Полный текст (813 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وَلَا انْتِقَال وَلَا بِغَيْر حَال أنكر أَحْمد ذَلِك وَقَالَ قل كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ فَهُوَ كَانَ أغير على ربه مِنْك
وَقد نقل فِي رِسَالَة عَنهُ إِثْبَات لفظ الْحَرَكَة مثل مَا فِي العقيدة الَّتِي كتبهَا حَرْب بن اسماعيل
وَلَيْسَت هَذِه العقيدة ثَابِتَة عَن الإِمَام أَحْمد بألفاظها فإنى تَأَمَّلت لَهَا ثَلَاثَة أَسَانِيد مظْلمَة بِرِجَال مَجَاهِيل والألفاظ هِيَ أَلْفَاظ حَرْب بن إِسْمَاعِيل لَا أَلْفَاظ الإِمَام أَحْمد وَلم يذكرهَا المعنيون بِجمع كَلَام الإِمَام أَحْمد كَأبي بكر الْخلال فِي كتاب السّنة وَغَيره من الْعِرَاقِيّين الْعَالمين بِكِتَاب أَحْمد وَلَا رَوَاهَا المعروفون بِنَقْل كَلَام الإِمَام لَا سِيمَا مثل هَذِه الرسَالَة الْكَبِيرَة وَإِن كَانَت راجت على كثير من الْمُتَأَخِّرين
стр. 72
وَقد نقل حَنْبَل عَن احْمَد فِي كتاب المحنة أَنه تَأَول قَوْله هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل من العمام وَالْمَلَائِكَة [سُورَة الْبَقَرَة ٢١٠] فَإِن الْجَهْمِية الَّذين ناظروه احْتَجُّوا على خلق الْقُرْآن بقول النَّبِي ﷺ بِأَن الْبَقَرَة وَآل عمرَان تأتيان يَوْم الْقِيَامَة كَأَنَّهُمَا غمامتان أَو غيايتان أَو فرقان من طير صواف تحاجان عَن صَاحبهمَا وَمَا يجِئ إِلَّا مَخْلُوق فَقَالَ الإِمَام أَحْمد فقد قَالَ الله تَعَالَى هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يأتينهم الله فِي ظلل من الْغَمَام فَهَل يجِئ الله إِنَّمَا يجِئ أمره كَذَلِك هُنَا إِنَّمَا يجِئ ثَوَاب الْقُرْآن
فَاخْتلف أَصْحَابنَا فِي هَذِه الرِّوَايَة على خمس طرق
стр. 73
وَقَالَ قوم غلط حَنْبَل فِي نقل هَذِه الرِّوَايَة وحنبل لَهُ مفاريد ينْفَرد بهَا من الرِّوَايَات فِي الْفِقْه والجماهير يرروون خِلَافه
وَقد اخْتلف الْأَصْحَاب فِي مفاريد حَنْبَل الَّتِى خَالفه فِيهَا الْجُمْهُور هَل تثبت رِوَايَته على طَرِيقين فالخلال وَصَاحبه قد ينكرانها ويثبتها غَيرهمَا كَابْن حَامِد
وَقَالَ قوم مِنْهُم إِنَّمَا قَالَ ذَلِك إلزاما للمنازعين لَهُ فَإِنَّهُم يتأولون مجئ الرب بمجئ أمره قَالَ فَكَذَلِك قُولُوا يجِئ كَلَامه مجئ ثَوَابه وَهَذَا قريب
وَقَالَ قوم مِنْهُم بل هَذِه الرِّوَايَة ثابته فِي تَأْوِيل مَا جَاءَ من جنس الْحَرَكَة والإتيان وَالنُّزُول فيتأول على هَذِه الرِّوَايَة بِالْقَصْدِ والعمد لذَلِك وَهَذِه طَريقَة ابْن الزَّاغُونِيّ وَغَيره
وَقَالَ قوم بل يتَأَوَّل بمجئ ثَوَابه وَهَؤُلَاء جعلُوا الرِّوَايَة فِي جنس الْحَرَكَة دون بَقِيَّة الصِّفَات
стр. 74
وَقَالَ قوم مِنْهُم ابْن عقيل وَابْن الجوزى بل يتَعَدَّى الحكم من هَذِه الصّفة إِلَى سَائِر الصِّفَات الَّتِي تخَالف ظَاهرهَا للدليل الْمُوجب لمُخَالفَة الظَّاهِر
وَبِكُل حَال فَالْمَشْهُور عِنْد أَصْحَاب الإِمَام أَحْمد أَنهم لَا يتأولون الصِّفَات الَّتِي من جنس الْحَرَكَة كالمجئ والإتيان وَالنُّزُول والهبوط والدنو والتدلى كَمَا لَا يتأولون غَيرهَا مُتَابعَة للسلف الصَّالح وَكَلَام السّلف فِي هَذَا الْبَاب يدل على اثبات الْمَعْنى الْمُتَنَازع فِيهِ
قَالَ الأوزاعى لما سُئِلَ عَن حَدِيث النُّزُول يفعل الله مايشاء وَقَالَ حَمَّاد بن زيد يدنو من خلقه كَيفَ شَاءَ وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ
стр. 75
الْأَشْعَرِيّ عَن أهل السّنة والْحَدِيث
وَقَالَ الفضيل بن عِيَاض إِذا قَالَ لَك الجهمى أَنا أكفر بِرَبّ يَزُول عَن مَكَانَهُ فَقل أَنا أُؤْمِن بِرَبّ يفعل مَا يَشَاء
وَقَالَ أَبُو عبد الله احْمَد بن سعيد الرباطى حضرت مجْلِس الْأَمِير عبد الله بن طَاهِر وَحضر إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فَسئلَ عَن حَدِيث النُّزُول صَحِيح هُوَ قَالَ نعم فَقَالَ لَهُ بعض قواد عبد الله يَا أَبَا
стр. 76
يَعْقُوب أتزعم أَن الله ينزل كل لَيْلَة قَالَ نعم قَالَ كَيفَ ينزل قَالَ لَهُ إِسْحَاق أثْبته حَتَّى أصف لَك النُّزُول فَقَالَ لَهُ الرجل أثْبته قَالَ لَهُ إِسْحَاق قَالَ الله تَعَالَى وَجَاء رَبك وَالْملك صفا صفا [سُورَة الْفجْر ٢٢] فَقَالَ الْأَمِير عبد الله بن طَاهِر يَا أَبَا يَعْقُوب هَذَا يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ إِسْحَاق أعز الله الْأَمِير وَمن يجِئ يَوْم الْقِيَامَة من يمنعهُ الْيَوْم
وَقَالَ حَرْب بن إِسْمَاعِيل سَمِعت إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم يَقُول لَيْسَ فِي النُّزُول وصف قَالَ وَقَالَ إِسْحَاق لَا يجوز الْخَوْض فِي أَمر الله كَمَا يجوز الْخَوْض فِي أَمر المخلوقين لقَوْل الله تَعَالَى لايسأل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون [سُورَة الْأَنْبِيَاء ٢٣] وَلَا يجوز أَن يتَوَهَّم على الله بصفاته وفعاله بفهم مَا يجوز التفكر وَالنَّظَر فِيهِ من أَمر المخلوقين وَذَلِكَ أَنه يُمكن أَن يكون الله مَوْصُوفا بالنزول كل لَيْلَة إِذا مضى ثلثهَا إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا كَمَا شَاءَ وَلَا يسْأَل كَيفَ نُزُوله لِأَن الْخَالِق يصنع مَا شَاءَ كَمَا شَاءَ
стр. 77
فصل وَقد اعْترف أَكثر أَئِمَّة أهل الْكَلَام والفلسفة من الْأَوَّلين والآخرين بِأَن
أَكثر الطرائق الَّتِي سلكوها فِي أُمُور الربوبية بالأقيسة الَّتِي ضربوها لَا تفضى بهم إِلَى الْعلم وَالْيَقِين وَفِي الْأُمُور الإلهية مثل تكلمهم بِالْجِنْسِ وَالْعرض فِي دلائلهم ومسائلهم
فَأَما الأول فقد ذكرنَا فِي غير هَذَا الْموضع مقَالَة أساطين الفلسفة من الْأَوَائِل أَنهم قَالُوا الْعلم الإلهي لَا سَبِيل فِيهِ إِلَى الْيَقِين وَإِنَّمَا يتَكَلَّم فِيهِ بِالْأولَى والأحرى والأخلق وَلِهَذَا اتّفق كل من خبر مقَالَة هَؤُلَاءِ المتفلسفة فِي الْعلم الإلهي أَن غالبه ظنون كَاذِبَة وأقيسة فَاسِدَة وَأَن الَّذِي فِيهِ من الْعلم الْحق قَلِيل
وَأما اعْتِرَاف المتكلمة من الإسلاميين فكثير قد جمع الْعلمَاء فِيهِ شَيْئا وَذكروا رُجُوع أكابرهم عَمَّا كَانُوا يَقُولُونَهُ وتوبتهم إِمَّا عِنْد الْمَوْت وَإِمَّا قبل الْمَوْت وَهَذَا من أَسبَاب الرَّحْمَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي هَذِه الْأمة فَإِن الله يقبل التَّوْبَة عَن عبَادَة وَيَعْفُو عَن السَّيِّئَات وَهَذَا أصح الْقَوْلَيْنِ فِي قبُول تَوْبَة الداعى لَكِن بَقَاء كَلَامهم وكتبهم
стр. 78
وآثارهم محنة عَظِيمَة فِي الْأمة وفتنة عَظِيمَة لمن نظر فِيهَا وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقد قَالَ ابو حَامِد الْغَزالِيّ فِي الْكتاب الَّذِي سَمَّاهُ إحْيَاء عُلُوم الدّين وَهُوَ من أجل كتبه قَالَ فَإِن قلت تعلم الجدل وَالْكَلَام مَذْمُوم كتعلم النُّجُوم أَو هُوَ مُبَاح كتعلم الطِّبّ أَو مَنْدُوب إِلَيْهِ فَاعْلَم أَن للنَّاس فِي هَذَا غلوا وإسرافا فِي أَطْرَاف
فَمن قَائِل إِنَّه بِدعَة وَحرَام وَإِن العَبْد أَن يلقى الله بِكُل ذَنْب مَا خلا الشّرك خير لَهُ من أَن يلقاه بالْكلَام
وَمن قَائِل إِنَّه وَاجِب وَفرض إِمَّا على الْكِفَايَة وَإِمَّا على الْأَعْيَان وَإنَّهُ أفضل الْأَعْمَال وَأَعْلَى القربات فَإِنَّهُ تَحْقِيق لعلم التَّوْحِيد ونضال عَن دين الله
стр. 79
قَالَ وَإِلَى التَّحْرِيم ذهب الشَّافِعِي وَمَالك وَأَبُو حنيفَة وَأحمد بن حَنْبَل وسُفْيَان الثورى وَجَمِيع أَئِمَّة السّلف
وسَاق ألفاظا عَن هَؤُلَاءِ
قَالَ وَاتفقَ أهل الحَدِيث من السّلف على هَذَا وَلَا ينْحَصر مَا نقل عَنْهُم من التشديدات فِيهِ وَقَالُوا مَا سكت عَنهُ الصَّحَابَة مَعَ أَنهم أعرف بالحقائق وأفصح بترتيب الْأَلْفَاظ من غَيرهم إِلَّا لعلمهم بِمَا يتَوَلَّد مِنْهُ من الشَّرّ
فصل فِيمَا ذكره الشَّيْخ أَبُو الْقَاسِم القشيرى فِي رسَالَته الْمَشْهُورَة من اعْتِقَاد
مَشَايِخ الصُّوفِيَّة فَإِنَّهُ ذكر من متفرقات كَلَامهم مَا يسْتَدلّ بِهِ على
стр. 80
انهم كَانُوا يوافقون اعْتِقَاد كثير من الْمُتَكَلِّمين الأشعرية وَذَلِكَ هُوَ اعْتِقَاد ابي الْقَاسِم الَّذِي تَلقاهُ عَن أبي بكر بن فورك وَأبي إِسْحَاق الإِسْفِرَايِينِيّ
وَهَذَا الِاعْتِقَاد غالبه مُوَافق لأصول السّلف وَأهل السّنة وَالْجَمَاعَة لكنه مقصر عَن ذَلِك ومتضمن ترك بعض مَا كَانُوا عَلَيْهِ وَزِيَادَة تخَالف مَا كَانُوا عَلَيْهِ
وَالثَّابِت الصَّحِيح عَن أكَابِر الْمَشَايِخ يُوَافق مَا كَانَ عَلَيْهِ السّلف وَهَذَا هُوَ الَّذِي كَانَ يجب أَن يذكر
فَإِن فِي الصَّحِيح الصَّرِيح الْمَحْفُوظ عَن اكابر الْمَشَايِخ مثل الفضيل ابْن عِيَاض وَأبي سُلَيْمَان الدَّارَانِي ويوسف بن أَسْبَاط وَحُذَيْفَة المرعشى ومعروف الْكَرْخِي إِلَى الْجُنَيْد بن مُحَمَّد وَسَهل بن عبد الله التسترِي وأمثال هَؤُلَاءِ مَا يبين حَقِيقَة مقالات الْمَشَايِخ
وَقد جمع كَلَام الْمَشَايِخ إِمَّا بِلَفْظِهِ أَو بِمَا فهمه هُوَ غير وَاحِد فصنف أَبُو بكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق الْكلاب اذى كتاب التعرف لمذاهب
стр. 81
التصوف وَهُوَ أَجود مِمَّا ذكره أَبُو الْقَاسِم وأصوب وَأقرب إِلَى مَذْهَب سلف الْأمة وأممتها وأكابر مشايخها وَكَذَلِكَ معمر بن زِيَاد الْأَصْفَهَانِي شيخ الصُّوفِيَّة وابو عبد الرَّحْمَن مُحَمَّد بن الْحسن السّلمِيّ جَامع كَلَام الصُّوفِيَّة هما فِي ذَلِك أَعلَى دَرَجَة وَأبْعد عَن الْبِدْعَة والهوى من أَبى الْقَاسِم
وَأَبُو عبد الرَّحْمَن وَإِن كَانَ أدنى الرجلَيْن فقد كَانَ يُنكر مَذْهَب الْكلابِيَّة ويبدعهم وَهُوَ الْمَذْهَب الَّذِي ينصره أَبُو الْقَاسِم وَله فِي ذمّ الْكَلَام مُصَنف يُخَالف مَا ينصره أَبُو الْقَاسِم وَأَبُو عبد الرَّحْمَن أجل من
стр. 82
أَخذ عَنهُ أَبُو الْقَاسِم كَلَام الْمَشَايِخ وَعَلِيهِ يعْتَمد فِي أَكثر مَا يحكيه فَإِن لَهُ مصنفات مُتعَدِّدَة
وَكَذَلِكَ عَامَّة الْمَشَايِخ الَّذين سماهم أَبُو الْقَاسِم فِي رسَالَته لَا يعرف عَن شيخ مِنْهُم أَنه كَانَ ينصر طَريقَة الْكلابِيَّة والأشعرية الَّتِي نصرها أَبُو الْقَاسِم بل الْمَحْفُوظ عَنْهُم خلافهم وَمن صرح مِنْهُم فَإِنَّمَا يُصَرح بِخِلَافِهَا حَتَّى شُيُوخ عصره الَّذين سماهم حَيْثُ قَالَ
فَأَما الْمَشَايِخ الَّذين عاصرناهم وَالَّذين أدركناهم وَإِن لم يتَّفق لنا لقياهم مثل الْأُسْتَاذ الشَّهِيد لِسَان وقته وَوَاحِد عصره أَبى على الدقاق وَالشَّيْخ شيخ وقته أَبى عبد الرَّحْمَن السلمى وأبى الْحسن على بن جَهْضَم مجاور الْحرم وَالشَّيْخ أَبى الْعَبَّاس
стр. 83
القصاب بطبرستان وَأحمد الاسود الدينَوَرِي وأبى الْقَاسِم الصيرفى بنيسابور وأبى سهل الخشاب الْكَبِير بهَا وَمَنْصُور بن خلف المغربى وأبى سعيد الْمَالِينِي وأبى طَاهِر الجحدرى قدس الله ارواحهم وَغَيرهم
فَإِن هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخ مثل أَبى الْعَبَّاس القصاب لَهُ من التصانيف الْمَشْهُورَة فِي السّنة وَمُخَالفَة طَريقَة الْكلابِيَّة الأشعرية مَا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه
وَكَذَلِكَ سَائِر شُيُوخ الْمُسلمين من الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين الَّذين لَهُم لِسَان صدق فِي الْأمة كَمَا ذكر الشَّيْخ يحيى بن يُوسُف الصرصري ونظمه فِي قصائده عَن الشَّيْخ على بن إِدْرِيس شَيْخه أَنه سَأَلَ قطب العارفين أَبَا مُحَمَّد عبد الْقَادِر بن عبد الله الجيلى فَقَالَ يَا سَيِّدي
стр. 84
هَل كَانَ لله ولي على غير اعْتِقَاد أَحْمد بن حَنْبَل فَقَالَ مَا كَانَ وَلَا يكون
وَكَذَلِكَ نقل الشَّيْخ شهَاب الدّين أَبُو حَفْص عمر بن مُحَمَّد السهروردى وحدثنيه عَنهُ الشَّيْخ عز الدّين عبد الله بن أَحْمد بن عمر الفاروثي أَنه سمع هَذِه الْحِكَايَة مِنْهُ ووجدتها معلقَة بِخَط الشَّيْخ
стр. 85
موفق الدّين أبي مُحَمَّد بن قدامَة المقدسى قَالَ السهروردى كنت عزمت على أَن أَقرَأ شَيْئا من علم الْكَلَام وَأَنا مُتَرَدّد هَل أَقرَأ الْإِرْشَاد لإِمَام الْحَرَمَيْنِ أَو نِهَايَة الْإِقْدَام للشهرستاني أَو كتاب شَيْخه فَذَهَبت مَعَ خَالِي أبي النجيب وَكَانَ يصلى بِجنب الشَّيْخ عبد الْقَادِر قَالَ فَالْتَفت الشَّيْخ عبد الْقَادِر وَقَالَ لي يَا عمر مَا هُوَ من زَاد الْقَبْر مَا هُوَ من زَاد الْقَبْر فَرَجَعت عَن ذَلِك فَأخْبر أَن الشَّيْخ كاشفه بِمَا كَانَ فِي قلبه وَنَهَاهُ عَن الْكَلَام الَّذِي كَانَ ينْسب إِلَيْهِ القشيرى وَنَحْوه
وَكَذَلِكَ حَدثنِي الشَّيْخ أَبُو الْحسن بن غَانِم أَنه سمع خَاله الشَّيْخ إِبْرَاهِيم بن عبد الله الأرومي أَنه كَانَ لَهُ معلم يقرئه وَأَنه أقرأه اعْتِقَاد
стр. 86
الأشعرية الْمُتَأَخِّرين قَالَ فَكنت أكرر عَلَيْهِ فَسمع وَالَّذِي وَالشَّيْخ عبد الله الارميني قَالَ فَقَالَ مَا هَذَا يَا إِبْرَاهِيم فَقلت هَذَا علمنيه الْأُسْتَاذ فَقَالَ يَا إِبْرَاهِيم اترك هَذَا فقد طفت الأَرْض وَاجْتمعت بِكَذَا وَكَذَا ولى لله فَلم أجد أحدا مِنْهُم على هَذَا الِاعْتِقَاد وَإِنَّمَا وجدته على اعْتِقَاد هَؤُلَاءِ وَأَشَارَ إِلَى جِيرَانه أهل الحَدِيث وَالسّنة من المقادسة الصَّالِحين إِذْ ذَاك
وحَدثني أَيْضا الشَّيْخ مُحَمَّد بن أبي بكر بن قوام أَنه سمع جده الشَّيْخ أَبَا بكر بن قوام يَقُول إِذا بلغك عَن اهل الْمَكَان الفلانى سَمَّاهُ لى الشَّيْخ مُحَمَّد إِذا بلغك أَن فيهم رجلا مُؤمنا أَو رجلا صَالحا فَصدق وَإِذا بلغك أَن فيهم وليا لله فَلَا تصدق فَقلت وَلم يَا سَيِّدي قَالَ لأَنهم أشعرية وَهَذَا بَاب وَاسع
وَمن نظر فِي عقائد الْمَشَايِخ الْمَشْهُورين مثل الشَّيْخ عبد الْقَادِر وَالشَّيْخ عدى بن مُسَافر وَالشَّيْخ أبي الْبَيَان الدِّمَشْقِي وَغَيرهم
стр. 87
وجد من ذَلِك كثيرا وَوجد أَنه من ذهب إِلَى مَذْهَب شئ من أهل الْكَلَام وَإِن كَانَ متأولا فَفِيهِ بعض نقص وانحطاط عَن دَرَجَة أَوْلِيَاء الله الكاملين وَوجد أَنه من كَانَ نَاقِصا فِي معرفَة اعْتِقَاد أهل السّنة واتباعه ومحبته وَبَعض مَا يُخَالف ذَلِك وذمه بِحَيْثُ يكون خَالِيا عَن اعْتِقَاد كَمَال السّنة واعتقاد الْبِدْعَة تَجدهُ نَاقِصا عَن دَرَجَة أَوْلِيَاء الله الراسخين فِي معرفَة اعْتِقَاد أهل السّنة وَاتِّبَاع ذَلِك وَقد جعل الله لكل شئ قدرا
وَمَا ذكره أَبُو الْقَاسِم فِي رسَالَته من اعْتِقَادهم وأخلاقهم وطريقتهم فِيهِ من الْخَيْر وَالْحق وَالدّين أَشْيَاء كَثِيرَة وَلَكِن فِيهِ نقص عَن طَريقَة أَكثر أَوْلِيَاء الله الكاملين وهم نقاوة الْقُرُون الثَّلَاثَة وَمن سلك سبيلهم وَلم يذكر فِي كِتَابه أَئِمَّة الْمَشَايِخ من الْقُرُون الثَّلَاثَة وَمَعَ مَا فِي كِتَابه من الْفَوَائِد فِي المقولات والمنقولات فَفِيهِ أَحَادِيث وَأَحَادِيث ضَعِيفَة بل بَاطِلَة وَفِيه كَلِمَات مجملة تحْتَمل الْحق وَالْبَاطِل رِوَايَة ورأيا وَفِيه كَلِمَات بَاطِلَة فِي الرَّأْي وَالرِّوَايَة وَقد جعل الله لكل شئ قدرا
وَقَالَ تَعَالَى كونُوا قوامين بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لله على أَنفسكُم أَو الْوَالِدين والأقربين إِن يكن غَنِيا أَو فَقِيرا فَالله أولى بهما فَلَا تتبعوا الْهوى أَن تعدلوا وَإِن تلووا أَو تعرضوا فَإِن الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا [سُورَة النِّسَاء ١٣٥]
стр. 88
فَكتبت من تَمْيِيز ذَلِك مَا يسره الله وَاجْتَهَدت فِي اتِّبَاع سَبِيل الْأمة الْوسط الَّذين هم شُهَدَاء على النَّاس دون سَبِيل من قد يرفعهُ فَوق قدره فِي اعْتِقَاده وتصوفه على الطَّرِيقَة الَّتِي هِيَ أكمل وَأَصَح مِمَّا ذكره علما وَحَالا وقولا وَعَملا واعتقادا واقتصادا أَو يحطه دون قدره فيهمَا مِمَّن يسرف فِي ذمّ أهل الْكَلَام أَو يذم طَريقَة التصوف مُطلقًا وَالله أعلم
وَالَّذِي ذكره أَبُو الْقَاسِم فِيهِ الْحسن الْجَمِيل الَّذِي يجب اعْتِقَاده واعتماده وَفِيه الْمُجْمل الَّذِي يَأْخُذ المحق والمبطل وَهَذَانِ قريبان وَفِيه منقولات ضَعِيفَة ونقول عَمَّن لَا يَقْتَدِي بهم فِي ذَلِك فهذان مردودان وَفِيه كَلَام حمله على معنى وَصَاحبه لم يقْصد نفس مَا أَرَادَهُ هُوَ ثمَّ إِنَّه لم يذكر عَنْهُم إِلَّا كَلِمَات قَليلَة لَا تشفى فِي هَذَا الْبَاب وعنهم فِي هَذَا الْبَاب من الصَّحِيح الصَّرِيح الْكَبِير مَا هُوَ شِفَاء للمقتدى بهم الطَّالِب لمعْرِفَة أصولهم وَقد كتبت هُنَا نكتا يعرف بهَا الْحَال
قَالَ القشيرى ﵀ اعلموا أَن شُيُوخ هَذِه الطَّائِفَة بنوا
стр. 89
قَوَاعِد أَمرهم على أصُول صَحِيحَة فِي التَّوْحِيد صانوا بهَا عقائدهم عَن الْبدع ودانوا بِمَا وجدوا عَلَيْهِ من السّلف وَأهل السّنة من تَوْحِيد لَيْسَ فِيهِ تَمْثِيل وَلَا تَعْطِيل
قلت هَذَا كَلَام صَحِيح فَإِن كَلَام أَئِمَّة الْمَشَايِخ الَّذين لَهُم فِي الْأمة لِسَان صدق كَانُوا على مَا كَانَ عَلَيْهِ السّلف وَأهل السّنة من تَوْحِيد لَيْسَ فِيهِ تَمْثِيل وَلَا تَعْطِيل وَهَذِه الْجُمْلَة يتَّفق على إِطْلَاقهَا عَامَّة الطوائف المنتسبين إِلَى السّنة وَإِن تنازعوا فِي مَوَاضِع هَل هِيَ تَمْثِيل أَو تَعْطِيل
قَالَ أَبُو الْقَاسِم عرفُوا مَا هُوَ حق الْقدَم وتحققوا بِمَا هُوَ نعت الْمَوْجُود عَن الْعَدَم وَكَذَلِكَ قَالَ سيد هَذِه الطَّائِفَة
стр. 90
الْجُنَيْد ﵁ التَّوْحِيد إِفْرَاد الْقدَم من الْحَدث
قلت هَذَا الْكَلَام فِيهِ إِجْمَال والمحق يحملهُ محملًا حسنا وَغير المحق يدْخل فِيهِ أَشْيَاء
والقشيري مَقْصُوده مَا يذكرهُ أهل الْكَلَام من تَنْزِيه الْقَدِيم عَن خَصَائِص المحدثات وَهَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ بَين الْمُسلمين لَكِن التَّنَازُع بَينهم فِي كثير من الصِّفَات هَل هِيَ من خَصَائِص المحدثات الَّتِي يجب تَنْزِيه الْقَدِيم عَنْهَا أَو هِيَ من لَوَازِم الْوُجُود الَّتِي يكون نَفيهَا تعطيلا
وَأما الْجُنَيْد فمقصوده التَّوْحِيد الَّذِي يُشِير إِلَيْهِ الْمَشَايِخ وَهُوَ التَّوْحِيد فِي الْقَصْد والإرادة وَمَا يدْخل فِي ذَلِك من الْإِخْلَاص والتوكل والمحبة وَهُوَ ان يفرد الْحق سُبْحَانَهُ وَهُوَ الْقَدِيم بِهَذَا كُله فَلَا يشركهُ فِي ذَلِك مُحدث وتمييز الرب من المربوب فِي اعتقادك وعبادتك وَهَذَا حق صَحِيح وَهُوَ دَاخل فِي التَّوْحِيد الَّذِي بعث الله بِهِ رسله وَأنزل بِهِ كتبه وَمِمَّا يدْخل فِي كَلَام الْجُنَيْد تَمْيِيز الْقَدِيم عَن الْمُحدث وَإِثْبَات مباينته لَهُ بِحَيْثُ يُعلمهُ وَيشْهد أَن الْخَالِق مباين
стр. 91
لِلْخلقِ خلافًا لما دخل فِيهِ الاتحادية من المتصوفة وَغَيرهم من الَّذين يَقُولُونَ بالاتحاد معينا اَوْ مُطلقًا
وَلِهَذَا أنكر هَؤُلَاءِ على الْجُنَيْد قَوْله هَذَا كَمَا أنكرهُ عَلَيْهِ ابْن العربى الطَّائِي كَبِير الاتحادية
قَالَ أَبُو الْقَاسِم وأحكموا أصُول العقائد بواضح الدَّلَائِل ولائح الشواهد كَمَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْجريرِي من لم يقف على علم التَّوْحِيد بِشَاهِد من شواهده زلت بِهِ قدمه الْغرُور إِلَى مهواة التّلف قَالَ أَبُو الْقَاسِم يُرِيد بذلك أَن من ركن إِلَى التَّقْلِيد وَلم يتَأَمَّل دَلَائِل التَّوْحِيد سقط عَن متن النجَاة وَوَقع فِي أسر الْهَلَاك
стр. 92
قلت الْمَشَايِخ لَا يشيرون إِلَى الطَّرِيق الَّتِي سلكها المتكلمون من الِاسْتِدْلَال بالأجسام والأعراض وَمَا يدْخل فِي ذَلِك بل هم منكرون لذَلِك كَمَا ذكره أَبُو عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ وَشَيخ الْإِسْلَام الانصاري وَغَيرهمَا عَنْهُم
وَأَبُو الْقَاسِم يرى صِحَة هَذِه الطَّرِيق وَهَذَا من الْمَوَاضِع الَّتِي خَالف فِيهَا مَشَايِخ الْقَوْم
وَقد ذكر أَبُو الْقَاسِم فِي تَرْجَمَة الشَّيْخ أبي عَليّ بن الْكَاتِب وَقد صحب أَبَا على الروذبارى وَغَيره وَتَأَخر بعد الاربعين وثلاثمائة قَالَ الْمُعْتَزلَة نزهوا الله من حَيْثُ الْعقل فأخطأوا والصوفية نزهوه من حَيْثُ الْعلم فَأَصَابُوا
قلت الْعلم فِي لِسَان الصُّوفِيَّة ووصاياهم كثيرا مَا يُرِيدُونَ بِهِ الشَّرِيعَة كَقَوْل أبي يَعْقُوب النهرجوري أفضل الْأَحْوَال مَا قَارن
стр. 93
الْعلم وكقول أبي يزِيد عملت فِي المجاهدة ثَلَاثِينَ سنة فَمَا وجدت أَشد على من الْعلم ومتابعته وَلَوْلَا اخلتلاف الْعلمَاء لبقيت وَاخْتِلَاف الْعلمَاء رَحْمَة إِلَّا فِي تَجْرِيد التَّوْحِيد
وَهَذَا كَقَوْل سهل بن عبد الله التسترِي كل فعل تَفْعَلهُ بِغَيْر اقْتِدَاء طَاعَة أَو مَعْصِيّة فَهُوَ عَيْش النَّفس وكل فعل تَفْعَلهُ بالاقتداء فَهُوَ عَذَاب على النَّفس
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الدَّارَانِي رُبمَا يَقع فِي قلبِي النُّكْتَة من
стр. 94
نكت الْقَوْم أَيَّامًا فَلَا أقبل مِنْهُ إِلَّا بِشَاهِدين عَدْلَيْنِ الْكتاب وَالسّنة
وَقَالَ صَاحبه أَحْمد بن أبي الْحوَاري من عمل بِلَا اتِّبَاع سنة فَبَاطِل عمله
وَقَالَ أَبُو حَفْص النَّيْسَابُورِي من لم يزن أَفعاله وأقواله كل وَقت بِالْكتاب وَالسّنة وَلم يتهم خواطره فَلَا تعده فِي ديوَان الرِّجَال
стр. 95
وَقَالَ الْجُنَيْد بن مُحَمَّد الطّرق كلهَا مسدودة على الْخلق إِلَّا من اقتفى أثر الرَّسُول ﷺ وَقَالَ ايضا من لم يحفظ الْقُرْآن وَيكْتب الحَدِيث لَا يقْتَدى بِهِ فِي هَذَا الْأَمر لِأَن علمنَا هَذَا مُقَيّد بِالْكتاب وَالسّنة
وَقَالَ أَبُو عُثْمَان من امْر السّنة على نَفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة وَمن أَمر الْهوى على نَفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة قَالَ الله تَعَالَى وَإِن تطيعوه تهتدوا [سُورَة النُّور ٥٤] وَقَالَ أَبُو حَمْزَة الْبَغْدَادِيّ من علم الطَّرِيق إِلَى الله سهل عَلَيْهِ سلوكه وَلَا
стр. 96
دَلِيل على الطَّرِيق إِلَى الله إِلَّا مُتَابعَة الرَّسُول فِي أَحْوَاله وأقواله وأفعاله
وَمن لفظ الْعلم فِي كَلَامهم قَول أبي عُثْمَان النَّيْسَابُورِي الصُّحْبَة مَعَ الله بِحسن الْأَدَب ودوام الهيبة والمراقبة والصحبة مَعَ رَسُول الله ﷺ بأتباع سنته وَلُزُوم ظَاهر الْعلم والصحبة مَعَ أَوْلِيَاء الله تَعَالَى بالاحترام والخدمة والصحبة مَعَ الْأَهْل بِحسن الْخلق والصحبة مَعَ الإخوان بدوام الْبشر مَا لم يكن أثما والصحبة مَعَ الْجُهَّال بِالدُّعَاءِ لَهُم وَالرَّحْمَة عَلَيْهِم
وَمِنْه قَول أبي الْحُسَيْن النوري من رَأَيْته يَدعِي مَعَ الله حَالَة تخرجه عَن حد الْعلم الشرعى فَلَا تقتربن مِنْهُ وَقَالَ أعز
стр. 97
الْأَشْيَاء فِي زَمَاننَا شَيْئَانِ عَالم يعْمل بِعِلْمِهِ وعارف ينْطق عَن حَقِيقَته
وَقَالَ أَبُو عبد الرَّحْمَن السلمى سَمِعت جدى أَبَا عَمْرو بن نجيد يَقُول كل حَال لَا يكون عَن نتيجة علم فَإِن ضَرَره أَكثر على صَاحبه من نَفعه وَسُئِلَ عَن التصوف فَقَالَ الصَّبْر تَحت الْأَمر والنهى
وَسبب تعبيرهم عَن الشَّرِيعَة بِالْعلمِ أَن الْقَوْم أَصْحَاب إِرَادَة وَقصد وَعمل وَحَال هَذَا خاصتهم لَكِن قد يعْمل أحدهم تَارَة بِغَيْر الْعلم الشرعى بل بِمَا يُدْرِكهُ ويجد إِرَادَته فِي قلبه وَإِن لم يكن ذَلِك مَشْرُوعا مَأْمُورا بِهِ وَهَذَا كثيرا مَا يبتلى بِهِ كثير مِنْهُم من تَقْدِيم علمهمْ بالذوق والوجد على مُوجب الْعلم الْمَشْرُوع وَمن الْعَمَل بذوق لَيْسَ مَعَه فِيهِ علم مَشْرُوع
стр. 98
وَلَا ريب أَن هَذَا من اتِّبَاع الْهوى بِغَيْر هدى من الله وَهُوَ مِمَّا ذمّ الله بِهِ النَّصَارَى الَّذين يضارعهم فِي كثير من أُمُورهم المنحرفون من الصُّوفِيَّة والعباد وَلِهَذَا جعله سهل من حَظّ النَّفس
وَلِهَذَا استضعف أَبُو يزِيد مُتَابعَة الْعلم فَإِن مجاهدة هوى النَّفس يَفْعَلهَا غَالب النُّفُوس مثل عبادات الْمُشْركين وَأهل الْكتاب من الرهبان وَعباد الأنداد وَنَحْوهم وكل ذَلِك من هَذَا الْبَاب وَلَهُم من الزّهْد والمجاهدة فِي الْعِبَادَة مَا لَا يَفْعَله الْمُسلمُونَ لكنه بَاطِل لَيْسَ بمشروع وَلِهَذَا لَا ينْتج لَهُ من النتائج إِلَّا مَا يَلِيق بِهِ
وَالْمُسلم الصَّادِق إِذا عبد الله بِمَا شرع فتح الله عَلَيْهِ أنوار الْهِدَايَة فِي مُدَّة قريبَة فالمهتدون من مَشَايِخ الْعباد والزهاد يوصون بإتباع الْعلم الْمَشْرُوع كَمَا ان أهل الاسْتقَامَة من الْعلم يوصون بعلمهم الَّذِي يسلكه أهل الاسْتقَامَة من الْعباد والزهاد وَأما المنحرفون من الطَّائِفَتَيْنِ فيعرضون عَن الْمَشْرُوع إِمَّا من الْعلم وَإِمَّا من الْعَمَل وهما طَرِيق المغضوب عَلَيْهِم والضالين
قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة كَانُوا يَقُولُونَ من فسد من الْعلمَاء فَفِيهِ شبه من الْيَهُود وَمن فسد من الْعباد فَفِيهِ شبه من النَّصَارَى
وَلِهَذَا قصد أَبُو الْقَاسِم فِي الرسَالَة الرَّد على هَؤُلَاءِ وَلما ذكر الْمَشَايِخ الَّذين ذكرهم قَالَ هَذَا ذكر جمَاعَة من شُيُوخ هَذِه
стр. 99
الطَّائِفَة كَانَ الْغَرَض من ذكرهم فِي هَذَا الْموضع التَّنْبِيه على أَنهم كَانُوا مُجْمِعِينَ على تَعْظِيم الشَّرِيعَة متصفين بسلوك طَرِيق الرياضة متفقين على مُتَابعَة السّنة غير مخلين بشئ من آدَاب الدّيانَة متفقين على ان من خلا عَن الْمُعَامَلَات والمجاهدات وَلم يبن أمره على اساس الْوَرع وَالتَّقوى كَانَ مفتريا على الله سُبْحَانَهُ فِيمَا يَدعِيهِ مفتونا هلك فِي نَفسه وَأهْلك من اغْترَّ بِهِ مِمَّن ركن إِلَى أباطيله
وَإِذا عرف معنى لفظ الْعلم فِي اصطلاحهم فَقَوْل أبي عَليّ بن الْكَاتِب الصُّوفِيَّة نزهوه من حَيْثُ الْعلم أَي من جِهَة الشَّرْع وَهُوَ الْكتاب وَالسّنة فنزهوه عَمَّا نزه عَنهُ نَفسه فَأَصَابُوا وَأما الْمُعْتَزلَة فنزهوه بِقِيَاس عقلهم وأهوائهم أَرَادوا ان ينفوا عَنهُ كل صفة مَوْجُودَة لظنهم أَن ذَلِك تَشْبِيه وَلم يهتدوا إِلَى أَن الْخَالِق يُوصف بِمَا
стр. 100
يَلِيق بِهِ والمخلوق يُوصف بِمَا يَلِيق بِهِ وَأَن الِاسْم وَإِن كَانَ مُتَّفقا فالإضافة إِلَى الله تخصصه وتقيده بِمَا ينفى عَنهُ مماثلة الْخلق
وَهَذَا الَّذِي ذكره الشَّيْخ أَبُو عَليّ من أَن الصُّوفِيَّة يخالفون الْمُعْتَزلَة فَأمر مُتَّفق عَلَيْهِ فَإِن أصُول الصُّوفِيَّة لَا تلائم نفى الصِّفَات بل هم أبعد النَّاس عَن الاعتزال فِي الصِّفَات وَالْقدر
وَمن الْمَعْلُوم أَن طَريقَة الْكَلَام فِي الْجَوَاهِر والأعراض فِي أَدِلَّة أصُول الدّين ومسائله هِيَ الطَّرِيقَة الَّتِي سلكها الْمُعْتَزلَة وَأَخذهَا عَنْهُم متكلمة الصفاتية من الأشعرية وَنَحْوهم وَهِي الطَّرِيقَة الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا أَبُو الْقَاسِم
فَعلم أَن الْقَوْم مخالفون لهَذِهِ الطَّرِيقَة الكلامية الَّتِي أَشَارَ أَبُو الْقَاسِم إِلَى بَعْضهَا وَكَذَلِكَ قد ذكر أَبُو الْقَاسِم فِي تَرْجَمَة الشَّيْخ أبي الْحسن بن الصايغ وزمنه زمن ابْن الْكَاتِب سنة ثَلَاثِينَ وثلاثمائة قَالَ وَكَانَ من كبار الْمَشَايِخ وَقَالَ قَالَ ابو عُثْمَان المغربي مَا رَأَيْت
стр. 101
من الْمَشَايِخ أنور من ابي يَعْقُوب النهرجوري وَلَا أَكثر هَيْبَة من ابي الْحسن بن الصايغ
قَالَ القشيرى سُئِلَ ابْن الصايغ عَن الِاسْتِدْلَال بِالشَّاهِدِ على الْغَائِب فَقَالَ كَيفَ يسْتَدلّ بِصِفَات من لَهُ مثل وَنَظِير على صِفَات من لَا مثل لَهُ وَلَا نَظِير
وَالِاسْتِدْلَال بِالشَّاهِدِ على الْغَائِب فِي إِثْبَات الصِّفَات هِيَ طَريقَة شُيُوخ أبي الْقَاسِم من الْمُتَكَلِّمين الَّذين يجمعُونَ بَين الشَّاهِد وَالْغَائِب فِي الْحَد وَالدَّلِيل وَالشّرط وَالْعلم لإِثْبَات الْحَيَاة وَالْعلم وَسَائِر الصِّفَات فقد رد الشَّيْخ أَبُو الْحسن هَذِه الطَّرِيقَة
وَمِمَّا يبين هَذَا أَن أعظم الْمَشَايِخ الَّذين أَخذ عَنْهُم أَبُو الْقَاسِم جمعا لكَلَام مَشَايِخ الصُّوفِيَّة وتأليفا لَهُ وَرِوَايَة لَهُ هُوَ الشَّيْخ أَبُو عبد الرَّحْمَن السلمى فَإِن القشيرى لم يدْرك شَيخا أجمع لكَلَام الْقَوْم وأحرص على ذَلِك وأرغب فِيهِ مِنْهُ وَلِهَذَا صنف فِي ذَلِك مَا لم يصنفه نظراؤه
стр. 102
كَمَا أَن الَّذين أدركوا عصر أبي الْقَاسِم من مَشَايِخ الْقَوْم لم يكن فيهم أقوم بِهَذَا الْبَاب من شيخ الْإِسْلَام أَبى إِسْمَاعِيل عبد الله بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ الهروى لَا سِيمَا فِي الْمعرفَة بأخبار الْقَوْم وَكَلَامهم وطريقهم فَإِنَّهُ فِي ذَلِك وَنَحْوه من أعلم النَّاس وَكَانَ إِمَامًا فِي الحَدِيث وَالتَّفْسِير وَغير ذَلِك
وَمَعَ هَذَا فالشيخ أَبُو عبد الرَّحْمَن وَشَيخ الْإِسْلَام كِلَاهُمَا لَهُ مُصَنف مَشْهُور فِي ذمّ طَريقَة الْكَلَام الَّتِي يدْخل فِيهَا كثير مِمَّا ذكره أَبُو الْقَاسِم من الدَّلَائِل والمسائل
حَتَّى ذكر شيخ الْإِسْلَام فِي كِتَابه قَالَ سَمِعت أَحْمد بن أبي نصر يَقُول رَأينَا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن السّلمِيّ يلعن الْكلابِيَّة
وَمُحَمّد بن الْحُسَيْن السّلمِيّ هُوَ الشَّيْخ أَبُو عبد الرَّحْمَن
стр. 103
أعرف مَشَايِخ أبي الْقَاسِم الْقشيرِي بطريقة الصُّوفِيَّة وَكَلَامهم وَمَعْلُوم أَن الْقَوْم من أبعد النَّاس عَن اللَّعْن وَنَحْوه لحظوظ أنفسهم وَلَوْلَا أَن ابا عبد الرَّحْمَن كَانَ الَّذِي عِنْده أَن الْكلابِيَّة مباينون لمَذْهَب الصُّوفِيَّة المباينة الْعَظِيمَة الَّتِي توجب مثل هَذَا لما لعنهم أَبُو عبد الرَّحْمَن هَذَا
والكلابية هم مَشَايِخ الأشعرية فَإِن أَبَا الْحسن الْأَشْعَرِيّ إِنَّمَا اقْتدى بطريقة أبي مُحَمَّد بن كلاب وَابْن كلاب كَانَ أقرب إِلَى السّلف زَمنا وَطَرِيقَة وَقد جمع أَبُو بكر بن فورك شيخ الْقشيرِي كَلَام ابْن كلاب والأشعري وَبَين اتِّفَاقهمَا فِي الْأُصُول وَلَكِن لم يكن كَلَام ابي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ قد انْتَشَر بعد فَإِنَّهُ انْتَشَر فِي أثْنَاء الْمِائَة الرَّابِعَة لما ظَهرت كتب القَاضِي أبي بكر بن الباقلانى وَنَحْوه
وَقد ذكر ذَلِك الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم بن عَسَاكِر الْمُنْتَصر لأبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ فِي كِتَابه الَّذِي سَمَّاهُ تَبْيِين كذب المفتري فِيمَا ينْسب إِلَى الشَّيْخ أبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ مُوَافقا للشَّيْخ أبي على الْأَهْوَازِي المُصَنّف فِي مثالب الْأَشْعَرِيّ مَعَ كَون ابْن عَسَاكِر رد على الاهوازي ذمه
стр. 104
وثلبه لَهُ لَكِن وَافقه فِي ذَلِك فَذكر أَبُو عَليّ الْأَهْوَازِي أَنه مذقوى مذْهبه أقل من ثَلَاثِينَ سنة والأهوازى توفّي سنة خمس وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة
قَالَ ابْن عَسَاكِر وَقَوله إِن مذ قوى من ثَلَاثِينَ سنة فلعمري إِنَّه إِنَّمَا اشتهرت هَذِه النِّسْبَة من الْأَزْمِنَة فِي عصر القَاضِي أبي بكر بن الباقلاني ذِي التصانيف المستحسنة المنتشرة فِي بَغْدَاد وَغَيرهَا من الْبلدَانِ والأمكنة
وَالْمَقْصُود هُنَا أَن الْمَشَايِخ المعروفين الَّذين جمع الشَّيْخ أَبُو عبد الرَّحْمَن أَسْمَاءَهُم فِي كتاب طَبَقَات الصُّوفِيَّة وَجمع أخبارهم وأقوالهم دع من قبلهم من أَئِمَّة الزهاد من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ الَّذين جمع ابو عبد الرَّحْمَن وَغَيره كَلَامهم فِي كتب مَعْرُوفَة وهم الَّذين
стр. 105
يتَضَمَّن أخبارهم كتاب الزّهْد للْإِمَام أَحْمد وَغَيره لم يَكُونُوا مَذْهَب الْكلابِيَّة الأشعرية إِذْ لَو كَانَت كَذَلِك لما كَانَ أَبُو عبد الرَّحْمَن يلعن الْكلابِيَّة
وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام الْأنْصَارِيّ سَمِعت أَحْمد بن حَمْزَة وَأَبا عَليّ الْحداد يَقُولَانِ وجدنَا أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد النهاوندي على الانكار على أهل الْكَلَام وتفكير الاشعرية وذكرا عظم شَأْنه فِي الْإِنْكَار على ابي الفوارس القرمسيني وهجر ابْنه إِيَّاه لحرف وَاحِد قَالَ شيخ الْإِسْلَام سَمِعت أَحْمد بن حَمْزَة يَقُول لما اشْتَدَّ الهجران بَين النهاوندي وَأبي الفوارس سَأَلُوا ابا عبد الله الدينَوَرِي فَقَالَ لقِيت ألف شيخ على مَا عَلَيْهِ النهاوندي
стр. 106
وَقد ذكر الشَّيْخ أَبُو عبد الرَّحْمَن السلمى فِي كِتَابه فِي ذمّ الْكَلَام مَا ذكر أَيْضا شيخ الْإِسْلَام أَبُو اسماعيل الْأنْصَارِيّ فَقَالَ أَخْبرنِي ابْن أَحْمد حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن فَقَالَ رَأَيْت بِخَط أبي عَمْرو بن مطر يَقُول سُئِلَ ابْن خُزَيْمَة عَن الْكَلَام فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات فَقَالَ بِدعَة ابتدعوها وَلم يكن أَئِمَّة الْمُسلمين وأرباب الْمذَاهب وأئمة الدّين مثل مَالك وسُفْيَان وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَيحيى بن يحيى وَابْن الْمُبَارك وَمُحَمّد بن يحيى وَأبي حنيفَة وَمُحَمّد بن الْحسن وَأبي يُوسُف يَتَكَلَّمُونَ فِي ذَلِك وَينْهَوْنَ عَن الْخَوْض فِيهِ ويدلون أَصْحَابهم على الْكتاب وَالسّنة فإياك والخوض فِيهِ وَالنَّظَر فِي كتبهمْ بِحَال
وَقَالَ مُحَمَّد بن الْحُسَيْن وَهُوَ أَبُو عبد الرَّحْمَن السلمى سَمِعت أَحْمد بن سعيد المعداني بمرو سَمِعت أَبَا بكر بن
стр. 107
بسطَام سَأَلت أَبَا بكر بن سيار عَن الْخَوْض فِي الْكَلَام فنهاني عَنهُ أَشد النَّهْي وَقَالَ عَلَيْك بِالْكتاب وَالسّنة وَمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّدْر الأول من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وتابعي التَّابِعين فَإِنِّي رَأَيْت الْمُسلمين فِي أقطار الأَرْض ينهون عَن ذَلِك وينكرونه ويأمرون بِالْكتاب وَالسّنة
قَالَ شيخ الْإِسْلَام أَبُو اسماعيل الْأنْصَارِيّ أخبرنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْعَبَّاس بن إِسْمَاعِيل المقرى اُخْبُرْنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن البيع وَهُوَ الْحَافِظ الْحَاكِم سَمِعت أَبَا سعيد عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد المقرىء سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن اسحاق بن خُزَيْمَة يَقُول من نظر فِي كتبي المصنفة فِي الْعلم ظهر لَهُ وَبَان بِأَن الْكلابِيَّة لعنهم الله كذبة فِيمَا يحكون عني مِمَّا هُوَ خلاف أصلى وديانتي قد عرف أهل الشرق
стр. 108
والغرب انه لم يصنف أحد فِي التَّوْحِيد وَفِي أصُول الْعلم مثل تصنيفي فالحاكي عني خلاف مَا فِي كتبي المصنفة الَّتِي حملت إِلَى الْآفَاق شرقا وغربا كذبة فسقة
وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام وَأَخْبرنِي أَحْمد بن حَمْزَة حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن وَهُوَ أَبُو عبد الرَّحْمَن السلمى يَقُول بَلغنِي أَن بعض أَصْحَاب أبي عَليّ الجوزاني سَأَلَهُ كَيفَ الطَّرِيق إِلَى الله قَالَ أصح الطّرق وأعمرها وأبعدها من الشّبَه اتِّبَاع الْكتاب وَالسّنة قولا وفعلا وعقدا وَنِيَّة لِأَن الله يَقُول وتطيعوه تهتدوا [سُورَة النُّور ٥٤] فَسَأَلَهُ كَيفَ طَرِيق اتِّبَاع السّنة قَالَ بمجانبة الْبدع وَاتِّبَاع مَا اجْتمع عَلَيْهِ الصَّدْر الأول من عُلَمَاء الْإِسْلَام وَأَهله والتباعد عَن مجَالِس الْكَلَام واهله وَلُزُوم طَريقَة الِاقْتِدَاء والاتباع بذلك أَمر النَّبِي ﷺ بقوله تَعَالَى ثمَّ أَوْحَينَا إِلَيْك أَن اتبع مِلَّة ابراهيم حَنِيفا [سُورَة النَّحْل ١٢٣]
стр. 109
قَالَ شيخ الْإِسْلَام أَخْبرنِي طب بن أَحْمد حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن وَهُوَ أَبُو عبد الرَّحْمَن سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن عبد الله بن شَاذان الرَّازِيّ سَمِعت أَبَا جَعْفَر الفرغاني سَمِعت الْجُنَيْد بن مُحَمَّد يَقُول أقل مَا فِي الْكَلَام سُقُوط هَيْبَة الرب من الْقلب وَالْقلب إِذا عرى من الهيبة من الله عرى من الْإِيمَان
قَالَ أَبُو الْقَاسِم وَنحن نذْكر فِي هَذَا الْفَصْل جملا من متفرقات كَلَامهم فِيمَا يتَعَلَّق بمسائل الْأُصُول ثمَّ نحرر على التَّرْتِيب بعْدهَا مَا يشْتَمل على مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي الِاعْتِقَاد على وَجه الإيجاز سَمِعت الشَّيْخ أَبَا عبد الرَّحْمَن السلمى يَقُول سَمِعت عبد الله بن مُوسَى السلامى يَقُول سَمِعت الشبلى يَقُول جلّ الْوَاحِد الْمَعْرُوف قبل
стр. 110
الْحُدُود وَقبل الْحُرُوف قَالَ وَهَذَا صَرِيح من الشبلى ﵁ أَن الْقَدِيم لَا حد لذاته وَلَا حُرُوف لكَلَامه
قلت هَذَا الْكَلَام فِيهِ اسْتِدْرَاك من وُجُوه
أَحدهَا أَن الَّذِي قَالَ إِنَّه تَعَالَى مَعْرُوف قبل الْحُدُود وَقبل الْحُرُوف لم يرد أَن الْخلق عرفوه قبل ذَلِك فَإِنَّهُ قبل الْخلق لم يكن خلق يعرفونه وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنه عرف أَنه كَانَ قبل الْحُدُود وَقبل الْحُرُوف فالظرف وَهُوَ قبل مُتَعَلق بالضمير فِي مَعْرُوف لَا بِنَفس الْمعرفَة اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُرِيد أَنه يعرف نَفسه قبل الْحُدُود وَقبل الْحُرُوف فَيكون هُوَ الْعَارِف وَهُوَ الْمَعْرُوف وَهَذَا معنى صَحِيح يحْتَملهُ الْكَلَام وَالْمَقْصُود أَنه كَانَ قبل ذَلِك
وَمَعْلُوم ان اللَّام للتعريف فَإِذا كَانَ قبل الْحُدُود وَقبل الْحُرُوف فَإِنَّمَا اراد الْحُدُود الْمَعْرُوفَة لنا والحروف الْمَعْرُوفَة لنا وَهِي مَا كَانَ هُوَ قبلهَا وَتلك مَا للمخلوق من الْحُدُود والحروف وَلَا ريب أَن الله كَانَ قبل حُدُود الْمَخْلُوقَات وَقبل أصوات الْعباد ومدادهم فَأَما أَن يكون هَذَا يَقْتَضِي أَن الله لم يتَكَلَّم بِحرف أَو لَيْسَ لَهُ حَقِيقَة فِي ذَاته يتَمَيَّز بهَا عَن مخلوقاته فَلَيْسَ هَذَا الْكَلَام صَرِيحًا فِيهِ إِذْ لَو أَرَادَ ذَلِك لقَالَ المنزه عَن الْحُدُود والحروف وَلم يقل قبل الْحُدُود والحروف فَإِن مَا كَانَ
следующие страницы →