Полный текст (577 стр.). Показаны 561–577 · переход к 566.
стр. 561
دَعْوَاهَا ذميمة وَقد ذكر هَذَا الحَدِيث غير مَالك من رِوَايَة أنس أَن رجلا جَاءَ إِلَى رَسُول الله فَقَالَ يَا رَسُول الله أَنا نزلنَا دَارا فَكثر فِيهَا عددنا وَكَثُرت فِيهَا أَمْوَالنَا ثمَّ تَحَوَّلْنَا إِلَى أُخْرَى فَقلت فِيهَا أَمْوَالنَا وَقل فِيهَا عددنا فَقَالَ رَسُول الله وَذكره فَلَيْسَ هَذَا من الطَّيرَة الْمنْهِي عَنْهَا وَإِنَّمَا أَمرهم بالتحول عَنْهَا عِنْد مَا وَقع فِي قُلُوبهم مِنْهَا لمصلحتين ومنفعتين إِحْدَاهمَا مفارقتهم لمَكَان هم لَهُ مستثقلون وَمِنْه مستوحشون لما لحقهم فِيهِ ونالهم ليتعجلوا الرَّاحَة مِمَّا داخلهم من الْجزع فِي ذَلِك الْمَكَان والحزن والهلع لِأَن الله قد جعل فِي غرائز النَّاس وتركيبهم استثقال مَا نالهم الشَّرّ فِيهِ وَإِن كَانَ لاسبب لَهُ فِي ذَلِك وَحب مَا جرى لَهُم على يَدَيْهِ الْخَيْر وَإِن لم يردهم بِهِ فَأَمرهمْ بالتحول مِمَّا كرهوه لِأَن الله بَعثه رَحْمَة وَلم يَبْعَثهُ عذَابا وأرسله ميسرًا وَلم يُرْسِلهُ مُعسرا فَكيف يَأْمُرهُم بالْمقَام فِي مَكَان قد أحزنهم الْمقَام بِهِ واستوحشوا عِنْده لِكَثْرَة من فقدوه فِيهِ لغير منفعَته وَلَا طَاعَة وَلَا مزِيد تقوى وَهدى فَلَا سِيمَا وَطول مقامهم فِيهَا بعد مَا وصل إِلَى قُلُوبهم مِنْهَا مَا وصل قد يَبْعَثهُم ويدعوهم إِلَى التشاؤم والتطير فيوقعهم ذَلِك فِي أَمريْن عظيمين أَحدهمَا مُقَارنَة الشّرك وَالثَّانِي حُلُول مَكْرُوه أحزنهم بِسَبَب الطَّيرَة الَّتِي إِنَّمَا تلْحق المتطير فحماهم بِكَمَال رأفته وَرَحمته من هذَيْن المكروهين بمفارقة تِلْكَ الدَّار والاستبدال بهَا من غير ضَرَر يلحقهم بذلك فِي دنيا وَلَا نقص فِي دين وَهُوَ حِين فهم عَنْهُم فِي سُؤَالهمْ مَا أرادوه من التعرف عَن حَال رحلتهم عَنْهَا هَل ذَلِك لَهُم ضار مؤد إِلَى الطَّيرَة قَالَ دَعُوهَا ذميمة وَهَذَا بِمَنْزِلَة الْخَارِج من أَرض بهَا الطَّاعُون غير فار مِنْهُ وَلَو منع النَّاس الرحلة من الدَّار الَّتِي تتوالى عَلَيْهِم المصائب والمحن فِيهَا وَتعذر الأرزاق مَعَ سَلامَة التَّوْحِيد فِي الرحلة للَزِمَ ذَلِك أَن كل من ضَاقَ عَلَيْهِ رزق فِي بلد أَن لَا ينْتَقل مِنْهُ إِلَى بلد آخر وَمن قلت فَائِدَة صناعته أَن لَا ينْتَقل عَنْهَا إِلَى غَيرهَا ٠
فصل وَأما قَول النَّبِي للَّذي سل سَيْفه يَوْم أحد شم سَيْفك فَإِنِّي
أرى السيوف ستنسل الْيَوْم فَهَذِهِ الْقِصَّة لم يكن الرجل قد سل فِيهَا السَّيْف وَلَكِن الْفرس لوح بِذَنبِهِ فسل السَّيْف وَلم يرد صَاحبه سَله هَكَذَا فِي الْقِصَّة وَلَا ريب أَن الْحَرْب تقوم بِالْخَيْلِ وَالسُّيُوف وَلما لوح الْفرس بِذَنبِهِ فاستل السَّيْف قَالَ النَّبِي أَنى أرى السيوف ستنسل الْيَوْم فَهَذَا لَهُ محمل من ثَلَاثَة محامل أَحدهَا أَن النَّبِي أخبر عَن ظن ظَنّه فِي ذَلِك وَلم يَجْعَل هَذَا دَلِيلا تَمامًا فِي كل وَاقعَة تشبه هَذِه وَإِذا كَانَ عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ وَهُوَ أحد أَتبَاع رَسُول الله صبى الله عَلَيْهِ وَسلم وَرجل من أمته كَانَ إِذا قَالَ أَظن كَذَا أَو أرى كَذَا خرج الْأَمر كَمَا ظَنّه وحسبه فَكيف الظَّن برَسُول الله الثَّانِي ان النَّبِي كَانَ قد علم قبل مخرجه أَن السيوف
стр. 562
ستنسل وَيَقَع الْقِتَال وَلِهَذَا أخْبرهُم أَنه رأى فِي مَنَامه أَنه يقْرَأ النَّحْل وَعلم أَن ذَلِك شَهَادَة من قتل من أَصْحَابه
الثَّالِث أَن الْوَحْي الَّذِي كَانَ يعرف بِهِ رَسُول الله الْحَوَادِث والنوازل كَانَ مغنيا لَهُ عَن الإشارات والعلامات والامارات وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ غَيره وَأما من يَأْتِيهِ خبر السَّمَاء صباحا وَمَسَاء فإخباره بقوله أرى السيوف الْيَوْم ستنسل لم يكن عَن تِلْكَ الأمارة وَإِنَّمَا وَقع الْإِخْبَار بِهِ عقيبها وَالشَّيْء بالشَّيْء يذكر
فصل وَأما مَا احْتج بِهِ وَنسبه إِلَى قَوْله وقدت الْحَرْب لما رأى
وَاقد بن عبد الله الحضري والحضرمي حضرت الْحَرْب فكذب عَلَيْهِ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك أعداؤه من الْيَهُود فتطيروا بذلك وتفاءلوا بِهِ فَكَانَت الطَّيرَة عَلَيْهِم ووقدت الْحَرْب عَلَيْهِم
فصل وَأما استقباله الجبلين فِي طَرِيقه وهما مسلح ومخرىء وَترك
الْمُرُور بَينهمَا وعدله ذَات الْيَمين فَلَيْسَ هَذَا أَيْضا من الطَّيرَة وَإِنَّمَا هُوَ من الْعُدُول عَمَّا يُؤْذى النُّفُوس ويشوش الْقُلُوب إِلَى مَا هُوَ بِخِلَافِهِ كالعدول عَن الِاسْم الْقَبِيح وتغييره بِأَحْسَن مِنْهُ وَقد تقدم تَقْرِير ذَلِك بِمَا فِيهِ كِفَايَة وَأَيْضًا فَإِن الْأَمَاكِن فِيهَا الميمون الْمُبَارك والمشؤم المذموم فَاطلع رَسُول الله على شُؤْم ذَلِك الْمَكَان وَأَنه مَكَان سوء فجاوزه إِلَى غَيره كَمَا جَاوز الْوَادي الَّذِي نَامُوا فِيهِ عَن الصُّبْح إِلَى غَيره وَقَالَ هَذَا مَكَان حَضَرنَا فِيهِ الشَّيْطَان والشيطان يحب الْأَمْكِنَة المذمومة وينتابها وَأَيْضًا فَلَمَّا كَانَ الْمُرُور بَين ذَيْنك الجبلين قد يشوش الْقلب على أَنا نقُول فِي ذَلِك قولا كليا نبين بِهِ سر هَذَا الْبَاب بحول الله وعونه وتوفيقه
أعلم أَن بَين الْأَسْمَاء ومسمياتها ارتباطا قدره الْعَزِيز الْقَادِر وألهمه نفوس الْعباد وَجعله فِي قُلُوبهم بِحَيْثُ لَا تَنْصَرِف عَنهُ وَلَيْسَ هَذَا الارتباط هُوَ ارتباط الْعلَّة بمعلولها وَلَا ارتباط الْمُقْتَضى الْمُوجب لمقتضاه وموجبة بل ارتباط تناسب وتشاكل اقتضته حِكْمَة الْحَكِيم فَقل أَن ترى اسْما قبيحا إِلَّا وَبَين مُسَمَّاهُ وَبَينه رابط من الْقبْح وَكَذَلِكَ إِذا تَأَمَّلت الِاسْم الثقيل الَّذِي تنفر عَنهُ الأسماع وتنبو عَنهُ الطباع فأنك تَجِد مُسَمَّاهُ يُقَارب أَو يلم أَن يُطَابق وَلِهَذَا من الْمَشْهُور على أَلْسِنَة النَّاس أَن الألقاب تنزل من السَّمَاء فَلَا تكَاد تَجِد الِاسْم الشنيع الْقَبِيح إِلَّا على مُسَمّى يُنَاسِبه وَفِي ذَلِك قَول الْقَائِل
وَقل أَن أَبْصرت عَيْنَاك ذَا لقب ... إِلَّا وَمَعْنَاهُ أَن فَكرت فِي لقبه
وَلِهَذَا كثيرا مَا تَجِد أَيْضا فِي أَسمَاء الْأَجْنَاس والواضع لَهُ عناية بمطابقة الْأَلْفَاظ للمعاني ومناسبتها لَهَا فَيجْعَل الْحُرُوف الهوائية الْخَفِيفَة لمسمى مشاكل لَهَا كالهواء والحروف الشَّدِيدَة
стр. 563
للمسمى الْمُنَاسب لَهَا كالصخر وَالْحجر وَإِذا تَتَابَعَت حَرَكَة الْمُسَمّى تابعوا بَين حَرَكَة اللَّفْظ كالدوران والغليان والنزوان وَإِذا تَكَرَّرت الْحَرَكَة كرروا اللَّفْظ كفلفل وزلزل ودكدك وصرصر وَإِذا اكتنز الْمُسَمّى وتجمعت أجزاؤه جعلُوا فِي أُسَمِّهِ من الضَّم الدَّال على الْجمع والاكتناز مَا يُنَاسب الْمُسَمّى كالبحتر للقصير الْمُجْتَمع الْخلق وَإِذا طَال جعلُوا فِي الْمُسَمّى من الْفَتْح الدَّال على الامتداد نَظِير مَا فِي الْمَعْنى كالعشنق للطويل ونظائر ذَلِك أَكثر من أَن تستوعب وَإِنَّمَا أَشَرنَا إِلَيْهَا أدنى إِشَارَة وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَرَادَهُ من قَالَ بَين الِاسْم والمسمى مُنَاسبَة فَلم يفهم عَنهُ بعض الْمُتَأَخِّرين مُرَاده فَأخذ يشنع عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا تناسب طبعيا بَينهمَا وَاسْتدلَّ على إِنْكَار ذَلِك بِمَا لَا طائل تَحْتَهُ فَإِن عَاقِلا لَا يَقُول أَن التناسب الَّذِي بَين الِاسْم والمسمى كالتناسب الَّذِي بَين الْعلَّة والمعلول وَإِنَّمَا هُوَ تَرْجِيح وأولوية تَقْتَضِي اخْتِصَاص الِاسْم بمسماه وَقد يتَخَلَّف عَنهُ اقتضاؤها كثيرا وَالْمَقْصُود أَن هَذِه الْمُنَاسبَة تنضم إِلَى مَا جعل الله فِي طبائع النَّاس وغرائزهم من النفرة بَين الِاسْم الْقَبِيح الْمَكْرُوه وكراهته وَتَطير أَكْثَرهم بِهِ وَذَلِكَ يُوجب عدم ملابسته ومجاوزته إِلَى غَيره فَهَذَا أصل هَذَا الْبَاب
فصل وَأما كَرَاهِيَة السّلف أَن يتبع الْمَيِّت بِشَيْء من النَّار أَو أَن يدْخل
الْقَبْر شَيْء مسته النَّار وَقَول عَائِشَة رضى الله عَنْهَا لَا يكون آخر زَاده أَن تَتبعُوهُ بالنَّار فَيجوز أَن يكون كراهتهم لذَلِك مَخَافَة الْأَحْدَاث لما لم يكن فِي عصر رَسُول الله صلى عَلَيْهِ وَسلم فَكيف وَذَلِكَ مِمَّا يُبِيح الطَّيرَة بِهِ والظنون الرديه بِالْمَيتِ وَقد قَالَ غير وَاحِد من السّلف مِنْهُم عبد الْملك بن حبيب وَغَيره إِنَّمَا كَرهُوا ذَلِك تفاؤلا بالنَّار فِي هَذَا الْمقَام أَن تتبعه
وَذكر ابْن حبيب وَغَيره أَن النَّبِي أَرَادَ أَن يصلى على جَنَازَة فَجَاءَت امْرَأَة وَمَعَهَا مجمر فَمَا زَالَ يصبح بهَا حَتَّى تَوَارَتْ بآجام الْمَدِينَة قَالَ بعض أهل الْعلم وَلَيْسَ خوفهم من ذَلِك على الْمَيِّت لَكِن على الْأَحْيَاء المجبولين على الطَّيرَة لِئَلَّا تحدثهم أنفسهم بِالْمَيتِ أَنه من أهل النَّار لما رَأَوْا من النَّار الَّتِي تتبعه فِي أول أَيَّامه من الْآخِرَة وَلَا سِيمَا فِي مَكَان يُرَاد مِنْهُم فِيهِ كَثْرَة الِاجْتِهَاد للْمَيت بِالدُّعَاءِ فَإِذا لم يبْق لَهُ زَاد غَيره فيظنون أَن تِلْكَ النَّار من بقايا زَاده إِلَى الْآخِرَة فتسوء ظنونهم بِهِ وتنفر عَن رَحمته قُلُوبهم فِي مَكَان هم فِيهِ شُهَدَاء الله كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث الصَّحِيح لما مر على النَّبِي بِجنَازَة فَأَثْنوا عَلَيْهَا خيرا فَقَالَ وَجَبت فَقَالُوا مَا وَجَبت قَالَ وَجَبت لَهُ الْجنَّة أَنْتُم شُهَدَاء الله فِي الأَرْض من أثنيتم عَلَيْهِ خيرا وَجَبت لَهُ الْجنَّة وَمن أثنيتم عَلَيْهِ شرا وَجَبت لَهُ النَّار وَفِي أثر آخر إِذا أردتم أَن تعلمُوا مَا للْمَيت عِنْد الله فانظروا مَا تتعبه من حسن الثَّنَاء فَقَالَت عَائِشَة رضى الله عَنْهَا لَا يكون آخر زَاده من الثَّنَاء وَالدُّعَاء أَن
стр. 564
تَتبعُوهُ بالنَّار فتهيجوا بهَا خواطر النَّاس وتبعثوا ظنونهم بالتطير وَالنَّار وَالْعَذَاب وَالله أعلم
فصل وَأما تِلْكَ الوقائع الَّتِي ذكروها مِمَّا يدل على وُقُوع مَا تطير بِهِ
من تطير فَنعم وَهَاهُنَا أضعافها وأضاف أضعافها ولسنا ننكر مُوَافقَة الْقَضَاء وَالْقدر لهَذِهِ الْأَسْبَاب وَغَيرهَا كثيرا مُوَافقَة حزر الحازرين وظنون الظانين وزجر الزاجرين للقدر أَحْيَانًا مِمَّا لَا يُنكره أحد وَمن الْأَسْبَاب الَّتِي توجب وُقُوع الْمَكْرُوه الطَّيرَة كَمَا تقدم وَإِن الطَّيرَة على من تطير وَلَكِن نصب الله سُبْحَانَهُ لَهَا أسبابا يدْفع بهَا مُوجبهَا وضررها من التَّوَكُّل عَلَيْهِ وَحسن الظَّن بِهِ وإعراض قلبه عَن الطَّيرَة وَعدم التفاته إِلَيْهَا وخوفه مِنْهَا وثقته بِاللَّه ولسنا ننكر أَن هَذِه الْأُمُور ظنون وتخمين وحدس وخرص وَمَا كَانَ هَذَا سَبيله فَيُصِيب تَارَة ويخطىء تارات وَلَيْسَ كل مَا تطير بِهِ المتطيرون وتشاءموا بِهِ وَقع جَمِيعه وَصدق بل أَكْثَره كَاذِب وصادقه نَادِر وَالنَّاس فِي هَذَا الْمقَام إِنَّمَا يعولون وينقلون مَا صَحَّ وَوَقع ويعتنون بِهِ فَيرى كثيرا والكاذب مِنْهُ أَكثر من أَن ينْقل قَالَ ابْن قُتَيْبَة من شَأْن النُّفُوس حفظ الصَّوَاب للعجب بِهِ والاستغراب وتناسي الْخَطَأ قَالَ وَمن ذَا الَّذِي يتحدث أَنه سَأَلَ منجما فَأَخْطَأَ وَإِنَّمَا الَّذِي يتحدث بِهِ وينقل أَنه ساله فاصاب قَالَ وَالصَّوَاب فِي مسئلة إِذا كَانَ بَين أَمريْن قد يَقع للمعتوه والطفل فضلا عَن أولى الْعقل وَقد تقدم من بطلَان الطَّيرَة وكذبها مَا فِيهِ كِفَايَة وَقد كَانَت عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ ﵂ تسْتَحب أَن تتَزَوَّج الْمَرْأَة أَو يبْنى بهَا فِي شَوَّال وَتقول مَا تزَوجنِي رَسُول الله إِلَّا فِي شَوَّال فاي نِسَائِهِ كَانَ أحظى عِنْده مني مَعَ تطير النَّاس بِالنِّكَاحِ فِي شَوَّال وَهَذَا فعل أولى الْعَزْم وَالْقُوَّة من الْمُؤمنِينَ الَّذين صَحَّ توكلهم على الله واطمأنت قُلُوبهم إِلَى رَبهم ووثقوا بِهِ وَعَلمُوا إِن مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن وَأَنَّهُمْ لن يصيبهم إِلَّا مَا كتب الله لَهُم وَأَنَّهُمْ مَا أَصَابَهُم من مُصِيبَة إِلَّا وَهِي فِي كتاب من قبل أَن يخلقهم ويوجدهم وَعَلمُوا أَنه لَا بُد أَن يصيروا إِلَى مَا كتبه وَقدره وَلَا بُد أَن يجرى عَلَيْهِم وَإِن تطيرهم لَا يرد قَضَاءَهُ وَقدره عَنْهُم بل قد يكون تطيرهم من أعظم الاسباب الَّتِي يجرى عَلَيْهِم بهَا الْقَضَاء وَالْقدر فيعينون على أنفسهم وَقد جرى لَهُم الْقَضَاء وَالْقدر بِأَن نُفُوسهم هِيَ سَبَب إِصَابَة الْمَكْرُوه لَهُم فطائرهم مَعَهم وَأما المتوكلون على الله المفوضون إِلَيْهِ الْعَالمُونَ بِهِ وبأمره فنفوسهم أشرف من ذَلِك وهممهم أَعلَى وثقتهم بِاللَّه وَحسن ظنهم بِهِ عدَّة لَهُم وَقُوَّة وجنة مِمَّا يتطير بِهِ المتطيرون ويتشاءم بِهِ المتشائمون عالمون أَنه لَا طير إِلَّا طيره وَلَا خير إِلَّا خيرة وَلَا إِلَه غَيره أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر تبَارك الله رب الْعَالمين
فصل وَمِمَّا كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يَتَطَيَّرُونَ بِهِ ويتشاءمون مِنْهُ العطاس كَمَا
يتشاءمون بالبوارح
стр. 565
والسوانح قَالَ رُؤْيَة بن العجاج يصف فلاة
قطعتها وَلَا أهاب العطاسا ... وَقَالَ أمرؤ الْقَيْس:
وَقد اغتدى قبل العطاس بهيكل ... شَدِيد مشيد الْجنب فَعم الْمنطق
أَرَادَ أَنه كَانَ ينتبه للصَّيْد قبل أَن ينتبه النَّاس من نومهم لَيْلًا يسمع عطاسا فيتشاءم بعطاسه وَكَانُوا إِذا عطس من يحبونه قَالُوا لَهُ عمرا وشبابا وَإِذا عطس من يبغضونه قَالُوا لَهُ وريا وقحابا والورى كالرمي دَاء يُصِيب الكبد فيفسدها والقحاب كالسعال وزنا وَمعنى فَكَانَ الرجل إِذا سمع عطاسا يتشاءم بِهِ يَقُول بكلابي إِنِّي أسَال الله أَن يَجْعَل شُؤْم عطاسك بك لأبي وَكَانَ تشاؤمهم بالعطسة الشَّدِيدَة أَشد كَمَا حكى عَن بعض الْمُلُوك أَن سامرا لَهُ عطس عطسة شَدِيدَة راعته فَغَضب الْملك فَقَالَ سميره وَالله مَا تَعَمّدت ذَلِك وَلَكِن هَذَا عطاسي فَقَالَ وَالله لَئِن لم تأتني بِمن يشْهد لَك بذلك لأَقْتُلَنك فَقَالَ أخرجني إِلَى النَّاس لعلى أجد من يشْهد لي فَأخْرجهُ وَقد وكل بِهِ الأعوان فَوجدَ رجلا فَقَالَ يَا سَيِّدي نشدتك بِاللَّه إِن كنت سَمِعت عطاسي يَوْمًا فلعلك تشهد لي بِهِ عِنْد الْملك فَقَالَ نعم
أَنا أشهد لَك فَنَهَضَ مَعَه وَقَالَ يَا أَيهَا الْملك أَنا أشهد أَن هَذَا الرجل عطس يَوْمًا فطار ضرس من أَضْرَاسه فَقَالَ لَهُ الْملك عد إِلَى حَدِيثك ومجلسك فَلَمَّا جَاءَ الله سُبْحَانَهُ بِالْإِسْلَامِ وأبطل بِرَسُولِهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّة من الضَّلَالَة نهى أمته عَن التشاؤم والتطير وَشرع لَهُم أَن يجْعَلُوا مَكَان الدُّعَاء على الْعَاطِس بالمكروه الدُّعَاء لَهُ بِالرَّحْمَةِ كَمَا أَمر العائن أَن يَدْعُو بالتبريك للمعين وَلما كَانَ الدُّعَاء على الْعَاطِس نوعا من الظُّلم وَالْبَغي جعل الدُّعَاء لَهُ بِلَفْظ الرَّحْمَة الْمنَافِي للظلم وَأمر الْعَاطِس عمرَان يَدْعُو لسامعه ويشمته بالمغفرة وَالْهِدَايَة وَإِصْلَاح البال فَيَقُول يغْفر الله لنا وَلكم أَو يهديكم الله وَيصْلح بالكم فاما الدُّعَاء بالهداية فَلَمَّا أَن اهْتَدَى إِلَى طَاعَة الرَّسُول وَرغب عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ أهل الْجَاهِلِيَّة فَدَعَا لَهُ أَن يُثبتهُ الله عَلَيْهَا ويهديه إِلَيْهَا وَكَذَلِكَ الدُّعَاء باصلاح البال وَهِي حِكْمَة جَامِعَة لصلاح شَأْنه كُله وَهِي من بَاب الْجَزَاء على دُعَائِهِ لِأَخِيهِ بِالرَّحْمَةِ فَنَاسَبَ أَن يجازيه بِالدُّعَاءِ لَهُ بإصلاح البال وَأما الدُّعَاء بالمغفرة فجَاء بِلَفْظ يَشْمَل الْعَاطِس والمشمت كَقَوْلِه يغْفر الله لنا وَلكم ليستحصل من مَجْمُوع دَعْوَى الْعَاطِس والمشمت لَهُ الْمَغْفِرَة وَالرَّحْمَة لَهما مَعًا فصلوات الله وَسَلَامه على الْمَبْعُوث بصلاح الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَلأَجل هَذَا وَالله أعلم لم يُؤمر بتشميت من لم يحمد الله فَإِن الدُّعَاء لَهُ بِالرَّحْمَةِ نعْمَة فَلَا يَسْتَحِقهَا من لم يحمد الله ويشكره على هَذِه النِّعْمَة ويتأسى بابيه آدم فَإِنَّهُ لما نفخت فِيهِ الرّوح إِلَى الخياشيم عطس فألهمه ربه ﵎ أَن نطق بِحَمْدِهِ فَقَالَ الْحَمد لله فَقَالَ الله سُبْحَانَهُ يَرْحَمك الله يَا آدم فَصَارَت تِلْكَ سنة العطاس فَمن لم يحمد الله لم يسْتَحق هَذِه الدعْوَة وَلما سبقت هَذِه الْكَلِمَة لآدَم قبل أَن يُصِيبهُ مَا اصابه كَانَ مآله إِلَى الرَّحْمَة وَكَانَ مَا جرى عارضا وَزَالَ فَإِن الرَّحْمَة سبقت الْعقُوبَة وغلبت الْغَضَب
وايضا فَإِنَّمَا أَمر الْعَاطِس بالتحميد عَن العطاس لِأَن
стр. 566
الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيهِ أَنه دَاء وَيكرهُ أحدهم أَن يعطس وَيَوَد أَنه لم يصدر مِنْهُ لما فِي ذَلِك من الشؤم وَكَانَ الْعَاطِس يحبس نَفسه عَن العطاس وَيمْتَنع من ذَلِك جهده من سوء اعْتِقَاد جهالهم فِيهِ وَلذَلِك وَالله أعلم بنوا لَفظه على بِنَاء الأدواء كالزكام والسعال والدوار والسهام وَغَيرهَا فاعلموا أَنه لَيْسَ بداء وَلكنه أَمر يُحِبهُ الله وَهُوَ نعْمَة مِنْهُ يسْتَوْجب عَلَيْهَا من عَبده أَن يحمده عَلَيْهَا وَفِي الحَدِيث الْمَرْفُوع أَن الله يحب العطاس وَيكرهُ التثاؤب والعطاس ريح مختنقة تخرج وتفتح السد من الكبد وَهُوَ دَلِيل جيد للْمَرِيض مُؤذن بانفراج بعض علته وَفِي بعض الْأَمْرَاض يسْتَعْمل مَا يعطس العليل وَيجْعَل نوعا من العلاج ومعينا عَلَيْهِ هَذَا قدر زَائِد على مَا أحبه الشَّارِع من ذَلِك وَأمر بِحَمْد الله عَلَيْهِ وبالدعاء لمن صدر مِنْهُ وَحمد الله عَلَيْهِ وَلِهَذَا فَالله أعلم يُقَال شمته إِذا قَالَ لَهُ يَرْحَمك الله وسمته بِالْمُعْجَمَةِ والمهملة وَبِهِمَا روى الحَدِيث فَأَما التسميت بِالْمُهْمَلَةِ فَهُوَ تفعيل من السمت الَّذِي يُرَاد بِهِ حسن الْهَيْئَة وَالْوَقار فَيُقَال لفُلَان سمت حسن فَمَعْنَى سمت الْعَاطِس وقرته وأكرمته وتأدبت مَعَه بأدب الله وَرَسُوله فِي الدُّعَاء لَهُ لَا بأخلاق أهل الْجَاهِلِيَّة من الدُّعَاء عَلَيْهِ والتطير بِهِ والتشاؤم مِنْهُ وَقيل سمته دَعَا لَهُ أَن يُعِيدهُ الله إِلَى سمته قبل العطاس من السّكُون وَالْوَقار وطمأنينه الْأَعْضَاء فَإِن فِي العطاس من انزعاج الْأَعْضَاء واضطر ابها مَا يخرج الْعَاطِس عَن سمته فَإِذا قَالَ لَهُ السَّامع يَرْحَمك الله فقد دَعَا لَهُ أَن يُعِيدهُ إِلَى سمته وهيئته وَأما التشميت بِالْمُعْجَمَةِ فَقَالَت طَائِفَة مِنْهُم ابْن السّكيت وَغَيره أَنه بِمَعْنى التسميت وأنهما لُغَتَانِ ذكر ذَلِك فِي كتاب الْقلب والإبدال وَلم يذكر أَيهمَا الأَصْل وَلَا أَيهمَا الْبَدَل وَقَالَ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي الْمُهْملَة هِيَ الأَصْل فِي الْكَلِمَة والمعجمة بدل وَاحْتج بِأَن الْعَاطِس إِذا عطس انتفش وَتغَير شكل وَجهه فَإِذا دَعَا لَهُ فَكَأَنَّهُ أَعَادَهُ إِلَى سمته وهيأته وَقَالَ تِلْمِيذه ابْن جنى لَو جعل جَاعل الشين الْمُعْجَمَة أصلا وَأَخذه من الشوامت وَهِي القوائم لَكَانَ وَجها صَحِيحا وَذَلِكَ أَن القوائم هِيَ الَّتِي تحمل الْفرس وَنَحْوه وَبِهِمَا عصمته وَهِي قوامه فَكَأَنَّهُ إِذا دَعَا لَهُ فقد أنهضه وَثَبت امْرَهْ وَأحكم دعائمه وَأنْشد للنابغة
طوع الشامت من خوف وَمن صرد ... وَقَالَت طَائِفَة مِنْهُم ابْن الْأَعرَابِي يُقَال مَرضت العليل أَي قُمْت عَلَيْهِ ليزول مَرضه وَمثله قذيت عينه أزلت قذاها فَكَأَنَّهُ لما دَعَا لَهُ بِالرَّحْمَةِ قد قصد إِزَالَة الشماته عَنهُ وينشد فِي ذَلِك:
مَا كَانَ ضرّ الممرضي بجفونه ... لَو كَانَ مرض منعما من أمرضا
وَإِلَى هَذَا ذهب ثَعْلَب
وَالْمَقْصُود أَن التطير من العطاس من فعل الْجَاهِلِيَّة الَّذِي أبْطلهُ الْإِسْلَام وَأخْبر النَّبِي أَن الله يحب العطاس كَمَا فِي صَحِيح البُخَارِيّ حَدِيث أبي هريره عَن النَّبِي قَالَ إِن الله يحب العطاس وَيكرهُ التثاؤب فَإِذا تثاءب أحدكُم فليستره مَا اسْتَطَاعَ فَإِنَّهُ إِذا فتح فَاه فَقَالَ آه آه ضحك مِنْهُ الشَّيْطَان
стр. 567
فصل وَأما قَوْله لَا يُورد ممرض على مصح فالممرض الَّذِي إبِله مراض والمصح
الَّذِي إبِله صِحَاح وَقد ظن بعض النَّاس أَن هَذَا معَارض لقَوْله لَا عدوى وَلَا طيرة وَقَالَ لَعَلَّ أحد الْحَدِيثين نسخ الآخر وَأورد الْحَارِث بن أَبى ذئاب وَهُوَ ابْن عَم أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ جمعه بَين الرِّوَايَتَيْنِ وظنهما متعارضتين فروى ابْن هرير عَن أَبى سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن قَالَ كَانَ أَبُو هُرَيْرَة يحدثنا عَن رَسُول الله لَا عدوى ثمَّ حَدثنَا أَن رَسُول الله قَالَ لَا يُورد ممرض على مصح قَالَ فَقَالَ الْحَارِث بن أَبى ذئاب وَهُوَ ابْن عَم أَبى هُرَيْرَة قد كنت أسمعك يَا أَبَا هُرَيْرَة تحدثنا حَدِيثا آخر قد سكت عَنهُ كنت تَقول قَالَ رَسُول الله لَا عدوى فَأبى أَبُو هُرَيْرَة أَن يحدث بذلك وَقَالَ لَا يُورد ممرض على مصح فَمَا رَآهُ الْحَارِث فِي ذَلِك حَتَّى غضب أَبُو هُرَيْرَة ورطن بالحبشية ثمَّ قَالَ لِلْحَارِثِ أتدرى مَا قلت قَالَ لَا قَالَ إِنِّي أَقُول أَبيت أَبيت فَلَا أدرى أنسى أَبُو هُرَيْرَة أَو نسخ أحد الْقَوْلَيْنِ الآخر
قلت قد اتّفق مَعَ أَبى هُرَيْرَة سعد بن أَبى وَقاص وَجَابِر بن عبد الله وَعبد الله بن عَبَّاس وَأنس بن مَالك وَعمر بن سلم على روايتهم عَن النَّبِي قَوْله لَا عدوى وَحَدِيث أَبى هُرَيْرَة مَحْفُوظ عَنهُ بِلَا شكّ من رِوَايَة أوثق أَصْحَابه وأحفظهم أَبى سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وَمُحَمّد بن سِيرِين وَعبيد الله بن عبد الله بن عتبَة والْحَارث بن أَبى ذئاب وَلم يتفرد أَبُو هُرَيْرَة بروايته عَن النَّبِي بل رَوَاهُ مَعَه من الصَّحَابَة من ذَكرْنَاهُ وَقَوله لَا يُورد ممرض على مصح صَحِيح أَيْضا ثَابت عَنهُ فالحديثان صَحِيحَانِ وَلَا نسخ تعَارض بَينهمَا بِحَمْد الله بل كل مِنْهُمَا لَهُ وَجه وَقد طعن أَعدَاء السّنة فِي أهل الحَدِيث وَقَالُوا يروون الْأَحَادِيث الَّتِي ينْقض بَعْضهَا بَعْضًا ثمَّ يصححونها وَالْأَحَادِيث الَّتِي تخَالف الْعقل فَانْتدبَ أنصار السّنة للرَّدّ عَلَيْهِم وَنفي التَّعَارُض عَن الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة وَبَيَان موافقتها لِلْعَقْلِ قَالَ أَبُو مُحَمَّد بن قُتَيْبَة فِي كتاب مُخْتَلف الحَدِيث لَهُ قَالُوا حديثان متناقضان قَالُوا رويتم عَن رَسُول الله أَنه قَالَ لَا عدوى وَلَا طيرة وَأَنه قيل لَهُ أَن النقبة تقع بمشفر الْبَعِير فتجرب لذَلِك الْإِبِل فَقَالَ فَمَا أعدي الأول هَذَا أَو مَعْنَاهُ ثمَّ رويتم فِي خلاف ذَلِك لَا يُورد ذُو عاهة على مصح وفر من المجذوم فرارك من الْأسد وَأَتَاهُ رجل مجذوم ليبايعه بيعَة الْإِسْلَام فَأرْسل إِلَيْهِ الْبيعَة وَأمره بالانصراف وَلم يَأْذَن لَهُ وَقَالَ الشؤم فِي الْمَرْأَة وَالدَّار وَالدَّابَّة قَالُوا وَهَذَا كُله مُخْتَلف يشبه لَا يثبه بعضه بَعْضًا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَنحن نقُول أَنه لَيْسَ فِي هَذَا اخْتِلَاف وَلكُل وَاحِد معنى فِي وَقت وَمَوْضِع فَإِذا وضع مَوْضِعه زَالَ الِاخْتِلَاف والعدوى جِنْسَانِ أَحدهمَا عدوى الجذام فَإِن
стр. 568
الجذام تشتد رَائِحَته حَتَّى يسقم من أَطَالَ مُجَالَسَته وموا كلته وَكَذَا الْمَرْأَة تكون تَحت المجذوم فتضاجعه فِي شعار وَاحِد فيوصل إِلَيْهَا الْأَذَى وَرُبمَا جذمت وَكَذَلِكَ وَلَده ينزعون فِي الْكبر إِلَيْهِ وَكَذَلِكَ من بِهِ سل ودق وتعب الْأَطِبَّاء تَأمر أَن لَا يُجَالس المجذوم وَلَا المسلول وَلَا يُرِيدُونَ بذلك معنى الْعَدْوى وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ معنى تغير الرَّائِحَة وَأَنَّهَا قد تسقم من أَطَالَ اشتمامها والأطباء أبعد النَّاس من الْإِيمَان بيمن وشؤم وَكَذَلِكَ النقبة تكون بالبعير وَهُوَ جرب رطب فَإِذا خالط الْإِبِل أَو حاكها واوي فِي مباركها أوصل إِلَيْهَا بِالْمَاءِ الَّذِي يسيل مِنْهُ والنطف نَحوا مِمَّا بِهِ فَهَذَا هُوَ الْمَعْنى الَّذِي قَالَ رَسُول الله صلى عَلَيْهِ وَسلم لَا يُورد ذُو عاهة على مصح كره أَن يخالط الْمُصَاب الصَّحِيح فيناله من نطفه وحكمته نَحْو مِمَّا بِهِ قَالَ وَقد ذهب قوم إِلَى أَنه أَرَادَ بذلك أَن لَا يظنّ أَن الَّذِي نَالَ إبِله من ذَوَات العاهة فيأثم وَلَيْسَ لهَذَا عِنْدِي وَجه إِلَّا الَّذِي خبرتك بِهِ عيَانًا وَأما الْجِنْس الآخر من الْعَدْوى فَهُوَ الطَّاعُون ينزل بِبَلَد فَيخرج مِنْهُ خوف الْعَدْوى حَدثنِي سهل بن مُحَمَّد قَالَ حَدثنِي الْأَصْمَعِي عَن بعض المصريين أَنه هرب من الطَّاعُون فَركب حمارا وَمضى بأَهْله نَحْو حلوان فَسمع حَادِيًا يَحْدُو خَلفه وَهُوَ يَقُول:
لن يسْبق الله على حمَار ... وَلَا على ذِي هيعة مطار
أَو يَأْتِي الحتف على مِقْدَار ... قد يصبح الله أَمَام الساري
وَقد قَالَ رَسُول الله إِذا كَانَ بِالْبَلَدِ الَّذِي أَنْتُم فِيهِ فَلَا تخْرجُوا مِنْهُ وَقَالَ إِن كَانَ بِبَلَد فَلَا تدخلوه يُرِيد بقوله لَا تخْرجُوا من الْبَلَد أذا كَانَ فِيهِ كأنكم تظنون أَن الْفِرَار من قدر الله ينجيكم من الله وَيُرِيد إِن كَانَ بِبَلَد فَلَا تدخلوه فَإِن مقامكم فِي الْموضع الَّذِي لَا طاعون فِيهِ أسكن لأنفسكم وَأطيب لمعيشتكم وَمن ذَلِك الْمَرْأَة تعرف بالشؤم وَالدَّار فينال الرجل مَكْرُوه أَو جَائِحَة فَيَقُول أعدتني بشؤمها فَهَذَا هُوَ الْعَدْوى الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُول الله لَا عدوى فَأَما الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ أَنه قَالَ الشؤم فِي الْمَرْأَة وَالدَّار وَالدَّابَّة فَإِن هَذَا الحَدِيث يتَوَهَّم فِيهِ الْغَلَط على أَبى هُرَيْرَة وَأَنه سمع فِيهِ شَيْئا من رَسُول الله فَلم يعه حَدثنِي مُحَمَّد بن الْقطعِي حَدثنَا عبد الْأَعْلَى عَن سعيد عَن قَتَادَة عَن أَبى حسان الْأَعْرَج أَن رجلَيْنِ دخلا على عَائِشَة فَقَالَا إِن أَبَا هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ يحدث عَن رَسُول الله أَنه قَالَ إِنَّمَا الطَّيرَة فِي الْمَرْأَة وَالدَّار وَالدَّابَّة فطارت شفقا ثمَّ قَالَت كذب وَالَّذِي أنزل الْفرْقَان على أَبى الْقَاسِم من حدث بِهَذَا عَن رَسُول الله إِنَّمَا قَالَ رَسُول الله كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يَقُولُونَ إِن الطَّيرَة فِي الدَّابَّة وَالْمَرْأَة وَالدَّار ثمَّ قَرَأت مَا أصَاب من مُصِيبَة فِي الأَرْض وَلَا فِي أَنفسكُم إِلَّا فِي كتاب من قبل أَن نبراها حَدثنِي أَبى قَالَ حَدثنِي أَحْمد بن الْخَلِيل حَدثنَا مُوسَى بن مَسْعُود النَّهْدِيّ عَن
стр. 569
عِكْرِمَة بن عمار عَن اسحق بن عبد الله بن أَبى طَلْحَة عَن أنس بن مَالك رضى الله عَنهُ قَالَ جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي فَقَالَ يَا رَسُول الله أَنا نزلنَا دَارا فَكثر فِيهَا عددنا وَكَثُرت فِيهَا أَمْوَالنَا ثمَّ تَحَوَّلْنَا عَنْهَا إِلَى أُخْرَى فَقلت فِيهَا أَمْوَالنَا وَقل فِيهَا عددنا فَقَالَ رَسُول الله ذروها وهى ذميمه ٠ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا لَيْسَ ينْقض الحَدِيث الأول وَلَا الحَدِيث الأول ينْقض هَذَا وَإِنَّمَا أَمرهم بالتحول مِنْهَا لأَنهم كَانُوا مقيمين فِيهَا على استثقال لظلها واستيحاش لما نالهم فِيهَا فَأَمرهمْ بالتحول وَقد جعل الله فِي غرائز النَّاس وتركيبهم استثقال مَا نالهم السوء فِيهِ وَإِن كَانَ لَا سَبَب لَهُ فِي ذَلِك وَحب من جرى على يَده الْخَيْر لَهُم وَأَن لم يردهم بِهِ وبغض من جرى على يَده الشَّرّ لَهُم وَإِن لم يردهم بِهِ وَكَيف يتطير والطيرة من الجبت وَكَانَ كثير من الْجَاهِلِيَّة لَا يرونها شَيْئا ويمدحون من كذب بهَا ثمَّ أنْشد مَا ذكرنَا من الأبيات سالفا ثمَّ قَالَ حَدثنَا اسحق بن رَاهَوَيْه أخبرنَا عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن إِسْمَاعِيل بن أَبى أُمِّيّه قَالَ قَالَ رَسُول الله ثَلَاث لَا يسلم مِنْهُنَّ أحد الطَّيرَة وَالظَّن والحسد قيل فَمَا الْمخْرج مِنْهُنَّ قَالَ إِذا تطيرت فَلَا ترجع وَإِذا ظَنَنْت فَلَا تحقق وَإِذا حسدت فَلَا تَبْغِ هَذِه الْأَلْفَاظ أَو نَحْوهَا حَدثنِي أَبُو حَاتِم قَالَ حَدثنَا الْأَصْمَعِي عَن سعيد بن سَالم عَن أَبِيه أَنه كَانَ يعجب مِمَّن يصدق بالطيرة ويعيبها أَشد الْعَيْب وَقَالَ فرقت لنا نَاقَة وَأَنا بِالطَّائِف فركبت فِي أَثَرهَا فلقيني هَانِيء ين عبيد من بنى وَائِل وَهُوَ مسرع وَهُوَ يَقُول ٠ الشَّرْع يلقى مطالع إِلَّا كم ٠ ثمَّ لَقِيَنِي آخر من الْحَيّ وَهُوَ يَقُول ٠
وَلَئِن بغيت لَهُم بغاة ... مَا الْبُغَاة بواجدينا
ثمَّ دفعنَا إِلَى غُلَام قد وَقع فِي صغره فِي نَار فَأَحْرَقتهُ فقبح وَجهه وَفَسَد فَقلت لَهُ هَل ذكرت من نَاقَة فَارق قَالَ هَهُنَا أهل بَيت من الْأَعْرَاب فَانْظُر فَنَظَرت فَإِذا هِيَ عِنْدهم وَقد نتجت فأخذناها وَوَلدهَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْفَارِق الَّتِي ضلت ففارقت صواحبها وَقَالَ عِكْرِمَة كُنَّا جُلُوسًا عِنْد ابْن عَبَّاس فَمر طَائِر يَصِيح فَقَالَ رجل خير خير فَقَالَ ابْن عَبَّاس لَا خير وَلَا شَرّ وَكَانَ رَسُول الله يسْتَحبّ الِاسْم الْحسن والفأل الصَّالح حَدثنِي الرياشى حَدثنَا الْأَصْمَعِي قَالَ سَأَلت ابْن عون عَن الفأل فَقَالَ هُوَ أَن يكون مَرِيضا فَيسمع يَا سَالم أَو يكون بَاغِيا فَيسمع يَا وَاجِد وَهَذَا أَيْضا مِمَّا جعل فِي غرائز النَّاس وتركيبهم اسْتِحْبَابه والأنس بِهِ وكما جعل على الْأَلْسِنَة من التَّحِيَّة بِالسَّلَامِ وَالْمدّ فِي الأصب والتبشير بِالْخَيرِ وكما يُقَال أنعم وَأسلم وأنعم صباحا وكما تَقول الْفرس عش ألف نوروز وَالسَّامِع لهَذَا يعلم أَنه لَا يقدم وَلَا يُؤَخر وَلَا يزِيد وَلَا ينقص وَلَكِن جعل فِي الطباع محبَّة الْخَيْر والارتياح للبشرى والمنظر الأنيق وَالْوَجْه الْحسن وَالِاسْم الْخَفِيف وَقد يمر الرجل بالروضة المنورة فتسره وهى لَا تَنْفَعهُ وبالماء الصافي
стр. 570
فيعجب بِهِ وَهُوَ لَا يبشر بِهِ وَلَا يردهُ وَفِي بعض الحَدِيث أَن رَسُول الله كَانَ يعجب بالأترج وَيُعْجِبهُ الْحمام الْأَحْمَر وتعجبه الفاغية وَهُوَ نور الْحِنَّاء وَهَذَا مثل إعجابه بِالِاسْمِ الْحسن والفأل الْحسن وعَلى حسب هَذَا كَانَت كَرَاهِيَة الِاسْم الْقَبِيح كبني النَّار وَبني حراق وَأَشْبَاه هَذَا انتهي كَلَامه وَقد سلك أَبُو عمر بن عبد الْبر فِي هَذَا الحَدِيث نَحوا من مَسْلَك أَبى مُحَمَّد بن قُتَيْبَة فَقَالَ أما قَوْله لَا عدوى فَهُوَ نهى أَن يَقُول أحد إِن شَيْئا يعدى شَيْئا وإخبار أَن شيئالا يعدى شَيْئا فَكَأَنَّهُ لَا يعدى شَيْء شَيْئا يَقُول لَا يُصِيب أحد من أحد شَيْئا من خلق أَو فعل أَو دَاء أَو مرض وَكَانَت الْعَرَب تَقول فِي جَاهِلِيَّتهَا فِي مثل هَذَا أَنه إِذا اتَّصل شَيْء من ذَلِك بِشَيْء أَعدَاء فَأخْبرهُم رَسُول الله أَن قَوْلهم واعتقادهم فِي ذَلِك لَيْسَ كَذَلِك وَنهى عَن ذَلِك القَوْل إعلاما مِنْهُ بأنما اعْتقد ذَلِك من اعْتقد مِنْهُم كَانَ بَاطِلا قَالَ وَأما الممرض فَالَّذِي إبِله مراض والمصح الَّذِي إبِله صِحَاح وروى ابْن وهب عَن ابْن لَهِيعَة عَن أَبى الزبير عَن جَابر قَالَ يكره إِن يدْخل الْمَرِيض على الصَّحِيح مِنْهَا وَلَيْسَ بِهِ إِلَّا قَول النَّاس وحماية للقلب مِمَّا يستبق إِلَيْهِ من الإفهام وَيَقَع فِيهِ من التطير والتشاؤم بذلك وَقد قَالَ أَبُو عبيد قولا قَرِيبا من ذَلِك فَقَالَ فِي قَوْله فِي هَذَا الحَدِيث أَنه إِذا أَبى إِيرَاد الممرض على المصح فَقَالَ معنى الْأَذَى عِنْدِي الماثم يعْنى أَن المورد يَأْثَم بأذاه من أورد عَلَيْهِ وتعريضه للتشاؤم والتطير وَقد سلك بَعضهم مسلكا آخر فَقَالَ مَا يخبر بِهِ النَّبِي نَوْعَانِ:
أَحدهمَا يخبر بِهِ عَن الْوَحْي فَهَذَا خبر مُطَابق لمخبره من جَمِيع الْوُجُوه ذهنا وخارجا وَهُوَ الْخَبَر الْمَعْصُوم وَالثَّانِي مَا يخبر بِهِ عَن ظَنّه من أُمُور الدُّنْيَا الَّتِي هم اعْلَم بهَا مِنْهُ فَهَذَا لَيْسَ فِي رُتْبَة النَّوْع الأول وَلَا تثبت لَهُ أَحْكَامه وَقد أخبر عَن نَفسه الْكَرِيمَة بذلك تفريقا بَين النَّوْعَيْنِ فَإِنَّهُ لما سمع أَصْوَاتهم فِي النّخل يؤبرونها وَهُوَ التلقيح قَالَ مَا هَذَا فأخبروه بِأَنَّهُم يلقحونها فَقَالَ مَا أرى لَو تَرَكْتُمُوهُ يضوء شَيْئا فَتَرَكُوهُ فجَاء شيصا فَقَالَ إِنَّمَا أَخْبَرتكُم عَن ظَنِّي وَأَنْتُم أعلم بِأَمْر دنياكم وَلَكِن مَا أَخْبَرتكُم عَن الله والْحَدِيث صَحِيح مَشْهُور وَهُوَ من أَدِلَّة بنوية وأعلامها فَأن من خَفِي عَلَيْهِ مثل هَذَا من أَمر الدِّينَا وَمَا أجْرى الله بِهِ عَادَته فِيهَا ثمَّ جَاءَ من الْعُلُوم الَّتِي لَا يُمكن الْبشر أَن يطلع عَلَيْهَا الْبَتَّةَ إِلَّا بِوَحْي من الله فَأخْبر عَمَّا كَانَ وَمَا يكون وَمَا هُوَ كَائِن من لدن خلق الْعَالم إِلَى أَن اسْتَقر أهل الْجنَّة فِي الْجنَّة وَأهل النَّار فِي النَّار وَعَن غيب السَّمَوَات وَالْأَرْض وَعَن كل سَبَب دَقِيق أَو جليل تنَال بِهِ سَعَادَة الدَّاريْنِ وكل سَبَب دَقِيق أَو جليل تنَال بِهِ شقاوة الدَّاريْنِ وَعَن مصَالح الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وأسبابهما مَعَ كَون معرفتهم بالدنيا وأمورها وَأَسْبَاب حُصُولهَا ووجوه تَمامهَا أَكثر من مَعْرفَته كَمَا أَنهم أعرف بِالْحِسَابِ والهندسة والصناعات والفلاحة وَعمارَة الأَرْض وَالْكِتَابَة فَلَو كَانَ مَا جَاءَ بِهِ مِمَّا ينَال بالتعلم والتفكر والتطير والطرق الَّتِي
стр. 571
يسلكها النَّاس لكانوا أولى بِهِ مِنْهُ وأسبق إِلَيْهِ لِأَن أَسبَاب مَا ينَال بالفكر وَالْكِتَابَة والحساب وَالنَّظَر والصناعات بِأَيْدِيهِم فَهَذَا من اقوى براهين نبوته وآيات صدقه وَإِن هَذَا الَّذِي جَاءَ بِهِ لَا صنع للبشر فِيهِ الْبَتَّةَ وَلَا هُوَ مِمَّا ينَال بسعي وَكسب وفكر وَنظر إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى علمه شَدِيد القوى الَّذِي يعلم السِّرّ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض أنزلهُ عَالم الْغَيْب فَلَا يظْهر على غيبَة أحدا إِلَّا من ارتضى من رَسُول قَالُوا فَهَكَذَا إخْبَاره عَن عدم الْعَدْوى إِخْبَار عَن ظَنّه كإخباره عَن عدم تَأْثِير التلقيح لَا سِيمَا وَأحد الْبَابَيْنِ قريب من الآخر بل هُوَ فِي النَّوْع وَاحِد فَإِن اتِّصَال الذّكر بِالْأُنْثَى وتأثره بِهِ كاتصال المعدى بالمعدي وتأثره بِهِ وَلَا ريب أَن كلهما من أُمُور الدُّنْيَا لَا مِمَّا يتَعَلَّق بِهِ حكم من الشَّرْع فَلَيْسَ الْإِخْبَار بِهِ كالإخبار عَن الله سُبْحَانَهُ وَصِفَاته وأسمائه وَأَحْكَامه قَالُوا فَلَمَّا تبين لَهُ من أَمر الدُّنْيَا الذى أجْرى الله سُبْحَانَهُ عَادَته بِهِ ارتباط هَذِه الأ سباب بَعْضهَا بِبَعْض التلقيح فى صَلَاح الثِّمَار وتأثير إِيرَاد الممرض على المصح أقرهم على تأبير النّخل ونهاهم أَن يُورد ممرض على مصح قَالُوا وَإِن سمى هَذَا نسخآ بِهَذَا الِاعْتِبَار فَلَا مشاحة فى التَّسْمِيَة إِذا ظهر الْمَعْنى وَلِهَذَا قَالَ أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن فَلَا أدرى أنسى أَبُو هُرَيْرَة أَو نسخ أحد الْقَوْلَيْنِ بِالْآخرِ يعْنى بحَديثه بِالْحَدِيثين فجوز أَبُو سَلمَة النّسخ فى ذَلِك مَعَ أَنه خبر وَهُوَ بِمَا ذكرنَا من الِاعْتِبَار وَهَذَا المسلك حسن لَوْلَا أَنه قد اجْتمع الفصلان فى حَدِيث وَاحِد كَمَا فى موطآ مَالك أَنه بلغه عَن بكير بن عبد الله ابْن الْأَشَج عَن ابْن عَطِيَّة أَن رَسُول قَالَ لَا عدوى ولاصفر ولايحلل الممرض على المصح وليحلل المصح حَيْثُ شَاءَ قَالُوا وَمَا ذَاك يَا رَسُول الله فَقَالَ رَسُول الله إِنَّه أَذَى وَقد يُجَاب عَن هَذَا بحوابين: أَحدهمَا أَن الحَدِيث لَا يثبت لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا إرْسَاله وَالثَّانِي أَن ابْن عَطِيَّة هَذَا وَيُقَال أبوعطية مَجْهُول لَا يعرف إِلَّا فِي هَذَا الحَدِيث ٠٠ الْجَواب الثَّانِي قَوْله فِيهِ لاعدوى نهى لَا نفى أى لَا يعدى الممرض المصح بحلوله عَلَيْهِ وَيدل على ذَلِك مَا رَوَاهُ أَبُو عمر النمرى حَدثنَا خلف بن الْقَاسِم حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله حَدثنَا يحيى بن مُحَمَّد بن صاعد حَدثنَا أَبُو هِشَام الرفاعى حَدثنَا الْبشر بن عمر الزهر انى قَالَ قَالَ مَالك أَنه بلغه عَن بكير بن عبد الله بن الْأَشَج عَن أَبى عَطِيَّة أَو أبن عَطِيَّة شكّ بشر عَن أَبى هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله لاطيرة ولاهامة وَلَا يعدى سقم صَحِيحا وليحل المصح حَيْثُ شَاءَ خفى هَذَا النهى كالإثبات للعدى والنهى عَن أَسبَابهَا وَلَعَلَّ بعض الروَاة رَوَاهُ بِالْمَعْنَى فَقَالَ لَا عدوى وَلَا طيرة وَلَا هَامة وَإِنَّمَا مخرج الحَدِيث النهى عَن الْعَدْوى لَا نَفيهَا وَهَذَا أَيْضا حسن لَوْلَا حَدِيث ابْن شهَاب عَن أَبى سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبى هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله فَمن أعدى الأول فَهَذَا الحَدِيث قد فهم مِنْهُ السَّامع النَّفْي وَأقرهُ عَلَيْهِ وَلِهَذَا أستشكل نَفْيه وَأورد مَا أوردهُ فَأَجله صلى
стр. 572
الله عَلَيْهِ وَسلم بِمَا يتَضَمَّن إبِْطَال الدَّعْوَى وَهُوَ قَوْله فَمن أعدى الأول وَهَذَا أصح من حَدِيث أبي عطيه الْمُتَقَدّم وَحِينَئِذٍ فَيرجع إِلَى مَسْلَك التلقيح الْمَذْكُور آنِفا أَو مَا قبله من المسالك وَعِنْدِي فِي الْحَدِيثين مَسْلَك آخر يتَضَمَّن إِثْبَات الْأَسْبَاب وَالْحكم وَنفى مَا كَانُوا عَلَيْهِ من الشّرك واعتقاد الْبَاطِل وَوُقُوع النَّفْي وَالْإِثْبَات على وَجهه فَإِن الْعَوام كَانُوا يثبتون الْعَدْوى على مَذْهَبهم من الشّرك الْبَاطِل كَمَا يَقُوله المنجمون من تَأْثِير الْكَوَاكِب فِي هَذَا الْعَالم وسعودها ونحوسها كَمَا تقدم الْكَلَام عَلَيْهِم وَلَو قَالُوا أَنَّهَا اسباب أَو اجزاء اسباب إِذْ شَاءَ الله صرف مقتضياتها بمشيئته وإرادته وحكمته وَأَنَّهَا مسخرة بأَمْره لما خلقت لَهُ وَأَنَّهَا فِي ذَلِك بِمَنْزِلَة سَائِر الْأَسْبَاب الَّتِي ربط بهَا مسبباتها وَجعل لَهَا أسبابا أخر تعارضها وتمانعها وتمنع اقتضاءها لما جعلت أسبابا لَهُ وَإِنَّهَا لَا تقضي مسبباتها إِلَّا بِإِذْنِهِ مَشِيئَته وإرادته لَيْسَ لَهَا من ذَاتهَا ضرّ وَلَا نفع وَلَا تَأْثِير الْبَتَّةَ إِن هِيَ إِلَّا خلق مسخر مصرف مربوب لَا تتحرك إِلَّا بِإِذن خَالِقهَا ومشيئته وغايتها أَنَّهَا جُزْء سَبَب لَيست سَببا تَاما فسببيتها من جنس سَبَبِيَّة وَطْء الْوَالِد فِي حُصُول الْوَلَد فَإِنَّهُ جُزْء وَاحِد من أَجزَاء كَثِيرَة من الْأَسْبَاب الَّتِي خلق الله بهَا الْجَنِين وكسببية شقّ الأَرْض وإلقاء الْبذر فَإِنَّهُ جُزْء يسير من جملَة الْأَسْبَاب الَّتِي يكون الله بهَا النَّبَات وَهَكَذَا جملَة أَسبَاب الْعَالم من الْغذَاء والرواء والعافية والسقم وَغير ذَلِك وَأَن الله سُبْحَانَهُ جعل من ذَلِك سَببا مَا يَشَاء وَيبْطل السَّبَبِيَّة عَمَّا يَشَاء ويخلق من الْأَسْبَاب الْمُعَارضَة لَهُ مَا يحول بَينه وَبَين مُقْتَضَاهُ فهم لَو أثبتوا الْعَدْوى على هَذَا الْوَجْه لما أنكر عَلَيْهِم كَمَا أَن ذَلِك ثَابت فِي الدَّاء والدواء وَقد تداوى النَّبِي وَأمر بالتداوي وَأخْبر أَنه مَا أنزل الله دَاء إِلَّا أنزل لَهُ دَوَاء إِلَّا الْهَرم فأعلمنا أَنه خَالق أَسبَاب الدَّاء وَأَسْبَاب الدَّوَاء الْمُعَارضَة المقاومة لَهَا وأمرنا بِدفع تِلْكَ الْأَسْبَاب الْمَكْرُوهَة بِهَذِهِ الْأَسْبَاب وعَلى هَذَا قيام مصَالح الدَّاريْنِ بل الْخلق وَالْأَمر مَبْنِيّ على هَذِه الْقَاعِدَة فَإِن تَعْطِيل الْأَسْبَاب وإخراجها عَن أَن تكون أسبابا تَعْطِيل للشَّرْع ومصالح الدُّنْيَا والإعتماد عَلَيْهَا والركون إِلَيْهَا واعتقاد أَن المسببات بهَا وَحدهَا وَأَنَّهَا أَسبَاب تَامَّة شرك بالخالق وَجَهل بِهِ وَخُرُوج عَن حَقِيقَة التَّوْحِيد وَإِثْبَات مسببيتها على الْوَجْه الَّذِي خلقهَا الله عَلَيْهِ وَجعلهَا لَهُ إِثْبَات لِلْخلقِ وَالْأَمر للشَّرْع وَالْقدر للسبب والمشيئة للتوحيد وَالْحكمَة فالشارع يثبت هَذَا وَلَا يَنْفِيه وينفي مَا عَلَيْهِ الْمُشْركُونَ من اعْتِقَادهم فِي ذَلِك وَيُشبه هَذَا نَفْيه الشَّفَاعَة فِي قَوْله وَاتَّقوا يَوْمًا لَا تجزى نفس عَن نفس شَيْئا وَلَا يقبل مِنْهَا شَفَاعَة وَلَا يُؤْخَذ مِنْهَا عدل وَفِي الْآيَة الْأُخْرَى وَلَا تنفعها شَفَاعَة وَفِي قَوْله من قبل أَن يَأْتِي يَوْم لَا بيع فِيهِ وَلَا خلة وَلَا شَفَاعَة وإثباتها فِي قَوْله وَلَا يشفعون إِلَى لمن ارتضى وَقَوله من ذَا الَّذِي يشفع عِنْده إِلَّا باذنه وَقَوله لَا يملكُونَ الشَّفَاعَة إِلَّا من اتخذ عِنْد الرَّحْمَن عهدا فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ
стр. 573
نفى الشَّفَاعَة الشركية الَّتِي كَانُوا يعتقدونها وأمثالهم من الْمُشْركين وَهِي شَفَاعَة الوسائط لَهُم عِنْد الله فِي جلب مَا يَنْفَعهُمْ وَدفع مَا يضرهم بذواتها وأنفسها بِدُونِ توقف ذَلِك على إِذن الله ومرضاته لمن شَاءَ أَن يشفع فِيهِ الشافع فَهَذِهِ الشَّفَاعَة الَّتِي أبطلها الله سُبْحَانَهُ ونفاها وَهِي أصل الشّرك كُله وقاعدته الَّتِي عَلَيْهَا بِنَاؤُه وأخبيته الَّتِي يرجع إِلَيْهَا وَأثبت سُبْحَانَهُ الشَّفَاعَة الَّتِي لَا تكون إِلَّا بِإِذن الله للشافع وَرضَاهُ عَن الْمَشْفُوع قَوْله وَعَمله وَهِي الشَّفَاعَة الَّتِي تنَال بتجريد التَّوْحِيد كَمَا قَالَ أسعد النَّاس بشفاعتي من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله خَالِصا من قلبه والشفاعة الأولى هِيَ الشَّفَاعَة الَّتِي ظَنّهَا الْمُشْركُونَ وَجعلُوا الشّرك وَسِيلَة إِلَيْهَا فالمقامات ثَلَاثَة
أَحدهَا تَجْرِيد التَّوْحِيد وَإِثْبَات الْأَسْبَاب وَهَذَا هُوَ الَّذِي جَاءَت بِهِ الشَّرَائِع وَهُوَ مُطَابق للْوَاقِع فِي نفس الْأَمر وَالثَّانِي الشّرك فِي الْأَسْبَاب بالمعبود كَمَا هُوَ حَال الْمُشْركين عَليّ اخْتِلَاف إصنافهم وَالثَّالِث إِنْكَار الْأَسْبَاب بِالْكُلِّيَّةِ مُحَافظَة من منكرها على التَّوْحِيد فالمنحرفون طرفان مذمومان إِمَّا قَادِح فِي التَّوْحِيد بالأسباب وَأما مُنكر للأسباب بِالتَّوْحِيدِ وَالْحق غير ذَلِك وَهُوَ إِثْبَات التَّوْحِيد والأسباب وربط أَحدهمَا بِالْآخرِ فالأسباب مَحل حكمه الديني والكوني والحكمان عَلَيْهَا يجريان بل عَلَيْهَا يَتَرَتَّب الْأَمر والنهى وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب ورضى الرب وَسخطه ولعنته وكرامته والتوحيد تَجْرِيد الربوية والإلهية عَن كل شرك فإنكار الْأَسْبَاب إِنْكَار الْحِكْمَة والشرك بهَا قدح فِي توحيده واثباتها والتعلق بِالسَّبَبِ والتوكل عَلَيْهِ والثقة بِهِ وَالْخَوْف مِنْهُ والرجاء لَهُ وَحده هُوَ مَحْض التَّوْحِيد والمعرفة تفرق بَين مَا أثْبته الرَّسُول وَبَين مَا نَفَاهُ وَبَين مَا أبْطلهُ وَبَين مَا اعْتَبرهُ فَهَذَا لون وَهَذَا لون وَالله الْمُوفق للصَّوَاب ٠
فصل وَيُشبه هَذَا مَا روى عَنهُ من نَهْيه عَن وَطْء الغيل وَهُوَ
وَطْء الْمَرْأَة إِذا كَانَت ترْضع وَإنَّهُ يشبه قتل الْوَلَد سرا وَأَنه يدْرك الْفَارِس قيد عثره وَقَوله فِي حَدِيث آخر لقد هَمَمْت أَن أنهى عَنهُ ثمَّ رَأَيْت فَارس وَالروم يَفْعَلُونَهُ وَلَا يضر ذَلِك أَوْلَادهم شَيْئا وَقد قيل أَن أحد الْحَدِيثين مَنْسُوخ بِالْآخرِ وَإِن لم تعلم عين النَّاسِخ مِنْهَا من الْمَنْسُوخ لعدم علمنَا بالتاريخ وَقيل وَهُوَ أحسن أَن النَّفْي وَالْإِثْبَات لم يتواردا على مَحل وَاحِد فَإِنَّهُ صلى الله علية وَسلم أخبر فِي أحد الْجَانِبَيْنِ أَنه يفعل فِي الْوَلِيد مثل مَا يفعل من يصرع الْفَارِس عَن فرسه كَأَنَّهُ يدعثره ويصرعه وَذَلِكَ يُوجب نوع أَذَى وَلكنه لَيْسَ بقتل للْوَلَد وإهلاك لَهُ وَإِن كَانَ قد يَتَرَتَّب عَلَيْهِ نوع أَذَى للطفل فَأَرْشَدَهُمْ إِلَى تَركه وَلم ينْه عَنهُ بل قَالَ علام يفعل أحدكُم ذَلِك وَلم يقل لَا تفعلوه فَلم يَجِيء عَنهُ لفظ وَاحِد بالنهى عَنهُ ثمَّ عزم على النهى سدا لذريعة الْأَذَى الَّذِي ينَال الرَّضِيع فَرَأى أَن سد هَذِه الذريعة لَا يُقَاوم الْمفْسدَة الَّتِي تترتب على الْإِمْسَاك عَن وَطْء النِّسَاء مُدَّة الرَّضَاع وَلَا سِيمَا
стр. 574
من الشَّبَاب وأرباب الشَّهْوَة الَّتِي لَا يكرها إِلَّا مواقعه نِسَائِهِم فَرَأى أَن هَذِه الْمصلحَة أرجح من مفْسدَة سد الذريعة فَنظر وَرَأى الأمتين اللَّتَيْنِ هما من اكثر الْأُمَم وأشدها بَأْسا يَفْعَلُونَهُ وَلَا يتقونه مَعَ قوتهم وشدتهم فَأمْسك عَن النهى عَنهُ فَلَا تعَارض إِذا بَين الْحَدِيثين وَلَا نَاسخ مِنْهُمَا وَلَا مَنْسُوخ وَالله اعْلَم بِمُرَاد رَسُوله
فصل وَيُشبه هَذَا قَوْله للَّذي قَالَ لَهُ إِن لي أمة وَأَنا أكره
أَن تحبل وَإِنِّي أعزل عَنْهَا فَقَالَ سيأتيها مَا قدر لَهَا فَلَيْسَ بَين هَذِه الْأَحَادِيث قَوْله الْأَحَادِيث تعَارض فَإِنَّهُ لم يقل أَن الْوَلَد يخلق من غير مَاء الواطىء بل أخبر أَنه سيأتيها مَا قدر لَهَا وَلَو عزل فَأَنَّهُ إِذا قدر خلق الْوَلَد قدر سبق المَاء والواطيء لَا يشْعر بل يخرج مِنْهُ مَاء يمازج مَاء الْمَرْأَة لَا يشْعر بِهِ يكون سَببا فِي خلق الْوَلَد وَلِهَذَا قَالَ لَيْسَ من كل المَاء يكون الْوَلَد فَلَو خرج مِنْهُ نُطْفَة لَا يحس بهَا لجعلها الله مَادَّة للْوَلَد
قلت مَادَّة الْوَلَد لَيست مَقْصُورَة على وُقُوع المَاء بحملته فِي الرَّحِيم بل إِذا قدر الله خلق الْوَلَد من المَاء فَلَو وضع على صَخْرَة لخلق مِنْهُ الْوَلَد كَيفَ وَالَّذِي يعْزل فِي الْغَالِب إِنَّمَا يلقى مَاءَهُ قَرِيبا من الْفرج وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون غَالِبا عِنْدَمَا يحس بالإنزال وَكَثِيرًا مَا ينزل بعض المَاء وَلَا يشْعر بِهِ فَينزل خَارج الْفرج وَلَا شُعُور لَهُ بِمَا ينزل فِي الْفرج وَلَا بِمَا خالط مَاء الْمَرْأَة مِنْهُ وَبِالْجُمْلَةِ فَلَيْسَ سَبَب خلق الْوَلَد مَقْصُورا على الْإِنْزَال التَّام فِي الْفرج وَلَقَد حَدثنِي غير وَاحِد مِمَّن أَثِق بِهِ أَن امْرَأَته حملت مَعَ عَزله عَنْهَا لرضاع وَغَيره وَرَأَيْت بعض أَوْلَادهم ضَعِيفا ضئيلا فصلوات الله وَسَلَامه على من يصدق كَلَامه بعضه بَعْضًا وَيشْهد بعضه لبَعض فالاختلاف والإشكال والاشتباه إِنَّمَا هُوَ فِي الإفهام إِلَّا فِيمَا خرج من بَين شَفَتَيْه من الْكَلَام وَالْوَاجِب على كل مُؤمن أَن يكل مَا أشكل عَلَيْهِ إِلَّا أصدق قَائِل وَيعلم أَن فَوق كل ذِي علم عليم وَأَنه لَو اعْترض على ذِي صناعَة أَو علم من الْعُلُوم الَّتِي استنبطتها معاول الأفكار وَلم يحط علما بِتِلْكَ الصِّنَاعَة وَالْعلم لَا ندرى على نَفسه وأضحك صَاحب تِلْكَ الصِّنَاعَة وَالْعلم على عقله وَالنَّبِيّ يذكر الْمُقْتَضى فِي مَوضِع وَالْمَانِع فِي مَوضِع آخر وَيثبت الشَّيْء وينفي مثله فِي الصُّورَة وَعَكسه فِي الْحَقِيقَة وَلَا يُحِيط أَكثر النَّاس بِمَجْمُوع نصوصه علما وَيسمع النَّص وَلَا يسمع شَرطه وَلَا مَوَانِع مُقْتَضَاهُ وَلَا تَخْصِيصه وَلَا ينتبه للْفرق بَين مَا أثْبته ونفاه فينشأ من ذَلِك فِي حَقه من الاشكالات مَا ينشأ وينضاف هَذَا إِلَى عدم معرفَة الْخَاص بخطابه ومجارى كَلَامه وينضاف إِلَى ذَلِك تَنْزِيل كَلَامه على الاصطلاحات الَّتِي أحدثها أَرْبَاب الْعُلُوم من الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاء وَعلم أَحْوَال الْقُلُوب وَغَيرهم فَإِن لكل من هَؤُلَاءِ الاصطلاحات حَادِثَة فِي مخاطباتهم وتصانيفهم فَيَجِيء من قد ألف تِلْكَ
стр. 575
الاصطلاحات الْحَادِثَة وسبقت مَعَانِيهَا إِلَى قلبه فَلم يعرف سواهَا فَيسمع كَلَام الشَّارِع فيحمله على مَا أَلفه من الِاصْطِلَاح فَيَقَع بِسَبَب ذَلِك فِي الْفَهم عَن الشَّارِع مَا لم يردهُ بِكَلَامِهِ وَيَقَع من الْخلَل فِي نظره ومناظرته مَا يَقع وَهَذَا من أعظم أَسبَاب الْغَلَط عَلَيْهِ مَعَ قلَّة البضاعة من معرفَة نصوصه فأذا اجْتمعت هَذِه الْأُمُور مَعَ نوع فَسَاد فِي التَّصَوُّر أَو الْقَصْد أوهما مَا شِئْت من خبط وَغلط واشكالات واشتمالات وَضرب كَلَامه بعضه بِبَعْض وَإِثْبَات مَا نَفَاهُ وَنفي مَا أثْبته وَالله الْمُسْتَعَان
فصل وَأما قَضِيَّة المجذوم فَلَا ريب أَنه روى عَن النَّبِي أَنه قَالَ
فر من المجذوم فرارك من الْأسد وَأرْسل إِلَى ذَلِك المجذوم أَنا قد بايعناك فَارْجِع وَأخذ بيد مجذوم فوضعها فِي الْقَصعَة وَقَالَ كل ثِقَة بِاللَّه وتوكلا عَلَيْهِ وَلَا تنَافِي بَين هَذِه الْآثَار وَمن أحَاط علما بِمَا قدمْنَاهُ تبين لَهُ وَجههَا وَأَن غَايَة ذَلِك أَن مُخَالطَة المجذوم من أَسبَاب الْعَدْوى وَهَذَا السَّبَب يُعَارضهُ أَسبَاب آخر تمنع اقتضاءه فَمن أقواها التَّوَكُّل على الله والثقة بِهِ فَأَنَّهُ يمْنَع تَأْثِير ذَلِك السَّبَب الْمَكْرُوه وَلَكِن لَا يقدر كل وَاحِد من الْأمة على هَذَا فَأَرْشَدَهُمْ إِلَى مجانبة سَبَب الْمَكْرُوه والفرار والبعد مِنْهُ وَلذَلِك أرسل إِلَى ذَلِك المجذوم الآخر بالبيعة تشريعا مِنْهُ للفرار من أَسبَاب الْأَذَى وَالْمَكْرُوه وَأَن لَا يتَعَرَّض العَبْد لأسباب الْبلَاء ثمَّ وضع يَده مَعَه فِي الْقَصعَة فَإِنَّمَا هُوَ سَبَب التَّوَكُّل على الله والثقة بِهِ الَّذِي هُوَ من أعظم الْأَسْبَاب الَّتِي يدْفع بهَا الْمَكْرُوه والمحذور تَعْلِيما مِنْهُ للْأمة دفع الْأَسْبَاب الْمَكْرُوهَة بِمَا هُوَ أقوى مِنْهَا وإعلاما بِأَن الضَّرَر والنفع بيد الله فَإِن شَاءَ أَن يضر عَبده ضره وَإِن شَاءَ أَن يصرف عَنهُ الضّر صرقه بل إِن شَاءَ أَن يَنْفَعهُ بِمَا هُوَ من أَسبَاب الضَّرَر ويضره بِمَا هُوَ من أَسبَاب النَّفْع فعل ليتبين الْعباد أَنه وَحده الضار النافع وَأَن أَسبَاب الضّر والنفع بيدَيْهِ وَهُوَ الَّذِي جعلهَا أسبابا وَإِن شَاءَ خلع مِنْهَا سببيتها وان شَاءَ جعل مَا تَقْتَضِيه بِخِلَاف الْمَعْهُود مِنْهَا ليعلم أَنه الْفَاعِل الْمُخْتَار وَأَنه لَا يضر شَيْء وَلَا ينفع إِلَّا بِإِذْنِهِ وَأَن التَّوَكُّل عَلَيْهِ والثقة بِهِ تحيل الْأَسْبَاب الْمَكْرُوهَة إِلَى خلاف موجباتها وتبيين مرتبتها وَأَنَّهَا محَال لمجارى مَشِيئَة الله وحكمته وَأَنه سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي يضْربهَا وينفع لَيْسَ إِلَيْهَا وَلَا لَهَا من الْأَمر شَيْء وَأَن الْأَمر كُله لله وَأَنَّهَا إِنَّمَا ينَال ضررها من علق قلبه بهَا ووقف عِنْدهَا وَتَطير بِمَا يتطير بِهِ مِنْهَا فَذَلِك الَّذِي يُصِيبهُ مَكْرُوه الطَّيرَة والطيرة سَبَب للمكروه على المتطير فَإِذا توكل على الله ووثق بِهِ واستعان بِهِ لم يصده التطير عَن حَاجته وَقَالَ اللَّهُمَّ لَا طير إِلَّا طيرك وَلَا خير إِلَّا خيرك وَلَا إِلَه غَيْرك اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْت وَلَا يذهب بالسيئات إِلَّا أَنْت وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بك فَإِنَّهُ لَا يضرّهُ
стр. 576
مَا يتطير مِنْهُ شَيْئا قَالَ ابْن مَسْعُود مَا منا إِلَّا من يعْنى يتطير وَلَكِن الله يذهبه بالتوكل وَقد روى مَرْفُوعا وَالصَّوَاب عَن ابْن مَسْعُود قَوْله فالطيرة إِنَّمَا تصيب المتطير لشركه وَالْخَوْف دَائِما مَعَ الشّرك وَإِلَّا من دَائِما مَعَ التَّوْحِيد قَالَ تَعَالَى حِكَايَة عَن خَلِيله إِبْرَاهِيم أَنه قَالَ فِي محاجته لِقَوْمِهِ وَكَيف أَخَاف مَا أشركتم بِهِ وَلَا تخافون أَنكُمْ أشركتم بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ عَلَيْكُم سُلْطَانا فَأَي الْفَرِيقَيْنِ أَحَق بالأمن إِن كُنْتُم تعلمُونَ فَحكم الله بَين الْفَرِيقَيْنِ بِحكم فَقَالَ الَّذين آمنُوا وَلم يلبسوا إِيمَانهم بظُلْم أُولَئِكَ لَهُم الْأَمْن وهم مهتدون وَقد صَحَّ عَن رَسُول الله صلى الله علية وَسلم تَفْسِير الظُّلم فِيهَا بالشرك وَقَالَ ألم تسمعوا قَول العَبْد الصَّالح إِن الشّرك لظلم عَظِيم فالتوحيد من أقوى أَسبَاب الْأَمْن من المخاوف والشرك من أعظم أَسبَاب حُصُول المخاوف وَلذَلِك من خَافَ شَيْئا غير الله سلط عَلَيْهِ وَكَانَ خَوفه مِنْهُ هُوَ سَبَب تسليطه عَلَيْهِ وَلَو خَافَ الله دونه وَلم يخفه لَكَانَ عدم خَوفه مِنْهُ وتوكله على الله من أعظم أَسبَاب نجاته مِنْهُ وَكَذَلِكَ من رجا شَيْئا غير الله حرم مَا رجاه مِنْهُ وَكَانَ رجاؤه غير الله من أقوي أَسبَاب حرمانه فَإِذا رجا الله وَحده كَانَ تَوْحِيد رجائه أقوى أَسبَاب الْفَوْز بِمَا رجاه أَو بنظيره أَو بِمَا هُوَ أَنْفَع لَهُ مِنْهُ وَالله الْمُوفق للصَّوَاب وَليكن هَذَا آخر الْكتاب وَقد جلبت إِلَيْك فِيهِ نفائس فِي مثلهَا يتنافس الْمُتَنَافسُونَ وجليت عَلَيْك فِيهِ عرائس إِلَى مِثْلهنَّ بَادر الخاطبون فَإِن شِئْت اقتبست مِنْهُ معرفَة الْعلم وفضله وَشدَّة الْحَاجة إِلَيْهِ وشرفه وَشرف أَهله وَعظم موقعه فِي الدَّاريْنِ وَإِن شِئْت اقتبست مِنْهُ معرفَة إِثْبَات الصَّانِع بطرق واضحات جليات تلج الْقُلُوب بِغَيْر اسْتِئْذَان وَمَعْرِفَة حكمته فِي خلقه وَأمره وَإِن شِئْت اقتبست مِنْهُ معرفَة قدر الشَّرِيعَة وَشدَّة الْحَاجة إِلَيْهَا وَمَعْرِفَة جلالتها وحكمتها وَإِن شِئْت اقتبست مِنْهُ معرفَة النُّبُوَّة وَشدَّة الْحَاجة إِلَيْهَا بل وضرورة الْوُجُود إِلَيْهَا وَأَنه يَسْتَحِيل من أحكم الْحَاكِمين أَن يخلى الْعَالم عَنْهَا وَإِن شِئْت اقتبست مِنْهُ معرفَة مَا فطر الله عَلَيْهِ الْعُقُول من تَحْسِين الْحسن وتقبيح الْقَبِيح وَإِن ذَلِك أَمر عَقْلِي فطرى بالأدلة والبراهين الَّتِي اشْتَمَل عَلَيْهَا هَذَا الْكتاب فَلَا تُوجد فِي غَيره وَإِن شِئْت اقتبست مِنْهُ معرفَة الرَّد على المنجمين الْقَائِلين بِالْأَحْكَامِ بأبلغ طرق الرَّد من نفس صناعتهم وعلمهم وإلزامهم بالألزامات المفخمة الَّتِي لَا جَوَاب لَهُم عَنْهَا وإبداء تناقضهم فِي صناعتهم وفضائحهم وكذبهم على الْخلق وَالْأَمر وَإِن شِئْت اقتبست مِنْهُ معرفَة الطَّيرَة والفأل والزجر وَالْفرق بَين صَحِيح ذَلِك وباطلة وَمَعْرِفَة مَرَاتِب هَذِه فِي الشَّرِيعَة وَالْقدر وَإِن شِئْت اقتبست مِنْهُ أصولا نافعة جَامِعَة مِمَّا تكمل بِهِ النَّفس البشرية وتنال بهَا سعادتها فِي معاشها ومعادها إِلَى غير ذَلِك من الْفَوَائِد الَّتِي مَا كَانَ مِنْهَا صَوَابا فَمن الله وَحده هُوَ ألمان بِهِ وَمَا كَانَ مِنْهَا من خطأ فَمن مُؤَلفه وَمن الشَّيْطَان وَالله بَرِيء مِنْهُ وَرَسُوله وَالله سُبْحَانَهُ الْمَسْئُول والمرغوب إِلَيْهِ المأمول أَن
стр. 577
يَجعله خَالِصا لوجهه وَأَن يعيدنا من شرور أَنْفُسنَا وَمن سيئات أَعمالنَا وَأَن يوفقنا لما يُحِبهُ ويرضاه إِنَّه قريب مُجيب وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه أَجْمَعِينَ وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا