَام وان اعلاهم منزلَة من ينظر الى وَجه الله بكرَة وعشيا
стр. 574
وَقَوله فِي حَدِيث صُهَيْب اذا دخل اهل الْجنَّة الْجنَّة نَادَى مُنَاد يَا اهل الْجنَّة ان لكم عِنْد الله موعدا الحَدِيث ثمَّ قَالَ فَيكْشف الْحجاب فَيَنْظُرُونَ اليه وَشبه ذَلِك
واذا علم ان جَمِيع ذَلِك وامثاله دَاخل فِي الْجنَّة فَالنَّاس على دَرَجَات متفاوته كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿انْظُر كَيفَ فضلنَا بَعضهم على﴾
стр. 575
﴿بعض وللآخرة أكبر دَرَجَات وأكبر تَفْضِيلًا﴾ سُورَة الاسراء ٢١ وكل مَطْلُوب للْعَبد بِعبَادة وقربة اَوْ دُعَاء اَوْ غير ذَلِك من مطَالب الاخرة هُوَ فِي الْجنَّة
وَطلب الْجنَّة والاستعاذة من النَّار طَرِيق انبياء الله وَرُسُله وَجَمِيع اولياء الله السَّابِقين المقربين واصحاب الْيَمين كَمَا فِي السّنَن ان النَّبِي ﷺ سَأَلَ بعض اصحابه كَيفَ تَقول فِي دعائك قَالَ اقول اللَّهُمَّ اني أَسأَلك الْجنَّة واعوذ بك من النَّار اما اني لَا احسن دندنتك وَلَا دندنة معَاذ فَقَالَ النَّبِي ﷺ حولهَا ندندن فقد اخبر انه
стр. 576
هُوَ ﷺ ومعاذ وَهُوَ افضل الائمة الراتبين بِالْمَدِينَةِ فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ انما يدندنون حول الْجنَّة أفيكون قَول اُحْدُ فَوق قَول رَسُول الله ﷺ ومعاذ وَمن يُصَلِّي خلفهمَا من الْمُهَاجِرين والانصار وَلَو طلب هَذَا العَبْد مَا طلب كَانَ فِي الْجنَّة وَأهل الْجنَّة نَوْعَانِ سَابِقُونَ مقربون وأبرار أَصْحَاب يَمِين
قَالَ تَعَالَى كلا ان كتاب الابرار لفي عليين وَمَا ادراك مَا عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون ان الابرار لفي نعيم على الأرائك ينظرُونَ تعرف فِي وُجُوههم نَضرة النَّعيم يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وَفِي ذَلِك فَلْيَتَنَافَس الْمُتَنَافسُونَ ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بهَا المقربون سُورَة المطففين ١٨ ٢٧
стр. 577
قَالَ ابْن عَبَّاس تمزج لأَصْحَاب الْيَمين مزجا ويشربها المقربون صرفا
وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ انه قَالَ اذا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذّن فَقولُوا مثل مَا يَقُول ثمَّ صلوا على فانه من صلى على مرّة صلى الله عَلَيْهِ عشرا ثمَّ سلوا الله لي الْوَسِيلَة فانها دَرَجَة فِي الْجنَّة لَا تنبغي الا لعبد من عباد الله وارجو ان اكون انا ذَلِك العَبْد فَمن سَأَلَ الله لي الْوَسِيلَة حلت عَلَيْهِ شَفَاعَتِي يَوْم الْقِيَامَة
فقد اخبر ان الْوَسِيلَة الَّتِي لَا تصلح الا لعبد وَاحِد من عباد الله وَرَجا ان يكون هُوَ ذَلِك العَبْد هِيَ دَرَجَة فِي الْجنَّة فَهَل بَقِي بعد الْوَسِيلَة شَيْء اعلى مِنْهَا يكون خَارِجا عَن الْجنَّة يصلح للمخلوقين
стр. 578
وَثَبت فِي الصَّحِيح ايضا فِي حَدِيث الْمَلَائِكَة الَّذين يَلْتَمِسُونَ النَّاس فِي مجَالِس الذّكر قَالَ فَيَقُولُونَ للرب تَعَالَى وجدناهم يسبحونك ويحمدونك ويكبرونك قَالَ فَيَقُول وَمَا يطْلبُونَ قَالُوا يطْلبُونَ الْجنَّة قَالَ فَيَقُول وَهل رأوها قَالَ فَيَقُولُونَ لَا قَالَ فَيَقُول فَكيف لَو رأوها قَالَ فَيَقُولُونَ لَو رأوها لكانوا اشد لَهَا طلبا قَالَ وَمِمَّا يستعيذون قَالُوا يستعيذون من النَّار قَالَ فَيَقُول فَهَل رأوها قَالَ فَيَقُولُونَ لَا قَالَ فَيَقُول فيكف لَو رأوها قَالُوا لَو رأوها لكانوا اشد مِنْهَا استعاذه قَالَ فَيَقُول اشهدكم اني قد اعطيتهم مَا يطْلبُونَ واعذتهم مِمَّا يستعيذون اَوْ كَمَا قَالَ قَالَ فَيَقُولُونَ فيهم فلَان الخطاء جَاءَ لحَاجَة فَجَلَسَ مَعَهم قَالَ فَيَقُول هم الْقَوْم لَا يشقى
стр. 579
بهم جليسهم فَهَؤُلَاءِ الَّذين هم من افضل اولياء الله كَانَ مطلوبهم الْجنَّة ومهربهم من النَّار
وايضا فالنبي ﷺ لما بَايع الانصار لَيْلَة الْعقبَة وَكَانَ الَّذين بَايعُوهُ من افضل السَّابِقين الاولين الَّذين هم افضل من هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخ كلهم قَالُوا للنَّبِي ﷺ اشْترط لِرَبِّك وَلِنَفْسِك ولاصحابك قَالَ اشْتَرِ لنَفْسي ان تنصروني مِمَّا تنْصرُونَ مِنْهُ انفسكم واهليكم وَاشْترط لِأَصْحَابِي ان تواسوهم قَالُوا فَإِذا فعلنَا ذَلِك فَمَا لنا قَالَ لكم الْجنَّة قَالُوا امدد يدك فوَاللَّه لَا نقيلك وَلَا نستقيلك وَقد قالو لَهُ فِي اثناء
стр. 580
الْبيعَة ان بَيْننَا وَبَين الْقَوْم حِبَالًا وعهودا وانا ناقضوها
فَهَؤُلَاءِ الَّذين بَايعُوهُ هم من اعظم خلق الله محبَّة لله وَرَسُوله وبذلا لنفوسهم واموالهم فِي رضَا الله وَرَسُوله على وَجه لَا يلحقهم فِيهِ اُحْدُ من هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرين قد كَانَ غَايَة مَا طلبوه بذلك الْجنَّة فَلَو كَانَ هُنَاكَ مَطْلُوب اعلى من ذَلِك لطلبوه لكِنهمْ علمُوا ان فِي الْجنَّة كل مَحْبُوب ومطلوب بل وَفِي الْجنَّة مَا لَا
стр. 581
تشعر بِهِ النُّفُوس لتطلبه فَإِن الطّلب وَالْحب والارادة فرع عَن الشُّعُور والاحساس والتصور فَمَا لَا يحسه الانسان وَلَا يتصوره وَلَا يشْعر بِهِ يمْتَنع ان يَطْلُبهُ وَيُحِبهُ ويريده
وَالْجنَّة فِيهَا هَذَا وَهَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿لَهُم مَا يشاؤون فِيهَا ولدينا مزِيد﴾ سُورَة ق ٣٥ وَقَالَ ﴿وفيهَا مَا تشتهيه الْأَنْفس وتلذ الْأَعْين﴾ سُورَة الزخرف ٧١ فَفِيهَا كل مَا يشتهونه وفيهَا مزِيد على ذَلِك وَهُوَ مَا لم يبلغهُ علمهمْ ليشتهوه كَمَا قَالَ ﷺ مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا اذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر وَهَذَا بَاب وَاسع
فَإِذا عرفت هَذِه الْمُقدمَة فَقَوْل الْقَائِل الرِّضَا ان لَا تسْأَل الله الْجنَّة وَلَا تستعيذه من النَّار ان اراد بذلك ان لَا تسْأَل الله مَا هُوَ دَاخل فِي مُسَمّى الْجنَّة الشَّرْعِيَّة فَلَا تسأله النّظر اليه وَلَا غير ذَلِك مِمَّا هُوَ مَطْلُوب جَمِيع الانبياء والاولياء وانك لَا تستعيذ بِهِ
стр. 582
لَا من احتجابه عَنْك وَلَا من تعذيبك فِي النَّار فَهَذَا الْكَلَام مَعَ كَونه مُخَالفا لجَمِيع الانبياء وَالْمُرْسلِينَ وَسَائِر الْمُؤمنِينَ فَهُوَ متناقض فِي نَفسه فَاسد فِي صَرِيح الْمَعْقُول
وَذَلِكَ ان الراضي الَّذِي لَا يسْأَل انما لَا يسْأَله لرضاه عَن الله وَرضَاهُ عَنهُ انما هُوَ بعد مَعْرفَته بِهِ ومحبته لَهُ فَإِذا قدر انه حجب فَرضِي بِزَوَال كل نعيم فَرضِي بِزَوَال رِضَاهُ عَن الله وبزوال محبته لله واذا لم يبْق مَعَه رضَا عَن الله وَلَا محبَّة لله فَكَأَنَّهُ قَالَ يُرْضِي ان لَا يرضى وَهَذَا جمع بَين النقيضين وَلَا ريب انه كَلَام من لم يتَصَوَّر مَا يَقُول وَلَا عقله
يُوضح ذَلِك ان الراضي انما يحملهُ على احْتِمَال المكاره والآلام مَا يجده من لَذَّة الرِّضَا وحلاوته فَإِذا فقد تِلْكَ الْحَلَاوَة واللذة امْتنع ان يحْتَمل الما ومرارة فَكيف يتَصَوَّر ان يكون رَاضِيا وَلَيْسَ مَعَه من حلاوة الرِّضَا مَا يحمل بِهِ مرَارَة المكاره
стр. 583
وانما هَذَا من جنس كَلَام السَّكْرَان والفاني الَّذِي وجد فِي نَفسه حلاوة الرِّضَا فَظن ان هَذَا يبْقى مَعَه على أَي حَال كَانَ وَهَذَا غلط عَظِيم مِنْهُ كغلط سمنون كَمَا تقدم
وان اراد بذلك ان لَا يسْأَل التَّمَتُّع بالمخلوق بل يسْأَل مَا هُوَ اعلى من ذَلِك فقد غلط من وَجْهَيْن من جِهَة انه لم يَجْعَل ذَلِك الْمَطْلُوب من الْجنَّة وَهُوَ أَعلَى نعيم الْجنَّة وَمن جِهَة انه ايضا اثْبتْ انه طَالب مَعَ كَونه رَاضِيا فَإِذا كَانَ الرِّضَا لَا يُنَافِي هَذَا الطّلب فَلَا يُنَافِي طلبا اخر اذا كَانَ مُحْتَاجا الى مَطْلُوبه
وَمَعْلُوم ان تنعمه بِالنّظرِ لَا يتم الا بسلامته من النَّار وبتنعمه من الْجنَّة بِمَا هُوَ دون النّظر وَمَا لَا يتم الْمَطْلُوب الا بِهِ فَهُوَ مَطْلُوب فَيكون طلبه للنَّظَر طلبا للوازمه الَّتِي مِنْهَا النجَاة من النَّار فَيكون رِضَاهُ لَا يُنَافِي طلب حُصُول الْمَنْفَعَة وَلَا دفع الْمضرَّة عَنهُ وَلَا طلب حُصُول الْجنَّة وَدفع النَّار وَلَا غَيرهمَا مِمَّا هُوَ من لَوَازِم النّظر فَتبين تنَاقض قَوْله
وايضا فَإِذا لم يسْأَل الله الْجنَّة لم يستعذ بِهِ من النَّار فإمَّا ان يطْلب من الله مَا هُوَ دون ذَلِك مِمَّا يحْتَاج اليه من جلب مَنْفَعَة وَدفع
стр. 584
مضبرة واما ان لَا يَطْلُبهُ فَإِن طلب مَا هُوَ دون ذَلِك واستعاذ مِمَّا هُوَ دون ذَلِك فَطَلَبه للجنة اولى واستعاذته من النَّار اولى
وان كَانَ الرِّضَا ان لَا يطْلب شَيْئا قطّ وَلَو كَانَ مُضْطَرّا اليه وَلَا يستعيذ من شَيْء قطّ وَلَو كَانَ مضرا بِهِ فَلَا يَخْلُو اما ان يكون ملتفتا بِقَلْبِه الى الله فِي ان يفعل بِهِ ذَلِك واما ان يكون معرضًا عَن ذَلِك فَإِن الْتفت بِقَلْبِه الى الله فَهُوَ طَالب مستعيذ بِحَالهِ
وَلَا فرق بَين الطّلب بِالْحَال والقال بل هُوَ بهما اكمل واتم فَلَا يعدل عَنهُ وان كَانَ معرضًا عَن جَمِيع ذَلِك فَمن الْمَعْلُوم انه لَا يحيا وَيبقى الا بِمَا يُقيم حَيَاته وَيدْفَع مضاره فَذَلِك الَّذِي بِهِ يحيا من طلب جلب الْمَنَافِع وَدفع المضار اما ان يُحِبهُ ويطلبه ويريده من اُحْدُ اَوْ لَا يُحِبهُ وَلَا يَطْلُبهُ وَلَا يُريدهُ فَإِن احبه وَطَلَبه واراده من غير الله كَانَ مُشْركًا مذموما فضلا على ان يكون مَحْمُودًا
стр. 585
وان قَالَ لَا احبه وَلَا اطلبه وَلَا اريده لَا من الله وَلَا من خلقه
قيل هَذَا مُمْتَنع فِي الْحَيّ فَإِن الْحَيّ يمْتَنع عَلَيْهِ ان لَا يحب مَا بِهِ يبْقى وَهَذَا امْر مَعْلُوم بالحس وَمن كَانَ بِهَذِهِ المثابة امْتنع ان يُوصف بِالرِّضَا فَإِن الراضي مَوْصُوف بحب وارادة خَاصَّة اذ الرِّضَا مُسْتَلْزم لذَلِك فَكيف يسلب عَنهُ ذَلِك كُله فَهَذَا وامثاله مِمَّا يبين فَسَاد هَذَا الْكَلَام فِي الْعقل
واما الرِّضَا فِي سَبِيل الله وَطَرِيقه وَدينه فَمن وُجُوه
احدها ان يُقَال الراضي لَا بُد ان يفعل مَا يرضاه الله الا فَكيف يكون رَاضِيا عَن الله من لَا يفعل مَا يرضاه الله وَكَيف يسوغ رضَا مَا يكرههُ الله ويسخطه ويذمه وَينْهى عَنهُ
وَبَيَان هَذَا ان الرِّضَا الْمَحْمُود اما ان يكون الله يُحِبهُ ويرضاه
стр. 586
واما ان لَا يُحِبهُ ويرضاه فَإِن لم يكن يُحِبهُ ويرضاه لم يكن هَذَا الرِّضَا مَأْمُورا بِهِ لَا امْر ايجاب وَلَا امْر اسْتِحْبَاب فَإِن من الرِّضَا مَا هُوَ كفر كرضا الْكفَّار بالشرك وَقتل الانبياء وتكذيبهم ورضاهم بِمَا يسخطه الله ويكرهه
قَالَ تَعَالَى ﴿ذَلِك بِأَنَّهُم اتبعُوا مَا أَسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أَعْمَالهم﴾ سُورَة مُحَمَّد ٢٨ فَمن اتبع مَا يسْخط الله بِرِضَاهُ وَعَمله فقد اسخط الله
وَقَالَ النَّبِي ﷺ ان الْخَطِيئَة اذا عملت فِي الارض كَانَ من غَابَ عَنْهَا ورضيها كمن شَهِدَهَا وَمن شَهِدَهَا وسخطها كَانَ كمن غَابَ عَنْهَا وانكرها وَقَالَ صلى الله
стр. 587
عَلَيْهِ وَسلم سَيكون بعدِي امراء تعرفُون وتنكرون فَمن انكر فقد برِئ وَمن كره فقد سلم وَلَكِن من رَضِي وتابع
وَقَالَ تَعَالَى ﴿يحلفُونَ لكم لترضوا عَنْهُم فَإِن ترضوا عَنْهُم فَإِن الله لَا يرضى عَن الْقَوْم الْفَاسِقين﴾ سُورَة التَّوْبَة ٩٦ فرضانا عَن الْقَوْم الْفَاسِقين لَيْسَ مِمَّا يُحِبهُ الله ويرضاه وَهُوَ لَا يرضى عَنْهُم
وَقَالَ تَعَالَى ﴿أرضيتم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا من الْآخِرَة فَمَا مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة إِلَّا قَلِيل﴾ سُورَة التَّوْبَة: ٣٨ فَهَذَا رضى قد ذمه الله
وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين لَا يرجون لقاءنا وَرَضوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا واطمأنوا بهَا﴾ سُورَة يُونُس ٧ فَهَذَا أَيْضا مَذْمُوم وشواهد هَذَا كَثِيرَة
стр. 588
فَمن رَضِي بِكُفْرِهِ وَكفر غَيره وفسقه وَفسق غَيره ومعاصيه ومعاصي غَيره فَلَيْسَ هُوَ مُتبعا لرضا الله وَلَا هُوَ مُؤمن بِاللَّه بل هُوَ مسخط لرَبه وربه غَضْبَان عَلَيْهِ لَا عَن لَهُ ذام لَهُ متوعد لَهُ بالعقاب
وَطَرِيق الله الَّتِي يَأْمر بهَا الْمَشَايِخ المهتدون انما هِيَ الامر بِطَاعَة الله وَالنَّهْي عَن مَعْصِيَته فَمن امْر وَاسْتحبَّ اَوْ مدح الرِّضَا الَّذِي يكرههُ الله ويذمه وَينْهى عَنهُ ويعاقب اصحابه فَهُوَ عَدو لله لَا ولي لله وَهُوَ يصد عَن سَبِيل الله وَطَرِيقه لَيْسَ بسالك لسبيله وَطَرِيقه
واذا كَانَ الرِّضَا الْمَوْجُود فِي بني آدم مِنْهُ مَا يُحِبهُ الله وَمِنْه مَا يكرههُ ويسخطه وَمِنْه مَا هُوَ مُبَاح لَا من هَذَا وَلَا من هَذَا كَسَائِر اعمال الْقُلُوب من الْحبّ والبغض وَغير ذَلِك كلهَا يَنْقَسِم الى مَحْبُوب لله ومكروه لله ومباح فَإِذا كَانَ الامر كَذَلِك فالراضي الَّذِي لَا يسْأَل الله الْجنَّة وَلَا يستعيذه من النَّار يُقَال لَهُ سُؤال
стр. 589
الله الْجنَّة واستعاذته من النَّار اما ان تكون وَاجِبَة واما ان تكون مُسْتَحبَّة واما ان تكون مُبَاحَة واما ان تكون مُحرمَة واما ان تكون مَكْرُوهَة وَلَا يَقُول مُسلم انها مُحرمَة وَلَا مَكْرُوهَة وَلَيْسَت ايضا مُبَاحَة مستوية الطَّرفَيْنِ وَلَو قيل انها كَذَلِك فَفعل الْمُبَاح المستوى الطَّرفَيْنِ لَا يُنَافِي الرِّضَا اذ لَيْسَ من شَرط الراضي ان لَا يَأْكُل وَلَا يشرب وَلَا يلبس وَلَا يفعل امثال هَذِه الامور فَإِذا كَانَ مَا يَفْعَله من هَذِه الامور لَا يُنَافِي رِضَاهُ اينافي رِضَاهُ دُعَاء وسؤال هُوَ مُبَاح
واذا كَانَ الدُّعَاء وَالسُّؤَال كَذَلِك وَاجِبا اَوْ مُسْتَحبا فمعلوم ان الله يرضى بِفعل الْوَاجِبَات والمستحبات فَكيف يكون الراضي الَّذِي هُوَ من اولياء الله لَا يفعل مَا يرضاه الله وَيُحِبهُ بل يفعل مَا يسخطه ويكرهه وَهَذِه صفة اعداء الله لَا اولياء الله
والقشيري قد ذكر هَذَا فِي اوائل بَاب الرِّضَا فَقَالَ اعْلَم ان الْوَاجِب على العَبْد ان يرضى بِقَضَاء الله الَّذِي امْر
стр. 590
بِالرِّضَا بِهِ اذ لَيْسَ كل مَا هُوَ بِقَضَائِهِ يجوز للْعَبد اَوْ يجب على العَبْد الرِّضَا بِهِ كالمعاصي وفنون محن الْمُسلمين وَهَذَا الَّذِي قَالَه قَالَه قبله وَبعده وَغَيره وَمَعَهُ غير وَاحِد من الْعلمَاء كَالْقَاضِي ابي بكر وَالْقَاضِي ابي يعلى وامثالهما لما احْتج عَلَيْهِم بعض الْقَدَرِيَّة بِأَن الرِّضَا بِقَضَاء الله مَأْمُور بِهِ فَلَو كَانَت الْمعاصِي بِقَضَاء الله لَكنا مأمورين بِالرِّضَا بهَا الرِّضَا بِمَا نهى الله عَنهُ لَا يجوز فأجابهم اهل السّنة عَن ذَلِك بِثَلَاثَة اجوبة
أَحدهَا وَهُوَ جَوَاب هَؤُلَاءِ وجماهير الائمة ان هَذَا الْعُمُوم لَيْسَ بِصَحِيح فلسنا مأمورين ان نرضى بِكُل مَا قضى وَقدر وَلم يَجِيء فِي الْكتاب وَالسّنة امْر بذلك وَلَكِن علينا ان نرضى بِمَا امرنا بِالرِّضَا بِهِ كطاعة الله وَرَسُوله وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذكره ابو الْقَاسِم
وَالْجَوَاب الثَّانِي انهم قَالُوا انا نرضى بِالْقضَاءِ الَّذِي هُوَ
стр. 591
صفة الله اَوْ فعله وَلَا نرضى بالمقضى الَّذِي هُوَ مَفْعُوله وَفِي هَذَا الْجَواب ضعف قد بَيناهُ فِي غير هَذَا الْموضع
الثَّالِث انهم قَالُوا ان هَذِه الْمعاصِي لَهَا وَجْهَان وَجه الى العَبْد من حَيْثُ هِيَ فعله وصنعه وَكَسبه وَوجه الى الرب من حَيْثُ انه خلقهَا وقضاها وقدرها فنرضى من الْوَجْه الَّذِي يُضَاف بِهِ الى الله وَلَا نرضى من الْوَجْه الَّذِي يُضَاف بِهِ الى العَبْد اذ كَونهَا شرا وقبيحة ومحرمة وسببا للعذاب والذم وَنَحْو ذَلِك انما هُوَ من جِهَة كَونهَا مُضَافَة الى العَبْد وَهَذَا مقَام فِيهِ من كشف الْحَقَائِق والاسرار مَا قد ذكرنَا مِنْهُ مَا ذكرنَا فِي غير هَذَا الْموضع وَلَا يحْتَملهُ هَذَا الْمَكَان فَإِن هَذَا مُتَعَلق بمسائل الصِّفَات وَالْقدر وَهُوَ من اعظم مطَالب الدّين واشرف عُلُوم الاولين والاخرين وادقها على عقول اكثر الْعَالمين
стр. 592
وَالْمَقْصُود هُنَا ان مَشَايِخ الصُّوفِيَّة وَغَيرهم من الْعلمَاء قد بينوا أَن من الرِّضَا مَا يكون جَائِزا وَمِنْه مَالا يكون جَائِزا فضلا عَن كَونه مُسْتَحبا اَوْ من صِفَات المقربين وان ابا الْقَاسِم ذكر فِي الرسَالَة ذَلِك ايضا
فَإِن قيل هَذَا الَّذِي ذكرتموه امْر بَين وَاضح فَمن ايْنَ غلط من قَالَ الرِّضَا ان لَا تسْأَل الله الْجنَّة وَلَا تستعيذه من النَّار وَغلط من يستحسن مثل هَذَا الْكَلَام كَائِنا من كَانَ
قيل غلطوا فِي ذَلِك لأَنهم رَأَوْا ان الراضي بِأَمْر لَا يطْلب غير ذَلِك الامر فَالْعَبْد اذا كَانَ فِي حَال من الاحوال فَمن رِضَاهُ ان لَا يطْلب غير تِلْكَ الْحَال ثمَّ انهم رَأَوْا ان اقصى المطالب الْجنَّة واقصى المكاره النَّار فَقَالُوا يَنْبَغِي ان لَا يطْلب شَيْئا وَلَو انه الْجنَّة وَلَا يكره شَيْئا وَلَو انه النَّار فَهَذَا وَجه غلطهم وَدخل الضلال عَلَيْهِم من وَجْهَيْن
احدهما ظنهم ان الرِّضَا بِكُل مَا يكون امْر يُحِبهُ الله ويرضاه
стр. 593
وان هَذَا من اعظم طرق اولياء الله فَجعلُوا الرِّضَا بِكُل حَادث وكائن اَوْ بِكُل حَال يكون فِيهَا العَبْد طَرِيقا الى الله فضلوا ضلالا مُبينًا الطَّرِيق الى الله انما هِيَ ان ترضيه بِأَن تفعل مَا يُحِبهُ ويرضاه لَا ان ترْضى بِكُل مَا يحدث وَيكون فَإِنَّهُ هُوَ لم يَأْمُرك بذلك وَلَا رضيه لَك وَلَا احبه بل هُوَ سُبْحَانَهُ يكره ويسخط وَيبغض على اعيان اَوْ افعال مَوْجُودَة لَا يحصيها الا هُوَ
وَولَايَة الله مُوَافَقَته بِأَن تحب مَا يحب وَتبْغض مَا يبغض وَتكره مَا يكره وتسخط مَا يسْخط وتوالي من يوالي وتعادي من يعادي فَإِذا كنت تحب وترضى مَا يسخطه ويكرهه كنت عدوه وَلَا وليه وَكَانَ كل ذمّ نَالَ من رَضِي مَا اسخط الله قد نالك فَتدبر هَذَا فَإِنَّهُ تَنْبِيه على اصل عَظِيم ضل فِيهِ من طوائف النساك والصوفية والعباد الْعَامَّة من لَا يحصيهم الا الله
стр. 594
الْوَجْه الثَّانِي انهم لم يفرقُوا بَين الدُّعَاء الَّذِي امروا بِهِ امْر ايجاب وامر اسْتِحْبَاب وَبَين الدُّعَاء الَّذِي نهوا عَنهُ اَوْ لم يؤمروا بِهِ وَلم ينهوا عَنهُ فَإِن دُعَاء العَبْد لرَبه ومسألته اياه ثَلَاثَة انواع
نوع امْر بِهِ العَبْد اما امْر ايجاب واما امْر اسْتِحْبَاب مثل قَوْله ﴿اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم﴾ سُورَة الْفَاتِحَة ٦ وَمثل دُعَائِهِ فِي اخر الصَّلَاة كالدعاء الَّذِي كَانَ النَّبِي ﷺ يَأْمر بِهِ اصحابه فَقَالَ اذا قعد احدكم فِي التَّشَهُّد فليستعذ بِاللَّه من ارْبَعْ من عَذَاب جَهَنَّم وَعَذَاب الْقَبْر وفتنة الْمحيا وَالْمَمَات وفتنة الْمَسِيح الدَّجَّال فَهَذَا دُعَاء امْر بِهِ النَّبِي
стр. 595
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الصَّحَابَة ان يدعوا بِهِ فِي اخر صلَاتهم وَقد اتّفقت الامة على انه مَشْرُوع يُحِبهُ الله وَرَسُوله ويرضاه وَتَنَازَعُوا فِي وُجُوبه فأوجبه طَاوُوس وَطَائِفَة وَهُوَ قَول فِي مَذْهَب احْمَد وَالْأَكْثَرُونَ قَالُوا هُوَ مُسْتَحبّ
والادعيه الَّتِي كَانَ النَّبِي ﷺ يَدْعُو بهَا اَوْ يعلم اصحابه ان يدعوا بهَا لَا تخرج عَن ان تكون وَاجِبَة اَوْ مستحبه وكل وَاحِد من الْوَاجِب وَالْمُسْتَحب فَالله يُحِبهُ ويرضاه وَمن فعله ﵁ وارضاه فَهَل يكون من الرِّضَا ترك مَا يُحِبهُ ويرضاه
وَنَوع من الدُّعَاء ينْهَى عَنهُ كالاعتداء فِي الدُّعَاء مثل ان يسْأَل الرجل مَا لَا يصلح لَهُ مِمَّا هُوَ من خَصَائِص الانبياء وَلَيْسَ هُوَ بِنَبِي وَرُبمَا هُوَ من خَصَائِص الرب مثل ان يسْأَل لنَفسِهِ الْوَسِيلَة الَّتِي لَا تصلح الا لعبد من عباده اَوْ
стр. 596
يسْأَل الله ان يَجعله افضل من اولياء الله حَتَّى يكون افضل من ابي بكر وَعمر اَوْ يسْأَل الله ان يَجعله بِكُل شَيْء عليم اَوْ على كل شَيْء قدير اَوْ يرفع عَنهُ كل حجاب يمنعهُ من مطالعة الغيوب وامثال ذَلِك اَوْ مثل من يَدعُوهُ ظَانّا انه مُحْتَاج الى عباده وانهم يبلغون ضره ونفعه فيطلب مِنْهُ ذَلِك الْفِعْل وَيذكر انه اذا لم يَفْعَله حصل لَهُ ضير من الْخلق فَهَذَا وَنَحْوه جهل بِاللَّه واعتداء فِي الدُّعَاء وان وَقع فِي نَحْو ذَلِك طَائِفَة من الشُّيُوخ
وَمثل ان يَقُول اللَّهُمَّ اغْفِر لي ان شِئْت فيظن ان الله قد يفعل الشَّيْء مُخْتَارًا وَقد يعقله مكْرها كالملوك فَيَقُول اغْفِر لي ان شِئْت
وَقد نهى النَّبِي ﷺ عَن ذَلِك وَقَالَ لَا يقل
стр. 597
احدكم اللَّهُمَّ اغْفِر لي ان شِئْت اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي ان شِئْت وَلَكِن ليعزم الْمَسْأَلَة فَإِن الله لَا مكره لَهُ وَمثل ان يقْصد السجع فِي الدُّعَاء ويتشهق ويتشدق وامثال ذَلِك
فَهَذِهِ الادعية وَنَحْوهَا منهى عَنْهَا وَمن الدُّعَاء مَا هُوَ مُبَاح كَطَلَب الفضول الَّتِي لَا مَعْصِيّة فِيهَا
وَالْمَقْصُود ان الرِّضَا الَّذِي هُوَ من طَرِيق الله لَا يتَضَمَّن ترك وَاجِب وَلَا ترك مُسْتَحبّ فالدعاء الَّذِي هُوَ وَاجِب اَوْ مُسْتَحبّ لَا يكون تَركه من الرِّضَا كَمَا ان ترك سَائِر الْوَاجِبَات لَا يكون من الرِّضَا الْمَشْرُوع وَلَا فعل الْمُحرمَات من الرِّضَا الْمَشْرُوع
стр. 598
فقد تبين غلط هَؤُلَاءِ من جِهَة ظنهم ان الرِّضَا مَشْرُوع بِكُل مَقْدُور وَمن جِهَة انهم لم يميزوا بَين الدُّعَاء الْمَشْرُوع ايجابا اَوْ اسْتِحْبَابا وَالدُّعَاء غير الْمَشْرُوع وَقد علم بالاضطرار من دين الاسلام ان طلب الْجنَّة من الله والاستعاذة بِهِ من النَّار هُوَ من اعظم الادعية الْمَشْرُوعَة لكل اُحْدُ من الْمُرْسلين والنبيين وَجَمِيع الصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وان ذَلِك لَا يخرج عَن كَونه وَاجِبا اَوْ مُسْتَحبا وَطَرِيق اولياء الله الَّتِي يسلكونها لَا تخرج عَن فعل وَاجِبَات ومستحبات اذ مَا سوى ذَلِك محرم اَوْ مَكْرُوه اَوْ مُبَاح لَا مَنْفَعَة فِيهِ فِي الدّين
ثمَّ انه مِمَّا اوقع هَؤُلَاءِ فِي هَذَا الْغَلَط انهم وجدوا كثيرا من النَّاس لَا يسْأَلُون الله جلب الْمَنَافِع وَدفع المضار حَتَّى طلب الْجنَّة والاستعاذة من النَّار من جِهَة كَون ذَلِك عبَادَة وَطَاعَة
стр. 599
وَخيرا بل من جِهَة كَون النَّفس تطلب ذَلِك فَرَأَوْا ان من الطَّرِيق ترك مَا تختاره النَّفس وتريده وان لَا يكون لأَحَدهم ارادة اصلا بل يكون مَطْلُوبه الجريان تَحت الْقد كَائِنا من كَانَ وَهَذَا هُوَ الَّذِي ادخل كثيرا مِنْهُم فِي الرهبانية وَالْخُرُوج عَن الشَّرِيعَة حَتَّى تركُوا من الاكل وَالشرب واللباس وَالنِّكَاح مَا يَحْتَاجُونَ اليه وَمَا لَا تتمّ مصلحَة دينهم الا بِهِ فانهم رَأَوْا الْعَامَّة تعد هَذِه الامور عبَادَة بِحكم الطَّبْع والهوى وَالْعَادَة وَمَعْلُوم ان الافعال الَّتِي تقع على هَذَا الْوَجْه لَا تكون عبَادَة وَلَا طَاعَة وَلَا قربَة فَرَأى اولئك ان الطَّرِيق الى الله ترك هَذِه الامور لِأَنَّهَا من الطبيعيات والعادات فلازموا من الْجُوع والسهر وَالْخلْوَة والصمت وَغير ذَلِك مِمَّا فِيهِ ترك الحظوظ وَاحْتِمَال المشاق مَا اوقعهم فِي ترك وَاجِبَات ومستحبات وَفعل مكروهات ومحرمات
стр. 600
وكلا الْأَمريْنِ غير مَحْمُود وَلَا مَأْمُور بِهِ وَلَا طَرِيق الى الله طَرِيق المفرطين الَّذين فعلوا هَذِه الامور الْمُحْتَاج اليها على غير وَجه الْعِبَادَة والقربة الى الله وَطَرِيق الْمُعْتَدِينَ الَّذين تركُوا هَذِه الافعال بل الْمَشْرُوع ان تفعل بنية التَّقَرُّب الى الله وان يشْكر الله
قَالَ تَعَالَى ﴿كلوا من الطَّيِّبَات وَاعْمَلُوا صَالحا﴾ سُورَة الْمُؤْمِنُونَ ٥١ وَقَالَ تَعَالَى ﴿كلوا من طَيّبَات مَا رزقناكم واشكروا لله﴾ سُورَة الْبَقَرَة ١٧٢ فَأمر بِالْأَكْلِ وَالشُّكْر فَمن أكل وَلم يشْكر كَانَ مذموما وَمن لم يَأْكُل لم يشْكر كَانَ مذموما
وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ انه قَالَ ان الله ليرضى عَن العَبْد ان يَأْكُل الْأكلَة فيحمده عَلَيْهَا وَيشْرب الشربة فيحمده عَلَيْهَا
следующие страницы →