Полный текст (209 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قَالَ الشَّيْخ مُحي الدّين السنّة قامع الْبِدْعَة أَبُو عبد الله الشهير بِابْن قيّم الجوزيّة ﵀ ورضى عَنهُ
قَاعِدَة جليلة إِذا أردْت الِانْتِفَاع بِالْقُرْآنِ فاجمع قَلْبك عِنْد تِلَاوَته وسماعه
وأَلْقِ سَمعك واحضر حُضُور من يخاطبه بِهِ من تكلّم بِهِ سُبْحَانَهُ مِنْهُ إِلَيْهِ فانه خَاطب مِنْهُ لَك على لِسَان رَسُوله قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيد﴾ وَذَلِكَ أَن تَمام التَّأْثِير لمّا كَانَ مَوْقُوفا على مُؤثر مُقْتَض وَمحل قَابل وَشرط لحُصُول الْأَثر وَانْتِفَاء الْمَانِع الَّذِي يمْنَع مِنْهُ تضمّنت الْآيَة بَيَان ذَلِك كلّه بأوجز لفظ وأبينه وأدلّه على المُرَاد فَقَوله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى﴾ اشار إِلَى مَا تقدّم من أوّل السُّورَة الى هَهُنَا وَهَذَا هُوَ المؤثّر وَقَوله ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ فَهَذَا هُوَ الْمحل الْقَابِل وَالْمرَاد بِهِ الْقلب الحيّ الَّذِي يعقل عَن الله كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّا﴾ أَي حيّ الْقلب وَقَوله ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ أَي وجَّه سَمعه وأصغى حاسّة سَمعه إِلَى مَا يُقَال لَهُ وَهَذَا شَرط التأثّر بالْكلَام وَقَوله ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ أَي شَاهد الْقلب حَاضر غير غَائِب قَالَ ابْن قُتَيْبَة اسْتمع كتاب الله وَهُوَ شَاهد الْقلب والفهم لَيْسَ بغافل وَلَا ساه وَهُوَ إِشَارَة إِلَى الْمَانِع من حُصُول التَّأْثِير وَهُوَ سَهْو الْقلب وغيبته عَن تعقّل مَا يُقَال لَهُ وَالنَّظَر فِيهِ وتأمّله فَإِذا حصل الْمُؤثر وَهُوَ الْقُرْآن وَالْمحل الْقَابِل وَهُوَ الْقلب الْحَيّ وَوجد الشَّرْط وَهُوَ الإصغاء وانتفى الْمَانِع وَهُوَ اشْتِغَال الْقلب وذهوله عَن معنى الْخطاب وانصرافه عَنهُ إِلَى شَيْء آخر حصل الْأَثر وَهُوَ الِانْتِفَاع والتذكّر
стр. 2
فَإِن قيل إِذا كَانَ التَّأْثِير إِنَّمَا يتم بِمَجْمُوع هَذِه فَمَا وَجه دُخُول أَدَاة أَو فِي قَوْله
﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ والموضع مَوضِع وَاو الْجمع لَا مَوضِع أَو الَّتِي هِيَ لأحد الشَّيْئَيْنِ قيل هَذَا سُؤال جيّد وَالْجَوَاب عَنهُ أَن يُقَال خرج الْكَلَام بِأَو بِاعْتِبَار حَال الْمُخَاطب الْمَدْعُو فَإِن من النَّاس من يكون حَيّ الْقلب واعيه تَامّ الْفطْرَة فَإِذا فكَّر بِقَلْبِه وجال بفكره دلّه قلبه وعقله على صحّة الْقُرْآن وَأَنه الْحق وَشهد قلبه بِمَا أخبر بِهِ الْقُرْآن فَكَانَ وُرُود الْقُرْآن على قلبه نورا على نور الْفطْرَة وَهَذَا وصف الَّذين قيل فيهم ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحق﴾ وَقَالَ فِي حقّهم الله نور السَّمَوَات وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاء فَهَذَا نور الْفطْرَة على نور الْوَحْي وَهَذَا حَال صَاحب الْقلب الْحَيّ الواعي قَالَ ابْن الْقيم وَقد ذكرنَا مَا تضمّنت هَذِه الْآيَة من الْأَسْرَار والعبر فِي كتاب اجْتِمَاع الجيوش الإسلامية على غَزْو المعطّلة والجهميّة فَصَاحب الْقلب يجمع بَين قلبه وَبَين مَعَاني الْقُرْآن فيجدها كَأَنَّهَا قد كتبت فِيهِ فَهُوَ يَقْرَأها عَن ظَهْر قَلْب وَمن النَّاس من لَا يكون تامَّ الاستعداد واعي الْقلب كَامِل الْحَيَاة فَيحْتَاج إِلَى شَاهد يميّز لَهُ بَين الْحق وَالْبَاطِل وَلم تبلغ حَيَاة قلبه ونوره وزكاء فطرته مبلغ صَاحب الْقلب الْحَيّ الواعي فطريق حُصُول هدايته أَن يفرغ سَمعه للْكَلَام وَقَلبه لتأمله والتفكير فِيهِ وتعقل مَعَانِيه فَيعلم حِينَئِذٍ أَنه الْحق فَالْأول حَال من رأى بِعَيْنِه مَا دعِي إِلَيْهِ وَأخْبر بِهِ وَالثَّانِي حَال من علم صدق الْمخبر وتيقّنه وَقَالَ يَكْفِينِي خَبره فَهُوَ فِي مقَام الْإِيمَان والأوّل فِي مقَام الْإِحْسَان هَذَا قد وصل إِلَى علم الْيَقِين وترقى قلبه مِنْهُ إِلَى فنزلة عين الْيَقِين وَذَاكَ مَعَه التَّصْدِيق الْجَازِم الَّذِي خرج بِهِ من الْكفْر وَدخل بِهِ فِي الْإِسْلَام فعين الْيَقِين نَوْعَانِ نوع فِي الدُّنْيَا وَنَوع فِي الْآخِرَة فَالْحَاصِل فِي الدُّنْيَا نسبته إِلَى الْقلب كنسبة الشَّاهِد
стр. 3
إِلَى الْعين وَمَا أخْبرت بِهِ الرُّسُل من الْغَيْب يعاين فِي الْآخِرَة بالأبصار وَفِي لدُنْيَا بالبصائر فَهُوَ عين يَقِين فِي المرتبتين
فصل وَقد جمعت هَذِه السُّورَة من أصُول الْإِيمَان مَا يَكْفِي ويشفي ويغني عَن
كَلَام أهل الْكَلَام ومعقول أهل الْمَعْقُول فَإِنَّهَا تضمّنت تَقْرِير المبدأ والمعاد والتوحيد والنبوّة وَالْإِيمَان بِالْمَلَائِكَةِ وانقسام النَّاس إِلَى هَالك شقي وفائز سعيد وأوصاف هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء وتضمّنت إِثْبَات صِفَات الْكَمَال لله وتنزيهه عَمَّا يضاد كمله من النقائص والعيوب وَذكر فِيهَا القيامتين الصُّغْرَى والكبرى وَالْعَالمِينَ الْأَكْبَر وَهُوَ عَالم الْآخِرَة والأصغر وَهُوَ عَالم الدُّنْيَا وَذكر فِيهَا خلق الْإِنْسَان ووفاته وإعادته وحاله عِنْد وَفَاته وَيَوْم معاده وإحاطته سُبْحَانَهُ بِهِ من كل وَجه حَتَّى علمه بوساوس نَفسه وَإِقَامَة الْحفظَة عَلَيْهِ يُحصونَ عَلَيْهِ كل لَفْظَة يتَكَلَّم بهَا وَأَنه يوافيه يَوْم الْقِيَامَة وَمَعَهُ سائق يَسُوقهُ إِلَيْهِ وَشَاهد يشْهد عَلَيْهِ فَإِذا أحضرهُ السَّائِق قَالَ ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أَي هَذَا الَّذِي أمرت بإحضاره قد أحضرته فَيُقَال عِنْد إِحْضَاره ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عنيد﴾ كَمَا يحضر الْجَانِي إِلَى حَضْرَة السُّلْطَان فَيُقَال هَذَا فلَان قد أحضرته فَيَقُول اذْهَبُوا بِهِ إِلَى السجْن وعاقبوه بِمَا يستحقّه
وتأمّل كَيفَ دلّت السُّورَة صَرِيحًا على أَن الله سُبْحَانَهُ يُعِيد هَذَا الْجَسَد بِعَيْنِه الَّذِي أطَاع وَعصى فينعمه ويعذّبه كَمَا ينعم الرّوح الَّتِي آمَنت بِعَينهَا ويعذّب الَّتِي كفرت بِعَينهَا لَا أَنه سُبْحَانَهُ يخلق روحا أُخْرَى غير هَذِه فينعمها ويعذبها كَمَا قَالَه من لم يعرف الْمعَاد الَّذِي أخْبرت بِهِ الرُّسُل حَيْثُ زعم أَن الله سُبْحَانَهُ يخلق بدنا غير هَذَا الْبدن من كل وَجه عَلَيْهِ يَقع النَّعيم وَالْعَذَاب وَالروح عِنْده عرض من أَعْرَاض الْبدن فيخلق روحا غير هَذِه الرّوح وبدنا غير هَذَا الْبدن
стр. 4
وَهَذَا غير مَا اتّفقت عَلَيْهِ الرُّسُل ودلّ عَلَيْهِ الْقُرْآن والسنّة وَسَائِر كتب الله تَعَالَى وَهَذَا فِي الْحَقِيقَة إِنْكَار للمعاد وموافقة لقَوْل من أنكرهُ من المكذبين فَإِنَّهُم لم ينكروا قدرَة الله على خلق أجسام أخر غير هَذِه الْأَجْسَام يعذبها وينعمها كَيفَ وهم يشْهدُونَ النَّوْع الإنساني يخلق شَيْئا بعد شَيْء فَكل وَقت يخلق الله سُبْحَانَهُ أجساماً وأرواحاً غير الْأَجْسَام الَّتِي فنيت فَكيف يتعجّبون من شَيْء يشاهدونه عيَانًا وَإِنَّمَا تعجّبوا من عودهم بأعيانهم بعد أَن مزّقهم البلى وصاروا عظاما ورفاتا فتعجّبوا أَن يَكُونُوا هم بأعيانهم مبعوثين للجزاء وَلِهَذَا ﴿قَالُوا أئذا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وعظاماً أئنا لمبعوثون﴾ وَقَالُوا ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بعيد﴾ وَلَو كَانَ الْجَزَاء إِنَّمَا هُوَ لأجسام غير هَذِه ل يكن ذَلِك بعثا وَلَا رجعا بل يكون ابْتِدَاء وَلم يكن لقَوْله ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْض مِنْهُم﴾ كَبِير معنى فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ جعل هَذَا جَوَابا لسؤال مقدّر وَهُوَ أنّه يُمَيّز تِلْكَ الْأَجْزَاء الَّتِي اخْتلطت بِالْأَرْضِ واستحالت إِلَى العناصر بِحَيْثُ لَا تتميّز فَأخْبر سُبْحَانَهُ أَنه قد علم مَا تنقصه الأَرْض من لحومهم وعظامهم وأشعارهم وَأَنه كَمَا هُوَ عَالم بِتِلْكَ الْأَجْزَاء فَهُوَ قَادر على تَحْصِيلهَا وَجَمعهَا بعد تفرّقها وتأليفها خلقا جَدِيدا وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُقرر الْمعَاد بِذكر كَمَال علمه وَكَمَال قدرته وَكَمَال حكمته فَإِن شُبه المنكرين لَهُ كلهَا تعود إِلَى ثَلَاثَة أَنْوَاع أَحدهَا اخْتِلَاط أجزائهم بأجزاء الأَرْض على وَجه لَا يتميّز وَلَا يحصل مَعهَا تميز شخص عَن شخص الثَّانِي أَن الْقُدْرَة لَا تتعلّق بذلك الثَّالِث أَن ذَلِك أَمر لَا فَائِدَة فِيهِ أَو إِنَّمَا الْحِكْمَة اقْتَضَت دوَام هَذَا النَّوْع الإنساني شَيْئا بعد شَيْء هَكَذَا أبدا كلما مَاتَ جيل خَلفه جيل آخر فأمّا أَن يُمِيت النَّوْع الإنساني كُله ثمَّ يحيه بعد ذَلِك فَلَا حِكْمَة فِي ذَلِك فَجَاءَت براهين الْمعَاد فِي الْقُرْآن مبينَة على ثَلَاثَة أصُول أَحدهَا تَقْرِير كَمَال علم الرب سُبْحَانَهُ كَمَا قَالَ فِي جَوَاب من قَالَ من يحي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عليم وَقَالَ ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ وَقَالَ ﴿قَدْ عَلِمْنَا﴾
стр. 5
﴿مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُم﴾ وَالثَّانِي تَقْرِير كَمَال قدرته كَقَوْلِه أَو لَيْسَ الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَقَوله ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بنانه﴾ وَقَوله ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وانه يحي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كل شَيْء قدير وَيجمع سُبْحَانَهُ بَين الْأَمريْنِ كَمَا فِي قَوْله أَو لَيْسَ الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيم الثَّالِث كَمَال حكمته كَقَوْلِه وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا لاعبين وَقَوله ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا بَاطِلا﴾ وَقَوله ﴿أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ وَقَوله ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحق﴾ وَقَوله ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ وَلِهَذَا كَانَ الصَّوَاب أَن الْمعَاد مَعْلُوم بِالْعقلِ مَعَ الشَّرْع وَأَن كَمَال الرب تَعَالَى وَكَمَال أَسْمَائِهِ وَصِفَاته تَقْتَضِيه وتوجبه وَأَنه منزّه عمّا يَقُوله منكروه كَمَا ينزه كَمَاله عَن سَائِر الْعُيُوب والنقائص ثمَّ أخبر سُبْحَانَهُ أَن المنكرين لذَلِك لمّا كذّبوا بِالْحَقِّ اخْتَلَط عَلَيْهِم أَمرهم ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مريج﴾ مختلط لَا يحصلون مِنْهُ على شَيْء ثمَّ دعاهم إِلَى النّظر فِي الْعَالم الْعلوِي وبنائه وارتفاعه واستوائه وَحسنه والتئامه ثمَّ إِلَى الْعَالم السفلي وَهُوَ الأَرْض وَكَيف بسطها وهيّأها بالبسط لما يُرَاد مِنْهَا وثبّتها بالجبال وأودع فِيهَا الْمَنَافِع وَأنْبت فِيهَا من كل صنف حسن من أَصْنَاف النَّبَات على اخْتِلَاف أشكاله وألوانه ومقاديره ومنافعه وَصِفَاته وَأَن ذَلِك تبصرة إِذا تأمّلها العَبْد الْمُنِيب وتبصّر بهَا تذكر مَا دلّت عَلَيْهِ مِمَّا أخْبرت بِهِ الرُّسُل من التَّوْحِيد والمعاد فالناظر فِيهَا يتبصّر أَولا ثمَّ يتَذَكَّر ثَانِيًا وَأَن هَذَا لَا يحصل إِلَّا لعبد منيب إِلَى الله بِقَلْبِه وجوارحه ثمَّ دعاهم إِلَى التفكّر فِي مَادَّة أَرْزَاقهم وأقواتهم وملابسهم ومراكبهم وجناتهم وَهُوَ المَاء الَّذِي أنزلهُ من السَّمَاء وَبَارك فِيهِ حَتَّى أنبت بِهِ جنّات مُخْتَلفَة الثِّمَار والفواكه مَا بَين أَبيض وأسود وأحمر وأصفر وحلو وحامض وَبَين ذَلِك مَعَ اخْتِلَاف منابعها وتنوع أجناسها وَأنْبت بِهِ
стр. 6
الْحُبُوب كلهَا على تنوعها وَاخْتِلَاف مَنَافِعهَا وصفاتها وأشكالها ومقاديرها ثمَّ أفرد النّخل لما فِيهِ من مَوضِع الْعبْرَة وَالدّلَالَة الَّتِي لَا تخفى عَليّ المتأمل وَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوتهَا ثمَّ قَالَ كَذَلِكَ الْخُرُوج أَي مثل هَذَا الْإِخْرَاج من الأَرْض الْفَوَاكِه وَالثِّمَار والأقوات والحبوب خروجكم من الأَرْض بعد مَا غيّبتم فِيهَا وَقد ذكرنَا هَذَا الْقيَاس وَأَمْثَاله من المقاييس الْوَاقِعَة فِي الْقُرْآن فِي كتَابنَا المعالم وبيّنا بعض مَا فِيهَا من الْأَسْرَار والعبر ثمَّ انْتقل سُبْحَانَهُ إِلَى تَقْرِير النبوّة بِأَحْسَن تَقْرِير وأوجر لفظ وأبعده عَن كل شُبْهَة وَشك فَأخْبر أَنه أرسل إِلَى قوم نوح وَعَاد وَثَمُود وَقوم لوط وَقوم فِرْعَوْن رسلًا فكذّبوهم فأهلكهم بأنواع الْهَلَاك وَصدق فيهم وعيده الَّذِي أَو عدتهمْ بِهِ رسله إِن لم يُؤمنُوا وَهَذَا تَقْرِير لنبوّتهم ولنبوة من أخبر بذلك عَنْهُم من غير أَن يتَعَلَّم ذَلِك من معلّم وَلَا قَرَأَهُ فِي كتاب بل أخبر بِهِ إِخْبَارًا مفصّلا مطابقا لما عِنْد أهل الْكتاب وَلَا يرد على هَذَا إِلَّا سُؤال البهت والمكابرة على جحد الضروريات بِأَنَّهُ لم يكن شَيْء من ذَلِك أَو أَن حوادث الدَّهْر ونكباته أَصَابَتْهُم كَمَا أَصَابَت غَيرهم وَصَاحب هَذَا السُّؤَال يعلم من نَفسه أَنه باهت مبَاحث جَاحد لما شهد بِهِ العيان وتناقلته الْقرن قرنا بعد قررن فإنكاره بِمَنْزِلَة إِنْكَار وجود الْمَشْهُورين من الْمُلُوك وَالْعُلَمَاء والبلاد النائية ثمَّ عَاد سُبْحَانَهُ إِلَى تَقْرِير الْمعَاد بقوله ﴿أَفَعَيِينَا بالخلق الأول﴾ يُقَال لكل من عجز عَن شَيْء عيي بِهِ وعيي فلَان بِهَذَا الْأَمر قَالَ الشَّاعِر
عيوا بأمرهم كَمَا ... عييت ببيضتها الْحَمَامَة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَمْ يعي بخلقهن﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس يُرِيد أفعجزنا وَكَذَلِكَ قَالَ مقَاتل قلت هَذَا تَفْسِير بِلَازِم اللَّفْظَة وحقيقتها أَعم من ذَلِك فان الْعَرَب تَقول أعياني أَن أعرف كَذَا وعييت بِهِ إِذا لم تهتد لَهُ لوجهه وَلم تقدر على مَعْرفَته وتحصيله فَتَقول أعياني دواؤك إِذا لم تهتد وَلم تقف عَلَيْهِ ولازم هَذَا الْمَعْنى الْعَجز عَنهُ وَالْبَيْت الَّذِي اسْتشْهدُوا بِهِ شَاهد لهَذَا الْمَعْنى فان الْحَمَامَة لم تعجز عَن
стр. 7
بيضتها وَلَكِن أعيادها إِذا أَرَادَت أَن تبيض أَيْن ترمي بالبيضة فَهِيَ تَدور وتجول حَتَّى ترمي بهَا فَإِذا باضت أعياها أَيْن تحفظها وتودعها حَتَّى لَا تُنال فَهِيَ تنقلها من مَكَان إِلَى مَكَان وتحار أَيْن تجْعَل مقرّها كَمَا هُوَ حَال من عى بأَمْره فَلم يدر من أَيْن يقْصد لَهُ وَمن أَيْن يَأْتِيهِ وَلَيْسَ المُرَاد بالإعياء فِي هَذِه الْآيَة التَّعَب كَمَا يظنّه من لم يعرف تَفْسِير الْقُرْآن بل هَذَا الْمَعْنى هُوَ الَّذِي نَفَاهُ سُبْحَانَهُ عَن نَفسه فِي آخر السُّورَة بقوله ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ ثمَّ أخبر سُبْحَانَهُ أنّهم ﴿فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أَي أَنهم الْتبس عَلَيْهِم إِعَادَة الْخلق خلقا جَدِيدا ثمَّ نبههم على مَا هُوَ من أعظم آيَات قدرته وشواهد ربوبيّته وأدلّة الْمعَاد وَهُوَ خلق الْإِنْسَان فَإِنَّهُ من أعظم الْأَدِلَّة على التَّوْحِيد والمعاد وَأي دَلِيل أوضح من تركيب هَذِه الصُّورَة الآدميّة بأعضائها وقواها وصفاتها وَمَا فِيهَا من اللَّحْم والعظم وَالْعُرُوق والأعصاب والرباطات والمنافذ والآلات والعلوم والإرادات والصناعات كل ذَلِك من نُطْفَة مَاء فَلَو أنصف العَبْد ربه لاكتفى بفكره فِي نَفسه وَاسْتدلَّ بِوُجُودِهِ على جَمِيع مَا أخْبرت بِهِ الرُّسُل عَن الله وأسمائه وَصِفَاته ثمَّ أخبر سُبْحَانَهُ عَن إحاطة علمه بِهِ حَتَّى علم وساوس نَفسه ثمَّ أخبر عَن قربه إِلَيْهِ بِالْعلمِ والإحاطة وَأَن ذَلِك أدنى إِلَيْهِ من الْعرق الَّذِي هُوَ دَاخل بدنه فَهُوَ أقرب إِلَيْهِ بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَالْعلم بِهِ من ذَلِك الْعرق وَقَالَ شَيخنَا المُرَاد بقول نَحن أَي ملائكتنا كَمَا قَالَ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قرآنه﴾ أَي إِذا قَرَأَهُ عَلَيْك رَسُولنَا جِبْرِيل قَالَ وَيدل عَلَيْهِ قَوْله ﴿إِذْ يَتَلَقَّى المتلقيان﴾ فقيد الْقرب الْمَذْكُور بتلقّي الْملكَيْنِ وَلَو كَانَ المُرَاد بِهِ قرب الذَّات لم يتَقَيَّد بِوَقْت تلقي الْملكَيْنِ فَلَا فِي صَحبه الْآيَة لحلولي وَلَا معطّل ثمَّ أخبر سُبْحَانَهُ أَن على يَمِينه وشماله ملكَيْنِ يكتبان أَعماله وأقواله وَنبهَ بإحصاء الْأَقْوَال وكتابتها على كِتَابَة الْأَعْمَال الَّتِي هِيَ أقل وقوعا وَأعظم أثرا من الْأَقْوَال وَهِي غايات الْأَقْوَال ونهايتها ثمَّ أخبر عَن الْقِيَامَة الصُّغْرَى وَهِي سكرة الْمَوْت وَأَنَّهَا تَجِيء بِالْحَقِّ وَهُوَ لقاؤه سُبْحَانَهُ والقدوم عَلَيْهِ وَعرض الرّوح عَلَيْهِ وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب الَّذِي تعجل
стр. 8
لَهَا قبل الْقِيَامَة الْكُبْرَى ثمَّ ذكر الْقِيَامَة الْكُبْرَى بقول ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيد﴾ ثمَّ أخبر عَن أَحْوَال الْخلق فِي هَذَا الْيَوْم وَأَن كل أحد يَأْتِي الله سُبْحَانَهُ ذَلِك الْيَوْم وَمَعَهُ سائق يَسُوقهُ وشهيد يشْهد عَلَيْهِ وَهَذَا غير شَهَادَة جوارحه وَغير شَهَادَة الأَرْض الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا لَهُ عَلَيْهِ وَغير شَهَادَة رَسُوله وَالْمُؤمنِينَ فَإِن الله سُبْحَانَهُ يستشهد على العَبْد الْحفظَة والأنبياء والأمكنة الَّتِي عمِلُوا عَلَيْهَا الْخَيْر وَالشَّر والجلود الَّتِي عصوه بهَا وَلَا يحكم بَينهم بمجرّد علمه وَهُوَ أعدل العادلين وَأحكم الْحَاكِمين
وَلِهَذَا أخبر نبيه أَنه يحكم بَين النَّاس بِمَا سَمعه من إقرارهم وَشَهَادَة البيّنة لَا بمجرّد علمه فَكيف يسوغ لحَاكم أَن يحكم بِمُجَرَّد علمه من غير بيّنة وَلَا إِقْرَار ثمَّ أخبر سُبْحَانَهُ أَن الْإِنْسَان فِي غَفلَة من هَذَا الشَّأْن الَّذِي هُوَ حقيق بِأَن لَا يغْفل عَنهُ وَأَن لَا يزَال على ذكره وباله وَقَالَ ﴿فِي غَفلَة من هَذَا﴾ وَلم يقل عَنهُ كَمَا قَالَ ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مريب﴾ وَلم يقل فِي شكّ فِيهِ وَجَاء هَذَا فِي الْمصدر وان لم يجىء فِي الْفِعْل فَلَا يُقَال غفلت مِنْهُ وَلَا شَككت مِنْهُ كَأَن غفلته وشكه ابْتِدَاء مِنْهُ فَهُوَ مبدأ غفلته وشكّه وَهَذَا أبلغ من أَن يُقَال فِي غَفلَة عَنهُ وَشك فِيهِ فَإِنَّهُ جعل مَا يَنْبَغِي أَن يكون مبدأ التَّذْكِرَة وَالْيَقِين ومنشأهما مبدأ للغفلة وَالشَّكّ ثمَّ أخبر أَن غطاء الْغَفْلَة والذهول يكْشف عَنهُ ذَلِك الْيَوْم كَمَا يكْشف غطاء النّوم عَن الْقلب فيستيقظ وَعَن الْعين فتنفتح فنسبة كشف هَذَا الغطاء عَن العَبْد عِنْد المعاينة كنسبة كشف غطاء النّوم عَنهُ عِنْد الانتباه ثمَّ أخبر سُبْحَانَهُ أَن قرينه وَهُوَ الَّذِي قرن بِهِ فِي الدُّنْيَا من الْمَلَائِكَة يكْتب عمله وَقَوله يَقُول لمّا يحضرهُ هَذَا الَّذِي كنت وكّلتني بِهِ فِي الدُّنْيَا قد أحضرته وَأَتَيْتُك بِهِ هَذَا قَول مُجَاهِد وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة الْمَعْنى هَذَا مَا كتبته عَلَيْهِ وأحصيته من قَوْله وَعَمله حَاضر عِنْدِي وَالتَّحْقِيق أَن الْآيَة نتضمن الْأَمريْنِ أَي هَذَا الشَّخْص الَّذِي وكلت بِهِ وَهَذَا عمله الَّذِي أحصيته عَلَيْهِ فَحِينَئِذٍ يُقَال ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ وَهَذَا إِمَّا أَن يكون خطابا للسائق والشهيد
стр. 9
أَو خطابا للْملك الْمُوكل بعذابه وَإِن كَانَ وَاحِدًا وَهُوَ مَذْهَب مَعْرُوف من مَذَاهِب الْعَرَب فِي خطابها أَو تكون الْألف منقلبة عَن نون التَّأْكِيد الْخَفِيفَة ثمَّ أجري الْوَصْل مجْرى الْوَقْف ثمَّ ذكر صِفَات هَذَا الْملقى فَذكر لَهُ سِتّ صِفَات أَحدهَا أَنه كفار لنعم الله وحقوقه كفار بِدِينِهِ وتوحيده وأسمائه وَصِفَاته كفّار برسله وَمَلَائِكَته كفار بكتبه ولقائه الثَّانِيَة أَنه معاند للحق بِدَفْعِهِ جحدا وعنادا الثَّالِثَة أَنه مناع للخير وَهَذَا يعم مَنعه للخير الَّذِي هُوَ إِحْسَان إِلَى نَفسه من الطَّاعَات والقرب إِلَى الله وَالْخَيْر الَّذِي هُوَ إِحْسَان إِلَى النَّاس فَلَيْسَ فِيهِ خير لنَفسِهِ وَلَا لبني جنسه كَمَا هُوَ الْحَال أَكثر الْخلق الرَّابِعَة أَنه مَعَ مَنعه للخير مُعْتَد على النَّاس ظلوم غشوم مُعْتَد عَلَيْهِم بِيَدِهِ وَلسَانه الْخَامِسَة أَنه مريب أَي صَاحب ريب وَشك وَمَعَ هَذَا فَهُوَ آتٍ لكل رِيبَة يُقَال فلَان مريب إِذا كَانَ صَاحب رِيبَة السَّادِسَة أَنه مَعَ ذَلِك مُشْرك بِاللَّه قد اتّخذ مَعَ الله إِلَهًا آخر يعبده وَيُحِبهُ ويغضب لَهُ ويرضى لَهُ وَيحلف باسمه وينذر لَهُ ويوالي فِيهِ ويعادي فِيهِ فيختصم هُوَ وقرينه من الشَّيَاطِين ويحيل الْأَمر عَلَيْهِ وَأَنه هُوَ الَّذِي أطغاه وأضله فَيَقُول قرينه لم يكن لي قوّة أَن أضلّه وأطغيه وَلَكِن كَانَ فِي ضلال بعيد اخْتَارَهُ لنَفسِهِ وآثره على الْحق كَمَا قَالَ إِبْلِيس لأهل النَّار ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لي﴾ وعَلى هَذَا فالقرين هُنَا هُوَ شَيْطَانه يختصمان عِنْد الله وَقَالَت طَائِفَة بل قرينه هَهُنَا هُوَ الْملك فيدعي عَلَيْهِ أَنه زَاد عَلَيْهِ فِيمَا كتبه عَلَيْهِ وطغى وَأَنه لم يفعل ذَلِك كُله وَأَنه أعجله بِالْكِتَابَةِ عَن التَّوْبَة وَلم يمهله حَتَّى يَتُوب فَيَقُول الْملك مَا زِدْت فِي الْكِتَابَة على مَا عمل وَلَا أعجلته عَن التَّوْبَة ﴿وَلَكِنْ كَانَ فِي ضلال بعيد﴾ فَيَقُول الرب تَعَالَى ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَي﴾ وَقد أخبر سُبْحَانَهُ عَن اختصام الْكفَّار وَالشَّيَاطِين بَين يَدَيْهِ فِي سُورَة الصافات والأعراف وَأخْبر عَن اختصام النَّاس بَين يَدَيْهِ فِي سُورَة الزمر وَأخْبر عَن اختصام أهل النَّار فِيهَا فِي سُورَة الشُّعَرَاء وَسورَة ص ثمَّ أخبر سُبْحَانَهُ أَنه لَا يبدَّل القَوْل لَدَيْهِ فَقيل المُرَاد بذلك قَوْله ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّة وَالنَّاس﴾
стр. 10
أَجْمَعِينَ ووعده لأهل الْإِيمَان بِالْجنَّةِ وَأَن هَذَا لَا يُبدل وَلَا يخلف قَالَ ابْن عَبَّاس يُرِيد مالو عدي خلف لأهل طَاعَتي وَلَا أهل معصيتي قَالَ مُجَاهِد قد قضيت مَا أَنا قَاض وَهَذَا أصح الْقَوْلَيْنِ فِي الْآيَة وفيهَا قَول آخر أَن الْمَعْنى مَا يغيّر القَوْل عِنْدِي بِالْكَذِبِ والتلبيس كَمَا يغيّر عِنْد الْمُلُوك والحكّام فَيكون المُرَاد بالْقَوْل قَول المختصمين وَهُوَ اخْتِيَار الْفراء وَابْن قُتَيْبَة قَالَ الْفراء الْمَعْنى مَا يكذب عِنْدِي لعلمي بِالْغَيْبِ وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة أَي مَا يحرف القَوْل عِنْدِي وَلَا يُزَاد فِيهِ وَلَا ينقص مِنْهُ قَالَ لِأَنَّهُ قَالَ القَوْل عِنْدِي وَلم يقل قولي وَهَذَا كَمَا يُقَال لَا يكذب عِنْدِي فعلى القَوْل الأوّل يكون قَوْله ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ من تَمام قَوْله ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لدي﴾ فِي الْمَعْنى أَي مَا قلته ووعدت بِهِ لَا بُد من فعله وَمَعَ هَذَا فَهُوَ عدل لَا ظلم فِيهِ وَلَا جور وعَلى الثَّانِي يكون قد وصف نَفسه بأمرين أَحدهمَا أَن كَمَال علمه واطلاعه يمْنَع من تَبْدِيل القَوْل بَين يَدَيْهِ وترويج الْبَاطِل عَلَيْهِ وَكَمَال عدله وغناه يمْنَع من ظلمه لعبيده ثمَّ أخبر عَن سَعَة جهنّم وَأَنَّهَا كلّما ألْقى فِيهَا تَقول هَل من مزِيد وَأَخْطَأ من قَالَ أَن ذَلِك للنَّفْي أَي لَيْسَ من مزِيد والْحَدِيث الصَّحِيح يردّ هَذَا التَّأْوِيل ثمَّ أخبر عَن تقريب الْجنَّة من الْمُتَّقِينَ وَأَن أَهلهَا هم الَّذين اتصفوا بِهَذِهِ الصِّفَات الْأَرْبَع إِحْدَاهَا أَن يكون أوابا أَي رجَّاعاً إِلَى الله من مَعْصِيَته إِلَى طَاعَته وَمن الْغَفْلَة عَنهُ إِلَى ذكره قَالَ عبيد بن عُمَيْر الأوّاب الَّذِي يتَذَكَّر ذنُوبه ثمَّ يسْتَغْفر مِنْهَا وَقَالَ مُجَاهِد هُوَ الَّذِي إِذا ذكر ذَنبه فِي الْخَلَاء اسْتغْفر مِنْهُ وَقَالَ سعيد بن المسيّب هُوَ الَّذِي يُذنب ثمَّ يَتُوب ثمَّ يُذنب ثمَّ يَتُوب الثَّانِيَة أَن يكون حفيظا قَالَ ابْن عبّاس لما ائتمنه الله عَلَيْهِ وافترضه وَقَالَ قَتَادَة حَافظ لما استودعه الله من حقّه وَنعمته وَلما كَانَت النَّفس لَهَا قوّتان قُوَّة الطّلب وَقُوَّة الْإِمْسَاك كَانَ الأواب مُسْتَعْملا لقُوَّة الطّلب فِي رُجُوعه إِلَى الله ومرضاته وطاعته والحفيظ مُسْتَعْملا لقُوَّة الْحِفْظ فِي الْإِمْسَاك عَن مَعَاصيه ونواهيه فالحفيظ الممسك نَفسه عَمَّا حرّم عَلَيْهِ والأوّاب الْمقبل على الله بِطَاعَتِهِ الثَّالِثَة
стр. 11
قَوْله ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ﴾ يتَضَمَّن الْإِقْرَار بِوُجُودِهِ وربوبيته وَقدرته وَعلمه واطلاعه على تفاصيل أَحْوَال العَبْد ويتضمن الْإِقْرَار بكتبه وَرُسُله وَأمره وَنَهْيه ويتضمن الْإِقْرَار بوعده ووعيده ولقائه فَلَا تصح خشيَة الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ إِلَّا بعد هَذَا كُله الرَّابِعَة قَوْله ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس رَاجع عَن معاصي الله مقبل على طَاعَة الله وَحَقِيقَة الْإِنَابَة عكوف الْقلب على طَاعَة الله ومحبته والإقبال عَلَيْهِ ثمَّ ذكر سُبْحَانَهُ جَزَاء من قَامَت بِهِ هَذِه الْأَوْصَاف بقوله ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُود لَهُم مَا يشاؤون فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ ثمَّ خوَّفهم بِأَن يصيبهم من الْهَلَاك مَا أصَاب من قبلهم وَأَنَّهُمْ كَانُوا أَشد مِنْهُم بطشا وَلم يدْفع عَنْهُم الْهَلَاك شدّة بطشهم وَلَهُم عِنْد الْهَلَاك تقلّبوا وطافوا فِي الْبِلَاد وَهل يَجدونَ محيصا ومنجى من عَذَاب الله قَالَ قَتَادَة حَاص أَعدَاء الله فوجدوا أَمر الله لَهُم مدْركا وَقَالَ الزّجاج طوّفوا وفتشوا فَلم يرو محيصا من الْمَوْت وَحَقِيقَة ذَلِك أَنهم طلبُوا الْمَهْرَب من الْمَوْت فَلم يجدوه ثمَّ أخبر سُبْحَانَهُ أَن فِي هَذَا الذى ذكر ذكرى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ثمَّ أخبر أَنه خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا فِي ستّة أيّام وَلم يمسهُ من تَعب وَلَا إعياء تَكْذِيب لأعدائه من الْيَهُود حَيْثُ قَالُوا أَنه استراح فِي الْيَوْم السَّابِع ثمَّ أَمر نبيه بالتأسي بِهِ سُبْحَانَهُ فِي الصَّبْر على مَا يَقُول أعداؤه فِيهِ كَمَا أَنه سُبْحَانَهُ صَبر على قَول الْيَهُود أَنه استراح وَلَا أحد أَصْبِر على أَذَى يسمعهُ مِنْهُ ثمَّ أمره بِمَا يَسْتَعِين بِهِ على الصَّبْر وَهُوَ التَّسْبِيح بِحَمْد ربه قبل طُلُوع الشَّمْس وَقبل غُرُوبهَا وبالليل وأدبار السُّجُود فَقيل هُوَ الْوتر وَقيل الركعتان بعد الْمغرب وَالْأول قَول ابْن عَبَّاس وَالثَّانِي قَول عمر وَعلي وَأبي هُرَيْرَة وَالْحسن بن عَليّ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن ابْن عَبَّاس وَعَن ابْن عَبَّاس رِوَايَة ثَالِثَة أَنه التَّسْبِيح بِاللِّسَانِ أدبار الصَّلَاة المكتوبات ثمَّ ختم السُّورَة بِذكر الْمعَاد ونداء الْمُنَادِي بِرُجُوع الْأَرْوَاح إِلَى أجسادها للحشر وَأخْبر أَن هَذَا النداء من مَكَان قريب يسمعهُ كل أحد يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَق
стр. 12
بِالْبَعْثِ ولقاء الله يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ كَمَا تشقق عَن النَّبَات فَيخْرجُونَ سرَاعًا من غير مهلة وَلَا بطء ذَلِك حشر يسير عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ ثمَّ أخبر سُبْحَانَهُ أَنه عَالم بِمَا يَقُول أعداؤه وَذَلِكَ يتضمّن مجازاته لَهُم بقَوْلهمْ إِذْ لم يخف عَلَيْهِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ يذكر علمه وَقدرته لتحقيق الْجَزَاء ثمَّ أخبرهُ أَنه لَيْسَ بمسلط عَلَيْهِم وَلَا قهّار وَلم يبْعَث ليجبرهم على الْإِسْلَام ويكرههم عَلَيْهِ وَأمره أَن يذكر بِكَلَامِهِ من يخَاف وعيده فَهُوَ الَّذِي ينْتَفع بالتذكير وَأما من لَا يُؤمن بلقائه وَلَا يخَاف وعيده وَلَا يَرْجُو ثَوَابه فَلَا ينْتَفع بالتذكير فَائِدَة
قَول النَّبِي لعمر وَمَا يدْريك أَن الله اطّلع على أهل بدر فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُم فقد غفرت لكم أشكل على كثير من النَّاس مَعْنَاهُ فَإِن ظَاهره
стр. 13
إِبَاحَة كل الْأَعْمَال لَهُم وتخييرهم فِيمَا شاؤا مِنْهَا وَذَلِكَ مُمْتَنع فَقَالَت طَائِفَة مِنْهُم ابْن الْجَوْزِيّ لَيْسَ المُرَاد من قَوْله اعْمَلُوا الِاسْتِقْبَال وَإِنَّمَا هُوَ للماضي وَتَقْدِيره أَي عمل كَانَ لكم فقد غفرته قَالَ وَيدل على ذَلِك شَيْئَانِ أَحدهمَا أَنه لَو كَانَ للمستقبل كَانَ جَوَابه قَوْله فسأغفر لكم وَالثَّانِي أَنه كَانَ يكون إطلاقا فِي الذُّنُوب وَلَا وَجه لذَلِك وَحَقِيقَة هَذَا الْجَواب أَنِّي قد غفرت لكم بِهَذِهِ الْغَزْوَة مَا سلف من ذنوبكم لكنه ضَعِيف من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن لفظ اعْمَلُوا يأباه فَإِنَّهُ للاستقبال دون الْمَاضِي وَقَوله قد غفرت لكم لَا يُوجب أَن يكون اعْمَلُوا مثله فَإِن قَوْله قد غفرت تَحْقِيق لوُقُوع الْمَغْفِرَة فِي الْمُسْتَقْبل كَقَوْلِه ﴿أَتَى أَمر الله﴾ وَجَاء رَبك ونظائره الثَّانِي أَن نفس الحَدِيث يردّه فَإِن سَببه قصّة حَاطِب
стр. 14
وتجسسه على النَّبِي وَذَلِكَ ذَنْب وَاقع بعد غَزْوَة بدر لَا قبلهَا وَهُوَ سَبَب الحَدِيث فَهُوَ مُرَاد مِنْهُ قطعا فَالَّذِي نظن فِي ذَلِك وَالله أعلم أَن هَذَا خطاب لقوم قد علم الله سُبْحَانَهُ أنّهم لَا يفارقون دينهم بل يموتون على الْإِسْلَام وَأَنَّهُمْ قد يقارفون بعض مَا يقارفه غَيرهم من الذُّنُوب وَلَكِن لَا يتركهم سُبْحَانَهُ مصرِّين عَلَيْهَا بل يوفّقهم لتوبة نصوح واستغفار وحسنات تمحو أثر ذَلِك وَيكون تخصيصهم بِهَذَا دون غَيرهم لِأَنَّهُ قد تحقق ذَلِك فيهم وَأَنَّهُمْ مغْفُور لَهُم وَلَا يمْنَع ذَلِك كَون الْمَغْفِرَة حصلت بِأَسْبَاب تقوم بهم كَمَا لَا يَقْتَضِي ذَلِك أَن يعطّلوا الْفَرَائِض وثوقا بالمغفرة فَلَو كَانَت قد حصلت بِدُونِ الِاسْتِمْرَار على الْقيام بالأوامر لما احتاجوا بعد ذَلِك إِلَى صَلَاة وَلَا صِيَام وَلَا حج وَلَا زَكَاة وَلَا جِهَاد وَهَذَا محَال وَمن أوجب الْوَاجِبَات التَّوْبَة بعد الذَّنب فضمان الْمَغْفِرَة لَا يوجّب تَعْطِيل أَسبَاب الْمَغْفِرَة وَنَظِير هَذَا قَوْله فِي الحَدِيث الآخر أذْنب عبد ذَنبا فَقَالَ أَي ربّ أذنبت ذَنبا فاغفره لي فغفر لَهُ ثمَّ مكث مَا شَاءَ الله أَن يمْكث ثمَّ أذْنب ذَنبا آخر فَقَالَ أَي ربّ أصبت ذَنبا فَاغْفِر لي فغفر لَهُ ثمَّ مكث مَا شَاءَ الله أَن يمْكث ثمَّ أذْنب ذَنبا آخر فَقَالَ رب أصبت ذَنبا فاغفره لي فَقَالَ الله علم عَبدِي أَن لَهُ رَبًّا يغْفر الذَّنب وَيَأْخُذ بِهِ قد غفرت لعبدي فليعمل مَا شَاءَ فَلَيْسَ فِي هَذَا إِطْلَاق وَإِذن مِنْهُ سُبْحَانَهُ لَهُ فِي المحرّمات والجرائم وَإِنَّمَا يدل على أَنه يغْفر لَهُ مَا دَامَ كَذَلِك إِذا أذْنب تَابَ
стр. 15
واختصاص هَذَا العَبْد بِهَذَا لِأَنَّهُ قد علم أَنه لَا يصر على ذَنْب وَأَنه كلما أذْنب تَابَ حكم يعم كل من كَانَت حَاله حَاله لَكِن ذَلِك العَبْد مَقْطُوع لَهُ بذلك كَمَا قطع بِهِ لأهل بدر وَكَذَلِكَ كل من بشّره رَسُول الله بِالْجنَّةِ أَو أخبرهُ بِأَنَّهُ مغْفُور لَهُ لم يفهم مِنْهُ هُوَ وَلَا غَيره من الصَّحَابَة إِطْلَاق الذُّنُوب والمعاصي لَهُ ومسامحته بترك الْوَاجِبَات بل كَانَ هَؤُلَاءِ أَشد اجْتِهَادًا وحذرا وخوفا بعد الْبشَارَة مِنْهُم قبلهَا كالعشرة الْمَشْهُود لَهُم بِالْجنَّةِ وَقد كَانَ الصديّق شَدِيد الحذر والمخافة وَكَذَلِكَ عمر فَلهم علمُوا أَن الْبشَارَة الْمُطلقَة مقيّدة بشروطها والاستمرار عَلَيْهَا إِلَى الْمَوْت ومقيدة بانتقاء موانعها وَلم يفهم أحد مِنْهُم من ذَلِك الْإِطْلَاق الْإِذْن فِيمَا شاؤا من الْأَعْمَال
فَائِدَة جليلة قَوْله تَعَالَى
﴿هُوَ الَّذِي جعل لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النشور﴾ أخبر سُبْحَانَهُ أَنه جعل الأَرْض ذلولا منقادة للْوَطْء عَلَيْهَا وحفرها وشقّها وَالْبناء عَلَيْهَا وَلم يَجْعَلهَا مستصعبة ممتنعة على من أَرَادَ ذَلِك مِنْهَا وَأخْبر سُبْحَانَهُ أَنه جعلهَا مهادا وفراشا وبساطا وقرارا وكفاتا وَأخْبر أَنه دحاها وطحاها وَأخرج مِنْهَا ماءها ومرعاها وثبَّتها بالجبال ونهج فِيهَا الفجاج والطرق وأجرى فِيهَا الْأَنْهَار والعيون وَبَارك فِيهَا وقدّر فِيهَا أقواتها وَمن بركتها أَن الْحَيَوَانَات كلهَا وأرزاقها وأقواتها تخرج مِنْهَا وَمن بركاتها أَنَّك تودع فِيهَا الْحبّ فتخرجه لَك أَضْعَاف أَضْعَاف مَا كَانَ وَمن بركاتها أَنَّهَا تحمل الْأَذَى على ظهرهَا وَتخرج لَك من بَطنهَا أحسن الْأَشْيَاء وأنفعها فتوارى مِنْهُ كل قَبِيح وَتخرج لَهُ كل مليح وَمن بركتها أَنَّهَا تستر قبائح العَبْد وفضلات بدنه وتواريها وتضمّه وتؤويه وَتخرج لَهُ طَعَامه وَشَرَابه فَهِيَ أحمل شَيْء للأذى وأعوده بالنفع فَلَا كَانَ من التُّرَاب خير مِنْهُ وَأبْعد من الْأَذَى وَأقرب إِلَى الْخَيْر
стр. 16
وَالْمَقْصُود أَنه سُبْحَانَهُ جعل لنا الأَرْض كَالْجمَلِ الذلول الَّذِي كَيْفَمَا يُقَاد ينقاد وَحسن التَّعْبِير بمناكبها عَن طرقها وفجاجها لما تقدّم من وصفهَا بِكَوْنِهَا ذلولا فالماشي عَلَيْهَا يطَأ على مناكبها وَهُوَ أَعلَى شَيْء فِيهَا وَلِهَذَا فسرت المناكب بِالْجَبَلِ كمناكب الْإِنْسَان وَهِي أعاليه قَالُوا وَذَلِكَ تَنْبِيه على أَن الْمَشْي فِي سهولها أيسر وَقَالَت طَائِفَة بل المناكب الجوانب والنواحي وَمِنْه مناكب الْإِنْسَان لجوانبه وَالَّذِي يظْهر أَن المُرَاد بالمناكب الأعالي وَهَذَا الْوَجْه الَّذِي يمشي عَلَيْهِ الْحَيَوَان هُوَ العالي من الأَرْض دون الْوَجْه الْمُقَابل لَهُ فان سطح الكرة أَعْلَاهَا وَالْمَشْي إِنَّمَا يَقع فِي سطحها وَحسن التَّعْبِير عَنهُ بالمناكب لما تقدّم من وصفهَا بِأَنَّهَا ذَلُول ثمَّ أَمرهم أَن يَأْكُلُوا من رزقه الَّذِي أودعهُ فِيهَا فذلّلها لَهُم ووطّأها وفتق فِيهَا السبل والطرق الَّتِي يَمْشُونَ فِيهَا وأودعها رزقهم فَذكر تهيئة الْمسكن للِانْتِفَاع والتقلب فِيهِ بالذهاب والمجيء وَالْأكل مِمَّا أودع فِيهَا للساكن ثمَّ نبّه بقوله وَإِلَيْهِ النُّشُورُ على أنّا فِي هَذَا الْمسكن غير مستوطنين وَلَا مقيمين بل دخلناه عابري سَبِيل فَلَا يحسن أَن نتخذه وطنا ومستقرّا وَإِنَّمَا دخلناه لنتزوّد مِنْهُ إِلَى دَار الْقَرار فَهُوَ منزل عبور لَا مُسْتَقر حبور ومعبر وممر لَا وَطن ومستقر فتضمّنت الْآيَة الدّلَالَة على ربوبيّته ووحدانيّته وَقدرته وحكمته ولطفه والتذكير بنعمه وإحسانه والتحذير من الركون إِلَى الدُّنْيَا واتخاذها وطنا ومستقرا بل نسرع فِيهَا السّير إِلَى دَاره وجنّته فَالله فِي مَا ضمن هَذِه الْآيَة من مَعْرفَته وتوحيده والتذكير بنعمه والحث على السّير إِلَيْهِ والاستعداد للقائه والقدوم عَلَيْهِ والإعلام بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يطوي هَذِه الدَّار كَأَن لم تكن وَأَنه يحي أَهلهَا بعد مَا أماتهم وَإِلَيْهِ النشور
فَائِدَة للْإنْسَان قوتان قُوَّة علمية نظرية وَقُوَّة عملية إرادية وسعادته
التَّامَّة مَوْقُوفَة على استكمال قوتيه العلمية الارادية واستكمال الْقُوَّة العلمية إِنَّمَا يكون بِمَعْرِِفَة
стр. 17
فاطره وبارئه وَمَعْرِفَة أَسْمَائِهِ وَصِفَاته وَمَعْرِفَة الطَّرِيق الَّتِي توصل إِلَيْهِ وَمَعْرِفَة آفاتها وَمَعْرِفَة نَفسه وَمَعْرِفَة عيوبها فبهذه المعارف الْخَمْسَة يحصل كَمَال قوته العلمية وَأعلم النَّاس أعرفهم بهَا وأفقههم فِيهَا استكمال الْقُوَّة العلمية الإرادية لَا تحصل إِلَّا بمراعاة حُقُوقه سُبْحَانَهُ على العَبْد وَالْقِيَام بهَا إخلاصا وصدقا وَنصحا وإحسانا ومتابعة وشهودا لمنّته عَلَيْهِ وتقصيره هُوَ فِي أَدَاء حقّه فَهُوَ مستحي من مواجهته بِتِلْكَ الْخدمَة لعلمه أَنَّهَا دون مَا يستحقّه عَلَيْهِ وَدون دون ذَلِك وَأَنه لَا سَبِيل لَهُ إِلَى استكمال هَاتين القوتين إِلَّا بمعونته فَهُوَ مُضْطَر إِلَى أَن يهديه الصِّرَاط الْمُسْتَقيم الَّذِي هدى إِلَيْهِ أولياءه وخاصّته وَأَن يجنّبه الْخُرُوج عَن ذَلِك الصِّرَاط إِمَّا بِفساد فِي قوته العلمية فَيَقَع فِي الضلال واما فِي قوّته العملية فَيُوجب لَهُ الْغَضَب
فكمال الْإِنْسَان وسعادته لَا تتمّ إِلَّا بِمَجْمُوع هَذِه الْأُمُور وَقد تضمنّتها سُورَة الْفَاتِحَة وانتظمتها أكمل انتظام فَإِن قَوْله ﴿الْحَمد لله رب الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يتضمّن الأَصْل الأوّل وَهُوَ معرفَة الرب تَعَالَى وَمَعْرِفَة أَسْمَائِهِ وَصِفَاته وأفعاله والأسماء الْمَذْكُورَة فِي هَذِه السُّورَة هِيَ أصُول الْأَسْمَاء الْحسنى وَهِي اسْم الله والرب والرحمن فاسم الله متضمّن لصفات الألوهيّة وَاسم الرب متضمّن الربوبية وَاسم الرَّحْمَن مُتَضَمّن لصفات الْإِحْسَان والجود وَالْبر ومعاني أَسْمَائِهِ تَدور لى هَذَا وَقَوله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يتضمّن معرفَة الطَّرِيق الموصلة إِلَيْهِ وَأَنَّهَا لَيست إِلَّا عِبَادَته وَحده بِمَا يحبّه ويرضاه واستعانته على عِبَادَته وَقَوله ﴿اهْدِنَا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم﴾ يتضمّن بَيَان أَن العَبْد لَا سَبِيل لَهُ إِلَى سعادته إِلَّا باستقامته على الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وَأَنه لَا سَبِيل لَهُ إِلَى الاسْتقَامَة إِلَّا بهداية ربه لَهُ كَمَا لَا سَبِيل لَهُ إِلَى عِبَادَته بمعونته فَلَا سَبِيل لَهُ إِلَى الاسْتقَامَة على الصِّرَاط إِلَّا بهدايته وَقَوله ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ يتضمّن بَيَان طرفِي الانحراف عَن الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وَأَن الانحراف إِلَى أحد الطَّرفَيْنِ انحراف إِلَى الضلال الَّذِي هُوَ فَسَاد الْعلم والاعتقاد والانحراف إِلَى الطّرف الآخر انحراف إِلَى الْغَضَب الَّذِي سَببه فَسَاد الْقَصْد وَالْعَمَل
стр. 18
فأوّل السُّورَة رَحْمَة وأوسطها هِدَايَة وَآخِرهَا نعْمَة وحظ العَبْد من النِّعْمَة على قدر حظّه من الْهِدَايَة وحظّه مِنْهَا على قدر حظّه من الرَّحْمَة فَعَاد الْأَمر كلّه إِلَى نعْمَته وَرَحمته وَالنعْمَة وَالرَّحْمَة من لَوَازِم ربوبيّته فَلَا يكون إِلَّا رحِيما منعما وَذَلِكَ من مُوجبَات الهيّته فَهُوَ الْإِلَه الْحق وَإِن جَحده الجاحدون وَعدل بِهِ الْمُشْركُونَ فَمن تحقّق بمعاني الْفَاتِحَة علما وَمَعْرِفَة وَعَملا وَحَالا فقد فَازَ من كَمَاله بأوفر نصيب وَصَارَت عبوديّته عبوديّة الخاصّة الَّذين ارْتَفَعت درجتهم عَن عوام المتعبّدين وَالله الْمُسْتَعَان
فَائِدَة الرب تَعَالَى يَدْعُو عباده فِي الْقُرْآن إِلَى مَعْرفَته من طَرِيقين أَحدهمَا
النّظر فِي مفعولاته وَالثَّانِي التفكر فِي آيَاته وتدبّرها فَتلك آيَاته المشهودة وَهَذِه آيَاته المسموعة المعقولة فالنوع الأوّل كَقَوْلِه إِنَّ فِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ إِلَى آخرهَا وَقَوله إِنَّ فِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَاب وَهُوَ كثير فِي الْقُرْآن وَالثَّانِي كَقَوْلِه ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآن﴾ وَقَوله ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْل﴾ وَقَوله ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاته﴾ وَهُوَ كثير أَيْضا
فأمّا المفعولات فَإِنَّهَا دالّة على الْأَفْعَال وَالْأَفْعَال دالّة على الصِّفَات فَإِن الْمَفْعُول يدل على فَاعل فعله وَذَلِكَ يسْتَلْزم وجوده وَقدرته ومشيئته وَعلمه لِاسْتِحَالَة صُدُور الْفِعْل الِاخْتِيَارِيّ من مَعْدُوم أَو مَوْجُود لَا قدرَة لَهُ وَلَا حَيَاة وَلَا علم وَلَا إِرَادَة ثمَّ مَا فِي المفعولات من التخصيصات المتنوعة دالّ على إِرَادَة الْفَاعِل وَأَن فعله لَيْسَ بالطبع بِحَيْثُ يكون وَاحِدًا غير متكرر وَمَا فِيهَا من الْمصَالح وَالْحكم والغايات المحمودة دَال على حكمته تَعَالَى وَمَا فِيهَا من النَّفْع وَالْإِحْسَان وَالْخَيْر دَال على رَحمته وَمَا فِيهَا من الْبَطْش والانتقام والعقوبة دَال
стр. 19
على غَضَبه وَمَا فِيهَا من الْإِكْرَام والتقريب والعناية دَال على محبّته وَمَا فِيهَا من الإهانة والإبعاد والخذلان دَال على بغضه ومقته وَمَا فِيهَا من ابْتِدَاء الشَّيْء فِي غَايَة النَّقْص والضعف ثمَّ سوقه إِلَى تَمَامه ونهايته دَال على وُقُوع الْمعَاد وَمَا فِيهَا من أَحْوَال النَّبَات وَالْحَيَوَان وَتصرف الْمِيَاه دَلِيل على إِمْكَان الْمعَاد وَمَا فِيهَا من ظُهُور آثَار الرَّحْمَة وَالنعْمَة على خلقه دَلِيل على صحّة النبوّات وَمَا فِيهَا من الكمالات الَّتِي لَو عدمتها كَانَت نَاقِصَة دَلِيل على أَن معطي تِلْكَ الكمالات أَحَق بهَا فمفعولاته من أدل شَيْء على صِفَاته وَصدق مَا أخْبرت بِهِ رسله عَنهُ فالمصنوعات شاهدة تصدق الْآيَات المسموعات منبّهة على الِاسْتِدْلَال بِالْآيَاتِ المصنوعات قَالَ تَعَالَى ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ أَي أَن الْقُرْآن حق فَأخْبر أنّه لَا بُد من أَن يُرِيهم من آيَاته المشهودة مَا يبيّن لَهُم أَن آيَاته المتلوّة حق ثمَّ أخبر بكفاية شَهَادَته على صِحَة خَبره بِمَا أَقَامَ من الدَّلَائِل والبراهين على صدق رَسُوله فآياته شاهدة بصدقه وَهُوَ شَاهد بِصدق رَسُوله بآياته وَهُوَ الشَّاهِد والمشهود لَهُ وَهُوَ الدَّلِيل والمدلول عَلَيْهِ فَهُوَ الدَّلِيل بِنَفسِهِ على نَفسه كَمَا قَالَ بعض العارفين كَيفَ أطلب لدَلِيل على من هُوَ دَلِيل على كل شَيْء فَأَي دَلِيل طلبته عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ أظهر مِنْهُ وَلِهَذَا قَالَ الرُّسُل لقومهم ﴿أَفِي اللَّهِ شَكّ﴾ فَهُوَ أعرف من كل مَعْرُوف وَأبين من كل دَلِيل فالأشياء عُرفت بِهِ فِي الْحَقِيقَة وَإِن كَانَ عُرف بهَا فِي النّظر وَالِاسْتِدْلَال بأفعاله وَأَحْكَامه عَلَيْهِ
فَائِدَة فِي الْمسند وصحيح أبي الحاتم من حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود قَالَ
قَالَ رَسُول الله مَا أصَاب عبدا هم وَلَا حزن فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي عَبدك وَابْن عَبدك ابْن أمتك ناصيتي بِيَدِك مَاض فِي حكمك عدل فِي قضاؤك أَسأَلك بِكُل اسْم هُوَ لَك سميت بِهِ نَفسك أَو أنزلته فِي كتابك أَو علّمته أحدا من خلقك أَو استأثرت
стр. 20
بِهِ فِي علم الْغَيْب عنْدك أَن تجْعَل الْقُرْآن ربيع قلبِي وَنور صَدْرِي وجلاء حزني وَذَهَاب همّي وغمّي إِلَّا أذهب الله همه وغمه وأبدله مَكَانَهُ فَرحا قَالُوا يَا رَسُول الله أَفلا نتعلّمهن قَالَ بلَى يَنْبَغِي لمن سمعهن أَن يتعلّمهن فتضمّن هَذَا الحَدِيث الْعَظِيم أمورا من الْمعرفَة والتوحيد والعبوديّة مِنْهَا أَن الدَّاعِي بِهِ صدَّر سُؤَاله بقوله إِنِّي عَبدك ابْن عَبدك ابْن أمتك وَهَذَا يتَنَاوَل مَن فَوْقه من آبَائِهِ وأمهاته إِلَى أَبَوَيْهِ آدم وحوّاء وَفِي ذَلِك تملّق لَهُ واستخذا بَين يَدَيْهِ واعتراف بِأَنَّهُ مَمْلُوكه وآباؤه مماليكه وَأَن العَبْد لَيْسَ لَهُ غير بَاب سيّده وفضله وإحسانه وَأَن سيّده إِن أهمله وتخلّى عَنهُ هلك وَلم يُؤوه أحد وَلم يعْطف عَلَيْهِ بل يضيع أعظم ضَيْعَة فتحت هَذَا الِاعْتِرَاف أَنِّي لَا غنى بِي عَنْك طرفَة عين وَلَيْسَ لي من أعوذ بِهِ وألوذ بِهِ غير سيّدي الَّذِي أَنا عَبده وَفِي ضمن ذَلِك الِاعْتِرَاف بِأَنَّهُ مربوب مدبّر مَأْمُور مَنْهِيّ إِنَّمَا يتصرّف بِحكم العبوديّة لَا بِحكم الِاخْتِيَار لنَفسِهِ فَلَيْسَ هَذَا شَأْن العَبْد بل شَأْن الْمُلُوك والأحرار وَأما العبيد فتعرفهم على مَحْض العبوديّة فَهَؤُلَاءِ عبيد الطَّاعَة المضافون إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ فِي قَوْله ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِم سُلْطَان﴾ وَقَوله ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْض هونا﴾ وَمن عداهم عبيد الْقَهْر والربوبية فأضافتهم إِلَيْهِ كإضافة سَائِر الْبيُوت إِلَى ملكه وَإِضَافَة أُولَئِكَ كإضافة الْبَيْت الْحَرَام إِلَيْهِ اضافة نَاقَته إِلَيْهِ وداره الَّتِي هِيَ الْجنَّة إِلَيْهِ وَإِضَافَة عبودية رَسُوله إِلَيْهِ بقوله ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا على عَبدنَا﴾ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ وَفِي التَّحْقِيق بِمَعْنى قَوْله أَنِّي عَبدك الْتِزَام عبوديته من الذل والخضوع والإنابة وامتثال أَمر سيّده وَاجْتنَاب نَهْيه ودوام الافتقار اليه واللجأ إِلَيْهِ والاستعانة بِهِ والتوكّل عَلَيْهِ وعياذ العَبْد بِهِ ولياذه بِهِ وَإِن لم لَا يتعلّق قلبه بِغَيْرِهِ محبّة وخوفا ورجاء وَفِيه أَيْضا أَنِّي عبد من جَمِيع الْوُجُوه صَغِيرا وكبيرا حيّا وميّتا ومطيعا وعاصيا معافى ومبتلى بِالروحِ وَالْقلب وَاللِّسَان والجوارح وَفِي أَيْضا أَن مَالِي وَنَفْسِي ملك لَك فَإِن العَبْد وَمَا
стр. 21
يملك لسيّده وَفِيه أَيْضا أَنَّك أَنْت الَّذِي مننت عليَّ بِكُل مل أَنا فِيهِ من نعْمَة فَذَلِك كلّه من إنعامك على عَبدك وَفِيه أَيْضا أَنِّي لَا أتصرّف فِيمَا خوّلتني من مَالِي وَنَفْسِي إِلَّا بِأَمْرك كَمَا لَا يتصرّف العَبْد إِلَّا بِإِذن سيّده وَأَنِّي لَا أملك لنَفْسي ضرّا وَلَا نفعا وَلَا موتا وَلَا حَيَاة وَلَا نشورا فَإِن صحّ لَهُ شُهُود ذَلِك فقد قَالَ أَنِّي عَبدك حَقِيقَة ثمَّ قَالَ ناصيتي بِيَدِك أَي أَنْت المتصرّف فيَّ تصرّفي كَيفَ تشَاء لست أَنا المتصرّف فِي نَفسِي وَكَيف يكون لَهُ فِي نَفسه تصرّف من نَفسه بيد ربه وسيده وناصيته بِيَدِهِ وَقَلبه بَين أصبعين من أَصَابِعه وَمَوته وحياته وسعادته وشقاوته وعافيته وبلاؤه كُله إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ لَيْسَ إِلَى العَبْد مِنْهُ شَيْء بل هُوَ فِي قَبْضَة سَيّده أَضْعَف من مَمْلُوك ضَعِيف حقير ناصيته بيد سُلْطَان قاهر مَالك لَهُ تَحت تصرّفه وقهره بل الْأَمر فَوق ذَلِك وَمَتى شهد العَبْد أَن ناصيته ونواصي الْعباد كلهَا بيد الله وَحده يصرفهم كَيفَ يَشَاء لم يخفهم بعد ذَلِك وَلم يرجهم وَلم ينزلهم منزلَة المالكين بل منزلَة عبيد مقهورين مربوبين المتصرّف فيهم سواهُم والمدبّر لَهُم غَيرهم فَمن شهد نَفسه بِهَذَا المشهد صَار فقره وضرورته إِلَى ربه وَصفا لَازِما لَهُ وَمَتى شهد النَّاس كَذَلِك لم يفْتَقر إِلَيْهِم وَلم يعلّق أمله ورجاءه بهم فاستقام توحيده وتوكّله وعبوديته وَلذَا قَالَ هود لِقَوْمِهِ ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي على صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ وَقَوله مَاض فيَّ حكمك عدل فِي قضاؤك تضمّن هَذَا الْكَلَام أَمريْن أَحدهمَا مضاء حكمه فِي عَبده وَالثَّانِي يتضمّن حَمده وعدله وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهَذَا معنى قَول نبيّه هود ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ ثمَّ قَالَ ﴿إِنَّ رَبِّي على صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ أَي مَعَ كَونه مَالِكًا قاهراً متصرّفا فِي عباده نواصيهم بِيَدِهِ فَهُوَ على صِرَاط مُسْتَقِيم وَهُوَ الْعدْل الَّذِي يتصرّف بِهِ فيهم فَهُوَ على صِرَاط مُسْتَقِيم فِي قَوْله وَفعله وقضائه وَقدره وَأمره وَنَهْيه وثوابه وعقابه فخبره كُله صدق وقضاؤه كلّه عدل وَأمره كُله مصلحَة وَالَّذِي نهى عَنهُ كُله ومفسدة وثوابه لمن يسْتَحق الثَّوَاب بفضله وَرَحمته وعقابه لمن يسْتَحق الْعقَاب بعدله وحكمته وَفرق بَين
стр. 22
الحكم وَالْقَضَاء وَجعل المضاء للْحكم وَالْعدْل لقَضَاء فَإِن حكمه سُبْحَانَهُ يتَنَاوَل حكمه الديني الشَّرْعِيّ وَحكمه الكوني القدري والنوعان نافذان فِي العَبْد ان ماضيان فِيهِ وَهُوَ مقهور تَحت الْحكمَيْنِ قد مضيا فِيهِ ونفذا فِيهِ شَاءَ أم أَبى لَكِن الحكم الكوني لَا يُمكنهُ مُخَالفَته وَأما الديني الشَّرْعِيّ فقد يُخَالِفهُ
وَلما كَانَ الْقَضَاء هُوَ الْإِتْمَام والإكمال وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون بعد مضيه ونفوذه قَالَ عدل فيَّ قضاؤك أَي الحكم الَّذِي أكملته وأتممته ونفّذته فِي عَبدك عدل مِنْك فِيهِ وَأما الحكم فَهُوَ مَا يحكم بِهِ سُبْحَانَهُ وَقد يَشَاء تنفيذه وَقد لَا ينفذهُ فَإِن كَانَ حكما دينيا فَهُوَ مَاض فِي العَبْد وَإِن كَانَ كونيا فَإِن نفذه سُبْحَانَهُ مضى فِيهِ وَإِن لم ينفّذه انْدفع عَنهُ فَهُوَ سُبْحَانَهُ يقْضِي مَا يقْضِي بِهِ وَغَيره قد يقْضِي بِقَضَاء وَيقدر أَمر وَلَا يَسْتَطِيع تنفيذه وَهُوَ سُبْحَانَهُ يقْضِي ويمضي فَلهُ الْقَضَاء والإمضاء وَقَوله عدل فيَّ قضاؤك يتَضَمَّن جَمِيع أقضيته فِي عَبده من كل الْوُجُوه من صِحَة وسقم وغنى وفقر ولذّة وألم وحياة وَمَوْت وعقوبة وَتجَاوز وَغير ذَلِك قَالَ تَعَالَى وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَة فِيمَا كسبت أَيْدِيكُم وَقَالَ ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْأِنْسَانَ كفور﴾ فَكل مَا يقْضى على العَبْد فَهُوَ عدل فِيهِ
فَإِن قيل فالمعصية عنْدكُمْ بِقَضَائِهِ وَقدره فَمَا وَجه الْعدْل فِي قَضَائهَا فَإِن الْعدْل فِي الْعقُوبَة عَلَيْهَا ظَاهر قيل هَذَا سُؤال لَهُ شَأْن وَمن أَجله زعمت طَائِفَة أَن الْعدْل هُوَ الْمَقْدُور وَالظُّلم مُمْتَنع لذاته قَالُوا لِأَن الظُّلم هُوَ التصرّف فِي ملك الْغَيْر وَالله لَهُ كل شَيْء فَلَا يكون تصرّفه فِي خلقه إِلَّا عدلا وَقَالَت طَائِفَة بل الْعدْل أَنه لَا يُعَاقب على مَا قَضَاهُ وَقدره فلمّا حسن مِنْهُ الْعقُوبَة على الذَّنب عُلم أنّه لَيْسَ بِقَضَائِهِ وَقدره فَيكون الْعدْل هُوَ جَزَاؤُهُ على الذَّنب بالعقوبة والذم إِمَّا فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا فِي الْآخِرَة وصعب على هَؤُلَاءِ الْجمع بَين الْعدْل وَبَين الْقدر فزعموا أَن من أثبت الْقدر لم يُمكنهُ أَن يَقُول بِالْعَدْلِ وَمن قَالَ بِالْعَدْلِ لم يُمكنهُ أَن يَقُول بِالْقدرِ كَمَا صَعب عَلَيْهِم الْجمع بَين التَّوْحِيد وَإِثْبَات الصِّفَات فزعموا أَنه لَا يُمكنهُم إِثْبَات التَّوْحِيد إِلَّا بإنكار الصِّفَات فَصَارَ توحيدهم تعطيلا
стр. 23
وعدلهم تَكْذِيبًا بِالْقدرِ وَأما أهل السّنة فهم مثبتون للأمرين وَالظُّلم عِنْدهم هُوَ وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه كتعذيب الْمُطِيع وَمن لَا ذَنْب لَهُ وَهَذَا قد نزّه الله نَفسه عَنهُ فِي غير مَوضِع من كِتَابه وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَإِن أضلّ من شَاءَ وَقضى بالمعصية والغي على من شَاءَ فَذَلِك مَحْض الْعدْل فِيهِ لِأَنَّهُ وضع الإضلال والخذلان فِي مَوْضِعه اللَّائِق بِهِ كَيفَ وَمن أَسْمَائِهِ الْحسنى الْعدْل الَّذِي كل أَفعاله وَأَحْكَامه سداد وصواب وَحقّ وَهُوَ سُبْحَانَهُ قد أوضح السبل وَأرْسل الرُّسُل وَأنزل الْكتب وأزاح الْعِلَل ومكّن من أَسبَاب الْهِدَايَة وَالطَّاعَة بالأسماع والأبصار والعقول وَهَذَا عدله ووفّق من شَاءَ بمزيد عناية وَأَرَادَ من نَفسه أَن يُعينهُ ويوفّقه فَهَذَا فَضله وخذل من لَيْسَ بِأَهْل لتوفيقه وفضله وخلى بَينه وَبَين نَفسه وَلم يرد سُبْحَانَهُ من نَفسه أَن يوفّقه فَقطع عَنهُ فَضله وَلم يحرمه عدله وَهَذَا نَوْعَانِ أَحدهمَا مَا يكون جَزَاء مِنْهُ للْعَبد على إعراضه عَنهُ وإيثار عدوه فِي الطَّاعَة والموافقة عَلَيْهِ وتناسي ذكره وشكره فَهُوَ أهل أَن يَخْذُلهُ ويتخلى عَنهُ وَالثَّانِي أَن لَا يَشَاء لَهُ ذَلِك ابْتِدَاء لما يعلم مِنْهُ أَنه لَا يعرف قدر نعْمَة الْهِدَايَة وَلَا يشكره عَلَيْهِ وَلَا يثني عَلَيْهِ بهَا وَلَا يُحِبهُ فَلَا يشاؤها لَهُ لعدم صَلَاحِية مَحَله قَالَ تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَم بِالشَّاكِرِينَ﴾ وَقَالَ ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأسمعهم﴾ فَإِذا قضى على هَذِه النُّفُوس بالضلال وَالْمَعْصِيَة كَانَ ذَلِك مَحْض الْعدْل كَمَا إِذا قضى على الحيّة بِأَن تقتل وعَلى الْعَقْرَب وعَلى الْكَلْب الْعَقُور كَانَ ذَلِك عدلا فِيهِ وَإِن كَانَ مخلوقا على هَذِه الصّفة وَقد اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَام فِي هَذَا فِي كتَابنَا الْكَبِير فِي الْقَضَاء وَالْقدر
وَالْمَقْصُود أَن قَوْله مَاض فِي حكمك عدل فِي قضاؤك رد على الطَّائِفَتَيْنِ القدريّة الَّذين يُنكرُونَ عُمُوم أقضية الله فِي عَبده وَيخرجُونَ أَفعَال الْعباد عَن كَونهَا بِقَضَائِهِ وَقدره ويردون الْقَضَاء إِلَى الْأَمر وَالنَّهْي وعَلى الجبريّة الَّذين يَقُولُونَ كل مَقْدُور عدل فَلَا يبْقى لقَوْله عدل فِي قضاؤك فَائِدَة فَإِن الْعدْل عِنْدهم كل مَا يُمكن
стр. 24
فعله وَالظُّلم هُوَ الْمحَال لذاته فَكَأَنَّهُ قَالَ مَاض ونافذ فيّ قضاؤك وَهَذَا هُوَ الأول بِعَيْنِه وَقَوله أَسأَلك بِكُل اسْم إِلَى آخِره توسل إِلَيْهِ بأسمائه كلهَا مَا علم العَبْد مِنْهَا وَمَا لم يعلم وَهَذِه أحب الْوَسَائِل إِلَيْهِ فَإِنَّهَا وَسِيلَة بصفاته وأفعاله الَّتِي هِيَ مَدْلُول أَسْمَائِهِ وَقَوله أَن تجْعَل الْقُرْآن ربيع قلبِي وَنور صَدْرِي الرّبيع الْمَطَر الَّذِي يحيي الأَرْض شبّه الْقُرْآن بِهِ لحياة الْقُلُوب بِهِ وَكَذَلِكَ شبهه الله بالمطر وَجمع بَين المَاء الَّذِي تحصل بِهِ الْحَيَاة والنور الَّذِي تحصل بِهِ الإضاءة وَالْإِشْرَاق كَمَا جمع بَينهمَا سُبْحَانَهُ فِي قَوْله أنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً وَمِمَّا توقدون عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حلية وفى قَوْله ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ثمَّ قَالَ ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ وَفِي قَوْله اللَّهُ نور السَّمَوَات وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ الْآيَات ثمَّ قَالَ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يزجي السَّحَاب ثمَّ يؤلف بَينه الْآيَة فتضمّن الدُّعَاء أَن يحيي قلبه بربيع الْقُرْآن وَأَن ينوّر بِهِ صَدره فتجتمع لَهُ الْحَيَاة والنور قَالَ تَعَالَى ﴿أَو من كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِج مِنْهَا﴾
وَلما كَانَ الصَّدْر أوسع من الْقلب كَانَ النُّور الْحَاصِل لَهُ يسري مِنْهُ إِلَى الْقلب لِأَنَّهُ قد حصل لما هُوَ أوسع مِنْهُ وَلما كَانَت حَيَاة الْبدن والجوارح كلهَا بحياة الْقلب تسري الْحَيَاة مِنْهُ إِلَى الصَّدْر ثمَّ إِلَى الْجَوَارِح سَأَلَ الْحَيَاة لَهُ بِالربيعِ الَّذِي هُوَ مادّتها وَلما كَانَ الْحزن والهم وَالْغَم يضاد حَيَاة الْقلب واستنارته سَأَلَ أَن يكون ذهابها بِالْقُرْآنِ فَإِنَّهَا أَحْرَى أَن لَا تعود وَأما إِذا ذهبت بِغَيْر الْقُرْآن من صِحَة أَو دنيا أَو جاه أَو زَوْجَة أَو ولد فَإِنَّهَا تعود بذهاب ذَلِك وَالْمَكْرُوه الْوَارِد على الْقلب إِن كَانَ من أَمر مَاض أحدث الْحزن زَان كَانَ من مُسْتَقْبل أحدث الْهم وَإِن كَانَ من أَمر حَاضر أحدث الْغم وَالله أعلم
стр. 25
فَائِدَة أنزه الموجودات وأظهرها وأنورها وَأَشْرَفهَا وأعلاها ذاتا وَقدرا
وأوسعها عرش الرَّحْمَن ﷻ وَلذَلِك صلح لاستوائه عَلَيْهِ وكل مَا كَانَ أقرب إِلَى الْعَرْش كَانَ أنور وأنزه وأشرف مِمَّا بعد عَنهُ وَلِهَذَا كَانَت جنّة الفردوس أَعلَى الْجنان وَأَشْرَفهَا وأنورها وأجلّها لقربها من الْعَرْش إِذْ هُوَ سقفها وكل مَا بعد عَنهُ كَانَ أظلم وأضيق وَلِهَذَا كَانَ أَسْفَل سافلين شرّ الْأَمْكِنَة وأضيقها وأبعدها من كل خير وَخلق الله الْقُلُوب وَجعلهَا محلا لمعرفته ومحبّته وإرادته فَهِيَ عرش الْمثل الْأَعْلَى الَّذِي هُوَ مَعْرفَته ومحبّته وإرادته قَالَ تَعَالَى ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ وَقَالَ تَعَالَى وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَوَات وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ فَهَذَا من الْمثل الْأَعْلَى وَهُوَ مستو على قلب الْمُؤمن فَهُوَ عَرْشه وَإِن لم يكن أطهر الْأَشْيَاء وأنزهها وأطيبها وأبعدها من كل دنس وخبث لم يصلح لِاسْتِوَاء الْمثل الْأَعْلَى عَلَيْهِ معرفَة ومحبة وَإِرَادَة فَاسْتَوَى عَلَيْهِ مثل الدُّنْيَا الْأَسْفَل ومحبتها وإرادتها والتعلّق بهَا فَضَاقَ وأظلم وَبعد من كَمَاله وفلاحه حَتَّى تعود الْقُلُوب على قلبين قلب هُوَ عرش الرَّحْمَن فَفِيهِ النُّور والحياة والفرح وَالسُّرُور والبهجة وذخائر الْخَيْر وقلب هُوَ عرش الشَّيْطَان فهناك الضّيق والظلمة وَالْمَوْت والحزن وَالْغَم والهم فَهُوَ حَزِين على مَا مضى مهموم بِمَا يسْتَقْبل مغموم فِي الْحَال وَقد روى التِّرْمِذِيّ وَغَيره عَن النَّبِي أَنه قَالَ إِذا دخل النُّور الْقلب انْفَسَخ وانشرح قَالُوا فَمَا عَلامَة ذَلِك يَا رَسُول الله قَالَ الْإِنَابَة إِلَى دَار الخلود والتجاني عَن دَار الْغرُور والاستعداد للْمَوْت قبل نُزُوله والنور الَّذِي يدْخل الْقلب إِنَّمَا هُوَ آثَار الْمثل الْأَعْلَى فَلذَلِك يَنْفَسِخ وينشرح وَإِذا لم يكن فِيهِ معرفَة الله ومحبّته فحظّه الظلمَة والضيق
стр. 26
فَائِدَة تأمّل خطاب الْقُرْآن تَجِد ملكا لَهُ الْملك كُله وَله الْحَمد كُله أزِمَّة الْأُمُور كلهَا بِيَدِهِ ومصدرها مِنْهُ ومرادها إِلَيْهِ مستويا على سَرِير ملكه لَا تخفى عَلَيْهِ خافية فِي أقطار مَمْلَكَته عَالما بِمَا فِي نفوس عبيده مطّلعا على أسرارهم وعلانيتهم مُنْفَردا بتدبير المملكة يسمع وَيرى وَيُعْطِي وَيمْنَع ويثيب ويعاقب وَيكرم ويهين ويخلق ويرزق وَيُمِيت ويحيي وَيقدر وَيَقْضِي ويدبّر الْأُمُور نازلة من عِنْده دقيقها وجليلها وصاعدة إِلَيْهِ لَا تتحرك فِي ذرّة إِلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا تسْقط ورقة إِلَّا بِعِلْمِهِ فتأمّل كَيفَ تَجدهُ يثني على نَفسه ويمجّد نَفسه ويحمد نَفسه وَينْصَح عباده ويدلّهم على مَا فِيهِ سعادتهم وفلاحهم ويرغّبهم فِيهِ ويحذّرهم مِمَّا فِيهِ هلاكهم ويتعرّف إِلَيْهِم بأسمائه وَصِفَاته ويتححب إِلَيْهِم بنعمه وآلائه فيذكّرهم بنعمه عَلَيْهِم وَيَأْمُرهُمْ بِمَا يستوجبون بِهِ تَمامهَا ويحذّرهم من نقمه ويذكّرهم بِمَا أعد لَهُم من الْكَرَامَة إِن أطاعوه وَمَا أعد لَهُم مَا الْعقُوبَة إِن عصوه ويخبرهم بصنعه فِي أوليائه وأعدائه وَكَيف كَانَت عَاقِبَة هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء ويثني على أوليائه بِصَالح أَعْمَالهم وَأحسن أوصافهم ويذم أعداءه بسىء أَعْمَالهم وقبيح صفاتهم وَيضْرب الْأَمْثَال وينوّع الأدلّة والبراهين ويجيب عَن شبه أعدائه أحسن الْأَجْوِبَة وَيصدق الصَّادِق ويكذب الْكَاذِب وَيَقُول الْحق وَيهْدِي السَّبِيل وَيَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام وَيذكر أوصافها وحسنها وَنَعِيمهَا ويحذّر من دَار الْبَوَار وَيذكر عَذَابهَا وقبحها وآلامها وَيذكر عباده فَقرهمْ إِلَيْهِ وشدّة حَاجتهم إِلَيْهِ من كل وَجه وَأَنَّهُمْ لَا غنى لَهُم عَنهُ طرفَة عين وَيذكر غناهُ عَنْهُم وَعَن جَمِيع الموجودات وَأَنه الْغَنِيّ بِنَفسِهِ عَن كل مَا سواهُ وكل مَا سواهُ فَقير إِلَيْهِ بِنَفسِهِ وَأَنه لَا ينَال أحد ذرة من الْخَبَر فَمَا فَوْقهَا إِلَّا بفضله وَرَحمته وَلَا ذرّة من الشَّرّ فَمَا فَوْقهَا إِلَّا بعدله وحكمته وَيشْهد من خطابه عتابه لأحبابه ألطف عتاب وَأَنه مَعَ ذَلِك مقيل عثراتهم وغافر زلاتهم ومقيم أعذارهم ومصلح فسادهم والدافع
стр. 27
عَنْهُم والمحامي عَنْهُم والناصر لَهُم وَالْكَفِيل بمصالحهم والمنجي لَهُم من كل كرب والموفي لَهُم بوعده وَأَنه وليّهم الَّذِي لَا ولي لَهُم سواهُ فَهُوَ مَوْلَاهُم الْحق ونصيرهم على عدوهم فَنعم الْمولى وَنعم النصير فَإِذا شهِدت الْقُلُوب من الْقُرْآن ملكا عَظِيما رحِيما جوادا جميلا هَذَا شَأْنه فَكيف لَا تحبّه وتنافس فِي الْقرب مِنْهُ وتنفق أنفاسها فِي التودد إِلَيْهِ وَيكون أحب إِلَيْهَا من كل مَا سواهُ وَرضَاهُ آثر عِنْدهَا من رضَا كل مَا سواهُ وَكَيف لَا تلهج بِذكرِهِ وَيصير حبه والشوق إِلَيْهِ والأنس بِهِ هُوَ غذائها وقوتها ودواؤها بِحَيْثُ إِن فقدت ذَلِك فَسدتْ وَهَلَكت وَلم تَنْفَع بحياتها
فَائِدَة قبُول الْمحل لما يوضع فِيهِ مَشْرُوط بتفريغه من ضدّه وَهَذَا كَمَا أَنه
فِي الذوات والأعيان فَكَذَلِك هُوَ فِي الاعتقادات والإرادات فَإِذا كَانَ الْقلب ممتلئا بِالْبَاطِلِ اعتقادا ومحبّة لم يبْق فِيهِ لاعتقاد الْحق ومحبّته مَوضِع كَمَا أَن اللِّسَان إِذا اشْتغل بالتكلم بِمَا لَا ينفع لم يتَمَكَّن صَاحبه من النُّطْق بِمَا يَنْفَعهُ إِلَّا إِذا فزع لِسَانه من النُّطْق بِالْبَاطِلِ وَكَذَلِكَ الْجَوَارِح إِذا اشتغلت بِغَيْر الطَّاعَة لم يُمكن شغلها بِالطَّاعَةِ إِلَّا إِذا فرغها من ضدها فَكَذَلِك الْقلب المشغول بمحبّة غير الله وإرادته والشوق إِلَيْهِ والأنس بِهِ إِلَّا يُمكن شغله بمحبة الله واردته وحبه والشوق إِلَى لِقَائِه لَا بتفريغه من تعلّقه بِغَيْرِهِ وَلَا حَرَكَة اللِّسَان بِذكرِهِ والجوارح بخدمته إِلَّا إِذا فرغها من ذكر غَيره وخدمته فَإِذا امْتَلَأَ الْقلب بِالشغلِ بالمخلوق والعلوم الَّتِي لَا تَنْفَع لم يبْقى فِيهَا مَوضِع للشغل بِاللَّه وَمَعْرِفَة أَسْمَائِهِ وَصِفَاته وَأَحْكَامه وسر ذَلِك أَن إصغاء الْقلب كإصغاء الْأذن فَإِذا صغى إِلَى غير حَدِيث الله لم يبْق فِيهِ إصغاء وَلَا فهم لحديثه كَمَا إِذا مَال إِلَى غير محبّة الله لم يبْق فِيهِ ميل إِلَى محبّته فَإِذا نطق الْقلب بِغَيْر ذكره لم يبْق فِيهِ مَحل للنطق بِذكرِهِ كاللسان وَلِهَذَا فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي أَنه قَالَ لِأَن يمتلىء جَوف أحدكُم قَيْحا حَتَّى يَرِيَهُ خير لَهُ من أَن يمتلىء
стр. 28
شعرًا فبيّن أَن الْجوف يمتلىء بالشعر فَكَذَلِك يمتلىء بالشبه والشكوك والخيالات والتقديرات الَّتِي لَا وجود لَهَا والعلوم الَّتِي لَا تَنْفَع والمفاكهات والمضاحكات والحكايات وَنَحْوهَا وَإِذا امْتَلَأَ الْقلب بذلك جَاءَتْهُ حقائق الْقُرْآن وَالْعلم الَّذِي بِهِ كَمَاله وسعادته فَلم تَجِد فِيهِ فراغا لَهَا وَلَا قبولا فتعدته وجاوزته إِلَى مَحل سواهُ كَمَا إِذا بذلت النَّصِيحَة لقلب ملآن من ضدها لَا منفذ لَهَا فِيهِ فَإِنَّهُ فِيهِ لَا يقبلهَا وَلَا تلج فِيهِ لَكِن تمر مجتازة لَا مستوطنة وَلذَلِك قيل
نزّه فُؤَادك من سوانا تلقنا ... فجنابنا حل لكل منزّه
وَالصَّبْر طلسم لكنز وصالنا ... من حل ذَا الطلسم فَازَ بكنزه وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
فَائِدَة قَوْله تَعَالَى أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ إِلَى آخرهَا أخلصت هَذِه السُّورَة للوعد
الْوَعيد والتهديد وَكفى بهَا موعظة لمن عقلهَا فَقَوله تَعَالَى أَلْهَاكُمُ أَي شغلكم على وَجه لَا تعتذرون فِيهِ فَإِن الإلهاء عَن الشَّيْء هُوَ الِاشْتِغَال عَنهُ فَإِن كَانَ بِقصد فَهُوَ مَحل التَّكْلِيف وَإِن كَانَ بِغَيْر قصد كَقَوْلِه فِي الخميصة إِنَّهَا ألهتني آنِفا عَن صَلَاتي كَانَ صَاحبه مَعْذُورًا وَهُوَ نوع من النسْيَان وَفِي الحَدِيث فلهَا عَن الصَّبِي أَي ذهل عَنهُ وَيُقَال لَهَا بالشَّيْء أَي اشْتغل بِهِ وَلها عَنهُ إِذا انْصَرف عَنهُ وَاللَّهْو للقلب واللعب للجوارح وَلِهَذَا يجمع بَينهمَا وَلِهَذَا كَانَ قَوْله أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ أبلغ فِي الذَّم من شغلكم فَإِن الْعَامِل قد يسْتَعْمل جوارحه بِمَا يعْمل وَقَلبه غير لاه بِهِ فاللهو هُوَ ذُهُول وإعراض وَالتَّكَاثُر تفَاعل من الْكَثْرَة أَي مكاثرة بَعْضكُم لبَعض وَأعْرض عَن ذكر المتكاثر بِهِ إِرَادَة لإطلاقه وعمومه وَأَن كل مَا يكاثر بِهِ العَبْد غَيره سوى طَاعَة الله وَرَسُوله وَمَا يعود عَلَيْهِ بنفع معاده فَهُوَ دَاخل فِي هَذَا التكاثر فالتكاثر فِي كل شَيْء من مَال أَو جاه أَو رياسة أَو نسْوَة أَو حَدِيث أَو
стр. 29
علم وَلَا سيّما إِذا لم يحْتَج إِلَيْهِ وَالتَّكَاثُر فِي الْكتب والتصانيف وَكَثْرَة الْمسَائِل وتفريعها وتوليدها وَالتَّكَاثُر أَن يطْلب الرجل أَن يكون أَكثر من غَيره وَهَذَا مَذْمُوم إِلَّا فِيمَا يقرّب إِلَى الله فالتكاثر فِيهِ مُنَافَسَة فِي الْخيرَات ومسابقة إِلَيْهَا وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث عبد الله بن الشخير أَنه انْتهى إِلَى النَّبِي وَهُوَ يقْرَأ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ قَالَ يَقُول ابْن آدم مَالِي وَهل لَك من مَالك إِلَّا مَا تصدّقت فأمضيت أَو أكلت فأفنيت أَو لبست فأبليت تَنْبِيه
من لم ينْتَفع بِعَيْنِه لم ينْتَفع بأذنه للْعَبد ستر بَينه وَبَين الله وَستر بَينه وَبَين النَّاس فَمن هتك السّتْر الَّذِي بَينه وَبَين الله حَقك الله الستد الَّذِي بَينه وَبَين النَّاس للْعَبد رب هُوَ ملاقيه وَبَيت هُوَ ساكنه فَيَنْبَغِي لَهُ أَن يسترضي ربّه قبل لِقَائِه ويعمّر بَيته قبل انْتِقَاله إِلَيْهِ إِضَاعَة الْوَقْت أَشد من الْمَوْت لِأَن إِضَاعَة الْوَقْت تقطعك عَن الله وَالدَّار الْآخِرَة وَالْمَوْت يقطعك عَن الدُّنْيَا وَأَهْلهَا الدُّنْيَا من أَولهَا إِلَى آخرهَا لَا تَسَاوِي غم سَاعَة فَكيف بغم الْعُمر مَحْبُوب الْيَوْم يعقب الْمَكْرُوه غَدا ومكروه الْيَوْم يعقب المحبوب غَدا أعظم الرِّبْح فِي الدُّنْيَا أَن تشغل نَفسك كل وَقت بِمَا هُوَ أولى بهَا وأنفع لَهَا فِي معادها كَيفَ يكون عَاقِلا من بَاعَ الْجنَّة بِمَا فِيهَا بِشَهْوَة سَاعَة يخرج الْعَارِف من الدُّنْيَا وَلم يقْض وطره من شَيْئَيْنِ بكاؤه على نَفسه وثناؤه على ربّه الْمَخْلُوق إِذا خفته استوحشت مِنْهُ وهربت مِنْهُ والرب تَعَالَى إِذا خفته أنست بِهِ وَقربت إِلَيْهِ لَو نفع الْعلم بِلَا عمل لما ذمّ الله سُبْحَانَهُ أَحْبَار أهل الْكتاب وَلَو نفع الْعَمَل بِلَا إخلاص لما ذمّ الْمُنَافِقين دَافع الخطرة فَإِن لم تفعل صَارَت فكرة فدافع الفكرة فان لم تفعل صَارَت شَهْوَة فحاربها فَإِن لم تفعل صَارَت عَزِيمَة وهِمَّة فَإِن لم تدافعها صَارَت فعلا فَإِن لم تتداركه بضدّه صَار عَادَة فيصعب عَلَيْك الِانْتِقَال عَنْهَا التَّقْوَى ثَلَاث مَرَاتِب إِحْدَاهَا حمية الْقلب والجوارح عَن الآثام
стр. 30
والمحرّمات الثَّانِيَة حميتها عَن المكروهات الثَّالِثَة الحمية عَن الفضول وَمَا لَا يَعْنِي فَالْأولى تُعْطِي العَبْد حَيَاته وَالثَّانيَِة تفيده صِحَّته وقوته وَالثَّالِثَة تكسبه سروره وفرحه وبهجته
غموض الْحق حِين تذب عَنهُ ... يقلل نَاصِر الْخصم المحق
تضل عَن الدَّقِيق فَهُوَ م قوم ... فتقضي للمجلّ على المدقّ
بِاللَّه أبلغ مَا أسعى وأدركه ... لابي وَلَا يشفع لي من النَّاس
إِذا أَيِست وَكَاد الْيَأْس يقطعني ... جَاءَ الرجا مسرعا من جَانب الْيَأْس
من خلقه الله للجنّة لم تزل هَدَايَاهَا تَأتيه من المكاره وَمن خلقه للنار لم تزل هَدَايَاهَا تَأتيه من الشَّهَوَات لما طلب آدم الخلود فِي الْجنَّة من جَانب الشَّجَرَة عُوقِبَ بِالْخرُوجِ مِنْهَا وَلما طلب يُوسُف الْخُرُوج من السجْن من جِهَة صَاحب الرُّؤْيَا لبث فِيهِ بضع سِنِين إِذا جرى على العَبْد مَقْدُور يكرههُ فَلهُ فِيهِ ستّة مشَاهد أَحدهَا مشْهد التَّوْحِيد وَأَن الله هُوَ الَّذِي قدّره وشاءه وخلقه وَمَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَاء لم يكن الثَّانِي مشْهد الْعدْل وَأَنه مَاض فِيهِ حكمه عدل فِيهِ قَضَاؤُهُ الثَّالِث مشْهد الرَّحْمَة وَأَن رَحمته فِي هَذَا الْمَقْدُور غالبه لغضبه وانتقامه وَرَحمته حشوه الرَّابِع مشْهد الْحِكْمَة وَأَن حكمته سُبْحَانَهُ اقْتَضَت ذَلِك لم يقدّره سدى وَلَا قَضَاهُ عَبَثا الْخَامِس مشْهد الْحَمد وَأَن لَهُ سُبْحَانَهُ الْحَمد التَّام على ذَلِك من جَمِيع وجوهه السَّادِس مشْهد العبوديّة وَأَنه عبد مَحْض من كل وَجه تجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَام سيّده وأقضيته بِحكم كَونه ملكه وَعَبده فيصرفه تَحت أَحْكَامه القدريّة كَمَا يصرفهُ تَحت أَحْكَامه الدينيّة فَهُوَ مَحل لجَرَيَان هَذِه الْأَحْكَام عَلَيْهِ
قلّة التَّوْفِيق وَفَسَاد الرَّأْي وخفاء الْحق وَفَسَاد الْقلب وخمول الذّكر وإضاعة الْوَقْت ونفرة الْخلق والوحشة بَين العَبْد وَبَين ربّه وَمنع إِجَابَة الدُّعَاء وقسوة الْقلب ومحق الْبركَة فِي الرزق والعمر وحرمان الْعلم ولباس الذل وإهانة الْعَدو وضيق
стр. 31
الصَّدْر والابتلاء بقرناء السوء الَّذين يفسدون الْقلب ويضيعون الْوَقْت وَطول الْهم وَالْغَم وضنك الْمَعيشَة وكسف البال تتولّد من الْمعْصِيَة والغفلة عَن ذكر الله كَمَا يتولّد الزَّرْع عَن المَاء والإحراق عَن النَّار وأضداد هَذِه تتولّد عَن الطَّاعَة
فصل طُوبَى لمن أنصف ربّه فَأقر لَهُ بِالْجَهْلِ فِي علمه والآفات فِي عمله
والعيوب فِي نَفسه والتفريط فِي حَقه وَالظُّلم فِي مُعَامَلَته فَإِن آخذه بذنوبه رأى عدله وَإِن لم يؤاخذه بهَا رأى فَضله وَإِن عمل حَسَنَة رَآهَا من منّته وصدقته عَلَيْهِ فَإِن قبلهَا فمنّة وَصدقَة ثَانِيَة وَإِن ردّها فلكون مثلهَا لَا يصلح أَن يواجه بِهِ وَإِن عمل سيّئة رَآهَا من تخلّيه عَنهُ وخذلانه لَهُ وإمساك عصمته عَنهُ وَذَلِكَ من عدله فِيهِ فَيرى فِي ذَلِك فقره إِلَى ربّه وظلمه فِي نَفسه فَإِن غفرها لَهُ فبمحض إحسانه وجوده وَكَرمه ونكتة الْمَسْأَلَة وسرّها أنّه لَا يرى ربه الامحسنا وَلَا يرى نَفسه إِلَّا مسيئا أَو مفرطا أَو مقصّرا فَيرى كل مَا يسرّه من فضل ربّه عَلَيْهِ وإحسانه إِلَيْهِ وكل مَا يسوءه من ذنُوبه وَعدل الله فِيهِ المحبّون إِذا خربَتْ منَازِل أحبّائهم قَالُوا سقيا لسكانها وَكَذَلِكَ الْمُحب إِذا أَتَت عَلَيْهِ الأعوام تَحت التُّرَاب ذكر حِينَئِذٍ حسن طَاعَته فِي الدُّنْيَا وتودده اليه وتجدد رَحمته وسقياه لمن كَانَ سَاكِنا فِي تِلْكَ الْأَجْسَام البالية
فَائِدَة الْغيرَة غيرتان غيرَة على الشَّيْء وغيرة من الشَّيْء فالغيرة على
المحبوب حرصك عَلَيْهِ والغيرة من الْمَكْرُوه أَن يزاحمك عَلَيْهِ فالغيرة على المحبوب لَا تتمّ إِلَّا بالغيرة من المزاحم وَهَذِه تحمد حَيْثُ يكون المحبوب تقبح الْمُشَاركَة فِي حبه كالمخلوق وَأما من تحسن الْمُشَاركَة فِي حبه كالرسول والعالم بل الحبيب الْقَرِيب سُبْحَانَهُ فَلَا
стр. 32
يتصوّر غيرَة الْمُزَاحمَة عَلَيْهِ بل هُوَ حسد والغيرة المحمودة فِي حَقه أَن يغار الْمُحب على محبته لَهُ أَن يصرفهَا إِلَى غَيره أَو يغار عَلَيْهَا أَن يطلع عَلَيْهَا الْغَيْر فيفسدها عَلَيْهِ أَو يغار على أَعماله أَن يكون فِيهَا شَيْء لغير محبوبه أَو يغار عَلَيْهَا أَن يشوبها مَا يكره محبوبه من رِيَاء أَو إعجاب أَو محبَّة لإشراف غَيره عَلَيْهَا أَو غيبته عَن شُهُود منته عَلَيْهِ فِيهَا
وَبِالْجُمْلَةِ فغيرته تَقْتَضِي أَن تكون أَحْوَاله وأعماله وأفعاله كلهَا لله وَكَذَلِكَ يغار على أوقاته أَن يذهب مِنْهَا وَقت فِي غير رضى محبوبه فَهَذِهِ الْغيرَة من جِهَة العَبْد وَهِي غيرَة من المزاحم لَهُ المعوق الْقَاطِع لَهُ عَن مرضاة محبوبه وَأما غيرَة محبوبه عَلَيْهِ فَهِيَ كَرَاهِيَة أَن ينْصَرف قلبه عَن محبته إِلَى محبَّة غَيره بِحَيْثُ يُشَارِكهُ فِي حبه وَلِهَذَا كَانَت غيرَة الله أَن يَأْتِي العَبْد ماحرم عَلَيْهِ وَلأَجل غيرته سُبْحَانَهُ حرّم الْفَاحِشَة مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطنِ لِأَن الْخلق عبيده وإماؤه فَهُوَ يغار على إمائه كَمَا يغار السَّيِّد على جواريه وَللَّه الْمثل الْأَعْلَى ويغار على عبيده أَن تكون محبتهم لغيره بِحَيْثُ تحملهم تِلْكَ الْمحبَّة على عشق الصُّور ونيل الْفَاحِشَة مِنْهَا
من عظم وقار الله فِي قلبه أَن يعصيه وقّره الله فِي قُلُوب الْخلق أَن يذلّوه إِذا علقت شروش الْمعرفَة فِي أَرض الْقلب نَبتَت فِيهِ شَجَرَة الْمحبَّة فَإِذا تمكّنت وقويت أثمرت الطَّاعَة فَلَا تزَال الشَّجَرَة تؤتي أكلهَا كل حِين باذن الله رَبِّهَا أول منَازِل الْقَوْم اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بكرَة وَأَصِيلا وأوسطها هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى والنور وَآخِرهَا تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يلقونه سَلام أَرض الْفطْرَة رحبة قَابِلَة لما يغْرس فِيهَا فَإِن غرست شَجَرَة الْإِيمَان وَالتَّقوى أورثت حلاوة الْأَبَد وَإِن غرست شَجَرَة الْجَهْل والهوى فَكل الثَّمر من ارْجع إِلَى الله واطلبه من عَيْنك وسمعك وقلبك وَلِسَانك وَلَا تشرد عَنهُ من هَذِه الْأَرْبَعَة فَمَا رَجَعَ من رَجَعَ إِلَيْهِ بتوفيقه إِلَّا مِنْهَا وَمَا شرد من شرد عَنهُ بخذلانه إِلَّا مِنْهَا فالموفق يسمع ويبصر ويتكلّم ويبطش بمولاه والمخذول يصدر ذَلِك عَنهُ بِنَفسِهِ وهواه
стр. 33
مِثَال تولد الطَّاعَة ونموها وتزايدها كَمثل نواة غرستها فَصَارَت شَجَرَة ثمَّ أثمرت فَأكلت ثَمَرهَا وغرست نَوَاهَا فَكلما أثمر مِنْهَا شَيْء جنيت ثمره وغرست نَوَاه وَكَذَلِكَ تداعي الْمعاصِي فليتدبّر اللبيب هَذَا الْمِثَال فَمن ثَوَاب الْحَسَنَة الْحَسَنَة بعْدهَا وَمن عُقُوبَة السَّيئَة السَّيئَة بعْدهَا لَيْسَ الْعجب من مَمْلُوك يتذلل لله ويتعبّد لَهُ وَلَا يمل من خدمته مَعَ حَاجته وَفَقره إِلَيْهِ إِنَّمَا الْعجب من مَالك يتحبب إِلَى مَمْلُوكه بصنوف إنعامه ويتودد إِلَيْهِ بأنواع إحسانه مَعَ غناهُ عَنهُ كفى بك عزّا أَنَّك لَهُ عبد ... وَكفى بك فخرا أَنه لَك رب
فصل اياك والمعاصي فانها أزالت عِزَّ اسْجُدُوا
وأخرجت إقطاع أَسْكَنَ يَا لَهَا لَحْظَة أثمرت حرارة القلق ألف سنة مازال يكْتب بِدَم النَّدَم سطور الْحزن فِي الْقَصَص ويرسلها مَعَ أنفاس الأسف حَتَّى جَاءَهُ توقيعُ فَتَابَ عَلَيْه فَرح إِبْلِيس بنزول آدم من لجنة وَمَا علم أَن هبوط الغائص فِي اللجة خلف الدّرّ صعُود كم بَين قَوْله لآدَم ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَليفَة﴾ وَقَوله لَك ﴿اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾ مَا جرى على آدم هُوَ المُرَاد من وجوده لَو لم تذنبوا يَا آدم لَا تجزع من قولي لَك اخْرُجْ مِنْهَا فلك ولصالح ذريتك خلفتها يَا آدم كنت تدخل عليَّ دُخُول الْمُلُوك على الْمُلُوك وَالْيَوْم تدخل عليَّ دُخُول العبيد على الْمُلُوك يَا آدم لَا تجزع من كأس زلل كَانَت سَبَب كيسك فقد استخرج مِنْك دَاء الْعجب وألبست خلعة الْعُبُودِيَّة وَعَسَى أَنْ تكْرهُوا يَا آدم لم أخرج إقطاعك إِلَى غَيْرك إِنَّمَا نحيّتك عَنهُ لَا كمل عِمَارَته لَك وليبعث إِلَى العمّال نَفَقَة تَتَجَافَى جنُوبهم تالله مَا نَفعه عِنْد مَعْصِيَته عز
اسجدوا وَلَا شرف وَعَلَّمَ آدَمَ وَلَا خصيصة لِمَا خلقت بيَدي وَلَا فَخر ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ وَإِنَّمَا انْتفع بذل ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ لما لبس درع التَّوْحِيد على بدن الشُّكْر وَقع سهم الْعَدو مِنْهُ فِي غير مقتل
стр. 34
فجرحه فَوضع عَلَيْهِ جَبَّار الانكسار فَعَاد كَمَا كَانَ فَقَامَ الجريح كَأَن لم يكن بِهِ قلبة فصل
نَجَائِب النجَاة مهيأة للمراد واقدم المطرود موثوقة بالقيود هبّت عواصف الأقدار فِي بيداء الأكوان فتقلب الْوُجُود وَنجم الْخَيْر فَلَمَّا ركدت الرّيح إِذا أَبُو طَالب غريق فِي لجة الْهَلَاك وسلمان على سَاحل السَّلامَة والوليد بن
стр. 35
الْمُغيرَة يقدم قومه فِي التيه وصهيب قد قدم بقافلة الرّوم وَالنَّجَاشِي فِي أَرض
стр. 36
الْحَبَشَة يَقُول لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك وبلال يُنَادي الصَّلَاة خير من النّوم
стр. 37
وَأَبُو جهل فِي رقدة الْمُخَالفَة لما قضى فِي الْقدَم بسابقة سلمَان عرج بِهِ دَلِيل التَّوْفِيق عَن طَرِيق آبَائِهِ فِي التمجس فَأقبل يناظر أَبَاهُ فِي دين الشّرك فَلَمَّا علاهُ بِالْحجَّةِ لم يكن لَهُ جَوَاب إِلَّا الْقَيْد وَهَذَا جَوَاب يتداوله أهل الْبَاطِل من يَوْم حرفوه وَبِه أجَاب فِرْعَوْن مُوسَى لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي وَبِه أجَاب الْجَهْمِية الإِمَام أَحْمد لما عرضوه على السِّيَاط وَبِه أجَاب أهل الْبدع شيخ الْإِسْلَام حِين استدعوه السجْن وَهَا نَحن على الْأَثر فَنزل بِهِ ضيف وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ فنال بإكرامه مرتبَة سلمَان منا أهل الْبَيْت فَسمع أَن ركبا على نِيَّة السّفر فَسرق نَفسه من أَبِيه وَلَا قطع فَركب رَاحِلَة الْعَزْم يَرْجُو إِدْرَاك مطلب السَّعَادَة فغاص فِي بَحر الْبَحْث ليَقَع بدرّة الْوُجُود فَوقف نَفسه على خدمه الأدلاء وقُوف الأذلاء فَلَمَّا أحس الرهبان بانقراض دولتهم سلمُوا إِلَيْهِ أَعْلَام الْأَعْلَام على نبوة نَبينَا وَقَالُوا إِن زَمَانه قد أظل فاحذر أَن تضل فَرَحل مَعَ رفْقَة لم يرفقوا بِهِ فشروه بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَة فأتباعه يَهُودِيّ بِالْمَدِينَةِ فَلَمَّا رأى الْحرَّة توقد حرا شوقه وَلم يعلم رب الْمنزل بوجد النَّازِل فَبينا هُوَ يكابد سَاعَات الِانْتِظَار قدم البشير بقدوم البشير وسلمان فِي رَأس نَخْلَة وَكَاد القلق يلقيه لَوْلَا أَن الحزم أمْسكهُ كَمَا جرى يَوْم إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلبهَا فَعجل النُّزُول لتلقي ركب الْبشَارَة ولسان حَاله يَقُول
خليليَّ من نجد قفا بِي على الرِّبَا ... فقد هَب من تِلْكَ الديار نسيم فصاح بِهِ سَيّده مَالك انْصَرف إِلَى شغلك فَقَالَ
كَيفَ انصرافي ولي فِي داركم شغل
ثمَّ أَخذ لِسَان حَاله يترنم لَو سمع الأطروش خليليَّ لَا وَالله مَا أَنا مِنْكُمَا ... إِذا علم من آل ليلى بداليا
стр. 38
فَلَمَّا لَقِي الرَّسُول عَارض نُسْخَة الرهبان بِكِتَاب الأَصْل فوافقه يَا مُحَمَّد أَنْت تُرِيدُ أَبَا طَالب وَنحن نُرِيد سلمَان أَبُو طَالب إِذا سُئِلَ عَن اسْمه قَالَ عبد منَاف وَإِذا انتسب افتخر بِالْآبَاءِ واذاذكرت الْأَمْوَال عبد الْإِبِل وسلمان إِذا سُئِلَ عَن اسْمه قَالَ عبد الله وَعَن نسبه قَالَ ابْن الْإِسْلَام وَعَن مَاله قَالَ الْفقر وَعَن حانوته قَالَ الْمَسْجِد وَعَن كَسبه قَالَ الصَّبْر وَعَن لِبَاسه قَالَ التَّقْوَى والتواضع وَعَن وساده قَالَ السهر وَعَن فخره قَالَ سلمَان منا وَعَن قَصده قَالَ يُرِيدُونَ وَجهه وَعَن سيره قَالَ إِلَى الْجنَّة وَعَن دَلِيله فِي الطَّرِيق قَالَ إِمَام الْخلق وهادئ الْأَئِمَّة
إِذا نَحن ادلجن وَأَنت إمامنا ... كفى بالمطايا طيّب ذكراك حَادِيًا
وَإِن نَحن أضللنا الطَّرِيق وَلم نجد ... دَلِيلا كفانا نور وَجهك هاديا
الذُّنُوب جراحات وَرب جرح وَقع فِي مقتل لَو خرج عقلك من سُلْطَان هَوَاك عَادَتْ الدولة لَهُ دخلت دَار الْهوى فقامرت بعمرك إِذا عرضت نظرة لَا تحل فَاعْلَم أَنَّهَا مسعر حَرْب فاستتر مِنْهَا بحجاب قل للْمُؤْمِنين فقد سلمت من الْأَثر وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤمنِينَ الْقِتَال بَحر الْهوى إِذا مد أغرق وأخوف المنافذ على السابح فتح الْبَصَر فِي المَاء
مَا أحد أكْرم من مُفْرد ... فِي قَبره أَعماله تونسه
منعما فِي الْقَبْر فِي رَوْضَة ... لَيْسَ كعبده قَبره محبسه
على قدر فضل الْمَرْء يَأْتِي خطوبه ... وَيعرف عِنْد الصَّبْر فِيمَا يُصِيبهُ
وَمن قل فِيمَا يتقيه اصطباره ... فقد قل مِمَّا يرتجيه نصِيبه
كم قطع زرع قبل التَّمام فَمَا ظن الزَّرْع المستحصد اشْتَرِ نَفسك فالسوق قَائِمَة وَالثمن مَوْجُود لابد من سنة الْغَفْلَة ورقاد الْهوى وَلَكِن كن خَفِيف النّوم فحراس الْبَلَد يصيحون دنا الصَّباح نور الْعقل يضيء فِي ليل الْهوى فتلوح جادة الصَّوَاب فيتلمح الْبَصِير فِي ذَلِك النُّور عواقب الْأُمُور أخرج بالعزم من هَذَا
стр. 39
الفناء الضيّق المحشو بالآفات إِلَى ذَلِك الفناء الرحب الَّذِي فِيهِ مَالا عين رَأَتْ فهناك لَا يتعذّر مَطْلُوب وَلَا يفقد مَحْبُوب يَا بَائِعا نَفسه بهوى مَنْ حُبُّه ضنا وَوَصله أَذَى وَحسنه إِلَى فَنًّا لقد بِعْت أنفس الْأَشْيَاء بِثمن بخس كَأَنَّك لم تعرف قدر السّلْعَة وَبلا خسة الثّمن حَتَّى إِذا قدمت يَوْم التغابن تبيّن لَك ان الْغبن فِي عقد التبايع لَا إِلَه إِلَّا الله سلْعَة الله مشتريها وَثمنهَا الجنّة والدلال الرَّسُول ترْضى بِبَيْعِهَا بِجُزْء يسير مِمَّا لَا يُسَاوِي كُله جنَاح بعوضة
إِذا كَانَ شَيْء لَا يُسَاوِي جَمِيعه ... جنَاح بعوضة عِنْد من صرت عَبده
وَيملك جُزْء مِنْهُ كلك مَا الَّذِي ... يكون على ذَا الْحَال قدرك عِنْده
وبعت بِهِ نفسا قد استامها بِمَا ... لَدَيْهِ من الْحسنى وَقد زَالَ وده
يَا مخنت الْعَزْم أَيْن أَنْت وَالطَّرِيق طَرِيق تَعب فِيهِ آدم وناح لأَجله نوح وَرمي فِي النَّار الْخَلِيل وأضجع للذبح إِسْمَاعِيل وَبيع يُوسُف بِثمن بخس ولبث فِي السجْن بضع سِنِين وَنشر بِالْمِنْشَارِ زَكَرِيَّا وَذبح السَّيِّد الحصور يحيى وقاسى الضّر أَيُّوب وَزَاد على الْمِقْدَار بكاء دَاوُد وَسَار مَعَ الْوَحْش عِيسَى وعالج الْفقر وأنواع الْأَذَى مُحَمَّد تزها أَنْت باللهو واللعب
فيا دارها بالحزن ان مزارها ... قريب وَلَكِن دون ذَلِك أهوال
الْحَرْب قَائِمَة وَأَنت أعزل فِي النظارة فَإِن حركت ركابك فللهزيمة من لم يُبَاشر حر الهجير فِي طلاب الْمجد لم يَقِل فِي ظلال الشّرف
تَقول سليمى لَو أَقمت بأرضنا ... وَلم تدارني للمقام أَطُوف
قيل لبَعض الْعباد إِلَى كم تتعب نَفسك فَقَالَ راحتها أُرِيد يَا مكر مَا بجلة
стр. 40
الْإِيمَان بعد حلَّة الْعَافِيَة وَهُوَ يخلقهما فِي مُخَالفَة الْخَالِق لَا تنكر السَّلب يسْتَحق من اسْتعْمل نعْمَة الْمُنعم فِيمَا يكره أَن يسلبها عرائس الموجودات قد تزينت للناظرين ليبلوهم أَيهمْ يؤثرهن على عرائس الْآخِرَة فَمن عرف قدر التَّفَاوُت آثر مَا يَنْبَغِي إيثاره
وَحسان الْكَوْن لما أَن بَدَت ... أَقبلت نحوي وَقَالَت لي إِلَيّ
فتعاميت كَأَن لم أرها ... عِنْدَمَا أَبْصرت مقصودي لدي
كواكب هم العارفين فِي روج عزائمهم سيارة لَيْسَ فِيهَا زحل يَا من انحرف عَن جادتهم كن فِي أَوَاخِر الركب ونم إِذا نمت على الطَّرِيق فالأمير يُرَاعِي السَّاقَة قيل لِلْحسنِ سبقنَا الْقَوْم على خيل دهم وَنحن على حمر معقرة فَقَالَ إِن كنت على طريقهم فَمَا أسْرع اللحاق بهم
فَائِدَة من فقد أنسه بِاللَّه بَين النَّاس ووجده فِي الْوحدَة فَهُوَ صَادِق ضَعِيف
وَمن وجده بَين النَّاس وفقده فِي الْخلْوَة فَهُوَ مَعْلُول وَمن فَقده بَين النَّاس وَفِي الْخلْوَة فَهُوَ ميت مطرود وَمن وجده فِي الْخلْوَة وَفِي النَّاس فَهُوَ الْمُحب الصَّادِق الْقوي فِي حَاله وَمن كَانَ فَتحه فِي الْخلْوَة لم يكن مزيده إِلَّا مِنْهَا وَمن كَانَ فَتحه بَيت النَّاس ونصحهم وإرشادهم كَانَ مزيده مَعَهم وَمن كَانَ فَتحه فِي وُقُوفه مَعَ مُرَاد الله حَيْثُ أَقَامَهُ وَفِي أَي شَيْء اسْتَعْملهُ كَانَ مزيده فِي خلوته وَمَعَ النَّاس فَأَشْرَف الْأَحْوَال أَن لَا تخْتَار لنَفسك حَالَة سوى مَا يختاره لَك ويقيمك فِيهِ فَكُن مَعَ مُرَاده مِنْك وَلَا تكن مَعَ مرادك مِنْهُ مصابيح الْقُلُوب الطاهرة فِي أصل الْفطْرَة منيرة قبل
следующие страницы →