← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6829

جلاء الأفهام - ت الأرنؤوط

ابن القيم

Полный текст (451 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

من أوضاع النَّاس وعوائدهم وَكفى بِهَذِهِ الْآدَاب شرفاً وفخراً فصلى الله على نَبينَا وعَلى إِبْرَاهِيم وعَلى آلهما وعَلى سَائِر النَّبِيين وَقد شهد الله سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ وفى مَا أَمر بِهِ فَقَالَ تَعَالَى ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ النَّجْم ٣٦ ٣٧ قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ وفى جَمِيع شرائع الْإِسْلَام ووفى مَا أَمر بِهِ من تَبْلِيغ الرسَالَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ الْبَقَرَة ١٢٤ فَلَمَّا أتم مَا أَمر بِهِ من الْكَلِمَات جعله الله إِمَامًا لِلْخَلَائِقِ يأتمون بِهِ وَكَانَ ﷺ كَمَا قيل قلبه للرحمن وَولده للقربان وبدنه للنيران وَمَاله للضيفان وَلما اتَّخذهُ ربه خَلِيلًا والخلة هِيَ كَمَال الْمحبَّة وَهِي مرتبَة لَا تقبل الْمُشَاركَة والمزاحمة وَكَانَ قد سَأَلَ ربه أَن يهب لَهُ ولدا صَالحا فوهب لَهُ إِسْمَاعِيل فَأخذ هَذَا الْوَلَد شُعْبَة من قلبه فغار الْخَلِيل على قلب خَلِيله أَن يكون فِيهِ مَكَان لغيره فامتحنه بذَبْحه ليظْهر سر الْخلَّة فِي تَقْدِيمه محبَّة خَلِيله على محبَّة وَلَده فَلَمَّا استسلم لأمر ربه وعزم على فعله وَظهر سُلْطَان الْخلَّة فِي الْإِقْدَام على ذبح الْوَلَد إيثاراً لمحبة خَلِيله على محبته نسخ الله ذَلِك عَنهُ وفداه بِالذبْحِ الْعَظِيم لِأَن الْمصلحَة فِي الذّبْح كَانَت ناشئة من الْعَزْم وتوطين النَّفس على مَا أَمر بِهِ فَلَمَّا حصلت هَذِه الْمصلحَة عَاد

стр. 247

الذّبْح مفْسدَة فنسخ فِي حَقه فَصَارَت الذَّبَائِح والقرابين من الْهَدَايَا والضحايا سنة فِي أَتْبَاعه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَهُوَ الَّذِي فتح للْأمة بَاب مناظرة الْمُشْركين وَأهل الْبَاطِل وَكسر حججهم وَقد ذكر الله سُبْحَانَهُ مناظراته فِي الْقُرْآن مَعَ إِمَام المعطلين ومناظرته مَعَ قومه الْمُشْركين وَكسر حجج الطَّائِفَتَيْنِ بِأَحْسَن مناظرة وأقربها إِلَى الْفَهم وَحُصُول الْعلم قَالَ تَعَالَى ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نشَاء﴾ الْأَنْعَام ٨٣ قَالَ زيد بن أسلم وَغَيره بِالْحجَّةِ وَالْعلم وَلما غلب أَعدَاء الله مَعَه بِالْحجَّةِ وَظَهَرت حجَّته عَلَيْهِم وَكسر أصنامهم فَكسر حججهم ومعبودهم هموا بعقوبته وإلقائه فِي النَّار وَهَذَا شَأْن المبطلين إِذا غلبوا وَقَامَت عَلَيْهِم الْحجَّة همو بالعقوبة كَمَا قَالَ فِرْعَوْن لمُوسَى ﵇ وَقد أَقَامَ عَلَيْهِ الْحجَّة ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ الشُّعَرَاء ٢٩ فأضرموا لَهُ النَّار وألقوه فِي المنجنيق فَكَانَت تِلْكَ السفرة من أعظم سفرة سافرها وأبركها عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مَا سَافر سفرة أبرك وَلَا أعظم وَلَا أرفع لشأنه وَأقر لعَينه مِنْهَا وَفِي تِلْكَ السفرة عرض لَهُ جِبْرِيل بَين السَّمَاء وَالْأَرْض فَقَالَ يَا إِبْرَاهِيم أَلَك حَاجَة قَالَ أما إِلَيْك فَلَا قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ آل عمرَان ١٧٢ قَالَهَا نَبِيكُم وَقَالَهَا

стр. 248

إِبْرَاهِيم حِين ألقِي فِي النَّار فَجعل الله سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ النَّار بردا وَسلَامًا وَقد ثَبت فِي صَحِيح البُخَارِيّ من حَدِيث أم شريك أَن النَّبِي ﷺ أَمر بقتل الوزغ وَقَالَ كَانَت تنفح على إِبْرَاهِيم وَهُوَ الَّذِي بنى بَيت الله وَأذن فِي النَّاس بحجه فَكل من حجه واعتمره حصل لإِبْرَاهِيم من مزِيد ثَوَاب الله وكرامته بِعَدَد الْحجَّاج والمعتمرين قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى﴾ الْبَقَرَة ١٢٥ فَأمر نبيه ﷺ وَأمته أَن يتخذوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى تَحْقِيقا للاقتداء بِهِ وإحياء آثاره ﷺ على نَبينَا عَلَيْهِ وَسلم ومناقب هَذَا الإِمَام الْأَعْظَم وَالنَّبِيّ الاكرام أجل من أَن يُحِيط بهَا كتاب وَإِن مد الله فِي الْعُمر أفردنا كتابا فِي ذَلِك يكون قَطْرَة فِي بَحر فضائله أَو أقل جعلنَا الله مِمَّن ائتم بِهِ وَلَا جعلنَا مِمَّن عدل عَن مِلَّته بمنه وَكَرمه وَقد روى لنا عَنهُ النَّبِي ﷺ حَدِيثا وَقع لنا مُتَّصِل الرِّوَايَة إِلَيْهِ

стр. 249

روينَاهُ فِي كتاب التِّرْمِذِيّ وَغَيره من حَدِيث الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لقِيت إِبْرَاهِيم لَيْلَة أسرِي بِي فَقَالَ يَا مُحَمَّد اقرئ امتك مني السَّلَام وَأخْبرهمْ أَن الْجنَّة طيبَة التربة عذبة المَاء وَأَنَّهَا قيعان وَأَن غراسها سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر قَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث حسن

стр. 250

الْفَصْل السَّادِس فِي ذكر الْمَسْأَلَة الْمَشْهُورَة بَين النَّاس وَبَيَان مَا فِيهَا وَهِي أَن النَّبِي ﷺ أفضل من إِبْرَاهِيم فَكيف طلب لَهُ من الصَّلَاة مَا لإِبْرَاهِيم مَعَ أَن الْمُشبه بِهِ أَصله أَن يكون فَوق الْمُشبه فَكيف الْجمع بَين هذَيْن الْأَمريْنِ المتنافيين وَنحن نذْكر مَا قَالَه النَّاس فِي هَذَا وَمَا فِيهِ من صَحِيح وفاسد فَقَالَت طَائِفَة هَذِه الصَّلَاة علمهَا النَّبِي ﷺ أمته قبل أَن يعرف أَنه سيد ولد آدم وَلَو سكت قَائِل هَذَا لَكَانَ أولى بِهِ وَخيرا لَهُ فَإِن هَذِه هِيَ الصَّلَاة الَّتِي علمهمْ النَّبِي ﷺ إِيَّاهَا لما سَأَلُوهُ عَن تَفْسِير ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَته يصلونَ على النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذين آمنُوا صلوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ الْأَحْزَاب ٥٦ فعلمهم هَذِه الصَّلَاة وَجعلهَا مَشْرُوعَة فِي صلوَات الْأمة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَالنَّبِيّ ﷺ لم يزل أفضل ولد آدم قبل أَن يعلم بذلك وَبعده وَبعد أَن علم بذلك لم يُغير نظم الصَّلَاة الَّتِي علمهَا أمته وَلَا أبدلها بغَيْرهَا وَلَا روى عَنهُ أحد خلَافهَا فَهَذَا من أفسد جَوَاب يكون وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى هَذَا السُّؤَال والطلب شرع ليتخذه الله خَلِيلًا كَمَا اتخذ إِبْرَاهِيم خَلِيلًا

стр. 251

وَقد اجابه الله إِلَى ذَلِك كَمَا ثَبت عَنهُ فِي الصَّحِيح أَلا وَإِن صَاحبكُم خَلِيل الرَّحْمَن يَعْنِي نَفسه وَهَذَا الْجَواب من جنس مَا قبله فَإِن مضمونه أَنه بعد أَن اتَّخذهُ الله خَلِيلًا لَا تشرع الصَّلَاة عَلَيْهِ على هَذَا الْوَجْه وَهَذَا من أبطل الْبَاطِل وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى إِنَّمَا هَذَا التَّشْبِيه رَاجع إِلَى الْمُصَلِّي فِيمَا يحصل لَهُ من ثَوَاب الصَّلَاة عَلَيْهِ فَطلب من ربه ثَوابًا وَهُوَ أَن يُصَلِّي عَلَيْهِ كَمَا صلى على آل إِبْرَاهِيم لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّبِي ﷺ فَإِن الْمَطْلُوب لرَسُول الله ﷺ من الصَّلَاة أجل وَأعظم مِمَّا هُوَ حَاصِل لغيره من الْعَالمين وَهَذَا من جنس مَا قبله وافسد فَإِن التَّشْبِيه لَيْسَ فِيمَا يحصل للْمُصَلِّي بل فِيمَا يحصل للمصلى عَلَيْهِ وَهُوَ النَّبِي ﷺ فَمن قَالَ إِن الْمَعْنى اللَّهُمَّ أَعْطِنِي من ثَوَاب صَلَاتي عَلَيْهِ كَمَا صليت على آل إِبْرَاهِيم فقد حرف الْكَلم وأبطل فِي كَلَامه وَلَوْلَا أَن هَذِه الْوُجُوه وأمثالها قد ذكرهَا بعض الشَّرْح وسودوا بهَا الطروس وأوهموا النَّاس أَن فِيهَا تَحْقِيقا لَكَانَ الإضراب عَنْهَا صفحاً أولى من ذكرهَا فَإِن الْعَالم يستحي من التَّكَلُّم على هَذَا والاشتغال برده وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى التَّشْبِيه عَائِد إِلَى الْآل فَقَط وَتمّ الْكَلَام عِنْد قَوْله اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد ثمَّ قَالَ وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا

стр. 252

صليت على آل إِبْرَاهِيم فَالصَّلَاة الْمَطْلُوبَة لآل مُحَمَّد هِيَ المشبهة بِالصَّلَاةِ الْحَاصِلَة لآل إِبْرَاهِيم وَهَذَا نَقله العمراني عَن الشَّافِعِي ﵀ وَهُوَ بَاطِل عَلَيْهِ قطعا فَإِن الشَّافِعِي أجل من أَن يَقُول مثل هَذَا وَلَا يَلِيق هَذَا بِعِلْمِهِ وفصاحته فَإِن هَذَا فِي غَايَة الركاكة والضعف وَقد تقدم فِي كثير من أَحَادِيث الْبَاب اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد كَمَا صليت على آل إِبْرَاهِيم وَقد تقدّمت الْأَحَادِيث بذلك وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا يَصح من جِهَة الْعَرَبيَّة فَإِن الْعَامِل إِذا ذكر معموله وَعطف عَلَيْهِ غَيره ثمَّ قيد بظرف أَو جَار ومجرور أَو مصدر أَو صفة مصدر كَانَ ذَلِك رَاجعا إِلَى الْمَعْمُول وَمَا عطف عَلَيْهِ هَذَا الَّذِي لَا تحْتَمل الْعَرَبيَّة غَيره فَإِذا قلت جَاءَنِي زيد وَعَمْرو يَوْم الْجُمُعَة كَانَ الظّرْف مُقَيّدا لمجيئهما لَا لمجيء عَمْرو وَحده وَكَذَلِكَ إِذا قلت ضربت زيدا وعمراً ضربا مؤلماً أَو أَمَام الْأَمِير أَو سلم عَليّ زيد وَعَمْرو يَوْم الْجُمُعَة وَنَحْوه فَإِن قلت هَذَا مُتَوَجّه إِذا لم يعد الْعَامِل فَأَما إِذا أُعِيد الْعَامِل حسن ذَلِك تَقول سلم على زيد وعَلى عَمْرو إِذا لَقيته لم يمْتَنع أَن يخْتَص ذَلِك بِعَمْرو وَهنا قد أُعِيد الْعَامِل فِي قَوْله وعَلى آل مُحَمَّد قيل هَذَا الْمِثَال لَيْسَ بمطابق لمسألة الصَّلَاة وَإِنَّمَا المطابق أَن تَقول سلم على زيد وعَلى عَمْرو كَمَا تسلم على الْمُؤمنِينَ وَنَحْو ذَلِك وَحِينَئِذٍ فادعاء أَن التَّشْبِيه لسلامه على عَمْرو وَحده دون زيد دَعْوَى بَاطِلَة

стр. 253

وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى لَا يلْزم أَن يكون الْمُشبه بِهِ أَعلَى من الْمُشبه بل يجوز أَن يَكُونَا متماثلين وَأَن يكون الْمُشبه أَعلَى من الْمُشبه بِهِ قَالَ هَؤُلَاءِ وَالنَّبِيّ ﷺ أفضل من إِبْرَاهِيم ﵊ من وُجُوه غير الصَّلَاة وَإِن كَانَا متساويين فِي الصَّلَاة قَالُوا وَالدَّلِيل على أَن الْمُشبه قد يكون أفضل من الْمُشبه بِهِ قَول الشَّاعِر (بنونا بَنو أَبْنَائِنَا وبناتنا ... بنوهن أَبنَاء الرِّجَال الأباعد) وَهَذَا القَوْل أَيْضا ضَعِيف من وُجُوه أَحدهَا أَن هَذَا خلاف الْمَعْلُوم من قَاعِدَة تَشْبِيه الشَّيْء بالشَّيْء فَإِن الْعَرَب لَا تشبه الشَّيْء إِلَّا بِمَا هُوَ فَوْقه الثَّانِي أَن الصَّلَاة من الله تَعَالَى من أجل الْمَرَاتِب وأعلاها وَمُحَمّد ﷺ أفضل الْخلق فَلَا بُد أَن تكون الصَّلَاة الْحَاصِلَة لَهُ أفضل من كل صَلَاة تحصل لكل مَخْلُوق فَلَا يكون غَيره مُسَاوِيا لَهُ فِيهَا الثَّالِث أَن الله سُبْحَانَهُ أَمر فِيهَا بعد أَن أخبر أَنه وَمَلَائِكَته يصلونَ عَلَيْهِ وَأمر بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَام عَلَيْهِ وأكده بِالتَّسْلِيمِ وَهَذَا الْخَبَر وَالْأَمر لم يثبتهما فِي الْقُرْآن لغيره من المخلوقين الرَّابِع أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على معلم النَّاس الْخَيْر وَهَذَا لِأَن بتعليمهم الْخَيْر قد أنقذوهم من شَرّ

стр. 254

الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وتسببوا بذلك إِلَى فلاحهم وسعادتهم وَذَلِكَ سَبَب دُخُولهمْ فِي جملَة الْمُؤمنِينَ الَّذين يُصَلِّي عَلَيْهِم الله وَمَلَائِكَته فَلَمَّا تسبب معلمو الْخَيْر إِلَى صَلَاة الله وَمَلَائِكَته على من يعلم مِنْهُم صلى الله عَلَيْهِم وَمَلَائِكَته وَمن الْمَعْلُوم أَنه لَا أحد من معلمي الْخَيْر أفضل وَلَا أَكثر تَعْلِيما من النَّبِي ﷺ وَلَا أنصح لأمته وَلَا أَصْبِر على تَعْلِيمه مِنْهُ وَلِهَذَا نَالَ أمته من تَعْلِيمه لَهُم مَا لم تنله أمة من الْأُمَم سواهُم وَحصل للْأمة من تعليمهم من الْعُلُوم النافعة والأعمال الصَّالِحَة مَا صَارَت بِهِ خير امة اخرجت للْعَالمين فَكيف تكون الصَّلَاة على هَذَا الرَّسُول الْمعلم للخير مُسَاوِيَة للصَّلَاة على من لم يماثله فِي هَذَا التَّعْلِيم وَأما استشهادهم بقول الشَّاعِر على جَوَاز كَون الْمُشبه بِهِ أفضل من الْمُشبه فَلَا يدل على ذَلِك لَان قَوْله بنونا بَنو أَبْنَائِنَا إِمَّا إِن يكون الْمُبْتَدَأ فِيهِ مُؤَخرا وَالْخَبَر مقدما وَيكون قد شبه بني أبنائه ببنيه وَجَاز تَقْدِيم الْخَبَر هُنَا لظُهُور الْمَعْنى وَعدم وُقُوع اللّبْس وعَلى هَذَا فَهُوَ جَار على أصل التَّشْبِيه وَإِمَّا أَن يكون من بَاب عكس التَّشْبِيه كَمَا يشبه الْقَمَر بِالْوَجْهِ الْكَامِل فِي حسنه وَيُشبه الْأسد بالكامل فِي شجاعته وَالْبَحْر بالكامل فِي جوده تَنْزِيلا لهَذَا الرجل منزلَة الْفَرْع الْمُشبه وَهَذَا يجوز إِذا تضمن عكس التَّشْبِيه مثل هَذَا الْمَعْنى وعَلى هَذَا فَيكون هَذَا الشَّاعِر قد نزل بني ابنائه منزلَة بنيه وَأَنَّهُمْ فَوْقهم عِنْده ثمَّ شبه بنيه بهم وَهَذَا قَول طَائِفَة من أهل الْمعَانِي

стр. 255

وَالَّذِي عِنْدِي فِيهِ أَن الشَّاعِر لم يرد ذَلِك وَإِنَّمَا أَرَادَ التَّفْرِيق بَين بني بنيه وَبني بَنَاته فَأخْبر أَن بني بَنَاته تبع لِآبَائِهِمْ لَيْسُوا بأبناء لنا وَإِنَّمَا أَبْنَاؤُنَا بَنو ابنائنا لَا بنوا بناتنا فَلم يرد تَشْبِيه بني بنيه ببنيه وَلَا عَكسه وَإِنَّمَا أَرَادَ مَا ذكرنَا من الْمَعْنى وَهَذَا ظَاهر وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى إِن النَّبِي ﷺ لَهُ من الصَّلَاة الْخَاصَّة بِهِ الَّتِي لَا يساويها صَلَاة مَا لم يشركهُ فِيهَا أحد والمسؤول لَهُ إِنَّمَا هُوَ صَلَاة زَائِدَة على مَا أعْطِيه مُضَافا إِلَيْهِ وَيكون ذَلِك الزَّائِد مشبهاً بِالصَّلَاةِ على إِبْرَاهِيم وَلَيْسَ بمستنكر أَن يسْأَل للفاضل فَضِيلَة أعطيها الْمَفْضُول مُنْضَمًّا إِلَى مَا اخْتصَّ بِهِ هُوَ من الْفضل الَّذِي لم يحصل لغيره قَالُوا وَمِثَال ذَلِك أَن يُعْطي السُّلْطَان رجلا مَالا عَظِيما وَيُعْطِي غَيره دون ذَلِك المَال فَيسْأَل السُّلْطَان أَن يُعْطي صَاحب المَال الْكثير مثل مَا أعْطى من هُوَ دونه لينضم ذَلِك إِلَى مَا أعْطِيه فَيحصل لَهُ من مَجْمُوع العطاءين أَكثر مِمَّا يحصل من الْكثير وَحده وَهَذَا أَيْضا ضَعِيف لِأَن الله تَعَالَى أخبر أَنه وَمَلَائِكَته يصلونَ عَلَيْهِ ثمَّ أَمر بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَلَا ريب أَن الْمَطْلُوب من الله هُوَ نَظِير الصَّلَاة الْمخبر بهَا لَا مَا هُوَ دونهَا وَهُوَ أكمل الصَّلَاة عَلَيْهِ وأرجحها لَا الصَّلَاة المرجوحة المفضولة وعَلى قَول هَؤُلَاءِ إِنَّمَا يكون الطّلب لصَلَاة مرجوحة لَا راجحة وَإِنَّمَا تصير راجحة بانضمامها إِلَى صَلَاة لم تطلب وَلَا ريب فِي فَسَاد ذَلِك فَإِن الصَّلَاة الَّتِي تطلبها الْأمة لَهُ من ربه هِيَ أجل صَلَاة وأفضلها

стр. 256

وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى التَّشْبِيه الْمَذْكُور إِنَّمَا هُوَ فِي أصل الصَّلَاة لَا فِي قدرهَا وَلَا فِي كيفيتها فالمسؤول إِنَّمَا هُوَ رَاجع إِلَى الْهَيْئَة لَا إِلَى قدر الْمَوْهُوب وَهَذَا كَمَا تَقول للرجل أحسن إِلَى ابْنك كَمَا أَحْسَنت إِلَى فلَان وَأَنت لَا تُرِيدُ بذلك قدر الْإِحْسَان وَإِنَّمَا تُرِيدُ بِهِ أصل الْإِحْسَان وَقد يحْتَج لذَلِك بقوله تَعَالَى ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أحسن الله إِلَيْك﴾ الْقَصَص ٧٧ وَلَا ريب أَنه لَا يقدر أحد أَن يحسن بِقدر مَا أحسن الله إِلَيْهِ وَإِنَّمَا أُرِيد بِهِ أصل الْإِحْسَان لَا قدره وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ النِّسَاء ١٦٣ وَهَذَا التَّشْبِيه فِي أصل الْوَحْي لَا فِي قدره وَفضل الموحى بِهِ وَقَوله تَعَالَى ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ﴾ الْأَنْبِيَاء ٥ إِنَّمَا مُرَادهم جنس الْآيَة لَا نظيرها وَقَوله تَعَالَى ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ليَستَخْلِفنهم فِي الأَرْض كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ النُّور ٥٥ وَمَعْلُوم أَن كَيْفيَّة الِاسْتِخْلَاف مُخْتَلفَة وَأَن مَا لهَذِهِ الْأمة أكمل مِمَّا لغَيرهم وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الْبَقَرَة ١٨٣ والتشبيه إِنَّمَا هُوَ فِي أصل الصَّوْم لَا فِي عينة وَقدره وكيفيته وَقَالَ تَعَالَى ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تعودُونَ﴾ الاعراف ٢٩ وَمَعْلُوم تفَاوت مَا بَين النشأة الأولى وَهِي المبدأ وَالثَّانيَِة وَهِي الْمعَاد

стр. 257

وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً﴾ المزمل ١٥ وَمَعْلُوم أَن التَّشْبِيه فِي أصل الارسال لَا يَقْتَضِي تماثل الرسولين وَقَالَ النَّبِي ﷺ لَو أَنكُمْ تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كَمَا يرْزق الطير تَغْدُو خماصاً وَتَروح بطاناً فالتشبيه هُنَا فِي أصل الرزق لَا فِي قدره وَلَا كيفيته ونظائر ذَلِك وَهَذَا الْجَواب ضَعِيف أَيْضا لوجوه مِنْهَا أَن مَا ذَكرُوهُ يجوز أَن يسْتَعْمل فِي الْأَعْلَى والأدنى والمساوي فَلَو قلت أحسن إِلَى أَبِيك وَأهْلك كَمَا أَحْسَنت إِلَى مركوبك وخادمك وَنَحْوه جَازَ ذَلِك وَمن الْمَعْلُوم أَنه لَو كَانَ التَّشْبِيه فِي أصل الصَّلَاة لحسن أَن تَقول اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا صليت على آل أبي أوفى أَو كَمَا صليت على أحاد الْمُؤمنِينَ وَنَحْوه أَو كَمَا صليت على آدم ونوح وَهود وَلُوط فَإِن التَّشْبِيه عِنْد هَؤُلَاءِ إِنَّمَا هُوَ وَاقع فِي أصل الصَّلَاة لَا فِي قدرهَا وَلَا صفتهَا وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين كل من صلى عَلَيْهِ وَأي ميزة وفضيلة فِي ذَلِك لإِبْرَاهِيم وَآله ﷺ وَمَا الْفَائِدَة حِينَئِذٍ فِي ذكره وَذكر آله وَكَانَ الْكَافِي فِي ذَلِك أَن تَقول اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد فَقَط

стр. 258

الثَّانِي أَن مَا ذَكرُوهُ من الْأَمْثِلَة لَيْسَ بنظير الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ فَإِن هَذِه الْأَمْثِلَة نَوْعَانِ خبر وَطلب فَمَا كَانَ مِنْهَا خَبرا فالمقصود بالتشبيه بِهِ الِاسْتِدْلَال والتقريب إِلَى الْفَهم وَتَقْرِير ذَلِك الْخَبَر وَأَنه مِمَّا لَا يَنْبَغِي لعاقل إِنْكَاره كنظير الْمُشبه بِهِ فَكيف تنكرون الْإِعَادَة وَقد وَقع الِاعْتِرَاف بالبداءة وَهِي نظيرها وَحكم النظير وَلِهَذَا يحْتَج سُبْحَانَهُ بالمبدأ على الْمعَاد كثيرا قَالَ تَعَالَى ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ الاعراف ٢٩ وَقَالَ تَعَالَى ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نعيده﴾ الْأَنْبِيَاء ١٠٤ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ يّس ٧٨ ٧٩ وَهَذَا كثير فِي الْقُرْآن وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً﴾ المزمل ١٥ أَي كَيفَ يَقع الْإِنْكَار مِنْكُم وَقد تقدم قبلكُمْ رسل مني مبشرين ومنذرين وَقد علمْتُم حَال من عصى رُسُلِي كَيفَ أخذتهم أخذا وبيلاً وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ والنبيين﴾ الاية النِّسَاء ١٦٣ أَي لست أول رَسُول طرق الْعَالم بل قد تقدّمت قبلك رسل أوحيت إِلَيْهِم كَمَا أوحيت إِلَيْك كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُل﴾ الاحقاف ٩ فَهَذَا رد وإنكار على من أنكر رِسَالَة النَّبِي ﷺ مَعَ مَجِيئه بِمثل مَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل قبله من الْآيَات بل أعظم مِنْهَا فَكيف تنكر رسَالَته وَلَيْسَت من الْأُمُور

стр. 259

الَّتِي تطرق الْعَالم بل لم تخل الأَرْض من الرُّسُل وآثارهم فرسولكم جَاءَ على منهاج من تقدمه من الرُّسُل فِي الرسَالَة لم يكن بدعا وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْض كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قبلهم﴾ النُّور ٥٥ إِخْبَار عَن عَادَته سُبْحَانَهُ فِي خلقَة وحكمته الَّتِي لَا تَبْدِيل لَهَا أَن من آمن وَعمل صَالحا مكن لَهُ فِي الأَرْض واستخلفه فِيهَا وَلم يهلكه وَيقطع دابره كَمَا أهلك من كذب رسله وَخَالفهُم وَقطع دابره فَأخْبرهُم سُبْحَانَهُ عَن حكمته ومعاملته لمن آمن برسله وَصدقهمْ وَأَنه يفعل بهم كَمَا فعل بِمن قبلهم من أَتبَاع الرُّسُل وَهَكَذَا قَول النَّبِي ﷺ لَو أَنكُمْ تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كَمَا يرْزق الطير إِخْبَار بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يرْزق المتوكلين عَلَيْهِ من حَيْثُ لَا يحتسبون وَأَنه لَا يخليهم من رزق قطّ كَمَا ترَوْنَ ذَلِك فِي الطير فَإِنَّهَا تَغْدُو من أوكارها خماصاً فيرزقها سُبْحَانَهُ حَتَّى ترجع بطاناً من رزقه وَأَنْتُم أكْرم على الله من الطير وَسَائِر الْحَيَوَانَات فَلَو توكلتم عَلَيْهِ لرزقكم من حَيْثُ لَا تحتسبون وَلم يمْنَع أحدا مِنْكُم رزقه هَذَا من قبيل الْإِخْبَار واما فِي قسم الطّلب وَالْأَمر فالمقصود مِنْهُ التَّنْبِيه على الْعلَّة وَأَن الْجَزَاء من جنس الْعَمَل فَإِذا قلت علم كَمَا علمك الله ﴿وَأحسن كَمَا أحسن الله إِلَيْك﴾ الْقَصَص ٧٧ واعف كَمَا عَفا الله عَنْك وَنَحْوه كَانَ فِي ذَلِك تنيبه للْمَأْمُور على شكر النِّعْمَة الَّتِي أنعم الله بهَا عَلَيْهِ وَأَنه حقيق أَن يقابلها بِمِثْلِهَا ويقيدها بشكرها فَإِن جَزَاء تِلْكَ النِّعْمَة من جِنْسهَا وَمَعْلُوم أَنه يمْتَنع خطاب الرب سُبْحَانَهُ بِشَيْء من ذَلِك

стр. 260

وَلَا يحسن فِي حَقه فَيصير ذكر التَّشْبِيه لَغوا لَا فَائِدَة فِيهِ وَهَذَا غير جَائِز الثَّالِث أَن قَوْله كَمَا صليت على آل إِبْرَاهِيم صفة لمصدر مَحْذُوف وَتَقْدِيره صَلَاة مثل صَلَاتك على آل إِبْرَاهِيم وَهَذَا الْكَلَام حَقِيقَته أَن تكون الصَّلَاة مماثلة للصَّلَاة المشبهة بهَا فَلَا يعدل عَن حَقِيقَة الْكَلَام وَوَجهه وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى أَن هَذَا التَّشْبِيه حَاصِل بِالنِّسْبَةِ إِلَى كل صَلَاة من صلوَات الْمُصَلِّين فَكل مصل صلي على النَّبِي ﷺ بِهَذِهِ الصَّلَاة فقد طلب من الله أَن يُصَلِّي على رَسُوله ﷺ صَلَاة مثل الصَّلَاة الْحَاصِلَة لآل إِبْرَاهِيم وَلَا ريب أَنه إِذا حصل لَهُ من كل مصل طلب من الله لَهُ صَلَاة مثل صلَاته على آل إِبْرَاهِيم حصل لَهُ من ذَلِك أَضْعَاف مضاعفة من الصَّلَاة لَا تعد وَلَا تحصى وَلم يُقَارِبه فِيهَا أحد فضلا عَن أَن يُسَاوِيه أَو يفضله ﷺ وَنَظِير هَذَا أَن يُعْطي ملك لرجل ألف دِرْهَم فيسأله كل وَاحِد من رَعيته أَن يعْطى لرجل آخر أفضل مِنْهُ نَظِير تِلْكَ الْألف فَكل وَاحِد قد سَأَلَهُ أَن يُعْطِيهِ ألفا فَيحصل لَهُ من الألوف بِعَدَد كل سَائل وَأورد أَصْحَاب هَذَا القَوْل على أنفسهم سؤالاً وَهُوَ أَن التَّشْبِيه حَاصِل بِالنِّسْبَةِ إِلَى أصل هَذِه الصَّلَاة الْمَطْلُوبَة وكل فَرد من أفرادها فالإشكال وَارِد كَمَا هُوَ وَتَقْرِيره أَن الْعَطِيَّة الَّتِي يعطاها الْفَاضِل لَا بُد أَن تكون أفضل

стр. 261

من الْعَطِيَّة الَّتِي يعطاها الْمَفْضُول فَإِذا سُئِلَ لَهُ عَطِيَّة دون مَا يسْتَحقّهُ لم يكن ذَلِك لائقاً بمنصبه وَأَجَابُوا عَنهُ بِأَن هَذَا الاشكال إِنَّمَا يرد إِذا لم يكن الْأَمر للتكرار فَأَما إِذا كَانَ الْأَمر للتكرار فالمطلوب من الْأمة أَن يسْأَلُوا الله لَهُ صَلَاة بعد صَلَاة كل مِنْهَا نَظِير مَا حصل لابراهيم ﵊ فَيحصل لَهُ من الصَّلَوَات مَا لَا يُحْصى مِقْدَاره بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّلَاة الْحَاصِلَة لإِبْرَاهِيم ﵇ وَهَذَا أَيْضا ضَعِيف فَإِن التَّشْبِيه هُنَا إِنَّمَا هُوَ وَاقع فِي صَلَاة الله عَلَيْهِ لَا فِي معنى صَلَاة الْمُصَلِّي وَمعنى هَذَا الدُّعَاء اللَّهُمَّ أعْطه نَظِير مَا أَعْطَيْت إِبْرَاهِيم فالمسؤول لَهُ صَلَاة مُسَاوِيَة للصَّلَاة على إِبْرَاهِيم وَكلما تكَرر هَذَا السُّؤَال كَانَ هَذَا مَعْنَاهُ فَيكون كل مصل قد سَأَلَ الله أَن يُصَلِّي عَلَيْهِ صَلَاة دون الَّتِي يَسْتَحِقهَا وَهَذَا السُّؤَال وَالْأَمر بِهِ متكرر فَهَل هَذَا إِلَّا تَقْوِيَة لجَانب الْإِشْكَال ثمَّ إِن التَّشْبِيه وَاقع فِي أصل الصَّلَاة وأفرادها وَلَا يُغني جوابكم عَنهُ بقضية التّكْرَار شَيْئا فَإِن التّكْرَار لَا يَجْعَل جَانب الْمُشبه بِهِ أقوى من جَانب الْمُشبه كَمَا هُوَ مُقْتَضى التَّشْبِيه فَلَو كَانَ التّكْرَار يَجعله كَذَلِك لَكَانَ الِاعْتِذَار بِهِ نَافِعًا بل التّكْرَار يقتضى زِيَادَة تَفْضِيل الْمُشبه وقوته فَكيف يشبه حِينَئِذٍ بِمَا هُوَ دونه فَظهر ضعف هَذَا الْجَواب وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى آل إِبْرَاهِيم فيهم الْأَنْبِيَاء الَّذين لَيْسَ فِي آل مُحَمَّد مثلهم فَإِذا طلب للنَّبِي ﷺ ولآله من الصَّلَاة مثل مَا لإِبْرَاهِيم وَآله وَفِيهِمْ الْأَنْبِيَاء حصل لآل النَّبِي ﷺ من ذَلِك مَا يَلِيق

стр. 262

بهم فَإِنَّهُم لَا يبلغون مَرَاتِب الْأَنْبِيَاء وَتبقى الزِّيَادَة الَّتِي للأنبياء وَفِيهِمْ إِبْرَاهِيم لمُحَمد ﷺ فَيحصل لَهُ بذلك من المزية مَا لم يحصل لغيره وَتَقْرِير ذَلِك أَن يَجْعَل الصَّلَاة الْحَاصِلَة لإِبْرَاهِيم ولآله وَفِيهِمْ الْأَنْبِيَاء جملَة مقسومة على مُحَمَّد ﷺ وَآله وَلَا ريب أَنه لَا يحصل لآل النَّبِي ﷺ مثل مَا حصل لآل إِبْرَاهِيم وَفِيهِمْ الْأَنْبِيَاء بل يحصل لَهُم مَا يَلِيق بهم فَيبقى قسم النَّبِي ﷺ وَالزِّيَادَة المتوفرة الَّتِي لم يَسْتَحِقهَا آله مُخْتَصَّة بِهِ ﷺ فَيصير الْحَاصِل لَهُ من مَجْمُوع ذَلِك أعظم وَأفضل من الْحَاصِل لإِبْرَاهِيم وَهَذَا احسن من كل مَا تقدمه وَأحسن مِنْهُ أَن يُقَال مُحَمَّد ﷺ هُوَ من آل إِبْرَاهِيم بل هُوَ خير آل إِبْرَاهِيم كَمَا روى عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ آل عمرَان ٣٣ قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ مُحَمَّد من آل إِبْرَاهِيم وَهَذَا نَص فَإِنَّهُ إِذا دخل غَيره من الْأَنْبِيَاء الَّذين هم من ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم فِي آله فدخول رَسُول الله ﷺ أولى فَيكون قَوْلنَا كَمَا صليت على آل إِبْرَاهِيم متناولاً للصَّلَاة عَلَيْهِ وعَلى سَائِر النَّبِيين من ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم ثمَّ قد أمرنَا الله أَن نصلي عَلَيْهِ وعَلى آله خُصُوصا بِقدر مَا صلينَا عَلَيْهِ مَعَ سَائِر آل إِبْرَاهِيم عُمُوما وَهُوَ فيهم وَيحصل لآله من ذَلِك مَا يَلِيق بهم وَيبقى الْبَاقِي كُله لَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 263

وَتَقْرِير هَذَا أَنه يكون قد صلى عَلَيْهِ خُصُوصا وَطلب لَهُ من الصَّلَاة مَا لآل إِبْرَاهِيم وَهُوَ دَاخل مَعَهم وَلَا ريب أَن الصَّلَاة الْحَاصِلَة لآل إِبْرَاهِيم وَرَسُول الله ﷺ مَعَهم أكمل من الصَّلَاة الْحَاصِلَة لَهُ دونهم فيطلب لَهُ من الصَّلَاة هَذَا الْأَمر الْعَظِيم الَّذِي هُوَ أفضل مِمَّا لإِبْرَاهِيم قطعا وَتظهر حِينَئِذٍ فَائِدَة التَّشْبِيه وجريه على أَصله وَأَن الْمَطْلُوب لَهُ من الصَّلَاة بِهَذَا اللَّفْظ أعظم من الْمَطْلُوب لَهُ بِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ إِذا كَانَ الْمَطْلُوب بِالدُّعَاءِ إِنَّمَا هُوَ مثل الْمُشبه بِهِ وَله أوفر نصيب مِنْهُ صَار لَهُ من الْمُشبه الْمَطْلُوب أَكثر مِمَّا لإِبْرَاهِيم وَغَيره وانضاف إِلَى ذَلِك مِمَّا لَهُ من الْمُشبه بِهِ من الْحصَّة الَّتِي لم تحصل لغيره فَظهر بِهَذَا من فَضله وشرفه على إِبْرَاهِيم وعَلى كل من آله وَفِيهِمْ النَّبِيُّونَ مَا هُوَ اللَّائِق بِهِ وَصَارَت هَذِه الصَّلَاة دَالَّة على هَذَا التَّفْضِيل وتابعة لَهُ وَهِي من موجباته ومقتضياته ف ﷺ وعَلى آله تَسْلِيمًا كثيرا وجزاه عَنَّا أفضل مَا جزى نَبيا عَن أمته اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا صليت على آل إِبْرَاهِيم إِنَّك حميد مجيد وَبَارك على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا باركت على آل إِبْرَاهِيم إِنَّك حميد مجيد

стр. 264

الْفَصْل السَّابِع فِي ذكر نُكْتَة حَسَنَة فِي هَذَا الحَدِيث الْمَطْلُوب فِيهِ الصَّلَاة عَلَيْهِ وعَلى آله كَمَا صلى على إِبْرَاهِيم وعَلى آله وَهِي أَن أَكثر الْأَحَادِيث الصِّحَاح والحسان بل كلهَا مصرحة بِذكر النَّبِي ﷺ وبذكر آله وَأما فِي حق الْمُشبه بِهِ وَهُوَ إِبْرَاهِيم وَآله فَإِنَّمَا جَاءَت بِذكر آل إِبْرَاهِيم فَقَط دون ذكر إِبْرَاهِيم أَو بِذكرِهِ فَقَط دون ذكر آله وَلم يَجِيء حَدِيث صَحِيح فِيهِ لفظ إِبْرَاهِيم وَآل إِبْرَاهِيم كَمَا تظاهرت على لفظ مُحَمَّد وَآل مُحَمَّد وَنحن نسوق الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي ذَلِك ثمَّ نذْكر مَا يسره الله تَعَالَى فِي سر ذَلِك فَنَقُول هَذَا الحَدِيث فِي الصَّحِيح من أَرْبَعَة أوجه أشهرها حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى قَالَ لَقِيَنِي

стр. 265

كَعْب بن عجْرَة فَقَالَ أَلا أهدي لَك هَدِيَّة خرج علينا رَسُول الله ﷺ فَقُلْنَا قد عرفنَا كَيفَ نسلم عَلَيْك فَكيف نصلي عَلَيْك قَالَ قُولُوا اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا صليت على آل إِبْرَاهِيم إِنَّك حميد مجيد اللَّهُمَّ بَارك وَفِي لفظ وَبَارك على مُحَمَّد كَمَا باركت على آل إِبْرَاهِيم إِنَّك حميد مجيد رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وابو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَأحمد بن حَنْبَل فِي = الْمسند = وَهَذَا لَفظهمْ إِلَّا التِّرْمِذِيّ فَإِنَّهُ قَالَ اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا صليت على إِبْرَاهِيم فَقَط وَكَذَا فِي ذكر الْبركَة وَلم يذكر الْآل وَهِي رِوَايَة لأبي دَاوُد وَفِي رِوَايَة كَمَا صليت على آل إِبْرَاهِيم بِذكر الْآل فَقَط كَمَا باركت على إِبْرَاهِيم بِذكرِهِ فَقَط وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أبي حميد السَّاعِدِيّ قَالُوا يَا رَسُول الله كَيفَ نصلي عَلَيْك قَالَ قُولُوا اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى أَزوَاجه وَذريته كَمَا صليت على آل إِبْرَاهِيم وَبَارك على مُحَمَّد وأزواجه وَذريته كَمَا باركت على آل إِبْرَاهِيم إِنَّك حميد مجيد هَذَا هُوَ اللَّفْظ الْمَشْهُور وَقد رُوِيَ فِيهِ كَمَا صليت على إِبْرَاهِيم وكما باركت على إِبْرَاهِيم بِدُونِ لفظ الْآل فِي الْمَوْضِعَيْنِ

стр. 266

وَفِي البُخَارِيّ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ قُلْنَا يَا رَسُول الله هَذَا السَّلَام عَلَيْك فَكيف الصَّلَاة عَلَيْك قَالَ قُولُوا اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد عَبدك وَرَسُولك كَمَا صليت على إِبْرَاهِيم وَبَارك على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا باركت على آل إِبْرَاهِيم وَفِي صَحِيح مُسلم عَن أبي مَسْعُود الْأنْصَارِيّ ﵁ قَالَ أَتَانَا رَسُول الله ﷺ وَنحن فِي مجْلِس سعد بن عبَادَة فَقَالَ لَهُ بشير بن سعد أمرنَا الله أَن نصلي عَلَيْك فَكيف نصلي عَلَيْك قَالَ فَسكت رَسُول ﷺ حَتَّى تمنينا أَنه لم يسْأَله ثمَّ قَالَ رَسُول الله ﷺ قُولُوا اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا صليت على آل إِبْرَاهِيم وَبَارك على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا باركت على آل إِبْرَاهِيم فِي الْعَالمين إِنَّك حميد مجيد وَالسَّلَام كَمَا قد علمْتُم وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث بِلَفْظ آخر كَمَا صليت على إِبْرَاهِيم وكما باركت على إِبْرَاهِيم لم يذكر الْآل فيهمَا وَفِي رِوَايَة أُخْرَى كَمَا صليت على إِبْرَاهِيم وكما باركت على آل إِبْرَاهِيم بِذكر إِبْرَاهِيم وَحده فِي الأولى والآل فَقَط فِي الثَّانِيَة

стр. 267

هَذِه هِيَ الْأَلْفَاظ الْمَشْهُورَة فِي هَذِه الاحاديث الْمَشْهُور فِي أَكْثَرهَا لفظ آل إِبْرَاهِيم فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَفِي بَعْضهَا لفظ إِبْرَاهِيم فيهمَا وَفِي بَعْضهَا لفظ إِبْرَاهِيم فِي الأول والآل فِي الثَّانِي وَفِي بَعْضهَا عَكسه وَأما الْجمع بَين إِبْرَاهِيم وَآل إِبْرَاهِيم فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث يحيى بن السباق عَن رجل من بني الْحَارِث عَن ابْن مَسْعُود ﵁ عَن النَّبِي ﷺ إِذا تشهد أحدكُم فِي الصَّلَاة فَلْيقل اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد وَبَارك على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد وَارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآل مُحَمَّد كَمَا صليت وباركت وترحمت على إِبْرَاهِيم وعَلى آل إِبْرَاهِيم إِنَّك حميد مجيد وَهَذَا إِسْنَاد ضَعِيف وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث ابْن إِسْحَاق حَدثنِي مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْحَارِث التَّيْمِيّ عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن يزِيد بن عبد ربه عَن أبي مَسْعُود الْأنْصَارِيّ ﵁ فَذكر الحَدِيث وَفِيه اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد النَّبِي الْأُمِّي وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا صليت على إِبْرَاهِيم وعَلى آل إِبْرَاهِيم وَبَارك على مُحَمَّد النَّبِي الْأُمِّي وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا باركت على إِبْرَاهِيم وعَلى آل إِبْرَاهِيم إِنَّك حميد مجيد ثمَّ قَالَ هَذَا إِسْنَاد حسن مُتَّصِل وَفِي النَّسَائِيّ من حَدِيث مُوسَى بن طَلْحَة عَن أَبِيه قَالَ قُلْنَا

стр. 268

يَا رَسُول الله كَيفَ الصَّلَاة عَلَيْك قَالَ قُولُوا اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا صليت على إِبْرَاهِيم وَآل إِبْرَاهِيم إِنَّك حميد مجيد وَبَارك على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا باركت على إِبْرَاهِيم وَآل إِبْرَاهِيم إِنَّك حميد مجيد وَلَكِن رَوَاهُ هَكَذَا وَرَوَاهُ مُقْتَصرا فِيهِ على ذكر إِبْرَاهِيم فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَقد روى ابْن ماجة حَدِيثا آخر مَوْقُوفا على ابْن مَسْعُود فِيهِ إِبْرَاهِيم وَآل إِبْرَاهِيم قَالَ فِي السّنَن حَدثنَا الْحُسَيْن بن بَيَان حَدثنَا زِيَاد بن عبد الله حَدثنَا المَسْعُودِيّ عَن عون بن عبد الله عَن أبي فَاخِتَة عَن الْأسود بن يزِيد عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ إِذا صليتم على رَسُول الله ﷺ فَأحْسنُوا الصَّلَاة عَلَيْهِ فَإِنَّكُم لَا تَدْرُونَ لَعَلَّ ذَلِك يعرض عَلَيْهِ قَالَ فَقَالُوا لَهُ فَعلمنَا قَالَ قُولُوا اللَّهُمَّ أجعَل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد الْمُسلمين وَإِمَام الْمُتَّقِينَ وَخَاتم النَّبِيين مُحَمَّد عَبدك وَرَسُولك إِمَام الْخَيْر وقائد الْخَيْر وَرَسُول الرَّحْمَة اللَّهُمَّ ابعثه مقَاما مَحْمُودًا يغبطه بِهِ الْأَولونَ وَالْآخرُونَ اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا صليت على إِبْرَاهِيم وَآل إِبْرَاهِيم إِنَّك حميد مجيد اللَّهُمَّ بَارك على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا باركت على إِبْرَاهِيم وعَلى آل إِبْرَاهِيم إِنَّك حميد مجيد وَهَذَا مَوْقُوف وَعَامة الْأَحَادِيث فِي الصِّحَاح وَالسّنَن كَمَا ذكرنَا أَولا

стр. 269

بالاقتصار على الْآل أَو إِبْرَاهِيم فِي الْمَوْضِعَيْنِ أَو الْآل فِي أَحدهمَا وَإِبْرَاهِيم فِي الآخر وَكَذَلِكَ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمُتَقَدّم فِي أول الْكتاب وَغَيره من الْأَحَادِيث فَحَيْثُ جَاءَ ذكر إِبْرَاهِيم وَحده فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَلِأَنَّهُ الأَصْل فِي الصَّلَاة الْمخبر بهَا وَآله تبع لَهُ فِيهَا فَدلَّ ذكر الْمَتْبُوع على التَّابِع واندرج فِيهِ وأغنى عَن ذكره وَحَيْثُ جَاءَ ذكر آله فَقَط فَلِأَنَّهُ دَاخل فِي آله كَمَا تقدم تَقْرِيره فَيكون ذكر آل إِبْرَاهِيم مغنياً عَن ذكره وَذكر آله بلفظين وَحَيْثُ جَاءَ فِي أَحدهمَا ذكره فَقَط وَفِي الآخر ذكر آله فَقَط كَانَ ذَلِك جمعا بَين الْأَمريْنِ فَيكون قد ذكر الْمَتْبُوع الَّذِي هُوَ الأَصْل وَذكر أَتْبَاعه بِلَفْظ يدْخل هُوَ فيهم يبْقى أَن يُقَال فَلم جَاءَ ذكر مُحَمَّد بالاقتران دون الِاقْتِصَار على أَحدهمَا فِي عَامَّة الْأَحَادِيث وَجَاء الِاقْتِصَار على إِبْرَاهِيم وَآله فِي عامتها وَجَوَاب ذَلِك أَن الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ وعَلى آله ذكرت فِي مقَام الطّلب وَالدُّعَاء وَأما الصَّلَاة على إِبْرَاهِيم فَإِنَّمَا جَاءَت فِي مقَام الْخَبَر وَذكر الْوَاقِع لِأَن قَوْله ﷺ اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد جملَة طلبية وَقَوله كَمَا صليت على آل إِبْرَاهِيم جملَة خبرية وَالْجُمْلَة الطلبية إِذا وَقعت موقع الدُّعَاء وَالسُّؤَال كَانَ بسطها وتطويلها أنسب من اختصارها وحذفها وَلِهَذَا يشرع تكرارها وإبداؤها وإعادتها فَإِنَّهَا دُعَاء وَالله يحب الملحين فِي الدُّعَاء وَلِهَذَا تَجِد كثيرا من أدعية النَّبِي ﷺ فِيهَا من بسط الْأَلْفَاظ وَذكر كل معنى بِصَرِيح لَفظه دون الِاكْتِفَاء بِدلَالَة

стр. 270

اللَّفْظ الآخر عَلَيْهِ مَا يشْهد لذَلِك كَقَوْلِه ﷺ فِي حَدِيث عَليّ ﵁ الَّذِي رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه اللَّهُمَّ أَغفر لي مَا قدمت وَمَا أخرت وَمَا أسررت وَمَا أعلنت وَمَا أسرفت وَمَا أَنْت أعلم بِهِ مني أَنْت الْمُقدم وَأَنت الْمُؤخر لَا إِلَه إِلَّا أَنْت وَمَعْلُوم أَنه لَو قيل اغْفِر لي كل مَا صنعت كَانَ أوجز وَلَكِن أَلْفَاظ الحَدِيث فِي مقَام الدُّعَاء والتضرع وَإِظْهَار الْعُبُودِيَّة والافتقار واستحضار الْأَنْوَاع الَّتِي يَتُوب العَبْد مِنْهَا تَفْصِيلًا أحسن وأبلغ من الإيجاز والاختصار وَكَذَلِكَ قَوْله فِي الحَدِيث الآخر اللَّهُمَّ أَغفر لي ذَنبي كُله دقه وجله سره وعلانيته اوله وَآخره وَفِي الحَدِيث اللَّهُمَّ أَغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي فِي أَمْرِي وَمَا أَنْت أعلم بِهِ مني اللَّهُمَّ اغْفِر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي وكل ذَلِك عِنْدِي وَهَذَا كثير فِي الْأَدْعِيَة المأثورة فَإِن الدُّعَاء عبودية لله تَعَالَى

стр. 271

وافتقار إِلَيْهِ وتذلل بَين يَدَيْهِ فَكلما كثره العَبْد وَطوله وَأَعَادَهُ وأبداه وَنَوع جمله كَانَ ذَلِك أبلغ فِي عبوديته وَإِظْهَار فقره وتذلله وَحَاجته وَكَانَ ذَلِك أقرب لَهُ من ربه وَأعظم لثوابه وَهَذَا بِخِلَاف الْمَخْلُوق فَإنَّك كلما كثرت سُؤَاله وكررت حوائجك إِلَيْهِ أبرمته وثقلت عَلَيْهِ وهنت عَلَيْهِ وَكلما تركت سُؤَاله كَانَ أعظم عِنْده وَأحب إِلَيْهِ وَالله كلما سَأَلته كنت أقرب إِلَيْهِ وَأحب إِلَيْهِ وَكلما ألححت عَلَيْهِ فِي الدُّعَاء أحبك وَمن لم يسْأَله يغْضب عَلَيْهِ (فَالله يغْضب إِن تركت سُؤَاله ... وَبني آدم حِين يسْأَل يغْضب) فالمطلوب يزِيد بِزِيَادَة الطّلب وَينْقص بنقصانه وَأما الْخَبَر فَهُوَ خبر عَن أَمر قد وَقع وانقضى لَا يحْتَمل الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فَلم يكن فِي زِيَادَة اللَّفْظ فِيهِ كَبِير فَائِدَة وَلَا سِيمَا لَيْسَ الْمقَام مقَام إِيضَاح وتفهيم للمخاطب ليحسن مَعَه الْبسط والإطناب فَكَانَ الإيجاز فِيهِ والاختصار أكمل وَأحسن فَلهَذَا جَاءَ فِيهِ بِلَفْظ إِبْرَاهِيم تَارَة وبلفظه آله أُخْرَى لِأَن كلا اللَّفْظَيْنِ يدل على مَا يدل عَلَيْهِ الآخر من الْوَجْه الَّذِي قدمْنَاهُ فَكَانَ المُرَاد باللفظين وَاحِدًا مَعَ الإيجاز والاختصار وَأما فِي الطّلب فَلَو قيل صل على مُحَمَّد لم يكن فِي هَذَا مَا يدل على الصَّلَاة على آله إِذْ هُوَ طلب وَدُعَاء ينشأ بِهَذَا اللَّفْظ لَيْسَ خَبرا عَن أَمر قد وَقع وَاسْتقر وَلَو قيل صل على آل مُحَمَّد لَكَانَ النَّبِي ﷺ إِنَّمَا يصلى عَلَيْهِ فِي الْعُمُوم فَقيل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد

стр. 272

فَإِنَّهُ يحصل لَهُ بذلك الصَّلَاة عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ وَالصَّلَاة عَلَيْهِ بِدُخُولِهِ فِي آله وَهنا للنَّاس طَرِيقَانِ فِي مثل هَذَا أَن يُقَال هُوَ دَاخل فِي آله مَعَ اقترانه بِذكرِهِ فَيكون قد ذكر مرَّتَيْنِ مرّة بِخُصُوص وَمرَّة فِي اللَّفْظ الْعَام وعَلى هَذَا فَيكون قد صلى عَلَيْهِ مرَّتَيْنِ خُصُوصا وعموماً وَهَذَا على أصل من يَقُول إِن الْعَام إِذا ذكر بعد الْخَاص كَانَ متناولاً لَهُ أَيْضا وَيكون الْخَاص قد ذكر مرَّتَيْنِ مرّة بِخُصُوصِهِ وَمرَّة بِدُخُولِهِ فِي اللَّفْظ الْعَام وَكَذَلِكَ فِي ذكر الْخَاص بعد الْعَام كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ الْبَقَرَة ٩٨ وَكَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ﴾ الْأَحْزَاب ٧ الطَّرِيقَة الثَّانِيَة أَن ذكره بِلَفْظ الْخَاص يدل على أَنه غير دَاخل فِي اللَّفْظ الْعَام فَيكون ذكره بِخُصُوصِهِ مغنياً عَن دُخُوله فِي اللَّفْظ الْعَام وعَلى هَذِه الطَّرِيقَة فَيكون فِي ذَلِك فَوَائِد مِنْهَا أَنه لما كَانَ من أشرف النَّوْع الْعَام أفرد بِلَفْظ دَال عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ كَأَنَّهُ باين النَّوْع وتميز عَنْهُم بِمَا أوجب أَن يتَمَيَّز بِلَفْظ يَخُصُّهُ فَيكون ذَلِك تَنْبِيها على اخْتِصَاصه ومزيته عَن النَّوْع الدَّاخِل فِي اللَّفْظ الْعَام الثَّانِيَة أَنه يكون فِيهِ تَنْبِيه على أَن الصَّلَاة عَلَيْهِ أصل

стр. 273

وَالصَّلَاة على آله تبع لَهُ إِنَّمَا نالوها بتبعيتهم لَهُ الثَّالِثَة أَن إِفْرَاده بِالذكر يرفع عَنهُ توهم التَّخْصِيص وَأَنه لَا يجوز أَن يكون مَخْصُوصًا من اللَّفْظ الْعَام بل هُوَ مُرَاد قطعا

стр. 274

الْفَصْل الثَّامِن فِي قَوْله اللَّهم بَارك على مُحَمَّد وعَلى آل محمّد وَذكر الْبركَة وحقيقتها الثُّبُوت واللزوم والاستقرار فَمِنْهُ برك الْبَعِير إِذا اسْتَقر على الأَرْض وَمِنْه المبرك لموْضِع البروك قَالَ صَاحب الصِّحَاح وكل شَيْء ثَبت وَأقَام فقد برك والبرك الْإِبِل الْكَثِيرَة وَالْبركَة بِكَسْر الْبَاء كالحوض وَالْجمع البرك ذكره الْجَوْهَرِي قَالَ وَيُقَال سميت بذلك لإِقَامَة المَاء فِيهَا والبراكاء الثَّبَات فِي الْحَرْب وَالْجد فِيهَا قَالَ الشَّاعِر (وَلَا يُنجي من الغمرات إِلَّا ... براكاء الْقِتَال أَو الْفِرَار) وَالْبركَة النَّمَاء وَالزِّيَادَة والتبريك الدُّعَاء بذلك وَيُقَال باركه الله وَبَارك فِيهِ وَبَارك عَلَيْهِ وَبَارك لَهُ وَفِي

стр. 275

الْقُرْآن ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ النَّمْل ٨ وَفِيه ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وعَلى إِسْحَاق﴾ الصافات ١١٣ وَفِيه ﴿بَارَكْنَا فِيهَا﴾ الاعراف ٣٧ وَفِي الحَدِيث وَبَارك لي فِيمَا أَعْطَيْت // إِسْنَاده صَحِيح // وَفِي حَدِيث سعد بَارك الله لَك فِي أهلك وَمَالك الْمُبَارك الَّذِي قد باركه الله سُبْحَانَهُ كَمَا قَالَ الْمَسِيح ﵇ ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ مَرْيَم ٣١ وَكتابه مبارك كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ﴾ الْأَنْبِيَاء ٥٠ وَقَالَ تَعَالَى ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مبارك﴾ ص ٢٩ وَهُوَ

стр. 276

أَحَق أَن يُسمى مُبَارَكًا من كل شَيْء لِكَثْرَة خَيره ومنافعه ووجوه الْبركَة فِيهِ والرب يُقَال فِي حَقه تبَارك وَلَا يُقَال مبارك ثمَّ قَالَت طَائِفَة مِنْهُم الْجَوْهَرِي إِن تبَارك بِمَعْنى بَارك مثل قَاتل وتقاتل قَالَ إِلَّا أَن فَاعل يتَعَدَّى وتفاعل لَا يتَعَدَّى وَهَذَا غلط عِنْد الْمُحَقِّقين وَإِنَّمَا تبَارك تفَاعل من الْبركَة وَهَذَا الثَّنَاء فِي حَقه تَعَالَى إِنَّمَا هُوَ لوصف رَجَعَ إِلَيْهِ كتعالى فَإِنَّهُ تفَاعل من الْعُلُوّ وَلِهَذَا يقرن بَين هذَيْن اللَّفْظَيْنِ فَيُقَال ﵎ وَفِي دُعَاء الْقُنُوت تَبَارَكت وَتَعَالَيْت وَهُوَ سُبْحَانَهُ أَحَق بذلك وَأولى من كل أحد فَإِن الْخَيْر كُله بيدَيْهِ وكل الْخَيْر مِنْهُ صِفَاته كلهَا صِفَات كَمَال وأفعاله كلهَا حِكْمَة وَرَحْمَة ومصلحة وخيرات لَا شرور فِيهَا كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ وَالشَّر لَيْسَ إِلَيْك وَإِنَّمَا يَقع الشَّرّ فِي مفعولاته ومخلوقاته لَا فِي فعله سُبْحَانَهُ فَإِذا كَانَ العَبْد وَغَيره مُبَارَكًا لِكَثْرَة خَيره ومنافعه واتصال أَسبَاب الْخَيْر فِيهِ وَحُصُول مَا ينْتَفع بِهِ النَّاس مِنْهُ فَالله ﵎ أَحَق أَن يكون متباركاً وَهَذَا ثَنَاء يشْعر بالعظمة والرفعة وَالسعَة كَمَا يُقَال تعاظم وَتَعَالَى وَنَحْوه فَهُوَ دَلِيل على عَظمته وَكَثْرَة خَيره ودوامه واجتماع صِفَات الْكَمَال فِيهِ وَأَن كل نفع فِي الْعَالم كَانَ وَيكون فَمن نَفعه سُبْحَانَهُ وإحسانه

стр. 277

وَيدل هَذَا الْفِعْل أَيْضا فِي حَقه على العظمة والجلال وعلو الشَّأْن وَلِهَذَا إِنَّمَا يذكرهُ غَالِبا مفتتحاً بِهِ جَلَاله وعظمته وكبرياءه قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ الاعراف ٥٤ وَقَالَ تَعَالَى ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ الْفرْقَان ١ وَقَالَ تَعَالَى ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً منيرا﴾ الْفرْقَان ٦١ و ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ الزخرف ٨٥ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ على كل شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ الْملك ١ وَقَالَ تَعَالَى عقب خلق الْإِنْسَان فِي أطواره السَّبْعَة ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ الْمُؤْمِنُونَ ١٤ فقد ذكر تبَارك سُبْحَانَهُ فِي الْمَوَاضِع الَّتِي أثنى فِيهَا على نَفسه بالجلال وَالْعَظَمَة وَالْأَفْعَال الدَّالَّة على ربوبيته وإلهيته وحكمته وَسَائِر صِفَات كَمَاله من إِنْزَال الْفرْقَان وَخلق الْعَالمين وَجعله البروج فِي السَّمَاء وَالشَّمْس وَالْقَمَر وانفراده بِالْملكِ وَكَمَال الْقُدْرَة وَلِهَذَا قَالَ أَبُو صَالح عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا

стр. 278

تبَارك بِمَعْنى تَعَالَى وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس تبَارك ارْتَفع وَالْمبَارك الْمُرْتَفع وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي تبَارك بِمَعْنى تقدس وَقَالَ الْحسن تبَارك تَجِيء الْبركَة من قبله وَقَالَ الضَّحَّاك تبَارك تعظم وَقَالَ الْخَلِيل بن أَحْمد تمجد وَقَالَ الْحُسَيْن بن الْفضل تبَارك فِي ذَاته وَبَارك من شَاءَ من خلقه وَهَذَا أحسن الْأَقْوَال فتباركه سُبْحَانَهُ وصف ذَات لَهُ وَصفَة فعل كَمَا قَالَ الْحُسَيْن بن الْفضل وَالَّذِي يدل على ذَلِك أَيْضا أَنه سُبْحَانَهُ يضيف التبارك إِلَى اسْمه كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجلَال وَالْإِكْرَام﴾ الرَّحْمَن ٧٨ وَفِي حَدِيث الاستفتاح تبَارك اسْمك وَتَعَالَى جدك فَدلَّ هَذَا على أَن تبَارك لَيْسَ بِمَعْنى بَارك كَمَا قَالَه الْجَوْهَرِي وَأَن تبريكه سُبْحَانَهُ جُزْء مُسَمّى اللَّفْظ لَا كَمَال مَعْنَاهُ وَقَالَ ابْن عَطِيَّة مَعْنَاهُ عظم وَكَثُرت بركاته وَلَا يُوصف بِهَذِهِ اللَّفْظَة إِلَّا الله وَلَا تتصرف هَذِه اللَّفْظَة فِي لُغَة الْعَرَب لَا يسْتَعْمل مِنْهَا مضارع وَلَا أَمر قَالَ وَعلة ذَلِك أَن تبَارك لما لم يُوصف بِهِ غير الله لم يقتض مُسْتَقْبلا إِذْ الله قد تبَارك فِي الْأَزَل قَالَ وَقد غلط أَبُو عَليّ القالي فَقيل

стр. 279

لَهُ كَيفَ الْمُسْتَقْبل من تبَارك فَقَالَ يتبارك فَوقف على أَن الْعَرَب لم تقله وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة تبَارك اسْمك تفَاعل من الْبركَة كَمَا يُقَال تَعَالَى اسْمك من الْعُلُوّ يُرَاد بِهِ أَن الْبركَة فِي اسْمك وَفِيمَا سمي عَلَيْهِ وَقَالَ وأنشدني بعض أَصْحَاب اللُّغَة بَيْتا حفظت عَجزه (إِلَى الْجذع النَّخْلَة المتبارك ... ) فَقَوله يُرَاد بِهِ أَن الْبركَة فِي اسْمك وَفِيمَا سمي عَلَيْهِ يدل على أَن ذَلِك صفة لمن تبَارك فَإِن بركَة الِاسْم تَابِعَة لبركة الْمُسَمّى وَلِهَذَا كَانَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ الْوَاقِعَة ٧٤ و ٩٦ والحاقة ٥٢ دَلِيلا على أَن الْأَمر بتسبيح الرب بطرِيق الأولى فَإِن تَنْزِيه الِاسْم من تَوَابِع تَنْزِيه الْمُسَمّى وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِيهِ مَعْنيانِ أَحدهمَا تزايد خَيره وتكاثر أَو تزايد عَن كل شَيْء وَتَعَالَى عَنهُ فِي صِفَاته وأفعاله قلت وَلَا تنَافِي بَين الْمَعْنيين كَمَا قَالَ الْحُسَيْن بن الْفضل وَغَيره وَقَالَ النَّضر بن شُمَيْل سَأَلت الْخَلِيل بن أَحْمد عَن تبَارك فَقَالَ تمجد وَيجمع الْمَعْنيين مجده فِي ذَاته وإفاضته الْبركَة على خلقه فَإِن هَذَا هُوَ حَقِيقَة الْمجد فَإِنَّهُ السعَة وَمِنْه مجد الشَّيْء إِذا اتَّسع واستمجد وَالْعرش الْمجِيد لسعته وَقَالَ بعض الْمُفَسّرين يُمكن أَن يُقَال هُوَ من البروك فَيكون تبَارك ثَبت ودام أزلاً وأبداً فَيلْزم أَن يكون وَاجِب الْوُجُود

стр. 280

لِأَن مَا كَانَ وجوده من غَيره لم يكن أزلياً وَهَذَا قد يُقَال إِنَّه جُزْء الْمَعْنى فتباركه سُبْحَانَهُ يجمع هَذَا كُله دوَام وجوده وَكَثْرَة خَيره ومجده وعلوه وعظمته وتقدسه ومجيء الْخيرَات كلهَا من عِنْده وتبريكه على من شَاءَ من خلقه وَهَذَا هُوَ الْمَعْهُود من أَلْفَاظ الْقُرْآن كلهَا أَنَّهَا تكون دَالَّة على جملَة معَان فيعبر هَذَا عَن بَعْضهَا وَهَذَا عَن بَعْضهَا وَاللَّفْظ يجمع ذَلِك كُله وَقد ذكرنَا ذَلِك فِي غير هَذَا الْموضع وَالْمَقْصُود الْكَلَام على قَوْله وَبَارك على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا باركت على آل إِبْرَاهِيم فَهَذَا الدُّعَاء يتَضَمَّن إعطاءه من الْخَيْر مَا أعطَاهُ لآل إِبْرَاهِيم وإدامته وثبوته لَهُ ومضاعفته وزيادته هَذَا حَقِيقَة الْبركَة وَقد قَالَ تَعَالَى فِي إِبْرَاهِيم وَآله ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاق﴾ الصافات ١١٢ و ١١٣ وَقَالَ تَعَالَى فِيهِ وَفِي أهل بَيته ﴿رَحْمَة الله وَبَرَكَاته عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ هود ٧٣ وَتَأمل كَيفَ جَاءَ فِي الْقُرْآن ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وعَلى إِسْحَاق﴾ وَلم يذكر إِسْمَاعِيل وَجَاء فِي التَّوْرَاة ذكر الْبركَة على إِسْمَاعِيل وَلم يذكر إِسْحَاق كَمَا تقدم حكايته وَعَن إِسْمَاعِيل سَمِعتك هانا باركته فجَاء فِي التَّوْرَاة ذكر الْبركَة فِي إِسْمَاعِيل إِيذَانًا بِمَا حصل لِبَنِيهِ من الْخَيْر وَالْبركَة لَا سيّما خَاتِمَة بركتهم وَأَعْظَمهَا وأجلها برَسُول الله ﷺ فنبههم بذلك على مَا يكون فِي بنيه من هَذِه الْبركَة الْعَظِيمَة الموافية على

стр. 281

لِسَان الْمُبَارك ﷺ وَذكر لنا فِي الْقُرْآن بركته على إِسْحَاق منبهاً لنا على مَا حصل فِي أَوْلَاده من نبوة مُوسَى ﵇ وَغَيره وَمَا اتوه من الْكتاب وَالْعلم مستدعياً من عباده الْإِيمَان بذلك والتصديق بِهِ وَأَن لَا يهملوا معرفَة حُقُوق هَذَا الْبَيْت الْمُبَارك وَأهل النُّبُوَّة مِنْهُم وَلَا يَقُول الْقَائِل هَؤُلَاءِ أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل لَا تعلق لنا بهم بل يجب علينا احترامهم وتوقيرهم وَالْإِيمَان بهم ومحبتهم وموالاتهم وَالثنَاء عَلَيْهِم صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وَلما كَانَ هَذَا الْبَيْت الْمُبَارك المطهر أشرف بيُوت الْعَالم على الْإِطْلَاق خصهم الله مِنْهُ بخصائص مِنْهَا أَنه جعل فِيهِ النُّبُوَّة وَالْكتاب فَلم يَأْتِ بعد إِبْرَاهِيم ﵇ نَبِي إِلَّا من أهل بَيته وَمِنْهَا أَنه سُبْحَانَهُ جعلهم أَئِمَّة يهْدُونَ بأَمْره إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَكل من دخل الْجنَّة من أَوْلِيَاء الله بعدهمْ فَإِنَّمَا دخل من طريقهم وبدعوتهم وَمِنْهَا أَنه سُبْحَانَهُ اتخذ مِنْهُم الخليلين إِبْرَاهِيم ومحمداً ﷺ عَلَيْهِمَا وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ النِّسَاء ١٢٥ وَقَالَ النَّبِي ﷺ إِن الله اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتخذ إِبْرَاهِيم خَلِيلًا وَهَذَا من خَواص الْبَيْت

стр. 282

وَمِنْهَا أَنه سُبْحَانَهُ جعل صَاحب هَذَا الْبَيْت إِمَامًا للْعَالمين كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ الْبَقَرَة ١٢٤ وَمِنْهَا أَنه أجْرى على يَدَيْهِ بِنَاء بَيته الَّذِي جعله قيَاما للنَّاس وقبلة لَهُم وحجاً فَكَانَ ظُهُور هَذَا الْبَيْت من أهل هَذَا الْبَيْت الأكرمين وَمِنْهَا أَنه أَمر عباده بِأَن يصلوا على أهل هَذَا الْبَيْت كَمَا صلى على أهل بَيتهمْ وسلفهم وهم إِبْرَاهِيم وَآله وَهَذِه خَاصَّة لَهُم وَمِنْهَا أَنه أخرج مِنْهُم الأمتين المعظمتين اللَّتَيْنِ لم تخرجا من أهل بَيت غَيرهم وهم أمة مُوسَى وَأمة مُحَمَّد ﷺ عَلَيْهِمَا وَأمة مُحَمَّد ﷺ تَمام سبعين أمة هم خَيرهَا وَأَكْرمهَا على الله وَمِنْهَا أَن الله سُبْحَانَهُ أبقى عَلَيْهِم لِسَان صدق وثناء حسنا فِي الْعَالم فَلَا يذكرُونَ إِلَّا بالثناء عَلَيْهِم وَالصَّلَاة وَالسَّلَام عَلَيْهِم قَالَ تَعَالَى ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين سَلام على إِبْرَاهِيم كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ الصافات ١٠٨ و ١١٠ وَمِنْهَا جعل أهل هَذَا الْبَيْت فرقاناً بَين النَّاس فالسعداء ابتاعهم ومحبوهم وَمن تولاهم والأشقياء من أبْغضهُم وَأعْرض عَنْهُم

стр. 283

وعاداهم فالجنة لَهُم ولأتباعهم وَالنَّار لأعدائهم ومخالفيهم وَمِنْهَا أَنه سُبْحَانَهُ جعل ذكرهم مَقْرُونا بِذكرِهِ فَيُقَال إِبْرَاهِيم خَلِيل الله وَرَسُوله وَنبيه وَمُحَمّد رَسُول الله وخليله وَنبيه ومُوسَى كليم الله وَرَسُوله قَالَ تَعَالَى لنَبيه يذكرهُ بنعمته عَلَيْهِ ﴿وَرَفَعْنَا لَك ذكرك﴾ الانشراح ٤ قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ إِذا ذكرت ذكرت معي فَيُقَال لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله فِي كلمة الْإِسْلَام وَفِي الْأَذَان وَفِي الْخطب وَفِي التشهدات وَغير ذَلِك وَمِنْهَا أَنه سُبْحَانَهُ جعل خلاص خلقَة من شقاء الدُّنْيَا وَالْآخِرَة على أَيدي أهل هَذَا الْبَيْت فَلهم على النَّاس من النعم مَا لَا يُمكن إحصاؤها وَلَا جزاؤها وَلَهُم المنن الجسام فِي رِقَاب الْأَوَّلين والآخرين من أهل السَّعَادَة والأيادي الْعِظَام عِنْدهم الَّتِي يجازيهم عَلَيْهَا الله وَمِنْهَا أَن كل ضرّ ونفع وَعمل صَالح وَطَاعَة لله تَعَالَى حصلت فِي الْعَالم فَلهم من الْأجر مثل أجور عامليها فسبحان من يخْتَص بفضله من يَشَاء من عباده وَمِنْهَا أَن الله سد جَمِيع الطّرق بَينه وَبَين الْعَالمين وأغلق دونهم الْأَبْوَاب فَلم يفتح أحد قطّ من طريقهم وبابهم وَقَالَ الْجُنَيْد ﵀ يَقُول الله لرَسُوله ﷺ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَو أَتَوْنِي من كل طَرِيق أَو استفتحوا من كل بَاب لما فتحت لَهُم حَتَّى يدخلُوا خَلفك وَمِنْهَا أَنه سُبْحَانَهُ خصهم من الْعلم بِمَا لم يخص بِهِ أهل بَيت سواهُم من الْعَالمين فَلم يطْرق الْعَالم أهل بَيت أعلم بِاللَّه

стр. 284

وأسمائه وَصِفَاته وَأَحْكَامه وأفعاله وثوابه وعقابه وشرعه ومواقع رِضَاهُ وغضبه وَمَلَائِكَته ومخلوقاته مِنْهُم فسبحان من جمع لَهُم علم الْأَوَّلين والآخرين وَمِنْهَا أَنه سُبْحَانَهُ خصهم من توحيده ومحبته وقربه والاختصاص بِهِ بِمَا لم يخْتَص بِهِ أهل بَيت سواهُم وَمِنْهَا أَنه سُبْحَانَهُ مكن لَهُم فِي الأَرْض واستخلفهم فِيهَا واطاع أهل الأَرْض لَهُم مَا لم يحصل لغَيرهم وَمِنْهَا أَنه سُبْحَانَهُ أَيّدهُم ونصرهم وأظفرهم بأعدائه وأعدائهم بِمَا لم يُؤَيّد غَيرهم وَمِنْهَا أَنه سُبْحَانَهُ محا بهم من آثَار أهل الضلال والشرك وَمن الْآثَار الَّتِي يبغضها ويمقتها مَا لم يمحه بسواهم وَمِنْهَا أَنه سُبْحَانَهُ غرس لَهُم من الْمحبَّة والإجلال والتعظيم فِي قُلُوب الْعَالمين مَا لم يغرسه لغَيرهم وَمِنْهَا أَنه سُبْحَانَهُ جعل آثَارهم فِي الأَرْض سَببا لبَقَاء الْعَالم وَحفظه فَلَا يزَال الْعَالم بَاقِيا مَا بقيت آثَارهم فَإِذا ذهب آثَارهم من الأَرْض فَذَاك أَوَان خراب الْعَالم قَالَ الله تَعَالَى ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِد﴾ الْمَائِدَة ٩٧ قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ فِي تَفْسِيرهَا لَو ترك النَّاس كلهم الْحَج لوقعت السَّمَاء على الأَرْض وَقَالَ لَو ترك النَّاس كلهم الْحَج لما نظرُوا

стр. 285

وَأخْبر النَّبِي ﷺ أَن فِي آخر الزَّمَان يرفع الله بَيته من الأَرْض وَكَلَامه من الْمَصَاحِف وصدور الرِّجَال فَلَا يبْقى لَهُ فِي الأَرْض بَيت يحجّ وَلَا كَلَام يُتْلَى فَحِينَئِذٍ يقرب خراب الْعَالم وَهَكَذَا النَّاس الْيَوْم إِنَّمَا قيامهم بِقِيَام آثَار نَبِيّهم وشرائعه بَينهم وَقيام امورهم حُصُول مصالحهم واندفاع أَنْوَاع الْبلَاء وَالشَّر عَنْهُم بِحَسب ظُهُورهَا بَينهم وقيامها وهلاكهم وعنتهم وحلول الْبلَاء وَالشَّر بهم عِنْد تعطلها والإعراض عَنْهَا والتحاكم إِلَى غَيرهَا واتخاذ سواهَا وَمن تَأمل تسليط الله سُبْحَانَهُ على من سلطه على الْبِلَاد والعباد من الْأَعْدَاء علم أَن ذَلِك بِسَبَب تعطيلهم لدين نَبِيّهم وسننه وشرائعه فَسلط الله عَلَيْهِم من أهلكهم وانتقم مِنْهُم حَتَّى إِن الْبِلَاد الَّتِي لآثار الرَّسُول ﷺ وسننه وشرائعه فِيهَا ظُهُور دفع عَنْهَا بِحَسب ظُهُور ذَلِك بَينهم وَهَذِه الخصائص وأضعاف أضعافها من آثَار رَحْمَة الله وَبَرَكَاته على أهل هَذَا الْبَيْت فَلهَذَا أمرنَا رَسُول الله ﷺ أَن نطلب لَهُ من الله تَعَالَى أَن بَارك عَلَيْهِ وعَلى آله كَمَا بَارك على هَذَا الْبَيْت الْمُعظم صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وَمن بَرَكَات أهل هَذَا الْبَيْت أَنه سُبْحَانَهُ أظهر على أَيْديهم
следующие страницы →