Полный текст (209 стр.). Показаны 176–209 · переход к 181.
стр. 176
بَادر إِلَى إِصْلَاحه ولمّه خشيَة انْتِقَال السَّاكِن مِنْهُ فَنعم السَّاكِن وَنعم الْمسكن فسبحان الله رب الْعَالمين كم بَين هَذَا الْبَيْت وَبَيت قد استولى عَلَيْهِ الخراب وَصَارَ مأوى للحشرات والهوام ومحلا لإلقاء الأنتان والقاذورات فِيهِ فَمن أَرَادَ التخلي وَقَضَاء الْحَاجة وجد خربة لَا سَاكن فِيهَا وَلَا حَافظ لَهَا وَهِي معدة لقَضَاء الْحَاجة مظْلمَة الأرجاء مُنْتِنَة الرَّائِحَة قد عمّها الخراب وملأتها القاذورات فَلَا يأنس بهَا وَلَا ينزل فِيهَا إِلَّا من يُنَاسِبه سكناهَا من الحشرات والديدان والهوام الشَّيْطَان جَالس على سريرها وعَلى السرير بِسَاط من الْجَهْل وتخفق فِيهِ الْأَهْوَاء وَعم يَمِينه وشماله مرافق الشَّهَوَات وَقد فتح إِلَيْهِ بَاب من حقل الخذلان والوحشة والركون إِلَى الدُّنْيَا والطمأنينة بهَا والزهد فِي الْآخِرَة وأمطر من وابل الْجَهْل والهوى والشرك والبدع وَمَا أنبت فِيهِ أَصْنَاف الشوك والحنظل وَالْأَشْجَار المثمرة بأنواع الْمعاصِي والمخالفات من الزَّوَائِد والتنديبات والنوادر والهزليات والمضحكات والأشعار الغزليات والخمريات الَّتِي تهيج على ارْتِكَاب الْمُحرمَات وتزهد فِي الطَّاعَات وَجعل فِي وسط الحقل شَجَرَة الْجَهْل بِهِ والإعراض عَنهُ فَهِيَ تؤتي أكلهَا كل حِين من الفسوق والمعاصي وَاللَّهْو واللعب والمجون والذهاب مَعَ كل ريح واتّباع كل شَهْوَة وَمن ثَمَرهَا الْعُمُوم والغموم وَالْأَحْزَان والآلام وَلكنهَا متوارية بإشغال النَّفس بلهوها ولعبها فَإِذا أفاقت من سكرها أحضرت كل هم وغم وحزن وقلق ومعيشة ضنك وأجرى إِلَى تِلْكَ الشَّجَرَة مَا يسقيها من اتّباع الْهوى وَطول الأمل والغرور ثمَّ ترك ذَلِك الْبَيْت وظلماته وخراب حيطانه بِحَيْثُ لَا يمْنَع مِنْهُ مُفسد وَلَا حَيَوَان وَلَا مؤذ وَلَا قذر فسبحان خَالق هَذَا الْبَيْت وَذَلِكَ الْبَيْت فَمن عرف بَيته وَقدر السَّاكِن فِيهِ وقدّر مَا فِيهِ من الْكُنُوز والذخائر والآلات انْتفع بحياته وَنَفسه وَمن جهل ذَلِك جهل نَفسه وأضاع سعادته وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
سَأَلَ سهل التسترِي الرجل يَأْكُل فِي الْيَوْم أَكلَة قَالَ أكل الصديقين قيل لَهُ فأكلتين قَالَ أكل الْمُؤمنِينَ قيل لَهُ فَثَلَاث أكلات فَقَالَ قل لأَهله يبنوا
стр. 177
لَهُ معلفا قَالَ الْأسود بن سَالم رَكْعَتَيْنِ أصليهما لله أحب إِلَيّ من الْجنَّة بِمَا فِيهَا فَقيل لَهُ هَذَا خطأ فَقَالَ دَعونَا من كلامكم الْجنَّة رضى نَفسِي والركعتان رضى رَبِّي ورضى رَبِّي أحب إِلَيّ من رضى نَفسِي الْعَارِف فِي الأَرْض رَيْحَانَة من رياحين الْجنَّة إِذا شمها المريد اشتاقت نَفسه إِلَى الْجنَّة قلب الْمُحب بَين جلال محبوبه وجماله فَإِذا لاحظ جَلَاله هابه وعظّمه وَإِذا لاحظ جماله أحبه واشتاق إِلَيْهِ
فَائِدَة من النَّاس من يعرف الله بالجود والإفضال وَالْإِحْسَان وَمِنْهُم من يعرفهُ
بِالْعَفو والحلم والتجاوز وَمِنْهُم من يعرفهُ بالبطش والانتقام وَمِنْهُم من يعرفهُ بِالْعلمِ وَالْحكمَة وَمِنْه من يعرفهُ بِالْعِزَّةِ والكبرياء وَمِنْهُم من يعرفهُ بِالرَّحْمَةِ وَالْبر واللطف وَمِنْهُم من يعرفهُ بالقهر وَالْملك وَمِنْهُم من يعرفهُ بإجابة دَعوته وإغاثة لهفته وَقَضَاء حَاجته وأعم هَؤُلَاءِ معرفَة من عرفه من كَلَامه فَإِنَّهُ يعرف رَبًّا قد اجْتمعت لَهُ صِفَات الْكَمَال ونعوت الْجلَال منزّه عَن الْمِثَال برِئ من النقائص والعيوب لَهُ كل اسْم حسن وكل وصف كَمَال فعّال لما يُرِيد فَوق كل شَيْء وَمَعَ كل شَيْء وقادر على كل شَيْء ومقيم لكل شَيْء آمرناه مُتَكَلم بكلماته الدِّينِيَّة والكونية أكبر من كل شَيْء وأجمل من كل شَيْء أرْحم الرَّاحِمِينَ وأقدر القادرين وَأحكم الْحَاكِمين فالقرآن أنزل لتعريف عباده بِهِ وبصراطه الْموصل إِلَيْهِ وبحال السالكين بعد الْوُصُول إِلَيْهِ
فَائِدَة من الْآفَات الْخفية الْعَامَّة أَن يكون العَبْد فِي نعْمَة أنعم الله بهَا
عَلَيْهِ واختارها لَهُ فيملها العَبْد وَيطْلب الِانْتِقَال مِنْهَا إِلَى مَا يزْعم لجهله أَنه خير لَهُ مِنْهَا وربه برحمته لَا يُخرجهُ من تِلْكَ النِّعْمَة وبعذره بجهله وَسُوء اخْتِيَاره لنَفسِهِ حَتَّى إِذا ضَاقَ ذرعا
стр. 178
بِتِلْكَ النِّعْمَة وسخطها وتبرّم بهَا واستحكم ملكه لَهَا سلبه الله إِيَّاهَا فَإِذا انْتقل إِلَى مَا طلبه وَرَأى التَّفَاوُت بَين مَا كَانَ فِيهِ وَمَا صَار إِلَيْهِ اشْتَدَّ قلقه وندمه وَطلب العودة إِلَى مَا كَانَ فِيهِ فَإِذا أَرَادَ الله بِعَبْدِهِ خيرا ورشدا أشهده أَن مَا هُوَ فِيهِ نعْمَة من نعمه عَلَيْهِ وَرضَاهُ بِهِ وأوزعه شكره عَلَيْهِ فَإِذا حدثته نَفسه بالانتقال عَنهُ استخار ربه استخارة جَاهِل بمصلحته عَاجز عَنْهَا مفوض إِلَى الله طَالب مِنْهُ حسن اخْتِيَاره لَهُ وَلَيْسَ على العَبْد أضرّ من ملله لنعم الله فَإِنَّهُ لَا يَرَاهَا نعْمَة وَلَا يشكره عَلَيْهَا وَلَا يفرح بهَا بل يسخطها ويشكوها ويعدّها مُصِيبَة هَذَا وَهِي من أعظم نعم الله عَلَيْهِ فَأكْثر النَّاس أَعدَاء نعم الله عَلَيْهِم وَلَا يَشْعُرُونَ بِفَتْح الله عَلَيْهِم نعمه وهم مجتهدون فِي دَفعهَا وردهَا جهلا وظلما فكم من سعت إِلَى أحدهم من نعْمَة وَهُوَ ساع فِي ردهَا بِجهْدِهِ وَكم وصلت إِلَيْهِ وَهُوَ ساع فِي دَفعهَا وزوالها بظلمه وجهله قَالَ تَعَالَى ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَقَالَ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ فَلَيْسَ للنعم أعدى من نفس العَبْد فَهُوَ مَعَ عدوه ظهير على نَفسه فعدوه يطْرَح النَّار فِي نعمه وَهُوَ ينْفخ فِيهَا فَهُوَ الَّذِي مكّنه من طرح النَّار ثمَّ أَعَانَهُ بالنفخ فَإِذا اشتدّ ضرامها اسْتَغَاثَ من الْحَرِيق وَكَانَ غَايَته معاتبة الأقدار
وعاجز الرَّأْي مضياع لفرصته ... حَتَّى إِذا فَاتَ أَمر عَاتب القدرا
فصل وَمن أعز أَنْوَاع الْمعرفَة معرفَة الرب سُبْحَانَهُ بالجمال وَهِي معرفَة خَواص
الْخلق وَكلهمْ عرفه بِصفة من صِفَاته وأتمهم معرفَة من عرفه بِكَمَالِهِ وجلاله وجماله سُبْحَانَهُ لَيْسَ كمثله شَيْء فِي سَائِر صِفَاته وَلَو فرضت الْخلق كلهم على أجملهم صُورَة وَكلهمْ على تِلْكَ الصُّورَة ونسبت جمَالهمْ الظَّاهِر وَالْبَاطِن إِلَى جمال الرب سُبْحَانَهُ لَكَانَ أقل من نِسْبَة سراج ضَعِيف إِلَى قرص الشَّمْس وَيَكْفِي فِي جماله أَنه لَو كشف الْحجاب
стр. 179
عَن وَجهه لأحرقت سُبْحَانَهُ مَا انْتهى إِلَيْهِ بَصَره من خلقه وَيَكْفِي فِي جماله أَن كل جمال ظَاهر وباطن فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَمن آثَار صَنعته فَمَا الظَّن بِمن صدر عَنهُ هَذَا الْجمال وَيَكْفِي فِي جماله أَنه لَهُ الْعِزَّة جَمِيعًا وَالْقُوَّة جَمِيعًا والجود كُله وَالْإِحْسَان كُله وَالْعلم كُله وَالْفضل كُله ولنور وَجهه أشرقت الظُّلُمَات كَمَا قَالَ النَّبِي فِي دُعَاء الطَّائِف أعوذ بِنور وَجهك الَّذِي أشرقت لَهُ الظُّلُمَات وَصلح عَلَيْهِ أَمر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَقَالَ عبد الله بن مَسْعُود لَيْسَ عِنْد ربكُم ليل وَلَا نَهَار نور السَّمَوَات وَالْأَرْض من نور وَجهه فَهُوَ سُبْحَانَهُ نور السَّمَوَات وَالْأَرْض وَيَوْم الْقِيَامَة إِذا جَاءَ لفصل الْقَضَاء وتشرق الأَرْض بنوره وَمن أَسْمَائِهِ الْحسنى الْجَمِيل وَفِي الصَّحِيح عَنهُ إِن الله جميل يحب الْجمال
وجماله سُبْحَانَهُ على أَربع مَرَاتِب جمال الذَّات وجمال الصِّفَات وجمال الْأَفْعَال وجمال الْأَسْمَاء فأسماؤه كلهَا حسنى وَصِفَاته كلهَا صِفَات كَمَال وأفعاله كلهَا حِكْمَة ومصلحة وَعدل وَرَحْمَة وَأما جمال الذَّات وَمَا هُوَ عَلَيْهِ فَأمر لَا يُدْرِكهُ سواهُ وَلَا يُعلمهُ غَيره وَلَيْسَ عِنْد المخلوقين مِنْهُ إِلَّا تعريفات تعرّف بهَا إِلَى من أكْرمه من عباده فَإِن ذَلِك الْجمال مصون عَن الأغيار مَحْجُوب بستر الرِّدَاء والإزار كَمَا قَالَ رَسُوله فِيمَا يحْكى عَنهُ الْكِبْرِيَاء رِدَائي وَالْعَظَمَة إزَارِي وَلما كَانَت الْكِبْرِيَاء أعظم وأوسع كَانَت أَحَق باسم الرِّدَاء فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ الْكَبِير المتعال فَهُوَ سُبْحَانَهُ الْعلي الْعَظِيم قَالَ ابْن عَبَّاس حجب الذَّات بِالصِّفَاتِ وحجب الصِّفَات بالأفعال فَمَا ظَنك بِجَمَال حجب بأوصاف الْكَمَال وَستر بنعوت العظمة والجلال
وَمن هَذَا الْمَعْنى يفهم بعض مَعَاني جمال ذَاته فَإِن العَبْد يترقّى من معرفَة الْأَفْعَال إِلَى معرفَة الصِّفَات وَمن معرفَة الصِّفَات إِلَى معرفَة الذَّات فَإِذا شَاهد شَيْئا من جمال الْأَفْعَال اسْتدلَّ بِهِ على جمال الصِّفَات ثمَّ استبدل بِجَمَال الصِّفَات على جمال الذَّات وَمن هَهُنَا يتَبَيَّن أَنه سُبْحَانَهُ لَهُ الْحَمد كُله وَأَن أحدا من خلقه لَا يحصي ثَنَاء
стр. 180
عَلَيْهِ بل هُوَ كَمَا أثنى على نَفسه وَأَنه يسْتَحق أَن يعبد لذاته وَيُحب لذاته ويشكر لذاته وَأَنه سُبْحَانَهُ يحب نَفسه ويثني على نَفسه ويحمد نَفسه وَأَن محبته لنَفسِهِ وحمده لنَفسِهِ وثناءه وعَلى نَفسه وتوحيده لنَفسِهِ هُوَ فِي الْحَقِيقَة الْحَمد وَالثنَاء وَالْحب والتوحيد فَهُوَ سُبْحَانَهُ كَمَا أثنى على نَفسه وَفَوق مَا يثني بِهِ عَلَيْهِ خلقه وَهُوَ سُبْحَانَهُ كَمَا يحب كَمَا يحب ذَاته يحب صِفَاته وأفعاله فَكل أَفعاله حسن مَحْبُوب وَإِن كَانَ فِي مفعولاته مَا يبغضه ويكرهه فَلَيْسَ فِي أَفعاله مَا هُوَ مَكْرُوه مسخوط وَلَيْسَ فِي الْوُجُود مَا يحب لذاته ويحمد لذاته إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ وكل مَا يحب سواهُ فَإِن كَانَت محبته نابعة لمحبته سُبْحَانَهُ بِحَيْثُ يحب لأَجله فمحبته صَحِيحَة وَإِلَّا فَهِيَ محبَّة بَاطِلَة وَهَذَا هُوَ حَقِيقَة الإلهية فَإِن الْإِلَه الْحق هُوَ الَّذِي يحب لذاته ويحمد لذاته فَكيف إِذا انضاف إِلَى ذَلِك إحسانه وإنعامه وحلمه وتجاوزه وعفوه وبرّه وَرَحمته فعلى العَبْد أَن يعلم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله فَيُحِبهُ وَيَحْمَدهُ لذاته وكماله وَأَن يعلم أَنه لَا محسن على الْحَقِيقَة بأصناف النعم الظَّاهِرَة والباطنة إِلَّا هُوَ فَيُحِبهُ لإحسانه وإنعامه وَيَحْمَدهُ على ذَلِك فَيُحِبهُ من الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا وكما أَنه لَيْسَ كمثله شَيْء فَلَيْسَ كمحبته محبَّة والمحبة مَعَ الخضوع هِيَ الْعُبُودِيَّة الَّتِي خلق الْخلق لأَجلهَا فَإِنَّهَا غَايَة الْحبّ بغاية الذل وَلَا يصلح ذَلِك إِلَّا لَهُ سُبْحَانَهُ والإشراك بِهِ فِي هَذَا هُوَ الشّرك الَّذِي لَا يغفره الله وَلَا يقبل لصَاحبه عملا
وحمده يتَضَمَّن أصلين الْإِخْبَار بمحامده وصفات كَمَاله والمحبة لَهُ عَلَيْهَا فَمن أخبر بمحاسن غَيره من غير محبَّة لَهُ لم يكن حامدا وَمن أحبّه من غير إِخْبَار بمحاسنه لم يكن حامدا حَتَّى يجمع الْأَمريْنِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ يحمد نَفسه بِنَفسِهِ ويحمد نَفسه بِمَا يجريه على أَلْسِنَة الحامدين لَهُ من مَلَائكَته وأنبيائه وَرُسُله وعباده الْمُؤمنِينَ فَهُوَ الحامد لنَفسِهِ بِهَذَا وَهَذَا فَإِن حمدهم لَهُ بمشيئته وإذنه وتكوينه فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي جعل الحامد حامدا وَالْمُسلم مُسلما وَالْمُصَلي مُصَليا والتائب تَائِبًا فَمِنْهُ ابتدأت النعم واليه انْتَهَت فابتدأت بِحَمْدِهِ وانتهت إِلَى حَمده وَهُوَ الَّذِي ألهم عَبده التَّوْبَة وَفَرح
стр. 181
بهَا أعظم فَرح وَهِي من فَضله وجوده وألهم عَبده الطَّاعَة وأعانه عَلَيْهَا ثمَّ أثابه عَلَيْهَا وَهِي من فَضله وجوده وَهُوَ سُبْحَانَهُ غَنِي عَن كل مَا سواهُ بِكُل وَجه وَمَا سواهُ فَقير إِلَيْهِ بِكُل وَجه وَالْعَبْد مفتقر إِلَيْهِ لذاته فِي الْأَسْبَاب والغايات فَإِن مَالا يكون بِهِ لَا يكون وَمَا لَا يكون لَهُ لَا ينفع
فصل وَقَوله فِي الحَدِيث إِن الله جميل يحب الْجمال يتَنَاوَل جمال الثِّيَاب
المسؤول عَنهُ فِي نفس الحَدِيث وَيدخل فِيهِ بطرِيق الْعُمُوم الْجمال من كل شَيْء كَمَا فِي الحَدِيث الآخر إِن الله نظيف يحب النَّظَافَة وَفِي الصَّحِيح إِن الله طيب لَا يقبل إِلَّا طيبا وَفِي السّنَن إِن الله يحب أَن يرى أثر نعْمَته على عَبده وفيهَا عَن أبي الْأَحْوَص الْجُشَمِي قَالَ رَآنِي النَّبِي وعليَّ أطمار فَقَالَ هَل لَك من مَال قلت نعم قَالَ من أَي المَال قلت من كل مَا أَتَى الله من الْإِبِل والشاه قَالَ فلتر نعْمَته وكرامته عَلَيْك فَهُوَ سُبْحَانَهُ يحب ظُهُور أثر نعْمَته على عَبده فَإِنَّهُ من الْجمال الَّذِي يُحِبهُ وَذَلِكَ من شكره على نعمه وَهُوَ جمال بَاطِن فيحب أَن يرى على عَبده الْجمال الظَّاهِر بِالنعْمَةِ وَالْجمال الْبَاطِن بالشكر عَلَيْهَا ولمحبته سُبْحَانَهُ للجمال أنزل على عباده لباسا وزينة تجمّل ظواهرهم وتقوى تجمّل بواطنهم فَقَالَ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِك خيرا وَقَالَ فِي أهل الْجنَّة ولقاهم نظرة وَسُرُوراً وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً فجمل وُجُوههم بالنظرة وبواطنهم بالسرور وأبدانهم بالحرير وَهُوَ سُبْحَانَهُ كَمَا يحب الْجمال فِي الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال واللباس والهيأة يبغض الْقَبِيح من الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال وَالثيَاب والهيأة فيبغض الْقَبِيح وَأَهله وَيُحب الْجمال وَأَهله وَلَكِن ضل فِي هَذَا الْمَوْضُوع فريقان فريق قَالُوا كل مَا خلقه جميل فَهُوَ يحب كل مَا خلقه وَنحن نحب جَمِيع
стр. 182
مَا خلقه فَلَا نبغض مِنْهُ شَيْئا قَالُوا وَمن رأى الكائنات مِنْهُ رَآهَا كلهَا جميلَة وَأنْشد منشدهم
وَإِذا رَأَيْت الكائنات بعينهم ... فَجَمِيع مَا يحوي الْوُجُود مليح
وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَقَوله صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ وَقَوله مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ والعارف عِنْدهم هُوَ الَّذِي يُصَرح بِإِطْلَاق الْجمال وَلَا يرى فِي الْوُجُود قبيحا وَهَؤُلَاء قد عدمت الْغيرَة لله من قُلُوبهم والبغض فِي الله والمعاداة فِيهِ وإنكار الْمُنكر وَالْجهَاد فِي سَبيله وَإِقَامَة حُدُوده وَيرى جمال الصُّور من الذُّكُور وَالْإِنَاث من الْجمال الَّذِي يُحِبهُ الله فيتعبدون بفسقهم وَرُبمَا غلا بَعضهم حَتَّى يزْعم أَن معبوده يظْهر فِي تِلْكَ الصُّورَة وَيحل فِيهَا وَإِن كَانَ اتحاديا قَالَ هِيَ مظهر من مظَاهر الْحق ويسميها الْمظَاهر الجمالية
فصل وقابلهم فِي الْفَرِيق الثَّانِي فَقَالُوا قد ذمّ الله سُبْحَانَهُ جمال الصُّور
وَتَمام الْقَامَة والخلقة فَقَالَ عَن النافقين وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ﴿وَقَالَ﴾ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِئْياً أَي أَمْوَالًا ومناظر قَالَ الْحسن هُوَ الصُّور وَفِي صَحِيح مُسلم عَنهُ إِن الله لَا ينظر إِلَى صوركُمْ وَأَمْوَالكُمْ وَإِنَّمَا ينظر إِلَى قُلُوبكُمْ وَأَعْمَالكُمْ قَالُوا وَمَعْلُوم أَنه لم ينف نظر الْإِدْرَاك وَإِنَّمَا نفى نظر الْمحبَّة قَالُوا وَقد حرّم علينا لِبَاس الْحَرِير وَالذَّهَب وآنية وَالذَّهَب الْفضة وَذَلِكَ من أعظم جمال الدُّنْيَا وَقَالَ وَلَا تَمُدَّن عَيْنك إِلَى مَا متّعنا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُم زهرَة الْحَيَاة الدُّنْيَا لنفتنهم فِيهِ وَفِي الحَدِيث البذاذة من الْإِيمَان وَقد ذمّ الله المسرفين والسرف كَمَا يكون فِي الطَّعَام وَالشرَاب يكون فِي اللبَاس
وَفصل النزاع أَن يُقَال الْجمال فِي الصُّورَة واللباس والهيأة ثَلَاثَة أَنْوَاع مِنْهُ مَا يحمد وَمِنْه مَا يذم وَمِنْه مَالا يتَعَلَّق بِهِ مدح وَلَا ذمّ فالمحمود مِنْهُ مَا كَانَ
стр. 183
لله وأعان على طَاعَة الله وتنفيذ أوامره والاستجابة لَهُ كَمَا كَانَ النَّبِي يتجمّل للوفود وَهُوَ نَظِير لِبَاس آلَة الْحَرْب لِلْقِتَالِ ولباس الْحَرِير فِي الْحَرْب وَالْخُيَلَاء فِيهِ فَإِن ذَلِك مَحْمُود إِذا تضمّن إعلاء كلمة الله وَنصر دينه وغيظ عدوّه والمذموم مِنْهُ مَا كَانَ للدنيا والرياسة وَالْفَخْر وَالْخُيَلَاء والتوسل إِلَى الشَّهَوَات وَأَن يكون هُوَ غَايَة العَبْد وأقصى مطلبه فَإِن كثيرا من النُّفُوس لَيْسَ لَهَا همّة فِي سوى ذَلِك وَأما مَالا يحمد وَلَا يذم هُوَ مَا خلا عَن هذَيْن القصدين وتجرّد عَن الوصفين
وَالْمَقْصُود أَن هَذَا الحَدِيث الشريف مُشْتَمل على أصلين عظيمين فأوله معرفَة وَآخره سلوك فَيعرف الله سُبْحَانَهُ بالجمال الَّذِي لَا يماثله فِيهِ شَيْء ويعبد بالجمال الَّذِي يُحِبهُ من الْأَقْوَال والأعمال والأخلاق فيحب من عَبده أَن يجمل لِسَانه بِالصّدقِ وَقَلبه بالإخلاص والمحبة والإنابة والتوكل وجوارحه بِالطَّاعَةِ وبدنه بِإِظْهَار نعمه عَلَيْهِ فِي لِبَاسه وتطهيره لَهُ من الأنجاس والأحداث والأوساخ والشعور والمكروهة والختان وتقليم الْأَظْفَار فيعرفه بِصِفَات بالجمال ويتعرف إِلَيْهِ بالأفعال والأقوال والأخلاق الجميلة فيعرفه بالجمال الَّذِي هُوَ وَصفه ويعبده بالجمال الَّذِي هُوَ شَرعه وَدينه فَجمع الحَدِيث قاعدتين الْمعرفَة والسلوك
فصل لَيْسَ للْعَبد شَيْء أَنْفَع من صدقه ربه فِي جَمِيع أُمُوره مَعَ صدق
الْعَزِيمَة فيصدقه فِي عزمه وَفِي فعله قَالَ تَعَالَى فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ فسعادته فِي صدق الْعَزِيمَة وَصدق الْفِعْل فَصدق الْعَزِيمَة جمعهَا وجزمها وَعدم التَّرَدُّد فِيهَا بل تكون عَزِيمَة لَا يشوبها تردد وَلَا تلوّم فَإِذا صدقت عزيمته بَقِي عَلَيْهِ صدق الْفِعْل وَهُوَ استفراغ الوسع وبذل الْجهد فِيهِ وَأَن لَا يتخلّف عَنهُ بِشَيْء من ظَاهره وباطنه فعزيمة الْقَصْد تَمنعهُ من ضعف الْإِرَادَة والهمّة وَصدق الْفِعْل يمنعهُ من الكسل والفتور وَمن صدق الله فِي جَمِيع أُمُوره صنع الله لَهُ فَوق مَا يصنع لغيره
стр. 184
وَهَذَا الصدْق معنى يلتئم من صحّة الْإِخْلَاص وَصدق التوكّل فَأَصدق النَّاس من صحّ إخلاصه وتوكّله
فَائِدَة جليلة فِي الْقدر
رب ذُو إِرَادَة أَمر عبدا ذَا إِرَادَة فان وفّقه وَأَرَادَ من نَفسه أَن يُعينهُ ويلهمه فعل مَا أَمر بِهِ وَإِن خذله وخلاّه وإرادته وَنَفسه وَهُوَ من هَذِه الحثيثة لَا يخْتَار إِلَّا مَا تهواه نَفسه وطبعه فَهُوَ من حَيْثُ هُوَ إِنْسَان لَا يُرِيد إِلَّا ذَلِك وَلذَلِك ذمّه الله فِي كِتَابه من هَذِه الحثيثة وَلم يمدحه إِلَّا بِأَمْر زَائِد على تِلْكَ الحثيثة وَهُوَ كَونه مُسلما ومؤمنا وصابرا ومحسنا وشكورا وتقيا وَبرا وَنَحْو ذَلِك وَهَذَا أَمر زَائِد على مجرّد كَونه إنْسَانا وإرادته صَالِحَة وَلَكِن لَا يَكْفِي مجرّد صلاحيتها إِن لم تؤيد بِقدر زَائِد على ذَلِك وَهُوَ التَّوْفِيق كَمَا أَنه لَا يَكْفِي فِي الرُّؤْيَة مجرّد صَلَاحِية الْعين للإدراك إِن لم يحصل سَبَب آخر من النُّور الْمُنْفَصِل عَنْهَا
فصل من أعظم الظُّلم وَالْجهل أَن تطلب التَّعْظِيم والتوقير من النَّاس وقلبك
خَال من تَعْظِيم الله وتوقيره فانك توقّر الْمَخْلُوق وتجلّه أَن يراك فِي حَال لَا توقّر الله أَن يراك عَلَيْهَا قَالَ تَعَالَى مَا لكم لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً أَي لَا تعاملونه مُعَاملَة من توقّرونه والتوقير وَالْعَظَمَة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى وَتُوَقِّرُوه قَالَ الْحسن مَا لكم لَا تعرفُون لله حَقًا وَلَا تشكرونه وَقَالَ مُجَاهِد لَا تبالون عَظمَة ربكُم وَقَالَ ابْن زيد لَا ترَوْنَ لله طَاعَة وَقَالَ ابْن عَبَّاس لَا تعرفُون حق عَظمته وَهَذِه الْأَقْوَال ترجع إِلَى معنى وَاحِد وَهُوَ أَنهم لَو عظّموا الله وَعرفُوا حق عَظمته وحّدوه وأطاعوه وشكروه فطاعته سُبْحَانَهُ اجْتِنَاب مَعَاصيه وَالْحيَاء مِنْهُ بِحَسب وقاره
стр. 185
فِي الْقلب وَلِهَذَا قَالَ بعض السّلف ليعظم وقار الله فِي قلب أحدكُم أَن يذكرهُ عِنْد مَا يستحي من ذكره فيقرن اسْمه بِهِ كَمَا تَقول قبّح الله الْكَلْب وَالْخِنْزِير وَالنَّتن وَنَحْو ذَلِك فَهَذَا من وقار الله وَمن وقاره أَن لَا تعدل بِهِ شَيْئا من خلقه لَا فِي اللَّفْظ بِحَيْثُ تَقول وَالله وحياتك مَالِي إِلَّا الله وَأَنت وَمَا شَاءَ الله وشئت وَلَا فِي الْحبّ والتعظيم والإجلال وَلَا فِي الطَّاعَة فتطيع الْمَخْلُوق فِي أمره وَنَهْيه كَمَا تطيع الله بل أعظم كَمَا عَلَيْهِ أَكثر الظلمَة والفجرة وَلَا فِي الْخَوْف والرجاء ويجعله أَهْون الناظرين إِلَيْهِ وَلَا يستهين بِحقِّهِ وَيَقُول هُوَ مَبْنِيّ على الْمُسَامحَة وَلَا يَجعله على الفضلة ويقدّم حق الْمَخْلُوق عَلَيْهِ وَلَا يكون الله وَرَسُوله فِي حد وناحية وَالنَّاس فِي نَاحيَة وحد فَيكون فِي الْحَد والشق الَّذِي فِيهِ النَّاس دون الْحَد والشق الَّذِي فِيهِ الله وَرَسُوله وَلَا يُعْطي الخلوق فِي مخاطبته قلبه ولبه وَيُعْطِي الله فِي خدمته بدنه وَلسَانه دون قلبه وروحه وَلَا يَجْعَل مُرَاد نَفسه مقدما على مُرَاد ربه
فَهَذَا كُله من عدم وقار الله فِي الْقلب وَمن كَانَ كَذَلِك فَإِن الله لَا يلقِي لَهُ فِي قُلُوب النَّاس وقارا وَلَا هَيْبَة بل يسْقط وقاره وهيبته فِي قُلُوبهم وَإِن وقّروه مَخَافَة شرّه فَذَاك وقار بغض لَا وقار حب وتعظيم وَمن وقار الله أَن يستحي من اطِّلَاعه على سره وضميره فَيرى فِيهِ مَا يكره وَمن وقاره أَن يستحي مِنْهُ فِي الْخلْوَة أعظم مِمَّا يستحي من أكَابِر النَّاس
وَالْمَقْصُود أَن من لَا يوقّر الله وَكَلَامه وَمَا آتَاهُ من الْعلم وَالْحكمَة كَيفَ يطْلب من النَّاس توقيره وتعظيمه الْقُرْآن وَالْعلم وَكَلَام الرَّسُول صلات من الْحق وتنبيهات وروادع وزواجر وَارِدَة إِلَيْك والشيب زاجر ورادع وموقظ قَائِم بك فَلَا مَا ورد إِلَيْك وعظك وَلَا مَا قَامَ بك نصحك وَمَعَ هَذَا تطلب التوقير والتعظيم من غَيْرك فَأَنت كمصاب لم تؤثّر فِيهِ مُصِيبَة وعظا وانزجارا وَهُوَ يطْلب من غَيره أَن يتّعظ وينزجر بِالنّظرِ إِلَى مصابه فالضرب لم يُؤثر فِيهِ زجرا وَهُوَ يُرِيد الانزجار مِمَّن نظر إِلَى ضربه من سمع بالمثلات والعقوبات
стр. 186
والآيات فِي حق غَيره وَلَيْسَ الله كمن رَآهَا عيَانًا فِي غَيره فَكيف بِمن وجدهَا فِي نَفسه سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ فآياته فِي الْآفَاق مسموعة مَعْلُومَة وآياته فِي النَّفس مَشْهُودَة مرئيّة فعياذا بِاللَّه من الخذلان قَالَ تَعَالَى إِن الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كلمة رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴿وَقَالَ﴾ وَلَو أننا أنزلنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ
والعاقل الْمُؤَيد بالتوفيق يعْتَبر بِدُونِ هَذَا وَيتم نقائص خلقته بفضائل أخلاقه وأعماله فَكلما امتحى من جثمانه أثر زَاد إيمَانه وَكلما نقص من قوى بدنه زَاد فِي قُوَّة إيمَانه ويقينه ورغبته فِي الله وَالدَّار الْآخِرَة وَإِن لم يكن هَكَذَا فالموت خير لَهُ لِأَنَّهُ يقف بِهِ على حد معِين من الْأَلَم وَالْفساد بِخِلَاف الْعُيُوب والنقائص مَعَ طول الْعُمر فَإِنَّهَا زِيَادَة فِي ألمه وهمّه وغمّه وحسرته وَإِنَّمَا حسن طول الْعُمر ونفع ليحصل التذكّر والاستدراك واغتنام الْغَرَض وَالتَّوْبَة النصوح كَمَا قَالَ تَعَالَى أولم نعمّركم مَا يتذكّر فِيهِ من تذكّر فَمن لم يورثه التَّعْمِير وَطول الْبَقَاء إصْلَاح معائبه وتدارك فارطه واغتنام بقيّة أنفاسه فَيعْمل على حَيَاة قلبه وَحُصُول النَّعيم الْمُقِيم وَإِلَّا فَلَا خير لَهُ فِي حَيَاته فَإِن العَبْد على جنَاح سفر إِمَّا إِلَى الْجنَّة وَإِمَّا إِلَى النَّار فَإِذا طَال عمره وَحسن عمله كَانَ طول سَفَره زِيَادَة لَهُ فِي حُصُول النَّعيم واللذة فَإِنَّهُ كلما طَال السّفر أَيهَا كَانَت الصبابة أجلّ وَأفضل وَإِذا طَال عمره وساء عمله كَانَ طول سَفَره زِيَادَة فِي ألمه وعذابه ونزولا لَهُ إِلَى أَسْفَل فالمسافر إِمَّا صاعد وَإِمَّا نَازل وَفِي الحَدِيث الْمَرْفُوع خَيركُمْ من طَال عمره وَحسن عمله وشرّكم من طَال عمره وقبيح عمله
فالطالب الصَّادِق فِي طلبه كَمَا خرب شَيْء من ذَاته جعله عمَارَة لِقَلْبِهِ وروحه وَكلما نقص شَيْء من دُنْيَاهُ جعله زِيَادَة فِي آخرته وَكلما منع شَيْئا من لذّات دُنْيَاهُ جعله زِيَادَة فِي لذّات آخرته وَكلما ناله هم أَو حزن أَو غم جعله فِي أفراح آخرته
стр. 187
فنقصان بدنه ودنياه ولذته وجاهه ورئاسته إِن زَاد فِي حُصُول ذَلِك وتوفيره عَلَيْهِ فِي معاده كَانَ رَحْمَة بِهِ وَخيرا لَهُ وَإِلَّا كَانَ حرمانا وعقوبة على ذنُوب ظَاهِرَة أَو باطنة أَو ترك وَاجِب ظَاهر أَو بَاطِن فَإِن حرمَان خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة مرتّب على هَذِه الْأَرْبَعَة وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق فَائِدَة
النَّاس مُنْذُ خلقُوا لم يزَالُوا مسافرين وَلَيْسَ لَهُم حط عَن رحالهم إِلَّا فِي الْجنَّة أَو النَّار والعاقل يعلم أَن السّفر مَبْنِيّ على المشقّة وركوب الأخطار وَمن الْمحَال عَادَة أَن يطْلب فِيهِ نعيم ولذّة وراحة إِنَّمَا ذَلِك بعد انْتِهَاء السّفر وَمن الْمَعْلُوم أَن كل وَطْأَة قدم أَو كل آن من آنات السّفر غير واقفة وَلَا الْمُكَلف وَاقِف وَقد ثَبت أَنه مُسَافر على الْحَال الَّتِي يجب أَن يكون الْمُسَافِر عَلَيْهَا من تهيئة الزَّاد الْموصل وَإِذا نزل أَو نَام أَو استراح فعلى قدم الاستعداد للسير
فَائِدَة عِنْد العارفين أَن الِاشْتِغَال بِالْمُشَاهَدَةِ عَن الْبر فِي السّير فِي السِّرّ
وقُوف لِأَنَّهُ فِي زمن الْمُشَاهدَة لَو كَانَ صَاحب عمل ظَاهر أَو بَاطِن أَو ازدياد من معرفَة وإيمان مفصّل كَانَ أولى بِهِ فَإِن اللطيفة الإنسانية تحْشر على صُورَة عَملهَا ومعرفتها وهمّتها وإرادتها وَالْبدن يحْشر على صُورَة عمله الْحسن أَو الْقَبِيح وَإِذا انْتَقَلت من هَذِه الدَّار شاهدت حَقِيقَة ذَلِك وعَلى قدر قرب قَلْبك من الله تبعد من الْأنس بِالنَّاسِ ومساكنتهم وعَلى قدر صيانتك لسرّك وإرادتك يكون حفظه وملاك ذَلِك صِحَة التَّوْحِيد ثمَّ صحّة الْعلم بِالطَّرِيقِ ثمَّ صِحَة الْإِرَادَة ثمَّ صِحَة الْعَمَل والحذر
стр. 188
كل الحذر من قصد النَّاس لَك وإقبالهم عَلَيْك وَأَن يعثروا على مَوضِع غرضك فَإِنَّهَا الآفة الْعُظْمَى
فَائِدَة كل ذِي لب يعلم أَنه لَا طَرِيق للشَّيْطَان عَلَيْهِ إِلَّا من ثَلَاث
جِهَات أَحدهَا التزيّد والإسراف فيزيد على قدر الْحَاجة فَتَصِير فضلَة وَهِي حَظّ الشَّيْطَان ومدخله إِلَى الْقلب وَطَرِيق الِاحْتِرَاز من إِعْطَاء النَّفس تَمام مطلوبها من غذَاء أَو نوم أَو لَذَّة أَو رَاحَة فَمَتَى أغلقت هَذَا الْبَاب حصل الْأمان من دُخُول الْعَدو مِنْهُ الثَّانِيَة الْغَفْلَة فَإِن الذاكر فِي حصن الذّكر فَمَتَى غفل فتح بَاب الْحصن فولجه الْعَدو فيعسر عَلَيْهِ أَو يصعب إِخْرَاجه الثَّالِثَة تكلّف مَالا يعنيه من جَمِيع الْأَشْيَاء
فَائِدَة طَالب النّفُوذ إِلَى الله وَالدَّار الْآخِرَة بل وَإِلَى كل علم وصناعة
ورئاسة بِحَيْثُ يكون رَأْسا فِي ذَلِك مقتدى بِهِ فِيهِ يحْتَاج أَن يكون شجاعا مقداما حَاكما على وهمه غير مقهور تَحت سُلْطَان تخيّله زاهدا فِي كل مَا سوى مَطْلُوبه عَاشِقًا لما توجه إِلَيْهِ عَارِفًا بطرِيق الْوُصُول إِلَيْهِ والطرق القواطع عَنهُ مِقْدَام الهمة ثَابت الجأش لَا يثنيه عَن مَطْلُوبه لوم لأثم وَلَا عذل عاذل كثير السّكُون دَائِم الْفِكر غير مائل مَعَ لَذَّة الْمَدْح وَلَا ألم الذَّم قَائِما بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من أَسبَاب معونته لَا تستفزه المعارضات شعاره الصَّبْر وراحته التَّعَب محبا لمكارم الْأَخْلَاق حَافِظًا لوقته لَا يخالط النَّاس إِلَّا على حذر كالطائر الَّذِي يلتقط الْحبّ بَينهم قَائِما على نَفسه بالرغبة والرهبة طامعا فِي نتائج الِاخْتِصَاص على بني جنسه غير مُرْسل شَيْئا من حواسه عَبَثا وَلَا مسرحا
стр. 189
خواطره فِي مَرَاتِب الْكَوْن وملاك ذَلِك هجر العوائد وَقطع العلائق الحائلة بَيْنك وَبَين الْمَطْلُوب وَعند الْعَوام أَن لُزُوم الْأَدَب مَعَ الْحجاب خير من إطراح الْأَدَب مَعَ الْكَشْف
فَائِدَة من الذَّاكِرِينَ من يبتديء بِذكر اللِّسَان وَإِن كَانَ على غَفلَة ثمَّ لَا
يزَال فِيهِ حَتَّى يحضر قلبه فيتواطئا على الذّكر وَمِنْهُم من لَا يرى ذَلِك وَلَا يبتدىء على غَفلَة بل يسكن حَتَّى يحضر قلبه فيشرع فِي الذّكر بِقَلْبِه فَإِذا قوي استتبع لِسَانه فتواطئا جَمِيعًا فَالْأول ينْتَقل الذّكر من لِسَانه إِلَى قلبه وَالثَّانِي ينْتَقل من قلبه إِلَى لِسَانه من غير أَن يَخْلُو قلبه مِنْهُ بل يسكن أَولا حَتَّى يحس بِظُهُور النَّاطِق فِيهِ فَإِذا أحس بذلك نطق قلبه ثمَّ انْتقل النُّطْق القلبي إِلَى الذّكر اللساني ثمَّ يسْتَغْرق فِي ذَلِك حَتَّى يجد كل شَيْء مِنْهُ ذَاكِرًا وَأفضل الذّكر وأنفعه مَا واطأ فِيهِ الْقلب اللِّسَان وَكَانَ من الْأَذْكَار النَّبَوِيَّة وَشهد الذاكر مَعَانِيه ومقاصده
فصل أَنْفَع النَّاس لَك رجل مكّنك من نَفسه حَتَّى تزرع فِيهِ خيرا أَو
تصنع إِلَيْهِ مَعْرُوفا فَإِنَّهُ نعم العون لَك على منفعتك وكمالك فانتفاعك بِهِ فِي الْحَقِيقَة مثل انتفاعه بك أَو أَكثر وأضر النَّاس عَلَيْك من مكّن نَفسه مِنْك حَتَّى تَعْصِي الله فِيهِ فَإِنَّهُ عون لَك على مضرّتك ونقصك
فصل اللَّذَّة المحرّمة ممزوجة بالقبح حَال تنَاولهَا مثمرة للألم بعد
انْقِضَائِهَا فَإِذا اشتدّت الداعية مِنْك إِلَيْهَا ففكر فِي انقطاعها وَبَقَاء قبحها وألمها ثمَّ وازن بَين الْأَمريْنِ
стр. 190
وَانْظُر مَا بَينهمَا من التَّفَاوُت والتعب بِالطَّاعَةِ ممزوج بالْحسنِ مثمر للذة والراحة فَإِذا ثقلت على النَّفس ففكر فِي انْقِطَاع تعبها وَبَقَاء حسنها ولذتها وسرورها ووازن بَين الْأَمريْنِ وآثر الرَّاجِح على الْمَرْجُوح فَإِن تألّمت بِالسَّبَبِ فَانْظُر إِلَى مَا فِي الْمُسَبّب من الفرحة وَالسُّرُور واللذة يهن عَلَيْك مقاساته وَإِن تألمت بترك اللَّذَّة الْمُحرمَة فَانْظُر إِلَى الْأَلَم الَّذِي يعقبه ووازن بَين الألمين وخاصيّة الْعقل تَحْصِيل أعظم المنفعتين بتفويت أدناهما وَاحْتِمَال أَصْغَر الألمين لدفع أعلاهما
وَهَذَا يحْتَاج إِلَى علم بالأسباب ومقتضياتها وَإِلَى عقل يخْتَار بِهِ الأولى وَإِلَّا نفع بِهِ لَهُ مِنْهَا فَمن وفّر قسمه من الْعقل وَالْعلم وَاخْتَارَ الْأَفْضَل وآثره وَمن نقص حَظه مِنْهُمَا أَو من أَحدهمَا اخْتَار خِلَافه وَمن فكّر فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة علم أَنه لَا ينَال وَاحِدًا مِنْهُمَا إِلَّا بمشّقة فليتحمّل المشقّة لخيرهما وأبقاهما
فصل لله على العَبْد فِي كل عُضْو من أَعْضَائِهِ أَمر وَله عَلَيْهِ فِيهِ
نهي وَله فِيهِ نعْمَة وَله بِهِ مَنْفَعَة وَلَذَّة فَإِن قَامَ لله فِي ذَلِك الْعُضْو بأَمْره واجتنب فِيهِ نَهْيه فقد أدّى شكر نعْمَته عَلَيْهِ فِيهِ وسعى فِي تَكْمِيل انتفاعه ولذته بِهِ وَإِن عطّل أَمر الله وَنَهْيه فِيهِ عطّله الله من انتفاعه بذلك الْعُضْو وَجعله من أكبر أَسبَاب ألمه ومضرّته وَله عَلَيْهِ فِي كل وَقت من أوقاته عبوديّة تقدمه إِلَيْهِ تقربه مِنْهُ فَإِن شغل وقته بعبودية الْوَقْت تقدم إِلَى ربه وَإِن شغله بهوى أرواحه وبطالة تأخّر فَالْعَبْد لَا يزَال فِي التَّقَدُّم أَو تأخّر وَلَا وقُوف فِي الطَّرِيق البتّة قَالَ تَعَالَى لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ
فصل أَقَامَ الله سُبْحَانَهُ هَذَا الْخلق بَين الْأَمر وَالنَّهْي وَالعطَاء وَالْمَنْع
فافترقوا فرْقَتَيْن فرقة قابلت أمره بِالتّرْكِ وَنَهْيه بالارتكاب وعطاءه بالغفلة عَن الشُّكْر وَمنعه
стр. 191
بالسخط وَهَؤُلَاء أعداؤه وَفِيهِمْ من الْعَدَاوَة بِحَسب مَا فيهم من ذَلِك وَقسم قَالُوا إِنَّمَا نَحن عبيدك فَإِن أمرتنا سارعنا إِلَى الْإِجَابَة وَإِن نَهَيْتنَا أمسكنا نفوسنا وكففناها عمّا نَهَيْتنَا عَنهُ وَإِن أَعطيتنَا حمدناك وشكرناك وان منعتنا تضر إِلَيْك وَذَكَرْنَاك فَلَيْسَ بَين هَؤُلَاءِ وَبَين الْجنَّة إِلَّا ستر الْحَيَاة الدُّنْيَا فَإِذا مزقه عَلَيْهِم الْمَوْت صَارُوا إِلَى النَّعيم الْمُقِيم وقرة الْأَعْين كَمَا أَن أُولَئِكَ لَيْسَ بَينهم وَبَين النَّار إِلَّا ستر الْحَيَاة فَإِذا مزّقه الْمَوْت صَارُوا إِلَى الْحَسْرَة والألم
فَإِذا تصادمت جيوش الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فِي قَلْبك وَأَرَدْت أَن تعلم من أَي الْفَرِيقَيْنِ أَنْت فَانْظُر مَعَ من تميل مِنْهُمَا وَمَعَ من تقَاتل إِذْ لَا يمكنك الْوُقُوف بَين الجيشين فَأَنت مَعَ أَحدهمَا لَا محَالة فالفريق الأول استغشوا الْهوى فخالفوه واستنصحوا الْعقل فشاوروه وفرّغوا قُلُوبهم للفكر فِيمَا خلقُوا لَهُ وجوارحهم للْعَمَل بِمَا أمروا بِهِ وأوقاتهم لعمارتها بِمَا يعمر مَنَازِلهمْ فِي الْآخِرَة واستظهروا على سرعَة الْأَجَل بالمبادرة إِلَى الْأَعْمَال وَسَكنُوا الدُّنْيَا وَقُلُوبهمْ مسافرة عَنْهَا واستوطنوا الْآخِرَة قبل انتقالهم إِلَيْهَا واهتموا بِاللَّه وطاعنه على قدر حَاجتهم إِلَيْهَا وتزودوا للآخرة على قدر مقامهم فِيهَا فَعجل لَهُم سُبْحَانَهُ من نعيم الْجنَّة وروحها أَن آنسهم بِنَفسِهِ وَأَقْبل بقلوبهم إِلَيْهِ وَجَمعهَا على محبته وشوقهم إِلَى لِقَائِه ونعمهم بِقُرْبِهِ وَفرغ قُلُوبهم مِمَّا مَلأ قُلُوب غَيرهم من محبَّة الدُّنْيَا والهم والحزن على فَوتهَا وَالْغَم من خوف ذهابها فاستلانوا مَا استوعره المترفون وأنسوا بِمَا استوحش مِنْهُ الجاهلون صحبوا الدُّنْيَا بأبدانهم وَالْمَلَأ الْأَعْلَى بأرواحهم
فصل التَّوْحِيد أصلف شَيْء وأنزهه وأنظفه وأصفاه فأدنى شَيْء يخدشه ويدنّسه
ويؤثّر فِيهِ فَهُوَ كأبيض ثوب يكون يؤثّر فِيهِ أدنى أثر وكالمرآة الصافية جدا أدنى شَيْء يُؤثر فِيهَا وَلِهَذَا تشوشه اللحظة واللفظة والشهوة الْخفية فَإِن بَادر صَاحبه
стр. 192
وَقلع ذَلِك الْأَثر بضده وَإِلَّا استحكم وَصَارَ طبعا يتعسّر عَلَيْهِ قلعه
وَهَذِه الْآثَار والطبوع الَّتِي تحصل فِيهِ مِنْهَا مَا يكون سريع الْحُصُول سريع الزَّوَال وَمِنْهَا مَا يكون سريع الْحُصُول بطيء الزَّوَال وَمِنْهَا مَا يكون بطيء الْحُصُول سريع الزَّوَال وَمِنْهَا مَا يكون بطيء الْحُصُول بطيء الزَّوَال وَلَكِن من النَّاس من يكون توحيده كَبِيرا عَظِيما ينغمر فِيهِ كثير من تِلْكَ الْآثَار ويستحيل فِيهِ بِمَنْزِلَة المَاء الْكثير الَّذِي يخالطه أدنى نَجَاسَة أَو وسخ فيغتر بِهِ صَاحب التَّوْحِيد الَّذِي هُوَ دونه فيخلط توحيده الضَّعِيف بِمَا خلط بِهِ صَاحب التَّوْحِيد الْعَظِيم الْكثير توحيده فَيظْهر تَأْثِيره فِيهِ مَا لم يظْهر فِي التَّوْحِيد الْكثير وَأَيْضًا فان الْمحل الصافي جدا يظْهر لصَاحبه مِمَّا يدنسه مَالا يظْهر فِي الْمحل الَّذِي لم يبلغ فِي الصفاء مبلغه فيتداركه بالإزالة دون هَذَا فَإِنَّهُ لَا يشْعر بِهِ وَأَيْضًا فَإِن قُوَّة الْإِيمَان والتوحيد إِذا كَانَت قَوِيَّة جدا أحالت الْموَاد الرَّديئَة وقهرتها بِخِلَاف الْقُوَّة الضعيفة وَأَيْضًا فَإِن صَاحب المحاسن الْكَثِيرَة والغامرة للسيئات ليسامح بِمَا لَا يسامح بِهِ من أَتَى مثل تِلْكَ السَّيِّئَات وَلَيْسَت لَهُ مثل تِلْكَ المحاسن كَمَا قيل
وَإِذا الحبيب أَتَى بذنب وَاحِد ... جَاءَت محاسنه بِأَلف شَفِيع
وَأَيْضًا فَإِن صدق الطّلب وَقُوَّة الْإِرَادَة وَكَمَال الانقياد يحِيل تِلْكَ الْعَوَارِض والغواشي الغريبة إِلَى مُقْتَضَاهُ وموجبه كَمَا أَن الْكَذِب وَفَسَاد الْقَصْد وَضعف الانقياد يحِيل الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال الممدوحة إِلَى مُقْتَضَاهُ وموجبه كَمَا يُشَاهد ذَلِك فِي الأخلاط الْغَالِبَة وإحالتها لصالح الأغذية إِلَى طبعها
فَائِدَة ترك الشَّهَوَات لله وَإِن أنجى من عَذَاب الله وَأوجب الْفَوْز برحمته
فذخائر الله وكنوز الْبر وَلَذَّة الْأنس والشوق إِلَيْهِ والفرح والابتهاج بِهِ لَا يحصل فِي قلب فِيهِ غَيره وَإِن كَانَ من أهل الْعِبَادَة والزهد وَالْعلم فَإِن سُبْحَانَهُ أَبى أَن يَجْعَل
стр. 193
ذخائره فِي قلب فِيهِ سواهُ وهمّته ومتعلقة بِغَيْرِهِ وَإِنَّمَا يودع ذخائره فِي قلب يرى الْفقر غنى مَعَ الله والغنى فقرا دون الله والعز ذلا دونه والذل عزا وَمَعَهُ وَالنَّعِيم عذَابا دونه وَالْعَذَاب نعيما مَعَه وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يرى الْحَيَاة إِلَّا بِهِ وَمَعَ الْمَوْت والألم والهم وَالْغَم والحزن إِذا لم يكن مَعَه فَهَذَا لَهُ جنتان جنَّة فِي الدُّنْيَا مُعجلَة وجنة يَوْم الْقِيَامَة
فَائِدَة الْإِنَابَة هِيَ عكوف الْقلب على الله كاعتكاف الْبدن فِي الْمَسْجِد
لَا يُفَارِقهُ وَحَقِيقَة ذَلِك عكوف الْقلب على محبّته وَذكره بالإجلال والتعظيم وعكوف الْجَوَارِح على طَاعَته بالإخلاص لَهُ والمتابعة لرَسُوله وَمن لم يعكف قلبه على الله وَحده عكف على التماثيل المتنوعة كَمَا قَالَ إِمَام الخنفاء لِقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ فاقتسم هُوَ وَقَومه حَقِيقَة العكوف فَكَانَ حَظّ قومه العكوف على التماثيل وَكَانَ حَظه العكوف على الرب الْجَلِيل والتماثيل جمع تِمْثَال وَهُوَ الصُّور الممثلة فَتعلق الْقلب بِغَيْر الله واشتغاله بِهِ والركون إِلَيْهِ عكوف مِنْهُ على التماثيل الَّتِي قَامَت بِقَلْبِه وَهُوَ نَظِير العكوف على تماثيل الْأَصْنَام وَلِهَذَا كَانَ شرك عباد الْأَصْنَام بالعكوف بقلوبهم وهممهم وإرادتهم على تماثيلهم فَإِذا كَانَ فِي الْقلب تماثيل قد ملكته واستعبدته بِحَيْثُ يكون عاكفا عَلَيْهَا فَهُوَ نَظِير عكوف الْأَصْنَام عَلَيْهَا وَلِهَذَا سمّاه النَّبِي عبدا لَهَا ودعا عَلَيْهِ بالتعس والنكس فَقَالَ تعس عبد الدِّينَار تعس عبد الدِّرْهَم تعس وانتكس وَإِذا شيك فَلَا انتقش
النَّاس فِي هَذِه الدَّار على جنَاح سفر كلهم وكل مُسَافر فَهُوَ ظاعن إِلَى مقْصده ونازل على من يسرّ بالنزول عَلَيْهِ وطالب الله وَالدَّار الْآخِرَة إِنَّمَا هُوَ ظاعن إِلَى الله فِي حَال سَفَره ونازل عَلَيْهِ عِنْد الْقدوم عَلَيْهِ فَهَذِهِ همته فِي سَفَره وَفِي
стр. 194
انقضائه يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي ﴿وَقَالَت امْرَأَة فِرْعَوْن﴾ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ فطلبت كَون الْبَيْت عِنْده قبل طلبَهَا أَن يكون فِي الْجنَّة فَإِن الْجَار قبل الدَّار من كَلَام الشَّيْخ على
قيل لي فِي نوم كاليقظة أَو يقظة كالنوم لَا تبد فاقة إِلَى غَيْرِي فأضاعفها عَلَيْك مُكَافَأَة لخروجك عَن حدك فِي عبوديتك ابتليتك بالفقر لتصير ذَهَبا خَالِصا فَلَا تزيفن بعد السبك حكمت بالفقر ولنفسي بالغنى فَإِن وصلتها بِي وصلتك بالغنى وَإِن وصلتها بغيري حسمت عَنْك مواد معونتي طردا لَك عَن بَابي لَا تركن إِلَى شَيْء دُوننَا فانه وبال عَلَيْك وَقَاتل لَك إِن ركنت إِلَى الْعَمَل رددناه عَلَيْك وَإِن ركنت إِلَى الْمعرفَة نكرناها عَلَيْك وَإِن ركنت إِلَى الوجد استدرجناك فِيهِ وَإِن ركنت إِلَى الْعلم أَو قفناك مَعَه وَإِن ركنت إِلَى المخلوقين وكلناك إِلَيْهِم أَرْضنَا لَك رَبًّا نرضاك لنا عبدا
فَائِدَة الشهقة الَّتِي تعرض عِنْد سَماع الْقُرْآن أَو غَيره لَهَا أَسبَاب أَحدهَا يلوح
لَهُ عِنْد سَماع دَرَجَة لَيست لَهُ فيرتاح إِلَيْهَا فَتحدث لَهُ الشهقة فَهَذِهِ شهقة شوق وَثَانِيها أَن يلوح لَهُ ذَنْب ارْتَكَبهُ فيشهق خوفًا وحزنا على نَفسه وَهَذِه شهقة خشيَة وَثَالِثهَا أَن يلوح لَهُ نقص فِيهِ لَا يقدر على دَفعه فَيحدث لَهُ ذَلِك حزنا فيشهق شهقة حزن وَرَابِعهَا أَن يلوح لَهُ كَمَال محبوبه وَيرى الطَّرِيق إِلَيْهِ مسدودة عَنهُ فَيحدث ذَلِك شهقة أَسف وحزن وخامسها أَن يكون قد توارى عَنهُ محبوبه واشتغل بِغَيْرِهِ فَذكره السماع محبوبه فلاح لَهُ جماله وَرَأى الْبَاب مَفْتُوحًا وَالطَّرِيق ظَاهِرَة فشهق فَرحا وسرورا بِمَا لَاحَ وَبِكُل حَال فسبب الشهقة قُوَّة الْوَارِد وَضعف
стр. 195
الْمحل عَن الِاحْتِمَال وَالْقُوَّة أَن يعْمل ذَلِك الْوَارِد عمله دَاخِلا وَلَا يظْهر عَلَيْهِ وَذَلِكَ أقوى لَهُ وأدوم فَإِنَّهُ إِذا أظهره ضعف أَثَره وأوشك انْقِطَاعه هَذَا حكم الشهقة من الصَّادِق فَإِن الشاهق إِمَّا صَادِق وَإِمَّا سَارِق وَإِمَّا مُنَافِق
قَاعِدَة جليلة أصل الْخَيْر وَالشَّر من قبل التفكّر فَإِن الْفِكر مبدأ الْإِرَادَة
والطلب فِي الزّهْد وَالتّرْك وَالْحب والبغض وأنفع الْفِكر الْفِكر فِي مصَالح الْمعَاد وَفِي طرق اجتلابها وَفِي دفع مفاسد الْمعَاد وَفِي طرق اجتنابها فَهَذِهِ أَرْبَعَة أفكار هِيَ أجلّ الأفكار ويليها أَرْبَعَة فكّر فِي مصَالح الدُّنْيَا وطرق تَحْصِيلهَا وفكّر فِي مفاسد الدُّنْيَا وطرق الِاحْتِرَاز مِنْهَا فعلى هَذِه الْأَقْسَام الثَّمَانِية دارت أفكار الْعُقَلَاء وَرَأس الْقسم الأول الْفِكر فِي آلَاء الله ونعمه وَأمره وَنَهْيه وطرق الْعلم بِهِ وبأسمائه وَصِفَاته من كِتَابه وَسنة نبيه وَمَا ولاهما وَهَذَا الْفِكر يُثمر لصَاحبه الْمحبَّة والمعرفة فَإِذا فكر فِي الْآخِرَة وشرفها ودوامها وَفِي الدُّنْيَا وخستها وفنائها أثمر لَهُ ذَلِك الرَّغْبَة فِي الْآخِرَة والزهد فِي الدُّنْيَا وَكلما فكّر فِي قصر الأمل وضيق الْوَقْت أورثه ذَلِك الجدّ وَالِاجْتِهَاد وبذل الوسع فِي اغتنام الْوَقْت وَهَذِه الأفكار تعلي همّته وتحييها بعد مَوتهَا وسفولها وتجعله فِي وَاد وَالنَّاس فِي وَاد وبإزاء هَذِه الأفكار الأفكار الرَّديئَة الَّتِي تجول فِي قُلُوب أَكثر هَذَا الْخلق كالفكر فِيمَا لم يُكَلف الْفِكر فِيهِ وَلَا أعْطى الْإِحَاطَة بِهِ من فضول الْعلم الَّذِي لَا ينفع كالفكر فِي كَيْفيَّة ذَات الرب وَصِفَاته مِمَّا لَا سَبِيل للعقول إِلَى إِدْرَاكه وَمِنْهَا الْفِكر فِي الصناعات الدقيقة الَّتِي لَا تَنْفَع بل تضر كالفكر فِي الشطرنج والموسيقى وأنواع الأشكال والتصاوير وَمِنْهَا الْفِكر فِي الْعُلُوم الَّتِي لَو كَانَت صَحِيحَة لم يُعْط الْفِكر فِيهَا النَّفس كمالا وَلَا شرفا كالفكر فِي دقائق الْمنطق وَالْعلم الرياضي والطبيعي وَأكْثر عُلُوم الفلاسفة الَّتِي لَو بلغ الْإِنْسَان غايتها لم يكمل بذلك وَلم يزك نَفسه وَمِنْهَا الْفِكر فِي الشَّهَوَات
стр. 196
وَاللَّذَّات وطرق تَحْصِيلهَا وَهَذَا وَإِن كَانَ لنَفس فِيهِ لَذَّة لَكِن لَا عَاقِبَة لَهُ ومضرّته فِي عَاقِبَة الدُّنْيَا قبل الْآخِرَة أَضْعَاف مسرّته وَمِنْهَا الْفِكر فِيمَا لم يكن لَو كَانَ كَيفَ كَانَ يكون كالفكر فِيمَا إِذا صَار ملكا أَو وجد كنزا أَو ملك ضَيْعَة مَاذَا يصنع وَكَيف يتصرّف وَيَأْخُذ وَيُعْطِي وينتقم وَنَحْو ذَلِك من أفكار السّفل وَمِنْهَا الْفِكر فِي جزيئات أَحْوَال النَّاس وَمَا جراياتهم ومداخلهم ومخارجهم وتوابع ذَلِك من فكر النُّفُوس المبطلة الفارغة من الله وَرَسُوله وَالدَّار الْآخِرَة وَمِنْهَا الْفِكر فِي دقائق الْحِيَل وَالْمَكْر الَّتِي يتَوَصَّل بهَا إِلَى أغراضه وهواه مُبَاحَة كَانَت أَو مُحرمَة وَمِنْهَا الْفِكر فِي أَنْوَاع الشّعْر وصروفه وأفانينه فِي الْمَدْح والهجاء والغزل والمراثي وَنَحْوهَا فَإِنَّهُ يشغل الْإِنْسَان عَن الْفِكر فِيمَا فِيهِ سعادته وحياته الدائمة وَمِنْهَا الْفِكر فِي المقدرات الذهنية الَّتِي لَا وجود لَهَا فِي الْخَارِج وَلَا بِالنَّاسِ حَاجَة إِلَيْهَا الْبَتَّةَ وَذَلِكَ مَوْجُود فِي كل علم حَتَّى فِي علم الْفِقْه وَالْأُصُول والطب فَكل هَذِه الأفكار مضرّتها أرجح من مَنْفَعَتهَا ويكتفي فِي مضرّتها شغلها عَن الْفِكر فِيمَا هُوَ أولى بِهِ وأعود عَلَيْهِ بالنفع عَاجلا وآجلا
قَاعِدَة الطّلب لقاح الْإِيمَان فَإِذا اجْتمع الْإِيمَان والطلب أثمر الْعَمَل
الصَّالح وَحسن الظَّن بِاللَّه لقاح الافتقار والاضطرار إِلَيْهِ فَإِذا اجْتمعَا أثمر إِجَابَة الدُّعَاء والخشية لقاح الْمحبَّة فَإِذا اجْتمعَا أثمر امْتِثَال الْأَوَامِر وَاجْتنَاب والنواهي وَالصَّبْر لقاح الْيَقِين فَإِذا اجْتمعَا أورثا الْإِمَامَة فِي الدّين قَالَ تَعَالَى وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ وَصِحَّة الِاقْتِدَاء بالرسول لقاح الْإِخْلَاص فَإِذا اجْتمعَا أثمر قبُول الْعَمَل والاعتداد بِهِ وَالْعَمَل لقاح الْعلم فَإِذا اجْتمعَا كَانَ الْفَلاح والسعادة وَإِن انْفَرد أَحدهمَا عَن الآخر لم يفد شَيْئا والحلم لقاح الْعلم فَإِذا اجْتمعَا حصلت سيادة الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَحصل الِانْتِفَاع بِعلم الْعَالم وَإِن انْفَرد
стр. 197
أَحدهمَا عَن صَاحبه فَاتَ النَّفْع وَالِانْتِفَاع والعزيمة لقاح البصيرة فَإِذا اجْتمعَا نَالَ صَاحبهمَا خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَبَلغت بِهِ همّته من العلياء كل مَكَان فَتخلف الكمالات إِمَّا من عدم البصيرة وَإِمَّا من عدم الْعَزِيمَة وَحسن الْقَصْد لقاح لصِحَّة الذِّهْن فَإِذا فقدا فقدا الْخَيْر كُله وَإِذا اجْتمعَا أثمرا أَنْوَاع الْخيرَات وَصِحَّة الرَّأْي لقاح الشجَاعَة فَإِذا اجْتمعَا كَانَ النَّصْر وَالظفر وَإِن قعدا فالخذلان والخيبة وَإِن وجد الرَّأْي بِلَا شجاعة فالجبن وَالْعجز وَإِن حصلت الشجَاعَة بِلَا رَأْي فالتهوّر والعطب وَالصَّبْر لقاح البصيرة فَإِذا اجْتمعَا فالخير فِي اجْتِمَاعهمَا قَالَ الْحسن إِذا شِئْت أَن ترى بَصِير إِلَّا صَبر لَهُ رَأَيْته وَإِذا شِئْت أَن ترى صَابِرًا إِلَّا بَصِيرَة لَهُ رَأَيْته فَإِذا رَأَيْت صَابِرًا بَصيرًا فَذَاك والنصيحة لقاح الْعقل فَكلما قويت النَّصِيحَة قوي الْعقل واستنار والتذكّر والتفكّر كل مِنْهُمَا لقاح الآخر إِذا اجْتمعَا أنتجا الزّهْد فِي الدُّنْيَا وَالرَّغْبَة فِي الْآخِرَة وَالتَّقوى لقاح التَّوَكُّل فَإِذا اجْتمعَا استقام الْقلب ولقاح أَخذ أهبة الاستعداد للقاء قصر الأمل فَإِذا اجْتمعَا فالخير كُله فِي اجْتِمَاعهمَا وَالشَّر فِي فرقتهما ولقاح الهمّة الْعَالِيَة النيّة الصَّحِيحَة فَإِذا اجْتمعَا بلغ العَبْد غَايَة المُرَاد
قَاعِدَة للْعَبد بَين يَدي الله موقفان موقف بَين يَدَيْهِ فِي الصَّلَاة وموقف بَين
يَدَيْهِ يَوْم لِقَائِه فَمن قَامَ بِحَق الْموقف الأول هوّن عَلَيْهِ الْموقف الآخر وَمن استهان بِهَذَا الْموقف وَلم يوفّه حقّه شدّد عَلَيْهِ ذَلِك الْموقف قَالَ تَعَالَى وَمن اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً
قَاعِدَة اللَّذَّة من حَيْثُ هِيَ مَطْلُوبَة للْإنْسَان بل وَلكُل حَيّ فَلَا تذم من
جِهَة كَونهَا لَذَّة وَإِنَّمَا تذم وَيكون تَركهَا خيرا من نيلها وأنفع إِذا تَضَمَّنت فَوَات لَذَّة
стр. 198
أعظم مِنْهَا وأكمل أَو أعقبت ألما حُصُوله أعظم من ألم فَوَاتهَا فههنا يظْهر الْفرق بَين الْعَاقِل الفطن والأحمق الْجَاهِل ضمن عرف الْعقل بَين فَمَتَى علاف التَّفَاوُت بَين اللذتين والألمين وَأَنه لَا نِسْبَة لأَحَدهمَا إِلَى الآخر هان عَلَيْهِ ترك أدنى اللذتين لتَحْصِيل أعلاهما وَاحْتِمَال أيسر الألمين لدفع أعلاهما وَإِذا تقررت هَذِه الْقَاعِدَة فلذة الْآخِرَة أعظم وأدوم وَلَذَّة الدُّنْيَا أَصْغَر واقصر وَكَذَلِكَ ألم الْآخِرَة وألم الدُّنْيَا والمعوّل فِي ذَلِك على الْإِيمَان وَالْيَقِين فَإِذا قوي الْيَقِين وباشر الْقلب آثر الْأَعْلَى على الْأَدْنَى فِي جَانب اللَّذَّة وَاحْتمل الْأَلَم الأسهل على الأصعب وَالله الْمُسْتَعَان
فَائِدَة قَوْله تَعَالَى وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
جمع فِي هَذَا الدُّعَاء بَين حَقِيقَة التَّوْحِيد وَإِظْهَار الْفقر والفاقة إِلَى ربه وَوُجُود طعم الْمحبَّة فِي المتملق لَهُ وَالْإِقْرَار لَهُ بِصفة الرَّحْمَة وَأَنه أرْحم الرَّاحِمِينَ والتوسل إِلَيْهِ بصفاته سُبْحَانَهُ وَشدَّة حَاجته وَهُوَ فقره وَمَتى وجد الْمُبْتَلى هَذَا كشف عَنهُ بلواه وَقد جرّب أَنه من قَالَهَا سبع مَرَّات وَلَا سِيمَا مَعَ هَذِه الْمعرفَة كشف الله ضره
فَائِدَة قَوْله تَعَالَى عَن يُوسُف نبيه أَنه قَالَ
أَنْت ولي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بالصالحين جمعت هَذِه الدعْوَة الْإِقْرَار بِالتَّوْحِيدِ والاستلام للرب وَإِظْهَار الافتقار إِلَيْهِ والبراءة من مُوالَاة غَيره سُبْحَانَهُ وَكَون الْوَفَاة على الْإِسْلَام أجلّ غايات العَبْد وَأَن ذَلِك بيد الله لَا بيد العَبْد وَالِاعْتِرَاف بالمعاد وَطلب مرافقة السُّعَدَاء
стр. 199
فَائِدَة قَول الله تَعَالَى
وَأَن من شَيْء إِلَّا عندنَا خزائنه مُتَضَمّن لكنز من الْكُنُوز وَهُوَ أَن يطْلب كل شَيْء لَا يطْلب إِلَّا مِمَّن عِنْده خزائنه ومفاتيح تِلْكَ الخزائن بيدَيْهِ وَأَن طلبه من غَيره طلب مِمَّن لَيْسَ عِنْده وَلَا يقدر عَلَيْهِ وَقَوله وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى مُتَضَمّن لكنز عَظِيم وَهُوَ أَن كل مُرَاد إِن لم يرد لأَجله ويتصل بِهِ وَإِلَّا فَهُوَ مضمحل مُنْقَطع فَإِنَّهُ لَيْسَ إِلَيْهِ الْمُنْتَهى وَلَيْسَ الْمُنْتَهى إِلَّا إِلَى الَّذِي انْتَهَت إِلَيْهِ الْأُمُور كلهَا فانتهت إِلَى خلقه ومشيئته وحكمته وَعلمه فَهُوَ غَايَة كل مَطْلُوب وكل مَحْبُوب لَا يحب لأَجله فمحبته عناء وَعَذَاب وكل عمل لَا يُرَاد لأَجله فَهُوَ ضائع وباطل وكل قلب لَا يصل إِلَيْهِ فَهُوَ شقي مَحْجُوب عَن سعادته وفلاحه فَاجْتمع مَا يُرَاد مِنْهُ كُله فِي قَوْله وَإِن من شَيْء إِلَّا عندنَا خزائنه وَاجْتمعَ مَا يُرَاد لَهُ كُله فِي قَوْله وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى فَلَيْسَ وَرَاءه سُبْحَانَهُ غَايَة تطلب وَلَيْسَ دونه غَايَة إِلَيْهَا الْمُنْتَهى
وَتَحْت هَذَا سر عَظِيم من أسرار التَّوْحِيد وَهُوَ أَن الْقلب لَا يسْتَقرّ وَلَا يطمئن ويسكن إِلَّا بالوصول إِلَيْهِ وكل مَا سواهُ مِمَّا يحب وَيُرَاد فمراد لغيره وَلَيْسَ المُرَاد المحبوب لذاته إِلَّا وَاحِد إِلَيْهِ الْمُنْتَهى ويستحيل أَن يكون الْمُنْتَهى إِلَى اثْنَيْنِ كَمَا يَسْتَحِيل أَن يكون ابْتِدَاء الْمَخْلُوقَات من اثْنَيْنِ فَمن كَانَ انْتِهَاء محبته ورغبته وإرادته وطاعته إِلَى غَيره بَطل عَلَيْهِ ذَلِك وَزَالَ عَنهُ وفارقه أحْوج مَا كَانَ إِلَيْهِ وَمن كَانَ انْتِهَاء محبته ورغبته ورهبته وَطَلَبه هُوَ سُبْحَانَهُ ظفر بنعمه ولذته وبهجته وسعادته أَبَد الآباد
العَبْد دَائِما متقلب بَين أَحْكَام الْأَوَامِر وَأَحْكَام النَّوَازِل فَهُوَ مُحْتَاج بل مُضْطَر إِلَى العون عِنْد الْأَوَامِر وَإِلَى اللطف عِنْد النَّوَازِل وعَلى قدر قِيَامه بالأوامر يحصل لَهُ من اللطف عِنْد النَّوَازِل فَإِن كمل الْقيام بالأوامر ظَاهرا وَبَاطنا ناله اللطف
стр. 200
ظَاهرا وَبَاطنا وَإِن قَامَ بصورها دون حقائقها وبواطنها ناله اللطف فِي الظَّاهِر وَقل نصِيبه من اللطف فِي الْبَاطِن فَإِن قلت وَمَا اللطف الْبَاطِن فَهُوَ مَا يحصل للقلب عِنْد النَّوَازِل من السكينَة والطمأنينة وَزَوَال القلق وَالِاضْطِرَاب والجزع فيستخذى بَين يَدي سيّده ذليلا لَهُ مستكينا نَاظرا إِلَيْهِ بِقَلْبِه سَاكِنا إِلَيْهِ بِرُوحِهِ وسره قد شغله مُشَاهدَة لطفه بِهِ عَن شدَّة مَا هُوَ فِيهِ من الْأَلَم وَقد غيّبه عَن شُهُود ذَلِك مَعْرفَته بِحسن اخْتِيَاره لَهُ وَأَنه عبد مَحْض يجْرِي عَلَيْهِ سيّده أَحْكَامه رَضِي أَو سخط فَإِن رَضِي نَالَ الرِّضَا وَإِن سخط فحظه السخط فَهَذَا اللطف الْبَاطِن ثَمَرَة تِلْكَ الْمُعَامَلَة الْبَاطِنَة يزِيد بزيادتها وَينْقص بنقصانها
فَائِدَة جليلة لَا يزَال مُنْقَطِعًا عَن الله حَتَّى تتصل إِرَادَته ومحبته بِوَجْه
الْأَعْلَى وَالْمرَاد بِهَذَا الِاتِّصَال أَن تُفْضِي الْمحبَّة إِلَيْهِ وتتعلق بِهِ وَحده فَلَا يحجبها شَيْء دونه وَأَن تتصل الْمعرفَة بأسمائه وَصِفَاته وأفعاله فَلَا يطمس نورها ظلمَة التعطيل كَمَا لَا يطمس نور الْمحبَّة ظلمَة الشّرك وَأَن يتَّصل ذكره بِهِ سُبْحَانَهُ فيزول بَين الذاكر وَالْمَذْكُور حجاب الْغَفْلَة والتفاته فِي حَال الذّكر إِلَى غير مذكوره فَحِينَئِذٍ يتَّصل الذّكر بِهِ ويتصل الْعَمَل بأوامره ونواهيه فيفعل الطَّاعَة لَا أَنه أَمر بهَا وأحبها وَيتْرك المناهي لكَونه نهى عَنْهَا وأبغضها فَهَذَا معنى اتِّصَال الْعَمَل بأَمْره وَنَهْيه وَحَقِيقَة زَوَال الْعِلَل الباعثة على الْفِعْل وَالتّرْك من الْأَغْرَاض والحظوظ العاجلة ويتصل التَّوَكُّل وَالْحب بِهِ بِحَيْثُ يصير واثقا بِهِ سُبْحَانَهُ مطمئنا إِلَيْهِ رَاضِيا بِحسن تَدْبيره لَهُ غير مُتَّهم لَهُ فِي حَال من الْأَحْوَال ويتصل فقره وفاقته بِهِ سُبْحَانَهُ دون سواهُ ويتصل خَوفه ورجاؤه وفرحه وسروره وابتهاجه بِهِ وَحده فَلَا يخَاف غَيره وَلَا يرجوه وَلَا يفرح بِهِ كل الْفَرح وَلَا يسر بِهِ غَايَة السرُور وَإِن ناله بالمخلوق بعض الْفَرح وَالسُّرُور فَلَيْسَ الْفَرح التَّام وَالسُّرُور الْكَامِل والابتهاج وَالنَّعِيم وقرة الْعين وَسُكُون
стр. 201
الْقلب إِلَّا بِهِ سُبْحَانَهُ وَمَا سواهُ إِن أعَان على هَذَا الْمَطْلُوب فَرح بِهِ وسر بِهِ وَإِن حجب عَنهُ فَهُوَ بالحزن بِهِ والوحشة مِنْهُ واضطراب الْقلب بحصوله أَحَق مِنْهُ بِأَن يفرح بِهِ فَلَا فرحة وَلَا سرُور إِلَّا بِهِ أَو بِمَا أوصل إِلَيْهِ وأعان على مرضاته وَقد أخبر سُبْحَانَهُ أَنه لَا يحب الفرحين بالدنيا وَزينتهَا وَأمر بالفرح بفضله وَرَحمته وَهُوَ الْإِسْلَام وَالْإِيمَان وَالْقُرْآن كَمَا فسره الصَّحَابَة والتابعون وَالْمَقْصُود أَن من اتَّصَلت لَهُ هَذِه الْأُمُور بِاللَّه سُبْحَانَهُ فقد وصل وَإِلَّا فَهُوَ مَقْطُوع عَن ربه مُتَّصِل بحظه وَنَفسه ملبس عَلَيْهِ فِي مَعْرفَته وإرادته وسلوكه
قَاعِدَة جليلة قد فكّرت فِي هَذَا الْأَمر فَإِذا أَصله أَن تعلم أَن النعم
كلهَا من الله وَحده نعم الطَّاعَات وَنعم اللَّذَّات فترغب إِلَيْهِ أَن يلهمك ويوزعك شكرها قَالَ تَعَالَى وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تجأرون ﴿وَقَالَ﴾ فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿وَقَالَ﴾ واشكروا نعْمَة اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاه تَعْبدُونَ وكما أَن تِلْكَ النعم مِنْهُ وَمن وَمُجَرَّد فَضله فَذكرهَا وشكرها لَا ينَال إِلَّا بتوفيقه والذنُوب من خذلانه وتخليه عَن عَبده وتخليته بَينه وَبَين نَفسه وَإِن لم يكْشف ذَلِك عَن عَبده فَلَا سَبِيل لَهُ إِلَى كشفه عَن نَفسه فَإِذا هُوَ مُضْطَر إِلَى التضرع والابتهال إِلَيْهِ أَن تدفع عَنهُ أَسبَابهَا حَتَّى لَا تصدر مِنْهُ وَإِذا وَقعت بِحكم الْمَقَادِير وَمُقْتَضى البشرية فَهُوَ مُضْطَر إِلَى التضرع وَالدُّعَاء أَن يدْفع عَنهُ موجباتها وعقوباتها فَلَا يَنْفَكّ عَن العَبْد عَن ضَرُورَته إِلَى هَذِه الْأُصُول الثَّلَاثَة وَلَا فلاح لَهُ إِلَّا بهَا الشُّكْر وَطلب الْعَافِيَة وَالتَّوْبَة النصوح
ثمَّ فَكرت فَإِذا مدَار ذَلِك على الرَّغْبَة والرهبة وليسا بيد العَبْد بل بيد مُقَلِّب الْقُلُوب ومصرفها كَيفَ يَشَاء فَإِن وفْق عَبده أقبل بِقَلْبِه إِلَيْهِ وملأه رَغْبَة وَرَهْبَة وَإِن خذله لَهُ تَركه وَنَفسه وَلم يَأْخُذ بِقَلْبِه إِلَيْهِ وَلم يسْأَله ذَلِك وَمَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَاء لم يكن
стр. 202
ثمَّ فَكرت هَل للتوفيق والخذلان سَبَب أم هما بِمُجَرَّد المشية لَا سَبَب لَهما فَإِذا سببهما أَهْلِيَّة الْمحل وَعدمهَا فَهُوَ سُبْحَانَهُ خَالق الْمحَال مُتَفَاوِتَة فِي الاستعداد وَالْقَبُول أعظم تفَاوت فالجمادات لَا تقبل مَا يقبله الْحَيَوَان وَكَذَلِكَ النوعان كل مِنْهُمَا متفاوت فِي الْقبُول فالحيوان النَّاطِق يقبل مَا لَا يقبله البهيم وَهُوَ متفاوت فِي الْقبُول أعظم تفَاوت وَكَذَلِكَ الْحَيَوَان البهيم متفاوت فِي الْقبُول لَكِن لَيْسَ بَين النَّوْع الْوَاحِد م ن التَّفَاوُت كَمَا بَين النَّوْع الإنساني فَإِذا كَانَ الْمحل قَابلا للنعمة بِحَيْثُ يعرفهَا وَيعرف قدرهَا وخطرها ويشكر الْمُنعم بهَا ويثني عَلَيْهِ بهَا ويعظمه عَلَيْهَا وَيعلم أَنَّهَا من مَحْض الْجُود وَعين الْمِنَّة من غير أَن يكون هُوَ مُسْتَحقّا لَهَا وَلَا هِيَ لَهُ وَلَا بِهِ وَإِنَّمَا هِيَ لله وَحده وَبِه وَحده فوحده بنعمته إخلاصا وصرفها فِي محبته شكرا وشهدها من مَحْض جوده منَّة وَعرف قصوره وتقصيره فِي شكرها عجز أَو ضعفا وتفريطا وَعلم أَنه إِن أدامها عَلَيْهِ فَذَلِك مَحْض صدقته وفضله وإحسانه وَإِن سلبه إِيَّاهَا فَهُوَ أهل لذَلِك مُسْتَحقّ لَهُ وَكلما زَاده من نعمه ازْدَادَ زلالة وانكسارا وخضوعا بَين يَدَيْهِ وقياما بشكره وخشيته لَهُ سُبْحَانَهُ أَن يسلبه إِيَّاهَا لعدم توفيته شكرها كَمَا سلب نعْمَته عَمَّن لم يعرفهَا وَلم يرعها حق رعايتها فَإِن لم يشْكر نعْمَته وقابلها بضد مَا يلق أَن يُقَابل بِهِ سلبه إِيَّاهَا وَلَا بُد قَالَ تَعَالَى وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَم بِالشَّاكِرِينَ وهم الَّذين عرفُوا قدر النِّعْمَة وقبلوها وأحبوها وأثنوا على الْمُنعم بهَا وأحبوه وَقَامُوا بشكره وَقَالَ تَعَالَى وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رسالاته
فصل وَسبب الخذلان عدم صَلَاحِية الْمحل وأهليته وقبوله للنعمة بِحَيْثُ لَو
وافته النعم لقَالَ هَذَا لي وَإِنَّمَا أُوتِيتهُ لِأَنِّي أَهله ومستحقه كَمَا قَالَ تَعَالَى قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَي على علم علمه عِنْدِي أستحق بِهِ ذَلِك وأستوجبه وأستأهله قَالَ
стр. 203
الْفراء أَي على فضل عِنْدِي إِنِّي كنت أَهله ومستحقا لَهُ إِذْ أَعْطيته وَقَالَ مقَاتل يَقُول على خير علمه الله عِنْدِي وَذكر عبد الله بن الْحَارِث بن نَوْفَل سُلَيْمَان بن دَاوُد فِيمَا أُوتِيَ من الْملك ثمَّ قَرَأَ قَوْله تَعَالَى هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أكفر وَلم يقل هَذَا من كَرَامَتِي ثمَّ ذكر قَارون وَقَوله إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى علم عِنْدِي يَعْنِي أَن سُلَيْمَان رأى مَا أُوتِيتهُ من فضل الله عَلَيْهِ ومنته وَأَنه ابتلى بِهِ شكره وَقَارُون رأى ذَلِك من نَفسه واستحقاقه وَكَذَلِكَ قَوْله سُبْحَانَهُ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لي أَي أَنا أَهله وحقيق بِهِ فاختصاصي بِهِ كاختصاص الْمَالِك بِملكه وَالْمُؤمن يري ذَلِك ملكا لرَبه وفضلا مِنْهُ منّ بِهِ على عَبده من غير اسْتِحْقَاق مِنْهُ بل صَدَقَة تصدق بهَا على عَبده وَله أَن لَا يتَصَدَّق بهَا فَلَو مَنعه إِيَّاهَا لم يكن قد مَنعه شَيْئا هُوَ لَهُ يسْتَحقّهُ عَلَيْهِ فَإِذا لم يشْهد ذَلِك رَأْي فِيهِ أَهلا ومستحقا فأعجبه نَفسه وطغت بِالنعْمَةِ وعلت بهَا واستطالت على غَيرهَا فَكَانَ حظها مِنْهَا الْفَرح وَالْفَخْر كَمَا قَالَ تَعَالَى وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثمَّ نزعتاها مِنْهُ إِنَّه ليؤس كَفُورٌ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لفرح فخور فذمه باليأس وَالْكفْر عِنْد الامتحان بالبلاء وبالفرح وَالْفَخْر عِنْد الِابْتِلَاء بالنعماء واستبدل بِحَمْد الله وشكره وَالثنَاء عَلَيْهِ إِذْ كشف عَنهُ الْبلَاء قَوْله ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عني لَو أَنه قَالَ أذهب الله السَّيِّئَات عني برحمته وَمِنْه لما ذمّ على ذَلِك بل كَانَ مَحْمُودًا عَلَيْهِ وَلكنه غفل عَن الْمُنعم بكشفها وَنسب الذّهاب إِلَيْهَا فَرح وافتخر فَإِذا علم الله سُبْحَانَهُ هَذَا من قلب عبد فَذَلِك من أعظم أَسبَاب خذلانه وتخليه عَنهُ فَإِن مَحَله لَا تناسبه النِّعْمَة الْمُطلقَة التَّامَّة كَمَا قَالَ تَعَالَى إِن شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وهم معرضون فَأخْبر سُبْحَانَهُ أَن محلهم غير قَابل لنعمته وَمَعَ عدم الْقبُول ففيهم مَانع آخر يمْنَع وصولها إِلَيْهِم وَهُوَ توليهم وإعراضهم إِذا عرفوها وتحققوها
стр. 204
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَن يعلم أَن أَسبَاب الخذلان من بَقَاء النَّفس على مَا خلقت عَلَيْهِ فِي الأَصْل وإهمالها وتخليتها فأسباب الخذلان مِنْهَا وفيهَا وَأَسْبَاب التَّوْفِيق من جعل الله سُبْحَانَهُ لَهَا قَابِلَة للنعمة فأسباب التَّوْفِيق مِنْهُ وَمن فَضله وَهُوَ الْخَالِق لهَذِهِ وَهَذِه كَمَا خلق أَجزَاء الأَرْض هَذِه قَابِلَة للنبات وَهَذِه غير قَابِلَة لَهُ وَخلق الشّجر هَذِه تقبل الثَّمَرَة وَهَذِه لَا تقبلهَا وَخلق النحلة قَابِلَة لِأَن يخرج من بطونها شراب مُخْتَلف ألوانه والزنبور غير قَابل لذَلِك وَخلق الْأَرْوَاح الطّيبَة قَابِلَة لذكره وشكره وحجته وإجلاله وتعظيمه وتوحيده ونصيحة عباده وَخلق الْأَرْوَاح الخبيثة غير قَابِلَة لذَلِك بل لضده وَهُوَ الْحَكِيم الْعَلِيم قَالَ شيخ الْإِسْلَام بَحر الْعُلُوم مفتي الْفرق أَبُو الْعَبَّاس احْمَد بن تَيْمِية ﵀
فصل قَالَ الله تَعَالَى
الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُم تعلمُونَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعكُمْ أَو لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ وَقَالَ الله تَعَالَى أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ
стр. 205
الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قريب وَقَالَ الله تَعَالَى لما ذكر الْمُرْتَد وَالْمكْره بقوله مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بعد إيمَانه قَالَ بعد ذَلِك ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ فَالنَّاس إِذا أرسل إِلَيْهِم الرُّسُل بَين أَمريْن إِمَّا أَن يَقُول أحدهم آمنا وَإِمَّا أَن لَا يَقُول آمنا بل يسْتَمر على عمل السَّيِّئَات فَمن قَالَ آمنا امتحنه الرب وابتلاه وَألبسهُ الِابْتِلَاء والاختبار ليبين الصَّادِق من الْكَاذِب وَمن لم يقل آمنا فَلَا يحْسب أَنه يسْبق الرب لتجربته فَإِن أحدا لن يعجز الله تَعَالَى هَذِه سنته تَعَالَى يُرْسل الرُّسُل إِلَى الْخلق فيكذبهم النَّاس ويؤذنهم قَالَ تَعَالَى وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنّ وَقَالَ تَعَالَى كَذَلِكَ مَا أَنِّي الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُون وَقَالَ تَعَالَى مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ وَمن آمن بالرسل وأطاعهم عادوه وآذوه فَابْتلى بِمَا يؤلمه وَإِن لم يُؤمن بهم عُوقِبَ فَحصل مَا يؤلمه أعظم وأدوم فَلَا بُد من حُصُول الْأَلَم لكل نفس سَوَاء آمَنت أم كفرت لَكِن الْمُؤمن يحصل لَهُ الْأَلَم فِي بُد من الدُّنْيَا ابْتِدَاء ثمَّ تكون لَهُ الْعَاقِبَة وَالْآخِرَة وَالْكَافِر تحصل لَهُ النِّعْمَة ابْتِدَاء ثمَّ يصير فِي الْأَلَم سَأَلَ رجل الشَّافِعِي فَقَالَ يَا أَبَا عبد الله أَيّمَا أفضل للرجل أَن يمكَّن أَو يَبْتَلِي فَقَالَ الشَّافِعِي لَا يمكَّن حَتَّى يبتلى فَإِن الله ابْتُلِيَ نوحًا وَإِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى ومحمدا صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ فَلَمَّا صَبَرُوا مكنهم فَلَا يظنّ أحد أَنه يخلص من الْأَلَم الْبَتَّةَ وَهَذَا أصل عَظِيم فَيَنْبَغِي للعاقل أَن يعرفهُ وَهَذَا يحصل لكل أحد فَإِن الْإِنْسَان مدنِي بالطبع لَا بُد لَهُ من أَن يعِيش مَعَ النَّاس وَالنَّاس لَهُم إرادات وتصورات يطْلبُونَ مِنْهُ أَن يوافقهم عَلَيْهَا وَإِن لم يوافقوهم آذوه وعذبوه وَإِن وافقهم حصل لَهُ الْأَذَى وَالْعَذَاب تَارَة مِنْهُم وَتارَة من غَيرهم وَمن اختبر أَحْوَاله وأحوال النَّاس وجد من هَذَا شَيْئا كثيرا كقوم يُرِيدُونَ الْفَوَاحِش وَالظُّلم
стр. 206
وَلَهُم أَقْوَال بَاطِلَة فِي الدّين أَو شرك فهم مرتكبون بعض مَا ذكره الله من الْمُحرمَات فِي قَوْله تَعَالَى قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ وهم فِي مَكَان مُشْتَرك كدار جَامِعَة أَو خَان أَو قيسرية أَو مدرسة أَو رِبَاط أَو قَرْيَة أَو درب أَو مَدِينَة فِيهَا غَيرهم وهم لَا يتمكنون مِمَّا لَا يُرِيدُونَ إِلَّا بموافقة ألئك أَو بسكوتهم عَن الْإِنْكَار عَلَيْهِم فيطلبون من أُولَئِكَ الْمُوَافقَة أَو السُّكُوت فَإِن وافقوهم أَو سكتوا سلمُوا من شرهم فِي الِابْتِلَاء ثمَّ قد يتسلطون هم أنفسهم على أُولَئِكَ يهينونهم ويعاقبونهم أَضْعَاف مَا كَمَا أُولَئِكَ يخافونه ابْتِدَاء كمن يطْلب مِنْهُ شَهَادَة الزُّور أَو الْكَلَام فِي الدّين بِالْبَاطِلِ إِمَّا فِي الْخَبَر وَإِمَّا فِي الْأَمر أَو المعاونة على الْفَاحِشَة وَالظُّلم فَإِن لم يجبهم آذوه وعادوه وَإِن أجابهم فهم أنفسهم يتسلطون عَلَيْهِ فيهينونه ويؤذونه أَضْعَاف مَا كَانَ يخافه وَإِلَّا عذب بغيرهم فَالْوَاجِب مَا فِي حَدِيث عَائِشَة الَّذِي بعثت بِهِ إِلَى مُعَاوِيَة ويروى مَوْقُوفا وَمَرْفُوعًا من أرْضى الله بسخط النَّاس كَفاهُ الله مُؤنَة النَّاس وَفِي لفظ ﵁ وأرضى عَنهُ النَّاس وَمن أرْضى النَّاس بسخط الله لم يغنوا عَنهُ من الله شَيْئا وَفِي لفظ عَاد حامده من النَّاس ذامّا
وَهَذَا يجْرِي فِيمَن يعين الْمُلُوك والرؤساء على أغراضهم الْفَاسِدَة وفيمن يعين أهل الْبدع المنتسبين إِلَى الْعلم وَالدّين على بدعهم فَمن هداه الله وأرشده امْتنع من فعل الْمحرم وصبر على أذاهم وعداوتهم ثمَّ تكون الْعَاقِبَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة كَمَا جرى للرسل وأتباعهم مَعَ من آذاهم وعاداهم مثل الْمُهَاجِرين فِي هَذِه الْأمة وَمن ابْتُلِيَ من علمائها وعبادها وتجارها وولاتها وَقد يجوز فِي بعض الْأُمُور إِظْهَار الْمُوَافقَة وإبطان الْمُخَالفَة كالمكره على الْكفْر كَمَا هُوَ مَبْسُوط فِي غير هَذَا الْموضع إِذْ الْمَقْصُود هُنَا أَنه لَا بُد من الِابْتِلَاء بِمَا يُؤْذِي النَّاس فَلَا خلاص لأحد مِمَّا يُؤْذِيه الْبَتَّةَ وَلِهَذَا ذكر الله تَعَالَى فِي غير مَوضِع
стр. 207
أَنه لَا بُد أَن يَبْتَلِي النَّاس والابتلاء يكون بالسراء وَالضَّرَّاء وَلَا بُد أَن يبتلى الْإِنْسَان بِمَا يسره وَبِمَا يسوؤه فَهُوَ مُحْتَاج إِلَى أَن يكون صَابِرًا شكُورًا قَالَ تَعَالَى إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَقَالَ تَعَالَى وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يرجعُونَ وَقَالَ تَعَالَى فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ معيشة ضنكا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أعمى وَقَالَ تَعَالَى أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ هَذَا فِي آل عمرَان وَقد قَالَ قبل ذَلِك فِي الْبَقَرَة نزل أَكْثَرهَا قبل آل عمرَان أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ وَذَلِكَ أَن النَّفس لَا تزكو وَتصْلح حَتَّى تمحص بالبلاء كالذهب الَّذِي لَا يخلص جيده من رديئه حَتَّى يفتن فِي كبر الامتحان إِذْ كَانَت النَّفس جاهلة ظالمة وَهِي منشأ كل شَرّ يحصل للْعَبد فَلَا يحصل لَهُ شَرّ إِلَّا مِنْهَا قَالَ تَعَالَى مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفسك وَقَالَ تَعَالَى أَو لما أَصَابَتْكُم مُصِيبَة من مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ﴿وَقَالَ﴾ وَمَا أَصَابَكُمْ من مُصِيبَة فِيمَا كسبت أيدكم وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ وَقَالَ تَعَالَى ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفسِهِم وَإِذا أَرَادَ الله بِقوم سوءا فَلَا مرد لَهُ ومالهم من دونه من وَال وَقد ذكر عقوبات الْأُمَم من آدم إِلَى آخر وَقت وَفِي كل ذَلِك يَقُول إِنَّهُم ظلمُوا أنفسهم فهم الظَّالِمُونَ لَا المظلومون وَأول من اعْترف بذلك أبواهم قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ من الخاسرين وَقَالَ لإبليس لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ وإبليس إِنَّمَا اتبعهُ الغواة مِنْهُم كَمَا قَالَ فبمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُم المخلصين وَقَالَ تَعَالَى إِنَّ عِبَادِي
стр. 208
لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ والغي اتّباع هوى النَّفس وَمَا زَالَ السّلف معترفون بذلك كَقَوْل أبي بكر وَعمر وَابْن مَسْعُود أَقُول فِيهَا برأبي فَإِن يكن صَوَابا فَمن الله وَإِن يكن خطأ فمني وَمن الشَّيْطَان وَالله وَرَسُوله بريئان مِنْهُ وَفِي الحَدِيث الإلهي حَدِيث أبي ذَر الَّذِي يرويهِ الرَّسُول عَن ربه يَا عبَادي إِنَّمَا هِيَ أَعمالكُم أحصيها لكم ثمَّ أوفيكم إِيَّاهَا فَمن وجد خيرا فليحمد الله وَمن وجد غير ذَلِك فَلَا يَلُومن إِلَّا نَفسه وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح حَدِيث سيد الاسْتِغْفَار أَن يَقُول العَبْد اللَّهُمَّ أَنْت رَبِّي لَا إِلَه إِلَّا أَنْت خلقتني وَأَنا عَبدك وَأَنا على عَهْدك وَوَعدك مَا اسْتَطَعْت أعوذ بك من شَرّ مَا صنعت وأبوء لَك بنعمتك عَليّ وأبوء بذنبي فَاغْفِر لي إِنَّه لَا يغْفر الذُّنُوب إِلَّا أَنْت من قَالَهَا إِذا أصبح موقنا بهَا فَمَاتَ من يَوْمه دخل الْجنَّة وَمن قَالَهَا إِذا أَمْسَى موقنا بهَا فَمَاتَ من ليلته دخل الْجنَّة وَفِي حَدِيث أبي بكر الصّديق من طَرِيق أبي هُرَيْرَة وَعبد الله بن عَمْرو أَن رَسُول الله علّمه مَا يَقُوله إِذا أصبح وَإِذا أَمْسَى وَإِذا أَخذ مضجعه اللَّهُمَّ فاطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة رب كل شَيْء ومليكه أشهد أَن لَا اله إِلَّا أَنْت أعوذ بك من شَرّ نَفسِي وَشر الشَّيْطَان وشركه وان أقترف على نَفسِي سوأ أَو أُجْرَة إِلَى مُسلم قله إِذا أَصبَحت وَإِذا أمسيت وَإِذا أخذت مضجعك وَكَانَ النَّبِي يَقُول فِي خطبَته الْحَمد لله نستعينه وَنَسْتَغْفِرهُ ونعوذ بِاللَّه من شرور أَنْفُسنَا وَمن سيئات أَعمالنَا وَقد قَالَ النَّبِي إِنِّي آخذ بحجركم عَن النَّار وَأَنْتُم تهافتون تهافت الْفراش شبههم بالفراش لجهله وخفة حركته وَهِي صَغِيرَة النَّفس فَإِنَّهَا جاهلة سريعة الْحَرَكَة وَفِي الحَدِيث مثل الْقلب مثل ريشة ملقاة بِأَرْض فلاة وَفِي حَدِيث آخر للقلب أَشد تقلبا من الْقدر إِذا استجمعت غليانا وَمَعْلُوم سرعَة حَرَكَة الريشة وَالْقدر مَعَ الْجَهْل وَلِهَذَا يُقَال لمن أطَاع من يغويه أَنه استخفه قَالَ عَن فِرْعَوْن إِنَّه استخف قومه فأطاعوه وَقَالَ تَعَالَى فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ
стр. 209
فَإِن الْخَفِيف لَا يثبت بل يطيش وَصَاحب الْيَقِين ثَابت يُقَال أَيقَن إِذا كَانَ مُسْتَقرًّا وَالْيَقِين واستقرار لإيمان فِي الْقلب علما وَعَملا فقد يكون علم العَبْد جيدا لَكِن نَفسه لَا تصبر عِنْد المصائب بل تطيش قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ إِذا شِئْت أَن ترى بَصيرًا لَا صَبر لَهُ رَأَيْته وَإِذا شِئْت أَن ترى صَابِرًا لَا بَصِيرَة لَهُ رَأَيْته فَإِذا رَأَيْت بَصيرًا صَابِرًا فَذَاك قَالَ تَعَالَى وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يوقنون وَلِهَذَا تشبه النَّفس بالنَّار فِي سرعَة حركتها وإفسادها وغضبها وشهوتها من النَّار والشيطان من النَّار وَفِي السّنَن عَن النَّبِي أَنه قَالَ الْغَضَب من الشَّيْطَان والشيطان من النَّار وَإِنَّمَا تطفأ النَّار بِالْمَاءِ فَإِذا غضب أحدكُم فليتوظأ وَفِي الحَدِيث الآخر الْغَضَب جَمْرَة توقد فِي جَوف ابْن آدم أَلا ترى إِلَى حمرَة عَيْنَيْهِ وانتفاخ أوداجه وَهُوَ غليان دم الْقلب لطلب الانتقام وَفِي الحَدِيث الْمُتَّفق على صِحَّته إِن الشَّيْطَان يجْرِي من ابْن آدم مجْرى الدَّم وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن رجلَيْنِ اسْتَبَّا عِنْد النَّبِي وَقد اشْتَدَّ غضب أَحدهمَا فَقَالَ النَّبِي إِنِّي لأعْلم كلمة لَو قَالَهَا لذهب عَنهُ مَا يجد لَو قَالَ أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم وَقد قَالَ تَعَالَى ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أحسن فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَقَالَ تَعَالَى خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وَقَالَ تَعَالَى ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ
تمّ الْكتاب وَالْحَمْد لله أَولا وآخرا وَصلى الله على رَسُولنَا مُحَمَّد النَّبِي الْأُمِّي وعَلى آله وَصَحبه وتابعيه والمقتدين بآثارهم إِلَى يَوْم الدّين وَآخر دعوانا أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين