Полный текст (813 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وَقد ذكر الشَّيْخ أَبُو عبد الرَّحْمَن السلمى فِي كِتَابه فِي ذمّ الْكَلَام مَا ذكر أَيْضا شيخ الْإِسْلَام أَبُو اسماعيل الْأنْصَارِيّ فَقَالَ أَخْبرنِي ابْن أَحْمد حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن فَقَالَ رَأَيْت بِخَط أبي عَمْرو بن مطر يَقُول سُئِلَ ابْن خُزَيْمَة عَن الْكَلَام فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات فَقَالَ بِدعَة ابتدعوها وَلم يكن أَئِمَّة الْمُسلمين وأرباب الْمذَاهب وأئمة الدّين مثل مَالك وسُفْيَان وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَيحيى بن يحيى وَابْن الْمُبَارك وَمُحَمّد بن يحيى وَأبي حنيفَة وَمُحَمّد بن الْحسن وَأبي يُوسُف يَتَكَلَّمُونَ فِي ذَلِك وَينْهَوْنَ عَن الْخَوْض فِيهِ ويدلون أَصْحَابهم على الْكتاب وَالسّنة فإياك والخوض فِيهِ وَالنَّظَر فِي كتبهمْ بِحَال
وَقَالَ مُحَمَّد بن الْحُسَيْن وَهُوَ أَبُو عبد الرَّحْمَن السلمى سَمِعت أَحْمد بن سعيد المعداني بمرو سَمِعت أَبَا بكر بن
стр. 107
بسطَام سَأَلت أَبَا بكر بن سيار عَن الْخَوْض فِي الْكَلَام فنهاني عَنهُ أَشد النَّهْي وَقَالَ عَلَيْك بِالْكتاب وَالسّنة وَمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّدْر الأول من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وتابعي التَّابِعين فَإِنِّي رَأَيْت الْمُسلمين فِي أقطار الأَرْض ينهون عَن ذَلِك وينكرونه ويأمرون بِالْكتاب وَالسّنة
قَالَ شيخ الْإِسْلَام أَبُو اسماعيل الْأنْصَارِيّ أخبرنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْعَبَّاس بن إِسْمَاعِيل المقرى اُخْبُرْنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن البيع وَهُوَ الْحَافِظ الْحَاكِم سَمِعت أَبَا سعيد عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد المقرىء سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن اسحاق بن خُزَيْمَة يَقُول من نظر فِي كتبي المصنفة فِي الْعلم ظهر لَهُ وَبَان بِأَن الْكلابِيَّة لعنهم الله كذبة فِيمَا يحكون عني مِمَّا هُوَ خلاف أصلى وديانتي قد عرف أهل الشرق
стр. 108
والغرب انه لم يصنف أحد فِي التَّوْحِيد وَفِي أصُول الْعلم مثل تصنيفي فالحاكي عني خلاف مَا فِي كتبي المصنفة الَّتِي حملت إِلَى الْآفَاق شرقا وغربا كذبة فسقة
وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام وَأَخْبرنِي أَحْمد بن حَمْزَة حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن وَهُوَ أَبُو عبد الرَّحْمَن السلمى يَقُول بَلغنِي أَن بعض أَصْحَاب أبي عَليّ الجوزاني سَأَلَهُ كَيفَ الطَّرِيق إِلَى الله قَالَ أصح الطّرق وأعمرها وأبعدها من الشّبَه اتِّبَاع الْكتاب وَالسّنة قولا وفعلا وعقدا وَنِيَّة لِأَن الله يَقُول وتطيعوه تهتدوا [سُورَة النُّور ٥٤] فَسَأَلَهُ كَيفَ طَرِيق اتِّبَاع السّنة قَالَ بمجانبة الْبدع وَاتِّبَاع مَا اجْتمع عَلَيْهِ الصَّدْر الأول من عُلَمَاء الْإِسْلَام وَأَهله والتباعد عَن مجَالِس الْكَلَام واهله وَلُزُوم طَريقَة الِاقْتِدَاء والاتباع بذلك أَمر النَّبِي ﷺ بقوله تَعَالَى ثمَّ أَوْحَينَا إِلَيْك أَن اتبع مِلَّة ابراهيم حَنِيفا [سُورَة النَّحْل ١٢٣]
стр. 109
قَالَ شيخ الْإِسْلَام أَخْبرنِي طب بن أَحْمد حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن وَهُوَ أَبُو عبد الرَّحْمَن سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن عبد الله بن شَاذان الرَّازِيّ سَمِعت أَبَا جَعْفَر الفرغاني سَمِعت الْجُنَيْد بن مُحَمَّد يَقُول أقل مَا فِي الْكَلَام سُقُوط هَيْبَة الرب من الْقلب وَالْقلب إِذا عرى من الهيبة من الله عرى من الْإِيمَان
قَالَ أَبُو الْقَاسِم وَنحن نذْكر فِي هَذَا الْفَصْل جملا من متفرقات كَلَامهم فِيمَا يتَعَلَّق بمسائل الْأُصُول ثمَّ نحرر على التَّرْتِيب بعْدهَا مَا يشْتَمل على مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي الِاعْتِقَاد على وَجه الإيجاز سَمِعت الشَّيْخ أَبَا عبد الرَّحْمَن السلمى يَقُول سَمِعت عبد الله بن مُوسَى السلامى يَقُول سَمِعت الشبلى يَقُول جلّ الْوَاحِد الْمَعْرُوف قبل
стр. 110
الْحُدُود وَقبل الْحُرُوف قَالَ وَهَذَا صَرِيح من الشبلى ﵁ أَن الْقَدِيم لَا حد لذاته وَلَا حُرُوف لكَلَامه
قلت هَذَا الْكَلَام فِيهِ اسْتِدْرَاك من وُجُوه
أَحدهَا أَن الَّذِي قَالَ إِنَّه تَعَالَى مَعْرُوف قبل الْحُدُود وَقبل الْحُرُوف لم يرد أَن الْخلق عرفوه قبل ذَلِك فَإِنَّهُ قبل الْخلق لم يكن خلق يعرفونه وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنه عرف أَنه كَانَ قبل الْحُدُود وَقبل الْحُرُوف فالظرف وَهُوَ قبل مُتَعَلق بالضمير فِي مَعْرُوف لَا بِنَفس الْمعرفَة اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُرِيد أَنه يعرف نَفسه قبل الْحُدُود وَقبل الْحُرُوف فَيكون هُوَ الْعَارِف وَهُوَ الْمَعْرُوف وَهَذَا معنى صَحِيح يحْتَملهُ الْكَلَام وَالْمَقْصُود أَنه كَانَ قبل ذَلِك
وَمَعْلُوم ان اللَّام للتعريف فَإِذا كَانَ قبل الْحُدُود وَقبل الْحُرُوف فَإِنَّمَا اراد الْحُدُود الْمَعْرُوفَة لنا والحروف الْمَعْرُوفَة لنا وَهِي مَا كَانَ هُوَ قبلهَا وَتلك مَا للمخلوق من الْحُدُود والحروف وَلَا ريب أَن الله كَانَ قبل حُدُود الْمَخْلُوقَات وَقبل أصوات الْعباد ومدادهم فَأَما أَن يكون هَذَا يَقْتَضِي أَن الله لم يتَكَلَّم بِحرف أَو لَيْسَ لَهُ حَقِيقَة فِي ذَاته يتَمَيَّز بهَا عَن مخلوقاته فَلَيْسَ هَذَا الْكَلَام صَرِيحًا فِيهِ إِذْ لَو أَرَادَ ذَلِك لقَالَ المنزه عَن الْحُدُود والحروف وَلم يقل قبل الْحُدُود والحروف فَإِن مَا كَانَ
стр. 111
الرب قبله فَهُوَ صفة الْمَخْلُوق وَأما مَا ينزه الرب عَنهُ فَهُوَ مُمْتَنع لَيْسَ هُوَ صفة لَهُ وَلَا هُوَ أَيْضا بِعَيْنِه صفة للمخلوق وَإِن كَانَ الْمَخْلُوق قد يُوصف بنظيره
الْوَجْه الثَّانِي أَن الْكَلَام الْمُجْمل من كَلَامهم يحمل على مَا ينْسب سَائِر كَلَامهم وَهَؤُلَاء أَكثر مَا يبتلون بالاتحادية والحلولية الَّذين يجْعَلُونَ الرب حَالا فِي الْمَخْلُوقَات محدودا بحدودها متكلما بحروفها حَتَّى يجعلونه هُوَ الْمُتَكَلّم على ألسنتهم كَمَا ذكر ذَلِك أَبُو الْقَاسِم فِي أول الرساله لما ذكر مَا أحدثه فاسدو الصُّوفِيَّة حَيْثُ قَالَ زَالَ الْوَرع وطوى بساطه وَاشْتَدَّ الطمع وقوى رباطه وارتحل عَن الْقُلُوب حُرْمَة الشَّرِيعَة وعدوا قلَّة المبالاة بِالدّينِ أوثق ذَرِيعَة ورفضوا التَّمْيِيز بَين الْحَلَال وَالْحرَام ودانوا بترك الاحترام وَطرح الاحتشام واستخفوا بأَدَاء الْعِبَادَات واستهانوا بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاة وركضوا إِلَى ميدان الغفلات وركنوا إِلَى اتِّبَاع
стр. 112
الشَّهَوَات وَقلة المبالاة بتعاطي الْمَحْظُورَات والارتفاق بِمَا يأخذونه من السوقة والنسوان وَأَصْحَاب السُّلْطَان ثمَّ لم يرْضوا بِمَا تعاطوه من سوء هَذِه الْأَفْعَال حَتَّى أشاروا إِلَى أَعلَى الْحَقَائِق وَالْأَحْوَال فأدعوا أَنهم تحرروا عَن رق الأغلال وتحققوا بحقائق الْوِصَال وَأَنَّهُمْ قائمون بِالْحَقِّ تجرى عَلَيْهِم أَحْكَامه وهم محو لَيْسَ لله عَلَيْهِم فِيمَا يؤثرونه أَو يذرونه عتب وَلَا لوم وَأَنَّهُمْ كوشفوا بأسرار الأحدية واختطفوا عَنْهُم بِالْكُلِّيَّةِ وزالت عَنْهُم أَحْكَامه البشرية وبقوا بعد فنائهم عَنْهُم بأنوار الصمدية وَالْقَائِل عَنْهُم غَيرهم إِذا نطقوا والنائب عَنْهُم سواهُم فِيمَا تصرفوا بل صرفُوا
وَهَؤُلَاء كَثِيرُونَ فِي المنتسبين إِلَى الصُّوفِيَّة وعَلى مثل ذَلِك قتل الحلاج
стр. 113
فالشبلي وَأَمْثَاله يُرِيدُونَ أَن يميزوا بَين الْمَخْلُوق والخالق لنفي مَذْهَب الِاتِّحَاد والحلول كَمَا نقل عَن الْجُنَيْد إِفْرَاد الْقدَم عَن الْحَدث وكما قَالَ أَبُو طَالب الْمَكِّيّ صَاحب قوت الْقُلُوب لَيْسَ فِي مخلوقاته شئ من ذَاته وَلَا فِي ذَاته شئ من مخلوقاته فَذكر أَنه مَعْرُوف قبل الْحُدُود والحروف وَهِي مَا عرف من حُدُود المخلوقين وحروفهم وَإِذا كَانَ مَعْرُوفا قبل ذَلِك لم يكن محدودا بحدودهم وَلَا متكلما بكلامهم
الْوَجْه الثَّالِث أَن أصُول اعْتِقَاد أَئِمَّة الطَّرِيق إِلَى الله لَا يُؤْخَذ مِمَّا يحْكى عَن مثل الشبلى وَلَو كَانَت الْحِكَايَة صَادِقَة لما عرف من حَال الشبلي وانه كَانَ يغلب عَلَيْهِ الوجد حَتَّى يَزُول عقله وتحلق لحيته ويذهبوا بِهِ إِلَى المارستان وَيسْقط عَنهُ التَّمْيِيز بَين الْحق وَالْبَاطِل
وَمن كَانَ بِهَذِهِ الْحَالة لم يجز أَن يَجْعَل كَلَامه وَحده أصلا يفرق بِهِ بَين أَئِمَّة الْهدى والضلال وَالسّنة والبدعة وَالْحق وَالْبَاطِل لَكِن يقبل
стр. 114
من كَلَامه مَا وَافق فِيهِ أَئِمَّة الْمَشَايِخ وَهُوَ مَا دلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة
وأقبح من ذَلِك أَن يعْتَمد فِي اعْتِقَاد أَوْلِيَاء الله فِي أصُول الدّين على كَلَام لم ينْقل مثله إِلَّا عَن الحلاج وَقد قتل على الزندقة وَأحسن مَا يَقُوله النَّاصِر لَهُ إِنَّه كَانَ رجلا صَالحا صَحِيح السلوك لَكِن غلب عَلَيْهِ الوجد وَالْحَال حَتَّى عثر فِي الْمقَال وَلم يدر مَا قَالَ
وَكَلَام السَّكْرَان يطوى وَلَا يرْوى فالمقتول شَهِيد وَالْقَاتِل مُجَاهِد فِي سَبِيل الله دع مَا يَقُوله من ينْسبهُ إِلَى المخاريق وخلط الْحق بِالْبَاطِلِ
وَلَيْسَ أحد من مَشَايِخ الطَّرِيق لَا أَوَّلهمْ وَلَا آخِرهم يصوب الحلاج فِي جَمِيع مقاله بل اتّفقت الْأمة على انه إِمَّا مُخطئ وَإِمَّا عَاص وَإِمَّا فَاسق وَإِمَّا كَافِر وَمن قَالَ إِنَّه مُصِيب فِي جَمِيع هَذِه
стр. 115
الْأَقْوَال المأثورة عَنهُ فَهُوَ ضال بل كَافِر بأجماع الْمُسلمين وَإِذا كَانَ كَذَلِك كَيفَ يجوز أَن يَجْعَل عُمْدَة لاهل طَرِيق الله كَلَام لم يُؤثر إِلَّا عَنهُ وَلَا يذكر فِي اعْتِقَاد مَشَايِخ طَرِيق الله كَلَام أبسط مِنْهُ وَأكْثر
وَهُوَ مَا قَالَ فِيهِ أخبرنَا أَبُو عبد الرَّحْمَن السلمى قَالَ سَمِعت مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن غَالب قَالَ سَمِعت أَبَا نصر أَحْمد بن سعيد الأسفنجاني يَقُول قَالَ الْحُسَيْن بن مَنْصُور ألزم الْكل الْحَدث لِأَن الْقدَم لَهُ فَالَّذِي بالجسم ظُهُوره فالعرض يلْزمه وَالَّذِي بالأداة اجتماعه فقواها تمسكه وَالَّذِي يؤلفه وَقت يفرقه وَقت وَالَّذِي يقيمه غَيره فالضرورة تمسه وَلِذِي الْوَهم يظفر بِهِ فالتصوير يرتقى إِلَيْهِ وَمن آواه مَحل ادركه أَيْن وَمن كَانَ لَهُ جنس طَالبه بكيف
إِنَّه سُبْحَانَهُ لَا يظله فَوق وَلَا يقلهُ تَحت وَلَا يُقَابله حد وَلَا يزاحمه عِنْد وَلَا يَأْخُذهُ خلف وَلَا يحده أَمَام وَلم يظهره قبل وَلم يفنه بعد وَلم يجمعه كل وَلم يوجده كَانَ لم يفقده لَيْسَ
стр. 116
وَصفَة لَا صفة لَهُ وَفعله لَا عِلّة لَهُ وَكَونه لَا أمد لَهُ تنزه عَن أَحول خلقه [لَيْسَ لَهُ من خلقه] مزاج وَلَا فِي فعله علاج باينهم بقدمه كَمَا باينوه بحدوثهم
إِن قلت مَتى فقد سبق الْوَقْت ذَاته وَإِن قلت هُوَ فالهاء وَالْوَاو خَلفه وَإِن قلت أَيْن فقد تقدم الْمَكَان وجوده
فالحروف آيَاته ووجوده إثْبَاته ومعرفته توحيده وتوحيده تَمْيِيزه من خلقه
مَا تصور فِي الأوهام فَهُوَ بِخِلَافِهِ كَيفَ يحل بِهِ مَا مِنْهُ بَدَأَ أَو يعود إِلَيْهِ مَا هُوَ أنشأ لَا تماثله الْعُيُون وَلَا تقابله الظنون قربه كرامته وَبعده إهانته علوه من غير توقل ومجيئه من غير تنقل
هُوَ الأول وَالْآخر وَالظَّاهِر وَالْبَاطِن والقريب الْبعيد لَيْسَ كمثله شئ وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير
стр. 117
قلت هَذَا الْكَلَام وَالله أعلم هَل هُوَ صَحِيح عَن الحلاج أم لَا فَإِن فِي الْإِسْنَاد من لَا أعرف حَاله وَقد رَأَيْت أَشْيَاء كَثِيرَة منسوبة إِلَى الحلاج من مصنفات وكلمات ورسائل وَهِي كذب عَلَيْهِ لَا شكّ فِي ذَلِك وَإِن كَانَ فِي كثير من كَلَامه الثَّابِت عَنهُ فَسَاد واضطراب لَكِن حملوه أَكثر مِمَّا حمله وَصَارَ كل من يُرِيد أَن يَأْتِي بِنَوْع من الشطح والطامات يعزوه إِلَى الحلاج لكَون مَحَله أقبل لذَلِك من غَيره وَلكَون قوم مِمَّن يعظم المجهولات الهائلة يعظم مثل ذَلِك فَإِن كَانَ هَذَا الْكَلَام صَحِيحا فَمَعْنَاه الصَّحِيح هُوَ نفي مَذْهَب الِاتِّحَاد والحلول الَّذِي وَقع فِيهِ طَائِفَة من المتصوفه وَنسب ذَلِك إِلَى الحلاج فَيكون هَذَا الْكَلَام من الحلاج ردا على أهل الِاتِّحَاد والحلول وَهَذَا حسن مَقْبُول وَأما تَفْسِيره بِمَا يُوَافق رأى أبي الْقَاسِم فِي الصِّفَات فَلَا يُنَاسب هَذَا الْكَلَام
وَقد يُقَال إِن هَذَا الْكَلَام فِيهِ من الشطح مَا فِيهِ وَمَا زَالَ اهل الْمعرفَة يعيبون الشطح الَّذِي دخل فِيهِ طَائِفَة من الصُّوفِيَّة حَتَّى ذكر ذَلِك أَبُو حَامِد فِي إحيائه وَغَيره وَهُوَ قِسْمَانِ شطح هُوَ ظلم وعدوان وَإِن كَانَ من ظلم الْكفَّار وشطح هُوَ جهل وهذيان وَالْإِنْسَان ظلوم جهول
قَالَ أَبُو حَامِد وَأما الشطح فنعنى بِهِ صنفين من الْكَلَام
стр. 118
أحدثه بعض المتصوفة
أَحدهمَا الدَّعَاوَى الطَّوِيلَة العريضة فِي الْعِشْق مَعَ الله والوصال المغنى عَن الاعمال الظَّاهِرَة حَتَّى يَنْتَهِي قوم إِلَى دَعْوَى الِاتِّحَاد وارتفاع الْحجاب والمشاهدة بِالرُّؤْيَةِ والمشافهة بِالْخِطَابِ فَيَقُولُونَ قيل لنا كَذَا وَقُلْنَا كَذَا ويتشبهون فِيهِ بالحسين بن مَنْصُور الحلاج الَّذِي صلب لأجل إِطْلَاقه كَلِمَات من هَذَا الْجِنْس
قَالَ والصنف الثَّانِي من الشطح كَلِمَات غير مفهومة لَهَا ظواهر رائعة وفيهَا عِبَارَات هائلة وَلَيْسَ وَرَائِهَا طائل وَهِي إِمَّا أَن تكون غير مفهومة عِنْد قَائِلهَا بل يصدرها عَن خبط فِي عقله وتشوش فِي خياله لقلَّة إحاطته بِمَعْنى كَلَام قرع
стр. 119
سَمعه وَهَذَا هُوَ الْأَكْثَر وَإِمَّا أَن تكون مفهومة لَهُ وَلكنه لَا يقدر على تفهيمها وإيرادها بِعِبَارَة تدل على ضَمِيره
قَالَ وَلَا فَائِدَة لهَذَا الْجِنْس من الْكَلَام إِلَّا أَنه يشوش الْقُلُوب ويدهش الْعُقُول ويحير الأذهان
قلت وَهَذَا الْكَلَام المحكى عَن الحلاج فِيهِ مَا هُوَ بَاطِل وَفِيه مَا هُوَ مُجمل مُحْتَمل وَفِيه مَا لَا يتَحَصَّل لَهُ معنى صَحِيح بل هُوَ مُضْطَرب وَفِيه مَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ فَائِدَة وَفِيه مَا هُوَ حق لَكِن اتِّبَاع ذَلِك الْحق من غير طَرِيق الحلاج أحسن وَأَشد وأنفع
فَقَوله ألزم الْكل الْحَدث لِأَن الْقدَم لَهُ يتَضَمَّن حَقًا وَهُوَ أَنه سُبْحَانَهُ الْقَدِيم وَمَا سواهُ مُحدث وَلَكِن لَيْسَ تَعْلِيله مُسْتَقِيمًا وَلَا الْعبارَة سديدة فَإِن قَوْله ألزم الْكل الْحَدث ظَاهره أَنه جعل الْحُدُوث لَازِما لَهُم كَمَا تجْعَل الصِّفَات لَازِمَة لموصوفها مثل الأكوان والألوان وَغير ذَلِك
وَلَيْسَ كَذَلِك بل الْحُدُوث لَهُم هُوَ من لَوَازِم حقيقتهم فَلَا يُمكن الْمَخْلُوق أَن يكون غير مُحدث حَتَّى يلْزم بذلك بل هَذَا مثل قَول الْقَائِل ألزم الْمَخْلُوق أَن يكون مخلوقا وألزم الْمَصْنُوع أَن يكون مصنوعا
стр. 120
وَأما تَعْلِيل ذَلِك بقوله لِأَن الْقدَم لَهُ فَلَيْسَ كَون الْقدَم لَهُ هُوَ الْمُوجب لحدوثهم إِذْ كَونه مَوْصُوفا بِصفة لَا يمْنَع أَن يُوصف الْمَخْلُوق بِمَا يَلِيق بِهِ من تِلْكَ الصّفة كَمَا أَن الْعلم لَهُ والحياة وَالْكَلَام والسمع وَالْبَصَر وللمخلوق أَيْضا علم وحياة وَكَلَام وَسمع وبصر فقد قَالَ الله تَعَالَى وَللَّه الْعِزَّة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمنِينَ [سُورَة المُنَافِقُونَ ٨]
فتعليل إِلْزَام الْحُدُوث لَهُم بِأَن الْقدَم لَهُ كَلَام سَاقِط بل الْمَخْلُوق مُحدث لنَفس ذَاته وَعين حَقِيقَته مثل كَونه مربوبا ومصنوعا وَفَقِيرًا ومحتاجا فَإِن هَذِه الصِّفَات النَّاقِصَة المتضمنة احتياجاته إِلَى الله وربوبية الله ثبتَتْ لَهُ لنَفس حَقِيقَته
وإلزامه إِيَّاه الْحَدث يَقْتَضِي نفى الْقدَم عَنهُ وَنفى أَنه على كل شئ قدير وَأَنه بِكُل شئ عليم وَأَنه مستغن بِنَفسِهِ عَمَّا سواهُ فآنتفاء هَذِه الصِّفَات عَنهُ هُوَ لَيْسَ لأمر وجودي وَلَا لأجل أَن الله متصف بهَا بل هَذِه الصِّفَات يمْتَنع ثُبُوتهَا لَهُ وَلَكِن قد تفسر بِتَأْوِيل حسن كَمَا سَنذكرُهُ فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَقَوله فَالَّذِي بالجسم ظُهُوره فالعرض يلْزمه هَذَا الْكَلَام يتَضَمَّن ثُبُوت الْجِسْم وشئ ظهر بالجسم وَعرض يلْزمه وَعند الَّذين نصر أَبُو الْقَاسِم طريقتهم وَسَائِر أهل الْكَلَام لَيْسَ فِي الْمَخْلُوق
стр. 121
إِلَّا جسم أَو عرض اذالجوهر الْفَرد جُزْء من الْجِسْم فَهَذَا الْكَلَام لَا يُوَافقهُ ثمَّ إِنَّه فِي نَفسه قد يُقَال هُوَ من جنس الشطح لَا حَقِيقَة
فَمَا الَّذِي بالجسم ظُهُوره أهوَ الْجِسْم أم غَيره إِن كَانَ هُوَ الْجِسْم لم يَصح أَن يُقَال الَّذِي ظُهُوره هُوَ الْجِسْم وَإِن كَانَ غَيره وَسلم ذَلِك لَهُ فَمَا الْمُوجب لتخصيص ذَلِك بالْكلَام فِيهِ دون الْجِسْم وَالْعرض يلْزم الْجِسْم أبين من لُزُومه مَا لَيْسَ بجسم
ثمَّ إِذا قيل إِن الْعرض يلْزمه هُوَ طَريقَة بعض أهل الْكَلَام الْمُحدث فِي الِاسْتِدْلَال على حُدُوث الْأَجْسَام بِلُزُوم الْأَعْرَاض لَهَا وَفِي هَذِه الطَّرِيقَة من الِاضْطِرَاب مَا قد ذَكرْنَاهُ فِي مَوْضِعه وَلَيْسَت هَذِه طَريقَة الْمَشَايِخ والعارفين
وَمن أحسن مَا يحمل عَلَيْهِ هَذَا الْكَلَام أَن قَائِله إِن أَرَادَ بِهِ إبِْطَال مَذْهَب الْحُلُول والاتحاد وَظُهُور اللاهوت فِي الناسوت وَأَن الرب سُبْحَانَهُ لَيْسَ حَالا فِي شئ من الْمَخْلُوقَات وَلَا يظْهر فِي شئ من الْأَجْسَام المصنوعات كَمَا يَقُوله من يَقُول إِنَّه ظهر فِي الْمَسِيح وَفِي عَليّ وَفِي الحلاج وَنَحْو ذَلِك كَمَا يَقُوله أهل التَّعْيِين مِنْهُم وكما يَقُوله من يَقُول بذلك فِي جَمِيع المصنوعات على مَذْهَب ابْن الْعَرَبِيّ وَابْن سبعين وَنَحْوهم فَقَوله ألزم الْكل الْحَدث أَي جعله لَازِما لَهُم لَا يفارقهم فَلَا يصير الْمُحدث قَدِيما
وَقَوله الَّذِي بالجسم ظُهُوره يَعْنِي أَي شئ ظهر بِهَذِهِ الْأَجْسَام مِمَّا
стр. 122
يظنّ أَنه الْحق وَأَنه ظَاهر فِي الْأَجْسَام فالعرض يلْزم ذَلِك الظَّاهِر فِي الْجِسْم كَمَا يلْزم ذَلِك الْجِسْم وَحِينَئِذٍ فَيكون الظَّاهِر فِي الْجِسْم بِمَنْزِلَة نفس الْجِسْم لَيْسَ بِأَن يَجْعَل أَحدهمَا رَبًّا خَالِقًا وَالْآخر مخلوقا بِأولى من الْعَكْس
وَكَذَلِكَ قَوْله الَّذِي بالأداة اجتماعه فقواها تمسكه هَذَا رد على من يَقُول بقدم الرّوح أَو بحلول الْخَالِق فِي الْمَخْلُوق فَإِن أدوات الْإِنْسَان وَهِي جوارحه وأعضاؤه بهَا يكون اجْتِمَاع ذَلِك وقوى الأدوات تمسك ذَلِك فَيكون مفترا إِلَيْهَا مُحْتَاجا والمحتاج إِلَى غَيره لَا يكون حَقًا غَنِيا بِنَفسِهِ فَلَا يكون هُوَ الله وَلَيْسَ فِي هَذَا تعرض لصفات الْحق فِي نَفسه نفيا وإثباتا بِقبُول مَذْهَب ورد مَذْهَب إِذْ لم يقل اُحْدُ من الْخلق ان الْحق يجْتَمع بالادوات حَتَّى ان من وَصفه بالجوارح والأعضاء من ضلال المجسمة لَا يَقُولُونَ إِن اجتماعه بهَا
وَإِن أُرِيد بآجتماعه بهَا أَنه لَا بُد لَهُ مِنْهَا فَقَوله فقواها تمسكه هُوَ مثل قَوْله إِنَّه لَا بُد لَهُ مِنْهَا لَا يكون أَحدهمَا إبطالا للْآخر بل لُزُوم ذَلِك عِنْدهم كلزوم صِفَاته لَهُ وَلَيْسَ فِي ذَلِك فقر مِنْهُ إِلَى غَيره كَمَا أَنه قَائِم بِنَفسِهِ غنى بِنَفسِهِ وَلَا يُقَال إِنَّه مفتقر إِلَى غَيره إِذْ مَا هُوَ من لَوَازِم ذَاته هُوَ دَاخل فِي اسْمه فَلَا يكون مفتقرا إِلَى غَيره
وَكَذَلِكَ قَوْله الَّذِي يؤلفه وَقت يفرقه وَقت هَذَا منطبق على إِفْسَاد مَذْهَب الاتحادية فَإِن الْآدَمِيّ تأليفه وتركيبه فِي
стр. 123
بعض الْأَوْقَات كَمَا يكون تفريقه فِي بعض الاوقات فَلَا يكون التَّأْلِيف وَلَا التَّفْرِيق لَازِما لَهُ بل هُوَ مُحْتَاج فيهمَا إِلَى غَيره وَكَذَلِكَ مَا يُقَال إِنَّه يتحد فِيهِ أَو يتحد بِهِ من اللاهوت هُوَ مفارق لَهُ فِي وَقت آخر
وَأما قَوْله الَّذِي يقيمه غَيره فالضرورة تمسه فَهَذَا كَلَام حسن وَهُوَ حق وكل مَا سوى الله فَإِنَّمَا يقيمه غَيره وَالله هُوَ الْحَيّ القيوم الَّذِي لَا تَأْخُذهُ سنة وَلَا نوم الَّذِي يقوم بِنَفسِهِ وَيُقِيم كل شئ وكل مَا يقيمه غَيره فَهُوَ مُضْطَر إِلَى ذَلِك الْغَيْر فَلَا يكون رَبًّا وَهَذَا فِيهِ دلَالَة على أَنه لَيْسَ فِي شئ من الإلهية والربوبية إِذْ الضَّرُورَة لَازِمَة لَهُم كلهم
وَأما قَوْله الَّذِي الْوَهم يظفر بِهِ فالتصوير يرتقي إِلَيْهِ فقد يُقَال فِيهِ شَيْئَانِ
أَحدهمَا أَن مَا يتوهمه العَبْد لَا يكون إِلَّا ضَرُورَة مصورة لَكِن هَذَا لَا يدل على فَسَاد مَا يتَوَهَّم وَلَا على فَسَاد الصُّورَة
وَالثَّانِي يكون المُرَاد بالتصوير تَصْوِير الْإِنْسَان فِي نَفسه لَهُ فَيكون تَصْوِيره مثل ظفر الْوَهم بِهِ فَيَعُود الْأَمر إِلَى أَن يُقَال مَا يتوهمه العَبْد فقد تصَوره وَهَذَا لَا فَائِدَة فِيهِ وَذَلِكَ أَن التَّصْوِير إِمَّا أَن يُرَاد بِهِ أَنه فِي ذَاته مُصَور أَو يُرَاد أَن العَبْد تصَوره فِي نَفسه إِذْ لَيست الصُّورَة إِلَّا عَيْنِيَّة خَارِجَة مَوْجُودَة فِي الْخَارِج أَو ذهنية فِي نفس الْإِنْسَان مثلا وَنَحْوه مِمَّا يتَصَوَّر فِيهِ وَالْكَلَام إِذا كَانَ تكريرا بِلَا فَائِدَة كَانَ من الشطح وَإِن كَانَ بِلَا حجَّة كَانَ دَعْوَى
стр. 124
وَقَوله من آواه مَحل أدْركهُ أَيْن اسْتِدْلَال مِنْهُ على انْتِفَاء إيواء الْمحل بآنتفاء الأين وَهَذِه سَاقِطَة فَإِن الْعلم بِهِ أظهر من الْعلم بآنتفاء الأين عَنهُ فَإِن عَامَّة أهل السّنة وَسلف الْأمة وأئمتها لَا ينفون عَنهُ الأين مُطلقًا لثُبُوت النُّصُوص الصَّحِيحَة الصَّرِيحَة عَن النَّبِي ﷺ بذلك سؤالا وجوابا
فقد ثَبت فِي الصَّحِيح عَنهُ انه قَالَ لِلْجَارِيَةِ أَيْن الله قَالَت فِي السَّمَاء وَكَذَلِكَ قَالَ ذَلِك لغَيْرهَا
وَقَالَ لَهُ أَبُو رزين الْعقيلِيّ أَيْن كَانَ رَبنَا قبل أَن يخلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض قَالَ فِي عماء مَا فَوْقه هَوَاء وَمَا تَحْتَهُ هَوَاء ثمَّ خلق عَرْشه على المَاء
وَمن نفي الأين عَنهُ يحْتَاج إِلَى أَن يسْتَدلّ على انْتِفَاء ذَلِك بِدَلِيل
стр. 125
أما أَن يَجْعَل انْتِفَاء الأين عَنهُ دَلِيلا فَهَذَا لَا يَقُوله عَاقل وَمن نفى الأين قَالَ لِأَن الأين سُؤال عَن الْمَكَان يَقُول وَالله لَيْسَ فِي الْمَكَان لِأَن الْمَكَان لَا يكون إِلَّا للجسم وَالله لَيْسَ بجسم لِأَن الْجِسْم لَا يكون إِلَّا مُحدثا مُمكنا فَلَا بُد لَهُ من هَذِه الْمُقدمَات أَو مَا يُنَاسِبهَا
ثمَّ الْمُثبت لما جَاءَت بِهِ السّنة يرد عَلَيْهِ بِمَنْع بعض هَذِه الْمُقدمَات وَالتَّفْصِيل فِيهَا أَو بَعْضهَا وَبَيَان الْحق فِي ذَلِك من الْبَاطِل مثل أَن يُقَال الْمَكَان يُرَاد بِهِ مَا يُحِيط بالشئ وَالله لَا يُحِيط بِهِ مَخْلُوق أَو يُرَاد بِهِ مَا يفْتَقر إِلَيْهِ الْمُمكن وَالله لَا يفْتَقر إِلَى شئ وَقد يُرَاد بِالْمَكَانِ مَا يكون الشئ فَوْقه وَالله فَوق عَرْشه فَوق سماواته فَلَا يسلم نفى الْمَكَان عَنهُ بِهَذَا التَّفْسِير
ونقول قد وَردت الْآثَار الثَّابِتَة بِإِثْبَات لفظ الْمَكَان فَلَا يَصح نَفْيه مُطلقًا وَكَذَلِكَ نقُول فِي سَائِر الْمُقدمَات فَظهر أَن هَذَا الْكَلَام لَا تصح دلَالَته إِلَّا أَن يُرَاد بِهِ نفي الِاتِّحَاد والحلول فَيكون الْمَعْنى لَو آواه بطن مَرْيَم أَو جَسَد وَاحِد من الْبشر كَمَا قد يَقُول بعض ذَلِك بعض الحلولية لَكَانَ الأين يلْزمه كَمَا يلْزم مَحَله فَفرق بَين أَحدهمَا وَالْآخر فِي جعل هَذَا خَالِقًا وَهَذَا مخلوقا
وَأما نفس الْمَعْنى الْمَقْصُود بنفى أيواء الْمحل عَنهُ فَإِنَّهُ صَحِيح إِذا قصد بِهِ أَنه لَا فَوْقه شئ من الْمَخْلُوقَات فتحيط بِهِ أَو يكون الرب مفتقرا إِلَيْهِ
стр. 126
وَأما إِن قصد أَنه لَيْسَ فَوق الْعَرْش فَهَذَا بَاطِل وَلَكِن لفظ إيواء الْمحل بِالْمَعْنَى الاول أشبه
وَأما قَوْله من كَانَ لَهُ جنس طَالبه بكيف فَهُوَ نمط الَّذِي قبله فَإِنَّهُ يتَضَمَّن نفي المجانسة عَنهُ بآنتفاء طلب الكيف وَالْعلم بِأَن الله لَيْسَ لَهُ مثل وَلَا سمي وَلَا كفو أبين من الْعلم بِأَنَّهُ لَا يُقَال لَهُ كَيفَ فَإِن كثيرا من النَّاس دخلت عَلَيْهِم الشُّبْهَة فطلبوا التكييف حَتَّى بَين لَهُم أَن الكيف غير مَعْلُوم لنا
فَالَّذِي ثَبت نَفْيه بِالشَّرْعِ وَالْعقل واتفاق السّلف إِنَّمَا هُوَ علم الْعباد بالكيفية وسؤالهم عَن الْكَيْفِيَّة الَّتِي لَا يُمكن مَعْرفَتهَا بِخِلَاف المجانسة فَإِنَّهَا منتفية عَنهُ فِي نفس الْأَمر فَكيف نجْعَل هَذَا دَلِيلا على الآخر
وَلَو قلب الْعبارَة وَقَالَ فَالَّذِي يطْلب لَهُ كَيفَ لَهُ جنس لَكَانَ قد سلك سَبِيل الِاسْتِدْلَال لَكِن قد لَا يسلم لَهُ ذَلِك وَيُقَال لَهُ من أَيْن تعلم ان كل مَا يُقَال لَهُ كَيفَ يجب أَن يكون لَهُ مثل يجانسه
وَحِينَئِذٍ يُمكن الِاسْتِدْلَال على ذَلِك بِمَا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه وَلَعَلَّ الْمُتَكَلّم بِهَذَا الْكَلَام قصد هَذَا الْمَعْنى مَعَ أَنه فِي نفي السُّؤَال بكيف كَلَام قد ذَكرْنَاهُ فِي غير هَذَا الْموضع
стр. 127
وَأما قَوْله لَا يظله فَوق وَلَا يقلهُ تَحت وَلَا يُقَابله حد وَلَا يزاحمه عِنْد وَلَا يَأْخُذهُ خلف وَلَا يحده أَمَام وَلم يظهره قبل وَلم يفنه بعد وَلم يجمعه كل وَلم يوجده كَانَ وَلم يفقده لَيْسَ فَهَذَا الْكَلَام أَكْثَره مُجمل وَفِيه مَا هُوَ حق وَفِيه مَا هُوَ بَاطِل
فَقَوله لَا يظله فَوق حق إِذْ ظَاهره أَن الله لَيْسَ فَوْقه شئ وَكَذَلِكَ قَالَ النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح أَنْت الأول فَلَيْسَ قبلك شئ وَأَنت الآخر فَلَيْسَ بعْدك شئ وَأَنت الظَّاهِر فَلَيْسَ فَوْقك شئ وَأَنت الْبَاطِن فَلَيْسَ دُونك شئ
واما قَوْله لَا يقلهُ تَحت فَإِن اراد بِهِ أَن الله لَيْسَ فَوق الْخلق فَهَذَا لَيْسَ بِحَق وَالنَّبِيّ ﷺ لما قَالَ أَنْت الظَّاهِر فَلَيْسَ فَوْقك شئ لم يقل لست فَوق شئ بل قَالَ انت الْبَاطِن فَلَيْسَ دُونك شئ وَلم يقل لَيْسَ لَك دون وَلَا قَالَ لست مَوْصُوفا
стр. 128
بالفوق فَفرق بَين قَوْله لَيْسَ دونه شئ وَلَيْسَ شئ فَوْقه وَبَين قَوْله لَيْسَ مَوْصُوفا بفوق وَمَا هُوَ مَوْصُوف بتحت
وَأما قَوْله لَا يُقَابله حد وَلَا يزاحمه عِنْد فَظَاهره بَاطِل إِذْ ظَاهره أَن الله لَا يُقَابله شئ من الْمَخْلُوقَات وَلَا تَنْتَهِي إِلَيْهِ المحدودات وَلَا يكون عِنْده شئ من الْمَخْلُوقَات وَهَذَا خلاف الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع سلف الامة
فَإِن الله تَعَالَى يَقُول إِن الَّذين عِنْد رَبك لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَن عِبَادَته ويسبحونه وَله يَسْجُدُونَ [سُورَة الْأَعْرَاف ٢٠٦]
وَقَالَ وَله من فِي السَّمَاوَات وَمن فِي الأَرْض وَمن عِنْده لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَن عِبَادَته وَلَا يستحسرون [سُورَة الْأَنْبِيَاء ١٩]
وَقَالَ إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب وَالْعَمَل الصَّالح يرفعهُ [سُورَة فاطر ١٠]
وَقَالَ تَعَالَى يَا عِيسَى إِنِّي متوفيك ورافعك إِلَى [سُورَة آل عمرَان ٥٥]
وَقَالَ تعرج الْمَلَائِكَة وَالروح إِلَيْهِ [سُورَة المعارج ٤]
стр. 129
وَقَالَ النَّبِي ﷺ فِي الْأَحَادِيث المستفيضة إِنَّكُم سَتَرَوْنَ ربكُم كَمَا ترَوْنَ الشَّمْس وَالْقَمَر
وَقَوله لَا يَأْخُذهُ خلف وَلَا يحده أَمَام كَلَام مُجمل وَالله مَوْصُوف فِي الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع سلف الْأمة بِأَن الْمَخْلُوق يكون أَمَامه وَبَين يَدَيْهِ فِي غير مَوضِع فَلَا يجوز نفي ذَلِك عَنهُ
وَأما قَوْله وَلم يظهره قبل وَلم يفنه بعد فَظَاهره صَحِيح فَإِن ظَاهره أَنه مَا ظهر بقبل كَانَ قبله وَلَا يفنى فَيكون شئ بعده وَهَذَا حق فَهُوَ سُبْحَانَهُ كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ أَنْت الأول فَلَيْسَ قبلك شئ وَأَنت الآخر فَلَيْسَ بعْدك شئ
وَأما قَوْله وَلم يجمعه كل وَلم يوجده كَانَ وَلم يفقده لَيْسَ فَفِيهِ إِجْمَال فَإِن أَرَادَ أَنه لَا يُقَال كَانَ الله فَهَذَا بَاطِل
فَفِي الصَّحِيح عَن عمرَان بن حُصَيْن عَن النَّبِي ﷺ أَن أهل الْيمن قَالُوا يَا رَسُول الله جئْنَاك لنتفقه فِي الدّين ولنسألك عَن أول
стр. 130
هَذَا الْأَمر مَا كَانَ قَالَ كَانَ الله وَلم يكن شئ قبله وَكَانَ عَرْشه على المَاء ثمَّ خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَكتب فِي الذّكر كل شئ
وَكَذَلِكَ إِن اراد أَنه لَا يُوصف بليس فَإِن الله ينفى عَنهُ أَشْيَاء كَمَا ثبتَتْ لَهُ أَشْيَاء وَإِن أَرَادَ أَنه لم يُوجد بكان وَلَا يفقد بليس فَهَذَا حق فَإِنَّهُ لَيْسَ بمحدث فِي وَقت دون وَقت وَلَا يجوز عَلَيْهِ الْعَدَم فَلَا حدث بكان وَلَا يفقد بليس
وَأما قَوْله وَصفه لَا صفة لَهُ فمجمل فَإِن اراد أَن صِفَاته لَا تُوصَف بالْكلَام فَالله وَرَسُوله قد وصف صِفَاته مثل وصف علمه بِأَنَّهُ بِكُل شئ مُحِيط وَقدرته بعمومها وَأَنه على كل شئ قدير وَرَحمته بِأَنَّهَا وسعت كل شئ
стр. 131
وَإِن أَرَادَ أَن العَبْد لَا تحيط صفته بِصفة ربه فَحق وَمَا أَظُنهُ أَرَادَ مَا يُريدهُ بعض الْمُتَكَلِّمين من أَن صفة لَا تقوم بهَا صفة لِأَن الْعرض لايقوم بِالْعرضِ بل تكون الصفتان والعرضان جَمِيعًا قَائِمين بِالْعينِ
وَأما قَوْله فعله لَا عِلّة لَهُ فمجمل وَهُوَ اقْربْ إِلَى الْحق إِن أَرَادَ أَنه لم يفعل شَيْئا لعِلَّة من غَيره فَهَذَا حق وَإِن أَرَادَ أَنه لم يفعل الْأَشْيَاء لعِلَّة من نَفسه مثل مَشِيئَته وإرادته وَعلمه فَهَذَا لَيْسَ بِحَق وَالْأَشْبَه أَنه أَرَادَ الْمَعْنى الأول
واما قَوْله كَونه لَا أمد لَهُ فَهَذَا حق صَحِيح
وَأما قَوْله تنزه عَن أَحْوَال خلقه فَصَحِيح إِذا أَرَادَ أَنه لَيْسَ مثل خلقه فِي شئ من الْأَشْيَاء وَلَكِن من جعل فِي هَذَا الْكَلَام أَنه لَا يُوصف بِالصِّفَاتِ الَّتِي تلِيق بِهِ كَمَا يُوصف خلقه من تِلْكَ الصِّفَات بِمَا يَلِيق بهم فَهَذَا بَاطِل فَإِنَّهُ يُوصف بِالْعلمِ وَالْقُدْرَة والسمع وَالْبَصَر وَالْكَلَام وَإِن كَانَ خلقه يوصفون بِمَا يَلِيق بهم من ذَلِك
وَأما قَوْله لَيْسَ لَهُ من خلقه مزاج وَلَا فِي فعله علاج فَهُوَ صَحِيح فَإِن الله لَا عون لَهُ ولاظهير كَمَا قَالَ تَعَالَى وَمَا لَهُم فيهمَا
стр. 132
من شرك وَمَا لَهُ مِنْهُم من ظهير [سُورَة سبأ ٢٢] بل هُوَ الْغَنِيّ عَن جَمِيع خلقه وَكَذَلِكَ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا أمره إِذا أَرَادَ شَيْئا أَن يَقُول لَهُ كن فَيكون لَا يحْتَاج إِلَى مَا يحْتَاج إِلَيْهِ خلقه من المعالجة
وَكَذَلِكَ قَوْله باينهم بقدمه كَمَا باينوه بحدوثهم صَحِيح وَإِن كَانَ مَا باين الله بِهِ خلقه أَعم من مُجَرّد الْقدَم فَإِنَّهُ باينهم بِجَمِيعِ صِفَاته لَيْسَ لَهُ فِي شئ مِنْهَا مثل
وَأما قَوْله إِن قلت مَتى فقد سبق الْوَقْت ذَاته فَهَذَا صَحِيح فَأن الله لَا يُقَال مَتى كَانَ إِذْ هُوَ الْقَدِيم الَّذِي لم يزل وَلَا يزَال
وَأما قَوْله إِن قلت هُوَ فالهاء وَالْوَاو خلقه فَهُوَ كَلَام فَاسد فَإِنَّهُ إِن أَرَادَ أَنه لَا يُقَال هُوَ فَهَذَا خلاف إِجْمَاع الْمُسلمين وَسَائِر الْأُمَم وَهُوَ فَاسد بضرورة الْعقل وَالشَّرْع
قَالَ تَعَالَى هُوَ الأول وَالْآخر [سُورَة الْحَدِيد ٣] وَقَالَ وَهُوَ الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش [سُورَة هود ٧] وَقَالَ وَهُوَ الغفور الْوَدُود [سُورَة البروج ١٤] وَهُوَ مَعكُمْ أَيْن مَا كُنْتُم [سُورَة الْحَدِيد ٤]
وَفِي الْقُرْآن من ذكر هُوَ أَكثر من أَن يحصر هُنَا فنفي قَول هُوَ من أعظم الْبَاطِل
стр. 133
وَإِن أَرَادَ أَن يُقَال مَا هُوَ لعدم الْعلم بحقيقته فَلَا يصلح أَن يدل على ذَلِك بقوله فالهاء وَالْوَاو خلقه فَإِن هَذَا لَو كَانَ حجَّة لصَحَّ أَن يحْتَج بِهِ فِي مَتى وَأَيْنَ وَبِتَقْدِير كَون الْحُرُوف مخلوقة لَا يصلح أَن يحْتَج بذلك على نفى الْإِخْبَار بهَا عَن الله أَو الإستفهام بهَا عَن بعض شؤوونه وَصِفَاته وَإِدْخَال لفظ هُوَ بَين مَتى وَأَيْنَ يدل على أَنه أَرَادَ الِاسْتِفْهَام
وَإِن
أَرَادَ انا إِذا قُلْنَا هُوَ فَإِنَّمَا تكلمنا بحروف مخلوقة وَإِن ذَلِك يُفِيد نفى معرفتنا بِهِ فَهَذَا من أبطل الْكَلَام فَإِن الْقَائِلين بِأَن الْحُرُوف مخلوقة والحروف غير مخلوقة متفقون على أَن الْإِخْبَار عَنهُ بهو لَا ينفى مَعْرفَته فَظهر أَن قَوْله الْهَاء وَالْوَاو خلقه كَلَام لَيْسَ فِيهِ هُنَا فَائِدَة بِحَال
وَإِذا كَانَ الْمُتَكَلّم بذلك لم يذكر كلَاما منتظما مُفِيدا سَوَاء كَانَ حَقًا أَو بَاطِلا فَهُوَ جدير على أَن لَا يسْتَدلّ بِكَلَامِهِ على أَنه حق أَو بَاطِل ثمَّ قَالَ ذَلِك إِن أَرَادَ ان نفس أصوات الْعباد مخلوقة فَهَذَا صَحِيح وَإِن أَرَادَ أَن نفس الْحُرُوف حُرُوف الْقُرْآن وَغَيره مَا تكلم الله بهَا وَلَيْسَت من كَلَامه وَهَذَا خلاف الْكتاب وَالسّنة وَخلاف سلف الْأمة وأئمتها
وَأما قَوْله إِن قلت أَيْن فقد تقدم الْمَكَان وجوده
стр. 134
فحجة ضَعِيفَة لِأَن وجوده قبل الْمَكَان لَا يمْنَع بعد خلق الْمَكَان أَن يُقَال وَأَيْنَ هُوَ فَإِن الأين نِسْبَة وَإِضَافَة لَا تكون إِلَّا بعد وجود الْمُضَاف إِلَيْهِ وَأما مَتى فَهُوَ يقتضى حُدُوث المسؤول عَنهُ فجواب مَتى يقتضى حُدُوثه إِلَّا أَن يُجَاب عَنْهَا بِأَنَّهُ لم يزل فَإِذا قَالَ قَائِل مَتى كَانَ قيل لَهُ لم يزل وَلَا يزَال وَأما جَوَاب أَيْن فَهُوَ يقتضى علوه وَهُوَ عَليّ عَظِيم ليسبمحدث فَلَا يشبه أَحدهمَا بِالْآخرِ
وَأما قَوْله فالحروف آيَاته فَكَلَام صَحِيح وَكَذَلِكَ الْقُرْآن هُوَ كَلَام الله غير مَخْلُوق وَهُوَ آيَاته وَكَون الْقُرْآن بِحُرُوفِهِ ومعانيه آيَاته لَا يسْتَلْزم كَون ذَلِك مخلوقا
وَأما قَوْله وَوُجُود إثْبَاته فَلم يرد بِهِ وَالله أعلم مَا يعنيه الْمُتَكَلّم بِلَفْظ الْوُجُود وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ مَا يُريدهُ الصُّوفِيَّة وَهُوَ مُطَابق اللُّغَة يَقُول وجود العَبْد لَهُ هُوَ إِثْبَات
وَأما قَوْله مَعْرفَته توحيده وتوحيده تميزه من خلقه فَلَا ريب أَن هَذَا إبِْطَال لمَذْهَب الِاتِّحَاد والحلول وَهُوَ حق وتمييزه من خلقه مُتَّفق عَلَيْهِ بَين أهل الْإِيمَان وَلَا يَسْتَقِيم ذَلِك إِلَّا إِذا كَانَ بَائِنا من خلقه غير دَاخل فيهم
стр. 135
وَأما قَوْله مَا تصور فِي الأذهان فَهُوَ بِخِلَافِهِ فَهُوَ كَلَام مُجمل وَمَعْنَاهُ الصَّحِيح أَن حَقِيقَة الرب لَا يتصورها العَبْد من تصور شَيْئا اعْتقد انه حَقِيقَة الرب فَالله بِخِلَاف ذَلِك وَالْمعْنَى الْبَاطِل أَن يُقَال كلما تصَوره العَبْد وعقله فَهُوَ مُخَالف للحق فَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك
وَأما قَوْله كَيفَ يحل بِهِ مَا مِنْهُ بدأه أَو يعود إِلَيْهِ مَا هُوَ أنشأه فَكَلَام مُجمل فَإِن من يَقُول الْقُرْآن مَخْلُوق خلقه الله مُنْفَصِلا عَنهُ قد يَقُول مثل هَذَا الْكَلَام فَيَقُول لايحل الْقُرْآن بِهِ وَلَا يقوم بِذَاتِهِ فَإِنَّهُ مِنْهُ بَدَأَ وَلَا يعود إِلَيْهِ لِأَنَّهُ أنشأه وَالْقَوْل بِأَن كَلَام الله مَخْلُوق مُنْفَصِل عَن قَول بَاطِل وَهُوَ شعار الْجَهْمِية وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة تَكْذِيب للرسل
وَكَذَلِكَ قَوْله لَا تماقله الْعُيُون قد يشْعر أَنه لَا تجوز رُؤْيَته بالعيون وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك بل رُؤْيَته بالعيون جَائِزَة وَالْمُؤمنِينَ يَوْم الْقِيَامَة يرونه عيَانًا كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ وَإِن كَانَت الْأَبْصَار لَا تُدْرِكهُ
وَأما قَوْله لَا تقَابل الظنون فَمن المجملات
وَقَوله قربه كرامته وَبعده اهانته فمردود
أما أَولا فَإِنَّهُ وَصفه بالبعد وَالله لَا يُوصف بالبعد وَإِن وصف
стр. 136
بِالْقربِ هَذَا إِن أَرَادَ قربه من عباده وَبعده مِنْهُم وَإِن أَرَادَ تقريبه لَهُم وتبعيده لَهُم فاللفظ لَا يدل على ذَلِك فَإِن الْقرب والبعد غير التَّقْرِيب والتبعيد
وَأما ثَانِيًا فَلِأَن قربه من عباده وتقريبه لَهُم عِنْد سلف الْأمة وأمتها وَعَامة الْمَشَايِخ الأجلاء لَيْسَ مُجَرّد الإنعام والكرامة بل يقرب من خلقه كَيفَ شَاءَ وَيقرب إِلَيْهِ مِنْهُم من يَشَاء كَمَا قد بَينا ذَلِك فِي مَوْضِعه
وَقد ثَبت أَن النَّبِي ﷺ قَالَ أقرب مَا يكون العَبْد من ربه فِي جَوف اللَّيْل الآخر
وَثَبت فِي الصَّحِيح أَنه قَالَ أقرب مَا يكون العَبْد من ربه وَهُوَ ساجد
стр. 137
وَقَالَ تَعَالَى واسجد واقترب [سُورَة العلق ١٩]
وَأما قَوْله علوه من غير توقل ومجيئه من غير تنقل فَكَلَام مُجمل هُوَ إِلَى الْبِدْعَة أقرب فَإِنَّهُ قد يظْهر مِنْهُ أَنه لَيْسَ هُوَ فَوق خلقه وَيفهم مِنْهُ نفى مَا دلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة من وَصفه بالإستواء المجئ والإتيان وغيرذلك وَهَذِه الْمَسْأَلَة وَالَّتِي قبلهَا كبيرتان ذكرناهما فِي غير هَذَا الْموضع مثل جَوَاب الإعتراضات المصرية وَغير ذَلِك
وَقَوله هُوَ الأول وَالْآخر وَالظَّاهِر وَالْبَاطِن والقريب والبعيد لَيْسَ فِي أَسمَاء الله الْبعيد وَلَا وَصفه بذلك أحد من سلف الْأمة وأمتها بل هُوَ موصفوف بِالْقربِ دون الْبعد
وَفِي الحَدِيث الْمَشْهُور فِي التَّفْسِير أَن الْمُسلمين قَالُوا يَا رَسُول الله أَقَرِيب رَبنَا فنناجيه أم بعيد فنناديه فَأنْزل الله وَإِذا سَأَلَك عبَادي عني فَإِنِّي قريب [سُورَة الْبَقَرَة ١٨٦] وَهَذَا يَقْتَضِي وَصفه
стр. 138
بِالْقربِ دون الْبعد
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي مُوسَى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لأَصْحَابه لما جعلُوا يرفعون أَصْوَاتهم بِالتَّكْبِيرِ أَيهَا النَّاس اربعوا على أَنفسكُم فَإِنَّكُم لَا تدعون أَصمّ وَلَا غَائِبا إِنَّمَا تدعون سميعا قَرِيبا إِن الَّذِي تَدعُونَهُ أقرب إِلَى أحدكُم من عنق رَاحِلَته
وَإِنَّمَا الْوَاجِب أَن يُوصف بالعلو والظهور كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح أَنْت الظَّاهِر فَلَيْسَ فَوْقك شئ وَأَنت الْبَاطِن فَلَيْسَ دُونك شئ
وَقَالَ تَعَالَى وَهُوَ الْعلي الْعَظِيم [سُورَة الْبَقَرَة ٢٥٥] فَلَو قَالَ هُوَ الْعلي الْقَرِيب كَانَ حسنا صَوَابا وَكَذَلِكَ لَو قَالَ قريب فِي علوه عَليّ فِي دنوه
فَأَما وَصفه بِأَن الْقَرِيب الْبعيد فَلَا أصل لَهُ بل هُوَ وصف بأسم حسن وبضده كَمَا لَو قيل العلى السافل اَوْ الْجواد الْبَخِيل اَوْ الرَّحِيم القاسي وَنَحْو ذَلِك وَالله تَعَالَى لَهُ الْأَسْمَاء الْحسنى وَإِنَّمَا يُؤْتِي
стр. 139
مثل هَؤُلَاءِ من الْقيَاس الْفَاسِد لما سَمِعُوهُ يخبر عَن نَفسه بِأَن الأول الآخر الظَّاهِر الْبَاطِن قاسوا على ذَلِك الْقَرِيب والبعيد وَهَذَا خطأ لِأَن تِلْكَ الْأَسْمَاء كلهَا حَسَنَة دَالَّة على كَمَال إحاطته مَكَانا وزمانا وَأما هَذَا فَهُوَ جمع بَين الإسم الْحسن وضده
الْوَجْه الرَّابِع إِنَّه قدم كَلَام الشبلى فِي الِاعْتِقَاد قبل كَلَام جَمِيع الْمَشَايِخ الَّذين هم اجل مِنْهُ وَأعظم مَعَ أَن هَذِه الْمَسْأَلَة لَا تسْتَحقّ التَّقْدِيم وَإِنَّمَا مرتبته فِيمَا بعد كَمَا ذكرهَا هُنَاكَ وَكَانَ الْوَاجِب ان يُؤَخر ذَلِك إِلَى مَوْضِعه فَإِنَّهُ ذكر بعد ذَلِك أول الْوَاجِبَات وَهَذَا هُوَ الَّذِي يسْتَحق التَّقْدِيم وَمثل هَذَا يَقْتَضِي كَون المُصَنّف فِيهِ نوع من الْهوى وَمن أعظم الْوَاجِبَات على أهل هَذَا الطَّرِيق خلوهم من الْهوى فَإِن مبناه على قَوْله وَأما من خَافَ مقَام ربه وَنهى النَّفس عَن الْهوى [سُورَة النازعات ٤٠]
ثمَّ قَالَ أَبُو الْقَاسِم ﵀ سَمِعت أَبَا حَاتِم يَقُول سَمِعت ابا نصر السراج ﵀ يَقُول سُئِلَ رُوَيْم عَن أول
стр. 140
فرض افترضه الله على خلقه مَا هُوَ قَالَ الْمعرفَة يَقُول الله وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون [سُورَة الذاريات ٥٦] قَالَ ابْن عَبَّاس ليعرفون
قلت هَذَا الْكَلَام [صَحِيح] فَإِن أول مَا أوجبه الله على لِسَان رَسُوله هُوَ الاقرار بِالشَّهَادَتَيْنِ كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ لِمعَاذ ابْن جبل لما بَعثه إِلَى الْيمن إِنَّك تقدم على قوم أهل كتاب فَلْيَكُن أول مَا تدعوهم إِلَيْهِ شَهَادَة أَلا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ
وَكَذَلِكَ قَالَ الْمَشَايِخ المعتمدون مثل الشَّيْخ عبد الْقَادِر وَغَيره وَالْإِقْرَار بِالشَّهَادَتَيْنِ يتَضَمَّن الْمعرفَة لَكِن ذهب طَائِفَة من أهل الْكَلَام وَمِمَّنْ اتبعهم من الْفُقَهَاء والصوفية إِلَى أَنه يجب على العَبْد الْمعرفَة أَولا قبل وجوب الشَّهَادَتَيْنِ وَمِنْهُم من قَالَ يجب على العَبْد
стр. 141
النّظر قبل الْمعرفَة وَمِنْهُم من قَالَ يجب الْقَصْد إِلَى النّظر وَمن غالبيتهم من أوجب الشَّك وَقد بسطنا القَوْل فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فِي غير هَذَا الْموضع
فَهَذَا القَوْل يُوَافق هَؤُلَاءِ لَكِن فِي صِحَة الْحِكَايَة بِهَذَا اللَّفْظ عَن رُوَيْم نظر فَإِن رويما من أهل الْعلم والمعرفة وَمَا ذكره من الْحجَّة لَا يدل على هَذَا الْجَواب فَلَيْسَ فِي قَوْله إِلَّا ليعبدون مَا يدل على أَن الْمعرفَة أول الْوَاجِبَات سَوَاء فسر يعْبدُونَ بيعرفون أَو فسر بِغَيْر ذَلِك فَإِن خلقهمْ لشئ لَا يدل على أَنه أول وَاجِب إِن لم يبين ذَلِك بشئ آخر
وَأما التَّفْسِير الْمَذْكُور عَن ابْن عَبَّاس فَالَّذِينَ ذَكرُوهُ عَنهُ جعلُوا هَذِه الْمعرفَة هِيَ الْمعرفَة الفطرية الَّتِي يقربهَا الْمُؤمن وَالْكَافِر ومقصودهم بذلك أَن جَمِيع الْإِنْس وَالْجِنّ قد وجد مِنْهُم مَا خلقوه لَهُ من الْعِبَادَة الَّتِي هِيَ مُجَرّد الْإِقْرَار الفطري وَجعلُوا ذَلِك فِرَارًا من احتجاج الْقَدَرِيَّة بِهَذِهِ الْآيَة
وَلَا ريب أَن هَذَا ضَعِيف لَيْسَ المُرَاد أَن الله خلقهمْ لمُجَرّد الْإِقْرَار الفطري وَقد تكلمنا على الْآيَة فِي غير هَذَا الْموضع
وَلَعَلَّ السَّائِل سَأَلَهُ عَن أعظم وَاجِب فَقَالَ الْمعرفَة لقَوْله إِلَّا ليعبدون أَي يعْرفُونَ واعتقد رُوَيْم أَن هَذِه الْمعرفَة هِيَ الْمعرفَة الَّتِي يُشِير
стр. 142
إِلَيْهَا مَشَايِخ الطَّرِيق وَهِي معرفَة الْخَواص فَيكون جَوَابه عَن أعظم وَاجِب لَا عَن أول وَاجِب فَهَذَا كَمَا ترى
ثمَّ ذكر أَبُو الْقَاسِم بِغَيْر إِسْنَاد عَن الْجُنَيْد أَنه قَالَ إِن أول مَا يحْتَاج إِلَيْهِ العَبْد من عقد الْحِكْمَة معرفَة الْمَصْنُوع صانعه والمحدث كَيفَ كَانَ إحداثه فَيعرف صفة الْخَالِق من الْمَخْلُوق وَالْقَدِيم من الْمُحدث ويذل لدعوته ويتعرف بِوُجُوب طَاعَته فَإِن لم يعرف مَا لله لم يعْتَرف بِالْملكِ لمن استوجبه
وَهَذَا كَلَام حسن يُنَاسب كَلَام الْجُنَيْد وَقد ضمن هَذَا الْكَلَام التَّمْيِيز بَين الْمَخْلُوق والخالق لِئَلَّا يَقع السالك فِي الِاتِّحَاد والحلول كَمَا وَقع فِيهِ طوائف وَذكر أصيلين التَّصْدِيق والانقياد لِأَن الايمان قَول وَعمل فَذكر معرفَة الصَّانِع وَذكر الذل لدعوته وَالِاعْتِرَاف بِوُجُوب طَاعَته
وَهَذَا من أصُول اهل السّنة وأئمة الْمَشَايِخ خُصُوصا مَشَايِخ الصُّوفِيَّة فَإِن أصل طريقهم الْإِرَادَة الَّتِي هِيَ أساس الْعَمَل فهم فِي الإرادات والعبادات والأعمال والأخلاق أعظم رسوخا مِنْهُم فِي المقالات والعلوم وهم بذلك أعظم اهتماما وَأكْثر عناية بل من لم يدْخل فِي ذَلِك لم يكن من أهل الطَّرِيق بِحَال
стр. 143
وَهَذَا حق فَإِن الدّين وَالْإِيمَان قَول وَعمل وأوله قَول الْقلب وَعَمله فَمن لم ينْقد بِقَلْبِه وَلم يذل لله لم يكن مُؤمنا وَلَا دَاخِلا فِي طَرِيق الله وَلِهَذَا لم يتنازع الْمَشَايِخ أَن الْإِيمَان يزِيد وَينْقص وَأَن النَّاس يتفاضلون فِيهِ وَأَن أَعمال الْقُلُوب من الْإِيمَان كَمَا يتنازع غَيرهم
وَذكر أَبُو الْقَاسِم بعد هَذَا كلَاما عَن الْمَشَايِخ فِي جمل مستحسنة قَالَ أَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْحُسَيْن سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الله يَقُول سَمِعت أَبَا الطّيب المراغى يَقُول لِلْعَقْلِ دلَالَة وللحكمة إِشَارَة وللمعرفة شَهَادَة فالعقل يدل وَالْحكمَة تُشِير والمعرفة تشهد أَن صفاء الْعِبَادَات لَا ينَال إِلَّا بصفاء التَّوْحِيد
وَقَالَ وَسُئِلَ الْجُنَيْد وَلم يسْندهُ عَن التَّوْحِيد فَقَالَ إِفْرَاد الموحد بتحقيق وحدانيته بِكَمَال أحديته أَنه الْوَاحِد الَّذِي لم يلد وَلم يُولد بنفى الأضداد والأنداد والأشباه فَلَا تَشْبِيه وَلَا تكييف وَلَا تَصْوِير وَلَا تَمْثِيل لَيْسَ كمثله شئ وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير [سُورَة الشورى ١١]
وَقَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن يحيى الصُّوفِي
стр. 144
حَدثنَا عبد الله بن عَليّ التَّمِيمِي الصُّوفِي يحْكى عَن الْحُسَيْن بن عَليّ الدَّامغَانِي قَالَ سُئِلَ ابو بكر الزَّاهِد عَن الْمعرفَة فَقَالَ الْمعرفَة اسْم وَمَعْنَاهَا وجود تَعْظِيم فِي الْقلب يمنعك عَن التعطيل والتشبيه وَقَالَ أَبُو الْحسن البوشنجي ﵀ التَّوْحِيد أَن يعلم أَنه غير مشبه للذوات وَلَا منفى الصِّفَات
وَهَذَانِ قَولَانِ حسنان وَلَا يتنازع فى هَذِه الْجُمْلَة أهل السّنة وَالْجَمَاعَة
قَالَ أَبُو الْقَاسِم القشيرى سَمِعت أَبَا حَاتِم السجستانى يَقُول سَمِعت أَبَا نصر الطوسى السراج يَحْكِي عَن يُوسُف بن الْحُسَيْن قَالَ قَامَ رجل بَين يَدي ذى النُّون فَقَالَ أَخْبرنِي عَن التَّوْحِيد مَا هُوَ فَقَالَ
стр. 145
أَن تعلم أَن قدرَة الله فى الْأَشْيَاء بِلَا مزاج وصنعه للأشياء بِلَا علاج وَعلة كل شئ صنعه وَلَا عِلّة لصنعه وَلَيْسَ فِي السَّمَوَات الْعلَا وَلَا فى الْأَرْضين السُّفْلى مُدبر غير الله وكل مَا تصور فى وهمك فَالله بِخِلَافِهِ
هَذَا الْكَلَام غالبه فِي ذكر فعل الْحق سُبْحَانَهُ وربوبيته أخبر أَنه رب كل شئ لَا مُدبر غَيره ردا على الْقَدَرِيَّة وَنَحْوهم مِمَّن يَجْعَل بعض الْأَشْيَاء خَارِجَة عَن قدرَة الله وتدبيره وَأخْبر أَن قدرته وصنعه لَيْسَ مثل قدرَة الْعباد وصنعهم فَإِن قدرَة أبدانهم عَن امتزاج الأخلاط وأفعالهم عَن معالجة وَالله تَعَالَى لَيْسَ كَذَلِك
وَأما قَوْله عِلّة كل شئ صنعه وَلَا عِلّة لصنعه فقد تقدم أَن هَذَا يُرِيد بِهِ أهل الْحق مَعْنَاهُ الصَّحِيح أَن الله سُبْحَانَهُ لَا يَبْعَثهُ ويدعوه إِلَى الْفِعْل شئ خَارج عَنهُ كَمَا يكون مثل ذَلِك للمخلوقين فَلَيْسَ لَهُ عِلّة غَيره بل فعله عِلّة كل شئ مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن
ومقصود أَبى الْقَاسِم يبين أَن الْقَوْم لم يَكُونُوا على رأى الْقَدَرِيَّة من الْمُعْتَزلَة وَهَذَا حق فَمَا نعلم فى الْمَشَايِخ المقبولين فى الْأمة من كَانَ على رأى الْمُعْتَزلَة لَا فِي قَوْلهم فِي الصِّفَات بقول جهم وَلَا فِي قَوْلهم فِي الْأَفْعَال بقول الْقَدَرِيَّة بل هم أعظم النَّاس إِثْبَاتًا للقدر وشهودا لَهُ
следующие страницы →