← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6832

الفوائد لابن القيم - ط العلمية

ابن القيم

Полный текст (209 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الْحَبَشَة يَقُول لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك وبلال يُنَادي الصَّلَاة خير من النّوم

стр. 37

وَأَبُو جهل فِي رقدة الْمُخَالفَة لما قضى فِي الْقدَم بسابقة سلمَان عرج بِهِ دَلِيل التَّوْفِيق عَن طَرِيق آبَائِهِ فِي التمجس فَأقبل يناظر أَبَاهُ فِي دين الشّرك فَلَمَّا علاهُ بِالْحجَّةِ لم يكن لَهُ جَوَاب إِلَّا الْقَيْد وَهَذَا جَوَاب يتداوله أهل الْبَاطِل من يَوْم حرفوه وَبِه أجَاب فِرْعَوْن مُوسَى لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي وَبِه أجَاب الْجَهْمِية الإِمَام أَحْمد لما عرضوه على السِّيَاط وَبِه أجَاب أهل الْبدع شيخ الْإِسْلَام حِين استدعوه السجْن وَهَا نَحن على الْأَثر فَنزل بِهِ ضيف وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ فنال بإكرامه مرتبَة سلمَان منا أهل الْبَيْت فَسمع أَن ركبا على نِيَّة السّفر فَسرق نَفسه من أَبِيه وَلَا قطع فَركب رَاحِلَة الْعَزْم يَرْجُو إِدْرَاك مطلب السَّعَادَة فغاص فِي بَحر الْبَحْث ليَقَع بدرّة الْوُجُود فَوقف نَفسه على خدمه الأدلاء وقُوف الأذلاء فَلَمَّا أحس الرهبان بانقراض دولتهم سلمُوا إِلَيْهِ أَعْلَام الْأَعْلَام على نبوة نَبينَا وَقَالُوا إِن زَمَانه قد أظل فاحذر أَن تضل فَرَحل مَعَ رفْقَة لم يرفقوا بِهِ فشروه بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَة فأتباعه يَهُودِيّ بِالْمَدِينَةِ فَلَمَّا رأى الْحرَّة توقد حرا شوقه وَلم يعلم رب الْمنزل بوجد النَّازِل فَبينا هُوَ يكابد سَاعَات الِانْتِظَار قدم البشير بقدوم البشير وسلمان فِي رَأس نَخْلَة وَكَاد القلق يلقيه لَوْلَا أَن الحزم أمْسكهُ كَمَا جرى يَوْم إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلبهَا فَعجل النُّزُول لتلقي ركب الْبشَارَة ولسان حَاله يَقُول خليليَّ من نجد قفا بِي على الرِّبَا ... فقد هَب من تِلْكَ الديار نسيم فصاح بِهِ سَيّده مَالك انْصَرف إِلَى شغلك فَقَالَ كَيفَ انصرافي ولي فِي داركم شغل ثمَّ أَخذ لِسَان حَاله يترنم لَو سمع الأطروش خليليَّ لَا وَالله مَا أَنا مِنْكُمَا ... إِذا علم من آل ليلى بداليا

стр. 38

فَلَمَّا لَقِي الرَّسُول عَارض نُسْخَة الرهبان بِكِتَاب الأَصْل فوافقه يَا مُحَمَّد أَنْت تُرِيدُ أَبَا طَالب وَنحن نُرِيد سلمَان أَبُو طَالب إِذا سُئِلَ عَن اسْمه قَالَ عبد منَاف وَإِذا انتسب افتخر بِالْآبَاءِ واذاذكرت الْأَمْوَال عبد الْإِبِل وسلمان إِذا سُئِلَ عَن اسْمه قَالَ عبد الله وَعَن نسبه قَالَ ابْن الْإِسْلَام وَعَن مَاله قَالَ الْفقر وَعَن حانوته قَالَ الْمَسْجِد وَعَن كَسبه قَالَ الصَّبْر وَعَن لِبَاسه قَالَ التَّقْوَى والتواضع وَعَن وساده قَالَ السهر وَعَن فخره قَالَ سلمَان منا وَعَن قَصده قَالَ يُرِيدُونَ وَجهه وَعَن سيره قَالَ إِلَى الْجنَّة وَعَن دَلِيله فِي الطَّرِيق قَالَ إِمَام الْخلق وهادئ الْأَئِمَّة إِذا نَحن ادلجن وَأَنت إمامنا ... كفى بالمطايا طيّب ذكراك حَادِيًا وَإِن نَحن أضللنا الطَّرِيق وَلم نجد ... دَلِيلا كفانا نور وَجهك هاديا الذُّنُوب جراحات وَرب جرح وَقع فِي مقتل لَو خرج عقلك من سُلْطَان هَوَاك عَادَتْ الدولة لَهُ دخلت دَار الْهوى فقامرت بعمرك إِذا عرضت نظرة لَا تحل فَاعْلَم أَنَّهَا مسعر حَرْب فاستتر مِنْهَا بحجاب قل للْمُؤْمِنين فقد سلمت من الْأَثر وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤمنِينَ الْقِتَال بَحر الْهوى إِذا مد أغرق وأخوف المنافذ على السابح فتح الْبَصَر فِي المَاء مَا أحد أكْرم من مُفْرد ... فِي قَبره أَعماله تونسه منعما فِي الْقَبْر فِي رَوْضَة ... لَيْسَ كعبده قَبره محبسه على قدر فضل الْمَرْء يَأْتِي خطوبه ... وَيعرف عِنْد الصَّبْر فِيمَا يُصِيبهُ وَمن قل فِيمَا يتقيه اصطباره ... فقد قل مِمَّا يرتجيه نصِيبه كم قطع زرع قبل التَّمام فَمَا ظن الزَّرْع المستحصد اشْتَرِ نَفسك فالسوق قَائِمَة وَالثمن مَوْجُود لابد من سنة الْغَفْلَة ورقاد الْهوى وَلَكِن كن خَفِيف النّوم فحراس الْبَلَد يصيحون دنا الصَّباح نور الْعقل يضيء فِي ليل الْهوى فتلوح جادة الصَّوَاب فيتلمح الْبَصِير فِي ذَلِك النُّور عواقب الْأُمُور أخرج بالعزم من هَذَا

стр. 39

الفناء الضيّق المحشو بالآفات إِلَى ذَلِك الفناء الرحب الَّذِي فِيهِ مَالا عين رَأَتْ فهناك لَا يتعذّر مَطْلُوب وَلَا يفقد مَحْبُوب يَا بَائِعا نَفسه بهوى مَنْ حُبُّه ضنا وَوَصله أَذَى وَحسنه إِلَى فَنًّا لقد بِعْت أنفس الْأَشْيَاء بِثمن بخس كَأَنَّك لم تعرف قدر السّلْعَة وَبلا خسة الثّمن حَتَّى إِذا قدمت يَوْم التغابن تبيّن لَك ان الْغبن فِي عقد التبايع لَا إِلَه إِلَّا الله سلْعَة الله مشتريها وَثمنهَا الجنّة والدلال الرَّسُول ترْضى بِبَيْعِهَا بِجُزْء يسير مِمَّا لَا يُسَاوِي كُله جنَاح بعوضة إِذا كَانَ شَيْء لَا يُسَاوِي جَمِيعه ... جنَاح بعوضة عِنْد من صرت عَبده وَيملك جُزْء مِنْهُ كلك مَا الَّذِي ... يكون على ذَا الْحَال قدرك عِنْده وبعت بِهِ نفسا قد استامها بِمَا ... لَدَيْهِ من الْحسنى وَقد زَالَ وده يَا مخنت الْعَزْم أَيْن أَنْت وَالطَّرِيق طَرِيق تَعب فِيهِ آدم وناح لأَجله نوح وَرمي فِي النَّار الْخَلِيل وأضجع للذبح إِسْمَاعِيل وَبيع يُوسُف بِثمن بخس ولبث فِي السجْن بضع سِنِين وَنشر بِالْمِنْشَارِ زَكَرِيَّا وَذبح السَّيِّد الحصور يحيى وقاسى الضّر أَيُّوب وَزَاد على الْمِقْدَار بكاء دَاوُد وَسَار مَعَ الْوَحْش عِيسَى وعالج الْفقر وأنواع الْأَذَى مُحَمَّد تزها أَنْت باللهو واللعب فيا دارها بالحزن ان مزارها ... قريب وَلَكِن دون ذَلِك أهوال الْحَرْب قَائِمَة وَأَنت أعزل فِي النظارة فَإِن حركت ركابك فللهزيمة من لم يُبَاشر حر الهجير فِي طلاب الْمجد لم يَقِل فِي ظلال الشّرف تَقول سليمى لَو أَقمت بأرضنا ... وَلم تدارني للمقام أَطُوف قيل لبَعض الْعباد إِلَى كم تتعب نَفسك فَقَالَ راحتها أُرِيد يَا مكر مَا بجلة

стр. 40

الْإِيمَان بعد حلَّة الْعَافِيَة وَهُوَ يخلقهما فِي مُخَالفَة الْخَالِق لَا تنكر السَّلب يسْتَحق من اسْتعْمل نعْمَة الْمُنعم فِيمَا يكره أَن يسلبها عرائس الموجودات قد تزينت للناظرين ليبلوهم أَيهمْ يؤثرهن على عرائس الْآخِرَة فَمن عرف قدر التَّفَاوُت آثر مَا يَنْبَغِي إيثاره وَحسان الْكَوْن لما أَن بَدَت ... أَقبلت نحوي وَقَالَت لي إِلَيّ فتعاميت كَأَن لم أرها ... عِنْدَمَا أَبْصرت مقصودي لدي كواكب هم العارفين فِي روج عزائمهم سيارة لَيْسَ فِيهَا زحل يَا من انحرف عَن جادتهم كن فِي أَوَاخِر الركب ونم إِذا نمت على الطَّرِيق فالأمير يُرَاعِي السَّاقَة قيل لِلْحسنِ سبقنَا الْقَوْم على خيل دهم وَنحن على حمر معقرة فَقَالَ إِن كنت على طريقهم فَمَا أسْرع اللحاق بهم فَائِدَة من فقد أنسه بِاللَّه بَين النَّاس ووجده فِي الْوحدَة فَهُوَ صَادِق ضَعِيف وَمن وجده بَين النَّاس وفقده فِي الْخلْوَة فَهُوَ مَعْلُول وَمن فَقده بَين النَّاس وَفِي الْخلْوَة فَهُوَ ميت مطرود وَمن وجده فِي الْخلْوَة وَفِي النَّاس فَهُوَ الْمُحب الصَّادِق الْقوي فِي حَاله وَمن كَانَ فَتحه فِي الْخلْوَة لم يكن مزيده إِلَّا مِنْهَا وَمن كَانَ فَتحه بَيت النَّاس ونصحهم وإرشادهم كَانَ مزيده مَعَهم وَمن كَانَ فَتحه فِي وُقُوفه مَعَ مُرَاد الله حَيْثُ أَقَامَهُ وَفِي أَي شَيْء اسْتَعْملهُ كَانَ مزيده فِي خلوته وَمَعَ النَّاس فَأَشْرَف الْأَحْوَال أَن لَا تخْتَار لنَفسك حَالَة سوى مَا يختاره لَك ويقيمك فِيهِ فَكُن مَعَ مُرَاده مِنْك وَلَا تكن مَعَ مرادك مِنْهُ مصابيح الْقُلُوب الطاهرة فِي أصل الْفطْرَة منيرة قبل

стр. 41

الشَّرَائِع يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تمسسه نَار وحَّدَ قُسٌّ وَمَا رأى الرَّسُول وَكفر ابْن أُبي وَقد صلى مَعَه فِي الْمَسْجِد مَعَ الص بري وَلَا مَاء وَكم من عطشان فِي اللجة سبق الْعلم بنبوة مُوسَى وإيمان آسِيَة فسيق تابوته إِلَى بَيتهَا فجَاء طِفْل مُنْفَرد عَن أم إِلَى امْرَأَة خَالِيَة عَن ولد فَللَّه كم فِي هَذِه الْقِصَّة من عِبْرَة كم ذبح فِرْعَوْن فِي طلب مُوسَى من ولد ولسان الْقدر يَقُول لَا نربيه إِلَّا فِي حجرك

стр. 42

كَانَ ذُو البجادين يَتِيما فِي الصغر فَكَفَلَهُ عَمه فنازعته نَفسه إِلَى اتّباع الرَّسُول فهمَّ بالنهوض فَإِذا بَقِيَّة الْمَرَض مَانِعَة فَقعدَ ينْتَظر الْعم فَلَمَّا تكاملت صِحَّته نفذ الصَّبْر فناداه ضمير الوجد إِلَى كم حَبسهَا تَشْكُو المضيقا ... أَثَرهَا رُبمَا وجدت طَرِيقا فَقَالَ يَا عَم طَال انتظاري لإسلامك وَمَا أرى مِنْك نشاطا فَقَالَ وَالله لَئِن أسلمت لأنتزعن كل مَا أَعطيتك فصاح لِسَان الشوق نظرة من مُحَمَّد أحب إِلَيّ من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَلَو قيل للمجنون ليلى وَوَصلهَا ... تُرِيدُ أم الدُّنْيَا وَمَا فِي طواياها لقَالَ ترابٌ من غُبَار نعالها ... ألذ إِلَى نَفسِي وأشفى لبلواها فَلَمَّا تجرد للسير إِلَى الرَّسُول جرده عَمه من الثِّيَاب فناولته الْأُم بجادا فَقَطعه لسفر الْوَصْل نِصْفَيْنِ اتّزر بِأَحَدِهِمَا با وارتدي بِالْآخرِ فَلَمَّا نَادَى صائح الْجِهَاد قنع أَن يكون فِي سافة الأحباب والمحب لَا يرى طول الطَّرِيق لِأَن الْمَقْصُود يُعينهُ أَلا بلّغ الله الْحمى من يُريدهُ ... وَبلغ أكناف الْحمى من يريدها فَلَمَّا قضى نحبه نزل الرَّسُول يمهد لد لحده وَجعل يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أمسيت عَنهُ رَاضِيا فارض عَنهُ فصاح ابْن مَسْعُود يَا لَيْتَني كنت صَاحب الْقَبْر فيا مخنث الْعَزْم أقل مَا فِي الرقعة البيذق فَلَمَّا نَهَضَ تفرزن رأى بعض

стр. 43

الْحُكَمَاء برذونا يسقى عَلَيْهِ فَقَالَ لَو هملج هَذَا الركب أَقْدَام الْعَزْم بالسلوك انْدفع من بَين أيديها سد القواطع القواطع محن يتَبَيَّن بهَا الصَّادِق من الْكَاذِب فَإِذا خضتها انقلبت أعوانا لَك توصلك إِلَى الْمَقْصُود فصل الدُّنْيَا كامرأة بغي لَا تثبت مَعَ زوج إِنَّمَا تخْطب الْأزْوَاج ليستحسنوا عَلَيْهَا فَلَا ترْضى بالدياثة ميزت بَين جمَالهَا وفعالها ... فَإِذا الملاحة بالقباحة لَا تفي حَلَفت لنا أَن لَا تخون عُهُودنَا ... فَكَأَنَّهَا حَلَفت لنا أَن لَا تفي السّير فِي طلبَهَا سير فِي أَرض مسبعَة والسباحة فِيهَا سباحة فِي غَدِير التمساح المفروح بِهِ مِنْهَا هُوَ عين المحزون عَلَيْهِ آلامها مُتَوَلّدَة من لذاتها وأحزانها من أفراحها مآرب كَانَت فِي الشَّبَاب لأَهْلهَا ... عَذَاب فَصَارَت فِي المشيب عذَابا طَائِر الطَّبْع يرى الْحبَّة وَعين الْعقل ترى الشّرك غير أَن عين الْهوى عميا وَعين الرِّضَا عَن كل عيب كليلة ... كَمَا أَن عين السخط تبدي المساويا تزخرفت الشَّهَوَات لأعين الطباع فغض عَنْهَا الَّذين يُؤمنُونَ بِالْغَيْبِ وَوَقع تابعوها فِي بيداء الحسرات وباؤلئك عَلَى هُدىً مِنْ رَبهم واؤلئك هم المفلحون وَهَؤُلَاء يُقَال لَهُم ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُم مجرمون﴾ لما عرف الموفقون قدر الْحَيَاة الدُّنْيَا وَقلة الْمقَام فِيهَا أما وافيها الْهوى طلبا لحياة الْأَبَد لما استيقظوا من نوم الْغَفْلَة استرجعوا بالجد مَا انهبه الْعَدو مِنْهُم فِي زمن البطالة فَلَمَّا طَالَتْ عَلَيْهِم الطَّرِيق تلمحوا الْمَقْصد فَقرب عَلَيْهِم الْبعيد وَكلما أمرت لَهُم الْحَيَاة حلى لَهُم تذكر ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُم توعدون﴾ وَركب سروا اللَّيْل ملق رواقه ... على كل مغْبرّ الْمطَالع قَائِم حدوا عَزمَات ضَاعَت الأَرْض بَينهَا ... فَصَارَ سراهم فِي طُلُوع العزائم

стр. 44

تريهم نُجُوم اللَّيْل مَا يتبعونه ... على عاتق الشعري وهام النعائم إِذا اطردت فِي معرك الْجد قصفوا ... رماح العطايا فِي صُدُور المكارم فصل من أعجب الْأَشْيَاء أَن تعرفه ثمَّ لَا تحبه وَأَن تسمع داعيه ثمَّ تتأخر عَن الْإِجَابَة وَأَن تعرف قدر الرِّبْح فِي مُعَامَلَته ثمَّ تعْمل غَيره وَأَن تعرف قدر غَضَبه ثمَّ تتعرّض لَهُ وَأَن تذوق ألم الوحشة فِي مَعْصِيَته ثمَّ لَا تطلب الْأنس بِطَاعَتِهِ وَأَن تذوق عصرة الْقلب عِنْد الْخَوْض فِي غير حَدِيثه والْحَدِيث عَنهُ ثمَّ لَا تشتاق إِلَى انْشِرَاح الصَّدْر بِذكرِهِ ومناجاته وَأَن تذوق الْعَذَاب عِنْد تعلق الْقلب بِغَيْرِهِ وَلَا تهرب مِنْهُ إِلَى نعيم الإقبال عَلَيْهِ والإنابة إِلَيْهِ وأعجب من هَذَا علمك أَنَّك لابد لَك مِنْهُ وَأَنَّك أحْوج شَيْء إِلَيْهِ وَأَنت عَنهُ معرض وَفِيمَا يبعدك عَنهُ رَاغِب فَائِدَة مَا أَخذ العَبْد مَا حرم عَلَيْهِ إِلَّا من جِهَتَيْنِ إِحْدَاهمَا سوء ظَنّه بربه وَأَنه لَو أطاعه وآثره لم يُعْطه خيرا مِنْهُ حَلَالا وَالثَّانيَِة أَن يكون عَالما بذلك وَأَن من ترك لله شَيْئا أعاضه خيرا مِنْهُ وَلَكِن تغلب شَهْوَته صبره وهواه عقل فَالْأول من ضعف علمه وَالثَّانِي من ضعف عقله وبصيرته قَالَ يحي بن معَاذ من جمع الله عَلَيْهِ قلبه فِي الدُّعَاء لم يردهُ قلت إِذا اجْتمع عَلَيْهِ قلبه وصدقت ضَرُورَته وفاقته وَقَوي رجاؤه فَلَا يكَاد يرد دعاؤه فصل لما رأى المتيقظون سطوة لدُنْيَا بِأَهْلِهَا وخداع الأمل لأربابه وتملك الشَّيْطَان وقياد النُّفُوس رَأَوْا الدولة للنَّفس الأمارة لجأوا إِلَى حصن التضرّع والالتجاء كَمَا

стр. 45

يأوي العَبْد المذعور إِلَى حرم سَيّده سَيّده شهوات الدُّنْيَا كلعب الخيال وَنظر الْجَاهِل مَقْصُور على الظَّاهِر فَأَما ذُو الْعقل فَيرى مَا ووراء السّتْر لَاحَ لَهُم المشتهَى فَلَمَّا مدوا أَيدي التَّنَاوُل بِأَن لابصار البصائر خبط الفخ فطاروا بأجنحة الحذر وصوبوا إِلَى الرحيل الثَّانِي ياليت قومِي يعلمُونَ تلمح الْقَوْم الْوُجُود ففهموا الْمَقْصُود فَأَجْمعُوا الرحيل قبل الرحيل وشمروا للسير فِي سَوَاء السَّبِيل فَالنَّاس مشتغلون بالفضلات وهم فِي قطع الفلوات وعصافير الْهوى فِي وثاق الشبكة ينتظرون الذّبْح وَقع ثعلبان فِي شبكة فَقَالَ أَحدهمَا للْآخر أَيْن الْمُلْتَقى بعد هَذَا فَقَالَ بعد يَوْمَيْنِ فِي الدباغة تالله مَا كَانَت الْأَيَّام الا مناما فليستيقظوا وَقد حصلوا على الظفر مَا مضى من الدُّنْيَا أَحْلَام وَمَا بَقِي مِنْهَا أماني وَالْوَقْت ضائع بَينهمَا كَيفَ يسلم من لَهُ زَوْجَة لَا ترحمه وَولد لَا يعذرهُ وجار لَا يأمنه وَصَاحب لَا ينصحه وَشريك لَا ينصفه وعدو لَا ينَام عَن معاداته وَنَفس أَمارَة بالسوء وَدُنْيا متزيّنة وَهوى مرد وشهوة غالبة لَهُ وَغَضب قاهر وَشَيْطَان مزين وَضعف مستول عَلَيْهِ فَإِن تولاه الله وجذبه إِلَيْهِ انقهرت لَهُ هَذِه كلهَا وان تخلى عَنهُ ووكله إِلَى نَفسه اجْتمعت عَلَيْهِ فَكَانَت الهلكة لما أعرض النَّاس عَن تحكيم الْكتاب وَالسّنة والمحاكمة إِلَيْهِمَا واعتقدوا عدم الِاكْتِفَاء بهما وَعدلُوا إِلَى الآراء وَالْقِيَاس وَالِاسْتِحْسَان وأقوال الشُّيُوخ عرض لَهُم من ذَلِك فَسَاد فِي فطرهم وظلمة فِي قُلُوبهم وكدر فِي أفهامهم ومحق فِي عُقُولهمْ وعمتهم هَذِه الْأُمُور وغلبت عَلَيْهِم حَتَّى رَبِّي فِيهَا الصَّغِير وهرم عَلَيْهَا الْكَبِير فَلم يروها مكرا فجاءتهم دولة أُخْرَى قَامَت فِيهَا الْبدع مقَام السّنَن وَالنَّفس مقَام الْعقل والهوى مقَام الرشد والظلال مقَام الْهدى وَالْمُنكر مقَام الْمَعْرُوف وَالْجهل مقَام الْعلم والرياء مقَام الْإِخْلَاص وَالْبَاطِل مقَام الْحق وَالْكذب مقَام الصدْق والمداهنة مقَام النَّصِيحَة وَالظُّلم مقَام الْعدْل فَصَارَت الدولة

стр. 46

وَالْغَلَبَة لهَذِهِ الْأُمُور وَأَهْلهَا هم الْمشَار إِلَيْهِم وَكَانَت قبل ذَلِك لأضدادها وَكَانَ أَهلهَا هم الْمشَار إِلَيْهِم فَإِذا رَأَيْت دولة هَذِه الْأُمُور قد أَقبلت وراياتها قد نصبت وجيوشها قد ركبت فبطن الأَرْض وَالله خير من ظهرهَا وقلل الْجبَال خير من السهول ومخالطة الْوَحْش أسلم من مُخَالطَة النَّاس اقشعرّت الأَرْض وأظلمت السَّمَاء وَظهر الْفساد فِي الْبر وَالْبَحْر من ظلم الفجرة وَذَهَبت البركات وقلّت الْخيرَات وهُزلت الوحوش وتكدرت الْحَيَاة من فسق الظلمَة وَبكى ضوء النَّهَار وظلمة اللَّيْل من الْأَعْمَال الخبيثة وَالْأَفْعَال الفظيعة وشكا الْكِرَام الكاتبون والمعقبات إِلَى رَبهم من كَثْرَة الْفَوَاحِش وَغَلَبَة الْمُنْكَرَات والقبايح وَهَذَا وَالله مُنْذر بسيل عَذَاب قد انْعَقَد غمامه ومؤذن بلَيْل بلَاء قد ادلهمّ ظلامه فاعزلوا عَن طَرِيق هَذَا السَّبِيل بتوبة نصوح مَا دَامَت التَّوْبَة مُمكنَة وبابها مَفْتُوح وكأنكم بِالْبَابِ وَقد أغلق وبالرهن وَقد غلق وبالجناح وَقد علق ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُون﴾ اشْتَرِ نَفسك الْيَوْم فَإِن السُّوق قَائِمَة وَالثمن مَوْجُود والبضائع رخيصة وَسَيَأْتِي على تِلْكَ السُّوق والبضايع يَوْم لَا تصل فِيهَا إِلَى قَلِيل وَلَا كثير ذَلِكَ يَوْم التغابن يَوْم يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ إِذا أَنْت لم ترحل بزاد من التقى ... وأبصرت يَوْم الْحَشْر من قد تزودا نَدِمت على أَن لَا تكون كمثله ... وَأَنَّك لم ترصد كَمَا كَانَ أرصدا الْعَمَل بِغَيْر إخلاص وَلَا اقْتِدَاء كالمسافر يمْلَأ جرابه رملا يثقله وَلَا يَنْفَعهُ إِذا حملت على الْقلب هموم الدُّنْيَا وأثقالها وتهاونت بأوراده الَّتِي هِيَ قوته وحياته كنت كالمسافر الَّذِي يحمل دَابَّته فَوق طاقتها وَلَا يوفيها عَلفهَا فَمَا أسْرع مَا تقف بِهِ ومشتت العزمات ينْفق عمره ... حيران لَا ظفر وَلَا إخفاق

стр. 47

هَل السَّائِق العجلان يملك أمره ... فَمَا كل سير اليعملات وحيد رويدا بأخفاف المطى فَإِنَّمَا ... تداس جباه تحتهَا وخدود من تلمح حلاوة الْعَافِيَة هان عَلَيْهِ مرَارَة الصَّبْر الْغَايَة أول فِي التَّقْدِير آخر فِي الْوُجُود مبدأ فِي نظر الْعقل مُنْتَهى فِي منَازِل الْوُصُول ألفت عجز الْعَادة فَلَو علت بك همّتك رَبًّا الْمَعَالِي لاحت لَك أنوار العزائم إِنَّمَا تفَاوت الْقَوْم بالهمم لَا بالصور تَزُول همة الكساح دلاه فِي جب الْعذرَة بَيْنك وَبَين الفائزين جبل الْهوى نزلُوا بَين يَدَيْهِ وَنزلت خَلفه فاطو فضل منزل تلْحق بالقوم الدُّنْيَا مضمار سباق وَقد انْعَقَد الْغُبَار وخفي السَّابِق وَالنَّاس فِي الْمِضْمَار بَين فَارس وراجل وَأَصْحَاب حمر معقرة سَوف ترى إِذا انجلى الْغُبَار ... أَفرس تَحْتك أم حمَار فِي الطَّبْع شَره وَالْحمية أوفق لص الْحِرْص لَا يمشي إِلَّا فِي ظلام الْهوى حَبَّة المشتهى تَحت فخ التّلف فتفكر الذّبْح وَقد هان الصَّبْر قُوَّة الطمع فِي بُلُوغ الأمل توجب الِاجْتِهَاد فِي الطّلب وَشدَّة الحذر من فَوت المأمول الْبَخِيل فَقير لَا يُؤجر على فقره الصَّبْر على عَطش الضّر وَلَا الشّرْب من شرعة منّ تجوع الْحرَّة وَلَا تَأْكُل ثدييها لَا تسْأَل سوى مَوْلَاك فسؤال العَبْد غير سَيّده تشنيع عَلَيْهِ غرس الْخلْوَة يُثمر الْأنس استوحش مِمَّا لَا يَدُوم مَعَك واستأنس بِمن لَا يفارقك عزلة الْجَاهِل فَسَاد وَأما عزلة الْعَالم فمعها حذاؤها وسقاؤها إِذا اجْتمع الْعقل وَالْيَقِين فِي بَيت العرلة واستحضر الْفِكر وَجَرت بَينهم مُنَاجَاة أَتَاك حَدِيث لَا يمل سَمَاعه ... شهى إِلَيْنَا نثره ونظامه إِذا ذكرته النَّفس زَالَ عناؤها ... وَزَالَ عَن الْقلب الْمَعْنى ظلامه إِذا خرجت من عَدوك لَفْظَة سفه فَلَا تلحقها بِمِثْلِهَا تلقّحها ونسل الْخِصَام نسل مَذْمُوم حميتك لنَفسك أثر الْجَهْل بهَا فَلَو عرفتها حق مَعْرفَتهَا أعنت الْخصم عَلَيْهَا إِذا اقتدحت نَار الانتقام من نَار الْغَضَب ابتدأت بإحراق القادح أوثق

стр. 48

غضبك بسلسلة الْحلم فَإِنَّهُ كلب إِن أفلت أتلف من سبقت لَهُ سَابِقَة السَّعَادَة دلّ على الدَّلِيل قبل الطّلب إِذا أَرَادَ الْقدر شخصا بذر فِي أَرض قلبه بذر التَّوْفِيق ثمَّ سقَاهُ بِمَاء الرَّغْبَة والرهبة ثمَّ أَقَامَ عَلَيْهِ بأطوار المراقبة واستخدم لَهُ حارس الْعلم فَإِذا الزَّرْع قَائِم على سوقه إِذا طلع نجم الهمة فِي ظلام ليل البطالة وَردفهُ قمر الْعَزِيمَة أشرقت أَرض الْقلب بِنور رَبهَا إِذا جن اللَّيْل تغالب النّوم والسهر فالخوف والشوق فِي مقدم عَسْكَر الْيَقَظَة والكسل والتواني فِي كَتِيبَة الْغَفْلَة فَإِذا حمل الْعَزْم حمل على الميمنة وانهزمت جنود التَّفْرِيط فَمَا يطلع الْفجْر إِلَّا وَقد قسمت السهْمَان وَبَردت الْغَنِيمَة لأَهْلهَا سفر اللَّيْل لَا يطيقه إِلَّا مُضْمر المجاعة النجائب فِي الأول وحاملات الزَّاد فِي الْأَخير لَا تسأم من الْوُقُوف على الْبَاب وَلَو طردت وَلَا تقطع الِاعْتِذَار وَلَو رددت فَإِن فتح الْبَاب للمقبولين دُونك فاهجم هجوم الْكَذَّابين وادخل دُخُول الطفيلية وابسط كف وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا يَا مستفتحا بَاب المعاش بِغَيْر إقليد التَّقْوَى كَيفَ توسع طَرِيق الْخَطَايَا وتشكو ضيق الرزق وَلَو وقفت عِنْد مُرَاد التَّقْوَى لم يفتك مُرَاد الْمعاصِي سد فِي بَاب الْكسْب وَإِن العَبْد ليحرم الرزق بالذنب يُصِيبهُ تالله مَا جِئتُكُمْ زَائِرًا ... إِلَّا وجدت الأَرْض تطوي لي وَلَا انثنى عزمي عَن بَابَكُمْ ... إِلَّا تعثرت بأذيالي الْأَرْوَاح فِي الأشباح كالأطيار فِي الأبراج وَلَيْسَ مَا أعد للاستفراخ كمن هيء للسباق من أَرَادَ من الْعمَّال أَن يعرف قدره عِنْد السُّلْطَان فَلْينْظر مَاذَا يوليه من الْعَمَل وَبِأَيِّ شغل يشْغلهُ كن من أَبنَاء الْآخِرَة وَلَا تكن من أَبنَاء الدُّنْيَا فَإِن الْوَلَد يتبع الْأُم الدُّنْيَا لَا تَسَاوِي نقل أقدامك إِلَيْهَا فَكيف تعدو خلفهَا الدُّنْيَا جيفة والأسد لَا يَقع على الْجِيَف الدُّنْيَا مجَاز وَالْآخِرَة وَطن والأوطار إِنَّمَا تطلب فِي الأوطان الِاجْتِمَاع بالإخوان قِسْمَانِ أَحدهمَا اجْتِمَاع على مؤانسة الطَّبْع وشغل الْوَقْت فَهَذَا

стр. 49

مضرّته أرجح من منفعَته وَأَقل مَا فِيهِ أَنه يفْسد الْقلب ويضيع الْوَقْت الثَّانِي الِاجْتِمَاع بهم على التعاون على أَسبَاب النجَاة والتواصي بِالْحَقِّ وَالصَّبْر فَهَذَا من أعظم الْغَنِيمَة وأنفعها وَلَكِن فِيهِ ثَلَاث آفَات احداها تزين بَعضهم لبَعض الثَّانِيَة الْكَلَام والخلطة أَكثر من الْحَاجة الثَّالِثَة أَن يصير ذَلِك شَهْوَة وَعَادَة يَنْقَطِع بهَا عَن الْمَقْصُود وَبِالْجُمْلَةِ فالاجتماع والخلطة لقاح أما للنَّفس الأمارة وَأما للقلب وَالنَّفس المطمئنة والنتيجة مستفادة من اللقَاح فَمن طلب لقاحه طابت ثَمَرَته وَهَكَذَا الْأَرْوَاح الطيّبة لقاحها من الْملك والخبيثة لقاحها من الشَّيْطَان وَقد جعل الله سُبْحَانَهُ بِحِكْمَتِهِ الطَّيِّبَات للطيبين والطيبين للطيبات وَعكس ذَلِك قَاعِدَة لَيْسَ فِي الْوُجُود الْمُمكن سَبَب وَاحِد مُسْتَقل بالتأثير بل لَا يُؤثر سَبَب الْبَتَّةَ إِلَّا بانضمام سَبَب آخر إِلَيْهِ وَانْتِفَاء مَانع يمْنَع تَأْثِيره هَذَا فِي الْأَسْبَاب المشهودة بالعيان وَفِي الْأَسْبَاب الغائبة والأسباب المعنوية كتأثير الشَّمْس فِي الْحَيَوَان والنبات فَإِنَّهُ مَوْقُوف على أَسبَاب أخر من وجود مَحل قَابل وَأَسْبَاب أخر تنضم إِلَى ذَلِك السَّبَب وَكَذَلِكَ حُصُول الْوَلَد مَوْقُوف على عدَّة أَسبَاب غير وَطْء الْفَحْل وَكَذَلِكَ جَمِيع الْأَسْبَاب مَعَ مسبباتها فَكل مَا يخَاف ويرجى من الْمَخْلُوقَات فأعلى غاياته أَن يكون جُزْء سَبَب غير مُسْتَقل بالتأثير وَلَا يسْتَقلّ بالتأثير وَحده دون توقف تَأْثِيره على غَيره إِلَّا الله الْوَاحِد القهّار فَلَا يَنْبَغِي أَن يُرْجَى وَلَا يخَاف غَيره وَهَذَا برهَان قَطْعِيّ على أَن تعلق الرَّجَاء وَالْخَوْف بِغَيْرِهِ بَاطِل فَإِنَّهُ لَو فرض أَن ذَلِك سَبَب مُسْتَقل وَحده بالتأثير لكَانَتْ سببيته من غَيره لَا مِنْهُ فَلَيْسَ لَهُ من نَفسه قُوَّة يفعل بهَا فَإِنَّهُ لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه فَهُوَ الَّذِي بِيَدِهِ الْحول كُله وَالْقُوَّة كلهَا فالحول وَالْقُوَّة الَّتِي يُرْجَى لأجلهما الْمَخْلُوق وَيخَاف إِنَّمَا هما لله وَبِيَدِهِ فِي الْحَقِيقَة فَكيف يخَاف ويرجى من لَا حول لَهُ وَلَا قُوَّة بل خوف الْمَخْلُوق ورجاؤه أحد أَسبَاب الحرمان ونزول الْمَكْرُوه بِمن يرجوه ويخافه فَإِنَّهُ على قدر خوفك من

стр. 50

غير الله يُسَلط عَلَيْك وعَلى قدر رجائك لغيره يكون الحرمان وَهَذَا حَال الْخلق أجمعه وَإِن ذهب عَن أَكْثَرهم علما وَحَالا فَمَا شَاءَ الله كَانَ وَلَا بُد وَمَا لم يَشَأْ لم يكن وَلَو اتّفقت عَلَيْهِ الخليقة التَّوْحِيد مفزع أعدائه وأوليائه فَأَما أعداؤه فينجيهم من كرب الدُّنْيَا وشدائدها ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هم يشركُونَ﴾ وَأما أولياؤه فينجيهم بِهِ من كربات الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وشدائدها وَلذَلِك فزع إِلَيْهِ يُونُس فنجّاه الله من تِلْكَ الظُّلُمَات وفزع إِلَيْهِ أَتبَاع الرُّسُل فنجوا بِهِ مِمَّا عذب بِهِ الْمُشْركُونَ فِي الدُّنْيَا وَمَا أعد لَهُم فِي الْآخِرَة وَلما فزع إِلَيْهِ فِرْعَوْن عِنْد مُعَاينَة الْهَلَاك وَإِدْرَاك الْغَرق لَهُ لم يَنْفَعهُ لِأَن الْإِيمَان عِنْد المعاينة لَا يقبل هَذِه سنة الله فِي عباده فَمَا دفعت شَدَائِد الدُّنْيَا بِمثل التَّوْحِيد وَلذَلِك كَانَ دُعَاء الكرب بِالتَّوْحِيدِ ودعوة ذِي النُّون الَّتِي مَا دَعَا بهَا مكروب إِلَّا فرّج الله كربه بِالتَّوْحِيدِ فَلَا يلقى فِي الكرب الْعِظَام إِلَّا الشّرك وَلَا يُنجي مِنْهَا إِلَّا التَّوْحِيد فَهُوَ مفزع الخليقة وملجؤها وحصنها وغياثها وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق فَائِدَة اللَّذَّة تَابِعَة للمحبة تقوى بقوتها وتضعف بضعفها فَكلما كَانَت الرَّغْبَة فِي المحبوب والشوق إِلَيْهِ أقوى كَانَت اللَّذَّة بالوصول إِلَيْهِ أتم والمحبة والشوق تَابع لمعرفته وَالْعلم بِهِ فَكلما كَانَ الْعلم بِهِ أتم كَانَت محبته أكمل فَإِذا رَجَعَ كَمَال النَّعيم فِي الْآخِرَة وَكَمَال اللَّذَّة إِلَى الْعلم وَالْحب فَمن كَانَ يُؤمن بِاللَّه وأسمائه وَصِفَاته وَدينه أعرف كَانَ لَهُ أحب وَكَانَت لذته بالوصول إِلَيْهِ مجاورته وَالنَّظَر الي جهه وَسَمَاع كَلَامه أتم وكل لَذَّة ونعيم وسرور وبهجة بِالْإِضَافَة إِلَى ذَلِك كقطرة فِي بَحر فَكيف يُؤثر من لَهُ عقل لَذَّة ضَعِيفَة قَصِيرَة مشوبة بالآلام على لَذَّة عَظِيمَة دائمة أَبَد الآباد وَكَمَال العَبْد بِحَسب هَاتين القوتين الْعلم وَالْحب وَأفضل الْعلم الْعلم بِاللَّه وَأَعْلَى الْحبّ الْحبّ لَهُ وأكمل اللَّذَّة بحسبهما وَالله الْمُسْتَعَان

стр. 51

قَاعِدَة طَالب الله وَالدَّار الْآخِرَة لَا يَسْتَقِيم لَهُ سيره وَطَلَبه إِلَّا بحبسين حبس قلبه فِي طلبه ومطلوبه وحبسه عَن الِالْتِفَات إِلَى غَيره وَحبس لِسَانه عَمَّا لَا يُفِيد وحبسه على ذكر الله وَمَا يزِيد فِي إيمَانه ومعرفته وَحبس جوارحه عَن الْمعاصِي والشهوات وحبسها على الْوَاجِبَات والمندوبات فَلَا يُفَارق الْحَبْس حَتَّى يلقى ربه فيخلصه من السجْن إِلَى أوسع فضاء وأطيبه وَمَتى لم يصبر على هذَيْن الحبسين وفر مِنْهُمَا إِلَى فضاء الشَّهَوَات أعقبه ذَلِك الْحَبْس الفظيع عِنْد خُرُوجه من الدُّنْيَا فَكل خَارج من الدُّنْيَا إِمَّا متخلص من الْحَبْس وَإِمَّا ذَاهِب إِلَى الْحَبْس وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق ودّع ابْن عون رجلا فَقَالَ عَلَيْك بتقوى الله فَإِن المتقى لَيست عَلَيْهِ وَحْشَة وَقَالَ زيد بن أسلم كَانَ يُقَال من اتَّقى الله أحبه النَّاس وَإِن كَرهُوا وَقَالَ الثَّوْريّ لِابْنِ أبي ذِئْب إِن اتَّقَيْت الله كَفاك النَّاس وَإِن اتَّقَيْت النَّاس لن يغنوا عَنْك من الله شَيْئا وَقَالَ سُلَيْمَان بن دَاوُد أوتينا مِمَّا أُوتِيَ النَّاس وَمِمَّا لم يؤتوا وعلّمنا مِمَّا علّم النَّاس وَمِمَّا لم يعلمُوا فَلم نجد شَيْئا أفضل من تقوى الله فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة وَالْعدْل فِي الْغَضَب وَالرِّضَا وَالْقَصْد فِي الْفقر والغنى وَفِي الزّهْد للْإِمَام أَحْمد أثر إلهي مَا من مَخْلُوق اعْتصمَ بمخلوق دوني إِلَّا قطعت أَسبَاب السَّمَوَات وَالْأَرْض دونه فَإِن سَأَلَني لم أعْطه وَإِن دَعَاني لم أجبه وَإِن استغفرني لم أَغفر لَهُ وَمَا من مَخْلُوق اعْتصمَ بِي دون خلقي إِلَّا ضمنت السَّمَوَات وَالْأَرْض رزقه فَإِن سَأَلَني أَعْطيته وَإِن دَعَاني أَجَبْته وَإِن استغفرني غفرت لَهُ فَائِدَة جليلة جمع النبى بَين تقوى الله وَحسن الْخلق لِأَن تقوى الله يصلح مَا بَين العَبْد وَبَين ربه وَحسن الْخلق يصلح مَا بَينه وَبَين خلقه فتقوى الله توجب لَهُ محبَّة الله وَحسن الْخلق يَدْعُو إِلَى محبته

стр. 52

فَائِدَة جليلة بَين العَبْد وَبَين الله وَالْجنَّة قنطرة تقطع بخطوتين خطْوَة عَن نَفسه وخطوة عَن الْخلق فَيسْقط نَفسه ويلغيها فِيمَا بَينه وَبَين النَّاس وَيسْقط النَّاس ويلغيهم فِيمَا بَينه وَبَين الله فَلَا يلْتَفت إِلَّا إِلَى من دله على الله وعَلى الطَّرِيق الموصلة إِلَيْهِ صَاح بالصحابة واعظُ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُم فَجَزِعت للخوف قُلُوبهم فجرت من الحذر الْعُيُون فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدرِهَا تزينت الدُّنْيَا لعَلي فَقَالَ أَنْت طَالِق ثَلَاثًا لَا رَجْعَة لي فِيك وَكَانَت تكفيه وَاحِدَة للسن لكنه جمع الثَّلَاث لِئَلَّا يتَصَوَّر للهوى جَوَاز الْمُرَاجَعَة وَدينه الصَّحِيح وطبعه السَّلِيم يأنفان من الْمُحَلّل كَيفَ وَهُوَ أحد رُوَاة حَدِيث لعن الله الْمُحَلّل مَا فِي هَذِه الدَّار مَوضِع خلْوَة فاتخذه فِي نَفسك لَا بُد أَن تجذبك الجواذب فاعرفها وَكن مِنْهَا على حذر لَا تَضُرك الشواغل إِذا خلوت مِنْهَا وَأَنت فِيهَا نور الْحق أَضْوَأ من الشَّمْس فيحق لخفافيش البصائر أَن تعشو عَنهُ الطَّرِيق إِلَى الله خَال من أهل الشَّك وَمن الَّذين يتبعُون الشَّهَوَات وَهُوَ معمور بِأَهْل الْيَقِين وَالصَّبْر وهم على الطَّرِيق كالأعلام وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يوقنون قَاعِدَة لشهادة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله عِنْد الْمَوْت تَأْثِير عَظِيم فِي تَكْفِير السَّيِّئَات وإحباطها لِأَنَّهَا شَهَادَة من عبد موقن بهَا عَارِف بمضمونها قد مَاتَت مِنْهُ الشَّهَوَات ولانت نَفسه المتمردة وانقادت بعد إبائها واستعصائها وَأَقْبَلت بعد إعراضها وذلت بعد عزها وَخرج مِنْهَا حرصا على الدُّنْيَا وفضولها واستخذت بَين يَدي رَبهَا وفاطرها ومولاها الْحق أذلّ مَا كَانَت لَهُ وأرجى مَا كَانَت لعفوه ومغفرته وَرَحمته وتجرد

стр. 53

مِنْهَا التَّوْحِيد بِانْقِطَاع أَسبَاب الشّرك وَتحقّق بُطْلَانه فَزَالَتْ مِنْهَا تِلْكَ المنازعات الَّتِي كَانَت مَشْغُولَة بهَا وَاجْتمعَ همها على من أيقنت بالقدوم عَلَيْهِ والمصير إِلَيْهِ فَوجه العَبْد وَجهه بكليته إِلَيْهِ وَأَقْبل بِقَلْبِه وروحه وهمه عَلَيْهِ فاستسلم وَحده ظَاهرا وَبَاطنا واستوى سره وعلانيته فَقَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله مخلصا من قلبه وَقد تخلص قلبه من التَّعَلُّق بِغَيْرِهِ والالتفات إِلَى مَا سواهُ قد خرجت الدُّنْيَا كلهَا من قلبه وشارف الْقدوم على ربه وخمدت نيران شَهْوَته وامتلأ قلبه من الْآخِرَة فَصَارَت نصب عَيْنَيْهِ وَصَارَت الدُّنْيَا وَرَاء ظَهره فَكَانَت تِلْكَ الشَّهَادَة الْخَالِصَة خَاتِمَة عمله فطهّرته من ذنُوبه وأدخلته على ربه لِأَنَّهُ لَقِي ربه بِشَهَادَة صَادِقَة خَالِصَة وَافق ظَاهرهَا بَاطِنهَا وسرها علانيتها فَلَو حصلت لَهُ الشَّهَادَة على هَذَا الْوَجْه فِي أَيَّام الصِّحَّة لاستوحش من الدُّنْيَا وَأَهْلهَا وفر إِلَى الله من النَّاس وَأنس بِهِ دون مَا سواهُ لكنه شهد بهَا بقلب مشحون بالشهوات وَحب الْحَيَاة وأسبابها وَنَفس مَمْلُوءَة بِطَلَب الحظوظ والالتفات إِلَى غير الله فَلَو تجردت كتجردها عِنْد الْمَوْت لَكَانَ لَهَا نبأ آخر وعيش آخر سوى عيشها البهيمي وَالله الْمُسْتَعَان مَاذَا يملك من أمره من ناصيته بيد الله وَنَفسه بِيَدِهِ وَقَلبه بَين أصبعين من أَصَابِعه يقلبه كَيفَ يَشَاء وحياته بِيَدِهِ وَمَوته بِيَدِهِ وسعادته بِيَدِهِ وشقاوته بِيَدِهِ وحركاته وسكناته وأقواله وأفعاله بِإِذْنِهِ ومشيئته فَلَا يَتَحَرَّك إِلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا يفعل إِلَّا بمشيئته إِن وَكله إِلَى نَفسه وَكله إِلَى عجز وضيعة وتفريط وذنب وخطيئة وَإِن وَكله إِلَى غَيره وَكله إِلَى من لَا يملك لَهُ ضرا وَلَا نفعا وَلَا موتا وَلَا حَيَاة وَلَا نشورا وَإِن تخلى عَنهُ استولى عَلَيْهِ عدوّه وَجعله أَسِيرًا لَهُ فَهُوَ لَا غنى لَهُ عَنهُ طرفَة عين بل هُوَ مُضْطَر إِلَيْهِ على مدى الأنفاس فِي كل ذرة من ذراته بَاطِنا وظاهراً فاقته تَامَّة إِلَيْهِ وَمَعَ ذَلِك فَهُوَ متخلف عَنهُ معرض عَنهُ يتبغض إِلَيْهِ بمعصيته مَعَ شدَّة الضَّرُورَة إِلَيْهِ من كل وَجه قد صَار لذكره نسيا واتخذه وَرَاءه ظهريا هَذَا وَإِلَيْهِ مرجعه وَبَين يَدَيْهِ موقفه

стр. 54

فرغ خاطرك للهم بِمَا أمرت بِهِ وَلَا تشغله بِمَا ضمن لَك فَإِن الرزق وَالْأَجَل قرينان مضمونان فَمَا دَامَ الْأَجَل بَاقِيا كَانَ الرزق آتِيَا وَإِذا سد عَلَيْك بِحِكْمَتِهِ طَرِيقا من طرقه فتح لَك برحمته طَرِيقا أَنْفَع لَك مِنْهُ فتأمّل حَال الْجَنِين يَأْتِيهِ غذاؤه وَهُوَ الدَّم من طَرِيق وَاحِدَة وَهُوَ السُّرَّة فَلَمَّا خرج من بطن الْأُم وانقطعت تِلْكَ الطَّرِيق فتح لَهُ طَرِيقين اثْنَيْنِ وأجرى لَهُ فيهمَا رزقا أطيب وألذ من الأول لَبَنًا خَالِصا سائغا فَإِذا تمت مُدَّة الرَّضَاع وانقطعت الطريقان بالفطام فتح طرقاً أَرْبَعَة أكمل مِنْهَا طعامان وشرابان فالطعامان من الْحَيَوَان والنبات والشرابان من الْمِيَاه والألبان وَمَا يُضَاف إِلَيْهِمَا من الْمَنَافِع والملاذ فَإِذا مَاتَ انْقَطَعت عَنهُ هَذِه الطّرق الْأَرْبَعَة لكنه سُبْحَانَهُ فتح لَهُ إِن كَانَ سعيدا طرقا ثَمَانِيَة وَهِي أَبْوَاب الْجنَّة الثَّمَانِية يدْخل من أَيهَا شَاءَ فَهَكَذَا الرب سُبْحَانَهُ لَا يمْنَع عَبده الْمُؤمن شَيْئا من الدُّنْيَا إِلَّا ويؤتيه أفضل مِنْهُ وأنفع لَهُ وَلَيْسَ ذَلِك لغير الْمُؤمن فَإِنَّهُ يمنعهُ الْحَظ الْأَدْنَى الخسيس وَلَا يرضى لَهُ بِهِ ليعطيه الْحَظ الْأَعْلَى النفيس وَالْعَبْد لجهله بمصالح نَفسه وجهله بكرم ربه وحكمته ولطفه لَا يعرف التَّفَاوُت بَين مَا منع مِنْهُ وَبَين مَا ذخر لَهُ بل هُوَ مولع بحب العاجل وَإِن كَانَ دنيئا وبقلة الرَّغْبَة فِي الآجل وَإِن كَانَ عليا وَلَو أنصف العَبْد ربه وأنى لَهُ بذلك لعلم أَن فَضله عَلَيْهِ فِيمَا مَنعه من الدُّنْيَا ولذاتها وَنَعِيمهَا أعظم من فَضله عَلَيْهِ فِيمَا آتَاهُ من ذَلِك فَمَا مَنعه إِلَّا ليعطيه وَلَا ابتلاه إِلَّا ليعافيه وَلَا امتحنه إِلَّا ليصافيه وَلَا أَمَاتَهُ إِلَّا ليحييه وَلَا أخرجه إِلَى هَذِه الدَّار إِلَّا ليتأهب مِنْهَا للقدوم عَلَيْهِ وليسلك الطَّرِيق الموصلة إِلَيْهِ فَجعل اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شكُورًا وأبى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُوراً وَالله الْمُسْتَعَان من عرف نَفسه اشْتغل بإصلاحها عَن عُيُوب النَّاس من عرف ربه اشْتغل بِهِ عَن هوى نَفسه أَنْفَع الْعَمَل أَن تغيب فِيهِ عَن النَّاس بالإخلاص وَعَن نَفسك بِشُهُود المنّة فَلَا ترى فِيهِ نَفسك وَلَا ترى الْخلق

стр. 55

دخل النَّاس النَّار من ثَلَاثَة أَبْوَاب بَاب شُبْهَة أورثت شكا فِي دين الله وَبَاب شَهْوَة أورثت تَقْدِيم الْهوى على طَاعَته ومرضاته وَبَاب غضب أورث الْعدوان على خلقه أصُول الْخَطَايَا كلهَا ثَلَاثَة الْكبر وَهُوَ الَّذِي أصار إِبْلِيس إِلَى مَا أصاره والحرص وَهُوَ الَّذِي أخرج آدم من الْجنَّة والحسد وَهُوَ الَّذِي جرأ أحدا بني آدم على أَخِيه فَمن وقِي شَرّ هَذِه الثَّلَاثَة فقد وقى الشَّرّ فالكفر من الْكبر والمعاصي من الْحِرْص وَالْبَغي وَالظُّلم من الْحَسَد جعل الله بِحِكْمَتِهِ كل جُزْء من أَجزَاء ابْن آدم ظَاهِرَة وباطنة آلَة لشَيْء إِذا اسْتعْمل فِيهِ فَهُوَ كَمَاله فالعين آلَة للنَّظَر وَالْأُذن آلَة للسماع وَالْأنف آلَة للشم وَاللِّسَان آلَة للنطق والفرج للنِّكَاح وَالْيَد للبطش وَالرجل للمشي وَالْقلب للتوحيد والمعرفة وَالروح للمحبة وَالْعقل آلَة للتفكر والتدبر لعواقب الْأُمُور الدِّينِيَّة والدنيوية وإيثار مَا يَنْبَغِي إيثاره وإهمال مَا يَنْبَغِي إهماله أخسر النَّاس صَفْقَة من اشْتغل عَن الله بِنَفسِهِ بل أخسر مِنْهُ من اشْتغل عَن نَفسه بِالنَّاسِ فِي السّنَن من حَدِيث أبي سعيد يرفعهُ إِذا أصبح ابْن آدم فَإِن الْأَعْضَاء كلهَا تكفر اللِّسَان تَقول اتَّقِ الله فَإِنَّمَا نَحن بك فان اسْتَقَمْت استقمنا وَإِن اعوججت اعوججنا قَوْله تكفر اللِّسَان قيل مَعْنَاهُ تخضع لَهُ وَفِي الحَدِيث أَن الصَّحَابَة لما دخلُوا على النَّجَاشِيّ لم يكفروا لَهُ أَي لم يسجدوا وَلم يخضعوا وَلذَلِك قَالَ لَهُ عَمْرو بن الْعَاصِ أَيهَا الْملك إِنَّهُم لَا يكفرون لَك وَإِنَّمَا خضعت للسان لِأَنَّهُ بريد الْقلب وترجمانه والواسطة بَينه وَبَين الْأَعْضَاء وَقَوْلها إِنَّمَا نَحن بك أَي نجاتنا بك وهلاكنا بك وَلِهَذَا قَالَت فَإِن اسْتَقَمْت استقمنا وَإِن اعوججت اعوججنا

стр. 56

فصل جمع النَّبِي فِي قَوْله فَاتَّقُوا الله وأجملوا فِي الطّلب بَين مصَالح الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَنَعِيمهَا ولذاتها إِنَّمَا ينَال بتقوى الله وراحة الْقلب وَالْبدن وَترك الاهتمام والحرص الشَّديد والتعب والعناد والكد والشقاء فِي طلب الدُّنْيَا إِنَّمَا ينَال بالإجمال فِي الطّلب فَمن اتَّقى الله فَازَ بلذة الْآخِرَة وَنَعِيمهَا وَمن أجمل فِي الطّلب استراح من نكد الدُّنْيَا وهمومها فَالله الْمُسْتَعَان قد نادت الدُّنْيَا على نَفسهَا ... لَو كَانَ فِي ذَا الْخلق من يسمع كم واثق بالعيش أهلكته ... وجامع فرقت مَا يجمع فَائِدَة جمع النَّبِي بَين المأثم والمغرم فَإِن المأثم يُوجب خسارة الْآخِرَة والمغرم يُوجب خسارة الدُّنْيَا فَائِدَة قَالَ تَعَالَى وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا علق سُبْحَانَهُ الْهِدَايَة بِالْجِهَادِ فأكمل النَّاس هِدَايَة أعظمهم جهادا وأفرض الْجِهَاد جِهَاد النَّفس وَجِهَاد الْهوى وَجِهَاد الشَّيْطَان وَجِهَاد الدُّنْيَا فَمن جَاهد هَذِه الْأَرْبَعَة فِي الله هداه الله سبل رِضَاهُ الموصلة إِلَى جنته وَمن ترك الْجِهَاد فَاتَهُ من الْهدى بِحَسب مَا عطل من الْجِهَاد قَالَ الْجُنَيْد وَالَّذين جاهدوا أهواءهم فِينَا بِالتَّوْبَةِ لنهدينهم سبل الْإِخْلَاص وَلَا يتَمَكَّن من جِهَاد عدوه فِي الظَّاهِر إِلَّا من جَاهد هَذِه الْأَعْدَاء بَاطِنا فَمن نصر عَلَيْهَا نصر على عدوه وَمن نصرت عَلَيْهِ نصر عَلَيْهِ عدوه

стр. 57

فصل ألْقى الله سُبْحَانَهُ الْعَدَاوَة بَين الشَّيْطَان وَبَين الْملك والعداوة بَين الْعقل وَبَين الْهوى والعداوة بَين النَّفس الأمارة وَبَين الْقلب وابتلى العَبْد بذلك وَجمع لَهُ بَين هَؤُلَاءِ وأمد كل حزب بِجُنُود وَأَعْوَان فَلَا تزَال الْحَرْب سجالا ودولا بَين الْفَرِيقَيْنِ إِلَى أَن يستولي أَحدهمَا على الآخر وَيكون الآخر مقهورا مَعَه فَإِذا كَانَت النّوبَة للقلب وَالْعقل وَالْملك فهنالك السرُور وَالنَّعِيم واللذة والبهجة والفرح وقرة الْعين وَطيب الْحَيَاة وانشراح الصَّدْر والفوز بالغنائم وَإِذا كَانَت النّوبَة للنَّفس والهوى والشيطان فهنالك الغموم والهموم وَالْأَحْزَان وأنواع المكاره وضيق الصَّدْر وَحبس الْملك فَمَا ظَنك بِملك استولى عَلَيْهِ عدوه فأنزله عَن سَرِير ملكه وأسره وحبسه وَحَال بَينه وَبَين خزائنه وذخائره وخدمه وصيّرها لَهُ وَمَعَ هَذَا فَلَا يَتَحَرَّك الْملك لطلب ثَأْره وَلَا يستغيث بِمن يغيثه وَلَا يستنجد بِمن ينجده وَفَوق هَذَا الْملك ملك قاهر لَا يقهر وغالب لَا يغلب وعزيز لَا يذل فَأرْسل إِلَيْهِ إِن استنصرتني نصرتك وَإِن استغثت بِي أغثتك وَإِن التجأت إِلَيّ أخذت بثأرك وَإِن هربت إِلَيّ وأويت إِلَيّ سلطتك على عَدوك وَجَعَلته تَحت أسرك فَإِن قَالَ هَذَا الْملك المأسور قد شدّ عدوي وثاقي وَأحكم رباطي واستوثق مني بالقيود وَمَنَعَنِي من النهوض إِلَيْك والفرار إِلَيْك والمسير إِلَى بابك فَإِن أرْسلت جندا من عنْدك يحل وثاقي ويفك قيودي ويخرجني من حَبسه أمكنني أَن أوافي بابك وَإِلَّا لم يمكنني مُفَارقَة محبسي وَلَا كسر قيودي فَإِن قَالَ ذَلِك احتجاجا على ذَلِك السُّلْطَان ودفعا لرسالته ورضا بِمَا هُوَ فِيهِ عِنْد عدوّه خلاه السُّلْطَان الْأَعْظَم وحاله وولاه مَا تولى وَإِن قَالَ ذَلِك افتقارا إِلَيْهِ وإظهارا لعَجزه وذله وَأَنه أَضْعَف وأعجز أَن يسير إِلَيْهِ بِنَفسِهِ وَيخرج من حبس عدوه ويتخلص مِنْهُ بحوله وقوته وَأَن من تَمام نعْمَته ذَلِك عَلَيْهِ كَمَا أرسل إِلَيْهِ هَذِه الرسَالَة أَن يمده من جنده

стр. 58

ومماليكه بِمن يُعينهُ على الْخَلَاص وَيكسر بَاب محبسه ويفك قيوده فَإِن فعل بِهِ ذَلِك فقد أتم إنعامه عَلَيْهِ وان تخلى عَنهُ فَلم يَظْلمه وَلَا مَنعه حَقًا هوله وَأَن حَمده وحكمته اقْتضى مَنعه وتخليته فِي محبسه وَلَا سِيمَا إِذا علم أَن الْحَبْس حَبسه وَأَن هَذَا الْعَدو الَّذِي حَبسه مَمْلُوك من مماليكه وَعبد من عبيده ناصيته بِيَدِهِ لَا يتَصَرَّف إِلَّا بِإِذْنِهِ ومشيئته فَهُوَ غير ملتفت إِلَيْهِ وَلَا خَائِف مِنْهُ وَلَا مُعْتَقد أَن لَهُ شَيْئا من الْأَمر وَلَا بِيَدِهِ نفع وَلَا ضرّ بل هُوَ ناطر إِلَى مَالِكه ومتولي أمره وَمن ناصيته بِيَدِهِ قد أفرده بالخوف والرجاء والتضرّع إِلَيْهِ والالتجاء وَالرَّغْبَة والرهبة فهناك تَأتيه جيوش النَّصْر وَالظفر أَعلَى الهمم فِي طلب علم الْكتاب وَالسّنة والفهم عَن الله وَرَسُوله نفس المُرَاد وَعلم حُدُود الْمنزل وأخّس همم طلاب الْعلم قصر همته على تتبع شواذ الْمسَائِل وَمَا لم ينزل وَلَا هُوَ وَاقع أَو كَانَت همته معرفَة الِاخْتِلَاف وتتبع أَقْوَال النَّاس وَلَيْسَ لَهُ همة إِلَى معرفَة الصَّحِيح من تِلْكَ الْأَقْوَال وقلّ أَن ينْتَفع وَاحِد من هَؤُلَاءِ بِعِلْمِهِ وَأَعْلَى الهمم فِي بَاب الْإِرَادَة أَن تكون الهمة مُتَعَلقَة بمحبة الله وَالْوُقُوف مَعَ مُرَاده الديني الأمري وأسفلها أَن تكون الهمة واقفة مَعَ مُرَاد صَاحبهَا من الله فَهُوَ إِنَّمَا يعبده لمراده مِنْهُ لَا لمراد الله مِنْهُ فَالْأول يُرِيد الله وَيُرِيد مُرَاده وَالثَّانِي يُرِيد من الله وَهُوَ فارغ عَن إِرَادَته عُلَمَاء السوء جَلَسُوا على بَاب الْجنَّة يدعونَ إِلَيْهَا النَّاس بأقوالهم ويدعونهم إِلَى النَّار بأفعالهم فَكلما قَالَت أَقْوَالهم للنَّاس هلمّوا قَالَت أفعالهم لَا تسمعوا مِنْهُم فَلَو كَانَ مَا دعوا إِلَيْهِ حَقًا كَانُوا أول المستجيبين لَهُ فهم فِي الصُّورَة أدلاء وَفِي الْحَقِيقَة قطّاع الطّرق إِذا كَانَ الله وَحده حظك ومرادك فالفضل كُله تَابع لَك يزدلف إِلَيْك أَي أَنْوَاعه تبدأ بِهِ وَإِذا كَانَ حظك مَا تنَال مِنْهُ فالفضل مَوْقُوف عَنْك لِأَنَّهُ بِيَدِهِ تَابع لَهُ فعل من أَفعاله فَإِذا حصل لَك حصل لَك الْفضل بطرِيق الضمن والتبع وَإِذا كَانَ الْفضل مقصودك لم يحصل الله بطرِيق الضمن والتبع فَإِن

стр. 59

كنت قد عَرفته وأنست بِهِ ثمَّ سَقَطت إِلَى طلب الْفضل حَرمك إِيَّاه عُقُوبَة لَك ففاتك الله وفاتك الْفضل فصل لما خرج رَسُول الله من حصر الْعَدو دخل فِي حصر النَّصْر فعبثت أَيدي سراياه بالنصر فِي الْأَطْرَاف فطار ذكره فِي الْآفَاق فَصَارَ الْخلق مَعَه ثَلَاثَة أَقسَام مُؤمن بِهِ ومسالم لَهُ وخائف مِنْهُ ألْقى بذر الصَّبْر فِي مزرعة فَاصْبِرْ كَمَا صَبر أولو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ فَإِذا أَغْصَان النَّبَات تهتز بخزامى وَالْحُرُمَاتُ قصاص فَدخل مَكَّة دُخُولا مَا دخله أحد قبله وَلَا بعده حوله الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار لَا يبين مِنْهُم إِلَّا الحدق وَالصَّحَابَة على مَرَاتِبهمْ وَالْمَلَائِكَة فَوق رؤوسهم وَجِبْرِيل يتَرَدَّد بَينه وَبَين ربه وَقد أَبَاحَ لَهُ حرمه الَّذِي لم يحله لأحد سواهُ فَلَمَّا قايس بَين هَذَا الْيَوْم وَبَين يَوْم وَإِذْ يمكر الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يخرجوك فأخرجوه ثَانِي اثْنَيْنِ دخل وذقنه تمس قربوس سَرْجه خضوعا وذلا لمن ألبسهُ ثوب هَذَا الْعِزّ الَّذِي رفعت إِلَيْهِ فِيهِ الخليقة رؤوسها ومدت إِلَيْهِ الْمُلُوك أعناقها فَدخل مَكَّة مَالِكًا مؤيدا منصورا وَعلا كَعْب بِلَال فَوق الْكَعْبَة بعد أَن كَانَ يجر فِي الرمضاء على جمر الْفِتْنَة فنشر بزا طوى عَن الْقَوْم من يَوْم قَوْله أحد أحد وَرفع صَوته بِالْأَذَانِ فأجابته الْقَبَائِل من كل نَاحيَة فَأَقْبَلُوا يؤمُّونَ الصَّوْت فَدَخَلُوا فِي دين الله أَفْوَاجًا وَكَانُوا قبل ذَلِك يأْتونَ آحادا فَلَمَّا جلس الرَّسُول على مِنْبَر الْعِزّ وَمَا نزل عَنهُ قطّ مدت الْمُلُوك أعناقها بالخضوع إِلَيْهِ فَمنهمْ من سلم إِلَيْهِ مَفَاتِيح الْبِلَاد وَمِنْهُم من سَأَلَهُ الْمُوَادَعَة وَالصُّلْح وَمِنْهُم من أقرّ بالجزية وَالصغَار وَمِنْهُم من أَخذ فِي الْجمع وَالتَّأَهُّب للحرب وَلم يدر أَنه لم يزدْ على جمع الْغَنَائِم وسوق الْأُسَارَى إِلَيْهِ فَلَمَّا تَكَامل نَصره وبلّغ الرسَالَة وَأدّى الْأَمَانَة وجاءه منشور إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تقدم من ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً وَيَنْصُرَكَ

стр. 60

﴿اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً﴾ وَبعده توقيع ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ الله أَفْوَاجًا﴾ جَاءَهُ رَسُول ربه يُخبرهُ بَين الْمقَام فِي الدُّنْيَا وَبَين لِقَائِه فَاخْتَارَ لِقَاء ربه شوقا إِلَيْهِ فتزينت الْجنان ليَوْم قدوم روحه الْكَرِيمَة لَا كزينة الْمَدِينَة يَوْم قدوم الْملك إِذا كَانَ عرش الرَّحْمَن فقد اهتز لمَوْت بغض أَتْبَاعه فَرحا واستبشارا بقدوم روحه فَكيف بِروح سيّد الْخَلَائق فيا منتسبا إِلَى غير هَذَا الجناب وَيَا وَاقِفًا بِغَيْر هَذَا الْبَاب ستعلم يَوْم الْحَشْر أَي سريرة تكون عَلَيْهَا يَوْمَ تبلى السرائر فصل يَا مغرورا بالأماني لعن إِبْلِيس وأهبط من منزل الْعِزّ بترك سَجْدَة وَاحِدَة أَمر بهَا وَأخرج آدم من الْجنَّة بلقمة تنَاولهَا وحجب الْقَاتِل عَنْهَا بعد أَن رَآهَا عيَانًا بملء كف من دم وَأمر بقتل الزَّانِي أشنع القتلات بإيلاج قدر الْأُنْمُلَة فِيمَا لَا يحل وَأمر بإيساع الظّهْر سياطا بِكَلِمَة قذف أَو بقطرة سكر وَأَبَان عضوا من أعضائك بِثَلَاثَة دَرَاهِم فَلَا تأمنه أَن يحبسك فِي النَّار بِمَعْصِيَة وَاحِدَة من مَعَاصيه ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ دخلت امْرَأَة النَّار فِي هرة وَإِن الرجل ليَتَكَلَّم بِالْكَلِمَةِ لَا يلقِي لَهَا بَالا يهوي بهَا فِي النَّار أبعد مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب وَإِن الرجل ليعْمَل بِطَاعَة الله سِتِّينَ سنة فَإِذا كَانَ عِنْد الْمَوْت جَار فِي الْوَصِيَّة فيختم لَهُ بِسوء عمله فَيدْخل النَّار الْعُمر بى خره وَالْعَمَل بخاتمته من أحدث قبل السَّلَام بَطل مَا مضى من صلَاته وَمن أفطر قبل غرُوب الشَّمْس ذهب صِيَامه ضائعا وَمن أَسَاءَ فِي آخر عمره لقى ربه فِي ذَلِك الْوَجْه لَو قدمت لقْمَة وَجدتهَا وَلَكِن يُؤْذِيك الشره كم جَاءَ الثَّوَاب يسْعَى إِلَيْك فَوقف بِالْبَابِ فَرده بواب سَوف وَلَعَلَّ وَعَسَى كَيفَ الْفَلاح

стр. 61

بَين إِيمَان نَاقص وأمل زَائِد وَمرض لَا طَبِيب لَهُ وَلَا عَائِد وَهوى مستيقظ وعقل رَاقِد سَاهِيا فِي غمرته عَمها فِي سكرته سابحا فِي لجّة جَهله مستوحشا من ربه مستأنسا بخلقه ذكر النَّاس فاكهته وقوته وَذكر الله حَبسه وَمَوته لله مِنْهُ جُزْء يسير من ظَاهره وَقَلبه ويقينه لغيره لَا كَانَ من سواك فِيهِ بَقِيَّة ... يجد السَّبِيل بهَا إِلَيْهِ العذل فصل كَانَ أول الْمَخْلُوقَات الْقَلَم ليكتب الْمَقَادِير قبل كَونهَا وَجعل آدم وَآخر الْمَخْلُوقَات وَفِي ذَلِك حكم أَحدهَا تمهيد الدَّار قبل السَّاكِن الثَّانِيَة أَنه الْغَايَة الَّتِي خلق لأَجلهَا مَا سواهُ من السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَالْبر وَالْبَحْر الثَّالِثَة أَن أحذق الصنّاع يخْتم عمله بأحسنه وغايته كَمَا يبدؤه بأساسه ومبادئه الرَّابِعَة أَن النُّفُوس متطلعة إِلَى النهايات والأواخر دَائِما وَلِهَذَا قَالَ مُوسَى للسحرة وَلَا ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ ملقون﴾ فَلَمَّا رأى النَّاس فعلهم تطلعوا إِلَى مَا يَأْتِي بعده الْخَامِسَة أَن الله سُبْحَانَهُ أخّر أفضل الْكتب والأنبياء والأمم إِلَى آخر الزَّمَان وَجعل الْآخِرَة خيرا من الأولى والنهايات أكمل من البدايات فكم بَين قَول الْملك للرسول اقْرَأ فَيَقُول مَا أَنا بقارىء وَبَين قَوْله تَعَالَى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دينكُمْ﴾ السَّادِسَة ان سُبْحَانَهُ جمع مَا فرقه فِي الْعَالم فِي آدم فَهُوَ الْعَالم الصَّغِير وَفِيه مَا فِي الْعَالم الْكَبِير السَّابِعَة ان خُلَاصَة الْوُجُود وثمرته فَنَاسَبَ أَن يكون خلقه بعد الموجودات الثَّامِنَة أَن من كرامته على خالقه أَنه هيأ لَهُ مَصَالِحه وحوائجه وآلات معيشته وَأَسْبَاب حَيَاته فَمَا رفع رَأسه إِلَّا وَذَلِكَ كُله حَاضر عتيد التَّاسِعَة أَنه سُبْحَانَهُ أَرَادَ أَن يظْهر شرفه وفضله على سَائِر الْمَخْلُوقَات فَقَدمهَا عَلَيْهِ فِي الْخلق وَلِهَذَا قَالَت الْمَلَائِكَة ليخلق رَبنَا مَا شَاءَ فَلَنْ يخلق خلقا أكْرم عَلَيْهِ منا فَلَمَّا خلق آدم وَأمرهمْ بِالسُّجُود لَهُ ظهر فَضله وشرفه عَلَيْهِم بِالْعلمِ والمعرفة فَلَمَّا وَقع فِي الذَّنب ظنت الْمَلَائِكَة أَن ذَلِك الْفضل

стр. 62

قد نسخ وَلم تطلع على عبودية التَّوْبَة الكامنة فَلَمَّا تَابَ إِلَى ربه وأنى بِتِلْكَ الْعُبُودِيَّة علمت الْمَلَائِكَة أَن لله فِي خلقه سرا لَا يُعلمهُ سواهُ الْعَاشِرَة أَنه سُبْحَانَهُ لما افْتتح خلق هَذَا الْعَالم بالقلم من أحسن الْمُنَاسبَة أَن يختمه بِخلق الْإِنْسَان فَإِن الْقَلَم آلَة الْعلم وَالْإِنْسَان هُوَ الْعَالم وَلِهَذَا أظهر سُبْحَانَهُ فضل آدم على الْمَلَائِكَة بِالْعلمِ الَّذِي خُصّ بِهِ دونهم وَتَأمل كَيفَ كتب سُبْحَانَهُ عذر آدم قبل هُبُوطه إِلَى الأَرْض وَنبهَ الْمَلَائِكَة على فَضله وشرفه ونوه باسمه قبل إيجاده بقوله ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْض خَليفَة﴾ وَتَأمل كَيفَ وسمه بالخلافة وَتلك ولَايَة لَهُ قبل وجوده وَأقَام عذره قبل الهبوط بقوله ﴿فِي الأَرْض﴾ والمحب يُقيم عذر المحبوب قبل جِنَايَته فَلَمَّا صوره أَلْقَاهُ على بَاب الْجنَّة أَرْبَعِينَ سنة لِأَن دأب الْمُحب الْوُقُوف على بَاب الحبيب رمى بِهِ فِي طَرِيق ذل ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئا﴾ لِئَلَّا يعجب يَوْم اسجدوا كَانَ إِبْلِيس يمر على جسده فيعجب مِنْهُ وَيَقُول لأمر قد خلقت ثمَّ يدْخل من فِيهِ وَيخرج من دبره وَيَقُول لَئِن سلطت عَلَيْك لأهلكنك وَلَئِن سلطت عَليّ لأعصينك وَلم يعلم أَن هَلَاكه على يَده رأى طينا مجموعا فاحتقر فَلَمَّا صور الطين صُورَة دب فِيهِ دَاء الْحَسَد فَلَمَّا نفخ فِيهِ الرّوح مَاتَ الْحَاسِد فَلَمَّا بسط لَهُ بِسَاط الْعِزّ عرضت عَلَيْهِ الْمَخْلُوقَات فَاسْتَحْضر مدعي وَنَحْنُ نُسَبِّح إِلَى حَاكم أَنْبِئُونِي وَقد أخْفى الْوَكِيل عَنهُ بَيِّنَة وَعَلَّمَ فنكسوا رُؤُوس الدَّعَاوَى على صُدُور الْإِقْرَار فَقَامَ مُنَادِي التَّفْضِيل فِي أندية الْمَلَائِكَة يُنَادي اسجدوا فتطهروا من حَدِيث دَعْوَى وَنَحْن بِمَاء الْعذر فِي آنِية ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ فسجدوا على طَهَارَة التَّسْلِيم وَقَامَ إِبْلِيس نَاحيَة لم يسْجد لِأَنَّهُ خبث وَقد تلون بِنَجَاسَة الِاعْتِرَاض وَمَا كَانَت نَجَاسَته تتلافى بالتطهير لِأَنَّهَا عَيْنِيَّة فَلَمَّا تمّ كَمَال آدم قَالَ لَا بُد من خَال جمال على وَجه اسْجُدُوا فَجرى الْقدر بالذنب ليتبين أثر الْعُبُودِيَّة فِي الذل يَا آدم لَو عفى لَك عَن تِلْكَ اللُّقْمَة لقَالَ الحاسدون كَيفَ فضل ذُو شَره لم يصبر على شَجَرَة لَوْلَا نزولك مَا تصاعدت صعداء الأنفاس وَلَا نزلت رسائل هَل من وَسَائِل وَلَا فاحت

стр. 63

رَوَائِح ولخلوف فَم الصَّائِم فَتبين حِينَئِذٍ أَن ذَلِك التَّنَاوُل لم يكن عَن شَرَهٍ يَا آدم ضحكك فِي الْجنَّة لَك وبكاؤك فِي دَار التَّكْلِيف لنا مَا ضرّ من كَسره عزي إِذا جبره فضلي إِنَّمَا تلِيق خلعة الْعِزّ ببدن الانكسار أَنا عِنْد المنكسرة قُلُوبهم من أَجلي مازالت تِلْكَ الْأكلَة تعاده حَتَّى استولى داؤه على أَوْلَاده فَأرْسل إِلَيْهِم اللَّطِيف الْخَبِير الدَّوَاء على أَيدي أطباء الْوُجُود فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمن تبع هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلَا يشقى فحماهم الطَّبِيب بالمناهي وَحفظ الْقُوَّة بالأوامر واستفرغ أخلاطهم الرَّديئَة بِالتَّوْبَةِ فَجَاءَت الْعَافِيَة من كل نَاحيَة فيا من ضيّع الْقُوَّة وَلم يحفظها وخلط فِي مَرضه وَمَا احتمى وَلَا صَبر على مرَارَة الاستفراغ لَا تنكر قرب الْهَلَاك فالداء مترام إِلَى الْفساد لَو ساعد الْقدر فأعنت الطَّبِيب على نَفسك بالحمية من شَهْوَة خسيسة ظَفرت بأنواع اللَّذَّات وأصناف المشتهيات وَلَك بخار الشَّهْوَة غطى عين البصيرة فَظَنَنْت أَن الحزم بيع الْوَعْد بِالنَّقْدِ يالها بَصِيرَة عمياء جزعت من صَبر سَاعَة واحتملت ذل الْأَبَد سَافَرت فِي طلب الدُّنْيَا وَهِي عَنْهَا زائلة وَقَعَدت عَن السّفر إِلَى الْآخِرَة وَهِي إِلَيْهَا رَاحِلَة إِذا رَأَيْت الرجل يَشْتَرِي الخسيس بالنفيس وَيبِيع الْعَظِيم بالحقير فَاعْلَم بِأَنَّهُ سَفِيه فصل لما سلم لآدَم أصل الْعُبُودِيَّة لم يقْدَح فِيهِ الذَّنب ابْن آدم لَو لقيتني بقراب الأَرْض خَطَايَا ثمَّ لقيتني لَا تشرك بِي شَيْئا لقيتك بقرابها مغْفرَة لما علم السَّيِّد أَن ذَنْب عَبده لم يكن قصدا لمُخَالفَته وَلَا قدحا فِي حكمته علمه كَيفَ يعْتَذر إِلَيْهِ فَتَلَقَّى آدَمُ م رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ العَبْد لَا يُرِيد بمعصيته مُخَالفَة سَيّده وَلَا الجرأة على مَحَارمه وَلَكِن غلبات الطَّبْع وتزيين النَّفس والشيطان وقهر الْهوى والثقة بِالْعَفو ورجاء الْمَغْفِرَة هَذَا من جَانب العَبْد وَأما من جَانب الربوبية فجريان الحكم وَإِظْهَار عز الربوبية وذل الْعُبُودِيَّة وَكَمَال الِاحْتِيَاج وَظُهُور آثَار الْأَسْمَاء الْحسنى

стр. 64

كالعفو والغفور والتوّاب والحليم لمن جَاءَ تَائِبًا نَادِما والمنتقم وَالْعدْل وَذي الْبَطْش الشَّديد لمن أصر وَلزِمَ المجرة فَهُوَ سُبْحَانَهُ يُرِيد أَن يرى عَبده تفرده بالكمال وَنقص العَبْد وَحَاجته إِلَيْهِ ويشهده كَمَال قدرته وعزته وَكَمَال مغفرته وعفوه وَرَحمته وَكَمَال بره وستره وحلمه وتجاوزه وصفحه وَأَن رَحمته بِهِ إِحْسَان إِلَيْهِ لَا مُعَارضَة وَأَنه إِن لم يتغمّده برحمته وفضله فَهُوَ هَالك لَا محَالة فَللَّه كم من تَقْدِير الذَّنب من حِكْمَة وَكم فِيهِ مَعَ تَحْقِيق التَّوْبَة للْعَبد من مصلحَة وَرَحْمَة التَّوْبَة من الذَّنب كشرب الدَّوَاء للعليل وَرب عِلّة كَانَت سَبَب الصِّحَّة لَعَلَّ عتبك مَحْمُود عواقبه ... وَرُبمَا صحت الأجساد بالعلل لَوْلَا تَقْدِير الذَّنب هلك ابْن آدم من الْعجب ذَنْب يذل بِهِ أحب إِلَيْهِ من طَاعَة يدل بهَا عَلَيْهِ شمعة النَّصْر إِنَّمَا تنزل فِي شمعدان الانكسار لَا يكرم العَبْد نَفسه بِمثل إهانتها وَلَا يعزها بِمثل ذلها وَلَا يريحها بِمثل تعبها كَمَا قيل سأتعب نَفسِي أَو أصادف رَاحَة ... فان هوان النَّفس فِي كرم النَّفس وَلَا يشبعها بِمثل جوعها وَلَا يؤمنها بِمثل خوفها وَلَا يؤنسها بِمثل وحشتها من كل مَا سوى فاطرها وبارئها وَلَا يُحْيِيهَا بِمثل امانتها كَمَا قيل موت النُّفُوس جياتها ... من شَاءَ أَن يحيا يَمُوت شراب الْهوى حُلْو وَلكنه يُورث الشرق من تذكر خنق الفخ هان عَلَيْهِ هجران الْحبَّة يَا معرقلا فِي شرك الْهوى جمزة عزم وَقد خرقت الشبكة لَا بُد من نُفُوذ الْقدر فاجنح للسلم لله ملك السَّمَوَات والارض واستقرض مِنْك حَبَّة فبخلت بهَا وَخلق سَبْعَة أبحر وَأحب مِنْك دمعة فقحطت عَيْنك بهَا إِطْلَاق الْبَصَر ينقش قي الْقلب صُورَة المنظور وَالْقلب كعبة والمعبود لَا يرضى بمزاحمة

стр. 65

الْأَصْنَام لذات الدُّنْيَا كسوداء وَقد غلبت عَلَيْك والحور الْعين يعجبن من سوء اختيارك عَلَيْهِنَّ غير أَن زَوْبَعَة الْهوى إِذا ثارت سفت فِي عين البصيرة فخفيت الجادة سُبْحَانَ الله تزينت الْجنَّة للخُطَّاب فجَدُّوا فِي تَحْصِيل الْمهْر وتعرّف رب الْعِزَّة إِلَى المحبين بأسمائه وَصِفَاته فعملوا على اللِّقَاء وَأَنت مَشْغُول بالجيف لَا كَانَ من لسواك مِنْهُ قلبه ... وَلَك اللِّسَان مَعَ الوداد الْكَاذِب الْمعرفَة بِسَاط لَا يطَأ عَلَيْهِ إِلَّا مقرب والمحبة نشيد لَا يطرب عَلَيْهِ إِلَّا محب مغرم الْحبّ غَدِير فِي صحراء لَيست عَلَيْهِ جادة فَلهَذَا قل وارده الْمُحب يهرب إِلَى الْعُزْلَة وَالْخلْوَة بمحبوبه والأنس بِذكرِهِ كهرب الْحُوت إِلَى المَاء والطفل إِلَى أمه وَأخرج من بَين الْبيُوت لعلني ... أحدث عَنْك الْقلب بالسر خَالِيا لَيْسَ للعابد مستراح إِلَّا تَحت شَجَرَة طُوبَى وَلَا للمحب قَرَار إِلَّا يَوْم الْمَزِيد اشْتغل بِهِ فِي الْحَيَاة يكفك مَا بعد الْمَوْت يَا منفقا بضَاعَة الْعُمر فِي مُخَالفَة حَبِيبه والبعد مِنْهُ لَيْسَ فِي أعدائك أضرّ عَلَيْك مِنْك مَا تبلغ الْأَعْدَاء من جَاهِل ... من يبلغ الْجَاهِل من نَفسه الهمة العليّة من استعد صَاحبهَا للقاء الحبيب وَقدم التقادم بَين يَدي الْمُلْتَقى فَاسْتَبْشَرَ عِنْد الْقدوم ﴿وَقدمُوا لأنفسكم وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤمنِينَ﴾ تالله مَا عدا عَلَيْك الْعَدو إِلَّا بعد أَن تولى عَنْك الْوَلِيّ فَلَا تظن أَن الشَّيْطَان غلب وَلَكِن الْحَافِظ أعرض احذر نَفسك فَمَا أَصَابَك بلَاء قطّ إِلَّا مِنْهَا وَلَا تهادنها فوَاللَّه مَا أكرمها من لم يهنها وَلَا أعزها من لم يذلها وَلَا جبرها من لم يكسرها وَلَا أراحها من لم يتبعهَا وَلَا أمنها من لم يخوفها وَلَا فرحها من لم يحزنها سُبْحَانَ الله ظاهرك متجمل بلباس التَّقْوَى وباطنك باطية

стр. 66

لخمر الْهوى فَكلما طيبت الثَّوْب فاحت رَائِحَة الْمُسكر من تَحْتَهُ فتباعد مِنْك الصادقون وانحاز إِلَيْك الْفَاسِقُونَ يدْخل عَلَيْك لص الْهوى وَأَنت فِي زَاوِيَة التَّعَبُّد فلايرى مِنْك طردا لَهُ فَلَا يزَال بك حَتَّى يخْرجك من الْمَسْجِد أصدق فِي الطّلب وَقد جاءتك المعونة فَقَالَ رجل لمعروف عَلمنِي الْمحبَّة فَقَالَ الْمحبَّة لَا تَجِيء بالتعليم هُوَ الشوق مدلولا على مقتل الفنا ... إِذا لم يعد صبا بلقيا حَبِيبه لَيْسَ العجيب من قَوْله يحبونه إِنَّمَا الْعجب من قَوْله يُحِبهُمْ لَيْسَ الْعجب من فَقير مِسْكين يحب محسنا إِلَيْهِ إِنَّمَا الْعجب من محسن يحب فَقِيرا مِسْكينا فصل الْقُرْآن كَلَام الله وَقد تجلى الله فِيهِ لِعِبَادِهِ وَصِفَاته فَتَارَة يتجلى فِي جِلْبَاب الهيبة وَالْعَظَمَة والجلال فتخضع الْأَعْنَاق وتنكسر النُّفُوس وتخشع الْأَصْوَات ويذوب الْكبر كَمَا يذوب الْملح فِي المَاء وَتارَة يتجلى فِي صِفَات الْجمال والكمال وَهُوَ كَمَال الْأَسْمَاء وجمال الصِّفَات وجمال الْأَفْعَال الدَّال على كَمَال الذَّات فيستنفد حبه من قلب العَبْد قُوَّة الْحبّ كلهَا بحب مَا عرفه من صِفَات جماله ونعوت كَمَاله فَيُصْبِح فؤاد عَبده فَارغًا إِلَّا من محبته فَإِذا أَرَادَ مِنْهُ الغيران يعلق تِلْكَ الْمحبَّة بِهِ أَبى قلبه وأحشاؤه ذَلِك كل الإباء كَمَا قيل يُرَاد من الْقلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على النَّاقِل فَتبقى الْمحبَّة لَهُ طبعا لَا تكلفا وَإِذا تجلى بِصِفَات الرَّحْمَة وَالْبر واللطف وَالْإِحْسَان انبعثت قُوَّة الرَّجَاء من العَبْد وانبسط أمله وَقَوي طمعه وَسَار إِلَى ربه وحادى الرَّجَاء يَحْدُو ركاب سيره وَكلما قوي الرَّجَاء جد فِي الْعَمَل كَمَا أَن الباذر كلما قوي طمعه فِي الْمغل غلق أرضه بالبذر وَإِذا ضعف رجاؤه قصر فِي الْبذر وَإِذا تجلى بِصِفَات الْعدْل والانتقام

стр. 67

وَالْغَضَب والسخط والعقوبة انقمعت النَّفس الأمارة وَبَطلَت أَو ضعفت قواها من الشَّهْوَة وَالْغَضَب وَاللَّهْو واللعب والحرص على الْمُحرمَات وانقبضت أَعِنَّة رعوناتها فأحضرت المطية حظها من الْخَوْف والخشية والحذر وَإِذا تجلى بِصِفَات الْأَمر وَالنَّهْي والعهد وَالْوَصِيَّة وإرسال الرُّسُل وإنزال الْكتب شرع الشَّرَائِع انبعثت مِنْهَا قُوَّة الِامْتِثَال والتنفيذ لأوامره والتبليغ لَهَا والتواصي بهَا وَذكرهَا وتذكرها والتصديق بالْخبر والامتثال للطلب والاجتناب للنَّهْي وَإِذا تجلى بِصفة السّمع وَالْبَصَر وَالْعلم انْبَعَثَ من العَبْد قُوَّة الْحيَاء فيستحي ربه أَن يرَاهُ على مَا يكره أَو يسمع مِنْهُ مَا يكره أَو يخفي فِي سَرِيرَته مَا يمقته عَلَيْهِ فَتبقى حركاته وأقواله وخواطره موزونة بميزان الشَّرْع غير مُهْملَة وَلَا مُرْسلَة تَحت حكم الطبيعة والهوى وَإِذا تجلى بِصِفَات الْكِفَايَة والحسب وَالْقِيَام بمصالح الْعباد وسوق أَرْزَاقهم إِلَيْهِم وَدفع المصائب عَنْهُم وَنَصره لأوليائه وحمايته لَهُم ومعيته الْخَاصَّة لَهُم انبعثت من العَبْد قُوَّة التَّوَكُّل عَلَيْهِ والتفويض إِلَيْهِ وَالرِّضَا بِهِ وَمَا فِي كل مَا يجريه على عَبده ويقيمه مِمَّا يرضى بِهِ هُوَ سُبْحَانَهُ والتوكل معنى يلتئم من علم العَبْد بكفاية الله وَحسن اخْتِيَاره لعَبْدِهِ وثقته بِهِ وَرضَاهُ بِمَا يَفْعَله بِهِ ويختاره لَهُ وَإِذا تجلى بِصِفَات الْعِزّ والكبرياء أَعْطَتْ نَفسه المطمئنة مَا وصلت إِلَيْهِ من الذل لعظمته والانكسار لعزته والخضوع لكبريائه وخشوع الْقلب والجوارح لَهُ فتعلوه السكينَة وَالْوَقار فِي قلبه وَلسَانه وجوارحه وسمته وَيذْهب طيشه وقوته وحدته وجماع ذَلِك أَنه سُبْحَانَهُ يتعرف إِلَى العَبْد بِصِفَات إلهيته تارّة وبصفات ربوبيته تَارَة فَيُوجب لَهُ شُهُود صِفَات الإلهية الْمحبَّة الْخَاصَّة والشوق إِلَى لِقَائِه والأنس والفرح بِهِ وَالسُّرُور بخدمته والمنافسة فِي قربه والتودد إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ واللهج بِذكرِهِ والفرار من الْخلق إِلَيْهِ وَيصير هُوَ وَحده همه دون مَا سواهُ وَيُوجب لَهُ شُهُود صِفَات الربوبية التَّوَكُّل عَلَيْهِ والافتقار إِلَيْهِ والاستعانة بِهِ والذل والخضوع والانكسار لَهُ وَكَمَال ذَلِك أَن يشْهد ربوبيته فِي إلهيته وإلهيته فِي ربوبيته وحمده فِي ملكه وعزه فِي عَفوه

стр. 68

وحكمته فِي قَضَائِهِ وَقدره وَنعمته فِي بلائه وعطاءه فِي مَنعه وبره ولطفه وإحسانه وَرَحمته فِي قيوميته وعذله فِي انتقامه وجوده وَكَرمه فِي مغفرته وستره وتجاوزه وَيشْهد حكمته وَنعمته فِي أمره وَنَهْيه وعزه فِي رِضَاهُ وغضبه وحلمه فِي إمهاله وَكَرمه فِي إقباله وغناه فِي إعراضه وَأَنت إِذا تدبرت الْقُرْآن وأجرته من التحريف وَأَن تقضي عَلَيْهِ بآراء الْمُتَكَلِّمين وأفكار المتكلفين أشهدك ملكا قيوما فَوق سماواته على عَرْشه يدبر أَمر عباده يَأْمر وَيُنْهِي وَيُرْسل الرُّسُل وَينزل الْكتب ويرضى ويغضب ويثيب ويعاقب وَيُعْطِي وَيمْنَع ويعز ويذل ويخفض وَيرْفَع يرى من فَوق سبع وَيسمع وَيعلم السِّرّ وَالْعَلَانِيَة فعّال لما يُرِيد مَوْصُوف بِكُل كَمَال منزه عَن كل عيب لَا تتحرك ذرّة فَمَا فَوْقهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا تسْقط ورقة إِلَّا بِعِلْمِهِ وَلَا يشفع زهد عِنْده إِلَّا بِإِذْنِهِ لَيْسَ لِعِبَادِهِ من دونه ولي وَلَا شَفِيع فصل لما بَايع الرَّسُول أهل الْعقبَة أَمر أَصْحَابه بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَة فَعلمت قُرَيْش أَن أَصْحَابه قد كَثُرُوا وَأَنَّهُمْ سيمنعونه فاعلمت آراءها فِي اسْتِخْرَاج الْحِيَل فَمنهمْ من رأى الْحَبْس وَمِنْهُم من رأى النَّفْي ثمَّ اجْتمع رَأْيهمْ على الْقَتْل فجَاء الْبَرِيد بالْخبر من السَّمَاء وَأمره أَن يُفَارق المضجع فَبَاتَ عَليّ مَكَانَهُ ونهض الصِّدِّيق لرفقة السّفر فَلَمَّا فارقا بيُوت مَكَّة اشْتَدَّ الحذر بالصدّيق فَجعل يذكر الرصد فيسير أَمَامه وَتارَة يذكر الطّلب فَيتَأَخَّر وَرَاءه وَتارَة عَن يَمِينه وَتارَة عَن شِمَاله إِلَى أَن انتهيا إِلَى الْغَار فَبَدَأَ الصدّيق بِدُخُولِهِ ليَكُون وقاية لَهُ إِن كَانَ ثَمَّ موذ وَأنْبت الله شَجَرَة لم تكن قبل فأظلمت الْمَطْلُوب وأضلّت الطَّالِب وَجَاءَت عنكبوت فحازت وَجه الْغَار فحاكت ثوب نسجها على منوال السّتْر فأحكمت الشقة حَتَّى عمي على الْقَائِف الْمطلب وَأرْسل حَمَامَتَيْنِ فاتخذتا هُنَاكَ عشا جعل

стр. 69

على أبصار الطالبين غشاوة وَهَذَا أبلغ فِي الإعجاز من مقاومة الْقَوْم بالجنود فَلَمَّا وقف الْقَوْم على رؤوسهم وَصَارَ كَلَامهم بسمع الرَّسُول والصدّيق قَالَ الصدّيق وَقد اشْتَدَّ بِهِ القلق يَا رَسُول الله لَو أَن أحدهم نظر إِلَى مَا تَحت قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرنَا تَحت قَدَمَيْهِ فَقَالَ رَسُول الله يَا أَبَا بكر مَا ظَنك بِاثْنَيْنِ الله ثالثهما لما رأى الرَّسُول حزنه قد اشْتَدَّ لاكن على نَفسه قوي قلبه بِبِشَارَة ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعنا﴾ فَظهر سر هَذَا الاقتران فِي الْمَعِيَّة لفظا كَمَا ظهر حكما وَمعنى اذا يُقَال رَسُول الله وَصَاحب رَسُول الله فَلَمَّا مَاتَ قيل خَليفَة رَسُول الله ثمَّ انْقَطَعت إِضَافَة الْخلَافَة بِمَوْتِهِ فَقيل أَمِير الْمُؤمنِينَ فأقاما فِي الْغَار ثَلَاثًا ثمَّ خرجا مِنْهُ ولسان الْقدر يَقُول لتدخلنها دُخُولا لم يدْخلهُ أحد قبلك وَلَا يَنْبَغِي لأحد من بعْدك فَلَمَّا استقلا على الْبَيْدَاء لحقهما سراقَة بن مَالك فَلَمَّا شَارف الظفر أرسل عَلَيْهِ الرَّسُول سَهْما من سِهَام الدُّعَاء فساخت قَوَائِم فرسه فِي الأَرْض إِلَى بَطنهَا فَلَمَّا علم أَنه لَا سَبِيل لَهُ عَلَيْهِمَا أَخذ يعرض المَال على من قد رد مَفَاتِيح الْكُنُوز وَيقدم الزَّاد إِلَى شبعان أَبيت عِنْد رَبِّي يطعمني ويسقيني كَانَ تحفة ثَانِي اثْنَيْنِ مدخرة للصديق دون الْجَمِيع فَهُوَ الثَّانِي فِي الْإِسْلَام وَفِي بذل النَّفس وَفِي الزّهْد وَفِي الصُّحْبَة وَفِي الْخلَافَة وَفِي الْعُمر وَفِي سَبَب الْمَوْت لِأَن الرَّسُول مَاتَ عَن أثر السم وَأَبُو بكر سم فَمَاتَ أسلم على يَدَيْهِ من الْعشْرَة عُثْمَان وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَسعد بن أبي وقّاص وَكَانَ عِنْده يَوْم أسلم أَرْبَعُونَ ألف دِرْهَم فأنفقها أحْوج مَا كَانَ الْإِسْلَام إِلَيْهَا فَلهَذَا اجلبت نَفَقَته عَلَيْهِ مَا نَفَعَنِي مَال مَا نَفَعَنِي مَال أبي بكر فَهُوَ خير من مُؤمن آل فِرْعَوْن لِأَن ذَلِك كَانَ يكتم إيمَانه والصدّيق أعلن بِهِ وَخير من مُؤمن آل ياسين لِأَن ذَلِك جَاهد سَاعَة وَالصديق جَاهد سِنِين عاين طَائِر الْفَاقَة يحوم حول حب الإيثار ويصيح من ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حسنا فَألْقى لَهُ حب المَال على روض الرِّضَا واستلقى على فرَاش الْفقر فَنقل الطَّائِر الْحبّ إِلَى حوصلة المضاعفة ثمَّ علا على أفنان شَجَرَة الصدْق يغرد

стр. 70

بفنون الْمَدْح ثمَّ قَالَ فِي محاريب الْإِسْلَام يَتْلُو ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يتزكى﴾ نطقت بفضله الْآيَات وَالْأَخْبَار وَاجْتمعَ على بيعَته الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار فيا مبغضيه فِي قُلُوبكُمْ من ذكره نَار كلما تليت فضائله علا عَلَيْهِم الصغار أَتَرَى لم يسمع الروافض الكفّار ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَار﴾ دعِي إِلَى الْإِسْلَام فَمَا تلعثم وَلَا أَبى وَسَار على المحجة فَمَا زل وَلَا كبا وصبر فِي مدَّته من مدى العدى على وَقع الشبا وَأكْثر فِي الْإِنْفَاق فَمَا قلل حَتَّى تخَلّل بالعبا تالله لقد زَاد على السبك فِي كل دِينَار دِينَار ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَار﴾ من كَانَ قرين النَّبِي فِي شبابه من ذَا الَّذِي سبق إِلَى الْإِيمَان من أَصْحَابه من الَّذِي أفتى بِحَضْرَتِهِ سَرِيعا فِي جَوَابه من أوّل من صلى مَعَه من آخر من صلّى بِهِ من الَّذِي ضاجعه بعد الْمَوْت فِي ترابه فاعرفوا حق الْجَار نَهَضَ يَوْم الرِّدَّة بفهم واستيقاظ وَأَبَان من نَص الْكتاب معنى دق عَن حَدِيد الإلحاظ فالمحب يفرح بفضائله والمبغض يغتاظ حسرة الرافضي أَن يفر من مجْلِس ذكره وَلَكِن أَيْن الْفِرَار كم وقى الرَّسُول بِالْمَالِ وَالنَّفس وَكَانَ أخص بِهِ فِي حَيَاته وَهُوَ ضجيعه فِي الرمس فضائله جليلة وَهِي خليّة عَن اللّبْس ياعجبا من يُغطي عين ضوء الشَّمْس فِي نصف النَّهَار لقد دخلا غارا لَا يسكنهُ لابث فاستوحش الصّديق من خوف الْحَوَادِث فَقَالَ الرَّسُول مَا ظَنك بِاثْنَيْنِ وَالله الثَّالِث فَنزلت السكينَة فارتفع خوف الْحَادِث فَزَالَ القلق وطاب عَيْش الماكث فَقَامَ مُؤذن النَّصْر يُنَادي على رُؤُوس منائر الْأَمْصَار ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَار﴾ حبه وَالله رَأس الحنيفة وبغضه يدل على خبث الطوية فَهُوَ خير الصَّحَابَة والقرابة وَالْحجّة على ذَلِك قَوِيَّة لَوْلَا صِحَة مامته مَا قيل ابْن الحنيفة مهلا فَأن ذمّ الروافض قد فار وَالله مَا أحببناه لهوانا وَلَا نعتقد فِي غَيره هوانا وَلَكِن أَخذنَا بقول عَليّ وكفانا رضيك رَسُول الله لديننا أَفلا نرضاك لدنيانا تالله لقد أخذت من الروافض بالثأر

стр. 71

تالله لقد وَجب حق الصدّيق علينا فَنحْن نقضي بمدائحه وَنَفر بِمَا نقر بِهِ من السنى عينا فَمن كَانَ رَافِضِيًّا فَلَا يعد إِلَيْنَا وَليقل لي أعذار تَنْبِيه اجْتنب من يعادي أهل الْكتاب وَالسّنة لِئَلَّا يعديك خسرانه احْتَرز من عدوين هلك بهما أَكثر الْخلق صادّ عَن سَبِيل الله بشبهاته وزخرف قَوْله ومفتون بدنياه ورئاسته من خلق فِيهِ قُوَّة واستعداد لشَيْء كَانَت لذته فِي اسْتِعْمَال تِلْكَ الْقُوَّة فِيهِ فلذة من خلقت مِنْهُ قُوَّة واستعداد للجماع اسْتِعْمَال قوته فِيهِ ولذ ١ ة من خلقت فِيهِ قُوَّة الْغَضَب وَالثَّوَاب بِاسْتِعْمَال قوته الغضبية فِي متعلقها وَمن خلقت فِيهِ قُوَّة الْأكل وَالشرب فلذته بِاسْتِعْمَال قوته فيهمَا وَمن خلقت فِيهِ قُوَّة الْعلم والمعرفة فلذته بِاسْتِعْمَال قوته وصرفها إِلَى الْعلم وَمن خلقت فِيهِ قُوَّة الْحبّ لله والإنابة إِلَيْهِ والعكوف بِالْقَلْبِ عَلَيْهِ والشوق إِلَيْهِ والأنس بِهِ فلذته ونعيمه اسْتِعْمَال هَذِه الْقُوَّة فِي ذَلِك وَسَائِر اللَّذَّات دون هَذِه اللَّذَّة مضمحلة فانية وَأحمد عَاقبَتهَا أَن تكون لَا لَهُ وَلَا عَلَيْهِ تَنْبِيه يَا أَيهَا الأعزلاحذر فراسة المتقى فَإِنَّهُ يرى عَورَة عَمَلك من وَرَاء ستر اتَّقوا فراسة الْمُؤمن سُبْحَانَ الله فِي النَّفس كِبر إِبْلِيس وحسد قابيل وعتو عَاد وطغيان ثَمُود وجرأة نمْرُود واستطالة فِرْعَوْن وبغي قَارون وقحّة هامان

стр. 72

وَهوى بلعام وحيل أَصْحَاب السبت وتمرد لوليد وَجَهل أبي جهل وفيهَا من أَخْلَاق الْبَهَائِم حرص الْغُرَاب وشره الْكَلْب ورعونة الطاووس ودناءة الْجعل وعقوق الضَّب وحقد الْجمل ووثوب الفهد وصولة الْأسد وَفسق الْفَأْرَة وخبث الْحَيَّة وعبث القرد وَجمع النملة ومكر الثَّعْلَب وخفة الْفراش ونوم الضبع غير أَن الرياضة والمجاهدة تذْهب ذَلِك فَمن استرسل مَعَ طبعه فَهُوَ من هَذَا الْجند وَلَا تصلح سلْعَته لعقد ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ فَمَا اشْترى إِلَّا سلْعَة هذبها الْإِيمَان فَخرجت من طبعها إِلَى بلد سكانه التائبون العابدون سلم الْمَبِيع قبل أَن يتْلف فِي يدك فَلَا يقبله المُشْتَرِي قد علم المُشْتَرِي بِعَيْب السّلْعَة قبل أَن يَشْتَرِيهَا فسلمها وَلَك الْأمان من الرَّد قدر السّلْعَة يعرف بِقدر مشتريها وَالثمن المبذول فِيهِ والمنادي عَلَيْهَا فَإِذا كَانَ الْمُشْتَرى عَظِيما وَالثمن خطيرا والمنادي جَلِيلًا كَانَت السّلْعَة نفيسة يَا بَائِعا نَفسه بيع الهوان لَو استرجعت ذَا البيع قبل الْفَوْت لم تخب وبائعا طيب عَيْش مَا لَهُ خطر ... بطيف عَيْش من الآلام منتهب غبنت وَالله غبنا فَاحِشا ولدى ... يَوْم التغابن تلقى غَايَة الْحَرْب وواردا صفو عَيْش كُله كدر ... أمامك الْورْد حَقًا لَيْسَ بِالْكَذِبِ وحاطب اللَّيْل فِي الظلماء منتصبا ... لكل داهية تدني من العطب ترجوا الشِّفَاء بأحداق بهَا مرض ... فَهَل سَمِعت ببرء جَاءَ من عطب ومفنيا نَفسه فِي أثر أقبحهم ... وصفاللطخ جمال فِيهِ مستلب وواهبا نَفسه من مثل ذَا سفها ... لَو كنت تعرف قدر النَّفس لم تهب شَاب الصِّبَا والتصابي لم يشب ... وَضاع وقتك بَين اللَّهْو واللعب وشمس عمرك قد حَان الْغُرُوب لَهَا ... والفيء فِي الْأُفق الشَّرْقِي لم يغب

стр. 73

وفاز بالوصل من قد جدوا انقشعت ... عَن أفقه ظلمات اللَّيْل والسحب كم ذَا التَّخَلُّف وَالدُّنْيَا قد ارتحلت ... ورسل رَبك قد وافتك فِي الطّلب مَا فِي الديار وَقد سَارَتْ ركائب من ... تهواه للصب من شكر وَلَا أرب فافرش الخد ذياك التُّرَاب وَقل ... مَا قَالَه صَاحب الأشواق والحقب مَا ربع مية محفوفا يطِيف بِهِ ... غيلَان أشهى لَهُ من ربعك الخرب منازلا كَانَ يهواها ويألفها ... أَيَّام كَانَ منال الْوَصْل عَن كثب وَلَا الخدود وَلَو أدمين من ضرج ... أشهى إِلَى ناظري من ربعك الخرب وَكلما جليت تِلْكَ الربوع لَهُ ... يهوى إِلَيْهَا هوى المَاء فِي الصبب أحيي لَهُ الشوق تذكار العهود بهَا ... فَلَو دعِي الْقلب للسلوان لم يجب هَذَا وَكم منزل فِي الأَرْض يألفه ... وَمَاله فِي سواهَا الدَّهْر من رغب مَا فِي الْخيام أَخُو وجدير يحك إِن ... بثثته بعض شَأْن الْحبّ فاغترب وَأسر فِي غَمَرَات اللَّيْل متهديا ... بنفحة الطّيب لَا بِالْعودِ والحطب وَعَاد كل أخي جبن ومعجزة ... وَحَارب النَّفس لَا تلقيك فِي الْحَرْب وَخذ لنَفسك نورا تستضيء بِهِ ... يَوْم اقتسام الورى الْأَنْوَار بالرتب إِن كَانَ يُوجب صبري رَحْمَتي فرضا ... بِسوء حَالي وَحل للضنا بدني منحتك الرّوح لَا أبغي لَهَا ثمنا ... إِلَّا رضاك ووافقري الا الثّمن أحن بأطراف النَّهَار صبَابَة ... وبالليل يدعوني الْهوى فَأُجِيب وَإِذا لم يكن من الْعِشْق بُد ... فَمن عجز عشق غير الْجَمِيل

стр. 74

فَلَو أَن مَا أسعى لعيش معجل ... كفاني مِنْهُ بعض مَا أَنا فِيهِ ولكنما أسمى لملك مخلد ... فوا أسفا إِن لم أكن بملاقيه يَا من هُوَ من أَرْبَاب الْخِبْرَة هَل عرفت قيمَة نَفسك إِنَّمَا خلقت الأكوان كلهَا لَك يَا من غذى بلبان الْبر وقلب بأيدي الألطاف كل الْأَشْيَاء شَجَرَة وَأَنت الثَّمَرَة وَصُورَة وَأَنت الْمَعْنى وصدف وَأَنت الدّرّ ومخيض وَأَنت الزّبد منشور اختيارنا لَك وَاضح الْخط وَلَكِن استخراجك ضَعِيف مَتى رمت طلبي فاطلبني عنْدك اطلبني مِنْك تجدني قَرِيبا وَلَا تطلبني من غَيْرك فَأَنا أقرب إِلَيْك مِنْهُ لَو عرفت قدر نَفسك عندنَا مَا أهنتها بِالْمَعَاصِي إِنَّمَا أبعدنا إِبْلِيس إِذْ لم يسْجد لَك وَأَنت فِي صلب أَبِيك فوا عجبا كَيفَ صالحته وَتَرَكتنَا لَو كَانَ فِي قَلْبك محبَّة لبان أَثَرهَا على جسدك وَلما ادعيت الْحبّ قَالَت كذبتي ... أَلَسْت أرى الْأَعْضَاء مِنْك كواسيا لَو تغذى الْقلب بالمحبة لذهبت عَنهُ بطنة الشَّهَوَات وَلَو كنت عُذْري الصبابة لم تكن ... بطينا وأنساك الْهوى كَثْرَة الْأكل لَو صحّت محبتك لاستوحشت مِمَّن لَا يذكرك بالحبيب وَاعجَبا لمن يَدعِي الْمحبَّة وَيحْتَاج إِلَى من يذكرهُ بمحبوبه فَلَا يذكرهُ إِلَّا بمذكر أقل مَا فِي الْمحبَّة أَنَّهَا لَا تنسيك تذكر المحبوب ذكرتك لَا أَنِّي نستك سَاعَة ... وأيسر مَا فِي الذّكر ذكر لساني إِذا سَافر الْمُحب للقاء محبوبه ركبت جُنُوده مَعَه فَكَانَ الْحبّ فِي مُقَدّمَة الْعَسْكَر والرجاء يَحْدُو بالمطى والشوق يَسُوقهَا وَالْخَوْف يجمعها على الطَّرِيق فَإِذا شَارف قدوم بلد الْوَصْل خرجت تقادم الحبيب باللقاء فداو سقما بجسم أَنْت متلفه ... وأبرد غراما بقلب أَنْت مضرمه وَلَا تَكِلنِي على بعد الديار إِلَى ... صبري الضَّعِيف فصبري أَنْت تعلمه

стр. 75

تلقى قلبه فقد أَرْسلتهُ عجلا ... إِلَى لقائك والأشواق تقدمه فَإِذا دخل على الحبيب أفيضت عَلَيْهِ الْخلْع من كل نَاحيَة ليمتحن أيسكن إِلَيْهَا فَتكون حَظه أم يكون التفاته إِلَى من ألبسهُ إِيَّاهَا ملأوا مراكب الْقُلُوب مَتَاعا لَا تنْفق إِلَّا على الْملك فَلَمَّا هبت ريَاح السحر أقلعت تِلْكَ المراكب فَمَا طلع الْفجْر الا وَهِي بالمينا قطعُوا بادية الْهوى بأقدام الْجد فَمَا كَانَ إِلَّا الْقَلِيل حَتَّى قدمُوا من السّفر فأعقبهم الرَّاحَة فِي طَرِيق التلقي فَدَخَلُوا بلد الْوَصْل وَقد حَاز ربح الْأَبَد فرّغ الْقَوْم قُلُوبهم من الشواغل فَضربت فِيهَا سرادقات الْمحبَّة فأقاموا الْعُيُون تحرس تَارَة وترش أُخْرَى سرادق الْمحبَّة لَا يضْرب إِلَّا فِي قاع نزه فارغ نزّه فُؤَادك من سوانا والقنا ... فنجنابنا حل لكل منزّه الصَّبْر طلسم لكنز وصالنا ... من حل ذَا الطلسم فَازَ بكنزه اعرف قدر مَا ضَاعَ مِنْك وابك بكاء من يدْرِي مِقْدَار الْفَائِت لَو تَخَيَّلت قرب الأحباب لأقمت المأتم على بعْدك لَو استنشقت ريح الأسحار لأفاق مِنْك قَلْبك المخمور من استطال الطَّرِيق ضعف مَشْيه وَمَا أَنْت بالمشتاق إِن قلت بَيْننَا ... طوال اللَّيَالِي أَو بعيد المفاوز أما علمت أَن الصَّادِق إِذا هم ألْقى بَين عَيْنَيْهِ عزمه إِذا نزل آب فِي الْقلب حل آذار فِي الْعين هان سهر الحرّاس لما علمُوا أَن أَصْوَاتهم بسمع الْملك من لَاحَ لَهُ حَال الْآخِرَة هان عَلَيْهِ فِرَاق الدُّنْيَا إِذا لَاحَ للباشق الصَّيْد نسي مألوف الْكَفّ يَا أَقْدَام الصَّبْر احملي بَقِي الْقَلِيل تذكر حلاوة الْوِصَال يهن عَلَيْك مر المجاهدة قد علمت أَيْن الْمنزل فاحد لَهَا تسر أَعلَى الهمم همة من استعد صَاحبهَا للقاء الحبيب قدم التقادم بَين يَدي الْمُلْتَقى فَاسْتَبْشَرَ بِالرِّضَا عِنْد الْقدوم وَقدمُوا لانفسهم الْجنَّة ترْضى مِنْك بأَدَاء الْفَرَائِض وَالنَّار تنْدَفع
следующие страницы →