Полный текст (209 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
أدنى بِالَّذِي هُوَ خير وَنَحْو ذَلِك فَإِنَّهَا من المهانة والدناءة وَصغر النَّفس وَأما الْأَخْلَاق الفاضلة كالصبر والشجاعة وَالْعدْل والمروءة والعفة والصيانة والجود والحلم وَالْعَفو والصفح وَالِاحْتِمَال والإيثار وَعزة النَّفس عَن الدناآت والتواضع والقناعة والصدق والأخلاق والمكافأة على الْإِحْسَان بِمثلِهِ أَو أفضل والتغافل عَن زلات النَّاس وَترك الانشغال بِمَا لَا يعنيه وسلامة الْقلب من تِلْكَ الْأَخْلَاق المذمومة وَنَحْو ذَلِك فَكلهَا ناشئة عَن الْخُشُوع وعلو الهمة وَالله سُبْحَانَهُ أخبر عَن الأَرْض بِأَنَّهَا تكون خاشعة ثمَّ ينزل عَلَيْهَا المَاء فتهتز وتربو وَتَأْخُذ زينتها وبهجتها فَكَذَلِك الْمَخْلُوق مِنْهَا إِذا أَصَابَهُ حَظه من التَّوْفِيق وَأما النَّار فطبعها الْعُلُوّ والإفساد ثمَّ تخمد فَتَصِير أَحْقَر شَيْء وأذله وَكَذَلِكَ الْمَخْلُوق مِنْهَا فَهِيَ دَائِما بَين الْعُلُوّ إِذا هَاجَتْ واضطربت وَبَين الخسة والدناءة إِذا خمدت وسكنت والأخلاق المذمومة تَابِعَة للنار والخلوق مِنْهَا والأخلاق الفاضلة تَابِعَة للْأَرْض والمخلوق مِنْهَا فَمن علت همته وخشعت نَفسه اتّصف بِكُل خلق جميل وَمن دنت همته وطغت نَفسه اتّصف بِكُل خلق رذيل
فصل الْمطلب الْأَعْلَى مَوْقُوف حُصُوله على همة عالية وَنِيَّة صَحِيحَة فَمن فقدهما
تعذّر عَلَيْهِ الْوُصُول إِلَيْهِ فَإِن الهمة إِذا كَانَت عالية تعلّقت بِهِ وَحده دون غَيره وَإِذا كَانَت النِّيَّة صَحِيحَة سلك العَبْد الطَّرِيق الموصلة إِلَيْهِ فالنية تفرد لَهُ الطَّرِيق والهمة تفرد لَهُ الْمَطْلُوب فَإِذا توَحد مَطْلُوبه وَالطَّرِيق الموصلة إِلَيْهِ كَانَ الْوُصُول غَايَته وَإِذا كَانَت همته سافلة تعلّقت بالسفليات وَلم تتعلّق بالمطلب الْأَعْلَى وَإِذا كَانَت النِّيَّة غير صَحِيحَة كَانَت طَرِيقه غير موصلة إِلَيْهِ فمدار الشَّأْن على همة العَبْد وَنِيَّته وهما مَطْلُوبه وَلَا يتم لَهُ إِلَّا بترك ثَلَاثَة أَشْيَاء العوائد والرسوم والأوضاع الَّتِي أحدثها النَّاس الثَّانِي هجر الْعَوَائِق الَّتِي تعوقه عَن إِفْرَاد مَطْلُوبه وَطَرِيقه
стр. 142
وقطعها الثَّالِث قطع علائق الْقلب الَّتِي تحول بَينه وَبَين تَجْرِيد التَّعَلُّق بالمطلوب وَالْفرق بنيها أَن الْعَوَائِق هِيَ الْحَوَادِث الخارجية والعلائق هِيَ التعلقات القلبية بالمباحات وَنَحْوهَا وأصل ذَلِك ترك الفضول الَّتِي تشغل عَن الْمَقْصُود من الطَّعَام وَالشرَاب والمنام والخلطة فَيَأْخُذ من ذَلِك مَا يُعينهُ على طلبه ويرفض مِنْهُ مَا يقطعهُ عَنهُ أَو يضعف طلبه وَالله الْمُسْتَعَان
فصل من كَلَام عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ رجل عِنْده
مَا أحب أَن أكون من أَصْحَاب الْيَمين أحب أَن أكون من المقربين فَقَالَ عبد الله لَكِن هَهُنَا رجل ود وَأَنه مَاتَ لم يبْعَث يَعْنِي نَفسه وَخرج ذَات يَوْم فَاتبعهُ نَاس فَقَالَ لَهُم ألكم حَاجَة قَالُوا لَا وَلَكِن أردنَا أَن نمشي مَعَك قَالَ ارْجعُوا فَإِنَّهُ ذلة للتتابع وفتنة للمتبوع وَقَالَ لَو تعلمُونَ مني مَا أعلم من نَفسِي لحثوتم على رَأْسِي التُّرَاب وَقَالَ حبذا المكروهان الْمَوْت والفقر وأيم الله إِن هُوَ إِلَّا الْغنى والفقر وَمَا أُبَالِي بِأَيِّهِمَا بليت أَرْجُو الله فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا إِن كَانَ الْغنى إِن فِيهِ للْعَطْف وَإِن كَانَ الْفقر إِن فِيهِ للصبر وَقَالَ إِنَّكُم فِي ممر اللَّيْل وَالنَّهَار فِي آجل منقوصة وأعمال مَحْفُوظَة وَالْمَوْت يَأْتِي بَغْتَة فَمن زرع خيرا فيوشك أَن يحصد رغبته وَمن زرع شرا فيوشك أَن يحصد ندامة وَلكُل زارع مثل مَا زرع لَا يسْبق بطيء بحظه وَلَا يدْرك حَرِيص مَا لم يقدر لَهُ من أعْطى خيرا فَالله أعطَاهُ وَمن وقى شرا فَالله وَقَاه المتقون سادة وَالْفُقَهَاء قادة ومجالستهم زِيَادَة إِنَّمَا هما اثْنَتَانِ الْهدى وَالْكَلَام فأفضل الْكَلَام كَلَام الله وَأفضل الْهَدْي هدي مُحَمَّد وَشر الْأُمُور محدثاتها وكل محدثة بِدعَة فَلَا يطولن عَلَيْكُم الأمد وَلَا يلهينكم الأمل فَإِن كل مَا هُوَ آتٍ قريب الأوان الْبعيد مَا لَيْسَ آتِيَا الأوان الشقي من شقي فِي بطن أمه وَإِن السعيد من وعظ
стр. 143
بِغَيْرِهِ أَلا وَإِن قتال الْمُسلم كفر وسبابه فسوق وَلَا يحل لمُسلم أَن يهجر أَخَاهُ فَوق ثَلَاثَة أَيَّام حَتَّى يسلّم عَلَيْهِ إِذا لقِيه ويجيبه إِذا دَعَاهُ ويعوده إِذا مرض أَلا وَإِن شرّ الروايا روايا الْكَذِب أَلا وَإِن الْكَذِب لَا يصلح مِنْهُ جد وَلَا هزل وَلَا أَن يعد الرجل صَبِيه شَيْئا ثمَّ لَا يُنجزهُ أَلا وَإِن الْكَذِب يهدي إِلَى الْفُجُور والفجور يهدي إِلَى النَّار والصدق يهدي إِلَى الْبر وَالْبر يهدي إِلَى الْجنَّة وَأَنه يُقَال للصادق صدق وبر وَيُقَال للكاذب كذب وفجر وَأَن مُحَمَّدًا حَدثنَا أَن الرجل ليصدق حَتَّى يكْتب عِنْد الله صدّيقا ويكذب حَتَّى يكْتب عِنْد الله كذّابا إِن أصدق الحَدِيث كتاب الله وأوثق العرى كلمة التقى وَخير الْملَّة مِلَّة إِبْرَاهِيم وَأحسن السّنَن سنة مُحَمَّد وَخير الْهَدْي هدي الْأَنْبِيَاء وأشرف الحَدِيث ذكر الله وَخير الْقَصَص الْقُرْآن وَخير الْأُمُور عواقبها وَشر الْأُمُور محدثاتها وَمَا قل وَكفى خير مِمَّا كثر وألهى وَنَفس تنجيها خير من إِمَارَة لَا تحصيها وَشر المعذرة حِين يحضر الْمَوْت وَشر الندامة ندامة يَوْم الْقِيَامَة وَشر الضَّلَالَة الضَّلَالَة بعد الْهوى وَخير الْغنى غنى النَّفس وَخير الزَّاد التَّقْوَى وَخير مَا ألقِي فِي الْقلب الْيَقِين والريب من الْكفْر وَشر الْعَمى عمى الْقلب وَالْخمر جماع الْإِثْم وَالنِّسَاء حبائل الشَّيْطَان والشباب شُعْبَة من الْجُنُون وَالنوح من عمل الْجَاهِلِيَّة وَمن النَّاس من لَا يَأْتِي الْجُمُعَة إِلَّا دبرا وَلَا يذكر الله إِلَّا هجرا وَأعظم الْخَطَايَا الْكَذِب وَمن يعف يعف الله عَنهُ وَمن يَكْظِم الغيظ يأجره الله وَمن يغْفر يغْفر الله لَهُ وَمن يصبر على الرزية يعقبه الله وَشر المكاسب كسب الرِّبَا وَشر المأكل مَال الْيَتِيم وَإِنَّمَا يَكْفِي أحدكُم مَا قنعت بِهِ نَفسه وَإِنَّمَا يصير إِلَى أَرْبَعَة أَذْرع وَالْأَمر إِلَى آخِره وملاك الْعَمَل خواتمه وأشرف الْمَوْت قتل الشُّهَدَاء وَمن يستكبر يَضَعهُ الله وَمن يعْص الله يطع الشَّيْطَان يَنْبَغِي لحامل الْقُرْآن أَن يعرف بليله إِذا النَّاس نائمون وبنهاره إِذا النَّاس مفطرون وبحزنه إِذا النَّاس يفرحون وببكائه إِذا النَّاس
стр. 144
يَضْحَكُونَ وبصمته إِذا النَّاس يَخُوضُونَ وبخشوعه إِذا النَّاس يختالون وَيَنْبَغِي لحامل الْقُرْآن أَن يكون باكيا مَحْزُونا حكيما حَلِيمًا سكينا وَلَا يَنْبَغِي لحامل الْقُرْآن أَن يكون جَافيا وَلَا غافلا وَلَا سخابا وَلَا صياحا وَلَا حديدا من تطاول تعظّما حطّه الله وَمن تواضع تخشّعا رَفعه الله وَإِن للْملك لمة وللشيطان لمة الْملك إيعاد بِالْخَيرِ وتصديق بِالْحَقِّ فَإِذا رَأَيْتُمْ ذَلِك فاحمدوا الله ولمة الشَّيْطَان إيعاد بِالشَّرِّ وَتَكْذيب بِالْحَقِّ فَإِذا رَأَيْتهمْ ذَلِك فتعوّذوا بِاللَّه إِن النَّاس قد أَحْسنُوا القَوْل فَمن وَافق قَوْله فعله فَذَاك الَّذِي أصَاب حظّه وَمن خَالف قَوْله فعله فَذَاك إِنَّمَا يوبخ نَفسه لَا أَلفَيْنِ أحدكُم جيفة ليل قطرب نَهَار إِنِّي لَا بغض الرجل أَن أرَاهُ فَارغًا لَيْسَ فِي شَيْء من عمل الدُّنْيَا وَلَا عمل الْآخِرَة وَمن لم تَأمره الصَّلَاة بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَهُ عَن الْمُنكر لم يَزْدَدْ بهَا من الله بعدا من الْيَقِين أَن لَا ترضي النَّاس بسخط الله وَلَا تحمد أحدا على رزق الله وَلَا تلوم أحدا على مَا لم يؤتك الله فَإِن رزق الله لَا يَسُوقهُ حرص حَرِيص وَلَا يردهُ كَرَاهَة كَارِه وَإِن الله بِقسْطِهِ وحلمه وعدله جعل الرّوح والفرح فِي الْيَقِين وَالرِّضَا وَجعل لَهُم والحزن فِي الشَّك والسخط مَا دمت فِي صَلَاة فَأَنت تقرع بَاب الْملك وَمن يقرع بَاب الْملك يفتح لَهُ أَنِّي لَا حسب الرجل ينسى الْعلم كَانَ يُعلمهُ بالخطيئة يعملها كونُوا ينابيع الْعلم مصابيح الْهدى أحلاس الْبيُوت سرج اللَّيْل جدد الْقُلُوب خلقان الثِّيَاب تعرفُون فِي السَّمَاء وتخفون على أهل الأَرْض إِن للقلوب شَهْوَة وإدبارا فاغتنموها عِنْد شهوتها وإقبالها ودعوها عِنْد فتفرقها وإدبارها لَيْسَ الْعلم بِكَثْرَة الرِّوَايَة وَلَكِن الْعلم الخشية إِنَّكُم ترَوْنَ الْكَافِر من أصح النَّاس جسما وأمرضه قلبا وتلقون الْمُؤمن من أصح النَّاس قلبا وأمرضه جسما وأيم الله لَو مَرضت قُلُوبكُمْ وصحّت أجسامكم لكنتم أَهْون على الله من الْجعلَان لَا يبلغ العَبْد حَقِيقَة الْإِيمَان حَتَّى يحل بذروته وَلَا يحل بذروته حَتَّى يكون الْفقر أحب إِلَيْهِ من الْغنى والتواضع أحب إِلَيْهِ من الشّرف وَحَتَّى يكون حامده وذامه وَعِنْده سواهُ وَإِن الرجل ليخرج من بَيته وَمَعَهُ دينه فَيرجع وَمَا مَعَه مِنْهُ شَيْء يَأْتِي الرجل وَلَا
стр. 145
يملك لَهُ وَلَا نَفسه ضرا وَلَا نفعا فَيقسم لَهُ بِاللَّه أَنَّك لذيت وذويت فَيرجع وَمَا حبي من حَاجته بِشَيْء ويسخط الله عَلَيْهِ لَو سخرت من كلب لَخَشِيت أَن أحوّل كَلْبا الْإِثْم حوّاز الْقُلُوب مَا كَانَ من نظر فَإِن للشَّيْطَان فِيهَا مطمعا مَعَ كل فرحة ترحة وَمَا ملىء بَيت حبرَة الاملئ عِبْرَة وَمَا مِنْكُم إِلَّا ضيف وَمَاله عَارِية فالضيف مرتحل وَالْعَارِية مُؤَدَّاة إِلَى أَهلهَا يكون فِي آخر الزَّمَان أقوم أفضل أَعْمَالهم التلاوم بَينهم يسمون الأنتان إِذا أحب الرجل أَن ينصف من نَفسه فليأت إِلَى النَّاس الَّذِي يحب أَن يُؤْتى إِلَيْهِ الْحق ثقيل مريء وَالْبَاطِل خَفِيف وَبِي رب شَهْوَة تورث حزنا طَويلا مَا على وَجه الأَرْض شَيْء أحْوج إِلَى طول سجن من لِسَان إِذا ظهر الزِّنَا والربا فِي قَرْيَة أذن بهلاكها من اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن يَجْعَل كنزه فِي السَّمَاء حَيْثُ لَا يَأْكُلهُ السوس وَلَا يَنَالهُ السراق فَلْيفْعَل فَإِن قلب الرجل مَعَ كنزه لَا يقلدون أحدكُم دينه رجلا فَإِن آمن آمن وَإِن كفر كفر وَإِن كُنْتُم لَا بُد مقتدين فاقتدوا بِالْمَيتِ فَإِن الْحَيّ لَا تؤمن عَلَيْهِ الْفِتْنَة لَا يكن أحدكُم أمعة قَالُوا وَمَا الأمعة قَالَ يَقُول أَنا مَعَ النَّاس إِن اهتدوا اهتديت وَإِن ضلوا ضللت أَلا ليوطن أحدكُم نَفسه على أَنه إِن كفر النَّاس لَا يكفر وَقَالَ لَهُ رجل عَلمنِي كَلِمَات جَوَامِع نوافع فَقَالَ اعبد الله لَا تشرك بِهِ شَيْئا وَزَل مَعَ الْقُرْآن حَيْثُ زَالَ وَمن جَاءَك بِالْحَقِّ فاقبل مِنْهُ وَإِن كَانَ بَعيدا بغيضا وَمن جَاءَك بِالْبَاطِلِ فاردد عَلَيْهِ وَإِن كَانَ حبيبا قَرِيبا يُؤْتى بِالْعَبدِ يَوْم الْقِيَامَة فَيُقَال لَهُ أد أمانتك فَيَقُول يَا رب من أَيْن وَقد ذهبت الدُّنْيَا فتمثل على هيئتها يَوْم أَخذهَا فِي قَعْر جَهَنَّم فيزل فيأخدها فَيَضَعهَا على عَاتِقه فيصعد بهَا حَتَّى إِذا ظن أَنه خَارج بنها هوت وَهوى فِي أَثَرهَا أَبَد الآبدين أطلب قَلْبك فِي ثَلَاثَة مَوَاطِن عِنْد سَماع الْقُرْآن وَفِي مجَالِس الذّكر وَفِي أَوْقَات الْخلْوَة فَإِن لم تَجدهُ فِي هَذِه المواطن فسل الله أَن
стр. 146
يمن عَلَيْك بقلب فَإِنَّهُ لَا قلب لَك قَالَ الْجُنَيْد دخلت على شَاب فَسَأَلَنِي عَن التَّوْبَة فأجبته فَسَأَلَنِي عَن حَقِيقَتهَا فَقلت أَن تنصب ذَنْبك بَين عَيْنَيْك حَتَّى يَأْتِيك الْمَوْت فَقَالَ لي مَه مَا هَذَا حَقِيقَة التَّوْبَة فَقلت لَهُ فَمَا حَقِيقَة التَّوْبَة عنْدك يَا فَتى قَالَ أَن تنسى ذَنْبك وَتَرَكَنِي وَمضى فَكيف هُوَ عنْدك يَا أَبَا قَاسم فَقلت القَوْل مَا قَالَ الْفَتى قَالَ كَيفَ قلت إِذا كنت مَعَه فِي حَال ثمَّ نقلني من حَال الجفا إِلَى حَال الوفا فذكرني للجفا فِي حَال الوفا جَفا
فصل لَا يجْتَمع الْإِخْلَاص فِي الْقلب ومحبة الْمَدْح وَالثنَاء والطمع فِيمَا عِنْد
النَّاس إِلَّا كَمَا يجْتَمع المَاء وَالنَّار والضب والحوت فَإِذا حدثتك نَفسك بِطَلَب الْإِخْلَاص فَأقبل على الطمع أَولا فاذبحه بسكين الْيَأْس وَأَقْبل على الْمَدْح وَالثنَاء فازهد فيهمَا زهد عشّاق الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة فَإِذا استقام لَك ذبح الطمع والزهد فِي الثَّنَاء والمدح سهل عَلَيْك الْإِخْلَاص فَإِن قلت وَمَا الَّذِي يسهّل عَليّ ذبح الطمع والزهد فِي الثَّنَاء والمدح قلت أما ذبح الطمع فيسهله عَلَيْك علمك يَقِينا أَنه لَيْسَ من شَيْء يطْمع فِيهِ إِلَّا وبيد الله وَحده خزائنه لَا يملكهَا غَيره وَلَا يُؤْتى العَبْد مِنْهَا شَيْئا سواهُ وَأما ازهد فِي الثَّنَاء والمدح فيسهله عَلَيْك علمك أَنه لَيْسَ أحد ينفع مدحه ويزين ويضر ذمه ويشين إِلَّا الله وَحده كَمَا قَالَ ذَلِك الْأَعرَابِي للنَّبِي إِن مدحي زين وذمي شَيْن فَقَالَ ذَلِك الله فازهد فِي مدح من لَا يزينك مدحه وَفِي ذمّ من لَا يشنيك ذمّ وارغب فِي مدح من كل الزين فِي مدحه وكل الشين فِي ذمه وَلنْ يقدر على ذَلِك إِلَّا بِالصبرِ وَالْيَقِين فَمَتَى فقدت الصَّبْر وَالْيَقِين كنت كمن أَرَادَ السّفر فِي الْبَحْر فِي غير مركب قَالَ تَعَالَى فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يوقنون وَقَالَ تَعَالَى وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ
стр. 147
فصل لَذَّة كل أحد على حسب قدره وهمّته وَشرف نَفسه فَأَشْرَف النَّاس نفسا
وَأَعْلَاهُمْ همّة وأرفعهم قدرا من لذّته فِي معرفَة الله ومحبته والشوق إِلَى لِقَائِه والتودد إِلَيْهِ بِمَا يُحِبهُ ويرضاه فلذته فِي إقباله عَلَيْهِ وعكوف همته عَلَيْهِ وَدون ذَلِك مَرَاتِب لَا يحصيها إِلَّا الله حَتَّى تَنْتَهِي إِلَى من لذته فِي أخس الْأَشْيَاء من القاذورات وَالْفَوَاحِش فِي كل شَيْء من الْكَلَام والفعال والأشغال فَلَو عرضت عَلَيْهِ مَا يلتذ بِهِ الأول لم تسمح نَفسه بقبوله وَلَا الِالْتِفَات إِلَيْهِ وَرُبمَا تألمت من ذَلِك كَمَا أَن الأول إِذا عرض عَلَيْهِ مَا يلتذ بِهِ هَذَا لم تسمح نَفسه بِهِ وَلم تلْتَفت إِلَيْهِ ونفرت نَفسه مِنْهُ وأكمل النَّاس لَذَّة من جمع لَهُ بَين لَذَّة الْقلب وَالروح وَلَذَّة الْبدن فَهُوَ يتَنَاوَل لذاته الْمُبَاحَة على وَجه لَا ينقص حَظه من الدَّار وَالْآخِرَة وَلَا يقطع عَلَيْهِ لَذَّة الْمعرفَة والمحبة والأنس بربه فَهَذَا مِمَّن قَالَ تَعَالَى فِيهِ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قل هَل هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وأبخسهم حظا من اللَّذَّة من تنَاولهَا على وَجه يحول بَينه وَبَين لذات الْآخِرَة فَيكون مِمَّن يُقَال لَهُم يَوْم اسْتِيفَاء اللَّذَّات أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَهَؤُلَاءِ تمَتَّعُوا بالطيبات وَأُولَئِكَ تمَتَّعُوا بالطيبات وافترقوا فِي وَجه التَّمَتُّع فَأُولَئِك تمَتَّعُوا بهَا على الْوَجْه الَّذِي أذن لَهُم فِيهِ فَجمع لَهُم بَين لَذَّة الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَهَؤُلَاء تمَتَّعُوا بهَا على الْوَجْه الَّذِي دعاهم إِلَيْهِ الْهوى والشهوة وَسَوَاء أذن لَهُم فِيهِ أم لَا فَانْقَطَعت عَنْهُم لَذَّة الدُّنْيَا وفاتتهم لَذَّة الْآخِرَة فَلَا لَذَّة الدُّنْيَا دَامَت لَهُم وَلَا لَذَّة الْآخِرَة حصلت لَهُم فَمن أحب اللَّذَّة ودوامها والعيش الطيّب فليجعل لَذَّة الدُّنْيَا موصلا لَهُ إِلَى لَذَّة الآخر بِأَن يَسْتَعِين بهَا على فرَاغ قلبه لله وإرادته وعبادته فيتناولها بِحكم الِاسْتِعَانَة وَالْقُوَّة على طلبه لَا بِحكم مُجَرّد الشَّهْوَة والهوى وَإِن كَانَ مِمَّن زويت عَنهُ لذات الدُّنْيَا وطيباتها فليجعل مَا نقص مِنْهَا زِيَادَة فِي
стр. 148
لَذَّة الْآخِرَة ويجم نَفسه هَهُنَا بِالتّرْكِ ليستوفيها كَامِلَة هُنَاكَ فطيبات الدُّنْيَا ولذاتها نعم العون لمن صَحَّ طلبه لله وَالدَّار الْآخِرَة وَكَانَت همه لما هُنَاكَ وَبئسَ الْقَاطِع لمن كَانَت هِيَ مَقْصُوده وهمته وحولها يدندن وفواتها فِي الدُّنْيَا نعم العون لطَالب الله وَالدَّار الْآخِرَة وَبئسَ الْقَاطِع النازع من الله وَالدَّار الْآخِرَة فَمن أَخذ مَنَافِع الدُّنْيَا على وَجه لَا ينقص حَظه من الْآخِرَة ظفر بهما جَمِيعًا وَإِلَّا خسرهما جَمِيعًا سُبْحَانَ الله رب الْعَالمين لَو لم يكن فِي ترك الذُّنُوب والمعاصي إِلَّا إِقَامَة الْمُرُوءَة وصون الْعرض وَحفظ الجاه وصيانة المَال الَّذِي جعله الله قواما لمصَالح الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ومحبة الْخلق وَجوَار القَوْل بَينهم وَصَلَاح المعاش وراحة الْبدن وَقُوَّة الْقلب وَطيب النَّفس ونعيم الْقلب وانشراح الصَّدْر والأمن من مخاوف الْفُسَّاق والفجار وَقلة الْهم وَالْغَم والحزن وَعز النَّفس عَن احْتِمَال الذل وصون نور الْقلب أَن تطفئه ظلمَة الْمعْصِيَة وَحُصُول الْمخْرج لَهُ مِمَّا ضَاقَ على الْفُسَّاق والفجار وتيسر الرزق عَلَيْهِ من حَيْثُ لَا يحْتَسب وتيسير مَا عسر على أَرْبَاب الفسوق والمعاصي وتسهيل الطَّاعَات عَلَيْهِ وتيسير الْعلم وَالثنَاء الْحسن فِي النَّاس وَكَثْرَة الدُّعَاء لَهُ والحلاوة الَّتِي يكتسبها وَجهه المهابة الَّتِي تلقى لَهُ فِي قُلُوب النَّاس وانتصارهم وحميتهم لَهُ إِذا أوذي وظلم وذبهم عَن عرضه إِذا اغتابه مغتاب وَسُرْعَة إِجَابَة دُعَائِهِ وَزَوَال الوحشة الَّتِي بَينه وَبَين الله وَقرب الْمَلَائِكَة مِنْهُ وَبعد شياطين الْإِنْس وَالْجِنّ مِنْهُ وتنافس النَّاس على خدمته وَقَضَاء حَوَائِجه وخطبتهم لمودته وصحبته وَعدم خَوفه من الْمَوْت بل يفرح بِهِ لقدومه على ربه ولقائه لَهُ ومصيره إِلَيْهِ وَصغر الدُّنْيَا فِي قلبه وَكبر الْآخِرَة عِنْده وحرصه على الْملك الْكَبِير والفوز الْعَظِيم فِيهَا وذوق حلاوة الطَّاعَة وَوجد حلاوة الْإِيمَان وَدُعَاء حَملَة الْعَرْش وَمن حوله من الْمَلَائِكَة لَهُ وَفَرح الْكَاتِبين بِهِ ودعائهم لَهُ كل وَقت وَالزِّيَادَة فِي عقله وفهمه وإيمانه ومعرفته وَحُصُول محبَّة الله لَهُ وإقباله عَلَيْهِ وفرحه بتويته وَهَكَذَا يجازيه بفرح وسرور لَا نِسْبَة لَهُ إِلَى فرحه وسروره بالمعصية بِوَجْه من الْوُجُوه
стр. 149
فَهَذِهِ بعض آثَار ترك الْمعاصِي فِي الدُّنْيَا فَإِذا مَاتَ تَلَقَّتْهُ الْمَلَائِكَة بالبشرى من ربه بِالْجنَّةِ وَبِأَنَّهُ لَا خوف عَلَيْهِ وَلَا حزن وينتقل من سجن الدُّنْيَا وضيقها إِلَى رَوْضَة من رياض الْجنَّة ينعم فِيهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة كَانَ النَّاس فِي الْحر والعرق وَهُوَ فِي ظلّ الْعَرْش فَإِذا انصرفوا من بَين يَدي الله أَخذ بِهِ ذَات الْيَمين مَعَ أوليائه الْمُتَّقِينَ وَحزبه المفلحين وَذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو فضل عَظِيم
فصل ذكر ابْن سعد فِي الطَّبَقَات عَن عمر بن عبد الْعَزِيز أَنه كَانَ
إِذا خطب على الْمِنْبَر فخاف على نَفسه الْعجب قطعه وَإِذا كتب كتابا فخاف فِيهِ الْعجب مزقه وَيَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من شَرّ نَفسِي اعْلَم أَن العَبْد إِذا شرع فِي قَول أَو عمل يَبْتَغِي فِيهِ مرضاة الله مطالعا فِيهِ منَّة الله عَلَيْهِ بِهِ وتوفيقه لَهُ فِيهِ وَأَنه بِاللَّه لَا بِنَفسِهِ وَلَا بمعرفته وفكره وَحَوله وقوته بل هُوَ بِالَّذِي أنشأ لَهُ اللِّسَان وَالْقلب وَالْعين وَالْأُذن فَالَّذِي منّ عَلَيْهِ بذلك هُوَ الَّذِي منّ عَلَيْهِ بالْقَوْل الْفِعْل فَإِذا لم يغب ذَلِك عَن ملاحظته وَنظر قلبه لم يحضرهُ الْعجب الَّذِي أَصله رُؤْيَة نَفسه وغيبته عَن شُهُود منّة ربه وتوفيقه وإعانته فَإِذا غَابَ عَن تِلْكَ الملاحظة وَثَبت النَّفس وَقَامَت فِي مقَام الدَّعْوَى فَوَقع الْعجب ففسد عَلَيْهِ القَوْل وَالْعَمَل فَتَارَة يُحَال بَينه وَبَين تَمَامه وَيقطع عَلَيْهِ وَيكون ذَلِك رَحْمَة بِهِ حَتَّى لَا يغيب عَن مُشَاهدَة المنّة والتوفيق وَتارَة يتم لَهُ وَلَكِن لَا يكون لَهُ ثَمَرَة وَإِن أثمر أثمر ثَمَرَة ضَعِيفَة غير محصلة للمقصود وَتارَة يكون ضَرَره عَلَيْهِ أعظم من انتفاعه ويتولد لَهُ مِنْهُ مفاسد شتّى بِحَسب غيبته عَن مُلَاحظَة التَّوْفِيق والمنّة ورؤية نَفسه وَأَن القَوْل وَالْفِعْل بِهِ
وَمن هَذَا الْموضع يصلح الله سُبْحَانَهُ أَقْوَال عَبده وأعماله ويعظم لَهُ ثَمَرَتهَا أَو يُفْسِدهَا عَلَيْهِ ويمنعه ثَمَرَتهَا فَلَا شَيْء أفسد للأعمال من الْعجب ورؤية النَّفس فَإِذا أَرَادَ الله
стр. 150
بعده خيرا أشهده منّته وتوفيقه وإعانته لَهُ فِي كل مَا يَقُوله ويفعله فَلَا يعجب بِهِ ثمَّ أشهده تَقْصِيره فِيهِ وَأَنه لَا يرضى لرَبه بِهِ فيتوب إِلَيْهِ مِنْهُ ويستغفره ويستحي أَن يطْلب عَلَيْهِ أجرا وَإِذا لم يشهده ذَلِك وغيّبه عَنهُ فَرَأى نَفسه فِي الْعَمَل وَرَآهُ بِعَين الْكَمَال وَالرِّضَا لم يَقع ذَلِك الْعَمَل مِنْهُ موقع الْقبُول وَالرِّضَا والمحبة فالعارف يعْمل الْعَمَل لوجه مشاهدا فِيهِ منّته وفضله وتوفيقه معتذرا مِنْهُ إِلَيْهِ مستحييا مِنْهُ إِذْ لم يوفه حَقه وَالْجَاهِل يعْمل الْعَمَل لحظه وهواه نَاظرا فِيهِ إِلَى نَفسه يمنّ بِهِ على ربه رَاضِيا بِعَمَلِهِ فَهَذَا لون وَذَاكَ لون آخر
فصل الْوُصُول إِلَى الْمَطْلُوب مَوْقُوف على هجر العوائد وَقطع الْعَوَائِق فالعوائد
السّكُون إِلَى الدعة والراحة وَمَا أَلفه النَّاس واعتادوه من الرسوم والأوضاع الَّتِي جعلوها بِمَنْزِلَة الشَّرْع المتّبع بل هِيَ عِنْدهم أعظم من الشَّرْع فَإِنَّهُم يُنكرُونَ على من خرج عَنْهَا وخالفها مَا لَا يُنكرُونَ على من خَالف صَرِيح الشَّرْع وَرُبمَا كفّروه أَو بدّعوه وضلّلوه أَو هجروه وعاقبوه لمُخَالفَة تِلْكَ الرسوم وأماتوا لَهَا السّنَن ونصبوها أندادا للرسول يوالون عَلَيْهَا ويعادون فالمعروف عِنْدهم مَا وافقهم وَالْمُنكر مَا خالفها
وَهَذِه الأوضاع والرسوم قد استولت على طوائف بني آدم من الْمُلُوك والولاة وَالْفُقَهَاء والصوفية والفقراء والمطوعين والعامة فربي فِيهَا الصَّغِير وَنَشَأ عَلَيْهَا الْكَبِير واتخذت سننا بل هِيَ أعظم عِنْد أَصْحَابهَا من السّنَن الْوَاقِف مَعهَا مَحْبُوس والمتقيّد بهَا مُنْقَطع عمّ بهَا الْمُصَاب وهجر لأَجلهَا السّنة وَالْكتاب من استنصر بهَا فَهُوَ عِنْد الله مخذول وَمن اقْتدى بهَا دون كتاب الله وَسنة رَسُوله فَهُوَ عِنْد الله غير مَقْبُول وَهَذِه أعظم الْحجب والموانع بَين العَبْد وَبَين النّفُوذ إِلَى الله وَرَسُوله
стр. 151
فصل وَأما الْعَوَائِق فَهِيَ أَنْوَاع المخالفات ظَاهرهَا وباطنها فَإِنَّهَا تعوق
الْقلب عَن سيره إِلَى الله وتقطع عَلَيْهِ طَرِيقه وَهِي ثَلَاثَة أُمُور شرك وبدعة ومعصية فيزول عائق الشّرك بتجريد التَّوْحِيد وعائق الْبِدْعَة بتحقيق السّنة وعائق الْمعْصِيَة بتصحيح التَّوْبَة وَهَذِه الْعَوَائِق لَا تتبين للْعَبد يَأْخُذ فِي أهبة السّفر ويتحقق بالسير إِلَى الله وَالدَّار وَالْآخِرَة فَحِينَئِذٍ تظهر لَهُ هَذِه الْعَوَائِق وَيحسن بتعويقها لَهُ بِحَسب قُوَّة سيره وتجرّده للسَّفر وَإِلَّا فَمَا دَامَ قَاعِدا لَا يظْهر لَهُ كوامنها وقواطعها
فصل وَأما العلائق فَهِيَ كل مَا تعلق بِهِ الْقلب دون الله وَرَسُوله من
ملاذ الدُّنْيَا وشهواتها ورياستها وصحبة النَّاس والتعلق بهم وَلَا سَبِيل لَهُ إِلَى قطع هَذِه الْأُمُور الثَّلَاثَة ورفضها إِلَّا بِقُوَّة التَّعَلُّق بالمطلب الْأَعْلَى وَإِلَّا فقطعها عَلَيْهِ بِدُونِ تعلّقه بمطلوبه مُمْتَنع فَإِن النَّفس لَا تتْرك مألوفها ومحبوبها إِلَّا لمحبوب هُوَ أحب إِلَيْهَا مِنْهُ وآثر عِنْدهَا مِنْهُ وَكلما قوي تعلقه بمطلوبه ضعف تعلقه بِغَيْرِهِ وَكَذَا بِالْعَكْسِ والتعلق بالمطلوب هُوَ شدَّة الرَّغْبَة فِيهِ وَذَلِكَ على قدر مَعْرفَته بِهِ وشرفه وفضله على مَا سواهُ
فصل لما كمل الرَّسُول مقَام الافتقار إِلَى الله سُبْحَانَهُ أحْوج الْخَلَائق
كلهم إِلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة أما حَاجتهم إِلَيْهِ فِي الدُّنْيَا فأشد من حَاجتهم إِلَى الطَّعَام وَالشرَاب وَالنَّفس الَّذِي بِهِ حَيَاة أبدانهم وَأما حَاجتهم إِلَيْهِ فِي الْآخِرَة فَإِنَّهُم يستشفعون بالرسل إِلَى الله حَتَّى يريحهم من ضيق مقامهم فكلهم يتَأَخَّر عَن الشَّفَاعَة فَيشفع لَهُم وَهُوَ الَّذِي يستفتح لَهُم بَاب الْجنَّة
стр. 152
فصل من عَلَامَات السَّعَادَة والفلاح أَن العَبْد كلما زيد فِي علمه زيد فِي
تواضعه وَرَحمته وَكلما زيد فِي خَوفه وحذره وَكلما زيد فِي عمره نقص من حرصه وَكلما زيد فِي مَاله زيد فِي سخائه وبذله وَكلما زيد فِي قدره وجاهه زيد فِي قربه من النَّاس وَقَضَاء حوائجهم والتواضع لَهُم
وعلامات الشقاوة أَنه كلما زيد فِي علمه زيد فِي كبره وتيهه وَكلما زيد فِي عمله زيد فِي فخره واحتقاره للنَّاس وَحسن ظَنّه بِنَفسِهِ وَكلما زيد فِي عمره زيد قي حرصه وَكلما زيد فِي مَاله زيد فِي بخله وإمساكه وَكلما زيد فِي قدره وجاهه زيد فِي كبره وتيهه وَهَذِه الْأُمُور ابتلاء من الله وامتحان يَبْتَلِي بهَا عباده فيسعد بهَا أَقوام ويشفى بهَا أَقوام وَكَذَلِكَ الكرامات امتحان وابتلاء كالملك وَالسُّلْطَان وَالْمَال قَالَ تَعَالَى عَن نبيه سُلَيْمَان لما رأى عرش بلقيس عِنْده هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أم أكفر فالنعم ابتلاء من الله وامتحان يظْهر بهَا شكر الشكُور وَكفر الكفور كَمَا أَن المحن بلوى مِنْهُ سُبْحَانَهُ فَهُوَ يَبْتَلِي بِالنعَم كَمَا يَبْتَلِي بالمصائب قَالَ تَعَالَى فَأَمَّا الْأِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كلا أَي لَيْسَ كل من وسعت عَلَيْهِ وأكرمته وَنعمته يكون ذَلِك إِكْرَاما مني لَهُ وَلَا كل من ضيّقت عَلَيْهِ رزقه وابتليته يكون ذَلِك إهانة مني لَهُ
فصل من أَرَادَ علو بُنْيَانه فَعَلَيهِ بتوثيق أساسه وإحكامه وَشدَّة الاعتناء بِهِ
فَإِن علو الْبُنيان على قدر تَوْثِيق الأساس وإحكامه فالأعمال والدرجات بُنيان وأساسها الْإِيمَان وَمَتى كَانَ الأساس وثيقا حمل الْبُنيان واعتلى عَلَيْهِ وَإِذا تهدم شَيْء من
стр. 153
الْبُنيان سهل تَدَارُكه وَإِذا كَانَ الأساس غير وثيق لم يرْتَفع الْبُنيان وَلم يثبت وَإِذا تهدم شَيْء من الأساس سقط الْبُنيان أَو كَاد فالعارف همّته تَصْحِيح الأساس وإحكامه وَالْجَاهِل يرفع فِي الْبناء عَن غير أساس فَلَا يلبث بُنْيَانه أَن يسْقط قَالَ تَعَالَى أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمن أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ فالأساس لبِنَاء الْأَعْمَال كالقوة لبدن الْإِنْسَان فَإِذا كَانَت الْقُوَّة قَوِيَّة حملت الْبدن وَدفعت عَنهُ كثيرا من الْآفَات وَإِذا كَانَت الْقُوَّة ضَعِيفَة ضعف حملهَا للبدن وَكَانَت الْآفَات إِلَيْهِ أسْرع شَيْء
فاحمل بنيانك على قُوَّة أساس الْإِيمَان فَإِذا تشعث شَيْء من أعالي الْبناء وسطحه كَانَ تَدَارُكه أسهل عَلَيْك من خراب الأساس وَهَذَا الأساس أَمْرَانِ صِحَة الْمعرفَة بِاللَّه وَأمره وأسمائه وَصِفَاته وَالثَّانِي تَجْرِيد الانقياد لَهُ وَلِرَسُولِهِ دون مَا سواهُ فَهَذَا أوثق أساس أسس العَبْد عَلَيْهِ بُنْيَانه وبحسبه يعتلي الْبناء مَا شَاءَ فاحكم الأساس واحفظ الْقُوَّة وَدم على الحمية واستفرغ إِذا زَاد بك الْخَلْط وَالْقَصْد الْقَصْد وَقد بلغت المُرَاد وَإِلَّا فَمَا دَامَت الْقُوَّة ضَعِيفَة والمادة الْفَاسِدَة مَوْجُودَة والاستفراغ مَعْدُوما
فاقر السَّلَام على الْحَيَاة فَإِنَّهَا ... قد آذنتك بِسُرْعَة التوديع
فَإِذا كمل الْبناء فبيضه بِحسن الْخلق وَالْإِحْسَان إِلَى النَّاس ثمَّ حَظه بسور من الحذر لَا يقتحمه عَدو وَلَا تبدو مِنْهُ الْعَوْرَة ثمَّ ارخ الستور على أبوابه ثمَّ أقفل الْبَاب الْأَعْظَم بِالسُّكُوتِ عَمَّا تخشى عاقبته ثمَّ ركب لَهُ مفتاحا من ذكر الله بِهِ تفتحه وتغلقه فَإِن فتحت فتحت بالمفتاح وَإِن أغلقت الْبَاب أغلقته بِهِ فَتكون حِينَئِذٍ قد بنيت حصنا تحصنت فِيهِ من أعدائك إِذا طَاف بِهِ الْعَدو لم يجد مِنْهُ مدخلًا فييأس مِنْك ثمَّ تعاهد بِنَاء الْحصن كل وَقت فَإِن الْعَدو إِذا لم يطْمع فِي الدُّخُول من الْبَاب نقّب عَلَيْك النقوب من بعيد بمعاول الذُّنُوب فَإِن أهملت أمره وصل إِلَيْك النقب فَإِذا الْعَدو مَعَك فِي دَاخل الْحصن فيصعب عَلَيْك إِخْرَاجه وَتَكون مَعَه على
стр. 154
ثَلَاث خلال إِمَّا أَن يَغْلِبك على الْحصن ويستولي عَلَيْهِ وَإِمَّا أَن يساكنك فِيهِ وَإِمَّا أَن يشغلك بمقابلته عَن تَمام مصلحتك وتعود إِلَى سد النقب وَلم شعث الْحصن وَإِذا دخل نقبه إِلَيْك نالك مِنْهُ ثَلَاث آفَات إِفْسَاد الْحصن والإغارة على حواصله وذخائره وَدلَالَة السراق من بني جنسه على عَوْرَته فَلَا يزَال يبْلى مِنْهُ بغارة حَتَّى يضعفوا قواه ويوهنوا عزمه فيتخلى عَن الْحصن ويخلي بَينهم وَبَينه
وَهَذِه حَال أَكثر النُّفُوس مَعَ هَذَا الْعَدو وَلِهَذَا تراهم يسخطون رَبهم بِرِضا أنفسهم بل بِرِضا مَخْلُوق مثلهم لَا يملك لَهُم ضرا وَلَا نفعا ويضيعون كسب الدّين بكسب الْأَمْوَال وَيهْلِكُونَ أنفسهم بِمَا لَا يبْقى لَهُم ويحرصون على الدُّنْيَا وَقد أَدْبَرت عَنْهُم ويزهدون فِي الْآخِرَة وَقد هجمت عَلَيْهِم ويخالفون رَبهم باتّباع أهوائهم ويتكلون على الْحَيَاة وَلَا يذكرُونَ الْمَوْت ويذكرون شهواتهم وحظوظهم وينسون مَا عهد الله إِلَيْهِم ويهتمون بِمَا ضمنه الله وَلَا يهتمون بِمَا أَمرهم بِهِ ويفرحون بالدنيا ويحزنون على فَوَات حظهم مِنْهَا وَلَا يَحْزَنُونَ على فَوَات الْجنَّة وَمَا فِيهَا وَلَا يفرحون بِالْإِيمَان فَرَحهمْ بالدرهم وَالدِّينَار ويفسدون حَقهم وهداهم بضلالهم ومعروفهم بمنكرهم ويلبسوا إِيمَانهم بظنونهم ويخلطون حلالهم بحرامهم ويترددون فِي حيرة آرائهم وأفكارهم ويتركون هدى الله الَّذِي أهداه إِلَيْهِم وَمن الْعجب أَن هَذَا الْعَدو يسْتَعْمل صَاحب الْحصن فِي هدم حصنه بيدَيْهِ
فصل أَرْكَان الْكفْر أَرْبَعَة الْكبر والحسد وَالْغَضَب والشهوة فالكبر يمنعهُ
الانقياد والحسد يمنعهُ قبُول النَّصِيحَة وبذلها وَالْغَضَب يمنعهُ الْعدْل والشهوة تَمنعهُ التفرّغ لِلْعِبَادَةِ فَإِذا انْهَدم ركن الْكبر سهل عَلَيْهِ الانقياد وَإِذا انْهَدم ركن الْحَسَد سهل عَلَيْهِ قبُول النصح وبذله وَإِذا انْهَدم ركن الْغَضَب سهل عَلَيْهِ الْعدْل والتواضع وَإِذا انْهَدم ركن الشَّهْوَة سهل عَلَيْهِ الصَّبْر والعفاف وَالْعِبَادَة وَزَوَال الْجبَال عَن أماكنها
стр. 155
أيسر من زَوَال هَذِه الْأَرْبَعَة عَمَّن بلي بهَا وَلَا سِيمَا إِذا صَارَت هيئات راسخة وملكات وصفات ثَابِتَة فَإِنَّهُ لَا يَسْتَقِيم لَهُ مَعهَا عمل الْبَتَّةَ وَلَا تزكو نَفسه مَعَ قِيَامهَا بهَا وَكلما اجْتهد فِي الْعَمَل أفسدته عَلَيْهِ هَذِه الْأَرْبَعَة وكل الْآفَات مُتَوَلّدَة مِنْهَا وَإِذا استحكمت فِي الْقلب أرته الْبَاطِل فِي صُورَة الْحق وَالْحق فِي صُورَة الْبَاطِل وَالْمَعْرُوف فِي صُورَة الْمُنكر وَالْمُنكر فِي صُورَة الْمَعْرُوف وَقربت مِنْهُ الدُّنْيَا وبعدت مِنْهُ الْآخِرَة وَإِذا تَأَمَّلت كفر الْأُمَم رَأَيْته ناشئا مِنْهَا وَعَلَيْهَا يَقع الْعَذَاب وَتَكون خفته وشدته بِحَسب خفتها وشدتها فَمن فتحهَا على نَفسه فتح عَلَيْهِ أَبْوَاب الشرور كلهَا عَاجلا وآجلا وَمن أغلقها على نَفسه أغلق عَنهُ أبوب الشرورفاتها تمنع الانقياد وَالْإِخْلَاص وَالتَّوْبَة والإنابة وَقبُول الْحق ونصيحة الْمُسلمين والتواضع لله ولخلقه
ومنشأ هَذِه الْأَرْبَعَة من جَهله بربه وجهله بِنَفسِهِ فَإِنَّهُ لَو عرف ربه بِصِفَات الْكَمَال ونعوت الْجلَال وَعرف نَفسه بالنقائص والآفات لم يتكبر وَلم يغْضب لَهَا وَلم يحْسد أحدا على مَا أَتَاهُ الله فَإِن الْحَسَد فِي الْحَقِيقَة نوع من معاداة الله فَإِنَّهُ يكره نعْمَة الله على عَبده وَقد أحبها الله وَأحب زَوَالهَا عَنهُ وَالله يكره ذَلِك فَهُوَ مضاد لله فِي قَضَائِهِ وَقدره ومحبته وكراهته وَلذَلِك كَانَ إِبْلِيس عدوه حَقِيقَة لِأَن ذَنبه كَانَ عَن كبر وحسد فَقلع هَاتين الصفتين بِمَعْرِِفَة الله وتوحيده وَالرِّضَا بِهِ وَعنهُ والإنابة إِلَيْهِ وَقلع الْغَضَب بِمَعْرِِفَة النَّفس وَأَنَّهَا لَا تسْتَحقّ أَن يغْضب لَهَا وينتقم لَهَا فَإِن ذَلِك إِيثَار لَهَا بِالرِّضَا وَالْغَضَب على خَالِقهَا وفاطرها وَأعظم مَا تدفع بِهِ هَذِه الآفة أَن يعوّدها أَن تغْضب لَهُ سُبْحَانَهُ وترضى لَهُ فَكلما دَخلهَا شَيْء من الْغَضَب وَالرِّضَا لَهُ خرج مِنْهَا مُقَابِله من الْغَضَب وَالرِّضَا لَهَا وَكَذَا بِالْعَكْسِ
وَأما الشَّهْوَة فدواؤها صِحَة الْعلم والمعرفة بِأَن إعطاءها شهواتها أعظم أَسبَاب حرمانها إِيَّاهَا ومنعها مِنْهَا وحميتها أعظم أَسبَاب اتصالها إِلَيْهَا فَكلما فتحت عَلَيْهَا بَاب الشَّهَوَات كنت ساعيا فِي حرمانها إِيَّاهَا وَكلما أغلقت عَنْهَا ذَلِك الْبَاب كنت ساعيا فِي إيصالها إِلَيْهَا على أكمل الْوُجُوه
стр. 156
فالغضب مثل السَّبع إِذا أفلته صَاحبه بَدَأَ بِأَكْلِهِ والشهوة مثل النَّار إِذا أضرمها صَاحبهَا بدأت بإحراقه وَالْكبر بِمَنْزِلَة مُنَازعَة الْملك ملكه فَإِن لم يهلكك طردك عَنهُ والحسد بِمَنْزِلَة معاداة من هُوَ أقدر مِنْك وَالَّذِي يغلب شَهْوَته وغضبه يفرق الشَّيْطَان من ظله وَمن تغلبه شَهْوَته وغضبه يفرق من خياله
فصل عَظِيم النَّفْع
الْجُهَّال بِاللَّه وأسمائه وَصِفَاته المعطلون لحقائقها يبغضون الله إِلَى خلقه ويقطعون عَلَيْهِم طَرِيق محبته والتودد إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ من حَيْثُ لَا يعلمُونَ وَنحن نذْكر من ذَلِك أَمْثِلَة تحتذي عَلَيْهَا فَمِنْهَا أَنهم يقررون فِي نفوس الضُّعَفَاء أَن الله سُبْحَانَهُ لَا تَنْفَع مَعَه طَاعَة وَإِن طَال زمانها وَبَالغ العَبْد وأتى بهَا ظَاهره وباطنه وَأَن العَبْد لَيْسَ على ثِقَة وَلَا أَمن من مكره بل شَأْنه سُبْحَانَهُ أَن يَأْخُذ الْمُطِيع المتقي من الْمِحْرَاب إِلَى الماخور وَمن التَّوْحِيد والمسبحة إِلَى الشّرك والمزمار ويقلب قلبه من الْإِيمَان الْخَالِص إِلَى الْكفْر ويروون فِي ذَلِك آثَار صَحِيحَة لم يفهموها وباطلة لم يقلها الْمَعْصُوم ويزعمون أَن هَذَا حَقِيقَة التَّوْحِيد ويتلون على ذَلِك قَوْله تَعَالَى لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَقَوله أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ وَقَوله وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلبه ويقيمون إِبْلِيس حجَّة لَهُم على هَذِه الْمعرفَة وَأَنه كَانَ طَاوُوس الْمَلَائِكَة وَأَنه لم يتْرك فِي السَّمَاء رقْعَة وَلَا فِي الأَرْض بقْعَة إِلَّا وَله فِيهَا سَجْدَة أَو رَكْعَة لَكِن جنى عَلَيْهِ جاني الْقدر وسطا عَلَيْهِ الحكم فَقلب عينه الطّيبَة وَجعلهَا أَخبث شَيْء حَتَّى قَالَ بعض عارفيهم أَنَّك يَنْبَغِي أَن تخَاف الله كَمَا تخَاف الْأسد الَّذِي يثب عَلَيْك بِغَيْر جرم مِنْك وَلَا ذَنْب أَتَيْته إِلَيْهِ ويحتجون بقول النَّبِي إِن أحدكُم ليعْمَل بِعَمَل أهل الْجنَّة حَتَّى مَا يكون بَينه وَبَينهَا إِلَّا ذِرَاع فَيَسْبق عَلَيْهِ الْكتاب فَيعْمل بِعَمَل أهل النَّار فيدخلها ويروون عَن بعض السّلف أكبر الْكَبَائِر لَا الله من مكر الله والقنوط من رَحْمَة
стр. 157
وَذكر الإِمَام أَحْمد عَن عون بن عبد الله أَو غَيره أَنه سمع رجلا يَدْعُو الْهم لَا تؤمني مكرك فَأنْكر ذَلِك وَقَالَ قل اللَّهُمَّ لَا تجعلني مِمَّن يَأْمَن مكرك وبنوا ذَلِك على أصلهم الْبَاطِل وَهُوَ إِنْكَار الْحِكْمَة وَالتَّعْلِيل والأسباب وَأَن الله لَا يفعل لحكمة وَلَا سَبَب وَإِنَّمَا يفعل بِمَشِيئَة مُجَرّدَة من الحكم وَالتَّعْلِيل وَالسَّبَب فَلَا يفعل لشَيْء وَلَا بِشَيْء وَأَنه لَا يجوز عَلَيْهِ أَن يعذب أهل طَاعَته أَشد الْعَذَاب وينعّم أعداءه وَأهل مَعْصِيَته بجزيل الثَّوَاب وَأَن الْأَمريْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ سَوَاء وَلَا يعلم امْتنَاع ذَلِك إِلَّا بِخَبَر من الصَّادِق أَنه لَا يَفْعَله فَحِينَئِذٍ يعلم امْتِنَاعه لوُقُوع الْخَبَر بِأَنَّهُ لَا يكون لَا لِأَنَّهُ فِي نَفسه بَاطِل وظلم فَإِن الظُّلم فِي نَفسه مُسْتَحِيل فَإِنَّهُ غير مُمكن بل هُوَ بِمَنْزِلَة جعل الْجِسْم الْوَاحِد فِي مكانين فِي آن وَاحِد وَالْجمع بَين اللَّيْل وَالنَّهَار فِي سَاعَة وَاحِدَة وَجعل الشَّيْء مَوْجُودا ومعدوما مَعًا فِي آن وَاحِد فَهَذَا حَقِيقَة الظُّلم عِنْدهم فَإِذا رَجَعَ الْعَامِل إِلَى نَفسه قَالَ من لَا يسْتَقرّ لَهُ أَمر وَلَا يُؤمن لَهُ مكر كَيفَ يوثق بالتقرّب إِلَيْهِ وَكَيف يعول على طاعنه واتّباع أوامره وَلَيْسَ لنا سوى هَذِه الْمدَّة الْيَسِيرَة فَإِذا هجرنا فِيهَا اللَّذَّات وَتَركنَا الشَّهَوَات وتكلفتا أثقال الْعِبَادَات وَكُنَّا مَعَ ذَلِك على غير ثِقَة مِنْهُ أَن يقلب علينا الْإِيمَان كفرا والتوحيد شركا وَالطَّاعَة مَعْصِيّة وَالْبر فجورا ويديم علينا الْعُقُوبَات كُنَّا خاسرين فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَإِذا استحكم هَذَا الِاعْتِقَاد فِي قُلُوبهم وتخمّر فِي نُفُوسهم صَارُوا إِذا أمروا بالطاعات وهجر اللَّذَّات بِمَنْزِلَة إِنْسَان جعل يَقُول لوَلَده معلمك إِن كتبت وأحسنت وتأدبت وَلم تعصه رُبمَا أَقَامَ لَك حجَّة وعاقبك وَإِن كسلت وَبَطلَت وتعطلت وَتركت مَا أَمرك بِهِ رُبمَا قربك وأكرمك فيودع بِهَذَا القَوْل قلب الصَّبِي مَا لَا يَثِق بعده إِلَى وَعِيد الْمعلم على الْإِسَاءَة وَلَا وعده على الْإِحْسَان وَإِن كبر الصَّبِي وَصلح للمعاملات والمناصب قَالَ لَهُ هَذَا سُلْطَان بلدنا يَأْخُذ اللص من الْحَبْس فَيَجْعَلهُ وزيرا أَمِيرا وَيَأْخُذ الكيّس المحسن لشغله فيخلّده الْحَبْس ويقتله ويصلبه فَإِذا قَالَ لَهُ ذَلِك أَو حشه سُلْطَانه وَجعله على غير ثِقَة من وعده ووعيده وأزال محبته من قلبه وَجعله يخافه مَخَافَة الظَّالِم الَّذِي يَأْخُذ المحسن بالعقوبة
стр. 158
والبريء بِالْعَذَابِ فأفلس هَذَا الْمِسْكِين من اعْتِقَاد كَون الْأَعْمَال نافعة أَو ضارة فَلَا بِفعل الْخَيْر يسْتَأْنس وَلَا بِفعل الشَّرّ يستوحش وَهل فِي التنفير عَن الله وتبغيضه إِلَى عباده أَكثر من هَذَا وَلَو اجْتهد الْمَلَاحِدَة على تبغيض الدّين والتنفير عَن الله لما أَتَوا بِأَكْثَرَ من هَذَا وَصَاحب هَذِه الطَّرِيقَة يظنّ أَنه يُقرر التَّوْحِيد وَالْقدر وَيرد على أهل الْبدع وينصر الدّين ولعمر الله الْعَدو الْعَاقِل أقل ضَرَرا من الصّديق الْجَاهِل وَكتب الله الْمنزلَة كلهَا وَرُسُله كلهم شَهَادَة بضد ذَلِك وَلَا سِيمَا الْقُرْآن فَلَو سلك الدعاة المسلك الَّذِي دَعَا الله وَرَسُوله بِهِ النَّاس إِلَيْهِ لصلح الْعَالم صلاحا لَا فَسَاد مَعَه فَالله سُبْحَانَهُ أخبر وَهُوَ الصَّادِق الوفي أَنه إِنَّمَا يُعَامل النَّاس بكسبهم ويجازيهم بأعمالهم وَلَا يخَاف المحسن ليده ظلما وَلَا هضما وَلَا يخَاف بخسا وَلَا رهقا وَلَا يضيع عمل محسن أبدا وَلَا يضيع على العَبْد مِثْقَال ذرة لَا يظلمها وَإِن تَكُ حَسَنَة يُضَاعِفهَا وَيُؤْت من لَدنه أجرا عَظِيما وَإِن كَانَ مِثْقَال حَبَّة من خَرْدَل جازاه بهَا وَلَا يضيعها عَلَيْهِ وَأَنه يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ مثلهَا ويحبطها بِالتَّوْبَةِ والندم وَالِاسْتِغْفَار والحسنات والمصائب وَيجْزِي بِالْحَسَنَة عشر أَمْثَالهَا ويضاعفها إِلَى سَبْعمِائة ضعف إِلَى أَضْعَاف كَثِيرَة وَهُوَ الَّذِي أصلح الفاسدين وَأَقْبل بقلوب المعرضين وَتَابَ على المذنبين وَهدى الضَّالّين وأنقذ الهالكين وَعلم الْجَاهِلين وبصر المتحيزين وَذكر الغافلين وآوى الشاردين وَإِذا أوقع عقَابا أوقعه بعد شدَّة التمرد والعتو عَلَيْهِ ودعوة العَبْد إِلَى الرُّجُوع إِلَى إِلَيْهِ وَالْإِقْرَار بربوبيته وَحقه مرّة بعد مرّة حَتَّى إِذا يأس من استجابته وَالْإِقْرَار بربوبيته ووحدانيته أَخذه بِبَعْض كفره وعتوّه وتمرّده بِحَيْثُ يعْذر العَبْد من نَفسه ويعترف بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لم يَظْلمه وَأَنه هُوَ الظَّالِم لنَفسِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى عَن أهل النَّار فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ وَقَالَ عَمَّن أهلكهم فِي الدُّنْيَا أَنهم لما رَأَوْا آيَاته وأحسوا حصيدا بعذابه قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ وَقَالَ أَصْحَاب الْجنَّة الَّتِي أفسدها عَلَيْهِم لما رأوها
стр. 159
﴿قَالُوا﴾ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ قَالَ الْحسن لقد دخلُوا النَّار وإنّ حَمده لفي قُلُوبهم مَا وجدوا عَلَيْهِ حجَّة وَلَا سَبِيلا وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى نقطع دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَهَذِهِ الْجُمْلَة فِي مَوضِع الْحَال أَي قطع دابرهم حَال كَونه سُبْحَانَهُ مَحْمُودًا على ذَلِك فَقطع دابرهم قطعا مصاحبا لحمده فَهُوَ قطع وإهلاك يحمد عَلَيْهِ الرب تَعَالَى لَكمَا حكمته وعدله وَوَضعه الْعقُوبَة فِي موضعهَا الَّذِي لَا يَلِيق بِهِ غَيرهَا فوضعها فِي الْموضع الَّذِي يَقُول من علم الْحَال لَا تلِيق الْعقُوبَة إِلَّا بِهَذَا الْمحل وَلَا يَلِيق بِهِ إِلَّا الْعقُوبَة وَلِهَذَا قَالَ عقيب إخْبَاره عَن الحكم بَين عباده ومصير أهل السَّعَادَة إِلَى الْجنَّة وَأهل الشَّقَاء إِلَى النَّار وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمد لله رب الْعَالَمِينَ فَحذف فَاعل القَوْل إشعارا بِالْعُمُومِ وَأَن الْكَوْن كُله قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لما شاهدوا من حِكْمَة الْحق وعدله وفضله وَلِهَذَا قَالَ فِي حق أهل النَّار قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّم كَأَن الْكَوْن كُله يَقُول ذَلِك حَتَّى تَقوله أعضاؤهم وأرواحهم وأرضهم وسماؤهم وَهُوَ سُبْحَانَهُ بِخَبَر أَنه إِذا هلك أعداءه أنجى أولياءه وَلَا يعمهم بِالْهَلَاكِ بمحض الْمَشِيئَة وَلما سَأَلَهُ نوح نجاة ابْنه أخبر أَنه يغرقه بِسوء عمله وكفره وَلم يقل إِنِّي أغرقه بمحض مشيئتي وإرادتي بِلَا سَبَب وَلَا ذَنْب وَقد ضمن سُبْحَانَهُ زِيَادَة الْهِدَايَة للمجاهدين فِي سبله وَلم يخبر أَنه يضلهم وَيبْطل سَعْيهمْ وَكَذَلِكَ ضمن زِيَادَة الْهِدَايَة لِلْمُتقين الَّذين يتبعُون رضوانه وَأخْبر أَنه لَا يضل إِلَّا الْفَاسِقين الَّذين ينقضون عَهده من بعد ميثاقه وَأَنه إِنَّمَا يضل من آثر الضلال وَاخْتَارَهُ على الْهدى فيطبع حِينَئِذٍ على سَمعه وَقَلبه وَأَنه يقلب قلب من لم يرض بهداه إِذا جَاءَهُ وَلم يُؤمن بِهِ وَدفعه وردّه فيقلب فُؤَاده وبصره عُقُوبَة لَهُ على رده وَدفعه لما تحَققه وعرفه وَأَنه سُبْحَانَهُ لَو علم فِي تِلْكَ الْمحَال الَّتِي حكم عَلَيْهَا بالضلال والشقاء خيرا لأفهمها وهداها وَلكنهَا لَا تصلح لنعمته وَلَا تلِيق بهَا كرامته وَقد أزاح سُبْحَانَهُ الْعِلَل وَأقَام الْحجَج ومكّن من أَسبَاب الْهِدَايَة وَأَنه لَا يضل إِلَّا الْفَاسِقين والظالمين وَلَا يطبع
стр. 160
إِلَّا على قُلُوب الْمُعْتَدِينَ وَلَا يركس فِي الْفِتْنَة إِلَّا الْمُنَافِقين بكسبهم وَأَن الرين الَّذِي غطى بِهِ قُلُوب الْكفَّار وَهُوَ عين كسبهم وأعمالهم كَمَا قَالَ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ وَقَالَ عَن أعدائه من الْيَهُود وَقَالُوا قُلُوبنَا غلف بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ وَأخْبر أَنه لَا يضل من هداه حَتَّى يبن لَهُ مَا يَتَّقِي فيختار لشقوته وَسُوء طَبِيعَته الضلال على الْهدى والغي على الرشاد وَيكون مَعَ نَفسه وشيطانه وعدو ربه عَلَيْهِ
وَأما الْمَكْر الَّذِي وصف بِهِ نَفسه فَهُوَ مجازاته للماكرين بأوليائه وَرُسُله فيقابل مَكْرهمْ السيء بمكره الْحسن فَيكون الْمَكْر مِنْهُم أقبح شَيْء وَمِنْه أحسن شيءلأنه عدل ومجازاة وَكَذَلِكَ المخادعة مِنْهُ جَزَاء على مخادعة رسله أوليائه فَلَا أحسن من تِلْكَ المخادعة وَالْمَكْر وَأما كَون الرجل يعْمل بِعَمَل أهل الْجنَّة حَتَّى مَا يكون بَينه وَبَينهَا إِلَّا ذِرَاع فَيَسْبق عَلَيْهِ الْكتاب فَإِن هَذَا عمل أهل الْجنَّة فِيمَا يظْهر للنَّاس وَلَو كَانَ عملا صَالحا مَقْبُولًا للجنة قد أحبه الله ورضيه لم يُبطلهُ عَلَيْهِ وَقَوله لم يبْق بَينه وَبَينهَا إِلَّا ذِرَاع يشكل على هَذَا التَّأْوِيل فَيُقَال لما كَانَ الْعَمَل بِآخِرهِ وخاتمته لم يصبر هَذَا الْعَامِل على عمله حَتَّى يتم لَهُ بل كَانَ فِيهِ آفَة كامنة ونكتة خذل بهَا فِي آخر عمره فخانته تِلْكَ الآفة والداهية والباطنة فِي وَقت الْحَاجة فَرجع إِلَى مُوجبهَا وعملت عَملهَا وَلَو لم يكن هُنَاكَ غش وَآفَة لم يقلب الله إيمَانه لقد أوردهُ مَعَ صدقه فِيهِ وإخلاصه بِغَيْر سَبَب مِنْهُ يَقْتَضِي إفساده عَلَيْهِ وَالله يعلم من سَائِر الْعباد مَا لَا يُعلمهُ بَعضهم من بعض
وَأما شَأْن إِبْلِيس فَإِن الله سُبْحَانَهُ قَالَ للْمَلَائكَة إِنِّي أَعْلَمُ مَالا تعلمُونَ فالرب تَعَالَى كَانَ يعلم مَا فِي قلب إِبْلِيس من الْكفْر وَالْكبر والحسد مَالا يُعلمهُ الْمَلَائِكَة فَلَمَّا أمروا بِالسُّجُود ظهر مَا فِي قُلُوبهم من الطَّاعَة والمحبة والخشية والانقياد فبادروا إِلَى الِامْتِثَال وَظهر مَا فِي قلب عدوه من الْكبر والغش والحسد فَأبى واستكبر وَكَانَ من الْكَافرين
стр. 161
وَأما خوف أوليائه من مكره فَحق فَإِنَّهُم يخَافُونَ أَن يخذلهم بِذُنُوبِهِمْ وخطاياهم فيصيرون إِلَى الشَّقَاء فخوفهم من ذنوبهم ورجاؤهم لِرَحْمَتِهِ وَقَوله أفأمنوا مكر الله إِنَّمَا هُوَ فِي حق الْفجار وَالْكفَّار وَمعنى الْآيَة فَلَا يعْصى ويأمن مُقَابلَة الله لَهُ على مكر السَّيِّئَات بمكره بِهِ إِلَّا الْقَوْم الخاسرون وَالَّذِي يخافه العارفون بِاللَّه من مكره أَن يُؤَخر عَنْهُم عَذَاب الْأَفْعَال فَيحصل مِنْهُم نوع اغترار فيأنسوا بِالذنُوبِ فيجيئهم الْعَذَاب على غرّة وفترة وَأمر آخر وَهُوَ أَن يغفلوا عَنهُ وينسوا ذكره فيتخلى عَنْهُم إِذا تخلوا عَن ذكره وطاعته فيسرع إِلَيْهِم الْبلَاء والفتنة فَيكون مكره بهم تخليه عَنْهُم وَأمر آخر أَن يعلم من ذنوبهم وعيوبهم مَا لَا يعلمونه من نُفُوسهم فيأتيهم الْمَكْر من حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ وَأمر آخر أَن يمتحنهم ويبتليهم بِمَا لَا صَبر لَهُم عَلَيْهِ فيفتنون بِهِ وَذَلِكَ مكر
فصل السّنة شَجَرَة والشهور فروعها وَالْأَيَّام أَغْصَانهَا والساعات أوراقها
والأنفاس ثَمَرهَا فَمن كَانَت أنفاسه فِي طَاعَة فثمرة شجرته طيبَة وَمن كَانَت فِي مَعْصِيّة فثمرته حنظل وَإِنَّمَا يكون الجداد يَوْم الْمعَاد فَعِنْدَ الجداد يتَبَيَّن حُلْو الثِّمَار من مرّها وَالْإِخْلَاص والتوحيد شَجَرَة فِي الْقلب فروعها الْأَعْمَال وَثَمَرهَا طيب الْحَيَاة فِي الدُّنْيَا وَالنَّعِيم الْمُقِيم فِي الْآخِرَة وكما أَن ثمار الْجنَّة لَا مَقْطُوعَة وَلَا مَمْنُوعَة فثمرة التَّوْحِيد وَالْإِخْلَاص فِي الدُّنْيَا كَذَلِك والشرك وَالْكذب والرياء شَجَرَة فِي الْقلب ثَمَرهَا فِي لدُنْيَا وَالْخَوْف والهم وَالْغَم وضيق الصَّدْر وظلمة الْقلب وَثَمَرهَا فِي الْآخِرَة الزقّوم وَالْعَذَاب الْمُقِيم وَقد ذكر الله هَاتين الشجرتين فِي سُورَة إِبْرَاهِيم
فصل إِذا بلغ العَبْد أعْطى عَهده الَّذِي عَهده إِلَيْهِ خالقه ومالكه فَإِذا أَخذ
عَهده بِقُوَّة وَقبُول
стр. 162
وعزم على تَنْفِيذ مَا فِيهِ صلح للمراتب والمناصب الَّتِي يصلح لَهَا الموفون بعهودهم فَإِذا هز نَفسه عِنْد أَخذ الْعَهْد وانتحاها وَقَالَ قد أُهِّلْت لعهد رَبِّي فَمن أولى بقبوله وفهمه وتنفيذه مني فحرص أَولا على فهم عَهده وتدبره وتعرفه وَصَايَا سَيّده لَهُ ثمَّ وطّن نَفسه على امْتِثَال مَا فِي عَهده وَالْعَمَل بِهِ وتنفيذه حَسْبَمَا تضمنه عَهده فأبصر بِقَلْبِه حَقِيقَة الْعَهْد وَمَا تضمنه فاستحدث همة أُخْرَى وعزيمة غير الْعَزِيمَة الَّتِي كَانَ فِيهَا وَقت الصِّبَا قبل وُصُول الْعَهْد فاستقال من ظلمَة غرَّة الصِّبَا والانقياد للْعَادَة والمنشأ وصبر على شرف الهمة وهتك ستر الظلمَة إِلَى نور الْيَقِين فَأدْرك بِقدر صبره وَصدق اجْتِهَاده مَا وهبه الله لَهُ من فَضله فَأول مَرَاتِب سعادته أَن تكون لَهُ أذن وَاعِيَة وقلب يعقل مَا تعيه الْأذن فَإِذا سمع وعقل واستبانت لَهُ الجادة وَرَأى عَلَيْهَا تِلْكَ الْأَعْلَام وَرَأى أَكثر النَّاس منحرفين عَنْهَا يَمِينا وَشمَالًا فلزمها وَلم ينحرف مَعَ المنحرفين الَّذين كَانَ سَبَب انحرافهم عدم قبُول الْعَهْد أَو قبلوه بكره وَلم يأخذوه بِقُوَّة وَلَا عَزِيمَة وَلَا حدثوا أنفسهم بفهمه وتدبره وَالْعَمَل بِمَا فِيهِ وتنفيذ وَصَايَاهُ بل عرض غيهم الْعَهْد وَمَعَهُمْ ضراوة الصِّبَا وَدين الْعَادة وَمَا ألفوا عَلَيْهِ الْآبَاء والأمهات فتلقوا الْعَهْد تلقي من هُوَ مكتف بِمَا وجد عَلَيْهِ آباءه وسلفه وعادتهم لَا تَكْفِي من يجمع همه وَقَلبه على فهم الْعَهْد وَالْعَمَل بِهِ حَتَّى كَأَن ذَلِك الْعَهْد أَتَاهُ وَحده وَقيل لَهُ تَأمل مَا فِيهِ ثمَّ اعْمَلْ بِمُوجبِه فَإِذا لم يتلق عَهده هَذَا التلقي أخلد إِلَى سير الْقَرَابَة وَمَا استمرت عَلَيْهِ عَادَة أَهله وَأَصْحَابه وجيرانه وَأهل بَلَده فَإِن علت همته أخلد إِلَى مَا عَلَيْهِ سلفه وَمن تقدمه من غير الْتِفَات إِلَى تدبر الْعَهْد وفهمه فَرضِي لنَفسِهِ أَن يكون دينه دين الْعَادة فَإِذا شامه الشَّيْطَان وَرَأى هَذَا مبلغ همته وعزيمته رَمَاه بالعصبية وَالْحمية للآباء وسلفه وزيّن لَهُ أَن هَذَا هُوَ الْحق وَمَا خَالفه بَاطِل وَمثل لَهُ الْهدى فِي صُورَة الضلال والضلال فِي صُورَة الْهدى بِتِلْكَ العصبية وَالْحمية الَّتِي أسست على غير علم فرضاه أَن يكون مَعَ عشيرته وَقَومه لَهُ مَا لَهُم وَعَلِيهِ مَا عَلَيْهِم فخذل عَن الْهدى وولاه الله مَا تولّى فَلَو جَاءَهُ كل هدى يُخَالف قومه وعشيرته لم يره
стр. 163
إِلَّا ضَلَالَة وَإِذا كَانَت همته أَعلَى من ذَلِك وَنَفسه أشرف وَقدره أَعلَى أقبل على حفظ عَهده وفهمه وتدبره وَعلم أَن لصَاحب الْعَهْد شَأْنًا لَيْسَ كشأن غَيره فَأخذ نَفسه بمعرفته من نفس الْعَهْد فَوَجَدَهُ قد تعرف إِلَيْهِ وعرفه نَفسه وَصِفَاته وأسماءه وأفعاله وَأَحْكَامه فَعرف من ذَلِك الْعَهْد قيوما بِنَفسِهِ مُقيما لغيره غَنِيا عَن كل مَا سواهُ وكل مَا سواهُ فَقير إِلَيْهِ مستو على عَرْشه فَوق جَمِيع خلقه يرى وَيسمع ويرضى ويغضب وَيُحب وَيبغض وَيُدبر أَمر مَمْلَكَته وَهُوَ فَوق عَرْشه مُتَكَلم آمُر ناه يُرْسل رسله إِلَى أقطار مَمْلَكَته بِكَلَامِهِ الَّذِي يسمعهُ من يَشَاء من خلقه وَأَنه قَائِم بِالْقِسْطِ مُجاز بِالْإِحْسَانِ والإساءة وَأَنه حَلِيم غَفُور شكور جواد محسن مَوْصُوف بِكُل كَمَال منزه عَن كل عيب وَنقص وَأَنه لَا مثل لَهُ وَيشْهد حكمته فِي تَدْبِير مَمْلَكَته وَكَيف يقدر مقاديره بِمَشِيئَة غير مضادة لعدله وحكمته وتظاهر عِنْده الْعقل وَالشَّرْع والفطرة فَصدق كل مِنْهُمَا صَاحِبيهِ وَفهم عَن الله سُبْحَانَهُ مَا وصف بِهِ نَفسه فِي كِتَابه من حقائق أَسْمَائِهِ الَّتِي بهَا نزل الْكتاب وَبهَا نطق وَلها أثبت وحقق وَبهَا تعرف إِلَّا عباده حَتَّى أقرّت بِهِ الْعُقُول وَشهِدت بِهِ الْفطر فَإِذا عرف بِقَلْبِه وتيقن صِفَات صَاحب الْعَهْد وأشرقت أنوارها على قلبه فَصَارَت لَهُ كالمعاينة فَرَأى حِينَئِذٍ تعلقهَا بالخلق وَالْأَمر وارتباطهما بهَا وسريان آثارهما فِي الْعَالم الْحسي والعالم الروحي وَرَأى تصرفها فِي الْخَلَائق كَيفَ عمّت وخصّت وقرّبت وأبعدت وأعطت ومنعت فشاهد بِقَلْبِه مواقع عدله سُبْحَانَهُ وقسطه وفضله وَرَحمته وَاجْتمعَ لَهُ الْإِيمَان بِلُزُوم حجَّته مَعَ نُفُوذ أقضيته وَكَمَال قدرته مَعَ كَمَال عدله وحكمته وَنِهَايَة علوّه على جَمِيع خلقه مَعَ إحاطته ومعيّته وعظمته وجلاله وكبريائه وبطشه وانتقامه مَعَ رَحمته وبره ولطفه وجوده وعفوه وحلمه وَرَأى لُزُوم الْحجَّة مَعَ قهر الْمَقَادِير الَّتِي لَا خُرُوج لمخلوق عَنْهَا وَكَيف اصطحاب الصِّفَات وتوافقها وَشَهَادَة بَعْضهَا لبَعض وانعطاف الْحِكْمَة الَّتِي هِيَ نِهَايَة وَغَايَة على الْمَقَادِير الَّتِي هِيَ أول وبداية وَرُجُوع فروعها إِلَى أُصُولهَا ومبادئها إِلَى
стр. 164
غاياتها حَتَّى كَأَنَّهُ مشَاهد مبادىء الْحِكْمَة وتأسيس القضايا على وفْق الْحِكْمَة وَالْعدْل والمصلحة وَالرَّحْمَة وَالْإِحْسَان لَا تخرج قَضِيَّة عَن ذَلِك إِلَى انْقِضَاء الأكوان وانفصال الْأَحْكَام يَوْم الْفَصْل بَين الْعباد وَظُهُور عدله وحكمته وَصدق رسله وَمَا أخْبرت بِهِ عَنهُ لجَمِيع الخليقة انسها وجنّها مؤمنها وكافرها وَحِينَئِذٍ يتَبَيَّن من صِفَات جَلَاله ونعوت كَمَاله لِلْخلقِ مَا لم يَكُونُوا يعرفونه قبل ذَلِك حَتَّى إِن أعرف خلقه بِهِ فِي الدُّنْيَا يثني عَلَيْهِ يَوْمئِذٍ من صِفَات كَمَاله ونعوت جَلَاله مَا لم يكن يُحسنهُ فِي الدُّنْيَا وكما يظْهر ذَلِك لخلقه تظهر لَهُم الْأَسْبَاب الَّتِي بهَا زاغ الزائغون وضلّ الضالّون وَانْقطع المنقطعون فَيكون الْفرق بَين الْعلم يَوْمئِذٍ بحقائق الْأَسْمَاء وَالصِّفَات الْعلم بهَا فِي الدُّنْيَا كالفرق بَين الْعلم بِالْجنَّةِ وَالنَّار ومشاهدتهما وَأعظم من ذَلِك وَكَذَلِكَ يفهم من العَبْد كَيفَ اقْتَضَت أسماؤه وَصِفَاته لوُجُود النُّبُوَّة والشرائع وَأَن لَا يتْرك خلقه سدى وَكَيف اقْتَضَت مَا تضمّنته من الْأَوَامِر والنواهي وَكَيف اقْتَضَت وُقُوع الثَّوَاب وَالْعِقَاب والمعاد وَأَن ذَلِك من مُوجبَات أَسْمَائِهِ وَصِفَاته بِحَيْثُ ينزّه عَمَّا زعم أعداؤه من إِنْكَار ذَلِك وَيرى شُمُول الْقُدْرَة وإحاطتها بِجَمِيعِ الكائنات حَتَّى لَا يشذّ عَنْهَا مِثْقَال ذرة وَيرى أَنه لَو كَانَ مَعَه إِلَه آخر لفسد هَذَا الْعَالم فَكَانَت تفْسد السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمن فِيهِنَّ وَأَنه سُبْحَانَهُ لَو جَازَ عَلَيْهِ النّوم أَو الْمَوْت لتدكدك هَذَا الْعَالم بأسره وَلم يثبت طرفَة عين وَيرى ذَلِك الْإِسْلَام وَالْإِيمَان اللَّذين تعبّد الله بهما جَمِيع عباده كَيفَ انبعاثهما من الصِّفَات المقدسة وَكَيف اقتضيا الثَّوَاب وَالْعِقَاب عَاجلا وآجلا وَيرى مَعَ ذَلِك أَنه لَا يَسْتَقِيم قبُول هَذَا الْعَهْد والتزامه لمن جحد صِفَاته وَأنكر علوه على خلقه وتكلمه بكتبه وعهوده كَمَا لَا يَسْتَقِيم قبُوله لمن أنكر حَقِيقَة سَمعه وبصره وحياته وإرادته وقوته وَأَن هَؤُلَاءِ هم الَّذين ردوا عَهده وأبوا قبُوله وَأَن من قبلهم مِنْهُم لم يقبله بِجَمِيعِ مَا فِيهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
стр. 165
فصل خلق بدن ابْن آدم من الأَرْض وروحه من ملكوت السَّمَاء وَقرن بَينهمَا
فَإِذا أجاع بدنه وأسهره وأقامه فِي الْخدمَة وجدت روحه خفَّة وراحة فتاقت إِلَى الْموضع الَّذِي خلقت مِنْهُ واشتاقت إِلَى عالمها الْعلوِي وَإِذا أشبعه ونعّمه ونومه واشتغل بخدمته وراحته أخلد الْبدن إِلَى الْموضع الَّذِي خلق مِنْهُ فانجذبت الرّوح مَعَه فَصَارَت فِي السجْن فلولا أَنَّهَا ألفت السجْن لاستغاثت من ألم وفارقتها وانقطاعها عَن عالمها الَّذِي خلقت مِنْهُ كَمَا يستغيث المعذّب
وَبِالْجُمْلَةِ فَكَمَا خف الْبدن لطفت الرّوح وَخفت وَطلبت عالمها الْعلوِي وَكلما ثقل وأخلد إِلَى الشَّهَوَات والراحة ثقلت الرّوح وهبطت من عالمها وَصَارَت أرضية سفليّة فترى الرجل روحه فِي الرفيق الْأَعْلَى وبدنه عنْدك فَيكون نَائِما على فرَاشه وروحه عِنْد سِدْرَة الْمُنْتَهى تجول حول الْعَرْش وَآخر وَاقِف فِي الْخدمَة بِبدنِهِ وروحه فِي السّفل تجول حول السفليات فَإِذا فَارَقت الرّوح الْبدن التحقت برفيقها الْأَعْلَى أَو الْأَدْنَى فَعِنْدَ الرفيق الْأَعْلَى كل قرّة عين وكل نعيم وسرور وبهجة وَلَذَّة وحياة طيبَة وَعند الرفيق الْأَسْفَل كل هم وغم وضيق وحزن وحياة نكدة ومعيشة ضنك قَالَ تَعَالَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ معيشة ضنكا فذِكْره كَلَامه الَّذِي أنزلهُ على رَسُوله والإعراض عَنهُ ترك تدبره وَالْعَمَل بِهِ والمعيشة الضنك فَأكْثر مَا جَاءَ فِي التَّفْسِير أَنَّهَا عَذَاب الْقَبْر قَالَه ابْن مَسْعُود وَأَبُو هُرَيْرَة وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ وَابْن عَبَّاس وَفِيه حَدِيث مَرْفُوع وأصل الضنك فِي اللُّغَة الضّيق والشدة وكل مَا ضَاقَ فَهُوَ ضنك يُقَال منزل ضنك وعيش الضنك فَهَذِهِ الْمَعيشَة الضنك فِي مُقَابلَة التوسيع على النَّفس وَالْبدن بالشهوات وَاللَّذَّات والراحة فَإِن النَّفس كلما وسعت عَلَيْهَا ضيّقت على الْقلب حَتَّى تصير معيشة ضنكا وَكلما ضيّقت عَلَيْهَا وسعت على الْقلب حَتَّى ينشرح وينفسخ فضنك الْمَعيشَة فِي
стр. 166
الدُّنْيَا بِمُوجب التَّقْوَى سعتها فِي البرزخ وَالْآخِرَة وسعة الْمَعيشَة فِي الدُّنْيَا بِحكم الْهوى ضنكها فِي البرزخ وَالْآخِرَة فآثر أحسن المعيشتين وأطيبهما وأدومهما وأشق الْبدن بنعيم الرّوح وَلَا تشق الرّوح بنعيم الْبدن فَإِن نعيم الرّوح وشقاءها أعظم وأدوم ونعيم الْبدن وشقاؤه أقصر وأهون وَالله الْمُسْتَعَان
الْعَارِف لَا يَأْمر النَّاس بترك الدُّنْيَا فَإِنَّهُم لَا يقدرُونَ على تَركهَا وَلَكِن يَأْمُرهُم بترك الذُّنُوب مَعَ إقامتهم على دنياهم فَترك الدُّنْيَا فَضِيلَة وَترك الذُّنُوب فَرِيضَة فَكيف يُؤمر بالفضيلة من لم يقم الْفَرِيضَة فَإِن صَعب عَلَيْهِم ترك الذُّنُوب فاجتهد أَن تحبب الله إِلَيْهِم بِذكر آلائه وإنعامه وإحسانه وصفات كَمَاله ونعوت جَلَاله فَإِن الْقُلُوب مفطورة على محبته فَإِذا تعلّقت بحبه هان عَلَيْهَا ترك الذُّنُوب والاستقلال مِنْهَا والإصرار عَلَيْهَا وَقد قَالَ يحيى بن معَاذ طلب الْعَاقِل للدنيا خير من ترك الْجَاهِل لَهَا الْعَارِف يَدْعُو النَّاس إِلَى الله من دنياهم فتسهل عَلَيْهِم الْإِجَابَة والزاهد يَدعُوهُم إِلَى الله بترك الدُّنْيَا فتشق عَلَيْهِم الْإِجَابَة فَإِن الْفِطَام عَن الثدي الَّذِي مَا عقل الْإِنْسَان نَفسه إِلَّا وَهُوَ يرتضع مِنْهُ شَدِيد وَلَكِن بِخَير من المرضعات أزكاهن وأفضلهن فَإِن للبن تَأْثِيرا فِي طبيعة المرتضع ورضاع الْمَرْأَة الحمقى يعود بحمق الْوَلَد وأنفع الرضَاعَة مَا كَانَ من المجاعة فَإِن قويت على مرَارَة الْفِطَام وَإِلَّا فارتضع بِقدر فَإِن من البشم مَا يقتل
فصل بَين رِعَايَة الْحُقُوق مَعَ الضّر ورعايتها مَعَ الْعَافِيَة بون بعيد إِن عَبدِي
كل عَبدِي الَّذِي يذكرنِي وَهُوَ ملاق قرنه يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ لَيْسَ الْعجب من صَحِيح فارغ وَاقِف مَعَ الْخدمَة إِنَّمَا الْعجب من ضَعِيف سقيم تعتوره الأشغال وتختلف عَلَيْهِ الْأَحْوَال وَقَلبه وَاقِف فِي الْخدمَة غير متخلف بِمَا يقدر عَلَيْهِ
стр. 167
فصل معرفَة الله سُبْحَانَهُ نَوْعَانِ معرفَة إِقْرَار وَهِي الَّتِي اشْترك فِيهَا النَّاس
الْبر والفاجر والمطيع والعاصي وَالثَّانِي معرفَة توجب الْحيَاء مِنْهُ والمحبة لَهُ وَتعلق الْقلب بِهِ والشوق إِلَى لِقَائِه وخشيته والإنابة إِلَيْهِ والأنس بِهِ والفرار من الْخلق إِلَيْهِ وَهَذِه هِيَ الْمعرفَة الْخَالِصَة الْجَارِيَة على لسن الْقَوْم وتفاوتهم فيهالا يُحْصِيه إِلَّا الَّذِي عرفهم بِنَفسِهِ وكشف لقُلُوبِهِمْ من مَعْرفَته مَا أخفاه عَن سواهُم وكل أَشَارَ إِلَى هَذِه الْمعرفَة بِحَسب مقَامه وَمَا كشف لَهُ مِنْهَا وَقد قَالَ أعرف الْخلق بِهِ لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْك أَنْت كَمَا أثنيت على نَفسك وَأخْبر أَنه سُبْحَانَهُ يفتح عَلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة من محامده بِمَا لَا يُحسنهُ الْآن
ولهذه الْمعرفَة بَابَانِ واسعان بَاب التفكّر والتأمّل فِي آيَات الْقُرْآن كلهَا والفهم الْخَاص عَن الله وَرَسُوله وَالْبَاب الثَّانِي التفكّر فِي آيَاته المشهودة وَتَأمل حكمته فِيهَا وَقدرته ولطفه وإحسانه وعدله وقيامه بِالْقِسْطِ على خلقه وجماع ذَلِك الْفِقْه فِي مَعَاني أَسْمَائِهِ الْحسنى وجلالها وكمالها وتفرّده بذلك وتعلّقها بالخلق وَالْأَمر فَيكون فَقِيها فِي أوامره ونواهيه فَقِيها فِي قَضَائِهِ وَقدره فَقِيها فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاته فَقِيها فِي الحكم الديني الشَّرْعِيّ وَالْحكم الكوني القدري وَذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
فصل الدَّرَاهِم أَرْبَعَة دَرَاهِم اكْتسب بِطَاعَة الله وَأخرج فِي حق الله فَذَاك خير
الدَّرَاهِم وَدِرْهَم اكْتسب بِمَعْصِيَة الله وَأخرج فِي مَعْصِيّة الله فَذَاك شَرّ الدَّرَاهِم وَدِرْهَم اكْتسب بأذى مُسلم وَأخرج فِي أَذَى مُسلم فَهُوَ كَذَلِك وَدِرْهَم اكْتسب بمباح وَأنْفق فِي شَهْوَة مُبَاحَة فَذَاك لَا لَهُ وَلَا عَلَيْهِ هَذِه أصُول الدَّرَاهِم ويتفرّع
стр. 168
عَلَيْهَا داهم أخر مِنْهَا دِرْهَم اكْتسب بِحَق وَأنْفق فِي بَاطِل وَدِرْهَم اكْتسب بباطل وَأنْفق فِي حق فإنفاقه كفّارته وَدِرْهَم اكْتسب من شُبْهَة فكفّارته أَن ينْفق فِي طَاعَة وكما يتَعَلَّق الثَّوَاب وَالْعِقَاب والمدح والذم بِإِخْرَاج الدِّرْهَم فَكَذَلِك يتَعَلَّق باكتسابه وَكَذَلِكَ يسْأَل عَنهُ مستخرجه ومصروفه من أَيْن اكْتَسبهُ وَفِيمَا أنفقهُ
فصل الْمُوَاسَاة لِلْمُؤمنِ أَنْوَاع مواساة بِالْمَالِ ومواساة الجاه ومواساة
بِالْبدنِ والخدمة ومواساة بِالنَّصِيحَةِ والإرشاد ومواساة بِالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَار لَهُم ومواساة بالتوجع لَهُم على قدر الْإِيمَان تكون هَذِه الْمُوَاسَاة فَكلما ضعف الْإِيمَان ضعفت الْمُوَاسَاة وَكلما قوي قويت وَكَانَ رَسُول الله أعظم النَّاس مواساة لأَصْحَابه بذلك كُله فلأتباعه من الْمُوَاسَاة بِحَسب اتّباعهم لَهُ ودخلوا على بشر الحافي فِي يَوْم شَدِيد الْبرد وَقد تجرد وَهُوَ ينتفض فَقَالُوا مَا هَذَا يَا أَبَا نصر فَقَالَ ذكرت الْفُقَرَاء وبردهم وَلَيْسَ لي مَا أواسيهم بِهِ فَأَحْبَبْت أَن أواسيهم فِي بردهمْ
فصل الْجَهْل بِالطَّرِيقِ وآفاتها وَالْمَقْصُود يُوجب التَّعَب الْكثير مَعَ الْفَائِدَة
القليلة فَإِن صَاحبه إِمَّا أَن يجْتَهد فِي نَافِلَة مَعَ إِضَاعَة الْفَرْض أَو فِي عمل بالجوارح لم يواطئه عمل الْقلب أَو عمل بالباطن وَالظَّاهِر لم يتَقَيَّد بالاقتداء أَو همة إِلَى عمل لم ترق بصاحبها إِلَى مُلَاحظَة الْمَقْصُود أَو عمل لم يتحرز من آفاته الْمفْسدَة لَهُ حَال الْعَمَل وَبعده أَو عمل غفل فِيهِ عَن مُشَاهدَة المنّة فَلم يتجرّد عَن مُشَاركَة النَّفس فِيهِ أَو عمل لم يشْهد تَقْصِيره فِيهِ فَيقوم بعده فِي مقَام الِاعْتِذَار مِنْهُ أَو عمل لم يوفّه حَقه من النصح وَالْإِحْسَان وَهُوَ يظنّ أنّه وفّاه فَهَذَا كُله مِمَّا ينقص الثَّمَرَة مَعَ كَثْرَة التَّعَب وَالله الموفّق
стр. 169
فصل إِذا عزم العَبْد على السّفر إِلَى الله تَعَالَى وإرادته عرضت لَهُ الخوادع
والقواطع فينخدع أَولا بالشهوات والرياسات والملاذ والمناكح والملابس فَإِن وقف مَعهَا انْقَطع وَإِن رفضها وَلم يقف مَعهَا وَصدق فِي طلبه ابْتُلِيَ بِوَطْء عقبه وتقبيل يَده والتوسعة لَهُ فِي الْمجْلس وَالْإِشَارَة إِلَيْهِ بِالدُّعَاءِ ورجاء بركته وَنَحْو ذَلِك فَإِن وقف مَعَه وَانْقطع بِهِ عَن الله وَكَانَ حَظه مِنْهُ وَإِن قطعه وَلم يقف مَعَه ابْتُلِيَ بالكرامات والكشوفات فَإِن وقف مَعهَا انْقَطع بهَا عَن الله وَكَانَت حَظه إِن لم يقف مَعهَا ابْتُلِيَ بالتجريد والتخلي وَلَذَّة الجمعية وَعزة الْوحدَة والفراغ من الدُّنْيَا فَإِن وقف مَعَ ذَلِك انْقَطع الْمَقْصُود وَإِن لم يقف مَعَه وَسَار نَاظرا إِلَى مُرَاد الله مِنْهُ وَمَا يُحِبهُ مِنْهُ بِحَيْثُ يكون عَبده الْمَوْقُوف على محابّه ومراضيه أَيْن كَانَت وَكَيف كَانَت تَعب بهَا أَو استراح تنعّم أَو تألّم أخرجته إِلَى النَّاس أَو عزلته عَنْهُم لَا يخْتَار لنَفسِهِ غير مَا يختاره لَهُ وليه وسيده وَاقِف مَعَ أمره ينفذهُ بِحَسب الْإِمْكَان وَنَفسه عِنْده أَهْون عَلَيْهِ أَن يقدم راحتها ولذتها على مرضاة سَيّده وَأمره فَهَذَا هُوَ العَبْد الَّذِي قد وصل وَنفذ وَلم يقطعهُ عَن سَيّده شَيْء وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
فصل النعم ثَلَاثَة نعْمَة حَاصِلَة يعلم بهَا العَبْد ونعمة منتظرة يرجوها ونعمة
وَهُوَ فِيهَا لَا يشْعر بهَا فَإِذا أَرَادَ الله إتْمَام نعْمَته على عَبده عرّفه نعْمَته الْحَاضِرَة وَأَعْطَاهُ من شكره قيدا بِهِ حَتَّى لَا تشرد فَإِنَّهَا تشرد بالمعصية وتقيّد بالشكر ورفقة لعمل يستجلب بِهِ النِّعْمَة المنتظرة وبصَّره بالطرق الَّتِي تسدها وتقطع طريقها ورفقة لاجتنابها وَإِذا بهَا قد وافت إِلَيْهِ على أتم الْوُجُوه وعرّفه النعم الَّتِي
стр. 170
هُوَ فِيهَا فَلَا يشْعر بهَا ويحكى أَن أَعْرَابِيًا دخل على الرشيد فَقَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ ثبّت الله عَلَيْك النعم الَّتِي أَنْت فِيهَا بإدامة شكرها وحقق لَك النعم الَّتِي ترجوها بِحسن الظَّن بِهِ ودوام طَاعَته وعرّفك النعم الَّتِي أَنْت فِيهَا وَلَا تعرفها لتشكرها فأعجبه ذَلِك مِنْهُ وَقَالَ مَا أحسن تقسيمه
قَاعِدَة جليلة مبدأ كل علم نَظَرِي وَعمل اخْتِيَاري هُوَ الخواطر والأفكار فَإِنَّهَا
توجب التصورات والتصورات تَدْعُو إِلَى الإيرادات والإيرادات تَقْتَضِي وُقُوع الْفِعْل وَكَثْرَة تكراره تُعْطِي الْعدة فصلح هَذِه الْمَرَاتِب بصلاح الخواطر والأفكار وفسادها بفسادها فصلاح الخواطر بِأَن تكون مراقبة لوَلِيّهَا وإلهها صاعدة إِلَيْهِ دَائِرَة على مرضاته ومحابّه فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ بِهِ كل صَلَاح وَمن عِنْده كل هدى وَمن توفيقه كل رشد وَمن توليه لعَبْدِهِ كل حفظ وَمن تولّيه وإعراضه عَنهُ كل ضلال وشقاء فيضفر العَبْد بِكُل خير وَهدى ورشد بِقدر إِثْبَات عين فكرته فِي آلائه ونعمه وتوحيده وطرق مَعْرفَته وطرق عبوديته وإنزاله إِيَّاه حَاضرا مَعَه مشاهدا لَهُ نَاظرا إِلَيْهِ رقيبا عَلَيْهِ مطّلعا على خواطره وإرادته وهمّه فَحِينَئِذٍ يستحي مِنْهُ ويجله أَن يطلعه مِنْهُ على عَورَة يكره أَن يطلع عَلَيْهَا مَخْلُوق مثله أَو يرى نَفسه خاطرا يمقته عَلَيْهِ
فَمَتَى أنزل ربه هَذِه الْمنزلَة مِنْهُ رَفعه وقرّبه مِنْهُ وأكرمه واجتباه وولاه وبقدر ذَلِك يبعد عَن الأوساخ والدناآت والخواطر الرَّديئَة والأفكار الدنيئة كَمَا أَنه بعد مِنْهُ وَأعْرض عَنهُ وَقرب من الأوساخ والدناآت والأقذار وَيقطع عَن جَمِيع الكمالات ويتصل بِجَمِيعِ النقائص فالإنسان خير الْمَخْلُوقَات إِذا تقرّب من بارئه وَالْتزم أوامره ونواهيه وَعمل بمرضاته وآثره على هَوَاهُ
стр. 171
وشرّ الْمَخْلُوقَات إِذا تبَاعد عَنهُ وَلم يَتَحَرَّك قلبه لقُرْبه وطاعته وابتغاء مرضاته فَمَتَى اخْتَار التقرّب إِلَيْهِ وآثره على نَفسه وهواه فقد حكم قلبه عقله وإيمانه على نَفسه وشيطانه وحكّم رشده على غيّه وهداه على هَوَاهُ وَمَتى اخْتَار التباعد مِنْهُ فقد حكم نَفسه وهواه وشيطانه على عقله وَقَلبه ورشده
وَأعلم أَن الخاطرات والوساوس تُؤدِّي متعلقاتها إِلَى الْفِكر فيأخذها الْفِكر فيؤديها إِلَى التَّذَكُّر فيأخذها الذّكر فيؤديها إِلَى الْإِرَادَة فتأخذها الْإِرَادَة فتؤديها إِلَى الْجَوَارِح وَالْعَمَل فتستحكم فَتَصِير عَادَة فرّدها من مبادئها أسهل من قطعهَا بعد قوتها وتمامها وَمَعْلُوم أَنه لم يُعْط الْإِنْسَان إماتة الخواطر وَلَا الْقُوَّة على قطعهَا فَإِنَّهَا تهجم عَلَيْهِ هجوم النَّفس إِلَّا أَن قُوَّة الْإِيمَان وَالْعقل تعينه على قبُول أحْسنهَا وَرضَاهُ بِهِ ومساكنته لَهُ وعَلى رفع أقبحها وكراهته لَهُ نفرته مِنْهُ كَمَا قَالَ الصَّحَابَة يَا رَسُول الله إِن أَحَدنَا يجد فِي نَفسه مَا لِأَن يَحْتَرِق حَتَّى يصير حممة أحب إِلَيْهِ من أَن يتَكَلَّم بِهِ فَقَالَ أَو قد وجدتموه قَالُوا نعم قَالَ ذَاك صَرِيح الْإِيمَان وَفِي لفظ الْحَمد لله الَّذِي رد كَيده إِلَى الوسوسة وَفِيه قَولَانِ أَحدهمَا أَن رده وكراهيته صَرِيح الْإِيمَان وَالثَّانِي أَن وجوده وإلقاء الشَّيْطَان لَهُ فِي النَّفس صَرِيح الْإِيمَان فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَلْقَاهُ فِي النَّفس طلبا لمعارضة الْإِيمَان وإزالته بِهِ وَقد خلق الله سُبْحَانَهُ النَّفس شَبيهَة بالرحا الدائرة الَّتِي لَا تسكن وَلَا بُد لَهَا من شَيْء تطحنه فَإِن وضع فِيهَا حب طحنته وَإِن وضع فِيهَا تُرَاب أَو حصا طحنته فلأفكار والخواطر الَّتِي تجول فِي النَّفس هِيَ بِمَنْزِلَة الْحبّ الَّذِي يوضع فِي الرحا وَلَا تبقى تِلْكَ الرحا معطلة قطّ بل لَا بُد لَهَا من شَيْء يوضع فِيهَا فَمن النَّاس من تطحن رحاه حبا يخرج دَقِيقًا ينفع بِهِ نَفسه وَغَيره وَأَكْثَرهم يطحن رملا وحصا وتبنا وَنَحْو ذَلِك فَإِذا جَاءَ وَقت العجن وَالْخبْز تبيّن لَهُ حَقِيقَة طحينه
стр. 172
فصل فَإِذا دفعت الخاطر الْوَارِد عَلَيْك انْدفع عَنْك مَا بعده وَإِن قبلته صَار
فكرا جوّالا فاستخدم الْإِرَادَة فتساعدت هِيَ والفكر على اسْتِخْدَام الْجَوَارِح فَإِن تعذّر استخدامها رجعا إِلَى الْقلب بالمني والشهوة وتوجهه إِلَى جِهَة المُرَاد وَمن الْمَعْلُوم أَن إصْلَاح الخواطر أسهل من إصْلَاح الأفكار وَإِصْلَاح الأفكار أسهل من إصْلَاح الإرادات وَإِصْلَاح الإرادات أسهل من تدارك فَسَاد الْعَمَل وتداركه أسهل من قطع العوائد فأنفع الدَّوَاء أَن تشغل نَفسك بالفكر فِيمَا يَعْنِيك دون مَالا يَعْنِيك فالفكر فِيمَا لَا يَعْنِي بَاب كل شَرّ وَمن فكّر فِيمَا لَا يعنيه فَاتَهُ مَا يعنيه واشتغل عَن أَنْفَع الْأَشْيَاء لَهُ بِمَا لَا مَنْفَعَة لَهُ فِيهِ فالفكر والخواطر والإرادة والهمة أَحَق شَيْء بإصلاحه من نَفسك فَإِن هَذِه خاصتك وحقيقتك الَّتِي تبتعد بهَا أَو تقرب من إلهك ومعبودك الَّذِي لَا سَعَادَة لَك إِلَّا فِي قربه وَرضَاهُ عَنْك وكل الشَّقَاء فِي بعْدك عَنهُ وَسخطه عَلَيْك وَمن كَانَ فِي خواطره ومجالات فكره دنيئا خسيسا لم يكن فِي سَائِر أمره إِلَّا كَذَلِك وَإِيَّاك أَن تمكّن الشَّيْطَان من بَيت أفكارك وإرادتك فَإِنَّهُ يُفْسِدهَا عَلَيْك فَسَادًا يصعب تَدَارُكه ويلقي إِلَيْك أَنْوَاع الوساوس والأفكار المضرّة ويحول بَيْنك وَبَين الْفِكر فِيمَا ينفعك وَأَنت الَّذِي أعنته على نَفسك بتمكينه من قَلْبك وخواطرك فملكها عَلَيْك فمثالك مَعَه مِثَال صَاحب رَحا يطحن فِيهَا جيّد الْحُبُوب فَأَتَاهُ شخص مَعَه حمل تُرَاب وبعر وفحم وغثاء ليطحنه فِي طاحونته فَإِن طرده وَلم يُمكنهُ من إِلْقَاء مَا مَعَه فِي الطاحون اسْتمرّ على طحن مَا يَنْفَعهُ وَإِن مكنه فِي إِلْقَاء ذَلِك فِي الطاحون أفسد مَا فِيهَا من الْحبّ وَخرج الطحين كُله فَاسِدا وَالَّذِي يلقيه الشَّيْطَان فِي النَّفس لَا يخرج عَن الْفِكر فِيمَا كَانَ وَدخل الْوُجُود لَو كَانَ على خلاف وَذَلِكَ وَفِيمَا لم يكن لَو كَانَ كَيفَ كَانَ يكون أَو فِيمَا يملك الْفِكر فِيهِ من أَنْوَاع
стр. 173
الْفَوَاحِش وَالْحرَام أَو فِي خيالات وهمية لاحقيقة لَهَا وَإِمَّا فِي بَاطِل أَو فِيمَا لَا سَبِيل إِلَى إِدْرَاكه من أَنْوَاع مَا طوى عَنهُ علمه فيلقيه فِي تِلْكَ الخواطر الَّتِي لَا يبلغ مِنْهَا غَايَة وَلَا يقف مِنْهَا على نِهَايَة فَيجْعَل ذَلِك مجَال فكره ومسرح وهمه
وجماع إصْلَاح ذَلِك أَن تشغل فكرك فِي بَاب الْعُلُوم والتصورات بِمَعْرِِفَة مَا يلزمك التَّوْحِيد وحقوقه وَفِي الْمَوْت وَمَا بعده إِلَى الدُّخُول إِلَى الْجنَّة وَالنَّار وَفِي آفَات الْأَعْمَال وطرق التَّحَرُّز مِنْهَا وَفِي بَاب الإرادات والعزوم أَن تشغل نَفسك بِإِرَادَة مَا ينفعك إِرَادَته وَطرح إِرَادَة مَا يَضرك إِرَادَته وَعند العارفين أَن تمني الْخِيَانَة وإشغال الْفِكر وَالْقلب بهَا أضرّ على الْقلب من نفس الْخِيَانَة وَلَا سِيمَا إِذا فرغ قلبه مِنْهَا بعد مباشرتها فَإِن تمنيها يشغل الْقلب بهَا ويملؤه مِنْهَا ويجعلها همه وَمرَاده وَأَنت تَجِد فِي الشَّاهِد أَن الْملك من الْبشر إِذا كَانَ فِي بعض حَاشِيَته وخدمه من هُوَ متمن لخيانته مَشْغُول الْقلب والفكر بهَا ممتلىء مِنْهَا وَهُوَ مَعَ ذَلِك فِي خدمته وَقَضَاء أشغاله فَإِذا اطّلع على سره وَقصد مقته غَايَة المقت وأبغضه وقابله بِمَا يستحقّه وَكَانَ أبْغض إِلَيْهِ من رجل بعيد عَنهُ جنى بعض الْجِنَايَات وَقَلبه وسره مَعَ الْملك غير منطو على تمنّي الْخِيَانَة ومحبتها والحرص عَلَيْهَا فالأوّل يَتْرُكهَا عَجزا واشتغالا بِمَا هُوَ فِيهِ وَقَلبه ممتلىء بهَا وَالثَّانِي يَفْعَلهَا وَقَلبه كَارِه لَهَا لَيْسَ فِيهِ إِضْمَار الْخِيَانَة وَلَا الْإِصْرَار عَلَيْهَا فَهَذَا أحسن حَالا وَأسلم عَاقِبَة من الأول
وَبِالْجُمْلَةِ فالقلب لَا يَخْلُو من الْفِكر وَأما فِي وَاجِب آخرته ومصالحها وَإِمَّا فِي مصَالح دُنْيَاهُ ومعاشه وَإِمَّا فِي الوساوس والأماني الْبَاطِلَة والمقدرات الْمَفْرُوضَة وَقد تقدم أَن النَّفس مثلهَا كَمثل رَحا تَدور بِمَا يلقى فِيهَا فَإِن ألقيت فِيهَا حبا دارت بِهِ وَإِن ألقيت فِيهَا زجاجا وحصا وبعرا دارت بِهِ وَالله سُبْحَانَهُ هُوَ قيم تِلْكَ الرحا ومالكها ومصرّفها وَقد أَقَامَ لَهَا ملكا يلقِي فِيهَا مَا ينفعها فتدور بِهِ شَيْطَانا يلقِي فِيهَا مَا يَضرهَا فتدور بِهِ فالملك يلم بهَا مرّة والشيطان يلم بهَا مرّة فالحب الَّذِي يَقِيه
стр. 174
الْملك إيعاد بِالْخَيرِ وتصديق بالوعد وَالْحب الَّذِي يلقيه الشَّيْطَان إيعاد بِالشَّرِّ وَتَكْذيب بالوعد والطحين على قدر الْحبّ وَصَاحب الْحبّ المضر لَا يتَمَكَّن من إلقائه إِلَّا إِذا وجد الرَّحَى فارغة من الْحبّ النافع وقيمها قد أهملها وَأعْرض عَنْهَا فَحِينَئِذٍ يُبَادر إِلَى إِلْقَاء مَا مَعَه فِيهَا
وَبِالْجُمْلَةِ فقيم الرحا إِذا تخلى عَنْهَا وَعَن إصلاحها وإلقاء الْحبّ النافع فِيهَا وجد الْعَدو السَّبِيل إِلَى إفسادها وإرادتها بِمَا مَعَه وأصل صَلَاح هَذِه الرَّحَى بالاشتغال بِمَا يَعْنِيك وفسادها كُله فِي الِاشْتِغَال بِمَا لَا يَعْنِيك وَمَا أحسن مَا قَالَ بعض الْعُقَلَاء لما وجدت أَنْوَاع الذَّخَائِر مَنْصُوبَة غَرضا للمتألف وَرَأَيْت الزَّوَال حَاكما عَلَيْهَا مدْركا لَهَا انصرفت عَن جَمِيعهَا إِلَى مَا لَا يُنَازع فِيهِ الحجا أَنه أَنْفَع الذَّخَائِر وَأفضل المكاسب وأربح المتاجر وَالله الْمُسْتَعَان
قَالَ شَقِيق بن إِبْرَاهِيم أغلق بَاب التَّوْفِيق عَن الْخلق من سِتَّة أَشْيَاء اشتغالهم بِالنعْمَةِ عَن شكرها ورغبتهم فِي الْعلم وتركهم الْعَمَل والمسارعة إِلَى الذَّنب وَتَأْخِير التَّوْبَة والاغترار بِصُحْبَة الصَّالِحين وَترك الِاقْتِدَاء بفعالهم وإدبار الدُّنْيَا عَنْهُم وهم يتبعونها وإقبال الْآخِرَة عَلَيْهِم وهم معرضون عَنْهَا قلت وأصل ذَلِك عدم الرَّغْبَة والرهبة وَأَصله ضعف الْيَقِين وَأَصله ضعف البصيرة وَأَصله مهانة النَّفس ودناءتها واستبدال الَّذِي هُوَ أدنى بِالَّذِي هُوَ خير وَإِلَّا فَلَو كَانَت النَّفس شريفة كَبِيرَة لم ترض بالدون فَأصل الْخَيْر كُله بِتَوْفِيق الله ومشيئته وَشرف النَّفس ونبلها وكبرها وأصل الشَّرّ خستها ودناءتها وصغرها قَالَ تَعَالَى قَدْ أَفْلح من زكاها وَقد خَابَ من دساها أَي أَفْلح من كبرها وكثرها ونماها بِطَاعَة الله وخاب من صغرها وحقرها بمعاصي الله فالنفوس الشَّرِيفَة لَا ترْضى من الْأَشْيَاء إِلَّا بِأَعْلَاهَا وأفضلها وأحمدها عَاقِبَة والنفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات وَتَقَع عَلَيْهَا كَمَا يَقع الذُّبَاب على الأقذار فَالنَّفْس الشَّرِيفَة الْعلية لَا ترْضى بالظلم وَلَا بالفواحش وَلَا بِالسَّرقَةِ والخيانة لِأَنَّهَا أكبر من ذَلِك وأجلّ وَالنَّفس المهينة
стр. 175
الحقيرة والخسيسة بالضد من ذَلِك فَكل نفس تميل إِلَى مَا يُنَاسِبهَا ويشاكلها وَهَذَا معنى قَوْله تَعَالَى قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِه أَي على مَا يشاكله ويناسبه فَهُوَ يعْمل على طَرِيقَته الَّتِي تناسب أخلاقه وطبيعته وكل إِنْسَان يجْرِي على طَرِيقَته ومذهبه وعادته الَّتِي ألفها وجبل عَلَيْهَا فالفاجر يعْمل بِمَا يشبه طَرِيقَته من مُقَابلَة النعم بِالْمَعَاصِي والإعراض عَن النعم وَالْمُؤمن يعْمل بِمَا يشاكله من شكر النعم ومحبته وَالثنَاء عَلَيْهِ والتودد إِلَيْهِ وَالْحيَاء مِنْهُ والمراقبة لَهُ وتعظيمه وإجلاله فصل
من لم يعرف نَفسه كَيفَ يعرف خالقه فَاعْلَم أَن الله تَعَالَى خلق فِي صدرك بَيْتا وَهُوَ الْقلب وَوضع فِي صَدره عرشا لمعرفته يَسْتَوِي عَلَيْهِ الْمثل الْأَعْلَى فَهُوَ مستو على عَرْشه بِذَاتِهِ بَائِن من خلقه والمثل الْأَعْلَى من مَعْرفَته ومحبته وتوحيده مستو على سَرِير الْقلب وعَلى السرير بِسَاط من الرِّضَا وَوضع عَن يَمِينه وشماله مرافق شرائعه وأوامره وَفتح إِلَيْهِ بَابا من جنَّة رَحمته والأنس بِهِ والشوق إِلَى لِقَائِه وأمطره من وابل كَلَامه مَا أنبت فِيهِ أَصْنَاف الرياحين وَالْأَشْجَار المثمرة من أَنْوَاع الطَّاعَات والتهليل وَالتَّسْبِيح والتحميد وَالتَّقْدِيس وَجعل فِي وسط الْبُسْتَان شَجَرَة معرفَة فَهِيَ تُؤْتِي أكلهَا كل حِين بِإِذْنِ رَبِّهَا من الْمحبَّة والإنابة والخشية والفرح بِهِ والابتهاج بِقُرْبِهِ وأجرى إِلَى تِلْكَ الشَّجَرَة مَا يسقيها من تَدْبِير كَلَامه وفهمه وَالْعَمَل بوصاياه وعلّق فِي ذَلِك الْبَيْت قِنْدِيلًا أسرجه بضياء مَعْرفَته وَالْإِيمَان بِهِ وتوحيده فَهُوَ يستمد من شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تمسسه نَار ثمَّ أحَاط عَلَيْهِ حَائِطا يمنعهُ من دُخُول الْآفَات والمفسدين وَمن يُؤْذِي الْبُسْتَان فَلَا يلْحقهُ إِذا هم وَأقَام عَلَيْهِ حرسا من الْمَلَائِكَة يَحْفَظُونَهُ فِي يقظته ومنامه ثمَّ أعلم صَاحب الْبَيْت والبستان بالساكن فِيهِ فَهُوَ دَائِما همه إصْلَاح السكن وَلم شعثه ليرضاه السَّاكِن منزلا وَإِذا أحس بِأَدْنَى شعث فِي السكن
стр. 176
بَادر إِلَى إِصْلَاحه ولمّه خشيَة انْتِقَال السَّاكِن مِنْهُ فَنعم السَّاكِن وَنعم الْمسكن فسبحان الله رب الْعَالمين كم بَين هَذَا الْبَيْت وَبَيت قد استولى عَلَيْهِ الخراب وَصَارَ مأوى للحشرات والهوام ومحلا لإلقاء الأنتان والقاذورات فِيهِ فَمن أَرَادَ التخلي وَقَضَاء الْحَاجة وجد خربة لَا سَاكن فِيهَا وَلَا حَافظ لَهَا وَهِي معدة لقَضَاء الْحَاجة مظْلمَة الأرجاء مُنْتِنَة الرَّائِحَة قد عمّها الخراب وملأتها القاذورات فَلَا يأنس بهَا وَلَا ينزل فِيهَا إِلَّا من يُنَاسِبه سكناهَا من الحشرات والديدان والهوام الشَّيْطَان جَالس على سريرها وعَلى السرير بِسَاط من الْجَهْل وتخفق فِيهِ الْأَهْوَاء وَعم يَمِينه وشماله مرافق الشَّهَوَات وَقد فتح إِلَيْهِ بَاب من حقل الخذلان والوحشة والركون إِلَى الدُّنْيَا والطمأنينة بهَا والزهد فِي الْآخِرَة وأمطر من وابل الْجَهْل والهوى والشرك والبدع وَمَا أنبت فِيهِ أَصْنَاف الشوك والحنظل وَالْأَشْجَار المثمرة بأنواع الْمعاصِي والمخالفات من الزَّوَائِد والتنديبات والنوادر والهزليات والمضحكات والأشعار الغزليات والخمريات الَّتِي تهيج على ارْتِكَاب الْمُحرمَات وتزهد فِي الطَّاعَات وَجعل فِي وسط الحقل شَجَرَة الْجَهْل بِهِ والإعراض عَنهُ فَهِيَ تؤتي أكلهَا كل حِين من الفسوق والمعاصي وَاللَّهْو واللعب والمجون والذهاب مَعَ كل ريح واتّباع كل شَهْوَة وَمن ثَمَرهَا الْعُمُوم والغموم وَالْأَحْزَان والآلام وَلكنهَا متوارية بإشغال النَّفس بلهوها ولعبها فَإِذا أفاقت من سكرها أحضرت كل هم وغم وحزن وقلق ومعيشة ضنك وأجرى إِلَى تِلْكَ الشَّجَرَة مَا يسقيها من اتّباع الْهوى وَطول الأمل والغرور ثمَّ ترك ذَلِك الْبَيْت وظلماته وخراب حيطانه بِحَيْثُ لَا يمْنَع مِنْهُ مُفسد وَلَا حَيَوَان وَلَا مؤذ وَلَا قذر فسبحان خَالق هَذَا الْبَيْت وَذَلِكَ الْبَيْت فَمن عرف بَيته وَقدر السَّاكِن فِيهِ وقدّر مَا فِيهِ من الْكُنُوز والذخائر والآلات انْتفع بحياته وَنَفسه وَمن جهل ذَلِك جهل نَفسه وأضاع سعادته وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
سَأَلَ سهل التسترِي الرجل يَأْكُل فِي الْيَوْم أَكلَة قَالَ أكل الصديقين قيل لَهُ فأكلتين قَالَ أكل الْمُؤمنِينَ قيل لَهُ فَثَلَاث أكلات فَقَالَ قل لأَهله يبنوا
стр. 177
لَهُ معلفا قَالَ الْأسود بن سَالم رَكْعَتَيْنِ أصليهما لله أحب إِلَيّ من الْجنَّة بِمَا فِيهَا فَقيل لَهُ هَذَا خطأ فَقَالَ دَعونَا من كلامكم الْجنَّة رضى نَفسِي والركعتان رضى رَبِّي ورضى رَبِّي أحب إِلَيّ من رضى نَفسِي الْعَارِف فِي الأَرْض رَيْحَانَة من رياحين الْجنَّة إِذا شمها المريد اشتاقت نَفسه إِلَى الْجنَّة قلب الْمُحب بَين جلال محبوبه وجماله فَإِذا لاحظ جَلَاله هابه وعظّمه وَإِذا لاحظ جماله أحبه واشتاق إِلَيْهِ
فَائِدَة من النَّاس من يعرف الله بالجود والإفضال وَالْإِحْسَان وَمِنْهُم من يعرفهُ
بِالْعَفو والحلم والتجاوز وَمِنْهُم من يعرفهُ بالبطش والانتقام وَمِنْهُم من يعرفهُ بِالْعلمِ وَالْحكمَة وَمِنْه من يعرفهُ بِالْعِزَّةِ والكبرياء وَمِنْهُم من يعرفهُ بِالرَّحْمَةِ وَالْبر واللطف وَمِنْهُم من يعرفهُ بالقهر وَالْملك وَمِنْهُم من يعرفهُ بإجابة دَعوته وإغاثة لهفته وَقَضَاء حَاجته وأعم هَؤُلَاءِ معرفَة من عرفه من كَلَامه فَإِنَّهُ يعرف رَبًّا قد اجْتمعت لَهُ صِفَات الْكَمَال ونعوت الْجلَال منزّه عَن الْمِثَال برِئ من النقائص والعيوب لَهُ كل اسْم حسن وكل وصف كَمَال فعّال لما يُرِيد فَوق كل شَيْء وَمَعَ كل شَيْء وقادر على كل شَيْء ومقيم لكل شَيْء آمرناه مُتَكَلم بكلماته الدِّينِيَّة والكونية أكبر من كل شَيْء وأجمل من كل شَيْء أرْحم الرَّاحِمِينَ وأقدر القادرين وَأحكم الْحَاكِمين فالقرآن أنزل لتعريف عباده بِهِ وبصراطه الْموصل إِلَيْهِ وبحال السالكين بعد الْوُصُول إِلَيْهِ
فَائِدَة من الْآفَات الْخفية الْعَامَّة أَن يكون العَبْد فِي نعْمَة أنعم الله بهَا
عَلَيْهِ واختارها لَهُ فيملها العَبْد وَيطْلب الِانْتِقَال مِنْهَا إِلَى مَا يزْعم لجهله أَنه خير لَهُ مِنْهَا وربه برحمته لَا يُخرجهُ من تِلْكَ النِّعْمَة وبعذره بجهله وَسُوء اخْتِيَاره لنَفسِهِ حَتَّى إِذا ضَاقَ ذرعا
стр. 178
بِتِلْكَ النِّعْمَة وسخطها وتبرّم بهَا واستحكم ملكه لَهَا سلبه الله إِيَّاهَا فَإِذا انْتقل إِلَى مَا طلبه وَرَأى التَّفَاوُت بَين مَا كَانَ فِيهِ وَمَا صَار إِلَيْهِ اشْتَدَّ قلقه وندمه وَطلب العودة إِلَى مَا كَانَ فِيهِ فَإِذا أَرَادَ الله بِعَبْدِهِ خيرا ورشدا أشهده أَن مَا هُوَ فِيهِ نعْمَة من نعمه عَلَيْهِ وَرضَاهُ بِهِ وأوزعه شكره عَلَيْهِ فَإِذا حدثته نَفسه بالانتقال عَنهُ استخار ربه استخارة جَاهِل بمصلحته عَاجز عَنْهَا مفوض إِلَى الله طَالب مِنْهُ حسن اخْتِيَاره لَهُ وَلَيْسَ على العَبْد أضرّ من ملله لنعم الله فَإِنَّهُ لَا يَرَاهَا نعْمَة وَلَا يشكره عَلَيْهَا وَلَا يفرح بهَا بل يسخطها ويشكوها ويعدّها مُصِيبَة هَذَا وَهِي من أعظم نعم الله عَلَيْهِ فَأكْثر النَّاس أَعدَاء نعم الله عَلَيْهِم وَلَا يَشْعُرُونَ بِفَتْح الله عَلَيْهِم نعمه وهم مجتهدون فِي دَفعهَا وردهَا جهلا وظلما فكم من سعت إِلَى أحدهم من نعْمَة وَهُوَ ساع فِي ردهَا بِجهْدِهِ وَكم وصلت إِلَيْهِ وَهُوَ ساع فِي دَفعهَا وزوالها بظلمه وجهله قَالَ تَعَالَى ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَقَالَ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ فَلَيْسَ للنعم أعدى من نفس العَبْد فَهُوَ مَعَ عدوه ظهير على نَفسه فعدوه يطْرَح النَّار فِي نعمه وَهُوَ ينْفخ فِيهَا فَهُوَ الَّذِي مكّنه من طرح النَّار ثمَّ أَعَانَهُ بالنفخ فَإِذا اشتدّ ضرامها اسْتَغَاثَ من الْحَرِيق وَكَانَ غَايَته معاتبة الأقدار
وعاجز الرَّأْي مضياع لفرصته ... حَتَّى إِذا فَاتَ أَمر عَاتب القدرا
فصل وَمن أعز أَنْوَاع الْمعرفَة معرفَة الرب سُبْحَانَهُ بالجمال وَهِي معرفَة خَواص
الْخلق وَكلهمْ عرفه بِصفة من صِفَاته وأتمهم معرفَة من عرفه بِكَمَالِهِ وجلاله وجماله سُبْحَانَهُ لَيْسَ كمثله شَيْء فِي سَائِر صِفَاته وَلَو فرضت الْخلق كلهم على أجملهم صُورَة وَكلهمْ على تِلْكَ الصُّورَة ونسبت جمَالهمْ الظَّاهِر وَالْبَاطِن إِلَى جمال الرب سُبْحَانَهُ لَكَانَ أقل من نِسْبَة سراج ضَعِيف إِلَى قرص الشَّمْس وَيَكْفِي فِي جماله أَنه لَو كشف الْحجاب
стр. 179
عَن وَجهه لأحرقت سُبْحَانَهُ مَا انْتهى إِلَيْهِ بَصَره من خلقه وَيَكْفِي فِي جماله أَن كل جمال ظَاهر وباطن فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَمن آثَار صَنعته فَمَا الظَّن بِمن صدر عَنهُ هَذَا الْجمال وَيَكْفِي فِي جماله أَنه لَهُ الْعِزَّة جَمِيعًا وَالْقُوَّة جَمِيعًا والجود كُله وَالْإِحْسَان كُله وَالْعلم كُله وَالْفضل كُله ولنور وَجهه أشرقت الظُّلُمَات كَمَا قَالَ النَّبِي فِي دُعَاء الطَّائِف أعوذ بِنور وَجهك الَّذِي أشرقت لَهُ الظُّلُمَات وَصلح عَلَيْهِ أَمر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَقَالَ عبد الله بن مَسْعُود لَيْسَ عِنْد ربكُم ليل وَلَا نَهَار نور السَّمَوَات وَالْأَرْض من نور وَجهه فَهُوَ سُبْحَانَهُ نور السَّمَوَات وَالْأَرْض وَيَوْم الْقِيَامَة إِذا جَاءَ لفصل الْقَضَاء وتشرق الأَرْض بنوره وَمن أَسْمَائِهِ الْحسنى الْجَمِيل وَفِي الصَّحِيح عَنهُ إِن الله جميل يحب الْجمال
وجماله سُبْحَانَهُ على أَربع مَرَاتِب جمال الذَّات وجمال الصِّفَات وجمال الْأَفْعَال وجمال الْأَسْمَاء فأسماؤه كلهَا حسنى وَصِفَاته كلهَا صِفَات كَمَال وأفعاله كلهَا حِكْمَة ومصلحة وَعدل وَرَحْمَة وَأما جمال الذَّات وَمَا هُوَ عَلَيْهِ فَأمر لَا يُدْرِكهُ سواهُ وَلَا يُعلمهُ غَيره وَلَيْسَ عِنْد المخلوقين مِنْهُ إِلَّا تعريفات تعرّف بهَا إِلَى من أكْرمه من عباده فَإِن ذَلِك الْجمال مصون عَن الأغيار مَحْجُوب بستر الرِّدَاء والإزار كَمَا قَالَ رَسُوله فِيمَا يحْكى عَنهُ الْكِبْرِيَاء رِدَائي وَالْعَظَمَة إزَارِي وَلما كَانَت الْكِبْرِيَاء أعظم وأوسع كَانَت أَحَق باسم الرِّدَاء فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ الْكَبِير المتعال فَهُوَ سُبْحَانَهُ الْعلي الْعَظِيم قَالَ ابْن عَبَّاس حجب الذَّات بِالصِّفَاتِ وحجب الصِّفَات بالأفعال فَمَا ظَنك بِجَمَال حجب بأوصاف الْكَمَال وَستر بنعوت العظمة والجلال
وَمن هَذَا الْمَعْنى يفهم بعض مَعَاني جمال ذَاته فَإِن العَبْد يترقّى من معرفَة الْأَفْعَال إِلَى معرفَة الصِّفَات وَمن معرفَة الصِّفَات إِلَى معرفَة الذَّات فَإِذا شَاهد شَيْئا من جمال الْأَفْعَال اسْتدلَّ بِهِ على جمال الصِّفَات ثمَّ استبدل بِجَمَال الصِّفَات على جمال الذَّات وَمن هَهُنَا يتَبَيَّن أَنه سُبْحَانَهُ لَهُ الْحَمد كُله وَأَن أحدا من خلقه لَا يحصي ثَنَاء
стр. 180
عَلَيْهِ بل هُوَ كَمَا أثنى على نَفسه وَأَنه يسْتَحق أَن يعبد لذاته وَيُحب لذاته ويشكر لذاته وَأَنه سُبْحَانَهُ يحب نَفسه ويثني على نَفسه ويحمد نَفسه وَأَن محبته لنَفسِهِ وحمده لنَفسِهِ وثناءه وعَلى نَفسه وتوحيده لنَفسِهِ هُوَ فِي الْحَقِيقَة الْحَمد وَالثنَاء وَالْحب والتوحيد فَهُوَ سُبْحَانَهُ كَمَا أثنى على نَفسه وَفَوق مَا يثني بِهِ عَلَيْهِ خلقه وَهُوَ سُبْحَانَهُ كَمَا يحب كَمَا يحب ذَاته يحب صِفَاته وأفعاله فَكل أَفعاله حسن مَحْبُوب وَإِن كَانَ فِي مفعولاته مَا يبغضه ويكرهه فَلَيْسَ فِي أَفعاله مَا هُوَ مَكْرُوه مسخوط وَلَيْسَ فِي الْوُجُود مَا يحب لذاته ويحمد لذاته إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ وكل مَا يحب سواهُ فَإِن كَانَت محبته نابعة لمحبته سُبْحَانَهُ بِحَيْثُ يحب لأَجله فمحبته صَحِيحَة وَإِلَّا فَهِيَ محبَّة بَاطِلَة وَهَذَا هُوَ حَقِيقَة الإلهية فَإِن الْإِلَه الْحق هُوَ الَّذِي يحب لذاته ويحمد لذاته فَكيف إِذا انضاف إِلَى ذَلِك إحسانه وإنعامه وحلمه وتجاوزه وعفوه وبرّه وَرَحمته فعلى العَبْد أَن يعلم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله فَيُحِبهُ وَيَحْمَدهُ لذاته وكماله وَأَن يعلم أَنه لَا محسن على الْحَقِيقَة بأصناف النعم الظَّاهِرَة والباطنة إِلَّا هُوَ فَيُحِبهُ لإحسانه وإنعامه وَيَحْمَدهُ على ذَلِك فَيُحِبهُ من الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا وكما أَنه لَيْسَ كمثله شَيْء فَلَيْسَ كمحبته محبَّة والمحبة مَعَ الخضوع هِيَ الْعُبُودِيَّة الَّتِي خلق الْخلق لأَجلهَا فَإِنَّهَا غَايَة الْحبّ بغاية الذل وَلَا يصلح ذَلِك إِلَّا لَهُ سُبْحَانَهُ والإشراك بِهِ فِي هَذَا هُوَ الشّرك الَّذِي لَا يغفره الله وَلَا يقبل لصَاحبه عملا
وحمده يتَضَمَّن أصلين الْإِخْبَار بمحامده وصفات كَمَاله والمحبة لَهُ عَلَيْهَا فَمن أخبر بمحاسن غَيره من غير محبَّة لَهُ لم يكن حامدا وَمن أحبّه من غير إِخْبَار بمحاسنه لم يكن حامدا حَتَّى يجمع الْأَمريْنِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ يحمد نَفسه بِنَفسِهِ ويحمد نَفسه بِمَا يجريه على أَلْسِنَة الحامدين لَهُ من مَلَائكَته وأنبيائه وَرُسُله وعباده الْمُؤمنِينَ فَهُوَ الحامد لنَفسِهِ بِهَذَا وَهَذَا فَإِن حمدهم لَهُ بمشيئته وإذنه وتكوينه فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي جعل الحامد حامدا وَالْمُسلم مُسلما وَالْمُصَلي مُصَليا والتائب تَائِبًا فَمِنْهُ ابتدأت النعم واليه انْتَهَت فابتدأت بِحَمْدِهِ وانتهت إِلَى حَمده وَهُوَ الَّذِي ألهم عَبده التَّوْبَة وَفَرح
следующие страницы →