← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6829

جلاء الأفهام - ت الأرنؤوط

ابن القيم

Полный текст (451 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الْمَغْفِرَة والرزق الْكَرِيم وَأخْبر سُبْحَانَهُ أَن مَا قيل فِيهَا من الْإِفْك كَانَ خيرا لَهَا وَلم يكن ذَلِك الَّذِي قيل فِيهَا شرا لَهَا وَلَا عائبا لَهَا وَلَا خَافِضًا من شَأْنهَا بل رَفعهَا الله بذلك وَأَعْلَى قدرهَا وَأعظم شَأْنهَا وَصَارَ لَهَا ذكرا بالطيب والبراءة بَين أهل الأَرْض وَالسَّمَاء فيا لَهَا من منقبة مَا أجلهَا وَتَأمل هَذَا التشريف وَالْإِكْرَام النَّاشِئ عَن فرط تواضعها واستصغارها لنَفسهَا حَيْثُ قَالَت ولشأني فِي نَفسِي كَانَ أَحْقَر من أَن يتَكَلَّم الله فِي بِوَحْي يُتْلَى وَلَكِن كنت أَرْجُو أَن يرى رَسُول الله ﷺ رُؤْيا يبرئني الله بهَا فَهَذِهِ صديقَة الْأمة وَأم الْمُؤمنِينَ وَحب رَسُول الله ﷺ وَهِي تعلم أَنَّهَا بريئة مظلومة وَأَن قاذفيها ظَالِمُونَ لَهَا مفترون عَلَيْهَا قد بلغ أذاهم إِلَى أَبَوَيْهَا وَإِلَى رَسُول الله ﷺ وَهَذَا كَانَ احتقارها لنَفسهَا وتصغيرها لشأنها فَمَا ظَنك بِمن صَامَ يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ أَو شهرا أَو شَهْرَيْن وَقَامَ لَيْلَة أَو لَيْلَتَيْنِ فَظهر عَلَيْهِ شَيْء من الْأَحْوَال ولاحظوا بِعَين اسْتِحْقَاق الكرامات والمكاشفات والمخاطبات والمنازلات وَإجَابَة الدَّعْوَات وَأَنَّهُمْ مِمَّن يتبرك بلقائهم ويغتنم صَالح دُعَائِهِمْ وَأَنَّهُمْ يجب على النَّاس احترامهم وتعظيمهم وتعزيرهم وتوقيرهم فيتمسح بأثوابهم وَيقبل ثرى أعتابهم وَأَنَّهُمْ من الله بالمكانة الَّتِي ينْتَقم لَهُم لأَجلهَا مِمَّن تنقصهم فِي الْحَال وَأَن يُؤْخَذ مِمَّن أَسَاءَ الْأَدَب عَلَيْهِم من

стр. 212

غير إمهال وَأَن إساءة الْأَدَب عَلَيْهِم ذَنْب لَا يكفره شَيْء إِلَّا رضاهم وَلَو كَانَ هَذَا من وَرَاء كِفَايَة لهان وَلَكِن من وَرَاء تخلف وَهَذِه الحماقات والرعونات نتائج الْجَهْل الصميم وَالْعقل غير الْمُسْتَقيم فَإِن ذَلِك إِنَّمَا يصدر من جَاهِل معجب بِنَفسِهِ غافل عَن جرمه وذنوبه مغتر بإمهال الله تَعَالَى لَهُ عَن أَخذه بِمَا هُوَ فِيهِ من الْكبر والإزراء على من لَعَلَّه عِنْد الله خير مِنْهُ نسْأَل الله تَعَالَى الْعَافِيَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَيَنْبَغِي للْعَبد أَن يستعيذ بِاللَّه أَن يكون عِنْد نَفسه عَظِيما وَهُوَ عِنْد الله حقير وَمن خصائصها ﵂ أَن الأكابر من الصَّحَابَة ﵃ كَانَ إِذا أشكل عَلَيْهِم أَمر من الدّين استفتوها فيجدون علمه عِنْدهَا وَمن خصائصها أَن رَسُول الله ﷺ توفّي فِي بَيتهَا وَفِي يَوْمهَا وَبَين سحرها ونحرها وَدفن فِي بَيتهَا وَمن خصائصها أَن الْملك أرى صورتهَا للنَّبِي ﷺ قبل أَن يَتَزَوَّجهَا فِي سَرقَة حَرِير فَقَالَ النَّبِي ﷺ إِن يكن هَذَا من عِنْد الله يمضه

стр. 213

وَمن خصائصها أَن النَّاس كَانُوا يتحرون بهداياهم يَوْمهَا من رَسُول الله ﷺ تقرباً إِلَى الرَّسُول ﷺ فيتحفونه بِمَا يحب فِي منزل أحب نِسَائِهِ إِلَيْهِ ﷺ ﵅ أَجْمَعِينَ وتكنى أم عبد الله وروى أَنَّهَا أسقطت من النَّبِي ﷺ سقطا وَلَا يثبت ذَلِك وَتزَوج رَسُول الله ﷺ حَفْصَة بنت عمر بن الْخطاب ﵄ وَكَانَت قبله عِنْد خُنَيْس بن حذافة وَكَانَ من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَمِمَّنْ شهد بَدْرًا توفيت سنة سبع وَقيل ثَمَان وَعشْرين وَمن خصائصها مَا ذكره الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الْمَقْدِسِي فِي مُخْتَصره فِي السِّيرَة أَن النَّبِي ﷺ طَلقهَا فَأَتَاهُ جِبْرِيل فَقَالَ إِن الله يَأْمُرك أَن تراجع حَفْصَة فَإِنَّهَا صَوَّامَة قَوَّامَة وَإِنَّهَا زَوجتك فِي الْجنَّة وَقَالَ الطَّبَرَانِيّ فِي المعجم الْكَبِير حَدثنَا أَحْمد بن طَاهِر بن حَرْمَلَة بن يحيى حَدثنَا جدي حَرْمَلَة حَدثنَا ابْن وهب حَدثنِي عَمْرو بن صَالح الْحَضْرَمِيّ عَن مُوسَى بن عَليّ بن رَبَاح عَن أَبِيه عَن عقبَة بن عَامر أَن النَّبِي ﷺ طلق حَفْصَة فَبلغ ذَلِك

стр. 214

عمر بن الْخطاب ﵁ فَوضع التُّرَاب على رَأسه وَقَالَ مَا يعبأ الله بِابْن الْخطاب بعد هَذَا فَنزل جِبْرِيل ﵇ على النَّبِي ﷺ فَقَالَ إِن الله يَأْمُرك أَن تراجع حَفْصَة رَحْمَة لعمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَتزَوج رَسُول الله ﷺ أم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان وَاسْمهَا رَملَة بنت صَخْر بن حَرْب بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف هَاجَرت مَعَ زَوجهَا عبيد الله بن جحش إِلَى أَرض الْحَبَشَة فَتَنَصَّرَ بِالْحَبَشَةِ وَأتم الله لَهَا الْإِسْلَام وَتَزَوجهَا رَسُول الله ﷺ وَهِي بِأَرْض الْحَبَشَة وَأصْدقهَا عَنهُ النَّجَاشِيّ أَرْبَعمِائَة دِينَار // إِسْنَاده صَحِيح // وَبعث رَسُول الله ﷺ عَمْرو بن أُميَّة الضمرِي إِلَى النَّجَاشِيّ يخطبها وَولى نِكَاحهَا عُثْمَان بن عَفَّان وَقيل خَالِد بن سعيد بن الْعَاصِ وَقد روى مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث عِكْرِمَة بن عمار عَن أبي زميل عَن عبد الله بن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كَانَ الْمُسلمُونَ لَا ينظرُونَ إِلَى أبي سُفْيَان وَلَا يُقَاعِدُونَهُ فَقَالَ للنَّبِي ﷺ ثَلَاث خلال أعطنيهن قَالَ نعم قَالَ عِنْدِي أحسن

стр. 215

الْعَرَب وأجمله أم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان أزَوّجكَهَا قَالَ نعم قَالَ وَمُعَاوِيَة تَجْعَلهُ كَاتبا بَين يَديك قَالَ نعم وَتُؤَمِّرنِي أَن أقَاتل الْكفَّار كَمَا كنت أقَاتل الْمُسلمين قَالَ نعم قَالَ أَبُو زميل وَلَوْلَا أَنه طلب ذَلِك من النَّبِي ﷺ مَا أعطَاهُ ذَلِك لِأَنَّهُ ﷺ لم يكن يسْأَل شَيْئا إِلَّا قَالَ نعم وَقد أشكل هَذَا الحَدِيث على النَّاس فَإِن أم حَبِيبَة تزَوجهَا رَسُول الله ﷺ قبل إِسْلَام أبي سُفْيَان كَمَا تقدم زَوجهَا إِيَّاه النَّجَاشِيّ ثمَّ قدمت على رَسُول الله ﷺ قبل أَن يسلم أَبوهَا فَكيف يَقُول بعد الْفَتْح أزَوجك أم حَبِيبَة فَقَالَت طَائِفَة هَذَا الحَدِيث كذب لَا أصل لَهُ قَالَ ابْن حزم كذبه عِكْرِمَة بن عمار وَحمل عَلَيْهِ واستعظم ذَلِك آخَرُونَ وَقَالُوا أَنى يكون فِي صَحِيح مُسلم حَدِيث مَوْضُوع وَإِنَّمَا وَجه الحَدِيث أَنه طلب من النَّبِي ﷺ أَن يجدد لَهُ العقد على ابْنَته ليبقى لَهُ وَجه بَين الْمُسلمين وَهَذَا ضَعِيف فَإِن فِي الحَدِيث أَن النَّبِي ﷺ وعده وَهُوَ الصَّادِق الْوَعْد وَلم ينْقل أحد قطّ أَنه جدد العقد على أم حَبِيبَة وَمثل هَذَا لَو كَانَ لنقل وَلَو نقل وَاحِد عَن وَاحِد فَحَيْثُ لم يَنْقُلهُ أحد قطّ علم أَنه لم يَقع وَلم يزدْ القَاضِي عِيَاض على استشكاله فَقَالَ وَالَّذِي وَقع فِي مُسلم من هَذَا غَرِيب جدا عِنْد أهل الْخَبَر وخبرها مَعَ أبي سُفْيَان عِنْد وُرُوده إِلَى الْمَدِينَة بِسَبَب تَجْدِيد الصُّلْح ودخوله عَلَيْهَا مَشْهُور

стр. 216

وَقَالَت طَائِفَة لَيْسَ الحَدِيث بباطل وَإِنَّمَا سَأَلَ أَبُو سُفْيَان النَّبِي ﷺ إِن يُزَوجهُ ابْنَته الْأُخْرَى عزة أُخْت أم حَبِيبَة قَالُوا وَلَا يبعد أَن يخفى هَذَا على أبي سُفْيَان لحداثة عَهده بِالْإِسْلَامِ وَقد خَفِي هَذَا على ابْنَته أم حَبِيبَة حَتَّى سَأَلت رَسُول الله ﷺ أَن يَتَزَوَّجهَا فَقَالَ إِنَّهَا لَا تحل لي فَأَرَادَ أَن يُزَوّج النَّبِي ﷺ ابْنَته الْأُخْرَى فَاشْتَبَهَ على الرَّاوِي وَذهب وهمه إِلَى أَنَّهَا أم حَبِيبَة وَهَذِه التَّسْمِيَة من غلط بعض الروَاة لَا من قَول أبي سُفْيَان لَكِن يرد هَذَا أَن النَّبِي ﷺ قَالَ نعم وأجابه إِلَى مَا سَأَلَ فَلَو كَانَ المسؤول أَن يُزَوجهُ أُخْتهَا لقَالَ إِنَّهَا لَا تحل لي كَمَا قَالَ ذَلِك لأم حَبِيبَة وَلَوْلَا هَذَا لَكَانَ التَّأْوِيل فِي الحَدِيث من أحسن التأويلات وَقَالَت طَائِفَة لم يتَّفق أهل النَّقْل على أَن النَّبِي ﷺ تزوج أم حَبِيبَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا وَهِي بِأَرْض الْحَبَشَة بل قد ذكر بَعضهم أَن النَّبِي ﷺ تزَوجهَا بِالْمَدِينَةِ بعد قدومها من الْحَبَشَة حَكَاهُ أَبُو مُحَمَّد الْمُنْذِرِيّ وَهَذَا من أَضْعَف الْأَجْوِبَة لوجوه أَحدهَا أَن هَذَا القَوْل لَا يعرف بِهِ أثر صَحِيح وَلَا حسن وَلَا حَكَاهُ أحد مِمَّن يعْتَمد على نَقله الثَّانِي أَن قصَّة تَزْوِيج أم حَبِيبَة وَهِي بِأَرْض الْحَبَشَة قد جرت مجْرى التَّوَاتُر كتزويجه ﷺ خَدِيجَة بِمَكَّة وَعَائِشَة بِمَكَّة وبنائه بعائشة بِالْمَدِينَةِ وتزويجه حَفْصَة بِالْمَدِينَةِ وَصفِيَّة عَام خَيْبَر ومَيْمُونَة فِي عمْرَة الْقَضِيَّة وَمثل هَذِه الوقائع شهرتها عِنْد أهل الْعلم مُوجبَة لقطعهم بهَا فَلَو جَاءَ سَنَد ظَاهره الصِّحَّة يُخَالِفهَا عدوه غَلطا وَلم يلتفتوا إِلَيْهِ وَلَا يُمكنهُم مُكَابَرَة نُفُوسهم فِي ذَلِك الثَّالِث أَنه من الْمَعْلُوم عِنْد أهل الْعلم بسيرة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 217

وأحواله أَنه لم يتَأَخَّر نِكَاح أم حَبِيبَة إِلَى بعد فتح مَكَّة وَلَا يَقع ذَلِك فِي وهم أحد مِنْهُم أصلا الرَّابِع أَن أَبَا سُفْيَان لما قدم الْمَدِينَة دخل على ابْنَته أم حَبِيبَة فَلَمَّا ذهب ليجلس على فرَاش رَسُول الله ﷺ طوته عَنهُ فَقَالَ يَا بنية مَا أَدْرِي أرغبت بِي عَن هَذَا الْفراش أم رغبت بِهِ عني قَالَت بل هُوَ فرَاش رَسُول الله ﷺ قَالَ وَالله لقد أَصَابَك يَا بنية بعدِي شَرّ وَهَذَا مَشْهُور عِنْد أهل الْمَغَازِي وَالسير الْخَامِس أَن أم حَبِيبَة كَانَت من مهاجرات الْحَبَشَة مَعَ زَوجهَا عبيد الله بن جحش ثمَّ تنصر زَوجهَا وَهلك بِأَرْض الْحَبَشَة ثمَّ قدمت هِيَ على رَسُول الله ﷺ من الْحَبَشَة وَكَانَت عِنْده وَلم تكن عِنْد أَبِيهَا وَهَذَا مِمَّا لَا يشك فِيهِ أحد من أهل النَّقْل وَمن الْمَعْلُوم أَن أَبَاهَا لم يسلم إِلَّا عَام الْفَتْح فَكيف يَقُول عِنْدِي أجمل الْعَرَب أزَوجك إِيَّاهَا وَهل كَانَت عِنْده بعد هجرتهَا وإسلامها قطّ فَإِن كَانَ قَالَ لَهُ هَذَا القَوْل قبل إِسْلَامه فَهُوَ محَال فَإِنَّهَا لم تكن عِنْده وَلم يكن لَهُ ولَايَة عَلَيْهَا أصلا وَإِن كَانَ قَالَه بعد إِسْلَامه فمحال أَيْضا لِأَن نِكَاحهَا لم يتَأَخَّر إِلَى بعد الْفَتْح فَإِن قيل بل يتَعَيَّن أَن يكون نِكَاحهَا بعد الْفَتْح لِأَن الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ مُسلم صَحِيح وَإِسْنَاده ثِقَات حفاظ وَحَدِيث نِكَاحهَا وَهِي بِأَرْض الْحَبَشَة من رِوَايَة مُحَمَّد بن إِسْحَاق مُرْسلا وَالنَّاس مُخْتَلفُونَ فِي الِاحْتِجَاج بمسانيد ابْن إِسْحَاق فَكيف بمراسيله فَكيف بهَا إِذا خَالَفت المسانيد الثَّانِيَة وَهَذِه طَريقَة لبَعض الْمُتَأَخِّرين فِي تَصْحِيح حَدِيث ابْن عَبَّاس هَذَا

стр. 218

فَالْجَوَاب من وُجُوه أَحدهَا أَن مَا ذكره هَذَا الْقَائِل إِنَّمَا يُمكن عِنْد تَسَاوِي النقلين فيرجح بِمَا ذكره وَأما مَعَ تَحْقِيق بطلَان أحد النقلين وتيقنه فَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يعلم نزاع بَين اثْنَيْنِ من أهل الْعلم بالسير والمغازي وأحوال رَسُول الله ﷺ إِن نِكَاح أم حَبِيبَة لم يتَأَخَّر إِلَى بعد الْفَتْح وَلم يقلهُ أحد مِنْهُم قطّ وَلَو قَالَه قَائِل لعلموا بطلَان قَوْله وَلم يشكوا فِيهِ الثَّانِي أَن قَوْله إِن مَرَاسِيل ابْن إِسْحَاق لَا تقاوم الصَّحِيح الْمسند وَلَا تعارضه فَجَوَابه أَن الِاعْتِمَاد فِي هَذَا لَيْسَ على رِوَايَة ابْن إِسْحَاق وَحده لَا مُتَّصِلَة وَلَا مُرْسلَة بل على النَّقْل الْمُتَوَاتر عِنْد أهل الْمَغَازِي وَالسير وَذكرهَا أهل الْعلم وَاحْتَجُّوا على جَوَاز الْوكَالَة فِي النِّكَاح قَالَ الشَّافِعِي فِي رِوَايَة الرّبيع فِي حَدِيث عقبَة بن عَامر ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِذا نكح الوليان فَالْأول أَحَق قَالَ فِيهِ دلَالَة على أَن الْوكَالَة فِي النِّكَاح جَائِزَة مَعَ تَوْكِيل النَّبِي ﷺ عَمْرو بن أُميَّة الضمرِي فَزَوجهُ أم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان وَقَالَ الشَّافِعِي فِي كِتَابه الْكَبِير أَيْضا رِوَايَة الرّبيع وَلَا يكون الْكَافِر وليا لمسلمة وَإِن كَانَت بنته قد زوج ابْن سعيد بن الْعَاصِ النَّبِي ﷺ أم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان وَأَبُو سُفْيَان حَيّ لِأَنَّهَا كَانَت مسلمة وَابْن سعيد مُسلم وَلَا أعلم مُسلما أقرب لَهَا مِنْهُ

стр. 219

وَلم يكن لأبي سُفْيَان فِيهَا ولَايَة لِأَن الله قطع الْولَايَة بَين الْمُسلمين وَالْمُشْرِكين والمواريث وَالْعقل وَغير ذَلِك وَابْن سعيد هَذَا الَّذِي ذكره الشَّافِعِي هُوَ خَالِد بن سعيد بن الْعَاصِ ذكره ابْن إِسْحَاق وَغَيره وَذكر عُرْوَة وَالزهْرِيّ أَن عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ هُوَ الَّذِي ولي نِكَاحهَا وَكِلَاهُمَا ابْن عَم أَبِيهَا لِأَن عُثْمَان هُوَ ابْن عَفَّان بن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة وخَالِد هُوَ ابْن سعيد بن الْعَاصِ بن أُميَّة وَأَبُو سُفْيَان هُوَ ابْن حَرْب بن أُميَّة وَالْمَقْصُود أَن أَئِمَّة الْفِقْه وَالسير ذكرُوا أَن نِكَاحهَا كَانَ بِأَرْض الْحَبَشَة وَهَذَا يبطل وهم من توهم أَنه تَأَخّر إِلَى بعد الْفَتْح اغْتِرَارًا مِنْهُ بِحَدِيث عِكْرِمَة ابْن عمار الثَّالِث أَن عِكْرِمَة بن عمار رَاوِي حَدِيث ابْن عَبَّاس هَذَا قد ضعفه كثير من أَئِمَّة الحَدِيث مِنْهُم يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ قَالَ لَيست أَحَادِيثه بصحاح وَقَالَ الإِمَام أَحْمد أَحَادِيثه ضِعَاف وَقَالَ أَبُو حَاتِم عِكْرِمَة هَذَا صَدُوق وَرُبمَا وهم وَرُبمَا دلّس وَإِذا كَانَ هَذَا حَال عِكْرِمَة فَلَعَلَّهُ دلّس هَذَا الحَدِيث عَن غير حَافظ أَو غير ثِقَة فَإِن مُسلما فِي صَحِيحه رَوَاهُ عَن عَبَّاس بن عبد الْعَظِيم عَن النَّضر بن مُحَمَّد عَن عِكْرِمَة بن عمار عَن أبي زميل عَن ابْن عَبَّاس هَكَذَا مُعَنْعنًا وَلَكِن قد رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه فَقَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن مُحَمَّد الجذوعي حَدثنَا الْعَبَّاس ابْن عبد الْعَظِيم حَدثنَا النَّضر بن مُحَمَّد حَدثنَا عِكْرِمَة بن عمار حَدثنَا أَبُو زميل قَالَ حَدثنِي ابْن عَبَّاس فَذكره وَقَالَ أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ فِي هَذَا الحَدِيث هُوَ وهم من بعض الروَاة لَا شكّ فِيهِ وَلَا تردد وَقد اتهموا بِهِ عِكْرِمَة بن عمار

стр. 220

رَاوِي الحَدِيث قَالَ وَإِنَّمَا قُلْنَا إِن هَذَا وهم لِأَن أهل التَّارِيخ أَجمعُوا على أَن أم حَبِيبَة كَانَت تَحت عبيد الله بن جحش وَولدت لَهُ وَهَاجَر بهَا وهما مسلمان إِلَى أَرض الْحَبَشَة ثمَّ تنصر وَثبتت أم حَبِيبَة على دينهَا فَبعث رَسُول الله ﷺ إِلَى النَّجَاشِيّ يخطبها عَلَيْهِ فَزَوجهُ إِيَّاهَا وَأصْدقهَا عَن رَسُول الله ﷺ أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم وَذَلِكَ فِي سنة سبع من الْهِجْرَة وَجَاء أَبُو سُفْيَان فِي زمن الْهُدْنَة فَدخل عَلَيْهَا فثنت بِسَاط رَسُول الله ﷺ حَتَّى لَا يجلس عَلَيْهِ وَلَا خلاف أَن أَبَا سُفْيَان وَمُعَاوِيَة أسلما فِي فتح مَكَّة سنة ثَمَان وَلَا يعرف أَن رَسُول الله ﷺ أَمر أَبَا سُفْيَان آخر كَلَامه وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم هَذَا حَدِيث مَوْضُوع لَا شكّ فِي وَضعه والآفة فِيهِ من عِكْرِمَة بن عمار وَلم يخْتَلف فِي أَن رَسُول الله ﷺ تزَوجهَا قبل الْفَتْح بدهر وأبوها كَافِر فَإِن قيل لم ينْفَرد عِكْرِمَة بن عمار بِهَذَا الحَدِيث بل قد توبع عَلَيْهِ فَقَالَ الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه حَدثنَا على بن سعيد الرَّازِيّ حَدثنَا مُحَمَّد بن حَلِيف بن مرسال الْخَثْعَمِي قَالَ حَدثنِي عمي إِسْمَاعِيل بن مرسال عَن أبي زميل الْحَنَفِيّ قَالَ حَدثنِي ابْن عَبَّاس قَالَ كَانَ الْمُسلمُونَ لَا ينظرُونَ إِلَى أبي سُفْيَان وَلَا يفاتحونه فَقَالَ يَا رَسُول الله ثَلَاث أعطنيهن الحَدِيث فَهَذَا إِسْمَاعِيل بن مرسال قد رَوَاهُ عَن أبي زميل كَمَا رَوَاهُ عَنهُ عِكْرِمَة بن عمار فبرئ عِكْرِمَة من عُهْدَة التفرد

стр. 221

قيل هَذِه الْمُتَابَعَة لَا تفيده قُوَّة فَإِن هَؤُلَاءِ مَجَاهِيل لَا يعْرفُونَ بِنَقْل الْعلم وَلَا هم مِمَّن يحْتَج بهم فضلا عَن أَن تقدم روايتهم على النَّقْل المستفيض الْمَعْلُوم عِنْد خَاصَّة أهل الْعلم وعامتهم فَهَذِهِ الْمُتَابَعَة إِن لم تزِدْه وَهنا لم تزِدْه قُوَّة وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَقَالَت طَائِفَة مِنْهُم الْبَيْهَقِيّ وَالْمُنْذِرِي رحمهمَا الله تَعَالَى يحْتَمل أَن تكون مَسْأَلَة أبي سُفْيَان النَّبِي ﷺ إِن يُزَوجهُ أم حَبِيبَة وَقعت فِي بعض خرجاته إِلَى الْمَدِينَة وَهُوَ كَافِر حِين سمع نعي زوج أم حَبِيبَة بِأَرْض الْحَبَشَة وَالْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة وقعتا بعد إِسْلَامه فجمعها الرَّاوِي وَهَذَا أَيْضا ضَعِيف جدا فَإِن أَبَا سُفْيَان إِنَّمَا قدم الْمَدِينَة آمنا بعد الْهِجْرَة فِي زمن الْهُدْنَة قبيل الْفَتْح وَكَانَت أم حَبِيبَة إِذْ ذَاك من نسَاء النَّبِي ﷺ وَلم يقدم أَبُو سُفْيَان قبل ذَلِك إِلَّا مَعَ الْأَحْزَاب عَام الخَنْدَق وَلَوْلَا الْهُدْنَة وَالصُّلْح الَّذِي كَانَ بَينهم وَبَين النَّبِي ﷺ لم يقدم الْمَدِينَة فَمَتَى قدم وَزوج النَّبِي ﷺ أم حَبِيبَة فَهَذَا غلط ظَاهر وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا يَصح أَن يكون تَزْوِيجه إِيَّاهَا فِي حَال كفره إِذْ لَا ولَايَة لَهُ عَلَيْهَا وَلَا تَأَخّر ذَلِك إِلَى بعد إِسْلَامه لما تقدم فعلى التَّقْدِيرَيْنِ لَا يَصح قَوْله أزَوجك أم حَبِيبَة وَأَيْضًا فَإِن ظَاهر الحَدِيث يدل على أَن الْمسَائِل الثَّلَاثَة وَقعت مِنْهُ فِي وَقت وَاحِد وَأَنه قَالَ ثَلَاث أعطنيهن الحَدِيث وَمَعْلُوم أَن سُؤَاله تأميره واتخاذ مُعَاوِيَة كَاتبا إِنَّمَا يتَصَوَّر بعد إِسْلَامه فَكيف يُقَال بل سَأَلَ بعض ذَلِك فِي حَال كفره وَبَعضه وَهُوَ مُسلم وَسِيَاق الحَدِيث يردهُ

стр. 222

وَقَالَت طَائِفَة بل يُمكن حمل الحَدِيث على محمل صَحِيح يخرج بِهِ عَن كَونه مَوْضُوعا إِذْ القَوْل بِأَن فِي صَحِيح مُسلم حَدِيثا مَوْضُوعا مِمَّا لَيْسَ يسهل قَالَ وَجهه أَن يكون معنى أزَوّجكَهَا أرْضى بزواجك بهَا فَإِنَّهُ كَانَ على رغم مني وَبِدُون اخْتِيَاري وَإِن كَانَ نكاحك صَحِيحا لَكِن هَذَا أجمل وَأحسن وأكمل لما فِيهِ من تأليف الْقُلُوب قَالَ وَتَكون إِجَابَة النَّبِي ﷺ ب نعم كَانَت تأنيسا ثمَّ أخبرهُ بعد بِصِحَّة العقد فَإِنَّهُ لَا يشْتَرط رضاك وَلَا ولَايَة لَك عَلَيْهَا لاخْتِلَاف دينكما حَالَة العقد قَالَ وَهَذَا مِمَّا لَا يُمكن دفع احْتِمَاله وَهَذَا مِمَّا لَا يقوى أَيْضا وَلَا يخفى شدَّة بعد هَذَا التَّأْوِيل من اللَّفْظ وَعدم فهمه مِنْهُ فَإِن قَوْله عِنْدِي أجمل الْعَرَب أزَوّجكَهَا لَا يفهم مِنْهُ أحد أَن زَوجتك الَّتِي هِيَ عصمَة نكاحك أرْضى بزواجك بهَا وَلَا يُطَابق هَذَا الْمَعْنى أَن يَقُول لَهُ النَّبِي ﷺ نعم فَإِنَّهُ إِنَّمَا سَأَلَ النَّبِي ﷺ أمرا تكون الْإِجَابَة إِلَيْهِ من جِهَته ﷺ فَأَما رِضَاهُ بزواجه بهَا فَأمر قَائِم بِقَلْبِه هُوَ فَكيف يَطْلُبهُ من النَّبِي ﷺ وَلَو قيل طلب مِنْهُ أَن يقره على نِكَاحه إِيَّاهَا وسمى إِقْرَاره نِكَاحا لَكَانَ مَعَ فَسَاده أقرب إِلَى اللَّفْظ وكل هَذِه تأويلات مستكرهة فِي غَايَة المنافرة للفظ ولمقصود الْكَلَام وَقَالَت طَائِفَة كَانَ أَبُو سُفْيَان يخرج إِلَى الْمَدِينَة كثيرا فَيحْتَمل أَن يكون جاءها وَهُوَ كَافِر أَو بعد إِسْلَامه حِين كَانَ النَّبِي ﷺ آلى من نِسَائِهِ شهرا واعتزلهن فَتوهم أَن ذَلِك الْإِيلَاء طَلَاق كَمَا توهمه عمر ﵁ فَظن وُقُوع الْفرْقَة بِهِ فَقَالَ هَذَا القَوْل للنَّبِي ﷺ متعطفاً لَهُ ومتعرضاً لَعَلَّه يُرَاجِعهَا فَأَجَابَهُ

стр. 223

النَّبِي ﷺ ب نعم على تَقْدِير إِن امْتَدَّ الْإِيلَاء أَو وَقع طَلَاق فَلم يَقع شَيْء من ذَلِك وَهَذَا أَيْضا فِي الضعْف من جنس مَا قبله وَلَا يخفى أَن قَوْله عِنْدِي أجمل الْعَرَب وَأحسنه أزَوجك إِيَّاهَا أَنه لَا يفهم مِنْهُ مَا ذكر من شَأْن الْإِيلَاء وَوُقُوع الْفرْقَة بِهِ وَلَا يَصح أَن يُجَاب ب نعم وَلَا كَانَ أَبُو سُفْيَان حَاضرا وَقت الْإِيلَاء أصلا فَإِن النَّبِي ﷺ اعتزل فِي مشربَة لَهُ حلف أَن لَا يدْخل على نِسَائِهِ شهرا وَجَاء عمر بن الْخطاب ﵁ فَاسْتَأْذن عَلَيْهِ فِي الدُّخُول مرَارًا فَأذن لَهُ فِي الثَّالِثَة فَقَالَ أطلقت نِسَاءَك فَقَالَ لَا فَقَالَ عمر الله أكبر واشتهر عِنْد النَّاس أَنه لم يُطلق نِسَاءَهُ وَأَيْنَ كَانَ أَبُو سُفْيَان حِينَئِذٍ وَرَأَيْت للشَّيْخ محب الدّين الطَّبَرِيّ كلَاما على هَذَا الحَدِيث قَالَ فِي جملَته يحْتَمل أَن يكون أَبُو سُفْيَان قَالَ ذَلِك كُله قبل إِسْلَامه بِمدَّة تتقدم على تَارِيخ النِّكَاح كالمشترط ذَلِك فِي إِسْلَامه وَيكون التَّقْدِير ثَلَاث إِن أسلمت تعطينيهن أم حَبِيبَة أزَوّجكَهَا وَمُعَاوِيَة يسلم فَيكون كَاتبا بَين يَديك وَتُؤَمِّرنِي بعد إسلامي فأقاتل الْكفَّار كَمَا كنت أقَاتل الْمُسلمين وَهَذَا بَاطِل أَيْضا من وُجُوه أَحدهَا قَوْله كَانَ الْمُسلمُونَ لَا ينظرُونَ إِلَى أبي سُفْيَان وَلَا

стр. 224

يُقَاعِدُونَهُ فَقَالَ يَا نَبِي الله ثَلَاث أعضيهن فيا سُبْحَانَ الله هَذَا يكون قد صدر مِنْهُ وَهُوَ بِمَكَّة قبل الْهِجْرَة أَو بعد الْهِجْرَة وَهُوَ يجمع الْأَحْزَاب لِحَرْب رَسُول الله ﷺ أَو وَقت قدومه الْمَدِينَة وَأم حَبِيبَة عِنْد النَّبِي ﷺ لَا عِنْده فَمَا هَذَا التَّكَلُّف الْبَارِد وَكَيف يَقُول وَهُوَ كَافِر حَتَّى أقَاتل الْمُشْركين كَمَا كنت أقَاتل الْمُسلمين وَكَيف يُنكر جفوة الْمُسلمين لَهُ وَهُوَ جَاهد فِي قِتَالهمْ وحربهم وإطفاء نور الله وَهَذِه قصَّة إِسْلَام أبي سُفْيَان مَعْرُوفَة لَا اشْتِرَاط فِيهَا وَلَا تعرض لشَيْء من هَذَا وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ الْوُجُوه وأمثالها مِمَّا يعلم بُطْلَانهَا واستكراهها وغثاثتها وَلَا تفِيد النَّاظر فِيهَا علما بل النّظر فِيهَا والتعرض لإبطالها من منارات الْعلم وَالله تَعَالَى أعلم بِالصَّوَابِ فَالصَّوَاب أَن الحَدِيث غير مَحْفُوظ بل وَقع فِيهِ تَخْلِيط وَالله أعلم وَهِي الَّتِي أكرمت فرَاش رَسُول الله ﷺ إِن يجلس عَلَيْهِ أَبوهَا لما قدم الْمَدِينَة وَقَالَت إِنَّك مُشْرك ومنعته من الْجُلُوس عَلَيْهِ وَتزَوج رَسُول الله ﷺ أم سَلمَة وَاسْمهَا هِنْد بنت أبي أُميَّة بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم بن يقظة بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب وَكَانَت قبله عِنْد أبي سَلمَة بن عبد الْأسد توفيت سنة اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ ودفنت بِالبَقِيعِ وَهِي آخر أَزوَاج

стр. 225

رَسُول الله ﷺ موتا وَقيل بل مَيْمُونَة وَمن خصائصها أَن جِبْرِيل دخل على النَّبِي ﷺ وَهِي عِنْده فرأته فِي صُورَة دحْيَة الْكَلْبِيّ فَفِي صَحِيح مُسلم عَن أبي عُثْمَان قَالَ انبئت أَن جِبْرِيل أَتَى النَّبِي ﷺ وَعِنْده أم سَلمَة قَالَ فَجعل يتحدث ثمَّ قَامَ فَقَالَ نَبِي الله ﷺ لأم سَلمَة من هَذَا أَو كَمَا قَالَ قَالَت هَذَا دحْيَة الْكَلْبِيّ قَالَت وَايْم الله مَا حسبته إِلَّا إِيَّاه حَتَّى سَمِعت خطْبَة نَبِي الله ﷺ يخبر خبر جِبْرِيل أَو كَمَا قَالَ قَالَ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ فَقلت لأبي عُثْمَان مِمَّن سَمِعت هَذَا الحَدِيث قَالَ من أُسَامَة بن زيد وَزوجهَا ابْنهَا عمر من رَسُول الله ﷺ وَردت طَائِفَة ذَلِك بِأَن ابْنهَا لم يكن لَهُ من السن حِينَئِذٍ مَا يعقل بِهِ التَّزْوِيج ورد الإِمَام أَحْمد ذَلِك وَأنكر على من قَالَه وَيدل على صِحَة قَوْله مَا روى مُسلم فِي صَحِيحه أَن عمر بن أبي سَلمَة ابْنهَا سَأَلَ رَسُول الله ﷺ عَن الْقبْلَة للصَّائِم فَقَالَ سل هَذِه يَعْنِي أم سَلمَة فَأَخْبَرته أَن رَسُول الله ﷺ يَفْعَله فَقَالَ يَا رَسُول الله قد غفر الله لَك مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر فَقَالَ

стр. 226

رَسُول الله ﷺ إِمَّا وَالله إِنِّي أَتْقَاكُم لله واخشاكم لَهُ أَو كَمَا قَالَ وَمثل هَذَا لَا يُقَال لصغير جدا وَعمر ولد بِأَرْض الْحَبَشَة قبل الْهِجْرَة وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ وَقَول من زعم أَنه كَانَ صَغِيرا دَعْوَى وَلم يثبت صغره بِإِسْنَاد صَحِيح وَقَول من زعم أَنه زَوجهَا الْبُنُوَّة مُقَابل بقول من قَالَ إِنَّه زَوجهَا بِأَنَّهُ كَانَ من بني أعمامها وَلم يكن لَهَا ولي هُوَ أقرب مِنْهُ إِلَيْهَا لِأَنَّهُ عمر بن أبي سَلمَة بن عبد الْأسد بن هِلَال بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم وَأم سَلمَة هِنْد بنت أبي أُميَّة بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم وَقد قيل إِن الَّذِي زَوجهَا هُوَ عمر بن الْخطاب ﵁ لَا ابْنهَا لِأَن فِي غَالب الرِّوَايَات قُم يَا عمر فزوج رَسُول الله ﷺ وَعمر بن الْخطاب هُوَ كَانَ الْخَاطِب ورد بِأَن فِي النَّسَائِيّ فَقَالَت لابنها عمر قُم فزوج رَسُول الله ﷺ وَأجَاب شَيخنَا أَبُو الْحجَّاج الْحَافِظ الْمزي بِأَن الصَّحِيح فِي هَذَا قُم يَا عمر فزوج رَسُول الله ﷺ وَأما لفظ ابْنهَا فَوَقَعت من بعض الروَاة لِأَنَّهُ لما كَانَ اسْم ابْنهَا عمر وَفِي الحَدِيث قُم يَا عمر فزوج رَسُول الله ﷺ ظن الرَّاوِي أَنه ابْنهَا وَأكْثر الرِّوَايَات فِي الْمسند وَغَيره قُم يَا عمر من غير ذكر ابْنهَا قَالَ وَيدل

стр. 227

على ذَلِك أَن ابْنهَا عمر كَانَ صَغِير السن لِأَنَّهُ قد صَحَّ عَنهُ قَالَ كنت غُلَاما فِي حجر النَّبِي ﷺ وَكَانَت يَدي تطيش فِي الصحفة فَقَالَ النَّبِي ﷺ يَا غُلَام سم الله وكل بيمينك وكل مِمَّا يليك وَهَذَا يدل على صغر سنه حِين كَانَ ربيب النَّبِي ﷺ وَالله أعلم وَذكر ابْن إِسْحَاق إِن الَّذِي زَوجهَا ابْنهَا سَلمَة بن أبي سَلمَة وَالله أعلم وَتزَوج رَسُول الله ﷺ زَيْنَب بنت جحش من بني خُزَيْمَة بن مدركة بن إلْيَاس بن مُضر وَهِي بنت عمته أُمَيْمَة بنت عبد الملطب وَكَانَت قبل عِنْد مَوْلَاهُ زيد بن حَارِثَة وَطَلقهَا فَزَوجهَا الله تَعَالَى اياه من فَوق سبع سماوات وَأنزل عَلَيْهِ ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا﴾ الْأَحْزَاب ٣٧ فَقَامَ فَدخل عَلَيْهَا بِلَا اسْتِئْذَان وَكَانَت تَفْخَر بذلك على سَائِر أَزوَاج رَسُول الله ﷺ وَتقول زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فَوق سبع سماواته وَهَذَا من خصائصها توفيت بِالْمَدِينَةِ سنة عشْرين ودفنت بِالبَقِيعِ ﵂ وَتزَوج رَسُول الله ﷺ زَيْنَب بنت خُزَيْمَة الْهِلَالِيَّة وَكَانَت

стр. 228

تَحت عبد الله بن جحش تزَوجهَا سنة ثَلَاث من الْهِجْرَة وَكَانَت تسمى أم الْمَسَاكِين لِكَثْرَة إطعامها الْمَسَاكِين وَلم تلبث عِنْد رَسُول الله ﷺ إِلَّا يَسِيرا شَهْرَيْن أَو ثَلَاثَة وَتوفيت ﵂ وَتزَوج رَسُول الله ﷺ جوَيْرِية بنت الْحَارِث من بني المصطلق وَكَانَت سُبيت فِي غَزْوَة بني المصطلق فَوَقَعت فِي سهم ثَابت بن قيس فكاتبها فَقضى رَسُول الله ﷺ كتَابَتهَا وَتَزَوجهَا سنة سِتّ من الْهِجْرَة وَتوفيت سنة سِتّ وَخمسين وَهِي الَّتِي أعتق الْمُسلمُونَ بِسَبَبِهَا مائَة أهل بَيت من الرَّقِيق وَقَالُوا أَصْهَار رَسُول الله ﷺ وَكَانَ ذَلِك من بركتها على قَومهَا ﵂ // إِسْنَاده صَحِيح //

стр. 229

وَتزَوج رَسُول الله ﷺ صَفِيَّة بنت حييّ من ولد هَارُون بن عمرَان أخي مُوسَى سنة سبع فَإِنَّهَا سبيت من خَيْبَر وَكَانَت قبله تَحت كنَانَة بن أبي الْحقيق فَقتله رَسُول الله ﷺ توفيت سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَقيل سنة خمسين وَمن خصائصها أَن رَسُول الله ﷺ أعْتقهَا وَجعل عتقهَا صَدَاقهَا قَالَ أنس أمهرها نَفسهَا وَصَارَ ذَلِك سنة للْأمة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة انه يجوز للرجل أَن يَجْعَل عتق جَارِيَته صَدَاقهَا وَتصير زَوجته على مَنْصُوص الإِمَام أَحْمد ﵀ قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدثنَا إِسْحَاق بن مَنْصُور وَعبد بن حميد قَالَا حَدثنَا عبد الرَّزَّاق أخبرنَا معمر عَن ثَابت عَن أنس قَالَ بلغ صَفِيَّة أَن حَفْصَة قَالَت صَفِيَّة بنت يَهُودِيّ فَبَكَتْ فَدخل عَلَيْهَا النَّبِي ﷺ وَهِي تبْكي فَقَالَ مَا يبكيك قَالَت قَالَت لي حَفْصَة إِنِّي ابْنة يَهُودِيّ فَقَالَ النَّبِي ﷺ إِنَّك لابنَة نَبِي وَإِن عمك لنَبِيّ وَإنَّك لتَحْت نَبِي فَبِمَ تَفْخَر عَلَيْك ثمَّ قَالَ اتَّقِ الله يَا حَفْصَة قَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث صَحِيح غَرِيب من هَذَا الْوَجْه

стр. 230

وَهَذَا من خصائصها ﵂ وَتزَوج رَسُول الله ﷺ مَيْمُونَة بنت الْحَارِث الْهِلَالِيَّة تزَوجهَا بسرف وَبنى بهَا بسرف وَمَاتَتْ بسرف وَهُوَ على سَبْعَة أَمْيَال من مَكَّة وَهِي آخر من تزوج من أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ توفيت سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَهِي خَالَة عبد الله بن عَبَّاس ﵄ فَإِن أمه أم الْفضل بنت الْحَارِث وَهِي خَالَة خَالِد بن الْوَلِيد أَيْضا وَهِي الَّتِي اخْتلفت فِي نِكَاح النَّبِي ﷺ هَل نَكَحَهَا حَلَالا أَو محرما فَالصَّحِيح أَنه تزَوجهَا حَلَالا كَمَا قَالَ أَبُو رَافع السفير فِي نِكَاحهَا وَقد بيّنت وَجه غلط من قَالَ نَكَحَهَا محرما وَتَقْدِيم حَدِيث من

стр. 231

قَالَ تزَوجهَا حَلَالا على عشرَة أوجه مَذْكُورَة فِي غير هَذَا الْموضع فَهَؤُلَاءِ جملَة من دخل بِهن من النِّسَاء وَهن إِحْدَى عشرَة قَالَ الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الْمَقْدِسِي وَغَيره وَعقد على سبع وَلم يدْخل بِهن فَالصَّلَاة على أَزوَاجه تَابِعَة لاحترامهن وتحريمهن على الْأمة وأنهن نساؤه ﷺ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَمن فَارقهَا فِي حَيَاتهَا وَلم يدْخل بهَا لَا يثبت لَهَا أَحْكَام زَوْجَاته اللَّاتِي دخل بِهن وَمَات عَنْهُن ﷺ وعَلى أَزوَاجه وَذريته وَسلم تَسْلِيمًا

стр. 232

فصل وَأما الذُّرِّيَّة فَالْكَلَام فِيهَا فِي مَسْأَلَتَيْنِ الْمَسْأَلَة الأولى فِي لَفظهَا وفيهَا ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا أَنَّهَا من ذَرأ الله الْخلق أَي نشرهم وأظهرهم إِلَّا أَنهم تركُوا همزها استثقالا فأصلها ذريئة بِالْهَمْز فعيلة من الذرء وَهَذَا اخْتِيَار صَاحب الصِّحَاح وَغَيره وَالثَّانِي أَن أَصْلهَا من الذَّر وَهُوَ النَّمْل الصغار وَكَانَ قِيَاس هَذِه النِّسْبَة ذُرِّيَّة بِفَتْح الذَّال وبالياء لكِنهمْ ضمُّوا أَوله وهمزوا آخِره وَهَذَا من بَاب تَغْيِير النّسَب وَهَذَا القَوْل ضَعِيف من وُجُوه مِنْهَا مُخَالفَة بَاب النّسَب وَمِنْهَا إِبْدَال الرَّاء يَاء وَهُوَ غير مقيس وَمِنْهَا أَن لَا اشْتِرَاك بَين الذُّرِّيَّة والذر إِلَّا فِي الذَّال وَالرَّاء وَأما فِي الْمَعْنى فَلَيْسَ مَفْهُوم أَحدهمَا مَفْهُوم الآخر وَمِنْهَا أَن الذَّر من المضاعف والذرية من المعتل أَو المهموز فأحدهما غير الآخر وَالْقَوْل الثَّالِث أَنَّهَا من ذرا يذرو إِذا فرق من قَوْله تَعَالَى

стр. 233

﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ الْكَهْف ٤٥ وَأَصلهَا على هَذَا ذريوه فعلية من الذرو ثمَّ قلبت الْوَاو يَاء لسبق إِحْدَاهمَا بِالسُّكُونِ وَالْقَوْل الأول أصح لِأَن الِاشْتِقَاق وَالْمعْنَى يَشْهَدَانِ لَهُ فَإِن أصل هَذِه الْمَادَّة من الذرء قَالَ الله تَعَالَى ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الْأَنْعَام أَزْوَاجًا يذرؤكم فِيهِ﴾ الشورى ١١ وَفِي الحَدِيث أعوذ بِكَلِمَات الله التامات الَّتِي لَا يجاوزهن بر وَلَا فَاجر من شَرّ مَا خلق وذرأ وبرأ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ﴾ الاعراف ١٧٩ وَقَالَ تعالي ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ﴾ النَّحْل ١٣ فالذرية فعلية مِنْهُ بِمَعْنى مفعولة أَي مذروءة ثمَّ أبدلوا همزها فَقَالُوا ذُرِّيَّة الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة فِي معنى هَذِه اللَّفْظَة وَلَا خلاف بَين أهل اللُّغَة أَن الذُّرِّيَّة تقال على الْأَوْلَاد الصغار وعَلى الْكِبَار أَيْضا قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذريتي﴾

стр. 234

) الْبَقَرَة ١٢٤ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا من بعض﴾ آل عمرَان ١٣٤ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ الْأَنْعَام ٨٧ وَقَالَ تَعَالَى (وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدىً لبني إِسْرَائِيل أَن لَا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً) الْإِسْرَاء ٢ ٣ وَهل تقال الذُّرِّيَّة على الأباء فِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا أَنهم يسمون ذُرِّيَّة أَيْضا احْتَجُّوا على ذَلِك بقوله تَعَالَى ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ يس ٤١ وَأنكر ذَلِك جمَاعَة من أهل اللُّغَة وَقَالُوا لَا يجوز هَذَا فِي اللُّغَة والذرية كالنسل والعقب لَا تكون إِلَّا للعمود الْأَسْفَل وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وإخوانهم﴾ فَذكر جِهَات النّسَب الثَّلَاث من فَوق وَمن أَسْفَل وَمن الْأَطْرَاف قَالُوا وَأما الْآيَة الَّتِي استشهدتم بهَا فَلَا دَلِيل لكم فِيهَا لِأَن الذُّرِّيَّة فِيهَا لم تضف إِلَيْهِم إِضَافَة نسل وإيلاد وَإِنَّمَا أضيفت إِلَيْهِم بِوَجْه مَا وَالْإِضَافَة تكون بِأَدْنَى مُلَابسَة واختصاص وَإِذا كَانَ الشَّاعِر قد أضَاف الْكَوْكَب فِي قَوْله (إِذا كَوْكَب الخرقاء لَاحَ بسحرة ... سُهَيْل أذاعت غزلها فِي القرائب)

стр. 235

فأضاف اليها الْكَوْكَب لِأَنَّهَا كَانَت تغزل إِذا لَاحَ وَظهر وَالِاسْم قد يُضَاف بِوَجْهَيْنِ مُخْتَلفين إِلَى شَيْئَيْنِ وجهة إِضَافَته إِلَى أَحدهمَا غير جِهَة إِضَافَته إِلَى الْأُخَر قَالَ أَبُو طَالب فِي النَّبِي ﷺ (لقد علمُوا أَن ابننا لَا مكذب ... لدينا وَلَا يعزى لقَوْل الأباطل) فأضاف نبوته اليه بِجِهَة غير جِهَة إِضَافَته إِلَى أَبِيه عبد الله وَهَكَذَا لَفْظَة رَسُول الله فَإِن الله سُبْحَانَهُ يضيفه إِلَيْهِ تَارَة كَقَوْلِه ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولنَا﴾ الْمَائِدَة ١٥ وَتارَة إِلَى الْمُرْسل إِلَيْهِم كَقَوْلِه ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ الْمُؤْمِنُونَ ٦٩ فأضافه سُبْحَانَهُ إِلَيْهِ إِضَافَة رَسُول إِلَى مرسله واضافه إِلَيْهِم إِضَافَة رَسُول إِلَى مُرْسل إِلَيْهِم وَكَذَا لفظ كِتَابه فَإِنَّهُ يُضَاف إِلَيْهِ تَارَة فَيُقَال كتاب الله ويضاف إِلَى الْعباد تَارَة فَيُقَال كتَابنَا الْقُرْآن وَكِتَابنَا خير الْكتب وَهَذَا كثير فَهَكَذَا لفظ الذُّرِّيَّة أضيف إِلَيْهِم بِجِهَة غير الْجِهَة الَّتِي أضيف بهَا إِلَى آبَائِهِم

стр. 236

وَقَالَت طَائِفَة بل المُرَاد جنس بني آدم وَلم يقْصد الْإِضَافَة إِلَى الْمَوْجُودين فِي زمن النَّبِي ﷺ وَإِنَّمَا أُرِيد ذُرِّيَّة الْجِنْس وَقَالَت طَائِفَة بل المُرَاد بالذرية نَفسهَا وَهَذَا أبلغ فِي قدرته وتعديد نعمه عَلَيْهِم أَن حمل ذُرِّيتهمْ فِي الْفلك فِي أصلاب آبَائِهِم وَالْمعْنَى أَنا حملنَا الَّذين هم ذُرِّيَّة هَؤُلَاءِ وهم نطف فِي أصلاب الْآبَاء وَقد أشبعنا الْكَلَام على ذَلِك فِي = كتاب الرّوح وَالنَّفس = إِذا ثَبت هَذَا فالذرية الْأَوْلَاد واولادهم وَهل يدْخل فِيهَا أَوْلَاد الْبَنَات فِيهِ قَولَانِ للْعُلَمَاء هما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد إِحْدَاهمَا يدْخلُونَ وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَالثَّانيَِة لَا يدْخلُونَ وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَاحْتج من قَالَ بدخولهم بِأَن الْمُسلمين مجمعون على دُخُول أَوْلَاد فَاطِمَة ﵂ فِي ذُرِّيَّة النَّبِي ﷺ الْمَطْلُوب لَهُم من الله الصَّلَاة لِأَن أحدا من بَنَاته لم يعقب غَيرهَا فَمن انتسب إِلَيْهِ ﷺ من أَوْلَاد ابْنَته فَإِنَّمَا هُوَ من جِهَة فَاطِمَة خَاصَّة وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ فِي الْحسن ابْن ابْنَته إِن ابْني هَذَا سيد فَسَماهُ ابْنه وَلما أنزل الله سُبْحَانَهُ آيَة المباهلة ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أبناءنا وأبناءكم﴾ دَعَا النَّبِي ﷺ فَاطِمَة وحسناً وَحسَيْنا وَخرج للمباهلة

стр. 237

قَالُوا وَأَيْضًا فقد قَالَ تَعَالَى فِي حق إِبْرَاهِيم ﵇ ﴿وَمن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وإلياس﴾ الْأَنْعَام ٨٤ ٨٥ وَمَعْلُوم أَن عِيسَى لم ينْسب إِلَى إِبْرَاهِيم إِلَّا من جِهَة أمه مَرْيَم ﵍ وَأما من قَالَ بِعَدَمِ دُخُولهمْ فحجته أَن ولد الْبَنَات إِنَّمَا ينتسبون إِلَى آبَائِهِم حَقِيقَة وَلِهَذَا إِذا ولد الْهُذلِيّ أَو التَّيْمِيّ أَو الْعَدوي هاشمية لم يكن وَلَدهَا هاشمياًً فَإِن الْوَلَد فِي النّسَب يتبع أَبَاهُ وَفِي الْحُرِّيَّة وَالرّق أمه وَفِي الدّين خيرهما دينا وَلِهَذَا قَالَ الشَّاعِر (بنونا بَنو أَبْنَائِنَا وبناتنا ... بنوهن أَبنَاء الرِّجَال الأباعد) وَلَو وصّى أَو وقف على قَبيلَة لم يدْخل فِيهَا أَوْلَاد بناتها من غَيرهَا قَالُوا واما دُخُول أَوْلَاد فَاطِمَة ﵂ فِي ذُرِّيَّة النَّبِي ﷺ فلشرف هَذَا الأَصْل الْعَظِيم وَالْوَالِد الْكَرِيم الَّذِي لَا يدانيه أحد من الْعَالمين سرى وَنفذ إِلَى أَوْلَاد الْبَنَات لقُوته وجلالته وَعظم قدره وَنحن نرى من لَا نِسْبَة لَهُ إِلَى هَذَا الجناب الْعَظِيم من العظماء والملوك وَغَيرهم تسري حُرْمَة ايالدهم وأبوتهم إِلَى أَوْلَاد بناتهم فتلحظهم الْعُيُون بلحظ أبنائهم ويكادون يضر بون عَن ذكر آبَائِهِم صفحاً فَمَا الظَّن بِهَذَا الإيلاد الْعَظِيم قدره الْجَلِيل خطره قَالُوا وَأما تمسككم بِدُخُول الْمَسِيح فِي ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم فَلَا

стр. 238

حجَّة لكم فِيهِ فَإِن الْمَسِيح لم يكن لَهُ أَب فنسبه من جِهَة الْأَب مُسْتَحِيل فَقَامَتْ أمه مقَام أَبِيه وَلِهَذَا ينْسبهُ الله سُبْحَانَهُ إِلَى امهِ كَمَا ينْسب غَيره من ذَوي الاباء إِلَى أَبِيه وَهَكَذَا كل من انْقَطع نسبه من جِهَة الْأَب إِمَّا بِلعان أَو غَيره فأمه فِي النّسَب تقوم مقَام أَبِيه وَأمه وَلِهَذَا تكون فِي هَذِه الْحَال عصبته فِي أصح الْأَقْوَال وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَات عَن الإِمَام أَحْمد وَهُوَ مُقْتَضى النُّصُوص وَقَول ابْن مَسْعُود ﵁ وَغَيره وَالْقِيَاس يشْهد لَهُ بِالصِّحَّةِ لِأَن النّسَب فِي الأَصْل للْأَب فَإِذا انْقَطع من جِهَته عَاد إِلَى الْأُم فَلَو قدر عوده من جِهَة الْأَب رَجَعَ من الْأُم إِلَيْهِ وَهَكَذَا كَمَا اتّفق النَّاس عَلَيْهِ فِي الْوَلَاء أَنه لموَالِي الاب فَإِذا تعذر رُجُوعه إِلَيْهِم صَار لموَالِي الْأُم فَإِذا أمكن عوده إِلَيْهِم رَجَعَ من موَالِي الْأُم إِلَى معدنه وقراره وَمَعْلُوم أَن الْوَلَاء فرع على النّسَب يحتذى فِيهِ حذوه فَإِذا كَانَ عصبات الْأُم من الْوَلَاء عصبات لهَذَا الْمولى الَّذِي انْقَطع تعصيبه من جِهَة موَالِي أَبِيه فَلِأَن تكون عصبات الْأُم من النّسَب عصبات لهَذَا الْوَلَد الَّذِي انْقَطع تعصيبه من جِهَة أَبِيه بطرِيق الأولى وَإِلَّا فَكيف يثبت هَذَا الحكم فِي الْوَلَاء وَلَا يثبت فِي النّسَب الَّذِي غَايَته أَن يكون مشبهاً بِهِ مفرعا عَلَيْهِ وَهَذَا مِمَّا يدل على أَن الْقيَاس الصَّحِيح لَا يُفَارق النَّص أصلا ويدلك على عمق علم الصَّحَابَة ﵃ وبلوغهم فِي الْعلم إِلَى غَايَة يقصر عَن نيلها السباق وَذَلِكَ فضل الله يؤتيه من يَشَاء وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم

стр. 239

الْفَصْل الْخَامِس فِي ذكر إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن ﷺ وَهَذَا الِاسْم من النّمط الْمُتَقَدّم فَإِن إِبْرَاهِيم بالسُّرْيَانيَّة مَعْنَاهُ أَب رَحِيم وَالله سُبْحَانَهُ جعل إِبْرَاهِيم الْأَب الثَّالِث للْعَالم فَإِن أَبَانَا الأول آدم وَالْأَب الثَّانِي نوح وَأهل الأَرْض كلهم من ذُريَّته كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ الصافات ٧٧ وَبِهَذَا يتَبَيَّن كذب المفترين من الْعَجم الَّذين يَزْعمُونَ أَنهم لَا يعْرفُونَ نوحًا وَلَا وَلَده وَلَا ينسبون إِلَيْهِ وينسبون مُلُوكهمْ من آدم إِلَيْهِم وَلَا يذكرُونَ نوحًا فِي أنسابهم وَقد أكذبهم الله فِي ذَلِك فالأب الثَّالِث أَبُو الْآبَاء وعمود الْعَالم وَإِمَام الحنفاء الَّذِي اتَّخذهُ الله خَلِيلًا وَجعل النُّبُوَّة وَالْكتاب فِي ذُريَّته ذَاك خَلِيل الرَّحْمَن وَشَيخ الْأَنْبِيَاء كَمَا سَمَّاهُ النَّبِي ﷺ بذلك فَإِنَّهُ لما دخل الْكَعْبَة وجد الْمُشْركين قد صورا فِيهَا صورته وَصُورَة إِسْمَاعِيل ابْنه وهما يستقسمان بالأزلام فَقَالَ قَاتلهم الله لقد علمُوا أَن شَيخنَا لم يكن يستقسم بالأزلام وَلم يَأْمر الله سُبْحَانَهُ

стр. 240

رَسُول ﷺ أَن يتبع مِلَّة أحد من الْأَنْبِيَاء غَيره فَقَالَ تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ من الْمُشْرِكِينَ﴾ النَّحْل ١٢٣ وَأمر أمته بذلك فَقَالَ تَعَالَى ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْل﴾ الْحَج ٧٨ وملة مَنْصُوب على إِضْمَار فعل أَي اتبعُوا والزموا مِلَّة ابيكم وَدلّ على الْمَحْذُوف مَا تقدم من قَوْله ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ الْحَج ٧٨ وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ الإغراء وَقيل مَنْصُوب انتصاب المصادر وَالْعَامِل فِيهِ مَضْمُون مَا تقدم قبله وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يُوصي أَصْحَابه إِذا أَصْبحُوا إِذا أَمْسوا أَن يَقُولُوا أَصْبَحْنَا على فطْرَة الْإِسْلَام وَكلمَة الْإِخْلَاص وَدين نَبينَا مُحَمَّد وملة أَبينَا إِبْرَاهِيم حَنِيفا مُسلما وَمَا كَانَ من الْمُشْركين وَتَأمل هَذِه الْأَلْفَاظ كَيفَ جعل الْفطْرَة لِلْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا وَكلمَة الْإِخْلَاص هِيَ شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَالْملَّة لإِبْرَاهِيم فَإِنَّهُ صَاحب الْملَّة وَهِي التَّوْحِيد وَعبادَة الله تَعَالَى وَحده لَا شريك لَهُ ومحبته فَوق كل محبَّة وَالدّين للنَّبِي ﷺ وَهُوَ دينه الْكَامِل وشرعه التَّام الْجَامِع لذَلِك كُله وَسَماهُ سُبْحَانَهُ إِمَامًا وَأمة وقانتا وحنيفا قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ الْبَقَرَة ١٢٤ فَأخْبر

стр. 241

سُبْحَانَهُ أَنه جعله إِمَامًا للنَّاس وَأَن الظَّالِم من ذُريَّته لَا ينَال ربتة الْإِمَامَة والظالم هُوَ الْمُشرك وَأخْبر سُبْحَانَهُ أَن عَهده بِالْإِمَامَةِ لَا ينَال من أشرك بِهِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِراً لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحين﴾ النَّحْل ١٢٠ ١٢٢ فالأمة هُوَ الْقدْوَة الْمعلم للخير وَالْقَانِت الْمُطِيع لله الملازم لطاعته والحنيف الْمقبل على الله المعرض عَمَّا سواهُ وَمن فسره بالمائل فَلم يفسره بِنَفس مَوْضُوع اللَّفْظ وَإِنَّمَا فسره بِلَازِم الْمَعْنى فَإِن الحنف هُوَ الإقبال وَمن أقبل على شَيْء مَال عَن غَيره والحنف فِي الرجلَيْن هُوَ إقبال إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى وَيلْزمهُ ميلها عَن جِهَتهَا قَالَ تَعَالَى ﴿فأقم وَجهك للدّين حَنِيفا فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا﴾ الرّوم ٣٠ فحنيفاً هُوَ حَال مقررة لمضمون قَوْله ﴿فأقم وَجهك للدّين﴾ وَلِهَذَا فسرت مخلصاً فَتكون الْآيَة قد تَضَمَّنت الصدْق وَالْإِخْلَاص فَإِن إِقَامَة الْوَجْه للدّين هُوَ إِفْرَاد طلبه بِحَيْثُ لَا يبْقى فِي الْقلب إِرَادَة لغيره والحنيف الْمُفْرد لَا يُرِيد غَيره فالصدق أَن لَا يَنْقَسِم طَلَبك والافراد أَن لَا يَنْقَسِم مطلوبك الأول تَوْحِيد الطّلب وَالثَّانِي تَوْحِيد الْمَطْلُوب وَالْمَقْصُود أَن إِبْرَاهِيم ﵇ هُوَ أَبونَا الثَّالِث وَهُوَ امام الحنفاء ويسميه أهل الْكتاب عَمُود الْعَالم وَجَمِيع أهل الْملَل متفقة على تَعْظِيمه وتوليه ومحبته وَكَانَ خير بنيه سيد ولد آدم مُحَمَّد ﷺ يجله ويعظمه ويبجله ويحترمه

стр. 242

فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث الْمُخْتَار بن فلفل عَن أنس بن مَالك رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا خير الْبَريَّة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ ذَاك إِبْرَاهِيم وَسَماهُ شَيْخه كَمَا تقدم وَثَبت فِي صَحِيح البُخَارِيّ من حَدِيث سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ انكم مَحْشُورُونَ حُفَاة عُرَاة غرلًا ثمَّ قَرَأَ ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ الْأَنْبِيَاء ١٠٤ أول من يكسى يَوْم الْقِيَامَة إِبْرَاهِيم وَكَانَ رَسُول الله ﷺ أشبه الْخلق بِهِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنهُ قَالَ رَأَيْت إِبْرَاهِيم فَإِذا أقرب النَّاس شبها بِهِ صَاحبكُم يَعْنِي نَفسه ﷺ وَفِي لفظ آخر واما إِبْرَاهِيم فانظروا إِلَى صَاحبكُم وَكَانَ ﷺ يعوذ أَوْلَاد ابْنَته حسنا وَحسَيْنا بتعويذ إِبْرَاهِيم لإسماعيل وَإِسْحَاق فَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس

стр. 243

رَضِي الله عَنهُ قَالَ كَانَ النَّبِي ﷺ يعوذ الْحسن وَالْحُسَيْن وَيَقُول إِن أَبَاكُمَا كَانَ يعوذ بهما إِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق أعوذ بِكَلِمَات الله التَّامَّة من كل شَيْطَان وَهَامة وَمن كل عين لَامة وَكَانَ ﷺ أول من قرى الضَّيْف أول من اختتن أول من رأى الشيب فَقَالَ مَا هَذَا يَا رب قَالَ وقار قَالَ رب زِدْنِي وقارا وَتَأمل ثَنَاء الله سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ فِي اكرام ضَيفه من الْمَلَائِكَة حَيْثُ يَقُول سُبْحَانَهُ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيث ضيف إِبْرَاهِيم الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ الذاريات ٢٣ ٢٧ فَفِي هَذَا الثَّنَاء على إِبْرَاهِيم من وُجُوه مُتعَدِّدَة أَحدهَا أَنه وصف ضَيفه بِأَنَّهُم مكرمون وَهَذَا على أحد الْقَوْلَيْنِ أَنه إكرام إِبْرَاهِيم لَهُم أَنهم المكرمون عِنْد الله وَلَا تنَافِي بَين الْقَوْلَيْنِ فالآية تدل على الْمَعْنيين الثَّانِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِذْ دخلُوا عَلَيْهِ﴾ فَلم يذكر استئذانهم فَفِي هَذَا دَلِيل على أَنه ﷺ كَانَ قد عرف بإكرام الضيفان واعتياد قراهم فَبَقيَ منزله مضيفة مطروقاً لمن ورده لَا يحْتَاج إِلَى الاسْتِئْذَان بل اسْتِئْذَان الدَّاخِل دُخُوله وَهَذَا غَايَة مَا يكون من الْكَرم

стр. 244

الثَّالِث قَوْله لَهُم سَلام بِالرَّفْع وهم سلمُوا عَلَيْهِ بِالنّصب وَالسَّلَام بِالرَّفْع أكمل فَإِنَّهُ يدل على الْجُمْلَة الاسمية الدَّالَّة على الثُّبُوت والتجدد والمنصوب يدل على الفعلية الدَّالَّة على الْحُدُوث والتجدد فإبراهيم حياهم أحسن من تحيتهم فَإِن قَوْلهم سَلاما يدل على سلمنَا سَلاما وَقَوله سَلام أَي سَلام عَلَيْكُم الرَّابِع أَنه حذف من قَوْله ﴿قوم منكرون﴾ فَإِنَّهُ لما أنكرهم وَلم يعرفهُمْ احتشم من مواجهتهم بِلَفْظ ينفر الضَّيْف لَو قَالَ أَنْتُم قوم منكرون فَحذف الْمُبْتَدَأ هُنَا من ألطف الْكَلَام الْخَامِس أَنه بنى الْفِعْل للْمَفْعُول وَحذف فَاعله فَقَالَ ﴿منكرون﴾ وَلم يقل إِنِّي أنكركم وَهُوَ أحسن فِي هَذَا الْمقَام وَأبْعد من التنفير والمواجهة بالخشونة السَّادِس أَنه راغ إِلَى أَهله ليجيئهم بنزلهم والروغان هُوَ الذّهاب فِي اختفاء بِحَيْثُ لَا يكَاد يشْعر بِهِ الضَّيْف وَهَذَا من كرم رب الْمنزل المضيف أَن يذهب فِي اختفاء بِحَيْثُ لَا يشْعر بِهِ الضَّيْف فَيشق عَلَيْهِ ويستحي فَلَا يشْعر بِهِ إِلَّا وَقد جَاءَهُ بِالطَّعَامِ بِخِلَاف من يسمع ضَيفه وَيَقُول لَهُ أَو لمن حضر مَكَانكُمْ حَتَّى آتيكم بِالطَّعَامِ وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يُوجب حَيَاء الضَّيْف واحتشامه السَّابِع أَنه ذهب إِلَى أَهله فجَاء بالضيافة فَدلَّ على أَن ذَلِك كَانَ معدا عِنْدهم مهيئا للضيفان وَلم يحْتَج أَن يذهب إِلَى غَيرهم من جِيرَانه أَو غَيرهم فيشتريه أَو يستقرضه الثَّامِن قَوْله تَعَالَى ﴿فجَاء بعجل سمين﴾ دلّ على خدمته للضيف بِنَفسِهِ وَلم يقل فَأمر لَهُم بل هُوَ الَّذِي ذهب وَجَاء بِهِ بِنَفسِهِ وَلم يَبْعَثهُ مَعَ خادمه وَهَذَا أبلغ فِي إكرام الضَّيْف

стр. 245

التَّاسِع أَنه جَاءَ بعجل كَامِل وَلم يَأْتِ ببضعة مِنْهُ وَهَذَا من تَمام كرمه ﷺ الْعَاشِر إِنَّه سمين لَا هزيل وَمَعْلُوم أَن ذَلِك من أَفْخَر أَمْوَالهم وَمثله يتَّخذ للاقتناء والتربية فآثر بِهِ ضيفانه الْحَادِي عشر أَنه قربه إِلَيْهِم بِنَفسِهِ وَلم يَأْمر خادمه بذلك الثَّانِي عشر أَنه قربه وَلم يقربهُمْ إِلَيْهِ وَهَذَا أبلغ فِي الْكَرَامَة أَن يجلس الضَّيْف ثمَّ يقرب الطَّعَام إِلَيْهِ ويحمله إِلَى حَضرته وَلَا يضع الطَّعَام فِي نَاحيَة ثمَّ يَأْمر الضَّيْف بِأَن يتَقرَّب إِلَيْهِ الثَّالِث عشر أَنه قَالَ ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ وَهَذَا عرض وتلطف فِي القَوْل وَهُوَ أحسن من قَوْله كلوا أَو مدوا ايديكم وَهَذَا مِمَّا يعلم النَّاس بعقولهم حسنه ولطفه وَلِهَذَا يَقُولُونَ بِسم الله أَو أَلا تَتَصَدَّق أَو أَلا تجبر وَنَحْو ذَلِك الرَّابِع عشر أَنه إِنَّمَا عرض عَلَيْهِم الْأكل لِأَنَّهُ رَآهُمْ لَا يَأْكُلُون وَلم يكن ضيوفه يَحْتَاجُونَ مَعَه إِلَى الْإِذْن فِي الْأكل بل كَانَ إِذا قدم إِلَيْهِم الطَّعَام أكلُوا وَهَؤُلَاء الضيوف لما امْتَنعُوا من الْأكل قَالَ لَهُم أَلا تَأْكُلُونَ وَلِهَذَا أوجس مِنْهُم خيفة أَي أحسها وأضمرها فِي نَفسه وَلم يبدها لَهُم وَهُوَ الْوَجْه الْخَامِس عشر فَإِنَّهُم لما امْتَنعُوا من آكل طَعَامه خَافَ مِنْهُم وَلم يظْهر لَهُم ذَلِك فَلَمَّا علمت الْمَلَائِكَة مِنْهُ ذَلِك قَالُوا لَا تخف وبشروه بالغلام فقد جمعت هَذِه الْآيَة آدَاب الضِّيَافَة الَّتِي هِيَ أشرف الْآدَاب وَمَا عَداهَا من التكلفات الَّتِي هِيَ تخلف وتكلف إِنَّمَا هِيَ

стр. 246

من أوضاع النَّاس وعوائدهم وَكفى بِهَذِهِ الْآدَاب شرفاً وفخراً فصلى الله على نَبينَا وعَلى إِبْرَاهِيم وعَلى آلهما وعَلى سَائِر النَّبِيين وَقد شهد الله سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ وفى مَا أَمر بِهِ فَقَالَ تَعَالَى ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ النَّجْم ٣٦ ٣٧ قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ وفى جَمِيع شرائع الْإِسْلَام ووفى مَا أَمر بِهِ من تَبْلِيغ الرسَالَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ الْبَقَرَة ١٢٤ فَلَمَّا أتم مَا أَمر بِهِ من الْكَلِمَات جعله الله إِمَامًا لِلْخَلَائِقِ يأتمون بِهِ وَكَانَ ﷺ كَمَا قيل قلبه للرحمن وَولده للقربان وبدنه للنيران وَمَاله للضيفان وَلما اتَّخذهُ ربه خَلِيلًا والخلة هِيَ كَمَال الْمحبَّة وَهِي مرتبَة لَا تقبل الْمُشَاركَة والمزاحمة وَكَانَ قد سَأَلَ ربه أَن يهب لَهُ ولدا صَالحا فوهب لَهُ إِسْمَاعِيل فَأخذ هَذَا الْوَلَد شُعْبَة من قلبه فغار الْخَلِيل على قلب خَلِيله أَن يكون فِيهِ مَكَان لغيره فامتحنه بذَبْحه ليظْهر سر الْخلَّة فِي تَقْدِيمه محبَّة خَلِيله على محبَّة وَلَده فَلَمَّا استسلم لأمر ربه وعزم على فعله وَظهر سُلْطَان الْخلَّة فِي الْإِقْدَام على ذبح الْوَلَد إيثاراً لمحبة خَلِيله على محبته نسخ الله ذَلِك عَنهُ وفداه بِالذبْحِ الْعَظِيم لِأَن الْمصلحَة فِي الذّبْح كَانَت ناشئة من الْعَزْم وتوطين النَّفس على مَا أَمر بِهِ فَلَمَّا حصلت هَذِه الْمصلحَة عَاد

стр. 247

الذّبْح مفْسدَة فنسخ فِي حَقه فَصَارَت الذَّبَائِح والقرابين من الْهَدَايَا والضحايا سنة فِي أَتْبَاعه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَهُوَ الَّذِي فتح للْأمة بَاب مناظرة الْمُشْركين وَأهل الْبَاطِل وَكسر حججهم وَقد ذكر الله سُبْحَانَهُ مناظراته فِي الْقُرْآن مَعَ إِمَام المعطلين ومناظرته مَعَ قومه الْمُشْركين وَكسر حجج الطَّائِفَتَيْنِ بِأَحْسَن مناظرة وأقربها إِلَى الْفَهم وَحُصُول الْعلم قَالَ تَعَالَى ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نشَاء﴾ الْأَنْعَام ٨٣ قَالَ زيد بن أسلم وَغَيره بِالْحجَّةِ وَالْعلم وَلما غلب أَعدَاء الله مَعَه بِالْحجَّةِ وَظَهَرت حجَّته عَلَيْهِم وَكسر أصنامهم فَكسر حججهم ومعبودهم هموا بعقوبته وإلقائه فِي النَّار وَهَذَا شَأْن المبطلين إِذا غلبوا وَقَامَت عَلَيْهِم الْحجَّة همو بالعقوبة كَمَا قَالَ فِرْعَوْن لمُوسَى ﵇ وَقد أَقَامَ عَلَيْهِ الْحجَّة ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ الشُّعَرَاء ٢٩ فأضرموا لَهُ النَّار وألقوه فِي المنجنيق فَكَانَت تِلْكَ السفرة من أعظم سفرة سافرها وأبركها عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مَا سَافر سفرة أبرك وَلَا أعظم وَلَا أرفع لشأنه وَأقر لعَينه مِنْهَا وَفِي تِلْكَ السفرة عرض لَهُ جِبْرِيل بَين السَّمَاء وَالْأَرْض فَقَالَ يَا إِبْرَاهِيم أَلَك حَاجَة قَالَ أما إِلَيْك فَلَا قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ آل عمرَان ١٧٢ قَالَهَا نَبِيكُم وَقَالَهَا

стр. 248

إِبْرَاهِيم حِين ألقِي فِي النَّار فَجعل الله سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ النَّار بردا وَسلَامًا وَقد ثَبت فِي صَحِيح البُخَارِيّ من حَدِيث أم شريك أَن النَّبِي ﷺ أَمر بقتل الوزغ وَقَالَ كَانَت تنفح على إِبْرَاهِيم وَهُوَ الَّذِي بنى بَيت الله وَأذن فِي النَّاس بحجه فَكل من حجه واعتمره حصل لإِبْرَاهِيم من مزِيد ثَوَاب الله وكرامته بِعَدَد الْحجَّاج والمعتمرين قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى﴾ الْبَقَرَة ١٢٥ فَأمر نبيه ﷺ وَأمته أَن يتخذوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى تَحْقِيقا للاقتداء بِهِ وإحياء آثاره ﷺ على نَبينَا عَلَيْهِ وَسلم ومناقب هَذَا الإِمَام الْأَعْظَم وَالنَّبِيّ الاكرام أجل من أَن يُحِيط بهَا كتاب وَإِن مد الله فِي الْعُمر أفردنا كتابا فِي ذَلِك يكون قَطْرَة فِي بَحر فضائله أَو أقل جعلنَا الله مِمَّن ائتم بِهِ وَلَا جعلنَا مِمَّن عدل عَن مِلَّته بمنه وَكَرمه وَقد روى لنا عَنهُ النَّبِي ﷺ حَدِيثا وَقع لنا مُتَّصِل الرِّوَايَة إِلَيْهِ

стр. 249

روينَاهُ فِي كتاب التِّرْمِذِيّ وَغَيره من حَدِيث الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لقِيت إِبْرَاهِيم لَيْلَة أسرِي بِي فَقَالَ يَا مُحَمَّد اقرئ امتك مني السَّلَام وَأخْبرهمْ أَن الْجنَّة طيبَة التربة عذبة المَاء وَأَنَّهَا قيعان وَأَن غراسها سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر قَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث حسن

стр. 250

الْفَصْل السَّادِس فِي ذكر الْمَسْأَلَة الْمَشْهُورَة بَين النَّاس وَبَيَان مَا فِيهَا وَهِي أَن النَّبِي ﷺ أفضل من إِبْرَاهِيم فَكيف طلب لَهُ من الصَّلَاة مَا لإِبْرَاهِيم مَعَ أَن الْمُشبه بِهِ أَصله أَن يكون فَوق الْمُشبه فَكيف الْجمع بَين هذَيْن الْأَمريْنِ المتنافيين وَنحن نذْكر مَا قَالَه النَّاس فِي هَذَا وَمَا فِيهِ من صَحِيح وفاسد فَقَالَت طَائِفَة هَذِه الصَّلَاة علمهَا النَّبِي ﷺ أمته قبل أَن يعرف أَنه سيد ولد آدم وَلَو سكت قَائِل هَذَا لَكَانَ أولى بِهِ وَخيرا لَهُ فَإِن هَذِه هِيَ الصَّلَاة الَّتِي علمهمْ النَّبِي ﷺ إِيَّاهَا لما سَأَلُوهُ عَن تَفْسِير ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَته يصلونَ على النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذين آمنُوا صلوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ الْأَحْزَاب ٥٦ فعلمهم هَذِه الصَّلَاة وَجعلهَا مَشْرُوعَة فِي صلوَات الْأمة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَالنَّبِيّ ﷺ لم يزل أفضل ولد آدم قبل أَن يعلم بذلك وَبعده وَبعد أَن علم بذلك لم يُغير نظم الصَّلَاة الَّتِي علمهَا أمته وَلَا أبدلها بغَيْرهَا وَلَا روى عَنهُ أحد خلَافهَا فَهَذَا من أفسد جَوَاب يكون وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى هَذَا السُّؤَال والطلب شرع ليتخذه الله خَلِيلًا كَمَا اتخذ إِبْرَاهِيم خَلِيلًا
следующие страницы →