← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6840

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط العلمية

ابن القيم

Полный текст (577 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الْأَعْوَر والأحول والأعرج والأحدب والأشقر والكوسج وكل من بِهِ عاهة فِي بدنه وكل نَاقص الْخلق فَاحْذَرُوهُ فَإِنَّهُ صَاحب لؤم ومعاملته مره وَقَالَ مرّة أُخْرَى فَإِنَّهُم أَصْحَاب خب وَقَالَ الرّبيع دَخَلنَا على الشافعى عِنْد وَفَاته أَنا والبويطى والمزني وَمُحَمّد بن عبد الله ابْن عبد الحكم قَالَ فَنظر إِلَيْنَا الشافعى سَاعَة فَأطَال ثمَّ الْتفت فَقَالَ أما أَنْت يَا أَبَا يَعْقُوب فستموت فِي حَدِيد يعْنى البويطى وَأما أَنْت يَا مزني فسيكون لَك بِمصْر هَنَات وهنات ولتدركن زَمَانا تكون أَقيس أهل ذَلِك الزَّمَان وَأما انت يَا مُحَمَّد فسترجع إِلَى مَذْهَب أَبِيك وَأما أَنْت يَا ربيع فَأَنت أنفعهم لى فِي نشر الْكتب قُم يَا أَبَا يَعْقُوب فتسلم الْحلقَة قَالَ الرّبيع فَكَانَ كَمَا قَالَ وَقَالَ الرّبيع مَا رَأَيْت أفطن من الشافعى لقد سمى رجَالًا مِمَّن يَصْحَبهُ فوصف كل وَاحِد مِنْهُم بِصفة مَا أَخطَأ فِيهَا فَذكر الْمُزنِيّ والبويطى وَفُلَانًا فَقَالَ ليفعلن فلَان كَذَا وَفُلَان كَذَا وليصحبن فلَان السُّلْطَان وليقلدن الْقَضَاء وَقَالَ لَهُم يَوْمًا وَقد اجْتَمعُوا مَا فِيكُم أَنْفَع من هَذَا وأوما إِلَى لِأَنَّهُ أمثلكم بأَخيه وَذكر صفاتا غير هَذِه قَالَ فَلَمَّا مَاتَ الشافعى صَار كل مِنْهُم إِلَى مَا ذكر فِيهِ مَا أَخطَأ فِي شَيْء من ذَلِك وَقَالَ حَرْمَلَة لما وَقع الشافعى فِي الْمَوْت خرجنَا من عِنْده فَقلت لأبي يَا أبه كل فراسة كَانَت للشافعى أخذناها يدا بيد إِلَّا قَوْله يقتلنى أشقر وَهَا هُوَ فِي السِّيَاق فوافينا عبد الله بن عبد الحكم ويوسف ابْن عَمْرو فَقُلْنَا إِلَى أَيْن قَالَا إِلَى الشافعى فَمَا بلغنَا الْمنزل حَتَّى أدركنا الصُّرَاخ عَلَيْهِ قُلْنَا مَه مالكم قَالُوا مَاتَ الشافعى فَقَالَ أبي من غمضه قَالُوا يُوسُف بن عَمْرو وَكَانَ أَزْرَق وَهَذِه الْآثَار وَغَيرهَا ذكرهَا ابْن أبي حَاتِم وَالْحَاكِم فِي مصنفيهما فِي مَنَاقِب الشافعى وَهِي اللائقة بجلالته ومنصبه لَا مَا باعده الله مِنْهُ من أكاذيب المنجمين وهذياناتهم وَالله أعلم وَأما مَا احْتج بِهِ من أَن فِرْعَوْن كَانَ يذبح أَبنَاء بنى أسرائيل ويستحي نِسَاءَهُمْ لِأَن الْمُفَسّرين قَالُوا كَانَ ذَلِك بِأَن المنجمين أَخْبرُوهُ بِأَنَّهُ سيجىء بنى إِسْرَائِيل مَوْلُود يكون هَلَاكه على يَدَيْهِ فَأكْثر الْمُفَسّرين إِنَّمَا أحالوا ذَلِك على خبر الْكُهَّان وروى بَعضهم أَن قومه أَخْبرُوهُ بِأَن بنى أسرائيل يَزْعمُونَ أَنه يُولد مِنْهُم مَوْلُود يكون هلاكك على يَدَيْهِ وَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ هما الدائران فِي كتب الْمُفَسّرين وَأما هَذِه الرِّوَايَة أَن المنجمين قَالُوا لَهُ ذَلِك فغايتها أَنَّهَا من أَخْبَار أهل الْكتاب وَقد خالفها غَيرهَا من الرِّوَايَات فَكيف يسوغ التَّمَسُّك بهَا فِي الْأَمر الْعَظِيم وَفِي أَخْبَار الْكُهَّان مَا هُوَ أعجب من ذَلِك فقد أخبروا بِظُهُور خَاتم الرُّسُل مُحَمَّد قبل ظُهُوره وَذَلِكَ مَوْجُود فِي دَلَائِل النُّبُوَّة وَنحن لَا ننكر علم تقدمة الْمعرفَة بِأَسْبَاب مفضية إِلَيْهِ تخْتَلف قوى النَّاس فِي ادراكها وتحصلها وَإِنَّمَا كلامنا مَعكُمْ فِي أصُول علم الْأَحْكَام وَبَيَان فَسَادهَا وَكذب أَكثر الْأَحْكَام الَّتِى يسندونها إِلَيْهَا وَبَيَان أَن ضَرَر هَذَا الْعلم لَو كَانَ حَقًا أعظم من نفعة فِي

стр. 527

الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَأَن أَهله لَهُم أوفر نصيب من قَوْله إِن الَّذين اتَّخذُوا الْعجل سينالهم غضب من رَبهم وذلة فِي الْحَيَاة الدِّينَا وَكَذَلِكَ نجزى المفترين وَأهل هَذَا الْعلم أذلّ أذلّ النَّاس فِي الدُّنْيَا لَا يُمكن أحدا مِنْهُم أَن يَأْكُل رزقه بِهَذَا الْعلم إِلَّا بأعظم ذل وعزيزهم لابد أَن يتعبد وينضوى إِلَى مكاس أَو ديوَان أَو وَال يكون تَحت ظله وَفِي كنفه وسائرهم على الطرقات وَفِي كسر الحوانيت مدسسين صيدهم كل نَاقص الْعقل وَالْإِيمَان وَالدّين من صبى أَو امْرَأَة أَو حمَار فِي سلَاح آدمى أَو ذُبَاب طمع لَو لَاحَ لَهُ فِي عبَادَة الْأَصْنَام وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم لَكَانَ أول العابدين وَرَأس مَالهم الْكَذِب والزرق وَأخذ أَحْوَال السَّائِل مِنْهُ وَمن فلتات لِسَانه وهيئته وإعراضه فيخبرونه بِمَا يُنَاسب ذَلِك من الْأَحْوَال فينفعل عقله لَهُم وَيَقُول لقد أعْطى هَؤُلَاءِ عَطاء لم يُعْطه غَيرهم وتراهم فِي الْغَالِب يقْصد أحدهم قَرْيَة أَو دكانا منزويا عَن الطَّرِيق وَيُصلي فِيهِ للصَّيْد وَينصب الشّرك فَإِذا لَاحَ لَهُ بدوى أَو حيشى أَو تركماني فَإِنَّهُ يتبرك بطلعته وَيَقُول اجْلِسْ حَتَّى أبين لَك مَا يَقْتَضِيهِ نجمك وطالعك وَبَيت مَالك وَبَيت فراشك وَبَيت أفراحك وهمومك وَكم بقى عَلَيْك من الْقطع نعم مَا اسْمك وَاسم أمك وَأَبِيك فَإِذا قَالَ لَهُ اسْمه وَاسم أَبَوَيْهِ أخرج لَهُ الاصطرلاب أَو الكرة النّحاس وَقَالَ كَيفَ قلت اسْمك فَإِذا أخبرهُ ثَانِيَة قَالَ وَكَيف قلت اسْم الوالدة طول الله عمرها فَإِذا قَالَ درجت إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى قَالَ مامات من خلف مثلك ثمَّ يحْسب وَيَقُول فُلَانَة تِسْعَة وتزيد عَلَيْهَا تِسْعَة تسْقط مِنْهَا خَمْسَة يبْقى مِنْهَا أَرْبَعَة أقعد واسمع يَا أخي إِنِّي أرى عَلَيْك حجَجًا مَكْتُوبَة ووثائق وَلَا بُد لَك من الْوُقُوف بَين يدى ولى أَمر إِمَّا حَاكم واما وَال وَأرى دَمًا خَارِجا عَنْك مَا أَنْت من أَهله وَأرى نَاسا قد اجْتَمعُوا حولك وَإِن كَانَ شكل ذَلِك الرجل شكل من هُوَ من أَرْبَاب التهم قَالَ وَأرى خشبا ينصب ومسامير تضرب وجنايات تُؤْخَذ نعم يَا أخي برجك بالأسد وَهُوَ نارى مُذَكّر أخذت مِنْهُ نطاح مِقْدَام بَطل نجمك الزهرة أَنْت قَلِيل البخت عِنْد النَّاس مكفور الْإِحْسَان مَقْصُود بالأذى قل أَن صاحبت أحدا فأثمرت لَك صحبته خيرا نعم يَا أخي أسعد أيامك يَوْم الْجُمُعَة وَخير كسبك كد يدك اعْلَم أَنه لابد لَك من أسفار وغربة وركوب أهوال واقتحام اخطار وَأُمُور عِظَام أبينها لَك إِن شَاءَ الله هَات لَا تبخل على نَفسك حط يدك فِي جيبك حل الْكيس وَلَا يزَال يلكزه ويجذبه ويطمعه حَتَّى يسْتَخْرج مَا تسمح بِهِ نَفسه فَإِن رأى مِنْهُ تباطيا قَالَ عجل قبل خُرُوج هَذِه السَّاعَة السعيدة فَإِنَّهَا سَاعَة مباركة أما سَمِعت قَول نبيك يسروا وَلَا تُعَسِّرُوا فَإِذا حَاز مَا أَخذه قَالَ لَهُ زِدْنِي فَإِن أمورك كَثِيرَة وَيحْتَاج إِلَى تَعب وفكر وحساب طَوِيل فَإِذا تمّ لَهُ مَا يَأْخُذهُ مِنْهُ بقى هُوَ من جوا فكال لَهُ من جراب الْكَذِب مَا أمكنه وَلَا يبالى أكذبه أم صدقه ثمَّ يَقُول لَهُ أخي

стр. 528

برجك الْأسد وَهُوَ سهم الْعَدَاوَة والحسد وَمَا عاداك أحد قطّ وأفلح بل يظفرك الله بِهِ وينصرك عَلَيْهِ نعم وَهُوَ برج نَارِي وَالنَّار من النُّور والنور فِيهِ الْبَهْجَة وَالسُّرُور اُبْشُرْ فَأَنت طَوِيل الْعُمر لَا تَمُوت فِي هَذَا الْوَقْت عمرك من السِّتين إِلَى السّبْعين إِلَى الثَّمَانِينَ إِلَى التسعين بَيت كسبك كَذَا وَكَذَا وَأرى حَاجَة مهمة قد خرجت عَن يدك نعم بِغَيْر مرادك وَأَنت فِي غَالب أحوالك الْخَارِج عَن يدك أَكثر من الدَّاخِل فِيهَا بِاللَّه صدقت أم لَا فَيَقُول وَالله صَحِيح وَالْأَمر كَمَا قلت وَلَكِن أَحْمد الله كلما بَقِي عَلَيْك من الْقطع أَرْبَعَة أشهر وَعشرَة أَيَّام وَتخرج من نحسك وَتدْخل فِي برج سعادتك وتنجو ويخلف الله عَلَيْك بالخيرات والبركات وَلَا بُد لَك السَّاعَة من رزق يَأْتِيك الله بِهِ ويفرح بِهِ أهلك وعيلتك وَتصْلح حالك ويستقيم سعدك الثَّالِث يَا أخي من برجك الْمِيزَان وَهُوَ بَيت الإخوان سعدك يَا أخي مِنْهُم مَنْقُوص وحظك مِنْهُم منحوس غَالب من أوليته مِنْهُم خيرا جازاك بِالشَّرِّ وغالب من قلت فِيهِ الْخَيْر مِنْهُم يَقُول فِيك الشَّرّ بِاللَّه أما الْأَمر هَكَذَا وَذَلِكَ يَا أخي أَنَّك خَفِيف الدَّم كل من رآك مَال إِلَيْك وَأنس بك وَأَنت مَحْسُود تحسد فِي مَالك وَفِي عافيتك وَفِي أهلك وأولادك وكل مَا تعمله بِيَدِك وَلَكِن الْعين لَا تُؤثر فِيك لِأَن كل من برجه الْأسد لَا بُد أَن يكون لَهُ فِي رَأسه أَو جسده عَلامَة مثل شجة أَو ضَرْبَة بَين أكتافه أَو فِي سَاقه وَمَا هُوَ بعيد أَن فِي جسدك شامة أَو فِي جسمك ثلمة وَهَذَا هُوَ الَّذِي يدْفع عَنْك الْعين وَأَنت لَا تَدْرِي الرَّابِع من بروجك الْعَقْرَب وَهُوَ بَيت الْآبَاء أَرَاك كنت قَلِيل السعد بَين أَبَوَيْك وَمَعَ هَذَا فَكَانَ أَكثر ميلهم وإشفاقهم مَعَ غَيْرك هم عَلَيْك وَكَانَ حظك مِنْهُم نَاقِصا وَلَهُم تطلع إِلَى كدك وكسبك الْخَامِس من بروجك الْقوس وَهُوَ بَيت الْبَنِينَ أَرَاك قَلِيلا مَا يعِيش لَك أَوْلَاد تدفنهم كلهم ثمَّ تَمُوت أَنْت بعدهمْ بل سَوف يكون لَك ولد يشد الله بِهِ عضدك وَيُقَوِّي أَمرك وتنال من جِهَته رَاحَة وَخيرا وَرُبمَا تكون سعادتك على يَدَيْهِ السَّادِس من بروجك الجدي وَهُوَ برج أمراضك وأعلالك يَا أخي أمراضك وأسقامك كَثِيرَة وأكثرها فِي رَأسك وَرُبمَا يكون فِي أجنابك وَهِي أمراض قَوِيَّة طوال الله يعافينا وَإِيَّاك وَكنت فِي صغرك لَا ترقد فِي السرير إِلَّا بعد جهد جهيد وعهدي بك الْآن لَا ترقد فِي فراشك إِلَّا بعد شدَّة نعم وَأكْثر أمراضك فِي الصَّيف والخريف السَّابِع من بروجك الدَّلْو وَهُوَ بَيت الْفراش وَأرى فراشك خَالِيا أَثم زَوْجَة فَإِن قَالَ نعم قَالَ لَا بُد لَك من فراقها عَن قريب إِمَّا بِمَوْت وَإِمَّا بِطَلَاق فَإِن المريخ مِنْك فِي بَيت الْفراش وَإِن قَالَ لَا قَالَ عَجِيب وَالله لقد ابصرت فِي الطبائع أَن فراشك فارغ وَأرى روحا ناظرة إِلَيْك بِعَين الألفة والمحبة خطورك وخطوره عَلَيْك وَأرى لَك من قبله مَنْفَعَة وَلَك بِهِ اتِّصَال وَفَرح أبين لَك على أَي سَبَب يكون اجتماعكما نعم فَإِن قَالَ لَهُ نعم قَالَ هَات

стр. 529

فَإِن الَّذِي أَعْطَيْتنِي قَلِيل فاذا أَخذ مِنْهُ قَالَ اعْلَم أَنه لَا بُد لَك من الِاتِّصَال بِهَذَا الشَّخْص على كل حَال إِلَّا أَنِّي ارى قد عمل لَك عمل وَعقد لَك عقد وَأَنت فِي هم وغم من ذَلِك فان شِئْت عملت لَك كتابا نَافِعًا يكون لَك حرْزا من كل مَا تخافه وتحذره وَلَا يزَال يفتل لَهُ فِي الذرْوَة والقرب حَتَّى يستكتبه الْحِرْز وَكذب هَذِه الطَّائِفَة وجهلها وزرقها يَعْنِي شهرته عِنْد الْخَاصَّة والعامة عَن تَكْلِيف إِرَادَة وَكلما كَانَ المنجم أكذب وبالزرق أعرف كَانَ على الْجُهَّال أروج فصل وَأما قَوْله إِن هَذَا علم مَا خلت عَنهُ مِلَّة من الْملَل وَلَا أمة من الْأُمَم وَلَا يعرف تَارِيخ من التواريخ الْقَدِيمَة والحديثة إِلَّا وَكَانَ أهل ذَلِك الزَّمَان مشتغلين بِهَذَا الْعلم ومعولين عَلَيْهِ فِي معرفَة الْمصَالح وَلَو كَانَ هَذَا الْعلم فَاسِدا بِالْكُلِّيَّةِ لاستحال إطباق أهل الْمشرق وَالْمغْرب عَلَيْهِ فَانْظُر مَا فِي هَذَا الْكَلَام من الْكَذِب والبهت والافتراء على الْعَالم من أول بنائِهِ إِلَى آخِره فَإِن آدم وَأَوْلَاده كَانُوا بُرَآء من ذَلِك وائمتكم معترفون بِأَن أول من عرف مِنْهُ الْكَلَام فِي هَذَا الْعلم وتلقيت عَنهُ أُصُوله وأوضاعه هُوَ إِدْرِيس النَّبِي ﵇ وَكَانَ بعد بِنَاء هَذَا الْعَالم بِزَمن طَوِيل هَذَا لَو ثَبت ذَلِك عَن إِدْرِيس فَكيف وَهُوَ من الْكَذِب الَّذِي لَيْسَ مَعَ صَاحبه إِلَّا مُجَرّد القَوْل بِلَا علم وَالْكذب على رَسُول الله عَلَيْهِ وَسلم أَو لَيْسَ من الْفِرْيَة والبهت أَن ينْسب هَذَا الْعلم إِلَى أمة مُوسَى فِي زَمَنه ويعدوه بِأَنَّهُم كَانُوا معولهم فِي مصالحهم على هَذَا الْعلم وَكَذَلِكَ أمه عِيسَى وَأمة يُونُس وَالَّذين كَانُوا مَعَ نوح ونجوا مَعَه فِي السَّفِينَة وحسبك بِهَذَا الْكَذِب والافتراء على تِلْكَ الْأمة المضبوط أمرهَا الْمَحْفُوظ فعلهَا فَهَل كَانَ النَّبِي وَأَصْحَابه يعولون على هَذَا الْعلم ويعتمدون عَلَيْهِ فِي مصالحهم أَو قرن التَّابِعين يَفْعَله اَوْ قرن تابعى التَّابِعين وَهَذِه هى خِيَار قُرُون الْعَالم على الْإِطْلَاق كَمَا أَن هَذِه الْأمة خير أمة أخرجت للنَّاس وهم اعْلَم الْأُمَم واعرفها وَأكْثر كتبا وتصانيف وأعلاها شَأْنًا وأكملها فِي كل خير ورشد وَصَلَاح كَمَا ثَبت فِي المنسد وَغَيره عَن النَّبِي أَنه قَالَ أَنْتُم توفون سبعين أمة أَنْتُم خَيرهَا وَأَكْرمهَا على الله فَهَل رَأَيْت خِيَار قُرُون هَذِه الْأمة والموفقين من خلفائها وملوكها وساداتها وكبرائها معولين على هَذَا الْعلم أَو معتمدين عَلَيْهِ فِي مصالحهم وَهَذِه سيرهم مَا بعهدها من قدم وَلَا يتأتي الْكَذِب عَلَيْهِم هَذَا وَقد أعْطوا من التأييد والنصر وَالظفر بعدوهم والاستيلاء على ممالك الْعَالم مالم يظفر بِهِ أحد من المعولين على أَحْكَام النُّجُوم بل لَا تَجِد المنجمين الا ذمَّة لَهُم لَوْلَا اعتصامهم بِحَبل مِنْهُم لَقطعت حبال أَعْنَاقهم وَلَا تَجِد المعولين على هَذَا الْعلم إِلَّا مخصوصين بالخذلان والحرمان وَهَذَا لأَنهم حق عَلَيْهِم قَوْله تَعَالَى إِن الَّذين اتَّخذُوا الْعجل سينالهم غضب من رَبهم وذلة فِي الحيوة الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ تجزي المفترين قَالَ أَبُو قلَابَة هِيَ لكل مفتر من هَذَا لأممة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة نعم لَا ننكر أَن هَذَا الْعلم لَهُ طلبة مشغولون بِهِ

стр. 530

معتنون بأَمْره وَهَذَا لَا يدل على صِحَّته فَهَذَا السحر لم يزل فِي الْعَالم من يشْتَغل بِهِ ويتطلبه أعظم من اشْتِغَاله بالنجوم وَطَلَبه لَهَا بِكَثِير وتأثيره فِي النَّاس ممالا يُنكر أَفَكَانَ هَذَا دَلِيلا على صِحَّته وَهَذِه الْأَصْنَام لم تزل تعبد فِي الأَرْض من قبل نوح وَإِلَى الْآن وَلها الهياكل المبنية والسدنة وَلها الجيوش الَّتِى تقَاتل عَنْهَا وتحارب لَهَا وتختار الْقَتْل والسبي وعقوبة الله تَعَالَى وَلَا تنتهى عَنْهَا أفيدل هَذَا على صِحَة عباداتها وَإِن عبادها على الْحق وَمن الْعجب قَوْله لَو كَانَ هَذَا الْعلم فَاسِدا لاستحال أطباق أهل الْمشرق وَالْمغْرب من أول بِنَاء الْعَالم إِلَى آخِره عَلَيْهِ وَلَيْسَ فِي الْفِرْيَة أبلغ من هَذَا وَلَا فِي الْبُهْتَان أَتَرَى هَذَا الرجل مَا وقف على تأليف لأحد من أهل الْمشرق وَالْمغْرب فِي إبِْطَال هَذَا الْعلم وَالرَّدّ على أَهله فقد رَأينَا نَحن وغيرنا مَا يزِيد على مائَة مُصَنف فِي الرَّد على أَهله وَإِبْطَال أَقْوَالهم وَهَذِه كتبهمْ بأيدي النَّاس وَكثير مِنْهَا للفلاسفة الَّذين يعظمهم هَؤُلَاءِ ويرون أَنهم خُلَاصَة الْعَالم كالفارابي وَابْن سينا وَأبي البركات الأوحد وَغَيرهم وَقد حكينا كَلَامهم وَأما الردود فِي ضمن الْكتب حِين يرد على أهل المقالات فَأكْثر من أَن تذكر ولعلها أَن تزيد على عدَّة الْألف تَجِد فِي كل كتاب مِنْهَا الرَّد على هَؤُلَاءِ وَإِبْطَال مَذْهَبهم ونسبتهم إِلَى الْكَذِب والزرق وَلَو أَن مُقَابلا قابله وَقَالَ لَو كَانَ هَذَا الْعلم صَحِيحا لاستحال إطباق أهل الْمشرق وَالْمغْرب على رده وأبطاله لَكَانَ قَوْله من جنس قَوْله وَلَكِن أهل الْمشرق فيهم هَذَا وَهَذَا كَمَا يشْهد بِهِ الْحس والتواريخ الْقَدِيمَة والحديثة وَلَقَد رَأينَا من الردود الْقَدِيمَة قبل قيام الْإِسْلَام على هَؤُلَاءِ مَا يدل على أَن الْعُقَلَاء لم يزَالُوا يشْهدُونَ عَلَيْهِم بِالْجَهْلِ وَفَسَاد الْمَذْهَب وينسبونهم إِلَى الدَّعَاوَى الكاذبة والآراء الْبَاطِلَة الَّتِى لَيْسَ مَعَ أَصْحَابهَا إِلَّا القَوْل بِلَا علم ٠ فصل وَأما مَا ذكره فِي أَمر الطالع عَن الْفرس وَأَنَّهُمْ كَانُوا يعتنون بطالع مسْقط النُّطْفَة وَهُوَ طالع الأَصْل ثمَّ يحكم بِمُوجبِه حَتَّى يحكم بِعَدَد السَّاعَات الَّتِى يمكثها الْوَلَد فِي بطن أمه فَهَذَا من الْكَذِب والبهت وَمن أَرَادَ أَن يختبر كذبه فليجربه فَإِن تجربة مثل هَذَا لَيست بِمَشَقَّة وَلَا عسرة ثمَّ إِن هَذَا الواطىء لَا علم لَهُ وَلَا لأحد أَن الْوَلَد إِنَّمَا يخلق من أول وَطئه الَّذِي أنزل فِيهِ دون مَا بعده وَإِن فرض أَنه أمسك عَن وَطئهَا بعد الْمرة الأولى وحبسها بِحَيْثُ يتَيَقَّن أَن غَيره لم يقربهَا وَهَذَا فِي غَايَة الندرة لم يُمكن المنجم أَن يعلم أَحْوَال ذَلِك الْمَوْلُود وَلَا تفاصيل أمره الْبَتَّةَ ومدعى ذَلِك مجاهر بِالْكَذِبِ والبهت وَقد اعْترف الْقَوْم بِأَن طالع الْولادَة مستعار لَا يُفِيد شَيْئا لِأَن الْوَلَد لَا يحدث فِي ذَلِك الْوَقْت وَإِنَّمَا ينْتَقل من مَكَان إِلَى مَكَان وَقد اعْتَرَفُوا بِأَن ضَبطه متعسر جدا بل مُتَعَذر فَإِن فِي اللحظة الْوَاحِدَة من اللحظات تَتَغَيَّر نصبة الْفلك تغيرا لَا يضْبط وَلَا يُحْصِيه

стр. 531

إِلَّا الله وَلَا ريب أَن الطالع يتَغَيَّر بذلك تغيرا عَظِيما لَا يُمكن ضَبطه وَقد اعْتَرَفُوا هم بِهَذَا وَأَن سَبَب هَذَا التَّفَاوُت يحِيل أحكامهم واعترفوا بِأَنَّهُ لَا سَبِيل إِلَى الِاحْتِرَاز من ذَلِك فأى وثوق لعاقل بِهَذَا الْعلم بعد هَذَا كُله وَقد بَينا أَن غَايَة هَذَا لوصح وَسلم من الْخلَل جَمِيعه وَلَا سَبِيل إِلَيْهِ لَكَانَ جُزْء السَّبَب وَالْعلَّة وَالْحكم لَا يُضَاف إِلَى جُزْء سَببه ثمَّ لَو كَانَ سَببا تَاما فصوارفه وموانعه لَا تدخل تَحت الضَّبْط الْبَتَّةَ وَالْحكم إِنَّمَا يُضَاف إِلَى وجود سَببه التَّام وانتقاء مانعه وَهَذِه الْأَسْبَاب والموانع مِمَّا لاتدخل تَحت حصر وَلَا ضبط إِلَّا لمن أحصى كل شَيْء عددا وأحاط بِكُل شَيْء علما لَا إِلَه هُوَ علام الغيوب فَلَو ساعدناهم على صِحَة أصُول هَذَا الْعَالم وقواعده لكَانَتْ أحكامهم بَاطِلَة وَهِي أَحْكَام بِلَا علم لما ذَكرْنَاهُ من تعذر الْإِحَاطَة بِمَجْمُوع الْأَسْبَاب وَانْتِفَاء الْمَوَانِع وَلِهَذَا كثيرا مَا يجمعُونَ على حكم من أحكامهم الكاذبه فَيَقَع الْأَمر بِخِلَافِهِ كَمَا تقدم وَأما تِلْكَ الحكايات المتضمنة لإصابتهم فِي بعض الْأَحْوَال فليسبب بِأَكْثَرَ من الحكايات عَن أَصْحَاب الْكَشْف والفأل وزجر والطائر وَالضَّرْب بالحصى والطرق والعيافة وَالْكهَانَة والخط والحدس وَغَيرهَا من عُلُوم الْجَاهِلِيَّة وأعنى بالجاهلية كل من لَيْسَ من أَتبَاع الرُّسُل كالفلاسفة والمنجمين والكهان وجاهلية الْعَرَب الَّذين كَانُوا قبل النَّبِي فَأن هَذِه كَانَت علوما لقوم لَيْسَ لَهُم علم بِمَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل وَمن هَؤُلَاءِ من يزْعم أَنه يَأْخُذ من الْحُرُوف علم الْمَكَان وَلَهُم فِي ذَلِك تصانيف وَكتب حَتَّى يَقُولُونَ إِذا أردْت معرفَة مَا فِي رُؤْيا السَّائِل من خير أَو شَرّ فَخذ أول حرف من كَلَامه الَّذِي يكلمك بِهِ وَفسّر رُؤْيَاهُ على معنى ذَلِك الْحَرْف فَإِن كَانَ أول مَا نطق بِهِ بَاء فرؤياه لِأَن الْبَاء من الْبَهَاء من الْخَيْر أَلا ترَاهَا فِي الْبر وَالْبركَة وبلوغ الآمال والبقاء والبشارة وَالْبَيَان وَالْبخْت فَإِذا كَانَ أول حرف من كَلَامه بَاء فَاعْلَم أَنه قد عاين مَا أبهاه وبشره من الْخيرَات وَإِن كَانَ أول كَلَامه تَاء فقد بشر بالتمام والكمال وَإِن كَانَ ثاء فبشره بالأثاث وَالْمَتَاع لقَوْله تَعَالَى هم أحسن أثاثا ورئيا ثمَّ قَالُوا فَعَلَيْك بِهَذِهِ الأحرف الثَّلَاثَة فَلَيْسَ شَيْء يَخْلُو مِنْهَا ويجاوزها وَإِذا تَأَمَّلت جهل هَؤُلَاءِ رايته شَدِيدا فَكيف حكمُوا على الْبَاء بالبهاء وَالْبركَة دون الْبَأْس والبغى والبين وَالْبَلَاء والبوار والبعد وَكَيف حكمُوا على الثَّاء بالأثاث دون الثّقل والثقل والشلب وَنَحْوه وَكَذَلِكَ استدلاله بِأول مَا يَقع بَصَره عَلَيْهِ كَمَا حكى عَن أبي معشر أَنه وقف هُوَ وَصَاحب لَهُ على وَاحِد من هَؤُلَاءِ وَكَانَا سائرين فِي خلاص مَحْبُوس فَسَأَلَاهُ فَقَالَ أَنْتُمَا فِي طلب خلاص مسجون فعجبا من ذَلِك فَقَالَ لَهُ أَبُو معشر هَل يخلص أم لَا فَقَالَا تذهبان تلتقيانه قد خلص فوجدا الْأَمر كَمَا قَالَ فاستدعاه أَبُو معشر وأكرمه وتلطف لَهُ فِي السُّؤَال عَن كَيْفيَّة علم ذَلِك فَقَالَ نَحن نَأْخُذ الفأل بِالْعينِ وَالنَّظَر فَينْظر أَحَدنَا إِلَى الأَرْض ثمَّ يرفع رَأسه فَأول شَيْء يَقع نظره عَلَيْهِ يكون الحكم بِهِ فَلَمَّا سألتماني كَانَ أول مَا رَأَيْت مَاء فِي قربَة فَقلت

стр. 532

هَذَا مَحْبُوس ثمَّ لما سألتماني فِي الثَّانِيَة نظرت فَإِذا هُوَ أفرغ من الْقرْبَة فَقلت يخلص ويصيب تَارَة ويخطىء تَارَة وَمن هَذَا أَخذ بَعضهم الْجَواب عَن التفاؤل بِالْأَيَّامِ فَإِذا رأى أحد رُؤْيا مثلا يَوْم أحد أَو ابْتَدَأَ فِيهِ امرا قَالَ حِدة وَقُوَّة وَإِن كَانَ يَوْم الْجُمُعَة قَالَ اجْتِمَاع والفة وَإِن كَانَ يَوْم سبت قَالَ قطع وَفرْقَة وَمن هَذَا اسْتِدْلَال الْمَسْئُول بِالْمَكَانِ الَّذِي يضع السَّائِل يَده عَلَيْهِ من جسده وَقت السُّؤَال فَإِن وضع يَده على رَأسه فَهُوَ رئيسه وكبيره وَالرّجلَيْنِ قوامه وَالْأنف بِنَاء مُرْتَفع أَو تل أَو نَحوه والفم بِئْر عذبة اللِّحْيَة أَشجَار وزروع وعَلى هَذَا النَّحْو من ذَلِك مَا حكى عَن المهدى أَنه رأى رُؤْيا وأنسيها فَأصْبح مغتما بهَا فَدلَّ على رجل كَانَ يعرف الزّجر والفأل وَكَانَ حاذقا بِهِ واسْمه خويلد فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ أخبرهُ بِالَّذِي أَرَادَهُ لَهُ فَقَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ صَاحب الزّجر والفأل ينظر إِلَى الْحَرَكَة وأخطار النَّاس فَغَضب الْمهْدي وَقَالَ سُبْحَانَ الله أحدكُم يذكر بِعلم وَلَا يدْرِي مَا هُوَ وَمسح يَده على رَأسه وَوَجهه وَضرب بهَا على فَخذه فَقَالَ لَهُ أخْبرك برؤياك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ هَات قَالَ رَأَيْت كَأَنَّك صعدت جبلا فَقَالَ الْمهْدي لله ابوك يَا سحار صدقت قَالَ مَا أَنا بساحر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ غير أَنَّك مسحت بِيَدِك على رَأسك فزجرت لَك وَعلمت أَن الرَّأْس لَيْسَ فَوْقه أحد إِلَّا السَّمَاء فَأَوَّلْته بِالْجَبَلِ ثمَّ نزلت بِيَدِك إِلَى جبهتك فزجرت لَك بنزولك إِلَى أَرض ملساء فِيهَا عينان مالحتان ثمَّ انحدرت إِلَى سفح الْجَبَل فَلَقِيت رجلا من فخذك قُرَيْش لِأَن أَمِير الْمُؤمنِينَ مسح بعد ذَلِك بِيَدِهِ على فَخذه فَعلمت أَن الرجل الَّذِي لقِيه من قرَابَته قَالَ صدقت وَأمر لَهُ بِمَال وَأمر أَن لَا يحجب عَنهُ وَمن ذَلِك هَؤُلَاءِ أَصْحَاب الطير السانح والبارح والقعيد والناطح وأصل هَذَا أَنهم كَانُوا يزجرون الطير والوحش ويثيرونها فَمَا تيامن مِنْهَا وَأخذ ذَات الْيَمين سموهُ سانحا وَمَا تياسر مِنْهَا سموهُ بارحا وَمَا اسْتَقْبَلَهُمْ مِنْهَا فَهُوَ الناطح وَمَا جَاءَهُم من خَلفهم سموهُ القعيد فَمن الْعَرَب من يتشاءم بالبارح ويتبرك بالسانح وَمِنْهُم من يرى خلاف ذَلِك قَالَ الْمَدَائِنِي سَأَلت رؤبة بن العجاج مَا السانح قَالَ مَا ولاك ميامنه قَالَ قلت فَمَا البارح قَالَ مَا ولاك مياسره قَالَ وَالَّذِي يَجِيء من قدامك فَهُوَ الناطح والنطيح وَالَّذِي يجىء من خَلفك فَهُوَ الْقَاعِد والقعيد وَقَالَ الْمفضل الضَّبِّيّ البارح مَا يَأْتِيك عَن الْيَمين يُرِيد يسارك والسانح مَا يَأْتِيك عَن الْيَسَار فيمر على الْيَمين وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي مراتبها ومذاهبها لِأَنَّهَا خواطر وحدوس وتخمينات لَا أصل لَهَا فَمن تبرك بِشَيْء مدحه وَمن تشاءم بِهِ ذمه وَمن اشْتهر بِإِحْسَان الزّجر عِنْدهم ووجوهه حَتَّى قَصده النَّاس بالسؤال عَن حوادثهم وَمَا أَملوهُ من أَعْمَالهم سموهُ عائفا وعرافا وَقد كَانَ فِي الْعَرَب جمَاعَة يعْرفُونَ بذلك كعراف الْيَمَامَة والأبلق الأسيدى وَالْأَجْلَح وَعُرْوَة بن يزِيد وَغَيرهم فَكَانُوا يحكمون بذلك ويعملون بِهِ ويتقدمون ويتأخرون فِي جَمِيع مَا يَتَقَلَّبُونَ فِيهِ ويتصرفون فِي حَال الْأَمْن وَالْخَوْف وَالسعَة والضيق وَالْحَرب وَالسّلم فان أنجحوا

стр. 533

فِيمَا يتفاءلون بِهِ مدحوه وداوموا عَلَيْهِ وَإِن عطبوا فِيهِ تَرَكُوهُ وذموه وَمِنْهُم من أنكرها بعقله وأبطل تأثيرها بنظره وذم من اغتربها وَاعْتمد عَلَيْهَا وتوهم تأثيرها فَمنهمْ الرقشى حَيْثُ يَقُول: وَلَقَد غَدَوْت وَكنت لَا ... أغدو عل واق وحاتم فَإِذا الاشائم كالأيا ... من والأيامن كالأشائم وكذاك لَا خير وَلَا ... شَرّ على أحد بدائم لَا يمنعنك من بغا ... ء الْخَيْر تعقاد التمائم قد خطّ ذَلِك فِي السطو ... ر الأوليات القدائم وَقَالَ جهم الْهُذلِيّ: ألم تَرَ أَن العائفين وَإِن جرت ... لَك الطير عَمَّا فِي غذ عُمْيَان يظنان ظنا مرّة يخطيانه ... وَأُخْرَى على بعض الَّذِي يصفان قضى الله أَن لَا يعلم الْغَيْب غَيره ... فَفِي أَي أَمر الله يمتريان وَقَالَ آخر: وَمَا أَنا مِمَّن يزْجر الطير همه ... أطار غراب أم تعرض ثَعْلَب وَلَا السانحات البارحات عَشِيَّة ... أَمر سليم الْقرن أم مر أعضب وَقَالَ آخر يمدح منكرها: وَلَيْسَ بهياب إِذا ش ... لَهُ يَقُول عداني الْيَوْم واق وحاتم وَلكنه يمْضِي على ذَاك مقدما ... إِذا حاد عَن تِلْكَ الهنات الختارم يَعْنِي بالواق الصرد وبالحاتم الْغُرَاب سموهُ حاتما لِأَنَّهُ كَانَ عِنْدهم يحتم بالفراق والختارم الْعَاجِز الضَّعِيف الرَّأْي المتطير وَقد شفى النَّبِي أمته فِي الطَّيرَة حَيْثُ سُئِلَ عَنْهَا فَقَالَ ذَاك شَيْء يجده أحدكُم فَلَا يصدنه وَفِي أثر آخر إِذا تطيرت فَلَا ترجع أَي أمض لما قصدت لَهُ وَلَا يصدنك عَنهُ الطَّيرَة وَاعْلَم أَن التطير إِنَّمَا يضر من أشْفق مِنْهُ وَخَافَ وَأما من لم يبال بِهِ وَلم يعبأ بِهِ شَيْئا لم يضرّهُ الْبَتَّةَ وَلَا سِيمَا أَن قَالَ عِنْد رُؤْيَة مَا يتطير بِهِ أَو سَمَاعه اللَّهُمَّ لَا طير إِلَّا طيرك وَلَا خير إِلَّا خيرك وَلَا إِلَه غَيْرك اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْت وَلَا يذهب بالسيئات إِلَّا أَنْت وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بك فالطيرة بَاب من الشّرك والقاء الشَّيْطَان وتخويفه ووسوسته يكبر ويعظم شَأْنهَا على من اتبعها نَفسه واشتغل بهَا وَأكْثر الْعِنَايَة بهَا وَتذهب وتضمحل عَمَّن لم يلْتَفت إِلَيْهَا وَلَا القى إِلَيْهَا باله وَلَا شغل بهَا نَفسه وفكره وَاعْلَم أَن من كَانَ معتنيا بهَا قَائِلا بهَا كَانَت إِلَيْهِ أسْرع من السَّيْل الى منحدر فتحت لَهُ

стр. 534

أَبْوَاب الوساوس فِيمَا يسمعهُ وَيَرَاهُ ويعطاه وَيفتح لَهُ الشَّيْطَان فِيهَا من المناسبات الْبَعِيدَة والقريبة فِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى مَا يفْسد عَلَيْهِ دينه وينكد عَلَيْهِ عيشه فَإِذا سمع سفر جلا أَو أهْدى إِلَيْهِ تطير بِهِ وَقَالَ سفر وجلاء وَإِذا رأى ياسمينا أَو سمع اسْمه تطير بِهِ وَقَالَ يأس ومين وَإِذا رأى سوسنة أَو سَمعهَا قَالَ سوء يبْقى سنه وَإِذا خرج من دَاره فَاسْتَقْبلهُ أَعور أَو أشل أَو أعمى أَو صَاحب آفَة تطير بِهِ وتشاءم بيومه ويحكى عَن بعض الْوُلَاة أَنه خرج فِي بعض الْأَيَّام لبَعض مهماته فَاسْتَقْبلهُ رجل أَعور فتطير بِهِ وَأمر بِهِ إِلَى الْحَبْس فَلَمَّا رَجَعَ من مهمه وَلم يلق شرا أَمر باطلاقه فَقَالَ لَهُ سَأَلتك بِاللَّه مَا كَانَ جرمى الذى حبستنى لأَجله فَقَالَ لَهُ الوالى لم يكن لَك عندنَا جرم وَلَكِن تطيرت بك لما رَأَيْتُك فَقَالَ فَمَا أصبت فِي يَوْمك برؤيتى فَقَالَ مِمَّا لم ألق إِلَّا خيرا فَقَالَ أَيهَا الْأَمِير أَنا خرجت من منزلى فرايتك فَلَقِيت فِي يومى الشَّرّ وَالْحَبْس وَأَنت رأيتنى فَلَقِيت فِي يَوْمك الْخَيْر وَالسُّرُور فَمن أشأمنا والطيرة بِمن كَانَت فاستحيا مِنْهُ الوالى وَوَصله وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الزجاجى لم أر أَشد تطيرا من ابْن الرومى الشَّاعِر وَكَانَ قد تجَاوز الْحَد فِي ذَلِك فعاتبته يَوْمًا على ذَلِك فَقَالَ يَا أَبَا الْقَاسِم الفأل لِسَان الزَّمَان والطيرة عنوان الْحدثَان وَهَذَا جَوَاب من استحكمت علته فعجز عَنْهَا وَهُوَ أَيْضا بِمَنْزِلَة من قد غلبته الوساوس فِي الطَّهَارَة فَلَا يلْتَفت إِلَى علم وَلَا إِلَى نَاصح وَهَذِه حَال من تقطعت بِهِ أَسبَاب التَّوَكُّل وتقلص عَنهُ لِبَاسه بل تعرى مِنْهُ وَمن كَانَ هَكَذَا فالبلايا إِلَيْهِ أسْرع والمصائب بِهِ أعلق والمحن لَهُ ألزم بِمَنْزِلَة صَاحب الدمل والقرحة الذى يهدى إِلَى قُرْحَته كل مؤذ وكل مصادم فَلَا يكَاد يصدم من جسده اَوْ يصاب غَيرهَا والمتطير مُتْعب الْقلب منكد الصَّدْر كاسف البال سيء الْخلق يتخيل من كل مَا يرَاهُ أَو يسمعهُ أَشد النَّاس خوفًا وأنكدهم عَيْشًا وأضيق النَّاس صَدرا وأحزنهم قلبا كثير الِاحْتِرَاز والمراعاة لما لَا يضرّهُ وَلَا يَنْفَعهُ وَكم قد حرم نَفسه بذلك من حَظّ ومنعها من رزق وَقطع عَلَيْهَا من فَائِدَة وَيَكْفِيك من ذَلِك قصَّة النَّابِغَة مَعَ زِيَاد بن سيار الفزارى حِين تجهز إِلَى الْغَزْو فَلَمَّا أَرَادَ الرحيل نظر النَّابِغَة إِلَى جَرَادَة قد سَقَطت عَلَيْهِ فَقَالَ جَرَادَة تجرد وَذَات ألوان عَزِيز من خرج من هَذَا الْوَجْه وَنفذ زِيَاد لوجهه وَلم يتطير فَلَمَّا رَجَعَ زِيَاد سالما غانما أنشأ يَقُول ٠ تخير طيرة فِيهَا زِيَاد ... ليخبره وَمَا فِيهَا خَبِير أَقَامَ كَانَ لُقْمَان بن عَاد ... أَشَارَ لَهُ بِحِكْمَتِهِ مشير تعلم أَنه لَا طير إِلَّا ... على متطير وَهُوَ الثبور بلَى شىء يُوَافق بعض شَيْء ... أحيايينا وباطله كثير وَلم يحك الله التطير إِلَّا عَن أَعدَاء الرُّسُل كَمَا قَالُوا لرسلهم انا تطيرنا بكم لَئِن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عَذَاب أَلِيم قَالُوا طائركم مَعكُمْ أئن ذكرْتُمْ بل أَنْتُم قوم مسرفون

стр. 535

وَكَذَلِكَ حكى الله سُبْحَانَهُ عَن قوم فِرْعَوْن فَقَالَ فَإِذا جَاءَتْهُم الْحَسَنَة قَالُوا لنا هَذِه وَأَن تصبهم سَيِّئَة يطيروا بمُوسَى وَمن مَعَه أَلا إِنَّمَا طائرهم عِنْد الله حَتَّى إِذا أَصَابَهُم الخصب وَالسعَة والعافية قَالُوا لنا هَذِه أى نَحن الجديرون الحقيقون بِهِ وَنحن أَهله وَإِن أَصَابَهُم بلَاء وضيق وقحط وَنَحْوه قَالُوا هَذَا بِسَبَب مُوسَى وَأَصْحَابه أصبْنَا بشؤمهم ونفض علينا غبارهم كَمَا يَقُوله المتطير لمن يتطير بِهِ فَأخْبر سُبْحَانَهُ أَن طائرهم عِنْده كَمَا قَالَ تَعَالَى عَن أَعدَاء رَسُوله وَإِن تصبهم حَسَنَة يَقُولُوا هَذِه من عِنْد الله وَأَن تصبهم سَيِّئَة يَقُولُوا هَذِه من عنْدك فَهَذِهِ ثَلَاثَة مَوَاضِع حكى فِيهَا التطير عَن أعدائه وَأجَاب سُبْحَانَهُ عَن تطيرهم بمُوسَى وَقَومه بِأَن طائرهم عِنْد الله لَا بِسَبَب مُوسَى وَأجَاب عَن تطير أَعدَاء رَسُول الله بقوله قل كل من عِنْد الله وَأجَاب عَن الرُّسُل بقوله إِلَّا طائركم مَعكُمْ وَأما قَوْله أَلا إِنَّمَا طائركم عِنْد الله فَقَالَ ابْن عَبَّاس طائرهم مَا قضى عَلَيْهِم وَقدر لَهُم وَفِي رِوَايَة شؤمهم عِنْد الله وَمن قبله أى إِنَّمَا جَاءَهُم الشؤم من قبله بكفرهم وتكذيبهم بآياته وَرُسُله وَقَالَ أَيْضا ان الأزراق والأقدار تتبعكم وَهَذِه كَقَوْلِه تَعَالَى وكل إِنْسَان ألزمناه طَائِره فِي عُنُقه وَنخرج أى مَا يطير لَهُ من الْخَيْر وَالشَّر فَهُوَ لَازم لَهُ فِي عُنُقه وَالْعرب تَقول جرى لَهُ الطَّائِر بِكَذَا من الْخَيْر وَالشَّر قَالَ أَبُو عُبَيْدَة الطَّائِر عِنْدهم الْحَظ وَهُوَ الذى تسميه الْعَامَّة البخت يَقُولُونَ هَذَا يطير لفُلَان أى يحصل لَهُ قلت وَمِنْه الحَدِيث فطار لنا عُثْمَان بن مَظْعُون أى أَصَابَنَا بِالْقُرْعَةِ لما اقترع الْأَنْصَار على نزُول الْمُهَاجِرين عَلَيْهِم وَفِي حَدِيث رويفع ابْن ثَابت حَتَّى أَن أَحَدنَا ليطير لَهُ النصل والريش وَالْآخر الْقدح أى يحصل لَهُ بِالشّركَةِ فِي الْغَنِيمَة وَقيل فِي قَوْله تَعَالَى وكل إِنْسَان ألزمناه طَائِره فِي عُنُقه أَن الطَّائِر هَهُنَا هُوَ الْعَمَل قَالَه الْفراء وَهُوَ يتَضَمَّن الرَّد على نَفَاهُ الْقدر وَخص الْعُنُق بذلك من بَين سَائِر أَجزَاء الْبدن لِأَنَّهَا مَحل الطوق الَّذِي يطوقه الْإِنْسَان فِي عُنُقه فَلَا يَسْتَطِيع فكاكه وَمن هَذَا يُقَال إِثْم هَذَا فِي عُنُقك وَافْعل كَذَا واثمه فِي عنقِي وَالْعرب تَقول طوقها طوق الْحَمَامَة وَهَذَا ربقة فِي رقبته وَعَن الْحسن بن آدم لتنظر لَك صحيفَة إِذا بعثت قلدتها فِي عُنُقك فخصوا الْعُنُق بذلك لِأَنَّهُ مَوضِع القلادة والتميمة واستعمالهم التَّعَالِيق فِيهَا كثير كَمَا خصت الأيدى بِالذكر فِي نَحْو بِمَا كسبت أيدكم بِمَا قدمت يداك وَنَحْوه وَقيل الْمَعْنى أَن الشؤم الْعَظِيم هُوَ الَّذِي لَهُم عِنْد الله من عَذَاب النَّار وَهُوَ الَّذِي أَصَابَهُم فِي الدُّنْيَا وَقيل الْمَعْنى أَن سَبَب شؤمهم عِنْد الله وَهُوَ عَمَلهم الْمَكْتُوب عِنْده الَّذِي يجرى عَلَيْهِ مَا يسوؤهم ويعاقبون عَلَيْهِم بعد مَوْتهمْ بِمَا وعدهم الله وَلَا طَائِر أشأم من هَذَا وَقيل حظهم ونصيبهم وَهَذَا لَا يُنَاقض قَول الرُّسُل طائركم مَعكُمْ أى حظكم وَمَا نالكم من خير وَشر مَعكُمْ بِسَبَب أفعالكم وكفركم ومخالفتكم الناصحين لَيْسَ هُوَ من أجلنا وَلَا بسببنا بل ببغيكم

стр. 536

وعدوانكم فطائر الباغى الظَّالِم مَعَه وَهُوَ عِنْد الله كَمَا قَالَ تَعَالَى وَأَن تصبهم سَيِّئَة يَقُولُوا هَذِه من عنْدك قل كل من عِنْد الله فَمَا لهَؤُلَاء الْقَوْم لَا يكادون يفقهُونَ حَدِيثا وَلَو فقهوا اَوْ فَهموا لما تطيروا بِمَا جِئْت بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول مَا يقتضى الطَّيرَة فَإِنَّهُ كُله خير مَحْض لَا شَرّ فِيهِ وَصَلَاح لَا فَسَاد فِيهِ وَحكمه لَا عَبث فِيهَا وَرَحْمَة لاجور فِيهَا فَلَو كَانَ هَؤُلَاءِ الْقَوْم من أهل الْفَهم والعقول السليمة لم يتطيروا من هَذَا فَإِن الطَّيرَة إِنَّمَا تكون بِالشَّرِّ لَا بِالْخَيرِ الْمَحْض والمصلحة وَالْحكمَة وَالرَّحْمَة وَلَيْسَ فِيمَا أتيتهم بِهِ لَو فَهموا مَا يُوجب تطيرهم بل طائرهم مَعَهم بِسَبَب كفرهم وشركهم وبغيهم وَهُوَ عِنْد الله كَسَائِر حظوظهم وأنصبائهم الَّتِى يتناولوها مِنْهُ باعمالهم وكسبهم وَيحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى طائركم مَعكُمْ أى رَاجع عَلَيْكُم فالطير الَّذِي حصل لكم إِنَّمَا يعود عَلَيْكُم وَهَذَا من بَاب الْقصاص فِي الْكَلَام مثل قَوْله فِي الحَدِيث أَخذنَا فالك من فِيك وَنَظِيره قَول النَّبِي إِذا سلم عَلَيْكُم أهل الْكتاب فَقولُوا وَعَلَيْكُم فعلى هَذَا معنى طائركم مَعكُمْ اى تصيبكم طيرتكم الَّتِى تطيرتم بهَا لأَنهم اعتقدوا الشؤم فِيهَا وَلَا شُؤْم فِيهَا الْبَتَّةَ فَقيل لَهُم الشؤم مِنْكُم وَهُوَ نَازل بكم فَتَأَمّله وَهَذَا يشبه قَوْله تَعَالَى وَقد مكروا مَكْرهمْ وَعند الله مَكْرهمْ وَإِن كَانَ مَكْرهمْ لنزول مِنْهُ الْجبَال قيل جَزَاء مَكْرهمْ عِنْده فمكر بهم كَمَا مكا مكروا برسله ومكره تَعَالَى بهم إِنَّمَا كَانَ بِسَبَب مَكْرهمْ فَهُوَ مَكْرهمْ عَاد عَلَيْهِم وكيدهم عَاد عَلَيْهِم فَهَكَذَا طيرتهم عَادَتْ عَلَيْهِم وحلت بهم وسمى جَزَاء الْمَكْر مكرا وَجَزَاء الكيد كيدا تَنْبِيها على أَن الْجَزَاء من جنس الْعَمَل وَلما ذكر سُبْحَانَهُ أَن مَا أَصَابَهُم من حَسَنَة وسيئة أى نعْمَة ومحنة فَالْكل مِنْهُ تَعَالَى بِقَضَائِهِ وَقدره فكأنهم قَالُوا فَمَا بالك أَنْت تصبيك الْحَسَنَات والسيئات كَمَا تصيبنا فَذكر سُبْحَانَهُ أَن مَا أَصَابَهُ من حَسَنَة فَمن الله من بهَا عَلَيْهِ وأنعم بهَا عَلَيْهِ وَمَا أَصَابَهُ من سَيِّئَة فَمن نَفسه أى بِسَبَب من قبله أى لَا لنَقص مَا جَاءَ بِهِ وَلَا لشر فِيهِ وَلَا لشؤم يقتضى أَن تصيبه السَّيئَة بل بِسَبَب من نَفسه وَمن قبله وَقد قيل فِي قَوْله تَعَالَى طائركم عِنْد الله بل أَنْتُم قوم تفتنون أَن طائرهم هَهُنَا هُوَ السَّبَب الَّذِي يجىء فِيهِ خَيرهمْ وشرهم فَهُوَ عِنْد الله وَحده وَهُوَ قدره وقسمه إِن شَاءَ رزقكم وعافاكم وَإِن شَاءَ حرمكم وابتلاكم وَمن هَذَا قَالُوا طَائِر الله لَا طَائِر كلبى قدر الله الْغَالِب الَّذِي يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ وَيصرف السَّيِّئَات وَمِنْه اللَّهُمَّ لَا طير إِلَّا طيرك وَلَا خير إِلَّا خيرك وَلَا إِلَه غَيْرك وعَلى هَذَا فَالْمَعْنى بطائركم نصيبكم وحظكم الَّذِي يطيركم وَمن فسره بِالْعَمَلِ فَالْمَعْنى طائركم الَّذِي طَار عَنْكُم من أَعمالكُم بِهَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ فسر معنى قَوْله تَعَالَى وكل إِنْسَان ألزمناه طَائِره فِي عُنُقه وَأَنه مَا طَار عَنهُ من عمله أَو صَار لَازِما لَهُ مِمَّا قضى الله عَلَيْهِ وَقدر عَلَيْهِ وَكتب لَهُ من الرزق وَالْأَجَل والشقاوة والسعادة ٠ فصل وَقد ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي أَنه قَالَ فِي وصف

стр. 537

السّبْعين ألفا الَّذين يدْخلُونَ الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب أَنهم الَّذين لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يسْتَرقونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ زَاد مُسلم وَحده وَلَا يرقون فَسمِعت شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية يَقُول هَذِه الزِّيَادَة وهم من الراوى لم يقل النَّبِي وَلَا يرقون لِأَن الراقي محسن إِلَى أَخِيه وَقد قَالَ النَّبِي وَقد سُئِلَ عَن الرقي فَقَالَ من اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن ينفع أَخَاهُ فلينفعه وَقَالَ لَا بَأْس بالرقي مالم يكن شركا وَالْفرق بَين الراقي والمسترقي أَن المسترقي سَائل مسْقط ملتفت إِلَى غير الله بِقَلْبِه والراقي محسن نَافِع قلت وَالنَّبِيّ لَا يَجْعَل ترك الْإِحْسَان الْمَأْذُون فِيهِ سَببا للسبق إِلَى الْجنان وَهَذَا بِخِلَاف ترك الإسترقاء فَإِنَّهُ توكل على الله ورغبة عَن سُؤال غَيره ورضاء بِمَا قَضَاهُ وَهَذَا شَيْء وَهَذَا شَيْء وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي لَا عدوى وَلَا طيرة وَأحب الفال الصَّالح وَنَحْوه من حَدِيث انس وَهَذَا يحْتَمل أَن يكون نفيا وَأَن يكون نهيا أى لَا تطيروا وَلَكِن قَوْله فِي الحَدِيث وَلَا عدوى وَلَا صفر وَلَا هَامة يدل على أَن المُرَاد النفى وَإِبْطَال هَذِه الْأُمُور الَّتِى كَانَت الْجَاهِلِيَّة تعانيها وَالنَّفْي فِي هَذَا أبلغ من النهى لِأَن النَّفْي يدل على بطلَان ذَلِك وَعدم تَأْثِيره والنهى إِنَّمَا يدل على الْمَنْع مِنْهُ وَقد روى ابْن مَاجَه فِي سنَنه من حَدِيث سُفْيَان عَن سَلمَة عَن عِيسَى بن عَاصِم عَن ذَر عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ قَالَ رَسُول الله الطَّيرَة شرك وَمَا منا وَلَكِن الله يذهبه بالتوكل وَهَذِه اللَّفْظَة وَمَا منا إِلَى آخِره مدرجة فِي الحَدِيث لَيست من كَلَام النَّبِي كَذَلِك قَالَه بعض الْحفاظ وَهُوَ الصَّوَاب فَإِن الطَّيرَة نوع من الشّرك كَمَا هُوَ فِي أثر مَرْفُوع من ردته الطَّيرَة فقد قَارن الشّرك وَفِي أثر من أرجعته الطَّيرَة من حَاجَة فقد أشرك قَالُوا وَمَا كَفَّارَة ذَلِك قَالَ أَن يَقُول أحدكُم اللَّهُمَّ لَا طير إِلَّا طيرك وَلَا خير إِلَّا خيرك وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث مُعَاوِيَة بن الحكم السلمى أَنه قَالَ يَا رَسُول الله وَمنا أنَاس يَتَطَيَّرُونَ فَقَالَ ذَلِك شَيْء يجده أحدكُم فِي نَفسه فَلَا يصدنه فَأخْبر أَن تأذية وتشاؤمه بالتطير إِنَّمَا هُوَ فِي نَفسه وعقيدته لافي المتطير بِهِ فوهمه وخوفه وإشراكه هُوَ الَّذِي يطيره ويصده لَا مَا رَآهُ وسَمعه فأوضح لأمته الْأَمر وَبَين لَهُم فَسَاد الطَّيرَة ليعلموا أَن الله سُبْحَانَهُ لم يَجْعَل لَهُم عَلَيْهَا عَلامَة وَلَا فِيهَا دلَالَة وَلَا نصبها سَببا لما يخافونه ويحذرونه لتطمئن قُلُوبهم ولتسكن نُفُوسهم إِلَى وحدانيتة تَعَالَى الَّتِى أرسل بهَا رسله وَأنزل بهَا كتبه وَخلق لأَجلهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض وَعمر الدَّاريْنِ الْجنَّة وَالنَّار فبسبب التَّوْحِيد وَمن أَجله جعل الْجنَّة دَار التَّوْحِيد وموجباته وحقوقه وَالنَّار دَار الشّرك وَلَو ازمه وموجباته فَقطع علق الشّرك من قُلُوبهم لِئَلَّا يبْقى فِيهَا علقَة مِنْهَا وَلَا يتلبسوا بِعَمَل من أَعمال أَهله الْبَتَّةَ وَفِي الحَدِيث الْمَعْرُوف أَقُول

стр. 538

على مكانتها قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي الْغَرِيب أَرَادَ لَا تزجروها وَلَا تلتفتوا إِلَيْهَا أقروها على موَاضعهَا الَّتِي جعلهَا الله لَهَا وَلَا تتعدوا ذَلِك إِلَى غَيره أَي أَنَّهَا لَا تضر وَلَا تَنْفَع وَقَالَ غَيره الْمَعْنى أقروها على أمكنتها فَإِنَّهُم كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا أَرَادَ أحدهم سفرا أَو امرا من الْأُمُور أثار الطير من أوكارها لينْظر أَي وَجه تسلك وَإِلَى نَاحيَة تطير فان خرجت ذَات الْيَمين خرج لسفره وَمضى لأَمره وَإِن أخذت ذَات الشمَال رَجَعَ وَلم يمض فَأَمرهمْ أَن يقروها فِي أمكنتها وأبطل فعلهم ذَلِك ونهاهم عَنهُ كَمَا أبطل الاستقسام بالأزلام وَقَالَ ابْن جرير معنى ذَلِك أقرُّوا الطير الَّتِي تزجرونها فِي موَاضعهَا المتمكنة فِيهَا الَّتِي هِيَ لَهَا مُسْتَقر وامضوا لأموركم فان زجركم إِيَّاهَا غير مجد عَلَيْكُم نفعا وَلَا دَافع عَنْكُم ضَرَرا وَقَالَ آخَرُونَ هَذَا تَصْحِيف من الروَاة وَخطأ مِنْهُم وَلَا يعرف المكنات إِلَّا أَسمَاء الْبيض الضباب دون غَيرهَا قَالَ الجوهرى الْمُمكن الْبيض الضَّب قَالَ وَمكن الضباب طَعَام الْعَرَب لَا تشتهيه نفوس الْعَجم وَفِي الحَدِيث أقرُّوا على الطير مَكَانهَا بِالضَّمِّ وَالْفَتْح قَالَ أَبُو زِيَاد الْكلابِي وَغَيره إِنَّا لَا نَعْرِف للطير مكنات فَأَما المكنات فانما هِيَ الضباب قَالَ أَبُو عبيد وَيجوز فِي الْكَلَام وَإِن كَانَ الْمُمكن الضباب فِي أَن يَجْعَل للطير تَشْبِيها بذلك كَقَوْلِهِم مشافر الْحَبَش وَإِنَّمَا المشافر لِلْإِبِلِ وكقول زُهَيْر يصف الْأسد لَهُ لبد أَظْفَاره لم تقلم وَإِنَّمَا لَهُ مخالب قَالَ هَؤُلَاءِ فَلَعَلَّ الرَّاوِي سمع أقرّ الطير فِي وكناتها بِالْوَاو وَلِأَن وكنات الطير عشها وَحَيْثُ تسْقط عَلَيْهِ من الشّجر وتأوى إِلَيْهِ وَفِي اثر آخر ثَلَاث من كن فِيهِ لم ينل الدَّرَجَات العلى من تكهن أَو استقسم أَو رَجَعَ من سفر من طيرة وَقد رفع هَذَا الحَدِيث فَمن استمسك بِعُرْوَة التَّوْحِيد الوثقى واعتصم بحبله المتين وتوكل على الله قطع بِأَحْسَن الطَّيرَة من قبل استقرارها وبادر خواطرها من قبل استمكانها قَالَ عِكْرِمَة كُنَّا جُلُوسًا عِنْد ابْن عَبَّاس فَمر طَائِر يَصِيح فَقَالَ رجل من الْقَوْم خير خير فَقَالَ لَهُ ابْن عَبَّاس لَا خير وَلَا شَرّ مبادرة بالإنكار عَلَيْهِ لِئَلَّا يعْتَقد لَهُ تَأْثِيرا فِي الْخَيْر أَو الشَّرّ وَخرج طَاوُوس مَعَ صَاحب لَهُ فِي سفر فصاح غراب فَقَالَ الرجل خير فَقَالَ طَاوُوس وَأي خير عِنْده وَالله لَا تصحبني وَقيل لكعب هَل تتطير فَقَالَ نعم فَقيل لَهُ فَكيف تَقول إِذا تطيرت قَالَ أَقُول اللَّهُمَّ لَا طير إِلَّا طيرك وَلَا خير إِلَّا خيرك وَلَا غَيْرك وَلَا قُوَّة إِلَّا بك وَكَانَ بعض السّلف يَقُول عِنْد ذَلِك طير الله لَا طيرك وصياح الله لَا صياحك وَمَسَاء الله لامساك وَقَالَ ابْن عبد الحكم لما خرج عمر بن عبد الْعَزِيز من الْمَدِينَة قَالَ مُزَاحم فَنَظَرت فَإِذا الْقَمَر فِي الدبر ان فَكرِهت أَن اقول لَهُ فَقلت أَلا تنظر إِلَى الْقَمَر مَا أحسن استواءه فِي هَذِه اللَّيْلَة قَالَ فَنظر عمر فَإِذا هُوَ فِي الدبران فَقَالَ كَأَنَّك اردت أَن تعلمني أَن الْقَمَر فِي الدبران يَا مُزَاحم إِنَّا لَا نخرج بشمس وَلَا بقمر وَلَكنَّا نخرج بِاللَّه الْوَاحِد القهار فان قيل فَمَا تَقولُونَ فِيمَا

стр. 539

روى عَن النَّبِي أَنه كَانَ يسْتَحبّ الفأل فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أنس وَأبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي لَا عدوى وَلَا طيرة وَخَيرهَا الفأل وَفِي لفظ وَأصْدقهَا الفال وَفِي لفظ وَكَانَ يُعجبهُ الفأل وَفِي لفظ مُسلم ويعجبني الفأل الصَّالح أَي الْكَلِمَة الْحَسَنَة وَقَالَ إِذا أبردتم إِلَى بريدا فَاجْعَلُوهُ حسن الإسم حسن الْوَجْه وروى عَن يحيى بن سعيد أَن رَسُول الله قَالَ للقحة تحلب من يحلب هَذِه فَقَامَ رجل فَقَالَ النَّبِي مَا إسمك فَقَالَ الرجل مرّة فَقَالَ النَّبِي إجلس ثمَّ قَالَ من يجلب هَذِه فَقَامَ رجل فَقَالَ النَّبِي مَا إسمك فَقَالَ الرجل حَرْب فَقَالَ لَهُ النَّبِي إجلس ثمَّ قَالَ من يجلب هَذِه فَقَامَ رجل فَقَالَ لَهُ النَّبِي مَا إسمك فَقَالَ الرجل يعِيش فَقَالَ لَهُ النَّبِي يعِيش احلب فَحلبَ زَاد ابْن وهب فِي جَامِعَة فِي هَذَا الحَدِيث فَقَامَ عمر بن الْخطاب فَقَالَ أَتكَلّم يَا رَسُول الله أم اصمت قَالَ بل اصمت وأخبرك بِمَا أردْت ظَنَنْت يَا عمر أَنَّهَا طيرة وَلَا طير إِلَّا طيرة وَلَا خير إِلَّا خَيره وَلَكِن أحب الفأل وَفِي جَامع ابْن وهب أَن رَسُول الله أَتَى بِغُلَام فَقَالَ مَا سميتم هَذَا الْغُلَام فَقَالُوا السَّائِب فَقَالَ لَا تسموه السَّائِب وَلَكِن عبد الله قَالَ فغلبوا على اسْمه فَلم يمت حَتَّى ذهب عقله وصحيح البُخَارِيّ من رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن سعيد ابْن الْمسيب عَن أَبِيه أَن أَبَاهُ جَاءَ إِلَى النَّبِي فَقَالَ مَا إسمك قَالَ حزن قَالَ أَنْت سهل قَالَ لَا أغير اسْما اسمانيه أبي قَالَ ابْن الْمسيب فَمَا زَالَت الحزونة فِينَا بعد وروى مَالك عَن يحيى بن سعيد أَن عمر بن الْخطاب قَالَ لرجل مَا اسْمك قَالَ جَمْرَة قَالَ ابْن من قَالَ ابْن شهَاب فَقَالَ مِمَّن قَالَ من الحرقة قَالَ أَيْن مسكنك قَالَ بحرة النَّار قَالَ بأيها قَالَ بِذَات لظى فَقَالَ لَهُ عمر أدْرك أهلك فقد احترقوا فَكَانَ كَمَا قَالَ عمر وَفِي غير رِوَايَة مَالك هَذِه الْقِصَّة عَن مجَالد عَن الشّعبِيّ قَالَ جَاءَ رجل من جُهَيْنَة إِلَى عمر بن الْخطاب ﵁ فَقَالَ لَهُ مَا اسْمك قَالَ شهَاب قَالَ ابْن من قَالَ ابْن جَمْرَة قَالَ ابْن من قَالَ ابْن ضرّ ام قَالَ مِمَّن قَالَ من الحرقة قَالَ وَأَيْنَ مَنْزِلك قَالَ بحرة النَّار قَالَ وَيحك أدْرك مَنْزِلك أَو أهلك فقد احترقوا قَالَ فَأَتَاهُم فألفاهم قد احْتَرَقَ عامتهم وَقَالَت عَائِشَة كَانَ رَسُول الله يُعجبهُ التَّيَمُّن مَا اسْتَطَاعَ فِي تنعله وَترَجله ووضوئه وَفِي شَأْنه كُله وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن ابْن عمر أَن النَّبِي قَالَ الشؤم فِي ثَلَاث فِي الْمَرْأَة وَالدَّار وَالدَّابَّة وَفِي الصَّحِيح ايضا من حَدِيث سهل بن سعد السَّاعِدِيّ أَن رَسُول الله قَالَ إِن كَانَ فَفِي الْفرس وَالْمَرْأَة والمسكن يَعْنِي الشؤم وَفِي الْمُوَطَّأ عَن يحيى بن سعيد قَالَ جَاءَت امْرَأَة إِلَى رَسُول الله فَقَالَ يَا رَسُول الله دَار سكناهَا وَالْعدَد كثير وَالْمَال وافر فَقل الْعدَد وَذهب المَال فَقَالَ رَسُول الله دَعُوهَا ذميمة وَلما رأى النَّبِي يَوْم أحد فرسا قد لوح بِذَنبِهِ وَرجل قد استل سَيْفه فَقَالَ لَهُ شم سَيْفك فَأَنِّي أرى السيوف ستسل الْيَوْم وَكَذَلِكَ قَوْله لما رمى وَاقد ابْن عبد الله عمر بن الْحَضْرَمِيّ فَقتله فَقَالَ وقدت الْحَرْب وعامر عمرت الْحَرْب وَابْن الْحَضْرَمِيّ

стр. 540

حضرت الْحَرْب وَلما خرج النَّبِي إِلَى بدر اسْتقْبل فِي طَرِيقه جبلين فَسَأَلَ عَنْهُمَا فَقَالُوا اسْم أَحدهمَا مسلح والأخر مخرىء وأهلهما بَنو النَّار وَبَنُو محراق فكره الْمُرُور عَلَيْهِمَا وتركهما على يسَاره وسلك ذَات الْيَمين وَعرض عبد الله بن جَعْفَر مَالا لَهُ على مُعَاوِيَة يُقَال لَهُ الدعان وَقَالَ لَهُ اشتره مني فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة هَذَا مَال يَقُول دَعْنِي وَلم نزل الْحُسَيْن بن عَليّ بكر بلَاء قَالَ مَا اسْم هَذَا الْموضع قَالُوا كربلاء قَالَ كرب وبلاء وَلما خرج عبد الله بن الزبير من الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة أنْشدهُ أحد أخوية وكل بني أم سيمسون لَيْلَة ... وَلم يبْق من أغنامهم غير وَاحِد فَقَالَ لَهُ عبد الله مَا أردْت إِلَى هَذَا قَالَ لم أتعمده قَالَ هُوَ أَشد على وَقد كره السّلف وَمن بعدهمْ أَن يتبع الْمَيِّت بِنَار إِلَى قَبره من مجمر أَو غَيره وَفِي مَعْنَاهُ الشمع قَالَت عَائِشَة لَا تجْعَلُوا آخر زَاده أَن تَتبعُوهُ بالنَّار وَلما بَايع طَلْحَة بن عبيد الله عَليّ بن أبي طَالب وَكَانَ أول من بَايع قَالَ رجل أول يَد بايعته يَد شلاء لَا يتم هَذَا الْأَمر لَهُ وَلما بعث عَليّ ﵁ معقل بن قيس الرباحي من الْمَدَائِن فِي ثَلَاثَة آلَاف وَأمره أَن يَأْخُذ على الْموصل وَيَأْتِي نَصِيبين وَرَأس عين حِين يَأْتِي الرقة فيقيم بهَا فَسَار معقل حَتَّى نزل الحديثة فَبَيْنَمَا هُوَ ذَات يَوْم جَالِسا إِذْ نظر إِلَى كبشين يتناطحان حَتَّى جَاءَ رجلَانِ فَأخذ كل مِنْهُمَا كَبْشًا فَذهب بِهِ فَقَالَ شَدَّاد بن أبي ربيعَة الْخَثْعَمِي ستصرفون من وجهكم هَذَا لَا تغلبون وَلَا تغلبون لافتراق الكبشين سليمين فَكَانَ كَذَلِك وَلما بعث مُعَاوِيَة فِي شَأْن حجر بن عدى وَأَصْحَابه كَانَ الَّذِي جَاءَهُم أَعور يُقَال لَهُ هدبه وَكَانُوا ثَلَاثَة عشر رجلا مَعَ حجر فَنظر إِلَيْهِ رجل مِنْهُم فَقَالَ إِن صدق الفأل قتل نصفنا لِأَن الرَّسُول أَعور فَلَمَّا قتلوا سَبْعَة وافى رَسُول ثَان ينْهَى عَن قَتلهمْ فكفوا عَن البَاقِينَ وَقَالَ عوانه بن الحكم لما دَعَا ابْن الزبير إِلَى نَفسه قَامَ عبد الله بن مُطِيع ليبايع فَقبض عبد الله بن الزبير يَده وَقَالَ لِعبيد الله بن أبي طَالب قُم فَبَايع فَقَالَ عبد الله قُم يَا مُصعب فَبَايع فَقَامَ فَبَايع فتفاءل النَّاس وَقَالُوا أبي أَن يُبَايع ابْن مُطِيع وَبَايع مصعبا لَيَكُونن فِي أمره صعوبة أَو شَرّ فَكَانَ كَذَلِك وَقَالَ سَلمَة بن محَارب نزل الْحجَّاج فِي محاربته لِابْنِ الْأَشْعَث دير قُرَّة وَنزل عبد الرَّحْمَن ابْن الْأَشْعَث دير الجماجم فَقَالَ الْحجَّاج اسْتَقر الْأَمر فِي يدى وتجمجم بِهِ أمره وَالله لأقتلنه وَقَالَ عَمْرو بن مَرْوَان الْكَلْبِيّ حَدثنِي مَرْوَان بن يسَار عَن سَلمَة مولى يزِيد بن الْوَلِيد قَالَ كنت مَعَ يزِيد بن الْوَلِيد بِنَاحِيَة القريتين قبل خُرُوجه على الْوَلِيد بن يزِيد وَنحن نتذاكر أمره إِذْ عرض لنا ذِئْب هُنَاكَ فَتَنَاول يزِيد قوسه فَرمى الذِّئْب فاصاب حلقه فَقَالَ قتلت الْوَلِيد وَرب الْكَعْبَة فَكَانَ كَمَا قَالَ وَقَالَ دَاوُد بن عِيسَى بن مُحَمَّد بن عَليّ خرج أبي وَأَبُو جَعْفَر غازيين فِي بِلَاد الرّوم وَمَعَهُ غُلَام لَهُ وَمَعَ أبي جَعْفَر مولى فسنحت لَهُ اربعة أظب ثمَّ مَضَت تخاتلنا

стр. 541

حَتَّى غَابَتْ عَنَّا ثمَّ رجعت وَمضى وَاحِد فَقَالَ لنا أَبُو جَعْفَر وَالله لَا نرْجِع جَمِيعًا فَمَاتَ مولى أبي جَعْفَر وَأمر بعض الْأُمَرَاء جَارِيَة لَهُ تغني فاندفعت تَقول: هم قَتَلُوهُ كي يَكُونُوا مَكَانَهُ كَمَا غدرت يَوْمًا بكسرى مرازبه فَقَالَ وَيلك غَنِي غير هَذَا فغنت هَذَا مقَام مطرد هدمت مَنَازِله ودوره فَقَالَ وَيلك غَنِي غير هَذَا فَقَالَت وَالله يَا سَيِّدي مَا أعْتَمد إِلَّا مَا يَسُرك ويسبق إِلَى لساني مَا ترى ثمَّ غنت كُلَيْب لعمري كَانَ أَكثر ناصرا وأيسر جرما مِنْك ضرج بِالدَّمِ فَقَالَ مَا أرى أَمْرِي إِلَّا قَرِيبا فَسمع قَائِلا يَقُول قضى الْأَمر الَّذِي فِيهِ تستفتيان وَقد ذكر فِي حَرْب بني تغلب أَن تيم اللات أرسل بنيه فِي طلب مَال لَهُ فَلَمَّا أَمْسَى سمع صَوت الرّيح فَقَالَ لمرأته أنظرى من أَيْن نَشأ السَّحَاب وَمن أَيْن نشأت الرّيح فَأَخْبَرته أَن الرّيح طالع من وَجه السَّحَاب فَقَالَ وَالله إِنِّي لأرى ريحًا تهد هَذِه الصَّخْرَة وتمحق الْأَثر فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ بنوه قَالَ لَهُم مَا لَقِيتُم قَالُوا سرنا من عنْدك فَلَمَّا بلغنَا غُصْن شعثمين إِذا بعفر جاثمات على دعص من رمل فَقَالَ أمشرقات أم مغربات قَالُوا مغربات قَالَ فَمَا ريحكم ناطح أم دابر أم بارح أم سانح فَقَالُوا ناطح فَقَالَ لنَفسِهِ يَا تيم اللات دعص الشعثمين والشعثم الشَّيْخ الْكَبِير وَأَنت شعثم بني بكر وجواثم بدعص وريح ناطح نطحت فبرحت قَالَ ثمَّ مَاذَا قَالُوا ثمَّ رَأينَا ذئبا قد دلع لِسَانه من فِيهِ وَهُوَ يطحر وشعره عَلَيْهِ فَقَالَ ذَلِك حران ثَائِر ولسان عذول حامى الظّهْر همه سفك الدِّمَاء وَهُوَ أَرقم الأراقم يَعْنِي مهلهلا قَالَ ثمَّ مَاذَا قَالُوا ثمَّ رَأينَا ريحًا وسحابا قَالَ فَهَل مطرتم قَالُوا بلَى قَالَ ببرق قَالُوا قد كَانَ ذَلِك فَقَالَ أماء سَائل فَقَالُوا نعم فَقَالَ ذَلِك دم سَائل ومرهفات قَالَ ثمَّ مَه قَالُوا ثمَّ طلعنا قلعة الضُّعَفَاء ثمَّ تصوبنا من تل فاران قَالَ فكنتم سَوَاء أَو مترادفين قَالُوا بل سَوَاء قَالَ فَمَا سماؤكم قَالُوا خبا قَالَ فَمَا ريحكم قَالُوا ناطح قَالَ فَمَا فعل الْجَيْش الَّذين لَقِيتُم قَالُوا نجونا مِنْهُ هربا وجد الْقَوْم فِي أثرنا قَالَ ثمَّ مَه قَالُوا ثمَّ رَأينَا عقَابا منقضة على عِقَاب فتشابكا وهويا إِلَى الأَرْض قَالَ ذَاك جمع رام جَمِيعًا فَهُوَ لاقيه قَالَ ثمَّ مَه قَالُوا ثمَّ رَأينَا سبعا على سبع ينهشه وَبِه بَقِيَّة لم يمت فَقَالَ ذروني أما وَالله أَنَّهَا لقبيلة مصروعة مأكولة مقتولة من بني وَائِل بعد عز وَامْتِنَاع وَذكروا أَن تيم اللات هَذَا مر يَوْمًا بجمل أجرب وَعَلِيهِ ثَلَاث غرابيب فَقَالَ لِبَنِيهِ ستقفون على مقتولا فَكَانَ كَمَا قَالَ وَقتل عَن قريب وَكَذَلِكَ قَول عَلْقَمَة فِي مسيره مَعَ أَصْحَابه وَقد مروا فِي اللَّيْل بشيخ فان فَقَالَ لَقِيتُم شَيخا كَبِيرا فانيا يغالب الدَّهْر والدهر يغالبه يُخْبِركُمْ أَنكُمْ سَتَلْقَوْنَ قوما فيهم ضعف ووهن ثمَّ لَقِي سبعا فَقَالَ دلاج لَا يغلب ثمَّ رأى غرابا ينفض

стр. 542

بجؤجؤه فَقَالَ أَبْشِرُوا أَلا ترَوْنَ أَنه يُخْبِركُمْ أَن قد أطمأنت بكم الدَّار فَكَانَ كَذَلِك وَذكر الْمَدَائِنِي قَالَ خرج رجل من لَهب وَلَهُم عيافة فِي حَاجَة لَهُ وَمَعَهُ سقاء من لبن فَسَار صدر يَوْمه ثمَّ عَطش فَأَنَاخَ ليشْرب فَإِذا الْغُرَاب ينعب فأثار رَاحِلَته وَمضى فَلَمَّا أجهده الْعَطش أَنَاخَ ليشْرب فنعب الْغُرَاب فاثار رَاحِلَته ثمَّ الثَّالِثَة نعب الْغُرَاب وتمرغ فِي التُّرَاب فَضرب الرجل السقاء بِسَيْفِهِ فَإِذا فِيهِ أسود ضخم ثمَّ مضى فَإِذا غراب على سِدْرَة فصاح بِهِ فَوَقع على سلمه فصاح بِهِ فَوَقع على صَخْرَة فَانْتهى إِلَيْهِ فَإِذا تَحت الصَّخْرَة كنز فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى أَبِيه قَالَ لَهُ مَا صنعت قَالَ سرت صدر يَوْم ثمَّ أنخت لأشرب فَإِذا الْغُرَاب ينعب قَالَ أَثَره وَإِلَّا لست بِابْني قَالَ أثرته ثمَّ أنخت لأشرب فنعب الْغُرَاب وتمرغ فِي التُّرَاب قَالَ أضْرب السقاء وَإِلَّا لست باني قَالَ فعلت فَإِذا أسود ضخم قَالَ ثمَّ مَه قَالَ ثمَّ رَأَيْت غرابا وَاقعا على سِدْرَة قَالَ أطره وَإِلَّا لست بِابْني قَالَ أطرته فَوَقع على سَلمَة قَالَ أطره وَإِلَّا لست بِابْني قَالَ فَوَقع على صَخْرَة قَالَ أَخْبرنِي بِمَا وجدت فَأَخْبَرته وَذكر أَيْضا أَن أَعْرَابِيًا أضلّ ذودا لَهُ وخادما فَخرج فِي طلبهما إِذْ اشتدت عَلَيْهِ الشَّمْس وَحمى النَّهَار فَمر بِرَجُل يحلب نَاقَة قَالَ أَظُنهُ من بني أَسد فَسَأَلَهُ عَن ضالته قَالَ أدن فَاشْرَبْ من اللَّبن وأدلك على ضالتك قَالَ فَشرب ثمَّ قَالَ مَا سَمِعت حِين خرجت قَالَ بكاء الصّبيان ونباح الْكلاب وصراخ الديكة وثغاء الشَّاء قَالَ ينهاك عَن الغدو ثمَّ مَه قَالَ ثمَّ ارْتَفع النَّهَار فَعرض لي ذِئْب قَالَ كسوب ذُو ظفر ثمَّ مَه قَالَ ثمَّ عرضت لي نعَامَة قَالَ ذَات ريش وَاسْمهَا حسن هَل تركت فِي أهلك مَرِيضا يُعَاد قَالَ نعم قَالَ ارْجع إِلَى أهلك فذودك وخادمك عِنْدهم فَرجع فَوَجَدَهُمْ وَذكر أَبُو خَالِد التَّيْمِيّ قَالَ كنت آخذ الْإِبِل بِضَمَان فأرعاها فِي ظهر الْبَصْرَة فَطُرِدَتْ فَخرجت أقفو أَثَرهَا حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى الْقَادِسِيَّة فاختلطت على الْآثَار فَقلت لَو دخلت الْكُوفَة فتحسست عَنْهَا فَأتيت الكناسة فَإِذا النَّاس مجتمعون على عراف الْيَمَامَة فوقفت ثمَّ قلت لَهُ حَاجَتي فَقَالَ بعيدَة أشيطان الْهوى جمع مثلهَا على الْعَاجِز الْبَاغِي الغي ذُو تكاليف ولترجعن قَالَ فَوَجَدتهَا فِي الشَّام مَعَ ابْن عَم لي فصالحت أَصْحَابهَا عَنْهَا وَقَالَ الْمَدَائِنِي كَانَ بِالسَّوَادِ زاجر يُقَال لَهُ مهر فَأخْبر بِهِ بعض الْعمَّال فَجعل يكذب زَجره ثمَّ أرسل إِلَيْهِ فَلَمَّا أَتَاهُ قَالَ إِنِّي قد بعثت بِغنم إِلَى مَكَان كَذَا وَكَذَا فَانْظُر هَل وصلت أم لم تصل وَقد عرف الْعَامِل قبل ذَلِك أَن بَينهَا ويبن الكلاء رحْلَة فَقَالَ لغلامه أخرج فَانْظُر أَي شَيْء تسمع قَالَ وَكَانَ الْعَامِل قد أَمر غُلَامه أَن يكمن فِي نَاحيَة الدَّار ويصيح صياح ابْن آوى فَخرج غلاء الزاجر ليسمع وَصَاح غُلَام الْعَامِل فَرجع إِلَى الزاجر غُلَامه وَأخْبرهُ بِمَا سمع فَقَالَ لِلْعَامِلِ قد ذهبت عَنْك وَقطع عَلَيْهَا الطَّرِيق فاستيقت قَالَ فَضَحِك الْعَامِل وَقَالَ قد جَاءَنِي خَبَرهَا أَنِّي وصلت والصائح الَّذِي صَاح غلامي قَالَ إِن كَانَ الصائح الَّذِي الصاح ابْن آوى فقد ذهبت

стр. 543

وَإِن كَانَ غلامك فقد ذهب الرَّاعِي قَالَ فَبَلغهُ بعد ذَلِك ذهَاب الْغنم وَقتل الرَّاعِي وَذكر عَن العكلي أَنه خرج فِي تِسْعَة نفر هُوَ عاشرهم ليصيبوا الطَّرِيق فَرَأى غرابا وَاقعا فَوق بانة فَقَالَ يَا قوم أَنكُمْ تصابون فِي سفركم هَذَا فازدجروا وأطيعوني وَارْجِعُوا فَأَبَوا عَلَيْهِ فَأخذ قوسه وَانْصَرف وَقتلت التِّسْعَة فَأَنْشد يَقُول: رَأَيْت غرابا وَاقعا فَوق بانه ... ينشنش أَعلَى ريشه ويطايره فَقلت غراب اغتراب من النَّوَى ... وبانة بَين من حبيب تجاوره فَمَا أعيف العكلي لَا دردره ... وازجره للطير لَا عز ناصره وَذكر عَن كثير عزة أَنه خرج يُرِيد مصر وَكَانَت بهَا عزة فَلَقِيَهُ أَعْرَابِي من نهد فَقَالَ أَيْن تُرِيدُ قَالَ أُرِيد عزة بِمصْر قَالَ مَا رَأَيْت فِي وَجهك قَالَ رَأَيْت غرابا سَاقِطا فَوق بانة ينتف ريشه فَقَالَ مَاتَت عزة فَانْتهى وَمضى فَوَافى مصر وَالنَّاس منصرفون من جنازتها فَأَنْشَأَ يَقُول: فَأَما غراب فاغتراب وغربة ... وَبَان فَبين من حبيب تعاشره وَذكر عَنهُ أَيْضا أَنه هوى امْرَأَة من قومه بعد عزة يُقَال لَهَا أم الْحُوَيْرِث وَكَانَت فائقة الْجمال كَثِيرَة المَال فَقَالَت لَهُ أخرج فاصب مَالا وأتزوجك فَخرج إِلَى الْيمن وَكَانَ عَلَيْهَا رجل من بني مَخْزُوم فَلَمَّا كَانَ بِبَعْض الطَّرِيق عرض لَهُ قوط والقوط الْجَمَاعَة من الظباء فَمضى ثمَّ عرض لَهُ غراب ينعب ويفحص التُّرَاب على راسه فَأتى كثير حَيا من الأزد ثمَّ من بني لَهب وهم من أزْجر الْعَرَب وَفِيهِمْ شيخ قد سقط حاجباه على عَيْنَيْهِ فَقص عَلَيْهِ مَا عرض لَهُ فَقَالَ إِن كنت صَادِقا لقد مَاتَت هَذِه الْمَرْأَة أَو تزوجت رجلا من بني كَعْب فَاغْتَمَّ كثيرا لذَلِك وَسَقَى بَطْنه فَكَانَ ذَلِك سَبَب مَوته وَقَالَ فِي ذَلِك: تيممت لهبا أبتغى الْعلم عِنْدهم ... وَقد رد علم العائفين إِلَى لَهب فيممت شَيخا مِنْهُم ذُو أَمَانَة ... بَصيرًا يزْجر الطير منحنى الصلب فَقلت لَهُ مَاذَا ترى فِي سواغ ... وَصَوت غراب يفحص الأَرْض بالترب فَقَالَ جرى الطير السنيح بَينهَا ... ونادي غراب بالفراق وبالسلب فان لَا تكن مَاتَت فقد حَال دونهَا ... سواك حليل بَاطِن من بني كَعْب وَقَالَ رجل من بني أَسد تزوجت ابْنة عَم لي فَخرجت أريدها فلقيني شَيْء كَالْكَلْبِ مدليا لِسَانه فِي شقّ فَقلت أخفت وَرب الْكَعْبَة فَأتيت الْقَوْم فَلم أصل إِلَيْهَا وناقرني أَهلهَا حرجت عَنْهُم فَمَكثت ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ بدا لي فيهم فَخرجت نحوهم فَلَقِيت كلبة تنظف أطباؤها لَبَنًا فَقلت أدْركْت وَرب الْكَعْبَة فَدخلت بأهلي وحملت مني بِغُلَام ثمَّ آخر حَتَّى ولدت أَوْلَادًا وَذكر عَن

стр. 544

يحيى بن خَالِد قَالَ حج رجلَانِ فَقيل لَهما هَهُنَا امْرَأَة تزجر قَالَ فأتياها فَسَأَلَاهَا فَقَالَ أَحدهمَا مَا نضمر فَقَالَت أَنَّك لتسألني عَن رجل مقتول فَقَالَ هُوَ وَالله الَّذِي سَالَ عَنهُ صَاحِبي فَقَالَت هُوَ كَمَا قلت فَسَأَلَاهَا عَن تَفْسِير ذَلِك فَقَالَت أما رَأَيْتُمَا الْجَارِيَة الَّتِي مرت وَمَعَهَا ديك مشدود الرجلَيْن حِين سَأَلَني الأول قَالَا بلَى قَالَت فَلذَلِك قلت أَنه مَحْبُوس مُقَيّد قَالَت وَرَأَيْت الْجَارِيَة حِين رجعت وسألتنى أَنْت والديك مَذْبُوح فَقلت مقتول ٠٠ وَذكر ٢ المداينى أَن أهل بَيت من الْعَجم كَانُوا إِذا غَابَ الرجل عَن أَهله وَلم يَأْتهمْ خَبره أَربع حجج زوجوا امْرَأَته فَتزَوج مِنْهُم رجل جَارِيَة وَغَابَ أَربع حجح لايأتيهم فأرادوا تَزْوِيج الْجَارِيَة وَكَانَت مشغوفة بِهِ فَقَالَت دعونى سنة أُخْرَى فَأَبَوا عَلَيْهَا وَأتوا زاجرا لَهُم فَخرج الزاجر وَمَعَهُ تلميذ لَهُ فَتَلقاهُمْ قوم يحملون مَيتا وَيَد الْمَيِّت على صَدره فَقَالَ الزاجر لتلميذه مَاتَ الرجل قَالَ مَا مَاتَ أَلا ترى يَد الْمَيِّت على صَدره يخبر أَنه هُوَ الْمَيِّت وَالرجل صَحِيح فَرَجَعَا فأخبرا الْحَاكِم أَنه لم يمت فَأمر بتأجيلها سنة فجَاء زَوجهَا بعد شهر ٠٠ وَذكر ابْن قُتَيْبَة عَن إِبْرَاهِيم بن عبد الله قَالَ دخلت على رجل ضَرِير زاجر من الْعَرَب وَقد خبأت سَحَابَة عنوان من كتَّان فَقلت أحبرنى بِمَا خبأت لَك فَنظر قَلِيلا ثمَّ قَالَ هُوَ من نَبَات المَاء فَقلت زدنى فى الشَّرْح قَالَ هُوَ قِطْعَة من كتَّان قَالَ فَسَأَلته عَن ذَلِك فَقَالَ سألتنى عَن الخبىء فَوَقَعت يدى على الْحَصِير فَقلت إِنَّه من نَبَات المَاء قَالَ فَقلت زدنى فَقَالَ وَصَاح صائح من جَانب الدَّار فَقضيت بِالسَّوَادِ وَبِأَنَّهُ صَغِير للتصفير ثمَّ نظرت فَلم يكن ذَلِك أولى بِأَن يكون قِطْعَة من كتَّان قَالَ وَسَأَلته عَن مقراضين فى يدى قد أدخلت أصبعى فى حلقتيهما فَقَالَ فى يدك خَاتم من حَدِيد وَذكر ابْن عُيَيْنَة عَن الزهرى عَن مُحَمَّد بن جُبَير بن مطعم عَن ابيه عَن عمر بن الْخطاب رضى الله أَنه كَانَ يرْمى الْجَمْرَة فَجَاءَتْهُ حَصَاة فأصابت جَبهته ففصدت مِنْهُ عرقا فَقَالَ رجل من بنى لَهب أشعر أَمِير الؤمنين وَرب الْكَعْبَة لَا يقوم هَذَا الْمقَام أبدا فَقتل بعد ذَلِك وَثَبت فى الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث ابْن عمر أَن رَسُول الله صلى عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الشؤم فى الدَّار وَالْمَرْأَة وَالْفرس وفى لفظ فيهمَا لَا عدوى وَلَا صفر وَلَا طيرة وَإِنَّمَا الشؤم فى ثَلَاثَة الْمَرْأَة وَالْفرس وَالدَّار وفى لفظ آخر فيهمَا إِن يكن الشؤم فى شىء حَقًا ففى الْفرس والمسكن وَالْمَرْأَة وفى بعض طرق البخارى وَالدَّابَّة بدل الْفرس وفى الصَّحِيحَيْنِ أَيْضا عَن سهل بن سعد الساعدى قَالَ قَالَ رَسُول الله إِن كَانَ ففى الْمَرْأَة وَالْفرس والمسكن يعْنى الشؤم ٠٠ وَقَالَ البخارى إِن كَانَ شىء وفى صَحِيح مُسلم عَن عبد الله عَن رَسُول الله قَالَ إِن كَانَ فى شىء ففى الرّبع وَالْخَادِم وَالْفرس ٠٠ وفى صَحِيح مُسلم عَن أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ عَن النبى قَالَ لَا يُورد ممرض على

стр. 545

مصح ٠٠ وفى موطأ مَالك أَنه بلغه عَن بكير بن عبد الله بن الْأَشَج عَن أبي عَطِيَّة أَن رَسُول الله قَالَ لَا عدوى وَلَا هام وَلَا صفر وَلَا يحل الممرض على المصح وليحلل المصح حَيْثُ شَاءَ قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا ذَاك فَقَالَ رَسُول الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّه أَذَى ٠٠ وَقَالَ ابْن وهب أخبرنى يُونُس عَن ابْن شهَاب أَن أَبَا سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن قَالَ كَانَ أَبُو هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ يحدثنا عَن رَسُول الله قَالَ أَنه لَا عدوى وَحدثنَا أَن رَسُول الله قَالَ لَا يُورد ممرض على مصح الحَدِيث ثمَّ صمت أَبُو هُرَيْرَة بعد ذَلِك عَن قَوْله لَا عدوى وَأقَام أَن لَا يُورد ممرض على مصح الحَدِيث قَالَ فَقَالَ الْحَارِث بن أَبى ذئاب وَهُوَ ابْن عَم أَبى هُرَيْرَة قد كنت أسمعك يَا أَبَا هُرَيْرَة تحدثنا مَعَ هَذَا الحَدِيث حَدِيثا آخر قد سكت عَنهُ كنت تَقول قَالَ رَسُول الله لَا عدوى فَأبى أَبُو هُرَيْرَة أَن يحدث ذَلِك وَقَالَ لَا يُورد ممرض على مصح فمارآه الْحَارِث فِي ذَلِك حَتَّى غضب أَبُو هُرَيْرَة ورطن بالحبشية فَقَالَ لِلْحَارِثِ أتدرى مَاذَا قلت قَالَ لَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَة إِنِّي أَقُول أَبيت أبي قَالَ أَبُو سَلمَة فلعمري لقد كَانَ أَبُو هُرَيْرَة يحدثنا أَن رَسُول الله قَالَ لَا عدوى فَلَا أدرى أنسى أَبُو هُرَيْرَة أَو نسخ أحد الْقَوْلَيْنِ الآخر قَالُوا هَذَا النهى عَن إِيرَاد الْمَرِيض على المصح إِنَّمَا هُوَ من أجل الطَّيرَة الَّتِى تلْحق المصح ٠٠ وَقَالَ مُسَدّد حَدثنَا يحي بن هِشَام عَن يحي بن أَبى كثير عَن الْحَضْرَمِيّ بن لَاحق عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ سَأَلت سعد بن مَالك عَن الطَّيرَة فَانْتَهرنِي وَقَالَ من حَدثَك فَكرِهت أَن أحدثه فَقَالَ سَمِعت رَسُول الله يَقُول لَا عدوى وَلَا طيرة وَلَا هَامة وَإِن كَانَت الطَّيرَة فِي شىء ففى الْفرس وَالْمَرْأَة وَالدَّار فَإِذا كَانَ الطَّاعُون بِأَرْض وَأَنْتُم بهَا فَلَا تَفِرُّوا ٠٠ وَفِي صَحِيح مُسلم عَن الشريد بن سُوَيْد قَالَ كَانَ فى وَفد ثقيفة رجل مجذوم فَأرْسل إِلَيْهِ النَّبِي أَنا قد بايعناك فأرجع وَفِي حَدِيث آخر فر من المجذوم فرارك من الْأسد ٠ فصل الْآن الْتَقت حلقتا البطان وتداعى نزال الْفَرِيقَانِ نعم وَهَهُنَا أَضْعَاف أَضْعَاف مَا ذكرْتُمْ وأضعاف أضعافه وَلِلنَّاسِ هَهُنَا مسلكان عَلَيْهِمَا يعْتَمد المتكلمون فِي هَذَا الْبَاب لَا نرتضيهما بل نسلك مَسْلَك الْعدْل والتوسط بَين طرفِي الأفراط والتفريط فدين الله بَين الغالي فِيهِ والجافي عَنهُ والوادي بَين الجبلين وَالْهدى بَين الضلالتين وَقد جعل الله هَذِه الْأمة هِيَ الْأمة الْوسط فِي جَمِيع أَبْوَاب الدّين فَإِذا انحرف غَيرهَا من الْأُمَم إِلَى أحد الطَّرفَيْنِ كَانَت هِيَ فِي الْوسط كَمَا كَانَت وسطا فِي بَاب أَسمَاء الرب تَعَالَى وَصِفَاته بَين الْجَهْمِية والمعطلة والمشبهة الممثلة وَكَانَ وسطا فِي بَاب الْإِيمَان بالرسل بَين من عبدهم واشركهم بِاللَّه كالنصارى وَبَين من قَتلهمْ

стр. 546

وكذبهم فَأمنُوا بهم وصدقوهم وتركوهم من الْعُبُودِيَّة وَكَانَت وسطا فِي الْقدر بَين الجبرية الَّذين ينفون أَن يكون للْعَبد فعل أَو كسب أَو اخْتِيَار الْبَتَّةَ بل هُوَ مجبور متهور لَا اخْتِيَار لَهُ وَلَا فعل وَبَين الْقَدَرِيَّة النفاة الَّذين يجعلونه مُسْتقِلّا بِفِعْلِهِ وَلَا يدْخل فعله تَحت مَقْدُور الرب تَعَالَى وَلَا هُوَ وَاقع بِمَشِيئَة الله تَعَالَى وَقدرته فأثبتوا لَهُ فعلا وكسبا واختيارا حَقِيقَة وَهُوَ مُتَعَلق الْأَمر وَالنَّهْي وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب وَهُوَ مَعَ ذَلِك وَاقع بقدرة الله ومشيئته فَمَا شَاءَ الله من ذَلِك كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن وَلَا يَتَحَرَّك ذرة إِلَّا بمشيئته وإرادته والعباد أَضْعَف وأعجز أَن يَفْعَلُوا مَا لم يشأه الله لَا قُوَّة لَهُ وَلَا قدرَة عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ هم وسط فِي المطاعم والمشارب بَين الْيَهُود الَّذين حرمت عَلَيْهِم الطَّيِّبَات عُقُوبَة لَهُم وَبَين النَّصَارَى الَّذين يسْتَحلُّونَ الْخَبَائِث فأحل الله لهَذِهِ الْأمة الْوسط الطَّيِّبَات وَحرم عَلَيْهِم الْخَبَائِث وَكَذَلِكَ لَا تَجِد أهل الْحق دَائِما إِلَّا وسطا بَين طرفِي الْبَاطِل وَأهل السّنة وسط فِي النَّحْل كَمَا أَن الْمُسلمين وسط فِي الْملَل وَكَذَلِكَ مَا نَحن فِيهِ من هَذَا الْبَاب فَإِنَّهُم وسط بَين النفاة الَّذين ينفون الْأَسْبَاب جملَة وَيمْنَعُونَ ارتباطها بالمسببات وتأثيرها بهَا ويسدون هَذَا الْبَاب بِالْكُلِّيَّةِ ويضطربون فِيمَا ورد من ذَلِك فيقابلون بالتكذيب مِنْهُ مَا يُمكنهُم تَكْذِيبه ويحيلون على الِاتِّفَاق والمصادقة مَالا قبل لَهُم بِدَفْعِهِ من غير أَن يكون لشَيْء من هَذِه الْأُمُور مدْخل فِي التَّأْثِير أَو تعلق بالسببية الْبَتَّةَ وَرُبمَا يَقُولُونَ أَن أَكثر ذَلِك مُجَرّد خيالات وأوهام فِي النُّفُوس تنفعل عَنْهَا النُّفُوس كانفعال أَرْبَاب الخيالات والامراض والأوهام وَلَيْسَ عِنْدهم وَرَاء ذَلِك شَيْء وَهَذَا مَسْلَك نفاة الْأَسْبَاب وارتباط المسببات بهَا وَهَذَا جَوَاب كثير من الْمُتَكَلِّمين والمسلك الثَّانِي مَسْلَك المثبتين لهَذِهِ الْأُمُور والمعتقدين لَهَا الذاهبين إِلَيْهَا وَهِي عِنْدهم أقوى من الْأَسْبَاب الحسية أَو فِي درجتها وَلَا يلتفتون إِلَى قدح قَادِح فِيهَا والقدح فِيهَا عِنْدهم من جنس الْقدح فِي الحسيات والضروريات وَنحن لَا نسلك سَبِيل هَؤُلَاءِ وَلَا سَبِيل هَؤُلَاءِ بل نسلك سَبِيل التَّوَسُّط والإنصاف ونجانب طَرِيق الْجور والإنحراف فَلَا نبطل الشَّرْع بِالْقدرِ وَلَا نكذب بِالْقدرِ لأجل الشَّرْع بل نؤمن بالمقدور ونصدق الشَّرْع فنؤمن بِقَضَاء الله وَقدره وشرعه وَأمره وَلَا نعارض بَينهمَا فنبطل الْأَسْبَاب المقدورة أَو نقدح فِي الشَّرِيعَة الْمنزلَة كَمَا فعله الطائفتان المنحرفتان فإحداهما بطلت مَا قدره الله من الْأَسْبَاب بِمَا فهمته من الشَّرْع وَهَذَا من تَقْصِيرهَا فِي الشَّرْع وَالْقدر وَالْأُخْرَى توصلت إِلَى الْقدح فِي الشَّرْع وإبطاله بِمَا تشاهده من تَأْثِير الْأَسْبَاب وإرتباطها بمسبباتها لما ظنت أَن الشَّرْع نفاها وكذبت بالشارع فالطائفتان جانيتان على الشَّرْع لَكِن الموفقون المهديون آمنُوا بِقدر الله وشرعه وَلم يعارضوا أَحدهمَا بِالْآخرِ بل صدر مِنْهُمَا الآخر عِنْدهم وَقَررهُ فَكَانَ الْأَمر تَفْصِيلًا للقدر وكاشفا عَنهُ وحاكما عَلَيْهِ والا أصل لِلْأَمْرِ ومنفذ لَهُ وَشَاهد لَهُ ومصدق لَهُ فلولا الْقدر لما وجد الْأَمر وَلَا تحقق

стр. 547

على سَاقه وَلَوْلَا الْأَمر لما تميز الْقدر وَلَا تبينت مراتبه وتصاريفه فالقدر مظهر لِلْأَمْرِ وَالْأَمر تَفْصِيل لَهُ وَالله سُبْحَانَهُ لَهُ الْخلق وَالْأَمر فَلَا يكون إِلَّا خَالِقًا آمرا فَأمره تصريف لقدره وَقدره منفذ لأَمره وَمن أبْصر هَذَا حق الْبَصَر وانفتحت لَهُ عين قلبه تبين لَهُ سر ارتباط الْأَسْبَاب بمسبباتها وجريانها فِيهَا وَأَن الْقدح فِيهَا وإبطالها إبِْطَال لِلْأَمْرِ وَتبين لَهُ أَن كَمَال التَّوْحِيد بِإِثْبَات الْأَسْبَاب لَا أَن إِثْبَاتهَا نقض للتوحيد كَمَا زعم منكروها حَيْثُ جعلُوا إِبْطَالهَا من لَوَازِم التَّوْحِيد فجنوا على التَّوْحِيد وَالشَّرْع والتزموا تَكْذِيب الْحس وَالْعقل ووقعوا فِي أَنْوَاع من المكابرة سلطت عَلَيْهِم أَعدَاء الشَّرِيعَة وأوجبت لَهُم إِن أساؤا بهَا الظَّن وتنقصوها وَزَعَمُوا أَنَّهَا خطابية وإقناعية وجدلية لابرهانية فَعظم الْخطب وتفاقم الْأَمر واشتدت البلية بالطائفتين وَقد قيل أَن الْعَدو الْعَاقِل خير من الصّديق الْجَاهِل وَنحن بِحَمْد الله نبين الْأَمر فِي ذَلِك ونوضح أَيْضا مَا يتَبَيَّن بِهِ تَصْدِيق كل من الْأَمريْنِ الآخر وشهادته لَهُ وتزكيته لَهُ ونبين ارتباط كل من الْأَمريْنِ وَعدم انفكاكه عَنهُ فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق ٠٠٠ أما مَا ذكرْتُمْ من أَن النَّبِي كَانَ يُعجبهُ الفأل الْحسن فَلَا ريب فِي ثُبُوت ذَلِك عَنهُ وَقد قرن ذَلِك بِإِبْطَال الطَّيرَة كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن عبيد بن عبد الله عَن أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى عَلَيْهِ وَسلم لاطيرة وَخَيرهَا الفأل قَالُوا وَمَا الفأل يَا رَسُول الله قَالَ الْكَلِمَة الصَّالِحَة يسْمعهَا أحدكُم فابتدأهم النَّبِي بِإِزَالَة الشُّبْهَة وأبطال الطَّيرَة لِئَلَّا يتوهموها عَلَيْهِ فِي إعجابه بالفأل الصَّالح وَلَيْسَ فِي الْإِعْجَاب بالفأل ومحبته شىء من الشّرك بل ذَلِك إبانة عَن مُقْتَضى الطبيعة وَمُوجب الْفطْرَة الإنسانية الَّتِي تميل إِلَى مايلائمها ويوافقها مِمَّا ينفعها كَمَا أخْبرهُم أَنه حبب إِلَيْهِ من الدُّنْيَا النِّسَاء وَالطّيب ٠٠ وَفِي بعض الْآثَار أَنه ﷺ كَانَ يُعجبهُ الفاغية وهى نور الْحِنَّاء وَكَانَ يحب الْحَلْوَاء وَالْعَسَل وَكَانَ يحب الشَّرَاب الْبَارِد الحلو وَيُحب حسن الصَّوْت بِالْقُرْآنِ وَالْأَذَان ويستمع إِلَيْهِ وَيُحب معالي الْأَخْلَاق وَمَكَارِم الشيم وَبِالْجُمْلَةِ يحب كل كَمَال وَخير وَمَا يُفْضِي إِلَيْهِمَا وَالله سُبْحَانَهُ قد جعل فِي غرائز النَّاس الْإِعْجَاب بِسَمَاع الإسم الْحسن ومحبته وميل نُفُوسهم إِلَيْهِ وَكَذَلِكَ جعل فِيهَا الإرتياح والاستبشار وَالسُّرُور باسم السَّلَام والفلاح والنجاح والتهنئة والبشرى والفوز وَالظفر وَالْغنم وَالرِّبْح وَالطّيب ونيل الأمنية والفرح والغوث والعز والغنى وأمثالها فَإِذا قرعت هَذِه الْأَسْمَاء الأسماع استبشرت بهَا النَّفس وانشرح لَهَا الصَّدْر وقوى بهَا الْقلب وَإِذا سَمِعت أضدادها أوجب لَهَا ضد هَذِه الْحَال فأحزنها ذَلِك وأثار لَهَا خوفًا وطيرة وأنكماشا وانقباضا عَمَّا قصدت لَهُ وعزمت عَلَيْهِ فأورث لَهَا ذَلِك ضَرَرا فِي الدُّنْيَا ونقصا فِي الْإِيمَان ومقارفة للشرك كَمَا ذكره أَبُو عمر

стр. 548

فِي التَّمْهِيد من حَدِيث الْمقري عَن أَبى لَهِيعَة حَدثنَا ابْن هُبَيْرَة عَن أَبى عبد الرَّحْمَن الجيلى عَن عبد الله بن عمر عَن رَسُول قَالَ من أرجعته الطَّيرَة من حَاجته فقد أشرك قَالَ وَمَا كَفَّارَة ذَلِك يَا رَسُول الله قَالَ أَن يَقُول أحدهم اللَّهُمَّ لاطير إِلَّا طيرك وَلَا خير إِلَّا خيرك وَلَا إِلَه غَيْرك ثمَّ يمضى لِحَاجَتِهِ ٠٠ وَذكر ابْن وهب قَالَ أَخْبرنِي أُسَامَة بن زيد قَالَ سَمِعت نَافِع بن جُبَير ابْن مطعم يَقُول سَأَلَ كَعْب الْأَحْبَار عبد الله بن عمر هَل تتطير فَقَالَ نعم قَالَ فَكيف تَقول إِذا تطيرت قَالَ أَقُول اللَّهُمَّ لَا طير إِلَّا طيرك وَلَا خير إِلَّا خيرك وَلَا رب غَيْرك وَلَا قُوَّة إِلَّا بك فَقَالَ كَعْب أَنه أفقه الْعَرَب وَالله إِنَّهَا لكذلك فِي التَّوْرَاة وَهَذَا الَّذِي جعله الله سُبْحَانَهُ فِي طباع النَّاس وغرائزهم من الْإِعْجَاب بالأسماء الْحَسَنَة والألفاظ المحبوبة وَهُوَ نَظِير مَا جعل فِي غرائزهم من الْإِعْجَاب بالمناظر الأنيقة والرياض المنورة والمياه الصافية والألوان الْحَسَنَة والروائح الطّيبَة والمطاعم المستلذة وَذَلِكَ أَمر لَا يُمكن دَفعه وَلَا يحد الْقلب عَنهُ انصرافا فَهُوَ ينفع الْمُؤمن وَيسر نَفسه وينشطها وَلَا يَضرهَا فِي إيمَانهَا وتوحيدها وَأخْبر فِي حَدِيث أَبى هُرَيْرَة أَن الفأل من الطَّيرَة وَهُوَ خَيرهَا فَقَالَ لَا طيرة وَخَيرهَا الفأل فَأبْطل الطَّيرَة وَأخْبر أَن الفأل مِنْهَا وَلكنه خَيرهَا ففصل بَين الفأل والطيرة لما بَينهمَا من الامتياز والتضاد ونفع أَحدهمَا ومضرة الآخر وَنَظِير هَذَا مَنعه من الرقاء بالشرك وإذنه فِي الرّقية إِذا لم تكن شركا لما فِيهَا من الْمَنْفَعَة الخالية عَن الْمفْسدَة وَقد اعتاص هَذَا الْفرْقَان على أفهام كثير مِمَّن غلظ عَن معرفَة الْحق وَالدّين حجابه وَغلظ عَنهُ طبعه وكشف عَنهُ فهمه فَقَالَ السَّامع إِذا سمع مثلا يَا بِشَارَة أَو أبشر أَو لَا تخف أَو يانجيح وَنَحْوه وَسمع ضد ذَلِك فَأَما أَن يُوجب الْأَمر أَن مايشاكلهما وَأما وَأَن لَا يوجبا شَيْئا فَأَما أَن يُوجب أَحدهمَا دون الآخر فَلَا وَجه لَهُ وَهَذَا من عمى عَن الْهدى وصم عَن سَمَاعه وَإِنَّمَا تحصل الْهِدَايَة من أَلْفَاظ رَسُول الله صلى عَلَيْهِ وَسلم وتشرق ألفاظها فِي صدر من تلقاها بالتصديق وَالْقَبُول فأذعن لَهَا بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة وقابلها بالرضى وَالتَّسْلِيم وَعلم أَنَّهَا منبع الْهدى ومعين الْحق وَنحن بِحَمْد الله نوضح لمن اشْتبهَ ذَلِك عَلَيْهِ فرقان مَا بَينهمَا وَفَائِدَة الفأل ومضرة الطَّيرَة فَنَقُول ٠٠ الفأل والطيرة وَإِن كَانَ مأخذهما سَوَاء ومجتناهما وَاحِدًا فَإِنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ بالمقاصد ويفترقان بالمذاهب فَمَا كَانَ محبوبا مستحسنا تفاءلوا بِهِ وسموه الفأل وأحبوه ورضوه وَمَا كَانَ مَكْرُوها قبيحا منفرا تشاءموا بِهِ وكرهوه وتطيروا مِنْهُ وسموه طيرة تعرقة بَين الْأَمريْنِ وتفصيلا بَين الْوَجْهَيْنِ وَسُئِلَ بعض الْحُكَمَاء فَقيل لَهُ مَا بالكم تَكْرَهُونَ الطَّيرَة وتحبون الفأل فَقَالَ لنا فِي الفأل عَاجل الْبُشْرَى وَإِن قصر عَن الأمل ونكره الطَّيرَة لما يلْزم قُلُوبنَا من الوجل وَهَذَا الْفرْقَان حسن جدا وَأحسن مِنْهُ مَا قَالَه ابْن الرُّومِي فِي ذَلِك الفأل لِسَان الزَّمَان والطيرة عنوان الْحدثَان وَقد كَانَت الْعَرَب تقلب الْأَسْمَاء تطيرا وتفاؤل

стр. 549

فيسمون اللديغ سليما باسم السَّلامَة وتطيرا من اسْم السقم ويسمون العطشان ناهلا أَي سنهل والنهل الشّرْب تفاؤلا باسم الرّيّ ويسمون الفلاة مفازة أَي منجاة تفاؤلا بالفوز والنجاة وَلم يسموها مهلكة لأجل الطَّيرَة وَكَانَت لَهُم مَذَاهِب فِي تَسْمِيَة أَوْلَادهم فَمنهمْ من سموهُ بأسماء تفاؤلا بالظفر على أعدائهم نَحْو غَالب وغلاب وَمَالك وظالم وعارم ومنازل وَمُقَاتِل ومعارك ومسهر ومؤرق ومصبح وطارق وَمِنْهُم من تفاءل بِالسَّلَامِ كتسميتهم بسالم وثابت وَنَحْوه وَمِنْهُم من تفاءل بنيل الحظوظ والسعادة كسعد وَسَعِيد وأسعد ومسعود وسعدى وغانم وَنَحْو ذَلِك وَمِنْهُم من قصد لتسميته بأسماء السبَاع ترهيبا لأعدائهم نَحْو أَسد وَلَيْث وذئب وضرغام وشبل وَنَحْوهَا وَمِنْهُم من قصد التَّسْمِيَة بِمَا غلظ وخشن من الْأَجْسَام تفاؤلا بِالْقُوَّةِ كحجر وصخر وفهر وجندل وَمِنْهُم من كَانَ يخرج من منزله وَامْرَأَته تمخض فيسمى مَا تلده باسم أول مَا يلقاه كَائِنا مَا كَانَ من سبع أَو ثَعْلَب أَو ضَب أَو كلب أَو ظَبْي أَو حشيش أَو غَيره وَكَانَ الْقَوْم على ذَلِك إِلَى أَن جَاءَ الله بِالْإِسْلَامِ وَمُحَمّد رَسُوله فَفرق بِهِ بَين الْهدى والضلال والغي والرشاد وَبَين الْحسن والقبيح والمحبوب وَالْمَكْرُوه والضار والنافع وَالْحق وَالْبَاطِل فكره الطَّيرَة وأبطلها وَاسْتحبَّ الفأل وحمده فَقَالَ لَا طيرة وَخَيرهَا الفأل قَالُوا وَمَا الفأل قَالَ الْكَلِمَة الصَّالِحَة يسْمعهَا أحدكُم وَقَالَ عبد الله بن عَبَّاس لَا طيرة وَلكنه فأل والفأل الْمُرْسل يسَار وَسَالم وَنَحْوه من الإسم يعرض لَك على غير ميعاد وَسُئِلَ بعض الْعلمَاء عَن الفأل فَقَالَ أَن تسمع وَأَنت قد أضللت بَعِيرًا أَو شَيْئا يَا وَاجِد أَو أَنْت خَائِف يَا سَالم وَقَالَ الْأَصْمَعِي سَأَلت ابْن عون عَن الفأل فَقَالَ أَن يكون مَرِيضا فَيسمع يَا سَالم وأخبرك عَن نَفسِي بقضية من ذَلِك وَهِي أَنِّي أضللت بعض الْأَوْلَاد يَوْم التَّرويَة بِمَكَّة وَكَانَ طفْلا فجهدت فِي طلبه والنداء عَلَيْهِ فِي سَائِر الركب إِلَى وَقت يَوْم الثَّامِن فَلم أقدر لَهُ على خبر فأيست مِنْهُ فَقَالَ لي إِنْسَان إِن هَذَا عجز اركب وادخل الْآن إِلَى مَكَّة فتطلبه فِيهَا فركبت فرسا فَمَا هُوَ إِلَّا أَن اسْتقْبلت جمَاعَة يتحدثون فِي سَواد اللَّيْل فِي الطَّرِيق وأحدهم يَقُول ضَاعَ لَهُ شَيْء فَلَقِيَهُ فَلَا أَدْرِي انْقِضَاء كَلمته كَانَ اسرع أم وجداني الطِّفْل مَعَ بعض أهل مَكَّة فِي محملة عَرفته بِصَوْتِهِ فَقَوله وَلَا طيرة وَخَيرهَا الفأل يَنْفِي عَن الفأل مَذْهَب الطَّيرَة من تَأْثِير أَو فعل أَو شركَة ويخلص الفال مِنْهَا وَفِي الْفرْقَان بَينهمَا فَائِدَة كَبِيرَة وَهِي أَن التطير هُوَ التشاؤم من الشَّيْء المرئي أَو المسموع فَإِذا استعملها الْإِنْسَان فَرجع بهَا من سَفَره وَامْتنع بهَا مِمَّا عزم عَلَيْهِ فقد قرع بَاب الشّرك بل ولجه وبرىء من التَّوَكُّل على الله وَفتح على نَفسه بَاب الْخَوْف والتعلق بِغَيْر الله والتطير مِمَّا يرَاهُ أَو يسمعهُ وَذَلِكَ قَاطع لَهُ عَن مقَام إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين وأعبده وتوكل عَلَيْهِ وَعَلِيهِ توكلت وَإِلَيْهِ أنيب فَيصير قلبه مُتَعَلقا بِغَيْر الله عبَادَة وتوكلا فَيفْسد عَلَيْهِ قلبه وإيمانه

стр. 550

وحاله وَيبقى هدفا لسهام الطَّيرَة ويساق إِلَيْهِ من كل أَوب ويقيض لَهُ الشَّيْطَان من ذَلِك مَا مَا يفْسد عَلَيْهِ دينه ودنياه وَكم هلك بذلك وخسر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَأَيْنَ هَذَا من الفأل الصَّالح السار للقلوب الْمُؤَيد للآمال الفاتح بَاب الرَّجَاء الْمسكن للخوف الرابط للجاش الْبَاعِث على الِاسْتِعَانَة بِاللَّه والتوكل عَلَيْهِ والاستبشار المقوى لأمله السار لنَفسِهِ فَهَذَا ضد الطَّيرَة فالفأل يُفْضِي بِصَاحِبِهِ إِلَى الطَّاعَة والتوحيد والطيرة تُفْضِي بصاحبها إِلَى الْمعْصِيَة والشرك فَلهَذَا اسْتحبَّ الفأل وأبطل الطَّيرَة وَأما حَدِيث اللقحة وَمنع النَّبِي حَربًا وَمرَّة من حلبها وَأذنه ليعيش فِي حلبها فَلَيْسَ هَذَا بِحَمْد الله فِي شَيْء من الطَّيرَة لِأَنَّهُ محَال أَن ينْهَى عَن شَيْء ويبطله ثمَّ يتعاطاه هُوَ وَقد أَعَاذَهُ الله سُبْحَانَهُ من ذَلِك قَالَ أَبُو عمر لَيْسَ هَذَا عِنْدِي من بَاب الطَّيرَة لِأَنَّهُ محَال أَن ينْهَى عَن شَيْء ويفعله وَإِنَّمَا هُوَ من طلب الفال الْحسن وَقد كَانَ أخْبرهُم عَن أقبح الْأَسْمَاء أَنه حَرْب وَمرَّة فأكد ذَلِك حَتَّى لَا يتسمى بهَا أحد ثمَّ سَاق من طَرِيق ابْن ربيعَة عَن جَعْفَر بن ربيعَة بن يزِيد عَن عبد الله بن عَامر الْيحصبِي أَن رَسُول الله قَالَ خير الْأَسْمَاء عبد الله وَعبد الرَّحْمَن واصدقها حَارِث وَهَمَّام حَارِث يحرث لأبنائه وَهَمَّام يهم بِالْخَيرِ وَكَانَ يكره الإسم الْقَبِيح لِأَنَّهُ كَانَ يتفاءل بالْحسنِ من الْأَشْيَاء ثمَّ سَاق من طَرِيق ابْن وهب حَدثنِي ابْن لَهِيعَة عَن الْحَارِث بن يزِيد عَن عبد الرَّحْمَن بن جُبَير عَن يعِيش الْغِفَارِيّ قَالَ دَعَا النَّبِي يَوْمًا بِنَاقَة فَقَالَ من يحلبها فَقَامَ رجل فَقَالَ أَنا فَقَالَ مَا اسْمك قَالَ مرّة قَالَ اقعد ثمَّ قَامَ آخر فَقَالَ مَا اسْمك قَالَ جَمْرَة قَالَ اقعد ثمَّ قَامَ رجل فَقَالَ مَا اسْمك قَالَ يعِيش قَالَ احلبها وروى حَمَّاد بن سَلمَة عَن حميد عَن بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ أَن رَسُول الله كَانَ إِذا توجه لحَاجَة يحب أَن يسمع يانجيح يَا رَاشد يَا مبارك وَقد روى من حَدِيث بُرَيْدَة أَن النَّبِي كَانَ لَا يتطير من شَيْء وَلَكِن كَانَ إِذا سَالَ عَن اسْم الرجل فَكَانَ حسنا رؤى البشاشة فِي وَجهه وَإِن كَانَ سَيِّئًا رؤى ذَلِك فِي وَجهه وَإِذا سَأَلَ عَن اسْم الأَرْض وَكَانَ حسنا رؤى ذَلِك فِيهِ قلت الحَدِيث رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده حَدثنَا عبد الصمد حَدثنَا هِشَام عَن قَتَادَة عَن عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه قَالَ كَانَ رَسُول الله لَا يتطير من شَيْء وَلكنه إِذا أَرَادَ أَن يَأْتِي ارضا سَالَ عَن اسْمهَا فَإِن كَانَ حسنا رؤى ذَلِك فِي وَجهه وَكَانَ إِذا بعث رجلا سَأَلَ عَن اسْمه فَإِن كَانَ حسن الإسم رؤى الْبشر فِي وَجهه وَإِن كَانَ قبيحا رؤى ذَلِك فِي وَجهه وَقَالَ ابو عمر حَدثنَا عبد الْوَارِث حَدثنَا قَاسم حَدثنَا أَحْمد بن زُهَيْر بن حُسَيْن بن حُرَيْث ابْن عبد الله بن بريده عز الْحُسَيْن بن وَاقد عَن عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه قَالَ كَانَ النَّبِي لَا يتطير وَلَكِن كَانَ يتفاءل فَركب بُرَيْدَة فِي سبعين رَاكِبًا من أهل بَيته من بني أسلم فَتلقى النَّبِي لَيْلًا فَقَالَ لَهُ النَّبِي من أَنْت قَالَ أَنا بُرَيْدَة فَالْتَفت إِلَى أبي بكر قَالَ يَا أَبَا بكر

стр. 551

برد أمرنَا وَصلح ثمَّ قَالَ مِمَّن قَالَ من أسلم قَالَ لأبى بكر سلمنَا ثمَّ قَالَ مِمَّن قَالَ من بنى سهم قَالَ خرج سهمنا قَالَ أَحْمد بن زُهَيْر قَالَ أَنا أَبُو عمار سَمِعت أَو كَمَا يحدث هَذَا الحَدِيث بعد ذَلِك عَن أَخِيه سهل بن عبد الله عَن أَبِيه عبد الله بن بُرَيْدَة فَأَعَدْت ثَلَاثًا من حَدثَك قَالَ سهل أخي وَالَّذِي يكْشف أَمر حَدِيث اللقحة مازاده ابْن وهب فِي جَامعه الحَدِيث فَقَالَ بعد أَن ذكره فَقَامَ عمر بن الْخطاب فَقَالَ أَتكَلّم يَا رَسُول الله أم أصمت قَالَ بل أصمت وأخبرك بِمَا أردْت ظَنَنْت يَا عمر أَنَّهَا طيرة وَلَا طير إِلَّا طيره وَلَا خير إِلَّا خَيره وَلَكِن أحب الفأل الْحسن فَزَالَ بذلك تعلق المتطيرين بن ووضح أَمر الحَدِيث وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين ٠٠ وَيُمكن أَن يكون هَذَا مِنْهُ على سَبِيل التَّأْدِيب لأمته لِئَلَّا يتسموا بالأسماء القبيحة وليبادر من أسلم مِنْهُم وَله اسْم قَبِيح إِلَى إِبْدَاله بِغَيْرِهِ من غير إِيجَاب مِنْهُ وَلَا إِلْزَام وَلَكِن لوَجْهَيْنِ من الِاسْتِحْبَاب: أَحدهمَا انتقالهم عَن مَذَاهِب آبَائِهِم ومقاصد سلفهم الْفَاسِدَة القبيحة الَّتِي يحزن بهَا بَعضهم بَعْضًا عِنْد سماعهَا وموافاة أَهلهَا ومخالطتهم ومفاجأتهم لما يبْقى فِي ذَلِك من آثَار الطَّيرَة الكامنة فِي الغريزة فَإِن سلم العَبْد مِنْهَا وجاهد نَفسه كليها عِنْد لقيا صَاحبهَا وسماعه لاسم أَخِيه لم يسلم من الكمد وحزن الْقلب وَقد يُؤدى ذَلِك إِلَى الْبغضَاء وَإِلَى ضرب من النفرة والتفرقة كالصديق يَدعُوهُ الصّديق الْقَبِيح الِاسْم فقد يتَمَنَّى خاطره أَنه لم يَصْحَبهُ وَلَا رَآهُ وَلَا سمع اسْمه حَتَّى إِذا طمع بِهِ وَدعَاهُ ذُو الِاسْم الْحسن ابتهج أليه وَأَقْبل عَلَيْهِ وسر بصياحه ودعائه لَهُ لراحة قلبه إِلَى حسن اسْمه فقد يَدْعُو الْبعيد من قلبه وَيبعد الصّديق من نَفسه من أجل اسْمه فَكيف بِهِ إِذا رَآهُ من يَوْمه وعبرله تَعْبِير السوء من اشتقاق اسْمه كَيفَ يعود متمنيا لفقده فِي رقاده متكرها للقائه متطيرا لرُؤْيَته وَهَذَا ضد التوادد والتراحم والتوالف الَّذِي قصد الشَّارِع ربطه بَين الْمُؤمنِينَ فكره ﷺ لأمته مقَامهَا على حَالَة يُؤْذى بهَا بَعضهم بَعْضًا لغير عذر وَلَا فَائِدَة تعود عَلَيْهِم لَا فِي الدِّينَا وَلَا فِي الآخر ويؤدى هَذَا إِلَى التقاطع والتنافر مَعَ أَنه قد ندبهم وَاسْتحبَّ لَهُم إِدْخَال أحدهم السرُور على أَخِيه الْمُسلم مَا اسْتَطَاعَ وَدفع الْأَذَى وَالْمَكْرُوه عَنهُ فَقَالَ لَا تقاطعوا وَلَا تدابروا وَكُونُوا عباد الله إخْوَانًا الْمُسلم أَخُو الْمُسلم وَقد أَمرهم يَوْم الْجُمُعَة بِالْغسْلِ وَالطّيب عِنْد اجْتِمَاعهم لِئَلَّا يُؤْذى بَعضهم بَعْضًا برائحته الَّتِي انما يتجشمها سَاعَة للاجتماع ثمَّ يفترقا وَمنع آكل الثوم والبصل من دُخُول الْمَسْجِد لأجل تأذى النَّاس وَالْمَلَائِكَة بِهِ وَمنع الِاثْنَيْنِ أَن يتناجيا دون صَاحبهمَا خشيَة تأذيه وحزنه وَمنع أحدهم أَن يَأْكُل مَتَاع أَخِيه لاعبا لِأَن ذَلِك يُؤْذِيه وَمَعْلُوم أَن ضَرَر الِاسْم الْقَبِيح على كثير مِنْهُم عَلَيْهِ عِنْد همه وَخُرُوجه من منزله ورؤية صَاحبه فِي مَنَامه ودعائه من برائحة الثوم والبصل وَهَذَا من كَمَال رأفته وَرَحمته بِالْمُؤْمِنِينَ وَعزة مَا عنتوا

стр. 552

عَلَيْهِ وَلِهَذَا وَالله أعلم غير كثيرا من الْأَسْمَاء القبيحة بِأَحْسَن مِنْهَا وَغير أَسمَاء حَسَنَة إِلَى غَيرهَا خشيَة الطَّيرَة والتأذى عِنْد نَفيهَا وَالْخُرُوج من عِنْد الْمُسَمّى أَو لتضمنها تَزْكِيَة النَّفس وَنَحْوهَا فَالْأول كَغَيْرِهِ اسْم الْحباب بن الْمُنْذر بِعَبْد الرَّحْمَن وَقَالَ الْحباب اسْم الشَّيْطَان وَغير أَبَا مرّة إِلَى أَبى حلوة وَغير أَبَا الْمعاصِي إِلَى مُطِيع وَغير عاصية بجميلة وَغير أسم بنى الشَّيْطَان إِلَى بنى عبد الله وَغير اسْم أَصْرَم إِلَى اسْم زرْعَة وَغير اسْم حزن جد سعيد بن الْمسيب إِلَى سهل فَأبى قبُول ذَلِك فَلَزِمَهُ مُسَمّى اسْمه من الحزونة لَهُ ولذريته ٠٠ وَقَالَ أَبُو دَاوُد وَغير النَّبِي اسْم الْعَاصِ وعزير وعقلة والشيطان وَالْحكم وغراب وحباب وشهاب فَسَماهُ هشاما وسمى حَربًا سلما وسمى المضطجع المنبعث وأرضا اسْمهَا عفرَة سَمَّاهَا خضرَة وَشعب الضَّلَالَة سَمَّاهُ شعب الْهدى وَبَنُو الزنية سماهم بنى الرشدة وسمى بنى مغويه بنى رشدة قَالَ أَبُو دَاوُد تركت أسانيدها للاختصار ٠٠ وَقَالَ مَسْرُوق لقِيت عمر فَقَالَ من أَنْت فَقلت مَسْرُوق بن الأجدع فَقَالَ عمر سَمِعت رَسُول الله صلى عَلَيْهِ وَسلم يَقُول الأجدع شَيْطَان وَأما الثَّانِي فَفِي صَحِيح مُسلم عَن سَمُرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى وَعَلِيهِ وَسلم لاتسمين غلامك يسارا وَلَا رباحا وَلَا نجيحا وَلَا أَفْلح فَإنَّك تَقول اثم هُوَ فَيُقَال لَا وَغير اسْم برة بِزَيْنَب وَكره أَن يُقَال خرج من عِنْد برة وَأما الثَّالِث فكتغييره أَبَا الحكم بِأبي شُرَيْح وَتَفْسِيره أَيْضا برة بِزَيْنَب وَقَالَ لَا تزكوا أَنفسكُم فروى مُسلم فِي صَحِيحه عَن مُحَمَّد ابْن عَمْرو بن عَطاء أَن زَيْنَب بنت أَبى سَلمَة سَأَلته مَا سميت بنتك قَالَ سميتها برة فَقَالَت إِن رَسُول الله صلى عَلَيْهِ وَسلم نهى عَن هَذَا الِاسْم وَسميت برة فَقَالَ النَّبِي لَا تزكوا أَنفسكُم الله أعلم بِأَهْل الْبر مِنْكُم فَقَالُوا مَا نسميها قَالَ سَموهَا زَيْنَب وَمن هَذَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أَبى هُرَيْرَة عَن النَّبِي أَن أخنع اسْم عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة رجل تسمى ملك الْأَمْلَاك لَا مَالك إِلَّا الله قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة مثل شاهان شاه وَذكر وهب أَن رَسُول الله عَلَيْهِ وَسلم أَتَى بِغُلَام فَقَالَ مَا سميتم هَذَا قَالُوا السَّائِب فَقَالَ لَا تسموه السَّائِب وَلَكِن سموهُ عبد الله قَالَ فغلبوا على اسْمه فَلم يمت حَتَّى ذهب عقله فَإِن قيل فقد كَانَ لرَسُول الله اسْمه رَبَاح وَكَانَ لأبى أَيُّوب غُلَام اسْمه أَفْلح ولعَبْد الله بن عمر غُلَام اسْمه رَبَاح قيل هَذَا النهى من النَّبِي لم يكن على وَجه الْعَزِيمَة والحتم وَلَكِن كَانَ على جِهَة الْكَرَاهَة وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا روى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن سعيد بن الْمسيب عَن أَبِيه عَن جده حزن أَنه أَتَى النَّبِي فَقَالَ لَهُ مَا اسْمك قَالَ حزن فَقَالَ أَنْت سهل لَا أغير اسْما سمانية أَبى فَلم يُنكر عَلَيْهِ النَّبِي وَلَا أخبرهُ أَن ذَلِك مَعْصِيّة بل سكت عَنهُ وَكَذَلِكَ لما غير اسْم السَّائِب فَأَبَوا تَغْيِيره لم يُنكر عَلَيْهِم وَأَيْضًا فروى مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث أَبى الزبير عَن جَابر قَالَ أَرَادَ النَّبِي أَن ينْهَى أَن يُسمى بيعلى وبركة وأفلح ويسار وَنَافِع وَنَحْو ذَلِك ثمَّ رَأَيْته سكت

стр. 553

بعد عَنْهَا فَلم يقل شَيْئا ثمَّ قبض وَلم ينْه عَن ذَلِك ثمَّ أَرَادَ عمر رضى الله عَنهُ أَن ينْهَى عَن ذَلِك ثمَّ تَركه وَرَأَيْت لبَعْضهِم فِي الْفرق بَين الفأل والطيرة كلَاما مَا أذكرهُ بِلَفْظِهِ قَالَ أما مَا روى أَن النَّبِي كَانَ يتفاءل وَلَا يتطير فهما وَإِن كَانَ مَعْنَاهَا وَاحِد فِي الِاسْتِدْلَال فبينهما افْتِرَاق لِأَن الفأل إبانة والتطير اسْتِدْلَال والإبانة أَكثر واشهر وأوضح وأفصح لِأَن من كَانَ فِي قلبه وضميره شَيْء فَسمع قَائِلا يَقُول أقبل الْخَيْر وامض بِسَلام أَو أبشر أَو نَحْو ذَلِك فقد اكْتفى بِمَا سمع من الِاسْتِدْلَال وَالَّذِي يرى طائرا يَصِيح أَو ينوح فَلَيْسَ مَعَه إِلَى الِاسْتِدْلَال على الْيمن بالسانح والشؤم بالبارح وَهَذَا أَمر قد يكون وَقد لَا يكون وَذَلِكَ الفأل فِي الْأَعَمّ يكون وَقَالَ آخَرُونَ إِن النَّبِي لم يكن يتطير أَي لم يكن يسند الْأُمُور الكائنة من الْخَيْر وَالشَّر إِلَى الطير كَمَا يفعل الكهنة وَقَالَ آخَرُونَ إِن النَّبِي كَانَ إِذا جلس مَعَ أَصْحَابه فَتكلم أحدهم بِخَير أَو سمع من تكلم حصهم عَلَيْهِ وعرفهم بِهِ وَمَعْلُوم أَنه لَا بُد لطائر أَن يمر سانحا أَو بارحا أَو قعيدا أَو ناطحا فَلَا يوقفهم عَلَيْهِ وَلَا يعرفهُمْ بِهِ إِذْ ذَلِك من فعل الْكُهَّان وَكَانَ الحَدِيث المروى عَنهُ أَنه كَانَ يتفاءل وَلَا يتطير من هَذَا الْمَعْنى وَقد أغْنى الله رَسُوله باخباره بارسال جِبْرِيل إِلَيْهِ بِمَا يحدثه سُبْحَانَهُ من الِاسْتِدْلَال على أحداثه بالأشياء الَّتِي ينظر فِيهَا غَيره تَفْرِقَة مِنْهُ سُبْحَانَهُ بَين النُّبُوَّة وَغَيرهَا فان قيل فَهَذَا الَّذِي نزل بِهَذَيْنِ الرجلَيْن وهما السَّائِب وحزن هَل كَانَ من أجل اسمهما أم من جِهَة غير الِاسْم قيل قد يظنّ من لَا ينعم النّظر أَن الَّذِي نزل بهما هُوَ من جِهَة اسميهما ويصحح بذلك امْر الطَّيرَة وتأثيرها وَلَو كَانَ كَمَا ظنوه لوَجَبَ أَن ينزل بِجَمِيعِ من تسمى باسميهما من أول الدَّهْر ولكان اقْتِضَاء الِاسْم لذَلِك كاقتضاء النَّار الإحراق وَالْمَاء والتبريد وَنَحْوه وَلَكِن يحمل ذَلِك وَالله أعلم على أَن الْأَمريْنِ الجاريين عَلَيْهِمَا قد تقدما فِي أم الْكتاب كَمَا تقدم لَهما أَيْضا أَن يتسميا باسميهما إِلَى أَن يخْتَار لَهما رَسُول الله وَغَيرهمَا فيرغبون عَن اخْتِيَاره ويتخلفون عَن استجابته فيعاقبا بِمَا قد سبق لَهما عُقُوبَة تطابق اسمهما ليَكُون ذَلِك زاجرا لمن سواهُمَا وَقد يكون خَوفه على اهل الْأَسْمَاء الْمَكْرُوهَة أَيْضا من مثل هَذِه الْحَوَادِث إِذْ قد تنزل بالإنسان بِلَا مَشِيئَة بِمَا فِي اسْمه فيظن هُوَ أَو جَمِيع من بلغه أَن ذَلِك كَانَ من أجل اسْمه عَاد عَلَيْهِ بشؤمه فيعصي الله وَقد كره قوم من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ أَن يسموا عبيدهم عبد الله أَو عبد الرَّحْمَن أَو عبد الْملك وَنَحْوه ذَلِك مَخَافَة أَن يعتقهم ذَلِك قَالَ سعيد بن جُبَير كنت عِنْد ابْن عَبَّاس سنة لَا ُأكَلِّمهُ وَلَا أعرفهُ وَلَا يعرفنِي حَتَّى أَتَاهُ يَوْمًا كتاب من امْرَأَة من أهل الْعرَاق فَدَعَا غلمانه فَجعل يكني عَن عبيد الله وَعبد الله واشباهم وَيَدْعُو يَا مِخْرَاق يَا وثاب وروى أَبُو مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم

стр. 554

قَالَ كَانُوا يكْرهُونَ أَن يُسمى الرجل غُلَامه عبد الله مَخَافَة أَن ذَلِك يعتقهُ وروى مُغيرَة عَن ابي معشر عَن إِبْرَاهِيم أَنه كره أَن يُسمى مَمْلُوكه عبد وَعبيد الله وَعبد الْملك وَعبد الرَّحْمَن واشباهه مَخَافَة الْعتْق قَالَ بعض أهل الْعلم كراهتهم لذَلِك نَظِير مَا كره رَسُول الله من تَسْمِيَة المماليك برباح وَنَافِع وأفلح لِأَن ذَلِك كَانَ مِنْهُ حذرا من أَن يُقَال أهاهنا نَافِع فَيُقَال لَا أَو أَثم أَفْلح فَيُقَال لَا أَو بركَة أَو يسَار أَو رَبَاح فَيُقَال لَا وَمَعْلُوم إِن السَّائِل عَن انسان إسمه أَفْلح أَو نَافِع أَو رَبَاح هَل هُوَ فِي مَكَان كَذَا إِنَّمَا مسئلة تِلْكَ عَن مُسَمّى شخص من أشخاص بني آدم سمى باسم جعل عَلَيْهِ دَلِيلا يعرف بِهِ إِذا ذكر إِذا كَانَت الْأَسْمَاء العوارى المفرقة بَين الْأَشْخَاص المتشابهة إِنَّمَا هِيَ أَدِلَّة المسمين بهَا لَا مسالة عَن شخص صفته النَّفْع والفلاح وَالْبركَة وَذَلِكَ من كَرَاهَته نَظِير كَرَاهَته تَسْمِيَة تِلْكَ الْمَرْأَة برة فحول إسمها جوَيْرِية وتحويله اسْم أَرض كَانَ اسْمهَا عفرَة فَردهَا خضرَة وَنَحْو ذَلِك كثير وَمَعْلُوم أَن تحويله مَا حول من هَذِه الْأَسْمَاء عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ لم يكن لِأَن التَّسْمِيَة بِمَا كَانَ الْمُسَمّى بِهِ مِنْهُم مُسَمّى قبل تحويله ذَلِك كَانَ حرَام التَّسْمِيَة وَلَكِن كَانَ ذَلِك مِنْهُ وعَلى وَجه الإستحباب وَاخْتِيَار الْأَحْسَن على الَّذِي هُوَ دونه فِي الْحسن إِذْ كَانَ لَا شَيْء فِي الْقَبِيح من الْأَسْمَاء إِلَّا وَفِي الْجَمِيل الْحسن مِنْهَا مثله من الدّلَالَة على الْمُسَمّى بِهِ مَعَ تخير الْأَحْسَن بِفضل الْحسن وَالْجمال من غير مُؤنَة تلْزم صَاحبه بِسَبَب التسمى وَكَذَلِكَ كَرَاهَة من كره تَسْمِيَة مَمْلُوكه عبد الله وَعبد الرَّحْمَن إِنَّمَا كَانَت كَرَاهَة ذَلِك حذرا أَن يُوجب ذَلِك لَهُ الْعتْق وَلَا شكّ أَن جَمِيع بني آدم عبيد الله أحرارهم وعبيدهم وَصفهم بذلك واصف أَو لم يصفهم وَلَكِن الَّذين كَرهُوا التَّسْمِيَة بذلك صرفُوا هَذِه الْأَسْمَاء عَن رقيقهم لِئَلَّا يَقع اللّبْس على السَّامع بذلك من اسمائهم فيظن أَنهم أَحْرَار إِذْ كَانَ اسْتِعْمَال أَكثر النَّاس التَّسْمِيَة بِهَذِهِ الاسماء فِي الْأَحْرَار فتجنبوا ذَلِك إِلَى مَا يزِيل اللّبْس عَنْهُم من أَسمَاء المماليك وَالله أعلم فصل وَأما الْأَثر الَّذِي ذكره مَالك عَن يحيى بن سعيد أَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ لرجل مَا اسْمك قَالَ جَمْرَة الحَدِيث الى آخِره فَالْجَوَاب عَنهُ أَنه لَيْسَ بِحَمْد الله فِيهِ شَيْء من الطَّيرَة وحاشا أَمِير الْمُؤمنِينَ ﵁ من ذَلِك وَكَيف يتطير وَهُوَ يعلم أَن الطَّيرَة شرك من الجبت وَهُوَ الْقَائِل فِي حَدِيث اللقحة مَا تقدم وَلَكِن وَجه ذَلِك وَالله أعلم أَن هَذَا القَوْل كَانَ مِنْهُ مُبَالغَة فِي الْإِنْكَار عَلَيْهِ لِاجْتِمَاع أَسمَاء النَّار والحريق فِي اسْمه وَاسم أَبِيه وجده وقبيلته وداره ومسكنه فَوَافَقَ قَوْله اذْهَبْ فقد احْتَرَقَ مَنْزِلك وقدرك وَلَعَلَّ قَوْله كَانَ السَّبَب وَكَثِيرًا مَا يجْرِي مثل هَذَا لمن هُوَ دون عمر بِكَثِير فَكيف بالمحدث الملهم الَّذِي مَا قَالَ لشَيْء اني

стр. 555

لأظنه كَذَا إِلَّا كَانَ كَمَا قَالَ وَكَانَ يَقُول الشَّيْء وَيُشِير بِهِ فَينزل الْقُرْآن بموافقته فاذا نزل الْأَمر الديني بموافقة قَوْله فَكَذَلِك وُقُوع الْأَمر الكوني القدرى مُوَافقا لقَوْله فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة ﵂ عَن النَّبِي أَنه كَانَ يَقُول قد كَانَ فِي الْأُمَم قبلكُمْ محدثون فان يكن فِي أمتِي أحد مِنْهُم فعمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ ابْن وهب تَفْسِير محدثون ملهمون وَفِي صَحِيح البخارى عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله لقد كَانَ فِيمَن كَانَ قبلكُمْ من بني اسرائيل رجال يعلمُونَ من غير أَن يَكُونُوا أَنْبيَاء فان يكن فِي أمتِي مِنْهُم أحد فعمر وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عمر ﵁ قَالَ وَافَقت رَبِّي فِي ثَلَاث فِي مقَام إِبْرَاهِيم وَفِي الْحجاب وَفِي اساري بدر وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن أنس قَالَ قَالَ عمر وَافقنِي الله فِي ثَلَاث أَو وَافقنِي رَبِّي فِي ثَلَاث قلت يَا رَسُول الله لَو اتَّخذت مقَام إِبْرَاهِيم مصلى وَقلت يَا رَسُول الله يدْخل عَلَيْك الْبر والفاجر فَلَو أمرت أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ بالحجاب فَأنْزل الله آيَة الْحجاب وَبَلغنِي معاتبة النَّبِي بعض نَسْأَلهُ فَدخلت عَلَيْهِنَّ فَقلت ان انتهيتن أَو ليبدلن الله رَسُوله خيرا مِنْكُن حَتَّى أتيت أحدى نِسَائِهِ فَقَالَت يَا عمر أما فِي رَسُول الله مَا يعظ نِسَاءَهُ حَتَّى تعظهن أَنْت فَأنْزل الله عَسى ربه إِن طَلَّقَكُن أَن يُبدلهُ أَزْوَاجًا خيرا مِنْكُن الْآيَة وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه لما قَامَ ليصلى على عبد الله بن أبي بن أبي سلول رَأس الْمُنَافِقين قَامَ عمر فَأخذ ثَوْبه وَقَالَ يَا رَسُول الله أَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَقد نهاك الله أَن تصلي عَلَيْهِ فَقَالَ رَسُول الله إِنَّمَا خيرني الله فَقَالَ اسْتغْفر لَهُم أَو لَا تستغفر لَهُم إِن تستغفر لَهُم سبعين مرّة فَلَنْ يغْفر الله لَهُم وسأزيد على السّبْعين وَصلى رَسُول الله فَأنْزل الله وَلَا تصل على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا وَلَا تقم على قَبره فَترك الصَّلَاة عَلَيْهِم فَإِذا كَانَت هَذِه مُوَافقَة عمر لرَبه فِي شَرعه وَدينه وينطق بالشَّيْء فَيكون هُوَ الْمَأْمُور الْمَشْرُوع فَكَذَلِك لَا يبعد مُوَافَقَته لَهُ تَعَالَى فِي قَضَائِهِ وَقدره ينْطق بالشَّيْء فَيكون هُوَ المقضى الْمَقْدُور فَهَذَا لون والطيرة لون وَكَذَلِكَ جرى لَهُ تطير مَعَ رجل آخر ساله عَن اسْمه فَقَالَ ظَالِم فَقَالَ ابْن من قَالَ ابْن سَارِق قَالَ تظلم أَنْت وَيسْرق أَبوك وَذكر الْمَدَائِنِي عَن أبي صفرَة وَهُوَ أَبُو الْمُهلب أَنه ابْتَاعَ سلْعَة بِتَأْخِير من رجل من بني سعد فَأَرَادَ أَن يشْهد عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ مَا اسْمك قَالَ ظَالِم قَالَ ابْن من قَالَ ابْن سراق قَالَ لَا وَالله لَا يكون عَلَيْك شَيْء أبدا فصل وَأما محبَّة النَّبِي التَّيَمُّن فِي تنعله وَترَجله وَطهُوره وشأنه كُله فَلَيْسَ هَذَا من بَاب الفأل وَلَا التطير بالشمال فِي شَيْء وَلَكِن تَفْضِيل الْيَمين على الشمَال فَكَانَ يُعجبهُ

стр. 556

أَن يُبَاشر الافعال الَّتِي هِيَ من بَاب الْكَرَامَة بِالْيَمِينِ كَالْأَكْلِ وَالشرب وَالْأَخْذ وَالعطَاء وضدها بالشمال كالاستنجاء وامساك الذّكر وَإِزَالَة النَّجَاسَة فَإِن كَانَ الْفِعْل مُشْتَركا بَين العضوين بَدَأَ بِالْيَمِينِ فِي افعال التكريم وأماكنه كَالْوضُوءِ وَدخُول الْمَسْجِد وباليسار فِي ضد ذَلِك كدخول الْخَلَاء وَالْخُرُوج من الْمَسْجِد وَنَحْوه وَالله تَعَالَى فضل بعض مخلوقاته على بعض وَفضل بعض جوارح الْإِنْسَان وأعضائه على بعض ففضل الْعين على الكعب وَالْوَجْه على الرجل وَكَذَلِكَ فضل الْيَد الْيَمين على الْيَسَار وَخلق خلقه صنفين سعداء وجعلهم أَصْحَاب الْيَمين وأشقياء وجعلهم أَصْحَاب الشمَال وَقَالَ النَّبِي المقسطون عِنْد الله على مَنَابِر من نور عَن يَمِين الرَّحْمَن وكلتا يَدَيْهِ يَمِين الَّذين يعدلُونَ فِي حكمهم وأهليهم وَمَا ولوا وَفِي الصَّحِيح عَنهُ لما أسرى بِهِ رأى آدم فِي سَمَاء الدُّنْيَا وَإِذا عَن يَمِينه اسودة وَعَن يسَاره اسودة فَإِذا نظر قبل يَمِينه عَنهُ ضحك وَإِذا نظر قبل شِمَاله بَكَى فَقَالَ مَا هَذَا يَا جِبْرِيل فَقَالَ هَذَا آدم وَهَذِه الاسودة عَن يَمِينه ويساره بنوه فَأهل الْيَمين أهل السَّعَادَة من ذُريَّته وَأهل الْيَسَار أهل الشقاوة وَفِي الْمسند عَن عَائِشَة قَالَت كَانَت يَد رَسُول الله الْيَمين لطهوره وَطَعَامه وَكَانَت يَده الْيُسْرَى لخلائه وَمَا كَانَ من أَذَى وَفِي الْمسند أَيْضا وَسنَن أبي دَاوُد عَن حَفْصَة بنت عمر زوج النَّبِي كَانَ يَجْعَل يَمِينه لطعامه وَيجْعَل شِمَاله لما سوى ذَلِك وَقَالَ أَحْمد كَانَت يَمِينه لطعامه وَطهُوره وَصلَاته وشأنه وَكَانَت شِمَاله لما سوى ذَلِك فصل وَأما قَوْله الشؤم فِي ثَلَاث الحَدِيث فَهُوَ حَدِيث صَحِيح من رِوَايَة ابْن عمر وَسَهل بن سعد وَمُعَاوِيَة بن حَكِيم وَقد روى أَن أم سَلمَة كَانَت تزيد السَّيْف يَعْنِي فِي حَدِيث الزهرى عَن حَمْزَة وَسَالم عَن أَبِيهِمَا فِي الشؤم وَقد اخْتلف النَّاس فِي هَذَا الحَدِيث وَكَانَت عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ ﵂ تنكر أَن يكون من كَلَام النَّبِي وَتقول إِنَّمَا حَكَاهُ رَسُول الله عَن أهل الْجَاهِلِيَّة وأقوالهم فَذكر أَبُو عمر بن عبد الْبر من حَدِيث هِشَام بن عمار حَدثنَا الْوَلِيد بن مُسلم عَن سعيد عَن قَتَادَة عَن أبي حسان أَن رجلَيْنِ دخلا على عَائِشَة وَقَالا إِن أَبَا هُرَيْرَة يحدث أَن النَّبِي قَالَ إِنَّمَا الطَّيرَة فِي الْمَرْأَة وَالدَّار وَالدَّابَّة فطارت شقة مِنْهَا فِي السَّمَاء وشقة فِي الارض ثمَّ قَالَت كذب وَالَّذِي أنزل الْفرْقَان على ابي الْقَاسِم من حدث عَنهُ بِهَذَا وَلَكِن رَسُول الله كَانَ يَقُول كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يَقُولُونَ ان الطَّيرَة فِي الْمَرْأَة وَالدَّار وَالدَّابَّة ثمَّ قَرَأت عَائِشَة مَا اصاب من مُصِيبَة فِي الارض وَلَا فِي أَنفسكُم إِلَّا فِي كتاب من قبل أَن نبرأها إِن فِي ذَلِك على الله يسير قَالَ أَبُو عمر وَكَانَت عَائِشَة

стр. 557

تَنْفِي الطَّيرَة وَلَا تعتقد مِنْهَا شَيْئا حَتَّى قَالَت لنسوة كن يُكْرهن الْبناء بأزواجهن فِي شَوَّال مَا تزَوجنِي رَسُول الله إِلَّا فِي شَوَّال وَمَا دخل بِي إِلَّا فِي شَوَّال فَمن كَانَ احظى مني عِنْده وَكَانَ تسْتَحب أَن يدخلن على أَزوَاجهنَّ فِي شَوَّال قَالَ أَبُو عمر وَقَوْلها فِي أبي هُرَيْرَة كذب فَإِن الْعَرَب تَقول كذبت بِمَعْنى غَلطت فِيمَا قدرت وأوهمت فِيمَا قلت وَلم تظن حَقًا وَنَحْو هَذَا وَذَلِكَ مَعْرُوف من كَلَامهم مَوْجُود فِي أشعارهم كثيرا قَالَ أَبُو طَالب: كَذبْتُمْ وَبَيت الله نَتْرُك مَكَّة ... ونظعن الا أَمركُم فِي بلابل كَذبْتُمْ وَبَيت الله نبري مُحَمَّدًا ... وَلما نطاعن دونه ونناضل ونسلمه حَتَّى نصرع حوله ... ونذهل عَن أَبْنَائِنَا والحلائل وَقَالَ شَاعِر من هَمدَان: كَذبْتُمْ وَبَيت الله لَا تأخذونه ... مراغمة مادام للسيف قَائِم وَقَالَ زفر بن الْحَارِث الْعَبْسِي: أَفِي الْحق إِمَّا بَحْدَل وَابْن بَحْدَل ... فيحي وَأما ابْن الزبير فَيقْتل كَذبْتُمْ وَبَيت الله لَا تَقْتُلُونَهُ ... وَلما يكن أَمر أغر محجل قَالَ أَلا ترى أَن هَذَا لَيْسَ من بَاب الْكَذِب الَّذِي هُوَ ضد الصدْق وَإِنَّمَا هُوَ من بَاب الْغَلَط وَظن مَا لَيْسَ بِصَحِيح وَذَلِكَ أَن قُريْشًا زَعَمُوا أَنهم يخرجُون بني هَاشم من مَكَّة ان لم يتْركُوا جوَار مُحَمَّد فَقَالَ لَهُم أَبُو طَالب كَذبْتُمْ أَي غلطتم فِيمَا قُلْتُمْ وظننتم وَكَذَلِكَ معنى قَول الْهَمدَانِي والعبسي وَهَذَا مَشْهُور فِي كَلَام الْعَرَب قلت وَمن هَذَا قَول سعيد بن جُبَير كذب جَابر بن زيد يَعْنِي فِي قَوْله الطَّلَاق بيد السَّيِّد أَي أَخطَأ وَمن هَذَا قَول عبَادَة ابْن الصَّامِت كذب ابو مُحَمَّد لما قَالَ الْوتر وَاجِب أَي أَخطَأ وَفِي الصَّحِيح أَن النَّبِي قَالَ كذب ابو السنابل لما أفتى أَن الْحَامِل الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا لَا تتَزَوَّج حَتَّى تتمّ لَهَا أَرْبَعَة أشهر وَعشرا وَلَو وضعت وَهَذَا كثير وَالْمَقْصُود أَن عَائِشَة ﵂ ردَّتْ هَذَا الحَدِيث وأنكرته وخطأت قَائِله وَلَكِن قَول عَائِشَة هَذَا مَرْجُوح وَلها ﵂ اجْتِهَاد فِي رد بعض الحاديث الصَّحِيحَة خالفها فِيهِ غَيرهَا من الصَّحَابَة وَهِي ﵂ لما طَنَّتْ أَن هَذَا احديث يَقْتَضِي إِثْبَات الطَّيرَة الَّتِي هِيَ من الشّرك لم يَسعهَا غير تَكْذِيبه ورده وَلَكِن الَّذين رَوَوْهُ مِمَّن لَا يُمكن رد روايتهم وَلم ينْفَرد بِهَذَا أَبُو هُرَيْرَة وَحده وَلَو انْفَرد بِهِ فَهُوَ حَافظ الْأمة على الْإِطْلَاق وَكلما رَوَاهُ النَّبِي فَهُوَ صَحِيح بل قد رَوَاهُ عَن النَّبِي عبد الله بن عمر بن الْخطاب ﵁ وَسَهل بن سعد الساعدى وَجَابِر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ وأحاديثهم فِي الصَّحِيح فَالْحق أَن الْوَاجِب بَيَان معنى الحَدِيث ومباينته للطيرة الشركية

стр. 558

فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق هَذَا الحَدِيث قد روى على وَجْهَيْن أَحدهمَا بِالْجَزْمِ وَالثَّانِي بِالشّرطِ فَأَما الأول فَرَوَاهُ مَالك عَن ابْن شهَاب عَن سَالم وَحَمْزَة بن عبد الله بن عمر عَن أَبِيهِمَا أَن رَسُول الله قَالَ الشؤم فِي الدَّار وَالْمَرْأَة وَالْفرس مُتَّفق عَلَيْهِ وَفِي لفظ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنهُ لَا عدوى وَلَا صفر وَلَا طيرة وَإِنَّمَا الشؤم فِي ثَلَاثَة الْمَرْأَة وَالْفرس وَالدَّار وَأما الثَّانِي فَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضا عَن سهل بن سعد قَالَ قَالَ رَسُول الله إِن كَانَ فَفِي الْمَرْأَة وَالْفرس والممكن يَعْنِي الشؤم وَقَالَ البُخَارِيّ إِن كَانَ فِي شَيْء وَفِي صَحِيح مُسلم عَن جَابر مَرْفُوعا إِن كَانَ فِي شَيْء فَفِي الرّبع وَالْخَادِم وَالْفرس وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عمر مَرْفُوعا إِن يكن من الشؤم شَيْء حَقًا فَفِي الْفرس والمسكن وَالْمَرْأَة وروى زُهَيْر بن مُعَاوِيَة عَن عتبَة بن حميد قَالَ حَدثنِي عبيد الله بن أبي بكر أَنه سمع أنسا يَقُول قَالَ رَسُول الله لَا طيرة والطيرة على من تطير وَإِن يكن فِي شَيْء فَفِي الْمَرْأَة وَالدَّار وَالْفرس ذكره أَبُو عمر وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى لم يجْزم النَّبِي بالشؤم فِي هَذِه الثَّلَاثَة بل علقه على الشَّرْط فَقَالَ إِن يكن الشؤم فِي شَيْء وَلَا يلْزم من صدق الشّرطِيَّة صدق كل وَاحِد من مفرديها فقد يصدق التلازم بَين المستحيلين قَالُوا وَلَعَلَّ الْوَهم وَقع من ذَلِك وَهُوَ أَن الرَّاوِي غلط وَقَالَ الشؤم فِي ثَلَاثَة وَإِنَّمَا الحَدِيث إِن كَانَ الشؤم فِي شَيْء فَفِي ثَلَاثَة قَالُوا وَقد اخْتلف على ابْن عمر وَالرِّوَايَتَانِ صحيحتان عَنهُ قَالُوا وَبِهَذَا يَزُول الْإِشْكَال ويتبين وَجه الصَّوَاب وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى إِضَافَة رَسُول الله صلى عَلَيْهِ وَسلم الشؤم إِلَى هَذِه الثَّلَاثَة مجَاز واتساع أَي قد يحصل مُقَارنًا لَهَا وَعِنْدهَا لَا أَنَّهَا هِيَ أَنْفسهَا مِمَّا يُوجب الشؤم قَالُوا وَقد يكون الدَّار قد قضى الله عَلَيْهَا أَن يُمِيت فِيهَا خلقا من عباده كَمَا يقدر ذَلِك فِي الْبَلَد الَّذِي ينزل الطَّاعُون بِهِ وَفِي الْمَكَان الَّذِي يكثر الوباء بِهِ فيضاف ذَلِك إِلَى الْمَكَان مجَازًا وَالله خلقه عِنْده وَقدره فِيهِ كَمَا يخلق الْمَوْت عِنْد قتل الْقَاتِل والشبع والري عِنْد أكل الْآكِل وَشرب الشَّارِب فالدار الَّتِي يهْلك بهَا أَكثر ساكنيها تُوصَف بالشؤم لِأَن الله قد قصها بِكَثْرَة من قبض فِيهَا كتب الله عَلَيْهِ الْمَوْت فِي تِلْكَ الدَّار حسن إِلَيْهِ سكناهَا وحركه إِلَيْهَا حَتَّى يقبض روحه فِي الْمَكَان الَّذِي كتب لَهُ كَمَا سَاق الرجل من بلد إِلَى بلد للأثر والبقعة الَّتِي قضى أَنه يكون مدفنه بهَا قَالُوا وَكَذَلِكَ مَا يُوصف من طول أَعمار بعض أهل الْبلدَانِ لَيْسَ ذَلِك من أجل صِحَة هَوَاء وَلَا طيب تربة وَلَا طبع يزْدَاد بِهِ الْأَجَل وَينْقص بفواته وَلَكِن الله سُبْحَانَهُ قد خلق ذَلِك الْمَكَان وَقضى أَن يسكنهُ أطول خلقه أعمارا فيسوقهم إِلَيْهِ ويجمعهم فِيهِ ويحببه إِلَيْهِم قَالُوا وَإِذا كَانَ هَذَا على مَا وَصفنَا فِي الدّور وَالْبِقَاع جَازَ مثله فِي النِّسَاء وَالْخَيْل فَتكون الْمَرْأَة قد قدر الله عَلَيْهَا أَن تتَزَوَّج عددا من الرِّجَال ويموتون مَعهَا فَلَا بُد من انفاذ قَضَائِهِ وَقدره حَتَّى أَن الرجل ليقدم عَلَيْهَا من بعد علمه بِكَثْرَة من مَاتَ عَنْهَا لوجه من الطمع يَقُودهُ إِلَيْهَا حَتَّى

стр. 559

يتم قَضَاؤُهُ وَقدره فتوصف الْمَرْأَة بالشؤم لذَلِك وَكَذَلِكَ الْفرس وَإِن لم يكن لشَيْء من ذَلِك فعل وَلَا تَأْثِير وَقَالَ ابْن الْقَاسِم سُئِلَ مَالك عَن الشؤم فِي الْفرس وَالدَّار فَقَالَ إِن ذَلِك كذب فِيمَا نرى كم من دَار قد سكنها نَاس فهلكوا ثمَّ سكنها آخَرُونَ فملكوا قَالَ فَهَذَا تَفْسِيره فِيمَا نرى وَالله أعلم وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى شُؤْم الدَّار مجاورة جَار السوء وشؤم الْفرس أَن يغزى عَلَيْهَا فِي سَبِيل الله وشؤم الْمَرْأَة أَن لَا تَلد وَتَكون سَيِّئَة الْخلق وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى مِنْهُم الخطائي هَذَا مُسْتَثْنى من الطَّيرَة أَي الطَّيرَة منهى عَنْهَا إِلَّا أَن يكون لَهُ دَار يكره سكناهَا أَو امْرَأَة يكره صحبتهَا أَو فرس أَو خَادِم فليفارق الْجَمِيع بِالْبيعِ وَالطَّلَاق وَنَحْوه وَلَا يُقيم على الْكَرَاهَة والتأذي بِهِ فَإِنَّهُ شُؤْم وَقد سلك هَذَا المسلك أَبُو مُحَمَّد بن قُتَيْبَة فِي كتاب مُشكل الحَدِيث لَهُ لما ذكر أَن بعض الْمَلَاحِدَة اعْترض بِحَدِيث هَذِه الثَّلَاثَة وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى الشؤم فِي هَذِه الثَّلَاثَة إِنَّمَا يلْحق من تشاءم بهَا وَتَطير بهَا فَيكون شؤمها عَلَيْهِ وَمن توكل على الله وَلم يتشاءم وَلم يتطير لم تكن مشؤمة عَلَيْهِ قَالُوا وَيدل عَلَيْهِ حَدِيث أنس الطَّيرَة على من تطير وَقد يَجْعَل الله سُبْحَانَهُ تطير العَبْد وتشاؤمه سَببا لحلول الْمَكْرُوه بِهِ كَمَا يَجْعَل الثِّقَة والتوكل عَلَيْهِ وإفراده بالخوف والرجاء من أعظم الْأَسْبَاب الَّتِي يدْفع بهَا الشَّرّ المتطير بِهِ وسر هَذَا أَن الطَّيرَة إِنَّمَا تَتَضَمَّن الشّرك بِاللَّه تَعَالَى وَالْخَوْف من غَيره وَعدم التَّوَكُّل عَلَيْهِ والثقة بِهِ كَانَ صَاحبهَا غَرضا لسهام الشَّرّ وَالْبَلَاء فيتسرع نفوذها فِيهِ لِأَنَّهُ لم يتدرع من التَّوْحِيد والتوكل بجنة واقية وكل من خَافَ شَيْئا غير الله سلط عَلَيْهِ كَمَا أَن من أحب مَعَ الله غَيره عذب بِهِ وَمن رجا مَعَ الله غَيره خذل من جِهَته وَهَذِه أُمُور تجربتها تَكْفِي عَن أدلتها وَالنَّفس لَا بُد أَن تتطير وَلَكِن الْمُؤمن الْقوي الايمان يدْفع مُوجب تطيره بالتوكل على الله فان من توكل على الله وَحده كَفاهُ من غَيره قَالَ تَعَالَى فَإِذا قَرَأت الْقُرْآن فاستعذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم إِنَّه لَيْسَ لَهُ سُلْطَان على الَّذين آمنُوا وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانه على الَّذين يتولونه وَالَّذين هم بِهِ مشركون وَلِهَذَا قَالَ ابْن مَسْعُود وَمَا منا إِلَّا يَعْنِي من يُقَارب التطير وَلَكِن الله يذهبه بالتوكل وَمن هَذَا قَول زبان بن سيار: أطار الطير إِذْ سرنا زِيَاد ... لتخبرنا وَمَا فِيهَا خَبِير أَقَامَ كَانَ لُقْمَان بن عَاد ... أَشَارَ لَهُ بِحِكْمَتِهِ مشير تعلم أَنه لَا طير إِلَّا ... على متطير وَهُوَ الثبور بل شَيْء يُوَافق بعض شَيْء ... أحايينا وباطله كثير قَالُوا فالشؤم الَّذِي فِي الدَّار وَالْمَرْأَة وَالْفرس قد يكون مَخْصُوصًا بِمن تشاءم بهَا وَتَطير وَأما من توكل على الله وخافه وَحده وَلم يتطير وَلم يتشاءم فان الْفرس وَالْمَرْأَة وَالدَّار لَا يكون شؤما

стр. 560

فِي حَقه وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى معنى الحَدِيث إخْبَاره عَن الْأَسْبَاب المثيرة للطيرة الكامنة فِي الغرائز يعْنى أَن المثير للطيرة فِي غرائز النَّاس هِيَ هَذِه الثَّلَاثَة فَأخْبرنَا بِهَذَا لنأخذ الحذر مِنْهَا فَقَالَ الشؤم فِي الدَّار وَالْمَرْأَة وَالْفرس أَي أَن الْحَوَادِث الَّتِي تكْثر مَعَ هَذِه الْأَشْيَاء والمصائب الَّتِي تتوالى عِنْدهَا تَدْعُو النَّاس إِلَى التشاؤم بهَا فَقَالَ الشؤم فِيهَا أَي أَن الله قد يقدره فِيهَا على قوم دون قوم فخاطبهم بذلك لما اسْتَقر عِنْدهم مِنْهُ من إبِْطَال الطَّيرَة وإنكار الْعَدْوى وَلذَلِك لم يستفهموا فِي ذَلِك عَن معنى مَا أَرَادَهُ كَمَا تقدم لَهُم فِي قَوْله لَا يُورد الممرض على المصح فَقَالُوا عِنْده وَمَا ذَاك يَا رَسُول الله فَأخْبرهُم أَنه خَافَ فِي ذَلِك الْأَذَى الَّذِي يدْخلهُ الممرض على المصح لَا الْعَدْوى لِأَنَّهُ أَمر بالتوادد وَإِدْخَال السرُور بَين الْمُؤمنِينَ وَحسن التجاوز وَنهى عَن التقاطع والتباغض والأذى فَمن اعْتقد أَن رَسُول الله نسب الطَّيرَة والشؤم إِلَى شَيْء من الْأَشْيَاء على سَبِيل إِنَّه مُؤثر بذلك دون الله فقد أعظم الْفِرْيَة على الله وعَلى رَسُوله وضل ضلالا بَعيدا وَالنَّبِيّ ابتداهم بِنَفْي الطَّيرَة والعدوى ثمَّ قَالَ الشؤم فِي ثَلَاث قطعا لتوهم المنفية فِي الثَّلَاثَة الَّتِي أخبر أَن الشؤم يكون فِيهَا فَقَالَ لَا عدوى وَلَا طيرة والشؤم فِي ثَلَاثَة فابتدأهم بالمؤخر من الْخَيْر تعجيلا لَهُم بالأخبار بِفساد الْعَدْوى والطيرة المتوهمة من قَوْله الشؤم فِي ثَلَاثَة وَبِالْجُمْلَةِ فإخباره بالشؤم أَنه يكون فِي هَذِه الثَّلَاثَة لَيْسَ فِيهِ إِثْبَات الطَّيرَة الَّتِي نفاها وَإِنَّمَا غَايَته إِن الله سُبْحَانَهُ قد يخلق مِنْهَا أعيانا مشؤمة على من قاربها وسكنها وأعيانا مباركة لَا يلْحق من قاربها مِنْهَا شُؤْم وَلَا شَرّ وَهَذَا كَمَا يعْطى سُبْحَانَهُ الْوَالِدين ولدا مُبَارَكًا يريان الْخَيْر على وَجهه وَيُعْطى غَيرهمَا ولدا مشؤما نذلا يريان الشَّرّ على وَجهه وَكَذَلِكَ مَا يعطاه العَبْد ولَايَة أَو غَيرهَا فَكَذَلِك الدَّار وَالْمَرْأَة وَالْفرس وَالله سُبْحَانَهُ خَالق الْخَيْر وَالشَّر والسعود والنحوس فيخلق بعض هَذِه الْأَعْيَان سعودا مباركة وَيقْضى سَعَادَة من قارنها وَحُصُول الْيمن لَهُ وَالْبركَة ويخلق بعض ذَلِك نحوسا يتنحس بهَا من قارنها وكل ذَلِك بِقَضَائِهِ وَقدره كَمَا خلق سَائِر الْأَسْبَاب وربطها بمسبباتها المتضادة والمختلفة فَكَمَا خلق الْمسك وَغَيره من حَامِل الْأَرْوَاح الطّيبَة ولذذ بهَا من قارنها من النَّاس وَخلق ضدها وَجعلهَا سَببا لإيذاء من قارنها من النَّاس وَالْفرق بَين هذَيْن النَّوْعَيْنِ يدْرك بالحس فَكَذَلِك فِي الديار وَالنِّسَاء وَالْخَيْل فَهَذَا لون والطيرة الشركية لون آخر ٠ فصل وَأما الْأَثر الَّذِي ذكره مَالك عَن يحيى بن سعيد جَاءَت امْرَأَة إِلَى رَسُول الله فَقَالَت يَا رَسُول الله دَار سكناهَا وَالْعدَد كثير وَالْمَال وافر فَقل الْعدَد وَذهب المَال فَقَالَ النَّبِي

стр. 561

دَعْوَاهَا ذميمة وَقد ذكر هَذَا الحَدِيث غير مَالك من رِوَايَة أنس أَن رجلا جَاءَ إِلَى رَسُول الله فَقَالَ يَا رَسُول الله أَنا نزلنَا دَارا فَكثر فِيهَا عددنا وَكَثُرت فِيهَا أَمْوَالنَا ثمَّ تَحَوَّلْنَا إِلَى أُخْرَى فَقلت فِيهَا أَمْوَالنَا وَقل فِيهَا عددنا فَقَالَ رَسُول الله وَذكره فَلَيْسَ هَذَا من الطَّيرَة الْمنْهِي عَنْهَا وَإِنَّمَا أَمرهم بالتحول عَنْهَا عِنْد مَا وَقع فِي قُلُوبهم مِنْهَا لمصلحتين ومنفعتين إِحْدَاهمَا مفارقتهم لمَكَان هم لَهُ مستثقلون وَمِنْه مستوحشون لما لحقهم فِيهِ ونالهم ليتعجلوا الرَّاحَة مِمَّا داخلهم من الْجزع فِي ذَلِك الْمَكَان والحزن والهلع لِأَن الله قد جعل فِي غرائز النَّاس وتركيبهم استثقال مَا نالهم الشَّرّ فِيهِ وَإِن كَانَ لاسبب لَهُ فِي ذَلِك وَحب مَا جرى لَهُم على يَدَيْهِ الْخَيْر وَإِن لم يردهم بِهِ فَأَمرهمْ بالتحول مِمَّا كرهوه لِأَن الله بَعثه رَحْمَة وَلم يَبْعَثهُ عذَابا وأرسله ميسرًا وَلم يُرْسِلهُ مُعسرا فَكيف يَأْمُرهُم بالْمقَام فِي مَكَان قد أحزنهم الْمقَام بِهِ واستوحشوا عِنْده لِكَثْرَة من فقدوه فِيهِ لغير منفعَته وَلَا طَاعَة وَلَا مزِيد تقوى وَهدى فَلَا سِيمَا وَطول مقامهم فِيهَا بعد مَا وصل إِلَى قُلُوبهم مِنْهَا مَا وصل قد يَبْعَثهُم ويدعوهم إِلَى التشاؤم والتطير فيوقعهم ذَلِك فِي أَمريْن عظيمين أَحدهمَا مُقَارنَة الشّرك وَالثَّانِي حُلُول مَكْرُوه أحزنهم بِسَبَب الطَّيرَة الَّتِي إِنَّمَا تلْحق المتطير فحماهم بِكَمَال رأفته وَرَحمته من هذَيْن المكروهين بمفارقة تِلْكَ الدَّار والاستبدال بهَا من غير ضَرَر يلحقهم بذلك فِي دنيا وَلَا نقص فِي دين وَهُوَ حِين فهم عَنْهُم فِي سُؤَالهمْ مَا أرادوه من التعرف عَن حَال رحلتهم عَنْهَا هَل ذَلِك لَهُم ضار مؤد إِلَى الطَّيرَة قَالَ دَعُوهَا ذميمة وَهَذَا بِمَنْزِلَة الْخَارِج من أَرض بهَا الطَّاعُون غير فار مِنْهُ وَلَو منع النَّاس الرحلة من الدَّار الَّتِي تتوالى عَلَيْهِم المصائب والمحن فِيهَا وَتعذر الأرزاق مَعَ سَلامَة التَّوْحِيد فِي الرحلة للَزِمَ ذَلِك أَن كل من ضَاقَ عَلَيْهِ رزق فِي بلد أَن لَا ينْتَقل مِنْهُ إِلَى بلد آخر وَمن قلت فَائِدَة صناعته أَن لَا ينْتَقل عَنْهَا إِلَى غَيرهَا ٠ فصل وَأما قَول النَّبِي للَّذي سل سَيْفه يَوْم أحد شم سَيْفك فَإِنِّي أرى السيوف ستنسل الْيَوْم فَهَذِهِ الْقِصَّة لم يكن الرجل قد سل فِيهَا السَّيْف وَلَكِن الْفرس لوح بِذَنبِهِ فسل السَّيْف وَلم يرد صَاحبه سَله هَكَذَا فِي الْقِصَّة وَلَا ريب أَن الْحَرْب تقوم بِالْخَيْلِ وَالسُّيُوف وَلما لوح الْفرس بِذَنبِهِ فاستل السَّيْف قَالَ النَّبِي أَنى أرى السيوف ستنسل الْيَوْم فَهَذَا لَهُ محمل من ثَلَاثَة محامل أَحدهَا أَن النَّبِي أخبر عَن ظن ظَنّه فِي ذَلِك وَلم يَجْعَل هَذَا دَلِيلا تَمامًا فِي كل وَاقعَة تشبه هَذِه وَإِذا كَانَ عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ وَهُوَ أحد أَتبَاع رَسُول الله صبى الله عَلَيْهِ وَسلم وَرجل من أمته كَانَ إِذا قَالَ أَظن كَذَا أَو أرى كَذَا خرج الْأَمر كَمَا ظَنّه وحسبه فَكيف الظَّن برَسُول الله الثَّانِي ان النَّبِي كَانَ قد علم قبل مخرجه أَن السيوف

стр. 562

ستنسل وَيَقَع الْقِتَال وَلِهَذَا أخْبرهُم أَنه رأى فِي مَنَامه أَنه يقْرَأ النَّحْل وَعلم أَن ذَلِك شَهَادَة من قتل من أَصْحَابه الثَّالِث أَن الْوَحْي الَّذِي كَانَ يعرف بِهِ رَسُول الله الْحَوَادِث والنوازل كَانَ مغنيا لَهُ عَن الإشارات والعلامات والامارات وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ غَيره وَأما من يَأْتِيهِ خبر السَّمَاء صباحا وَمَسَاء فإخباره بقوله أرى السيوف الْيَوْم ستنسل لم يكن عَن تِلْكَ الأمارة وَإِنَّمَا وَقع الْإِخْبَار بِهِ عقيبها وَالشَّيْء بالشَّيْء يذكر فصل وَأما مَا احْتج بِهِ وَنسبه إِلَى قَوْله وقدت الْحَرْب لما رأى وَاقد بن عبد الله الحضري والحضرمي حضرت الْحَرْب فكذب عَلَيْهِ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك أعداؤه من الْيَهُود فتطيروا بذلك وتفاءلوا بِهِ فَكَانَت الطَّيرَة عَلَيْهِم ووقدت الْحَرْب عَلَيْهِم فصل وَأما استقباله الجبلين فِي طَرِيقه وهما مسلح ومخرىء وَترك الْمُرُور بَينهمَا وعدله ذَات الْيَمين فَلَيْسَ هَذَا أَيْضا من الطَّيرَة وَإِنَّمَا هُوَ من الْعُدُول عَمَّا يُؤْذى النُّفُوس ويشوش الْقُلُوب إِلَى مَا هُوَ بِخِلَافِهِ كالعدول عَن الِاسْم الْقَبِيح وتغييره بِأَحْسَن مِنْهُ وَقد تقدم تَقْرِير ذَلِك بِمَا فِيهِ كِفَايَة وَأَيْضًا فَإِن الْأَمَاكِن فِيهَا الميمون الْمُبَارك والمشؤم المذموم فَاطلع رَسُول الله على شُؤْم ذَلِك الْمَكَان وَأَنه مَكَان سوء فجاوزه إِلَى غَيره كَمَا جَاوز الْوَادي الَّذِي نَامُوا فِيهِ عَن الصُّبْح إِلَى غَيره وَقَالَ هَذَا مَكَان حَضَرنَا فِيهِ الشَّيْطَان والشيطان يحب الْأَمْكِنَة المذمومة وينتابها وَأَيْضًا فَلَمَّا كَانَ الْمُرُور بَين ذَيْنك الجبلين قد يشوش الْقلب على أَنا نقُول فِي ذَلِك قولا كليا نبين بِهِ سر هَذَا الْبَاب بحول الله وعونه وتوفيقه أعلم أَن بَين الْأَسْمَاء ومسمياتها ارتباطا قدره الْعَزِيز الْقَادِر وألهمه نفوس الْعباد وَجعله فِي قُلُوبهم بِحَيْثُ لَا تَنْصَرِف عَنهُ وَلَيْسَ هَذَا الارتباط هُوَ ارتباط الْعلَّة بمعلولها وَلَا ارتباط الْمُقْتَضى الْمُوجب لمقتضاه وموجبة بل ارتباط تناسب وتشاكل اقتضته حِكْمَة الْحَكِيم فَقل أَن ترى اسْما قبيحا إِلَّا وَبَين مُسَمَّاهُ وَبَينه رابط من الْقبْح وَكَذَلِكَ إِذا تَأَمَّلت الِاسْم الثقيل الَّذِي تنفر عَنهُ الأسماع وتنبو عَنهُ الطباع فأنك تَجِد مُسَمَّاهُ يُقَارب أَو يلم أَن يُطَابق وَلِهَذَا من الْمَشْهُور على أَلْسِنَة النَّاس أَن الألقاب تنزل من السَّمَاء فَلَا تكَاد تَجِد الِاسْم الشنيع الْقَبِيح إِلَّا على مُسَمّى يُنَاسِبه وَفِي ذَلِك قَول الْقَائِل وَقل أَن أَبْصرت عَيْنَاك ذَا لقب ... إِلَّا وَمَعْنَاهُ أَن فَكرت فِي لقبه وَلِهَذَا كثيرا مَا تَجِد أَيْضا فِي أَسمَاء الْأَجْنَاس والواضع لَهُ عناية بمطابقة الْأَلْفَاظ للمعاني ومناسبتها لَهَا فَيجْعَل الْحُرُوف الهوائية الْخَفِيفَة لمسمى مشاكل لَهَا كالهواء والحروف الشَّدِيدَة

стр. 563

للمسمى الْمُنَاسب لَهَا كالصخر وَالْحجر وَإِذا تَتَابَعَت حَرَكَة الْمُسَمّى تابعوا بَين حَرَكَة اللَّفْظ كالدوران والغليان والنزوان وَإِذا تَكَرَّرت الْحَرَكَة كرروا اللَّفْظ كفلفل وزلزل ودكدك وصرصر وَإِذا اكتنز الْمُسَمّى وتجمعت أجزاؤه جعلُوا فِي أُسَمِّهِ من الضَّم الدَّال على الْجمع والاكتناز مَا يُنَاسب الْمُسَمّى كالبحتر للقصير الْمُجْتَمع الْخلق وَإِذا طَال جعلُوا فِي الْمُسَمّى من الْفَتْح الدَّال على الامتداد نَظِير مَا فِي الْمَعْنى كالعشنق للطويل ونظائر ذَلِك أَكثر من أَن تستوعب وَإِنَّمَا أَشَرنَا إِلَيْهَا أدنى إِشَارَة وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَرَادَهُ من قَالَ بَين الِاسْم والمسمى مُنَاسبَة فَلم يفهم عَنهُ بعض الْمُتَأَخِّرين مُرَاده فَأخذ يشنع عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا تناسب طبعيا بَينهمَا وَاسْتدلَّ على إِنْكَار ذَلِك بِمَا لَا طائل تَحْتَهُ فَإِن عَاقِلا لَا يَقُول أَن التناسب الَّذِي بَين الِاسْم والمسمى كالتناسب الَّذِي بَين الْعلَّة والمعلول وَإِنَّمَا هُوَ تَرْجِيح وأولوية تَقْتَضِي اخْتِصَاص الِاسْم بمسماه وَقد يتَخَلَّف عَنهُ اقتضاؤها كثيرا وَالْمَقْصُود أَن هَذِه الْمُنَاسبَة تنضم إِلَى مَا جعل الله فِي طبائع النَّاس وغرائزهم من النفرة بَين الِاسْم الْقَبِيح الْمَكْرُوه وكراهته وَتَطير أَكْثَرهم بِهِ وَذَلِكَ يُوجب عدم ملابسته ومجاوزته إِلَى غَيره فَهَذَا أصل هَذَا الْبَاب فصل وَأما كَرَاهِيَة السّلف أَن يتبع الْمَيِّت بِشَيْء من النَّار أَو أَن يدْخل الْقَبْر شَيْء مسته النَّار وَقَول عَائِشَة رضى الله عَنْهَا لَا يكون آخر زَاده أَن تَتبعُوهُ بالنَّار فَيجوز أَن يكون كراهتهم لذَلِك مَخَافَة الْأَحْدَاث لما لم يكن فِي عصر رَسُول الله صلى عَلَيْهِ وَسلم فَكيف وَذَلِكَ مِمَّا يُبِيح الطَّيرَة بِهِ والظنون الرديه بِالْمَيتِ وَقد قَالَ غير وَاحِد من السّلف مِنْهُم عبد الْملك بن حبيب وَغَيره إِنَّمَا كَرهُوا ذَلِك تفاؤلا بالنَّار فِي هَذَا الْمقَام أَن تتبعه وَذكر ابْن حبيب وَغَيره أَن النَّبِي أَرَادَ أَن يصلى على جَنَازَة فَجَاءَت امْرَأَة وَمَعَهَا مجمر فَمَا زَالَ يصبح بهَا حَتَّى تَوَارَتْ بآجام الْمَدِينَة قَالَ بعض أهل الْعلم وَلَيْسَ خوفهم من ذَلِك على الْمَيِّت لَكِن على الْأَحْيَاء المجبولين على الطَّيرَة لِئَلَّا تحدثهم أنفسهم بِالْمَيتِ أَنه من أهل النَّار لما رَأَوْا من النَّار الَّتِي تتبعه فِي أول أَيَّامه من الْآخِرَة وَلَا سِيمَا فِي مَكَان يُرَاد مِنْهُم فِيهِ كَثْرَة الِاجْتِهَاد للْمَيت بِالدُّعَاءِ فَإِذا لم يبْق لَهُ زَاد غَيره فيظنون أَن تِلْكَ النَّار من بقايا زَاده إِلَى الْآخِرَة فتسوء ظنونهم بِهِ وتنفر عَن رَحمته قُلُوبهم فِي مَكَان هم فِيهِ شُهَدَاء الله كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث الصَّحِيح لما مر على النَّبِي بِجنَازَة فَأَثْنوا عَلَيْهَا خيرا فَقَالَ وَجَبت فَقَالُوا مَا وَجَبت قَالَ وَجَبت لَهُ الْجنَّة أَنْتُم شُهَدَاء الله فِي الأَرْض من أثنيتم عَلَيْهِ خيرا وَجَبت لَهُ الْجنَّة وَمن أثنيتم عَلَيْهِ شرا وَجَبت لَهُ النَّار وَفِي أثر آخر إِذا أردتم أَن تعلمُوا مَا للْمَيت عِنْد الله فانظروا مَا تتعبه من حسن الثَّنَاء فَقَالَت عَائِشَة رضى الله عَنْهَا لَا يكون آخر زَاده من الثَّنَاء وَالدُّعَاء أَن

стр. 564

تَتبعُوهُ بالنَّار فتهيجوا بهَا خواطر النَّاس وتبعثوا ظنونهم بالتطير وَالنَّار وَالْعَذَاب وَالله أعلم فصل وَأما تِلْكَ الوقائع الَّتِي ذكروها مِمَّا يدل على وُقُوع مَا تطير بِهِ من تطير فَنعم وَهَاهُنَا أضعافها وأضاف أضعافها ولسنا ننكر مُوَافقَة الْقَضَاء وَالْقدر لهَذِهِ الْأَسْبَاب وَغَيرهَا كثيرا مُوَافقَة حزر الحازرين وظنون الظانين وزجر الزاجرين للقدر أَحْيَانًا مِمَّا لَا يُنكره أحد وَمن الْأَسْبَاب الَّتِي توجب وُقُوع الْمَكْرُوه الطَّيرَة كَمَا تقدم وَإِن الطَّيرَة على من تطير وَلَكِن نصب الله سُبْحَانَهُ لَهَا أسبابا يدْفع بهَا مُوجبهَا وضررها من التَّوَكُّل عَلَيْهِ وَحسن الظَّن بِهِ وإعراض قلبه عَن الطَّيرَة وَعدم التفاته إِلَيْهَا وخوفه مِنْهَا وثقته بِاللَّه ولسنا ننكر أَن هَذِه الْأُمُور ظنون وتخمين وحدس وخرص وَمَا كَانَ هَذَا سَبيله فَيُصِيب تَارَة ويخطىء تارات وَلَيْسَ كل مَا تطير بِهِ المتطيرون وتشاءموا بِهِ وَقع جَمِيعه وَصدق بل أَكْثَره كَاذِب وصادقه نَادِر وَالنَّاس فِي هَذَا الْمقَام إِنَّمَا يعولون وينقلون مَا صَحَّ وَوَقع ويعتنون بِهِ فَيرى كثيرا والكاذب مِنْهُ أَكثر من أَن ينْقل قَالَ ابْن قُتَيْبَة من شَأْن النُّفُوس حفظ الصَّوَاب للعجب بِهِ والاستغراب وتناسي الْخَطَأ قَالَ وَمن ذَا الَّذِي يتحدث أَنه سَأَلَ منجما فَأَخْطَأَ وَإِنَّمَا الَّذِي يتحدث بِهِ وينقل أَنه ساله فاصاب قَالَ وَالصَّوَاب فِي مسئلة إِذا كَانَ بَين أَمريْن قد يَقع للمعتوه والطفل فضلا عَن أولى الْعقل وَقد تقدم من بطلَان الطَّيرَة وكذبها مَا فِيهِ كِفَايَة وَقد كَانَت عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ ﵂ تسْتَحب أَن تتَزَوَّج الْمَرْأَة أَو يبْنى بهَا فِي شَوَّال وَتقول مَا تزَوجنِي رَسُول الله إِلَّا فِي شَوَّال فاي نِسَائِهِ كَانَ أحظى عِنْده مني مَعَ تطير النَّاس بِالنِّكَاحِ فِي شَوَّال وَهَذَا فعل أولى الْعَزْم وَالْقُوَّة من الْمُؤمنِينَ الَّذين صَحَّ توكلهم على الله واطمأنت قُلُوبهم إِلَى رَبهم ووثقوا بِهِ وَعَلمُوا إِن مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن وَأَنَّهُمْ لن يصيبهم إِلَّا مَا كتب الله لَهُم وَأَنَّهُمْ مَا أَصَابَهُم من مُصِيبَة إِلَّا وَهِي فِي كتاب من قبل أَن يخلقهم ويوجدهم وَعَلمُوا أَنه لَا بُد أَن يصيروا إِلَى مَا كتبه وَقدره وَلَا بُد أَن يجرى عَلَيْهِم وَإِن تطيرهم لَا يرد قَضَاءَهُ وَقدره عَنْهُم بل قد يكون تطيرهم من أعظم الاسباب الَّتِي يجرى عَلَيْهِم بهَا الْقَضَاء وَالْقدر فيعينون على أنفسهم وَقد جرى لَهُم الْقَضَاء وَالْقدر بِأَن نُفُوسهم هِيَ سَبَب إِصَابَة الْمَكْرُوه لَهُم فطائرهم مَعَهم وَأما المتوكلون على الله المفوضون إِلَيْهِ الْعَالمُونَ بِهِ وبأمره فنفوسهم أشرف من ذَلِك وهممهم أَعلَى وثقتهم بِاللَّه وَحسن ظنهم بِهِ عدَّة لَهُم وَقُوَّة وجنة مِمَّا يتطير بِهِ المتطيرون ويتشاءم بِهِ المتشائمون عالمون أَنه لَا طير إِلَّا طيره وَلَا خير إِلَّا خيرة وَلَا إِلَه غَيره أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر تبَارك الله رب الْعَالمين فصل وَمِمَّا كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يَتَطَيَّرُونَ بِهِ ويتشاءمون مِنْهُ العطاس كَمَا يتشاءمون بالبوارح

стр. 565

والسوانح قَالَ رُؤْيَة بن العجاج يصف فلاة قطعتها وَلَا أهاب العطاسا ... وَقَالَ أمرؤ الْقَيْس: وَقد اغتدى قبل العطاس بهيكل ... شَدِيد مشيد الْجنب فَعم الْمنطق أَرَادَ أَنه كَانَ ينتبه للصَّيْد قبل أَن ينتبه النَّاس من نومهم لَيْلًا يسمع عطاسا فيتشاءم بعطاسه وَكَانُوا إِذا عطس من يحبونه قَالُوا لَهُ عمرا وشبابا وَإِذا عطس من يبغضونه قَالُوا لَهُ وريا وقحابا والورى كالرمي دَاء يُصِيب الكبد فيفسدها والقحاب كالسعال وزنا وَمعنى فَكَانَ الرجل إِذا سمع عطاسا يتشاءم بِهِ يَقُول بكلابي إِنِّي أسَال الله أَن يَجْعَل شُؤْم عطاسك بك لأبي وَكَانَ تشاؤمهم بالعطسة الشَّدِيدَة أَشد كَمَا حكى عَن بعض الْمُلُوك أَن سامرا لَهُ عطس عطسة شَدِيدَة راعته فَغَضب الْملك فَقَالَ سميره وَالله مَا تَعَمّدت ذَلِك وَلَكِن هَذَا عطاسي فَقَالَ وَالله لَئِن لم تأتني بِمن يشْهد لَك بذلك لأَقْتُلَنك فَقَالَ أخرجني إِلَى النَّاس لعلى أجد من يشْهد لي فَأخْرجهُ وَقد وكل بِهِ الأعوان فَوجدَ رجلا فَقَالَ يَا سَيِّدي نشدتك بِاللَّه إِن كنت سَمِعت عطاسي يَوْمًا فلعلك تشهد لي بِهِ عِنْد الْملك فَقَالَ نعم أَنا أشهد لَك فَنَهَضَ مَعَه وَقَالَ يَا أَيهَا الْملك أَنا أشهد أَن هَذَا الرجل عطس يَوْمًا فطار ضرس من أَضْرَاسه فَقَالَ لَهُ الْملك عد إِلَى حَدِيثك ومجلسك فَلَمَّا جَاءَ الله سُبْحَانَهُ بِالْإِسْلَامِ وأبطل بِرَسُولِهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّة من الضَّلَالَة نهى أمته عَن التشاؤم والتطير وَشرع لَهُم أَن يجْعَلُوا مَكَان الدُّعَاء على الْعَاطِس بالمكروه الدُّعَاء لَهُ بِالرَّحْمَةِ كَمَا أَمر العائن أَن يَدْعُو بالتبريك للمعين وَلما كَانَ الدُّعَاء على الْعَاطِس نوعا من الظُّلم وَالْبَغي جعل الدُّعَاء لَهُ بِلَفْظ الرَّحْمَة الْمنَافِي للظلم وَأمر الْعَاطِس عمرَان يَدْعُو لسامعه ويشمته بالمغفرة وَالْهِدَايَة وَإِصْلَاح البال فَيَقُول يغْفر الله لنا وَلكم أَو يهديكم الله وَيصْلح بالكم فاما الدُّعَاء بالهداية فَلَمَّا أَن اهْتَدَى إِلَى طَاعَة الرَّسُول وَرغب عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ أهل الْجَاهِلِيَّة فَدَعَا لَهُ أَن يُثبتهُ الله عَلَيْهَا ويهديه إِلَيْهَا وَكَذَلِكَ الدُّعَاء باصلاح البال وَهِي حِكْمَة جَامِعَة لصلاح شَأْنه كُله وَهِي من بَاب الْجَزَاء على دُعَائِهِ لِأَخِيهِ بِالرَّحْمَةِ فَنَاسَبَ أَن يجازيه بِالدُّعَاءِ لَهُ بإصلاح البال وَأما الدُّعَاء بالمغفرة فجَاء بِلَفْظ يَشْمَل الْعَاطِس والمشمت كَقَوْلِه يغْفر الله لنا وَلكم ليستحصل من مَجْمُوع دَعْوَى الْعَاطِس والمشمت لَهُ الْمَغْفِرَة وَالرَّحْمَة لَهما مَعًا فصلوات الله وَسَلَامه على الْمَبْعُوث بصلاح الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَلأَجل هَذَا وَالله أعلم لم يُؤمر بتشميت من لم يحمد الله فَإِن الدُّعَاء لَهُ بِالرَّحْمَةِ نعْمَة فَلَا يَسْتَحِقهَا من لم يحمد الله ويشكره على هَذِه النِّعْمَة ويتأسى بابيه آدم فَإِنَّهُ لما نفخت فِيهِ الرّوح إِلَى الخياشيم عطس فألهمه ربه ﵎ أَن نطق بِحَمْدِهِ فَقَالَ الْحَمد لله فَقَالَ الله سُبْحَانَهُ يَرْحَمك الله يَا آدم فَصَارَت تِلْكَ سنة العطاس فَمن لم يحمد الله لم يسْتَحق هَذِه الدعْوَة وَلما سبقت هَذِه الْكَلِمَة لآدَم قبل أَن يُصِيبهُ مَا اصابه كَانَ مآله إِلَى الرَّحْمَة وَكَانَ مَا جرى عارضا وَزَالَ فَإِن الرَّحْمَة سبقت الْعقُوبَة وغلبت الْغَضَب وايضا فَإِنَّمَا أَمر الْعَاطِس بالتحميد عَن العطاس لِأَن
следующие страницы →