Полный текст (451 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
قَوْله لم يعلّمها النَّبِي ﷺ الْمُسِيء فِي الصَّلَاة وَلَو كَانَت فرضا لعلمها إِيَّاه جَوَابه من وُجُوه
أَحدهَا أَن حَدِيث الْمُسِيء هَذَا قد جعله الْمُتَأَخّرُونَ مُسْتَندا لَهُم فِي نفي كل مَا ينفون وُجُوبه وَحَمَلُوهُ فَوق طاقته وبالغوا فِي نفي مَا اخْتلف فِي وُجُوبه بِهِ فَمن نفى وجوب الْفَاتِحَة احْتج بِهِ وَمن نفى وجوب التَّسْلِيم احْتج بِهِ وَمن نفى وجوب الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ احْتج بِهِ وَمن نفى وجوب أذكار الرُّكُوع وَالسُّجُود وركني الِاعْتِدَال احْتج بِهِ وَمن نفى وجوب تَكْبِيرَات الِانْتِقَالَات احْتج بِهِ وكل هَذَا تساهل واسترسال فِي الِاسْتِدْلَال وَإِلَّا فَعِنْدَ التَّحْقِيق لَا يَنْفِي وجوب شَيْء من ذَلِك بل غَايَته أَن يكون قد سكت عَن وُجُوبه ونفيه فإيجابه بالأدلة الْمُوجبَة لَهُ لَا يكون مُعَارضا بِهِ
فَإِن قيل سُكُوته عَن الْأَمر بِغَيْر مَا أمره بِهِ يدل على أَنه لَيْسَ بِوَاجِب لِأَنَّهُ فِي مقَام الْبَيَان وَتَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْحَاجة غير جَائِز قيل هَذَا لَا يُمكن أحد أَن يسْتَدلّ بِهِ على هَذَا الْوَجْه فَإِنَّهُ يلْزمه أَن يَقُول لَا يجب التَّشَهُّد وَلَا الْجُلُوس لَهُ وَلَا السَّلَام وَلَا النِّيَّة وَلَا قِرَاءَة الْفَاتِحَة وَلَا كل شَيْء لم يذكرهُ فِي الحَدِيث وطرد هَذَا أَنه لَا يجب عَلَيْهِ اسْتِقْبَال الْقبْلَة وَلَا الصَّلَاة فِي الْوَقْت لِأَنَّهُ لم يَأْمُرهُ بهما وَهَذَا لَا يَقُوله أحد
فَإِن قُلْتُمْ إِنَّمَا علمه مَا أَسَاءَ فِيهِ وَهُوَ لم يسيء فِي ذَلِك قيل لكم فاقنعوا بِهَذَا الْجَواب من منازعيكم فِي كل مَا نفيتم وُجُوبه بِحَدِيث الْمُسِيء هَذَا
الثَّانِي مَا أَمر بِهِ النَّبِي ﷺ من أَجزَاء الصَّلَاة دَلِيل ظَاهر
стр. 317
فِي الْوُجُوب وَترك أمره للمسيء بِهِ يحْتَمل أموراً
مِنْهَا انه لم يسىء فِيهِ
وَمِنْهَا أَنه وَجب بعد ذَلِك
وَمِنْهَا أَنه علمه مُعظم الْأَركان وأهمها واحال بَقِيَّة تعميمه على مشاهدته ﷺ فِي صلَاته أَو على تَعْلِيم بعض الصَّحَابَة لَهُ فَإِنَّهُ ﷺ كَانَ يَأْمُرهُم بتعليم بَعضهم بَعْضًا فَكَانَ من المستقر عِنْدهم أَنه دلهم فِي تَعْلِيم الْجَاهِل وإرشاد الضال وَأي مَحْذُور فِي أَن يكون النَّبِي ﷺ علمه الْبَعْض وَعلمه أَصْحَابه الْبَعْض الآخر وَإِذا احْتمل هَذَا لم يكن هَذَا المشتبه الْمُجْمل مُعَارضا لأدلة وجوب الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ وَلَا غَيرهَا من وَاجِبَات الصَّلَاة فضلا عَن أَن يقدم عَلَيْهَا فَالْوَاجِب تَقْدِيم الصَّرِيح الْمُحكم على المشتبه الْمُجْمل وَالله أعلم
قَوْله الْفَرَائِض إِنَّمَا تثبت بِدَلِيل صَحِيح لَا معَارض لَهُ من مثله أَو بِإِجْمَاع
قُلْنَا اسمعوا أدلتنا الْآن على الْوُجُوب فلنا عَلَيْهِ أَدِلَّة
الدَّلِيل الأول قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على النَّبِي يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا صلوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ الْأَحْزَاب ٥٦ وَوجه الدّلَالَة أَن الله سُبْحَانَهُ أَمر الْمُؤمنِينَ بِالصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيم على رَسُول الله ﷺ وَأمره الْمُطلق على الْوُجُوب مَا لم يقم دَلِيل على خِلَافه
وَقد ثَبت أَن أَصْحَابه ﵃ سَأَلُوهُ عَن كَيْفيَّة هَذِه الصَّلَاة الْمَأْمُور بهَا فَقَالَ قُولُوا اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد الحَدِيث
стр. 318
وَقد ثَبت أَن السَّلَام الَّذِي علموه هُوَ السَّلَام عَلَيْهِ فِي الصَّلَاة وَهُوَ سَلام التَّشَهُّد فمخرج الْأَمريْنِ والتعليمين والمحلين وَاحِد
يُوضحهُ أَنه علمهمْ التَّشَهُّد آمراً لَهُم بِهِ فِيهِ
وَفِيه ذكر التَّسْلِيم عَلَيْهِ ﷺ فَسَأَلُوهُ عَن الصَّلَاة عَلَيْهِ فعلمهم إِيَّاهَا ثمَّ شبهها بِمَا علموه من التَّسْلِيم عَلَيْهِ وَهَذَا يدل على أَن الصَّلَاة وَالتَّسْلِيم الْمَذْكُورين فِي الحَدِيث هما الصَّلَاة وَالتَّسْلِيم عَلَيْهِ فِي الصَّلَاة
يُوضحهُ أَنه لَو كَانَ المُرَاد بِالصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيم عَلَيْهِ خَارج الصَّلَاة لَا فِيهَا لَكَانَ كل مُسلم مِنْهُم إِذا سلم علهي يَقُول لَهُ السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته وَمن الْمَعْلُوم أَنهم لم يَكُونُوا يتقيدون فِي السَّلَام عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّة بل كَانَ الدَّاخِل مِنْهُم يَقُول السَّلَام عَلَيْكُم وَرُبمَا قَالَ السَّلَام على رَسُول الله وَرُبمَا قَالَ السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله وَنَحْو ذَلِك وهم لم يزَالُوا يسلمُونَ عَلَيْهِ من أول الْإِسْلَام بِتَحِيَّة الْإِسْلَام وَإِنَّمَا الَّذِي علموه قدر زَائِد عَلَيْهَا وَهُوَ السَّلَام عَلَيْهِ فِي الصَّلَاة
يُوضحهُ حَدِيث أبي إِسْحَاق كَيفَ نصلي عَلَيْك إِذا نَحن صلينَا فِي صَلَاتنَا وَقد صحّح هَذِه اللَّفْظَة جمَاعَة من الْحفاظ مِنْهُم ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وَالْحَاكِم وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَقد تقدم فِي أول الْكتاب وَمَا أعلت بِهِ وَالْجَوَاب عَن ذَلِك وَإِذا تقرر أَن الصَّلَاة المسؤول عَن كيفيتها هِيَ الصَّلَاة عَلَيْهِ فِي نفس الصَّلَاة وَقد خرج ذَلِك مخرج الْبَيَان الْمَأْمُور بِهِ مِنْهَا فِي الْقُرْآن ثَبت أَنَّهَا على الْوُجُوب ويضاف إِلَى ذَلِك أَمر النَّبِي ﷺ بهَا وَلَعَلَّ هَذَا وَجه مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الإِمَام أَحْمد رَحمَه الله تَعَالَى بقوله كنت اته
стр. 319
ذَلِك ثمَّ تبينت فَإِذا هِيَ وَاجِبَة وَقد تقدم حِكَايَة كَلَامه وعَلى هَذَا الِاسْتِدْلَال أسئلة
أَحدهَا أَن قَوْله ﷺ وَالسَّلَام كَمَا علمْتُم يحْتَمل أَمريْن
أَحدهمَا أَن يُرَاد بِهِ السَّلَام عَلَيْهِ فِي الصَّلَاة
وَالثَّانِي أَن يُرَاد بِهِ السَّلَام من الصَّلَاة نَفسهَا قَالَه ابْن عبد الْبر
الثَّانِي أَن غَايَة مَا ذكرْتُمْ إِنَّمَا يدل دلَالَة اقتران الصَّلَاة بِالسَّلَامِ وَالسَّلَام وَاجِب فِي التَّشَهُّد فَكَذَا الصَّلَاة وَدلَالَة الاقتران ضَعِيفَة
الثَّالِث أَنا لَا نسلم وجوب السَّلَام وَلَا الصَّلَاة وَهَذَا الِاسْتِدْلَال مِنْكُم إِنَّمَا يتم بعد تَسْلِيم وجوب السَّلَام عَلَيْهِ ﷺ
وَالْجَوَاب عِنْد هَذِه الأسئلة
أما الأول ففاسد جدا فَإِن فِي نفس الحَدِيث مَا يُبطلهُ وَهُوَ أَنهم قَالُوا هَذَا السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله قد عَرفْنَاهُ فَكيف الصَّلَاة عَلَيْك
لفظ البُخَارِيّ فِي حَدِيث أبي سعيد ﵁ وَأَيْضًا فَإِنَّهُم إِنَّمَا سَأَلُوا النَّبِي ﷺ عَن كَيْفيَّة الصَّلَاة وَالسَّلَام الْمَأْمُور بهما فِي الْآيَة لَا عَن كَيْفيَّة السَّلَام من الصَّلَاة
وَأما السُّؤَال الثَّانِي فسؤال من لم يفهم وَجه تَقْرِير الدّلَالَة فَإنَّا لم نحتج بِدلَالَة الاقتران وَإِنَّمَا استدللنا بِالْأَمر بهَا فِي الْقُرْآن وَبينا أَن الصَّلَاة الَّتِي سَأَلُوا النَّبِي ﷺ إِن يعلمهُمْ إِيَّاهَا إِنَّمَا هِيَ الصَّلَاة الَّتِي فِي الصَّلَاة
وَأما السُّؤَال الثَّالِث فَفِي غَايَة الْفساد فَإِنَّهُ لَا يعْتَرض على
стр. 320
الْأَدِلَّة من الْكتاب وَالسّنة بِخِلَاف الْمُخَالف فَكيف يكون خلافكم فِي مَسْأَلَة قد قَامَ الدَّلِيل على قَول منازعيكم فِيهَا مُبْطلًا لدَلِيل صَحِيح لَا معَارض لَهُ فِي مَسْأَلَة أُخْرَى وَهل هَذَا إِلَّا عكس طَريقَة أهل الْعلم فَإِن الْأَدِلَّة هِيَ الَّتِي تبطل مَا خالفها من الْأَقْوَال ويعترض بهَا على من خَالف مُوجبهَا فَتقدم على كل قَول اقْتضى خلَافهَا لَا أَن أَقْوَال الْمُجْتَهدين تعَارض بهَا الْأَدِلَّة وَتبطل مقتضاها وَتقدم عَلَيْهَا
ثمَّ إِن الحَدِيث حجَّة عَلَيْكُم فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ فَإِنَّهُ دَلِيل على وجوب التَّسْلِيم وَالصَّلَاة عَلَيْهِ ﷺ فَيجب الْمصير اليه
الدَّلِيل الثَّانِي أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يَقُول ذَلِك فِي التَّشَهُّد وأمرنا أَن نصلي كصلاته وَهَذَا يدل على وجوب فعل مَا فعل فِي الصَّلَاة إِلَّا مَا خصّه الدَّلِيل فهاتان مقدمتان
أما الْمُقدمَة الأولى فبيانها مَا روى الشَّافِعِي فِي مُسْنده عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد حَدثنِي سعد بن إِسْحَاق عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عَن كَعْب بن عجْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه كَانَ يَقُول فِي الصَّلَاة اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا صليت على إِبْرَاهِيم وَآل إِبْرَاهِيم وَبَارك على مُحَمَّد وَآل مُحَمَّد كَمَا باركت على إِبْرَاهِيم وَآل إِبْرَاهِيم إِنَّك حميد مجيد وَهَذَا وَإِن كَانَ فِيهِ إِبْرَاهِيم بن أبي يحيى فقد وَثَّقَهُ جمَاعَة مِنْهُم الشَّافِعِي ﵀ وَابْن الْأَصْبَهَانِيّ وَابْن عدي وَابْن عقدَة وَضَعفه آخَرُونَ
стр. 321
أما الْمُقدمَة الثَّانِيَة فبيانها مَا روى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن مَالك بن الْحُوَيْرِث قَالَ أَتَيْنَا النَّبِي ﷺ وَنحن شببة متقاربون فَأَقَمْنَا عِنْده عشْرين لَيْلَة فَظن أَنا اشتقنا إِلَى أهلنا وَسَأَلنَا عَمَّن تركنَا فِي أهلنا فَأَخْبَرنَاهُ وَكَانَ رَفِيقًا رحِيما فَقَالَ ارْجعُوا إِلَى أهليكم فعلموهم ومروهم وصلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي وَإِذا حضرت الصَّلَاة فليؤذن أحدكُم وليؤمكم أكبركم
وعَلى هَذَا الِاسْتِدْلَال من الأسئلة والاعتراضات مَا هُوَ مَذْكُور فِي غير هَذَا الْموضع
الدَّلِيل الثَّالِث حَدِيث فضَالة بن عبيد فَإِن النَّبِي ﷺ قَالَ لَهُ أَو لغيره إِذا صلى أحدكُم فليبدأ بتحميد الله وَالثنَاء عَلَيْهِ وَالصَّلَاة ثمَّ ليصل على النَّبِي ﷺ ثمَّ ليَدع بِمَا شَاءَ وَقد تقدم رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد رَحمَه الله تَعَالَى وَأهل السّنَن وَصَححهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وَالْحَاكِم
وَاعْترض عَلَيْهِ بِوُجُوه
أَحدهَا أَن النَّبِي ﷺ لم يَأْمر هَذَا الْمُصَلِّي بِالْإِعَادَةِ وَقد تقدم جَوَابه
الثَّانِي أَن هَذَا الدُّعَاء كَانَ بعد انْقِضَاء الصَّلَاة لَا فِيهَا بِدَلِيل مَا روى التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه من حَدِيث رشدين فِي هَذَا بَينا
стр. 322
رَسُول الله ﷺ قَاعد إِذْ دخل رجل فصلى فَقَالَ اللَّهُمَّ أَغفر لي وارحمني فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أَيهَا الْمُصَلِّي إِذا صليت فَقَعَدت فاحمد الله بِمَا هُوَ أَهله وصل عَليّ ثمَّ ادْعُه
وَجَوَاب هَذَا من وُجُوه
أَحدهَا أَن رشدين ضعفه أَبُو زرْعَة وَغَيره فَلَا يكون حجَّة مَعَ استقلاله فَكيف إِذا خَالف الثِّقَات الْإِثْبَات لِأَن كل من روى هَذَا الحَدِيث قَالَ فِيهِ سمع النَّبِي ﷺ رجلا يَدْعُو فِي صلَاته
الثَّانِي أَن رشدين لم يقل فِي حَدِيثه إِن هَذَا الدَّاعِي دَعَا بعد انْقِضَاء الصَّلَاة وَلَا يدل لَفظه على ذَلِك بل قَالَ فصلى فَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِر لي وَهَذَا لَا يدل على أَنه قَالَ بعد فَرَاغه من الصَّلَاة وَنَفس الحَدِيث دَلِيل على ذَلِك فَإِنَّهُ قَالَ إِذا صلى أحدكُم فليبدأ بتحميد الله وَمَعْلُوم أَنه لم يرد بذلك الْفَرَاغ من الصَّلَاة بل الدُّخُول فِيهَا وَلَا سِيمَا فَإِن عَامَّة أدعية النَّبِي ﷺ إِنَّمَا كَانَت فِي الصَّلَاة لَا بعْدهَا لحَدِيث أبي هُرَيْرَة وَعلي وَأبي مُوسَى وَعَائِشَة وَابْن عَبَّاس وَحُذَيْفَة وعمار وَغَيرهم وَلم ينْقل أحد مِنْهُم أَنه ﷺ كَانَ يَدْعُو بِهِ فِي صلَاته فِي حَدِيث صَحِيح
وَلما سَأَلَهُ الصّديق دُعَاء يَدْعُو بِهِ فِي صلَاته لم يقل ادْع بِهِ خَارج الصَّلَاة وَلم يقل لهَذَا الدَّاعِي ادْع بِهِ بعد سلامك من الصَّلَاة لَا سِيمَا وَالْمُصَلي مناج ربه مقبل عَلَيْهِ فدعاؤه ربه تَعَالَى فِي هَذِه الْحَال أنسب من دُعَائِهِ لَهُ بعد انْصِرَافه عَنهُ وفراغه من مناجاته
الثَّالِث أَن قَوْله ﷺ فاحمد الله بِمَا هُوَ أَهله إِنَّمَا أَرَادَ
стр. 323
بِهِ التَّشَهُّد فِي الْقعُود وَلِهَذَا قَالَ إِذا صليت فَقَعَدت يَعْنِي فِي تشهدك فَأمره بِحَمْد الله وَالثنَاء عَلَيْهِ وَالصَّلَاة على رَسُوله ﷺ
الِاعْتِرَاض الثَّالِث أَن الَّذِي أمره أَن يُصَلِّي فِيهِ وَيَدْعُو بعد تحميد الله غير معِين فَلم قُلْتُمْ إِنَّه بعد التَّشَهُّد
وَجَوَاب هَذَا أَنه لَيْسَ فِي الصَّلَاة مَوضِع يشرع فِيهِ الثَّنَاء على الله ثمَّ الصَّلَاة على رَسُوله ثمَّ الدُّعَاء إِلَّا فِي التَّشَهُّد آخر الصَّلَاة فَإِن ذَلِك لَا يشرع فِي الْقيام وَلَا الرُّكُوع وَلَا السُّجُود اتِّفَاقًا فَعلم أَنه إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ آخر الصَّلَاة حَال جُلُوسه فِي التَّشَهُّد
الِاعْتِرَاض الرَّابِع أَنه أمره فِيهِ بِالدُّعَاءِ عقب الصَّلَاة عَلَيْهِ وَالدُّعَاء لَيْسَ بِوَاجِب فَكَذَا الصَّلَاة عَلَيْهِ ﷺ
وَجَوَاب هَذَا أَنه لَا يَسْتَحِيل أَن يَأْمر بشيئين فَيقوم الدَّلِيل على عدم وجوب أَحدهمَا فَيبقى الْأُخَر على أصل الْوُجُوب
الثَّانِي أَن هَذَا الْمَذْكُور من الْحَمد وَالثنَاء هُوَ وَاجِب قبل الدُّعَاء فَإِنَّهُ هُوَ التَّشَهُّد وَقد أَمر النَّبِي ﷺ بِهِ وَأخْبر الصَّحَابَة أَنه فرض عَلَيْهِم وَلم يكن اقتران الْأَمر بِالدُّعَاءِ بِهِ مسْقطًا لوُجُوبه فَكَذَا الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ
الثَّالِث أَن قَوْلكُم الدُّعَاء لَا يجب بَاطِل فَإِن من الدُّعَاء مَا هُوَ وَاجِب وَهُوَ الدُّعَاء بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَار من الذُّنُوب وَالْهِدَايَة وَالْعَفو وَغَيرهَا وَقد روى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من لم يسْأَل الله يغْضب عَلَيْهِ // حَدِيث حسن // وَالْغَضَب لَا يكون إِلَّا على ترك وَاجِب أَو فعل محرم
стр. 324
الِاعْتِرَاض الْخَامِس أَنه لَو كَانَت الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ فرضا فِي الصَّلَاة لم يُؤَخر بَيَانهَا إِلَى هَذَا الْوَقْت حَتَّى يرى رجلا لَا يَفْعَلهَا فيأمره بهَا ولكان الْعلم بِوُجُوبِهَا مستفاداً قبل هَذَا الحَدِيث
وَجَوَاب هَذَا أَنا لم نقل إِنَّهَا وَجَبت على الْأمة إِلَّا بِهَذَا الحَدِيث بل هَذَا الْمُصَلِّي كَانَ قد تَركهَا فَأمره النَّبِي ﷺ بِمَا هُوَ مُسْتَقر مَعْلُوم من شَرعه وَهَذَا كَحَدِيث الْمُسِيء فِي صلَاته فَإِن وجوب الرُّكُوع وَالسُّجُود والطمأنينة على الْأمة لم يكن مستفاداً من حَدِيثه وَتَأْخِير بَيَان النَّبِي ﷺ لذَلِك إِلَى حِين صَلَاة هَذَا الْأَعرَابِي وَإِنَّمَا أمره أَن يُصَلِّي الصَّلَاة الَّتِي شرعها لأمته قبل هَذَا
الِاعْتِرَاض السَّادِس أَن أَبَا دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ قَالَا فِي هَذَا الحَدِيث حَدِيث فضَالة فَقَالَ لَهُ أَو لغيره بِحرف أَو وَلَو كَانَ هَذَا وَاجِبا على كل مُكَلّف لم يكن ذَلِك لَهُ أَو لغيره
وَهَذَا اعْتِرَاض فَاسد من وُجُوه
أَحدهَا أَن الرِّوَايَة الصَّحِيحَة الَّتِي رَوَاهَا ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فَقَالَ لَهُ وَلغيره بِالْوَاو وَكَذَا رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهم
الثَّانِي أَن أَو هُنَا لَيست للتَّخْيِير بل للتقسيم وَالْمعْنَى أَن أَي مصل صلى فَلْيقل ذَلِك هَذَا أَو غَيره كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَلَا﴾
стр. 325
تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَو كفورا) الدَّهْر ٣٤ لَيْسَ المُرَاد التَّخْيِير بل الْمَعْنى أَن أَيهمَا كَانَ فَلَا تطعه إِمَّا هَذَا وَإِمَّا هَذَا
الثَّالِث أَن الحَدِيث صَرِيح فِي الْعُمُوم بقوله إِذا صلى أحدكُم فليبدأ بتحميد الله فَذكره
الرَّابِع أَن فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة علمهمْ رَسُول الله ﷺ فَذكره وَهَذَا عَام
الدَّلِيل الرَّابِع ثَلَاثَة أَحَادِيث كل مِنْهَا لَا تقوم الْحجَّة بِهِ عِنْد انْفِرَاده وَقد يُقَوي بَعْضهَا بَعْضًا عِنْد الِاجْتِمَاع
أَحدهَا مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث عَمْرو بن شمر عَن جَابر هُوَ الْجعْفِيّ عَن ابْن بُرَيْدَة عَن أَبِيه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يَا بُرَيْدَة إِذا صليت فِي صَلَاتك فَلَا تتركن التَّشَهُّد وَالصَّلَاة على فَإِنَّهَا زَكَاة الصَّلَاة وَسلم على جَمِيع أَنْبيَاء الله وَرُسُله وَسلم على عباد الله الصَّالِحين
الثَّانِي مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من طَرِيق عَمْرو بن شمر عَن جَابر قَالَ قَالَ الشّعبِيّ سَمِعت مسرو بن الأجدع يَقُول قَالَت عَائِشَة ﵂ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول
стр. 326
لَا يقبل الله صَلَاة إِلَّا بِطهُور وبالصلاة عليّ لَكِن عَمْرو بن شمر وَجَابِر لَا يحْتَج بحديثهما وَجَابِر أصلح من عَمْرو
الثَّالِث مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث عبد الْمُهَيْمِن بن عَبَّاس بن سهل بن سعد عَن أَبِيه عَن جده أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا صَلَاة لمن لم يصل على نبيه // إِسْنَاده ضَعِيف // ﷺ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أَبى بن عَبَّاس عَن أَبِيه عَن جده وَعبد الْمُهَيْمِن لَيْسَ بِحجَّة وأبيّ أَخُوهُ وَإِن كَانَ ثِقَة احْتج بِهِ البُخَارِيّ فَالْحَدِيث الْمَعْرُوف فِيهِ إِنَّمَا هُوَ من رِوَايَة عبد الْمُهَيْمِن وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِالْوَجْهَيْنِ وَلَا يثبت
الدَّلِيل الْخَامِس أَنه قد ثَبت وُجُوبهَا عَن ابْن مَسْعُود وَابْن عمر وَأبي مَسْعُود الْأنْصَارِيّ وَقد تقدم ذَلِك وَلم يحفظ عَن أحد من الصَّحَابَة أَنه قَالَ لَا تجب وَقَول الصَّحَابِيّ إِذا لم يُخَالِفهُ غَيره حجَّة وَلَا سِيمَا على أصُول أهل الْمَدِينَة وَالْعراق
الدَّلِيل السَّادِس أَن هَذَا عمل النَّاس من عهد نَبِيّهم إِلَى الْآن وَلَو كَانَت الصَّلَاة عَلَيْهِ ﷺ غير وَاجِبَة لم يكن اتِّفَاق الْأمة فِي سَائِر الْأَمْصَار والأعصار على قَوْلهَا فِي التَّشَهُّد وَترك الْإِخْلَال بهَا وَقد قَالَ مقَاتل بن حَيَّان فِي تَفْسِيره فِي قَوْله ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاة﴾ الْمَائِدَة ٥٥ قَالَ إِقَامَتهَا الْمُحَافظَة عَلَيْهَا وعَلى أَوْقَاتهَا وَالْقِيَام فِيهَا وَالرُّكُوع وَالسُّجُود وَالتَّشَهُّد وَالصَّلَاة على النَّبِي ﷺ فِي التَّشَهُّد الْأَخير
وَقد قَالَ الإِمَام احْمَد النَّاس عِيَال فِي التَّفْسِير على مقَاتل
стр. 327
قَالُوا فَالصَّلَاة على النَّبِي ﷺ فِي الصَّلَاة من إِقَامَتهَا الْمَأْمُور بهَا فَتكون وَاجِبَة وَقد تمسك أَصْحَاب هَذَا القَوْل بأقيسة لَا حَاجَة إِلَى ذكرهَا
قَالُوا ثمَّ نقُول لمنازعينا مَا مِنْكُم إِلَّا من أوجب فِي الصَّلَاة أَشْيَاء بِدُونِ هَذِه الْأَدِلَّة هَذَا أَبُو حنيفَة يَقُول بِوُجُوب الْوتر وَأَيْنَ أَدِلَّة وُجُوبه من أَدِلَّة وجوب الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ وَيُوجب الوضول على من قهقه فِي صلَاته بِحَدِيث مُرْسل لَا يُقَاوم أدلتنا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَيُوجب الْوضُوء من الْقَيْء والرعاف والحجامة وَنَحْوهَا بأدلة لَا تقاوم أَدِلَّة هَذِه الْمَسْأَلَة
وَمَالك يَقُول إِن فِي الصَّلَاة أَشْيَاء بَين الْفَرْض وَالْمُسْتَحب لَيست بِفَرْض وَهِي فَوق الْفَضِيلَة والمستحبة يسميها أَصْحَابه سنناً كَقِرَاءَة سُورَة مَعَ الْفَاتِحَة وتكبيرات الِانْتِقَال والجلسة الأولى والجهر والمخافتة ويوجبون السُّجُود فِي تَركهَا على تَفْصِيل لَهُم فِيهِ
وَأحمد يُسَمِّي هَذِه وَاجِبَات وَيُوجب السُّجُود لتركها سَهوا
стр. 328
فإيجاب الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ إِن لم يكن أقوى من إِيجَاب كثير من هَذِه فَلَيْسَتْ دونهَا
فَهَذَا مَا احْتج بِهِ الْفَرِيقَانِ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة
وَالْمَقْصُود أَن تشنيع المشنع فِيهَا على الشَّافِعِي بَاطِل فَإِن مَسْأَلَة فِيهَا من الْأَدِلَّة والْآثَار مثل هَذَا كَيفَ يشنع على الذَّاهِب إِلَيْهَا وَالله أعلم
стр. 329
فصل
الموطن الثَّانِي من مَوَاطِن الصَّلَاة عَلَيْهِ ﷺ فِي التَّشَهُّد الأول
وَهَذَا قد اخْتلف فِيهِ فَقَالَ الشَّافِعِي ﵀ فِي الْأُم يصلى على النَّبِي ﷺ فِي التَّشَهُّد الأول هَذَا هُوَ الْمَشْهُور من مذْهبه وَهُوَ الْجَدِيد لكنه يسْتَحبّ وَلَيْسَ بِوَاجِب وَقَالَ فِي الْقَدِيم لَا يزِيد على التَّشَهُّد وَهَذِه رِوَايَة الْمُزنِيّ عَنهُ وَبِهَذَا قَالَ احْمَد أَبُو حنيفَة وَمَالك وَغَيرهم
وَاحْتج لقَوْل الشَّافِعِي بِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث مُوسَى بن عُبَيْدَة عَن عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ يعلمنَا التَّشَهُّد التَّحِيَّات الطَّيِّبَات الزاكيات لله السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته السَّلَام علينا وعَلى عباد الله الصَّالِحين أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله ثمَّ يُصَلِّي على النَّبِي ﷺ // إِسْنَاده ضَعِيف جدا //
وروى الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من حَدِيث عَمْرو بن شمر عَن جَابر عَن عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 330
يَا بُرَيْدَة إِذا جَلَست فِي صَلَاتك فَلَا تتركن الصَّلَاة عَليّ فَإِنَّهَا زَكَاة الصَّلَاة وَقد تقدم
قَالُوا وَهَذَا يعم الْجُلُوس الأول وَالْآخر
وَاحْتج لَهُ أَيْضا بِأَن الله تَعَالَى أَمر الْمُؤمنِينَ بِالصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيم على رَسُوله ﷺ فَدلَّ على أَنه حَيْثُ شرع التَّسْلِيم عَلَيْهِ شرعت الصَّلَاة عَلَيْهِ وَلِهَذَا سَأَلَهُ الصَّحَابَة عَن كَيْفيَّة الصَّلَاة عَلَيْهِ وَقَالُوا قد علمنَا كَيفَ نسلم عَلَيْك فَكيف نصلي عَلَيْك فَدلَّ على أَن الصَّلَاة عَلَيْهِ مقرونة بِالسَّلَامِ عَلَيْهِ ﷺ وَمَعْلُوم أَن الْمُصَلِّي يسلم على النَّبِي ﷺ فيشرع لَهُ أَن يُصَلِّي عَلَيْهِ
قَالُوا وَلِأَنَّهُ مَكَان شرع فِيهِ التَّشَهُّد وَالتَّسْلِيم على النَّبِي ﷺ فشرع فِيهِ الصَّلَاة عَلَيْهِ كالتشهد الْأَخير
قَالُوا وَلِأَن التَّشَهُّد الأول مَحل يسْتَحبّ فِيهِ ذكر الرَّسُول ﷺ فاستحب فِيهِ الصَّلَاة عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أكمل فِي ذكره
قَالُوا وَلِأَن فِي حَدِيث مُحَمَّد بن إِسْحَاق كَيفَ نصلي عَلَيْك إِذا نَحن جلسنا فِي صَلَاتنَا
وَقَالَ الْآخرُونَ لَيْسَ التَّشَهُّد الأول بِمحل لذَلِك وَهُوَ الْقَدِيم من قولي الشَّافِعِي وَهُوَ الَّذِي صَححهُ كثير من أَصْحَابه لِأَن التَّشَهُّد الأول تخفيفه مَشْرُوع وَكَانَ النَّبِي ﷺ إِذا جلس فِيهِ كَأَنَّهُ على الرضف وَلم يثبت عَنهُ أَنه كَانَ يفعل ذَلِك فِيهِ وَلَا علمه
стр. 331
للْأمة وَلَا يعرف أَن أحدا من الصَّحَابَة استحبه وَلِأَن مَشْرُوعِيَّة ذَلِك لَو كَانَت كَمَا ذكرْتُمْ من الْأَمر لكَانَتْ وَاجِبَة فِي هَذَا الْمحل كَمَا فِي الْأَخير لتناول الْأَمر لَهما وَلِأَنَّهُ لَو كَانَت الصَّلَاة مُسْتَحبَّة فِي هَذَا المومضع لاستحب فِيهِ الصَّلَاة على آله ﷺ لِأَن النَّبِي ﷺ لم يفرد نَفسه دون آله بِالْأَمر بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ بل أَمرهم بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وعَلى آله فِي الصَّلَاة وَغَيرهَا وَلِأَنَّهُ لَو كَانَت الصَّلَاة عَلَيْهِ فِي هَذِه الْمَوَاضِع مَشْرُوعَة لشرع فِيهَا ذكر إِبْرَاهِيم وَآل إِبْرَاهِيم لِأَنَّهَا هِيَ صفة الصَّلَاة الْمَأْمُور بهَا وَلِأَنَّهَا لَو شرعت فِي هَذِه الْمَوَاضِع لشرع فِيهَا الدُّعَاء بعْدهَا لحَدِيث فضَالة وَلم يكن فرق بَين التَّشَهُّد الأول والأخير
قَالُوا وَأما مَا استدللتم بِهِ من الْأَحَادِيث فَمَعَ ضعفها بمُوسَى بن عُبَيْدَة وَعَمْرو بن شمر وَجَابِر الْجعْفِيّ لَا تدل لِأَن المُرَاد بالتشهد فِيهَا هُوَ الْأَخير دون الأول بِمَا ذَكرْنَاهُ من الْأَدِلَّة وَالله أعلم
стр. 332
فصل
الموطن الثَّالِث من مَوَاطِن الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ الصَّلَاة عَلَيْهِ آخر الْقُنُوت
استحبه الشَّافِعِي وَمن وَافقه وَاحْتج لذَلِك بِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن سَلمَة حَدثنَا ابْن وهب عَن يحيى بن عبد الله بن سَالم عَن مُوسَى بن عقبَة عَن عبد الله بن عَليّ عَن الْحسن بن عَليّ قَالَ عَلمنِي رَسُول الله ﷺ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَات فِي الْوتر قَالَ قل اللَّهُمَّ اهدني فِيمَن هديت وَبَارك لي فِيمَا أَعْطَيْت وتولني فِيمَن توليت وقني شَرّ مَا قضيت انك تقضي وَلَا يقْضى عَلَيْك وانه لَا يذل من واليت تَبَارَكت رَبنَا وَتَعَالَيْت وَصلى الله على النَّبِي وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي قنوت الْوتر وَإِنَّمَا نقل إِلَى قنوت الْفجْر قِيَاسا كَمَا نقل أصل هَذَا الدُّعَاء إِلَى قنوت الْفجْر وَقد رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاق عَن يزِيد عَن أبي الجوزاء قَالَ قَالَ الْحسن بن عَليّ
стр. 333
رَضِي الله عَنْهُمَا عَلمنِي رَسُول الله ﷺ كَلِمَات أقولهن فِي الْوتر فَذكره وَلم يذكر فِي الصَّلَاة
وَهُوَ مُسْتَحبّ فِي قنوت رَمَضَان قَالَ ابْن وهب أَخْبرنِي يُونُس عَن ابْن شهَاب قَالَ أَخْبرنِي عُرْوَة بن الزبير أَن عبد الرَّحْمَن بن عبد الْقَارِي وَكَانَ فِي عهد عمر بن الْخطاب ﵁ مَعَ عبد الله بن الأرقم على بَيت المَال قَالَ إِن عمر خرج لَيْلَة فِي رَمَضَان فَخرج مَعَه عبد الرَّحْمَن بن عبد الْقَارِي فَطَافَ فِي الْمَسْجِد وَأهل الْمَسْجِد أوزاع متفرقون يُصَلِّي الرجل لنَفسِهِ وَيُصلي الرجل فَيصَلي بِصَلَاتِهِ الرَّهْط فَقَالَ عمر ﵁ وَالله إِنِّي لأَظُن لَو جمعت هَؤُلَاءِ على قَارِئ وَاحِد يكون أمثل ثمَّ عزم عمر على ذَلِك وَأمر أبي ابْن كَعْب أَن يقوم بهم فِي رَمَضَان فَخرج عَلَيْهِم وَالنَّاس يصلونَ بِصَلَاة قارئهم فَقَالَ عمر ﵁ نعمت الْبِدْعَة هَذِه وَالَّتِي ينامون عَنْهَا أفضل من الَّتِي يقومُونَ يُرِيد آخر اللَّيْل وَكَانَ النَّاس يقومُونَ اوله وَكَانُوا يلعنون الْكَفَرَة فِي النّصْف يَقُولُونَ اللَّهُمَّ قَاتل الْكَفَرَة الَّذين يصدون عَن سَبِيلك ويكذبون رسلك وَلَا يُؤمنُونَ بوعدك وَخَالف بَين كلمتهم وألق فِي قُلُوبهم الرعب وألق عَلَيْهِم رجزك وعذابك إِلَه الْحق ثمَّ يُصَلِّي على النَّبِي ﷺ ثمَّ يَدْعُو للْمُسلمين مَا اسْتَطَاعَ من خير ثمَّ يسْتَغْفر للْمُؤْمِنين قَالَ وَكَانَ يَقُول إِذا فرغ من لَعنه الْكَفَرَة وَصلَاته على النَّبِي ﷺ واستغفاره للْمُؤْمِنين ومسألته اللَّهُمَّ إياك نعْبد وَلَك نصلي ونسجد وَإِلَيْك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخاف عذابك الْجد أَن عذابك لمن عاديت مُلْحق ثمَّ يكبر ويهوي سَاجِدا
стр. 334
وَقَالَ إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمثنى حَدثنَا معَاذ بن هِشَام حَدثنِي أبي عَن قَتَادَة عَن عبد الله بن الْحَارِث أَن أَبَا حليمة معَاذًا كَانَ يُصَلِّي على النَّبِي ﷺ فِي الْقُنُوت // إِسْنَاده صَحِيح //
стр. 335
فصل
الموطن الرَّابِع من مَوَاطِن الصَّلَاة عَلَيْهِ ﷺ صَلَاة الْجِنَازَة بعد التَّكْبِيرَة الثَّانِيَة
لَا خلاف فِي مشروعيتها فِيهَا وَاخْتلف فِي توقف صِحَة الصَّلَاة عَلَيْهَا فَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد فِي الْمَشْهُور من مَذْهَبهمَا إِنَّهَا وَاجِبَة فِي الصَّلَاة لَا تصح إِلَّا بهَا وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن عبَادَة بن الصَّامِت وَغَيره من الصَّحَابَة وَقَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة تسْتَحب وَلَيْسَت بواجبة وَهُوَ وَجه لاصحاب الشَّافِعِي
الدَّلِيل على مشروعيتها فِي صَلَاة الْجِنَازَة مَا روى الشَّافِعِي فِي مُسْنده أخبرنَا مطرف بن مَازِن عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ قَالَ أَخْبرنِي أَبُو أُمَامَة بن سهل أَنه أخبرهُ رجل من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ أَن السّنة فِي الصَّلَاة على الْجِنَازَة أَن يكبر الإِمَام ثمَّ يقْرَأ بِفَاتِحَة الْكتاب بعد التَّكْبِيرَة الأولى سرا فِي نَفسه ثمَّ يُصَلِّي على النَّبِي ﷺ ويخلص الدُّعَاء للجنازة فِي التَّكْبِيرَات لَا يقْرَأ فِي شَيْء مِنْهُنَّ ثمَّ يسلم سرا فِي نَفسه
وَقَالَ إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق فِي كتاب الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمثنى حَدثنَا عبد الْأَعْلَى حَدثنَا
стр. 336
معمر عَن الزُّهْرِيّ قَالَ سَمِعت أَبَا أُمَامَة بن سهل بن حنيف يحدث سعيد بن الْمسيب قَالَ إِن السّنة فِي صَلَاة الْجِنَازَة أَن يقْرَأ بِفَاتِحَة الْكتاب وَيُصلي على النَّبِي ﷺ ثمَّ يخلص الدُّعَاء للْمَيت حَتَّى يفرغ وَلَا يقْرَأ إِلَّا مرّة وَاحِدَة ثمَّ يسلم فِي نَفسه // إِسْنَاده صَحِيح // وَأَبُو أُمَامَة هَذَا صَحَابِيّ صَغِير وَقد رَوَاهُ عَن صَحَابِيّ آخر كَمَا ذكره الشَّافِعِي
وَقَالَ صَاحب المغنى يرْوى عَن ابْن عَبَّاس ﵁ أَنه صلى على جَنَازَة بِمَكَّة فَكبر ثمَّ قَرَأَ وجهر وَصلى على النَّبِي ﷺ ثمَّ دَعَا لصَاحبه فَأحْسن ثمَّ انْصَرف وَقَالَ هَكَذَا يَنْبَغِي أَن تكون الصَّلَاة على الْجِنَازَة
وَفِي موطأ يحيى بن بكير حَدثنَا مَالك بن أنس عَن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري عَن أَبِيه أَنه سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَة كَيفَ نصلي على الْجِنَازَة فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة ﵁ أَنا لعمر الله أخْبرك أتبعهَا من أَهلهَا فَإِذا وضعت كَبرت وحمدت الله تَعَالَى وَصليت على نبيه ﷺ ثمَّ أَقُول اللَّهُمَّ إِنَّه عَبدك وَابْن عَبدك وَابْن أمتك
стр. 337
كَانَ يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا أَنْت وَأَن مُحَمَّدًا عَبدك وَرَسُولك وَأَنت أعلم بِهِ اللَّهُمَّ إِن كَانَ محسناً فزد فِي إحسانه وَإِن كَانَ مسيئاً فَتَجَاوز عَن سيئاته اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمنَا أجره وَلَا تفتنا بعده
وَقَالَ أَبُو ذَر الْهَرَوِيّ أخبرنَا أَبُو الْحسن بن أبي سهل السَّرخسِيّ أخبرنَا أَبُو عَليّ أَحْمد بن مُحَمَّد بن رزين حَدثنَا عَليّ بن خشرم حَدثنَا أنس بن عِيَاض عَن إِسْمَاعِيل بن رَافع عَن رجل قَالَ سَمِعت إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ يَقُول كَانَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِذا أُتِي بِجنَازَة اسْتقْبل النَّاس وَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لكل مائَة أمة وَلم يجْتَمع مائَة لمَيت فيجتهدون لَهُ فِي الدُّعَاء إِلَّا وهب الله ذنُوبه لَهُم وَإِنَّكُمْ جئْتُمْ شُفَعَاء لأخيكم فاجتهدوا فِي الدُّعَاء ثمَّ يسْتَقْبل الْقبْلَة فَإِن كَانَ رجلا قَامَ عِنْد وَسطه وَإِن كَانَت امْرَأَة قَامَ عِنْد منكبها ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ عَبدك وَابْن عَبدك أَنْت خلقته وَأَنت هديته لِلْإِسْلَامِ وَأَنت قبضت روحه وَأَنت أعلم بسريرته وعلانيته جِئْنَا شُفَعَاء لَهُ اللَّهُمَّ إِنَّا نستجير بِحَبل جوارك لَهُ فَإنَّك ذُو وَفَاء وَذُو رَحْمَة أعذه من فتْنَة الْقَبْر وَعَذَاب جَهَنَّم اللَّهُمَّ إِن كَانَ محسناً فزد فِي إحسانه وَإِن كَانَ مسيئاً فَتَجَاوز عَن سيئاته اللَّهُمَّ نور لَهُ فِي قَبره وألحقه بِنَبِيِّهِ قَالَ يَقُول هَذَا كلما كبر وَإِذا كَانَت التَّكْبِيرَة الاخيرة قَالَ مثل ذَلِك ثمَّ يَقُول اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وَبَارك
стр. 338
على مُحَمَّد كَمَا صليت وباركت على إِبْرَاهِيم وَآل إِبْرَاهِيم إِنَّك حميد مجيد اللَّهُمَّ صل على أسلافنا وأفراطنا اللَّهُمَّ اغْفِر للْمُسلمين وَالْمُسلمَات وَالْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات الْأَحْيَاء مِنْهُم والأموات ثمَّ ينْصَرف
قَالَ إِبْرَاهِيم كَانَ ابْن مَسْعُود يعلم هَذَا فِي الْجَنَائِز وَفِي الْمجْلس قَالَ وَقيل لَهُ اكان رَسُول الله ﷺ يقف على الْقَبْر إِذا فرغ مِنْهُ قَالَ نعم كَانَ إِذا فرغ مِنْهُ وقف عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ نزل بك صَاحبهَا وَخلف الدُّنْيَا وَرَاء ظَهره وَنعم المنزول بِهِ اللَّهُمَّ ثَبت عِنْد الْمَسْأَلَة مَنْطِقه وَلَا تبتله فِي قَبره بِمَا لَا طَاقَة لَهُ بِهِ اللَّهُمَّ نور لَهُ فِي قَبره وألحقه بِنَبِيِّهِ ﷺ كلما ذكر
إِذا تقرر هَذَا فالمستحب أَن يُصَلِّي عَلَيْهِ ﷺ فِي الْجِنَازَة كَمَا يُصَلِّي عَلَيْهِ فِي التَّشَهُّد لِأَن النَّبِي ﷺ علم ذَلِك أَصْحَابه لما سَأَلُوهُ عَن كَيْفيَّة الصَّلَاة عَلَيْهِ
وَفِي مسَائِل عبد الله بن أَحْمد عَن أَبِيه قَالَ يُصَلِّي على النَّبِي ﷺ وَيُصلي على الْمَلَائِكَة المقربين
قَالَ القَاضِي فَيَقُول اللَّهُمَّ صل على ملائكتك المقربين وانبيائك الْمُرْسلين وَأهل طَاعَتك أَجْمَعِينَ من أهل السَّمَاوَات وَالْأَرضين إِنَّك على كل شَيْء قدير
стр. 339
فصل
الموطن الْخَامِس من مَوَاطِن الصَّلَاة عَلَيْهِ ﷺ فِي الْخطْبَة
وَقد اخْتلف فِي اشْتِرَاطهَا لصِحَّة الْخطْبَة
فَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد فِي الْمَشْهُور من مَذْهَبهمَا لَا تصح الْخطْبَة إِلَّا بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ ﷺ
وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك تصح بِدُونِهَا وَهُوَ وَجه فِي مَذْهَب أَحْمد
وَاحْتج لوُجُوبهَا فِي الْخطْبَة بقوله تَعَالَى ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ الشَّرْح ١ ٤
قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ رفع الله لَهُ ذكره فَلَا يذكر إِلَّا ذكر مَعَه
وَفِي هَذَا الدَّلِيل نظر لِأَن ذكره ﷺ مَعَ ذكر ربه هُوَ الشَّهَادَة لَهُ بالرسالة إِذا شهد لمرسله بالوحدانية وَهَذَا هُوَ الْوَاجِب فِي الْخطْبَة قطعا بل هُوَ ركنها الْأَعْظَم وَقد روى أَبُو دَاوُد وَأحمد وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ كل خطْبَة لَيْسَ فِيهَا تشهد فَهِيَ كَالْيَدِ الجذماء // إِسْنَاده قوي //
стр. 340
وَالْيَد الجذماء المقطوعة
فَمن أوجب الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ فِي الْخطْبَة دون التَّشَهُّد فَقَوله فِي غَايَة الضعْف
وَقد روى يُونُس عَن شَيبَان عَن قَتَادَة ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قَالَ رفع الله ذكره فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَلَيْسَ خطيب وَلَا متشهد وَلَا صَاحب صَلَاة إِلَّا ابتدأها أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله
وَقَالَ عبد بن حميد أَخْبرنِي عَمْرو بن عون عَن هشيم عَن جُوَيْبِر عَن الضَّحَّاك ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذكرك﴾ قَالَ إِذا ذكرتُ ذكرتَ معي وَلَا يجوز خطْبَة وَلَا نِكَاح إِلَّا بذكرك
وَقَالَ عبد الرَّزَّاق عَن ابْن عُيَيْنَة عَن ابْن نجيح عَن مُجَاهِد ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قَالَ لَا أذكر إِلَّا ذكرت معي وَلَا يجوز خطْبَة وَلَا نِكَاح إِلَّا بذكرك
وَقَالَ عبد الرازق عَن ابْن عُيَيْنَة عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قَالَ لَا أذكر إِلَّا ذكرت معي الْأَذَان أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله // إِسْنَاده صَحِيح //
فَهَذَا هُوَ المُرَاد من الْآيَة وَكَيف لَا يجب التَّشَهُّد الَّذِي هُوَ عقد الْإِسْلَام فِي الْخطْبَة وَهُوَ أفضل كلماتها وَتجب الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ فِيهَا
стр. 341
وَالدَّلِيل على مَشْرُوعِيَّة الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ فِي الْخطْبَة مَا رَوَاهُ عبد الله بن أَحْمد حَدثنَا مَنْصُور بن أبي مُزَاحم حَدثنَا خَالِد حَدثنِي عون بن أبي جُحَيْفَة قَالَ كَانَ أبي من شَرط عَليّ وَكَانَ تَحت الْمِنْبَر فَحَدثني أَنه صعد الْمِنْبَر يَعْنِي عليا ﵁ فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَصلى على النَّبِي ﷺ وَقَالَ خير هَذِه الْأمة بعد نبيها أَبُو بكر وَالثَّانِي عمر وَقَالَ يَجْعَل الله الْخَيْر حَيْثُ شَاءَ // إِسْنَاده حسن //
وَقَالَ مُحَمَّد بن الْحسن بن جَعْفَر الْأَسدي حَدثنَا أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد الْحِمْيَرِي حَدثنَا عبد الله بن سعيد الْكِنْدِيّ حَدثنَا حميد بن عبد الرَّحْمَن الرُّؤَاسِي قَالَ سَمِعت أبي يذكر عَن أبي إِسْحَاق عَن أبي الْأَحْوَص عَن عبد الله أَنه كَانَ يَقُول بَعْدَمَا يفرغ من خطْبَة الصَّلَاة وَيُصلي على النَّبِي ﷺ اللَّهُمَّ حبب إِلَيْنَا الْإِيمَان وزينه فِي قُلُوبنَا وَكره إِلَيْنَا الْكفْر والفسوق والعصيان أُولَئِكَ هم الراشدون اللَّهُمَّ بَارك لنا فِي أسماعنا وأبصارنا وَأَزْوَاجنَا وقلوبنا وَذُرِّيَّاتنَا
وروى الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق ابْن لَهِيعَة عَن يحيى بن هاني الْمعَافِرِي قَالَ ركبت أَنا ووالدي إِلَى صَلَاة الْجُمُعَة فَذكر حَدِيثا وَفِيه فَقَامَ عَمْرو بن الْعَاصِ على الْمِنْبَر فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ حمداً موجزاً وَصلى على النَّبِي ﷺ وَوعظ النَّاس فَأَمرهمْ ونهاهم
стр. 342
وَفِي الْبَاب حَدِيث ضبة بن مُحَيْصِن أَن أَبَا مُوسَى كَانَ إِذا خطب فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَصلى على النَّبِي ﷺ ودعا لعمر قبل الدُّعَاء لأبي بكر ﵄ فَرفع ذَلِك إِلَى عمر ﵁ فَقَالَ لضبة أَنْت أوفق مِنْهُ وأرشد
فَهَذَا دَلِيل على أَن الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ فِي الْخطب كَانَ أمرا مَشْهُورا مَعْرُوفا عِنْد الصَّحَابَة ﵃ أَجْمَعِينَ
وَأما وُجُوبهَا فيعتمد دَلِيلا يجب الْمصير إِلَيْهِ وَإِلَى مثله
стр. 343
فصل
الموطن السَّادِس من مَوَاطِن الصَّلَاة عَلَيْهِ ﷺ الصَّلَاة عَلَيْهِ بعد إِجَابَة الْمُؤَذّن وَعند الْإِقَامَة
لما روى مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث عبد الله بن عمر ﵄ أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول إِذا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذّن فَقولُوا مثل مَا يَقُول ثمَّ صلوا عَليّ فَإِنَّهُ من صلى عَليّ صَلَاة صلى الله عَلَيْهِ بهَا عشرا ثمَّ سلوا الله لي الْوَسِيلَة فَإِنَّهَا منزلَة فِي الْجنَّة لَا تنبغي إِلَّا لعبد من عباد الله وَأَرْجُو أَن أكون أَنا هُوَ فَمن سَأَلَ الله لي الْوَسِيلَة حلت عَلَيْهِ الشَّفَاعَة
وَقَالَ الْحسن بن عَرَفَة حَدثنِي مُحَمَّد بن يزِيد الوَاسِطِيّ عَن الْعَوام بن حَوْشَب عَن مَنْصُور بن زادان عَن الْحسن قَالَ من قَالَ مثل مَا يَقُول الْمُؤَذّن فَإِذا قَالَ الْمُؤَذّن قد قَامَت الصَّلَاة قَالَ اللَّهُمَّ رب هَذِه الدعْوَة الصادقة وَالصَّلَاة الْقَائِمَة صل على مُحَمَّد عَبدك وَرَسُولك وأبلغه دَرَجَة الْوَسِيلَة فِي الْجنَّة دخل فِي شَفَاعَة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 344
وَقَالَ يُوسُف بن أَسْبَاط بَلغنِي أَن الرجل إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة فَلم يقل الله رب هَذِه الدعْوَة المستمعة المستجاب لَهَا صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد وزوجنا من الْحور الْعين قُلْنَ الْحور الْعين مَا أزهدك فِينَا
فِي إِجَابَة الْمُؤَذّن خمس سنَن عَن رَسُول الله ﷺ قد اشْتَمَل حَدِيث عبد الله بن عَمْرو على ثَلَاثَة مِنْهَا
وَالرَّابِعَة أَن يَقُول مَا رَوَاهُ مُسلم عَن سعد بن أبي وَقاص ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من قَالَ حِين يسمع الْمُؤَذّن أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله رضيت بِاللَّه رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولا وَبِالْإِسْلَامِ دينا غفر لَهُ ذَنبه
وَالْخَامِسَة أَن يَدْعُو الله بعد إِجَابَة الْمُؤَذّن وَصلَاته على رَسُوله ﷺ وسؤاله لَهُ الْوَسِيلَة لما فِي سنَن أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو أَن رجلا قَالَ يَا رَسُول الله إِن المؤذنين يفضلوننا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ قل كَمَا يَقُولُونَ فَإِذا انْتَهَيْت فسل تعطه // إِسْنَاده صَحِيح //
وَفِي = الْمسند = من حَدِيث جَابر بن عبد الله ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من قَالَ حِين يُنَادي الْمُنَادِي اللَّهُمَّ
стр. 345
رب هَذِه الدعْوَة الْقَائِمَة وَالصَّلَاة النافعة صل على مُحَمَّد وَارْضَ عني رضى لَا سخط بعده اسْتَجَابَ الله لَهُ دَعوته
وَفِي الْمُسْتَدْرك للْحَاكِم من حَدِيث أبي أُمَامَة أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ إِذا سمع الْمُؤَذّن قَالَ اللَّهُمَّ رب هَذِه الدعْوَة المستجاب لَهَا دَعْوَة الْحق وَكلمَة التَّقْوَى توفنا عَلَيْهَا واحينا عَلَيْهَا واجعلنا من صَالح أَهلهَا احياء وامواتا
فَهَذِهِ خَمْسَة وَعِشْرُونَ سنة فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة لَا يحافظ عَلَيْهَا إِلَّا السَّابِقُونَ
стр. 346
فصل
الموطن السَّابِع من مَوَاطِن الصَّلَاة عَلَيْهِ ﷺ عِنْد الدُّعَاء
وَله ثَلَاثَة مَرَاتِب
إِحْدَاهَا أَن يُصَلِّي عَلَيْهِ قبل الدُّعَاء وَبعد حمد الله تَعَالَى
والمرتبة الثَّانِيَة أَن يُصَلِّي عَلَيْهِ فِي أول الدُّعَاء وأوسطه وَآخره
وَالثَّالِثَة أَن يُصَلِّي عَلَيْهِ فِي أَوله وَآخره وَيجْعَل حَاجته متوسطة بَينهمَا
فَأَما الْمرتبَة الأولى فالدليل عَلَيْهَا حَدِيث فضَالة عَن عبيد وَقَول النَّبِي ﷺ فِيهِ إِذا دَعَا أحدكُم فليبدأ بتحميد الله وَالثنَاء عَلَيْهِ ثمَّ ليصل على النَّبِي ﷺ ثمَّ يَدْعُو بِمَا شَاءَ وَقد تقدم
وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدثنَا مَحْمُود بن غيلَان حَدثنَا يحيى بن آدم حَدثنَا أَبُو بكر بن عَيَّاش عَن عَاصِم عَن زر عَن عبد الله قَالَ كنت أُصَلِّي وَالنَّبِيّ ﷺ وَأَبُو بكر وَعمر مَعَه فَلَمَّا جَلَست بدأت بالثناء على الله تَعَالَى ثمَّ بِالصَّلَاةِ على النَّبِي ﷺ ثمَّ دَعَوْت لنَفْسي فَقَالَ النَّبِي ﷺ سل تعطه سل تعطه // حَدِيث حسن صَحِيح //
стр. 347
وَقَالَ عبد الرَّزَّاق أخبرنَا معمر عَن أبي إِسْحَاق عَن أبي عُبَيْدَة عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ إِذا أَرَادَ أحدكُم أَن يسْأَل الله تَعَالَى فليبدأ بِحَمْدِهِ وَالثنَاء عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهله ثمَّ يُصَلِّي على النَّبِي ﷺ ثمَّ يسْأَل بعد فَإِنَّهُ أَجْدَر أَن ينجح أَو يُصِيب
وَرَوَاهُ شريك عَن أبي إِسْحَاق عَن أبي الْأَحْوَص عَن عبد الله نَحوه
واما الْمرتبَة الثَّانِيَة فَقَالَ عبد الرَّزَّاق عَن الثَّوْريّ عَن مُوسَى بن عُبَيْدَة عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ عَن أَبِيه عَن جَابر بن عبد الله ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تجعلوني كقدح الرَّاكِب فَذكر الحَدِيث وَقَالَ اجعلوني فِي وسط الدُّعَاء وَفِي أَوله وَفِي آخِره
وَقد تقدم حَدِيث عَليّ مَا من دُعَاء إِلَّا بَينه وَبَين الله حجاب حَتَّى يصلى على مُحَمَّد ﷺ فَإِذا صلي على النَّبِي ﷺ انخرق الْحجاب واستجيب الدُّعَاء وَإِذا لم يصل على النَّبِي ﷺ لم يستجب الدُّعَاء
وَتقدم قَول عمر ﵁ الدُّعَاء مَوْقُوف بَين السَّمَاء وَالْأَرْض لَا يصعد مِنْهُ شَيْء حَتَّى تصلي على نبيك صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 348
وَقَالَ أَحْمد بن عَليّ بن شُعَيْب حَدثنَا مُحَمَّد بن حَفْص حَدثنَا الْجراح بن يحيى حَدثنِي عَمْرو بن عَمْرو قَالَ سَمِعت عبد الله بن بسر يَقُول قَالَ رَسُول الله ﷺ الدُّعَاء كُله مَحْجُوب حَتَّى يكون أَوله ثَنَاء على الله وَصَلَاة على النَّبِي ﷺ ثمَّ يَدْعُو يُسْتَجَاب لدعائه
وَعَمْرو بن عَمْرو هَذَا هُوَ الأحموشي لَهُ عَن عبد الله بن بسر حديثان هَذَا أَحدهمَا والأخر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه الْكَبِير عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ من استفتح أول نَهَاره بِخَير وختمه بِالْخَيرِ قَالَ الله لملائكته لَا تكْتبُوا عَلَيْهِ مَا بَين ذَلِك من الذُّنُوب
وَالصَّلَاة على النَّبِي ﷺ للدُّعَاء بِمَنْزِلَة الْفَاتِحَة من الصَّلَاة
وَهَذِه المواطن الَّتِي تقدّمت كلهَا شرعت الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ فِيهَا امام الدُّعَاء فمفتاح الدُّعَاء الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ كَمَا أَن مِفْتَاح الصَّلَاة الطّهُور فصلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَسلم تَسْلِيمًا
وَقَالَ أَحْمد بن أبي الْحوَاري سَمِعت أَبَا سُلَيْمَان الدَّارَانِي يَقُول من أَرَادَ أَن يسْأَل الله حَاجته فليبدأ بِالصَّلَاةِ على النَّبِي ﷺ وليسأل حَاجته وليختم بِالصَّلَاةِ على النَّبِي ﷺ فَإِن الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ مَقْبُولَة وَالله أكْرم أَن يرد مَا بَينهمَا
стр. 349
فصل
الموطن الثَّامِن من مَوَاطِن الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ عِنْد دُخُول الْمَسْجِد وَعند الْخُرُوج مِنْهُ
لما روى ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَأَبُو حَاتِم بن حبَان عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِذا دخل أحدكُم الْمَسْجِد فليسلم على النَّبِي ﷺ وَليقل اللَّهُمَّ افْتَحْ لي أَبْوَاب رحمتك وَإِذا خرج فليسلم على النَّبِي ﷺ وَليقل اللَّهُمَّ أجرني من الشَّيْطَان الرَّجِيم
وَفِي الْمسند وَالتِّرْمِذِيّ وَسنَن ابْن ماجة من حَدِيث فَاطِمَة بنت الْحُسَيْن عِنْد جدَّتهَا فَاطِمَة الْكُبْرَى قَالَت كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا دخل الْمَسْجِد قَالَ اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وَسلم اللَّهُمَّ اغْفِر لي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لي أَبْوَاب رحمتك وَإِذا خرج قَالَ مثل ذَلِك إِلَّا أَنه يَقُول أَبْوَاب فضلك وَلَفظ التِّرْمِذِيّ كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا دخل الْمَسْجِد صلى على مُحَمَّد وَسلم وَقد تقدم الْكَلَام على هَذَا الحَدِيث
стр. 350
فصل
الموطن التَّاسِع من مَوَاطِن الصَّلَاة عَلَيْهِ ﷺ على الصَّفَا والمروة
لما روى إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق فِي كِتَابه ثَنَا هدبة ثَنَا همام بن يحيى ثَنَا نَافِع عَن ابْن عمر ﵄ أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يكبر على الصَّفَا ثَلَاثًا يَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير ثمَّ يُصَلِّي على النَّبِي ﷺ ثمَّ يَدْعُو ويطيل الْقيام وَالدُّعَاء ثمَّ يفعل على الْمَرْوَة مثل ذَلِك وَهَذَا من تَوَابِع الدُّعَاء أَيْضا // إِسْنَاده صَحِيح //
وروى جَعْفَر بن عون عَن زَكَرِيَّا عَن الشّعبِيّ عَن وهب بن الأجدع قَالَ سَمِعت عمر بن الْخطاب ﵁ يخْطب النَّاس بِمَكَّة يَقُول إِذا قدم الرجل مِنْكُم حَاجا فليطف بِالْبَيْتِ سبعا وَليصل عِنْد الْمقَام رَكْعَتَيْنِ ثمَّ يسْتَلم الْحجر الْأسود ثمَّ يبْدَأ بالصفا فَيقوم عَلَيْهَا وَيسْتَقْبل الْبَيْت فيكبر سبع تَكْبِيرَات بَين كل تكبيرتين حمد الله تَعَالَى وثناء عَلَيْهِ وَصَلَاة على النَّبِي ﷺ وَمَسْأَلَة لنَفسِهِ وعَلى الْمَرْوَة مثل ذَلِك
стр. 351
رَوَاهُ أَبُو ذَر عَن زَاهِر عَن مُحَمَّد بن الْمسيب عَن عبد الله بن خبيق عَن جَعْفَر وَرَوَاهُ الْبَزَّار عَن عبد الله بن سُلَيْمَان عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن الْمسور عَن سُفْيَان بن سعيد عَن فراس عَن الشّعبِيّ عَن وهب بِهِ
стр. 352
فصل
المواطن الْعَاشِر من مَوَاطِن الصَّلَاة عَلَيْهِ ﷺ عِنْد اجْتِمَاع الْقَوْم قبل تفوقهم
وَقد تقدّمت الْأَحَادِيث بذلك عَن النَّبِي ﷺ من غير وَجه أَنه قَالَ مَا جلس قوم مَجْلِسا ثمَّ تفَرقُوا وَلم يذكرُوا الله وَلم يصلوا على النَّبِي ﷺ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِم من الله تره إِن شَاءَ عذبهم وَإِن شَاءَ غفر لَهُم رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَغَيرهمَا
وَقد روى عبد الله بن إِدْرِيس الأودي عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت زَينُوا مجالسكم بِالصَّلَاةِ على النَّبِي ﷺ // مَوْقُوف صَحِيح //
وَيذكر عَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ
стр. 353
فصل
الموطن الْحَادِي عشر من مَوَاطِن الصَّلَاة عَلَيْهِ ﷺ عِنْد ذكره
وَقد اخْتلف فِي وُجُوبهَا كلما ذكر اسْمه ﷺ فَقَالَ أَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ وَأَبُو عبد الله الْحَلِيمِيّ تجب الصَّلَاة عَلَيْهِ ﷺ كلما ذكر اسْمه وَقَالَ غَيرهمَا إِن ذَلِك مُسْتَحبّ وَلَيْسَ بِفَرْض يَأْثَم تَاركه ثمَّ اخْتلفُوا فَقَالَت فرقة تجب الصَّلَاة عَلَيْهِ فِي الْعُمر مرّة وَاحِدَة لِأَن الْأَمر الْمُطلق لَا يَقْتَضِي تَكْرَارا والماهية تحصل بِمرَّة وهذ محكي عَن أبي حنيفَة وَمَالك وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ قَالَ عِيَاض وَابْن عبد الْبر وَهُوَ قَول جُمْهُور الْأمة
وَقَالَت فرقة بل تجب فِي كل صَلَاة تشهدها الْأَخير كَمَا تقدم وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأحمد فِي آخر الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ وَغَيرهمَا
وَقَالَت طَائِفَة الْأَمر بِالصَّلَاةِ أَمر اسْتِحْبَاب لَا أَمر إِيجَاب وَهَذَا قَول ابْن جرير وَطَائِفَة وَادّعى ابْن جرير فِيهِ الْإِجْمَاع وَهَذَا على أَصله فَإِنَّهُ إِذا رأى الْأَكْثَرين على قَول جعله إِجْمَاعًا يجب اتِّبَاعه والمقدمتان هُنَا باطلتان
وَاحْتج الموجبون بحجج
الْحجَّة الأولى حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ رغم أنف رجل ذكرت عِنْده فَلم يصل عَليّ صَححهُ
стр. 354
الْحَاكِم وَحسنه التِّرْمِذِيّ وَرَغمَ أَنفه دُعَاء عَلَيْهِ وذم لَهُ وتارك الْمُسْتَحبّ لَا يذم وَلَا يدعى عَلَيْهِ
الْحجَّة الثَّانِيَة حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَيْضا عَن النَّبِي ﷺ أَنه صعد الْمِنْبَر فَقَالَ آمين آمين آمين فَذكر الحَدِيث الْمُتَقَدّم فِي أول الْكتاب وَقَالَ فِيهِ من ذكرت عِنْده فَلم يصل عَلَيْك فَمَاتَ فَدخل النَّار فَأَبْعَده الله قل آمين فَقلت آمين رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَقد تقدّمت الْأَحَادِيث فِي هَذَا الْمَعْنى من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة وَجَابِر بن سَمُرَة وَكَعب بن عجْرَة وَمَالك بن الْحُوَيْرِث وَأنس بن مَالك وكل مِنْهَا حجَّة مُسْتَقلَّة وَلَا ريب أَن الحَدِيث بِتِلْكَ الطّرق المتعددة يُفِيد الصِّحَّة
الْحجَّة الثَّالِثَة مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن أبي دَاوُد عَن الْمُغيرَة بن مُسلم عَن أبي إِسْحَاق السبيعِي عَن أنس بن مَالك قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من ذكرت عِنْده فَليصل عَليّ فَإِنَّهُ من صلى على مرّة صلى الله عَلَيْهِ عشرا ﷺ
وَهَذَا // إِسْنَاد صَحِيح // وَالْأَمر ظَاهر الْوُجُوب
الْحجَّة الرَّابِعَة مَا رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث عبد الله بن عَليّ بن حُسَيْن عَن عَليّ بن حُسَيْن عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الْبَخِيل من ذكرت عِنْده فَلم يصل عَليّ
وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ قَالَ ابْن حبَان هَذَا أشبه شَيْء رُوِيَ عَن الْحُسَيْن بن عَليّ وَكَانَ الْحُسَيْن
стр. 355
رَضِي الله عَنهُ حَيْثُ قبض النَّبِي ﷺ ابْن سبع سِنِين إِلَّا أشهراً وَذَلِكَ أَنه ولد لليال خلون من شعْبَان سنة أَربع وَابْن سِتّ سِنِين وَأشهر إِذا كَانَت لغته الْعَرَبيَّة يحفظ الشَّيْء بعد الشَّيْء وَقد تقدّمت الْأَحَادِيث فِي هَذَا الْمَعْنى وَالْكَلَام عَلَيْهَا
قَالَ أَبُو نعيم حَدثنَا أَحْمد بن عبد الله حَدثنَا الْحَارِث بن مُحَمَّد حَدثنَا عبيد الله بن عَائِشَة حَدثنَا حَمَّاد عَن أبي هِلَال الْعَنزي قَالَ حَدثنِي رجل فِي مَسْجِد دمشق عَن عَوْف بن مَالك الْأَشْجَعِيّ أَن رَسُول الله ﷺ قعد أَو قعد أَبُو ذَر فَذكر حَدِيثا طَويلا وَفِيه قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن أبخل النَّاس من ذكرت عِنْده فَلم يصل عَليّ
وَقَالَ قَاسم بن أصبغ حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل التِّرْمِذِيّ حَدثنَا نعيم بن حَمَّاد حَدثنَا عبد الله بن الْمُبَارك حَدثنَا جرير بن حَازِم قَالَ سَمِعت الْحسن يَقُول قَالَ رَسُول الله ﷺ بِحَسب الْمُؤمن من الْبُخْل أَن أذكر عِنْده فَلم يصل عَليّ // إِسْنَاده صَحِيح //
وَقَالَ سعيد بن مَنْصُور ثَنَا هشيم بن أبي حرَّة عَن الْحسن قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ كفى بن شحا أَن أذكر عِنْد
следующие страницы →