← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6840

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط العلمية

ابن القيم

Полный текст (577 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وَكَذَلِكَ عقله هُوَ بِمَنْزِلَة عقل الْبَعِير وَالدَّابَّة وَنَحْوهَا حَتَّى لَا تشرد وَتذهب وَلِهَذَا كَانَ الوعي وَالْعقل قدرا زَائِدا على مُجَرّد إِدْرَاك الْمَعْلُوم الْمرتبَة الثَّالِثَة تعامده وَحفظه حَتَّى لاينساه فَيذْهب الْمرتبَة الرَّابِعَة تبليغه وبثه فِي الامة ليحصل بِهِ ثَمَرَته ومقصوده وَهُوَ بثه فِي الامة فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْكَنْز المدفون فِي الارض الَّذِي لَا ينْفق مِنْهُ وَهُوَ معرض لذهابه فَإِن الْعلم مَا لم ينْفق مِنْهُ وَيعلم فَإِنَّهُ يُوشك ان يذهب فَإِذا انفق مِنْهُ نما وزكا على الانفاق فَمن قَامَ بِهَذِهِ الْمَرَاتِب الاربع دخل تَحت هَذِه الدعْوَة النَّبَوِيَّة المتضمنة لجمال الظَّاهِر وَالْبَاطِن فَإِن النضرة هِيَ الْبَهْجَة وَالْحسن الَّذِي يكساه الْوَجْه من آثَار الايمان وابتهاج الْبَاطِن بِهِ وَفَرح الْقلب وسروره والتذاذه بِهِ فتظهر هَذِه الْبَهْجَة وَالسُّرُور والفرحة نضارة على الْوَجْه وَلِهَذَا يجمع لَهُ سُبْحَانَهُ بَين الْبَهْجَة وَالسُّرُور والنضرة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى فوقاهم الله شَرّ ذَلِك الْيَوْم ولقاهم نَضرة وسرورا فالنضرة فِي وُجُوههم وَالسُّرُور فِي قُلُوبهم فالنعيم وَطيب الْقلب يظْهر نضارة فِي الْوَجْه كَمَا قَالَ تَعَالَى تعرف فِي وُجُوههم نَضرة النَّعيم وَالْمَقْصُود ان هَذِه النضرة فِي وَجه من سمع سنة رَسُول الله ووعاها وحفظها وَبَلغهَا فَهِيَ اثر تِلْكَ الْحَلَاوَة والبهجة وَالسُّرُور الَّذِي فِي قلبه وباطنه وَقَوله رب حَامِل فقه الى من هُوَ افقه مِنْهُ تَنْبِيه على فَائِدَة التَّبْلِيغ وان الْمبلغ قد يكون افهم من الْمبلغ فَيحصل لَهُ فِي تِلْكَ الْمقَالة مَا لم يحصل للمبلغ اَوْ يكون الْمَعْنى ان الْمبلغ قد يكون افقه من الْمبلغ فَإِذا سمع تِلْكَ الْمقَالة حملهَا على احسن وجوهها واستنبط فقهها وَعلم المُرَاد مِنْهَا وَقَوله ثَلَاث لَا يغل عَلَيْهِنَّ قلب مُسلم إِلَى آخِره اي لايحمل الغل وَلَا يبْقى فِيهِ مَعَ هَذِه الثَّلَاثَة فَإِنَّهَا تنفى الغل والغش وَهُوَ فَسَاد الْقلب وسخايمه فالمخلص لله إخلاصه يمْنَع غل قلبه ويخرجه ويزيله جملَة لانه قد انصرفت دواعي قلبه وإرادته إِلَى مرضاة ربه فَلم يبْق فِيهِ مَوضِع للغل والغش كَمَا قَالَ تَعَالَى كَذَلِك لنصرف عَنهُ السوء والفحشاء إِنَّه من عبادنَا المخلصين فَلَمَّا اخلص لرَبه صرف عَنهُ دواعي السوء والفحشاء فَانْصَرف عَنهُ السوء والفحشاء وَلِهَذَا لما علم ابليس انه لَا سَبِيل لَهُ على اهل الاخلاص استثناهم من شرطته الَّتِي اشترطها للغواية والاهلاك فَقَالَ فبعزتك لاغوينهم اجمعين إِلَّا عِبَادك مِنْهُم المخلصين قَالَ تَعَالَى إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان إِلَّا من اتبعك من الغاوين فالاخلاص هُوَ سَبِيل الْخَلَاص وَالْإِسْلَام هُوَ مركب السَّلامَة والايمان خَاتم الامان وَقَوله ومناصحة ائمة الْمُسلمين هَذَا ايضا منَاف للغل والغش فَإِن النَّصِيحَة لَا تجامع الغل إِذْ هِيَ ضِدّه فَمن نصح الائمة والامة فقد برِئ من الغل وَقَوله وَلُزُوم جَمَاعَتهمْ هَذَا ايضا مِمَّا يطهر الْقلب من الغل والغش فَإِن صَاحبه للزومه جمَاعَة الْمُسلمين يحب لَهُم مَا يحب لنَفسِهِ وَيكرهُ لَهُم مَا يكره لَهَا ويسوؤه مَا يسؤوهم ويسره مَا يسرهم وَهَذَا بِخِلَاف من انجاز عَنْهُم واشتغل بالطعن

стр. 72

عَلَيْهِم وَالْعَيْب والذم لَهُم كَفعل الرافضة والخوارج والمعتزلة وَغَيرهم فَإِن قُلُوبهم ممتلئة نحلا وغشا وَلِهَذَا تَجِد الرافضة ابعد النَّاس من الاخلاص اغشهم للائمة والامة واشدهم بعدا عَن جمَاعَة الْمُسلمين فَهَؤُلَاءِ اشد النَّاس غلا وغشا بِشَهَادَة الرَّسُول والامة عَلَيْهِم وشهادتهم على انفسهم بذلك فانهم لايكونون قطّ الا اعوانا وظهرا على اهل الاسلام فاي عَدو قَامَ للْمُسلمين كَانُوا اعوان ذَلِك الْعَدو وبطانته وَهَذَا امْر قد شاهدته الامة مِنْهُم وَمن لم يُشَاهد فقد سمع مِنْهُ مَا يصم الاذان ويشجي الْقُلُوب وَقَوله فَإِن دعوتهم تحيط من ورائهم هَذَا من احسن الْكَلَام وأوجزه وافخمه معنى شبه دَعْوَة الْمُسلمين بالسور والسياج الْمُحِيط بهم الْمَانِع من دُخُول عدوهم عَلَيْهِم فَتلك الدعْوَة الَّتِي هِيَ دَعْوَة الاسلام وهم داخلونها لما كَانَت سورا وسياجا عَلَيْهِم اخبر ان من لزم جمَاعَة الْمُسلمين احاطت بِهِ تِلْكَ الدعْوَة الَّتِي هِيَ دَعْوَة الاسلام كَمَا احاطت بهم فالدعوة تجمع شَمل الامة وتلم شعثها وتحيط بهَا فَمن دخل فِي جماعتها احاطت بِهِ وشملته الْوَجْه الثَّالِث وَالْخَمْسُونَ ان النَّبِي امْر بتبليغ الْعلم عَنهُ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث عبد الله ابْن عَمْرو قَالَ قَالَ رَسُول الله بلغُوا عني وَلَو آيَة وَحَدثُوا عَن بني إِسْرَائِيل وَلَا حرج وَمن كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار وَقَالَ ليبلغ الشَّاهِد مِنْكُم الْغَائِب روى ذَلِك ابو بكرَة ووابصة بن معبد وعمار بن يَاسر وَعبد الله بن عمر وَعبد الله بن عَبَّاس واسماء بنت يزِيد بن السكن وحجير وابو قريع وسرى بنت نَبهَان وَمُعَاوِيَة بن حيدة الْقشيرِي وَعم ابي حرَّة وَغَيرهم فَأمر بالتبلغ عَنهُ لما فِي ذَلِك من حُصُول الْهدى بالتبلغ وَله اجْرِ من بلغ عَنهُ واجر من قبل ذَلِك الْبَلَاغ وَكلما كثر التبلغ عَنهُ تضَاعف لَهُ الثَّوَاب فَلهُ من الاجر بِعَدَد كل مبلغ وكل مهتد بذلك الْبَلَاغ سوى مَاله من اجْرِ عمله الْمُخْتَص بِهِ فَكل من هدى واهتدى بتبليغه فَلهُ اجره لانه هُوَ الدَّاعِي اليه وَلَو لم يكن فِي تَبْلِيغ الْعلم عَنهُ الا حُصُول مَا يُحِبهُ لكفى بِهِ فضلا وعلامة الْمُحب الصَّادِق ان يسْعَى فِي حُصُول مَحْبُوب محبوبه ويبذل جهده وطاقته فِيهَا وَمَعْلُوم انه لَا شَيْء احب الى رَسُول الله من ايصاله الْهدى الى جَمِيع الامة فالمبلغ عَنهُ ساع فِي حُصُول محابه فَهُوَ اقْربْ النَّاس مِنْهُ واحبهم اليه وَهُوَ نَائِبه وخليفته فِي امته وَكفى بِهَذَا فضلا وشرفا للْعلم واهله الْوَجْه الرَّابِع وَالْخَمْسُونَ ان النَّبِي قدم بالفضائل العلمية فِي أعلا الولايات الدِّينِيَّة واشرفها وَقدم بِالْعلمِ بالافضل على غَيره فروى مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث ابي مَسْعُود البدري عَن النَّبِي يؤم الْقَوْم اقرؤهم لكتاب الله فَإِن كَانُوا فِي الْقِرَاءَة سَوَاء فأعلمهم بِالسنةِ فَإِن كَانُوا فِي السّنة سَوَاء فاقدمهم إسلاما اَوْ سنا وَذكر الحَدِيث فَقدم فِي الامامة تفضيله الْعلم على تقدم الاسلام وَالْهجْرَة وَلما كَانَ

стр. 73

الْعلم بِالْقُرْآنِ افضل من الْعلم بِالسنةِ لشرف معلومه على مَعْلُوم السّنة قدم الْعلم بِهِ ثمَّ قدم الْعلم بِالسنةِ على تقدم الْهِجْرَة وَفِيه من زِيَادَة الْعَمَل ماهو متميز بِهِ لَكِن إِنَّمَا رَاعى التَّقْدِيم بِالْعلمِ ثمَّ بِالْعَمَلِ وراعى التَّقْدِيم بِالْعلمِ بالافضل على غَيره وَهَذَا يدل على شرف الْعلم وفضله وَإِن اهله هم اهل التَّقَدُّم الى الْمَرَاتِب الدِّينِيَّة الْوَجْه الْخَامِس وَالْخَمْسُونَ مَا ثَبت فِي صَحِيح البُخَارِيّ من حَدِيث عُثْمَان بن عَفَّان رضى الله عَنهُ عَن النَّبِي انه قَالَ خَيركُمْ من تعلم الْقُرْآن وَعلمه وَتعلم الْقُرْآن وتعليمه يتَنَاوَل تعلم حُرُوفه وَتَعْلِيمهَا وَتعلم مَعَانِيه وَتَعْلِيمهَا وَهُوَ اشرف قسمي علمه وتعليمه فَإِن الْمَعْنى هُوَ الْمَقْصُود وَاللَّفْظ وَسِيلَة اليه فنعلم الْمَعْنى وتعليمه تعلم الْغَايَة وَتَعْلِيمهَا وَتعلم اللَّفْظ الْمُجَرّد وتعليمه تعلم الْوَسَائِل وَتَعْلِيمهَا وَبَينهمَا كَمَا بَين الغايات والوسائل الْوَجْه السَّادِس وَالْخَمْسُونَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره فِي نُسْخَة عَمْرو ابْن الْحَارِث عَن دراج عَن ابي الْهَيْثَم عَن ابي سعيد عَن النَّبِي قَالَ لن يشْبع الْمُؤمن من خير يسمعهُ حَتَّى يكون منتهاه الْجنَّة قَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب وَهَذِه نُسْخَة مَعْرُوفَة رَوَاهَا النَّاس وسَاق احْمَد فِي الْمسند أَكْثَرهَا اَوْ كثيرا مِنْهَا وَلِهَذَا الحَدِيث شَوَاهِد فَجعل النَّبِي النهمة فِي الْعلم وَعدم الشِّبَع مِنْهُ من لَوَازِم الايمان واوصاف الْمُؤمنِينَ وَاخْبَرْ ان هَذَا لَا يزَال دأب الْمُؤمن حَتَّى دُخُوله الْجنَّة وَلِهَذَا كَانَ أَئِمَّة الاسلام إِذا قيل لاحدهم الى مَتى تطلب الْعلم فَيَقُول الى الْمَمَات قَالَ نعيم ابْن حَمَّاد سَمِعت عبد الله بن الْمُبَارك رضى الله عَنهُ يَقُول وَقد عابه قوم فِي كَثْرَة طلبه للْحَدِيث فَقَالُوا لَهُ الى مَتى تسمع قَالَ إِلَى الْمَمَات وَقَالَ الْحُسَيْن بن مَنْصُور الخصاص قلت لاحمد بن حَنْبَل رضى الله عَنهُ الى مَتى يكْتب الرجل الحَدِيث قَالَ الى الْمَوْت وَقَالَ عبد الله بن مُحَمَّد الْبَغَوِيّ سَمِعت احْمَد بن حَنْبَل رضى الله عَنهُ يَقُول إِنَّمَا اطلب الْعلم الى ان ادخل الْقَبْر وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الصَّائِغ كنت اصوغ مَعَ ابي بِبَغْدَاد فَمر بِنَا احْمَد بن حَنْبَل وَهُوَ يعدو ونعلاه فِي يَدَيْهِ فَأخذ ابي بِمَجَامِع ثَوْبه فَقَالَ يَا ابا عبد الله الا تَسْتَحي إِلَى مَتى تعدو مَعَ هَؤُلَاءِ قَالَ إِلَى الْمَوْت وَقَالَ عبد الله بن بشر الطَّالقَانِي ارجو ان يأتيني أَمر ابي والمحبرة بَين يَدي وَلم يفارقني الْعلم والمحبرة وَقَالَ حميد بن مُحَمَّد بن يزِيد الْبَصْرِيّ جَاءَ ابْن بسطَام الْحَافِظ يسألني عَن الحَدِيث فَقلت لَهُ مَا اشد حرصك على الحَدِيث فَقَالَ اَوْ مَا احب ان اكون فِي قطار آل رَسُول الله وَقيل لبَعض الْعلمَاء مَتى يحسن بِالْمَرْءِ ان يتَعَلَّم قَالَ مَا حسنت بِهِ الْحَيَاة وَسُئِلَ الْحسن عَن الرجل لَهُ ثَمَانُون سنة ايحسن ان يطْلب الْعلم قَالَ إِن كَانَ يحسن بِهِ ان يعِيش الْوَجْه السَّابِع وَالْخَمْسُونَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ ايضا من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن الْفضل عَن المَقْبُري عَن ابي هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله الْكَلِمَة الْحِكْمَة ضَالَّة الْمُؤمن فَحَيْثُ وجدهَا فَهُوَ احق بهَا قَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا

стр. 74

حَدِيث غَرِيب لانعرفه الا من هَذَا الْوَجْه وَإِبْرَاهِيم ابْن الْفضل الْمَدِينِيّ المَخْزُومِي يضعف فِي الحَدِيث من قبل حفظه وَهَذَا ايضا شَاهد لما تقدم وَله شَوَاهِد وَالْحكمَة هِيَ الْعلم فَإِذا فَقده الْمُؤمن فَهُوَ بِمَنْزِلَة من فقد ضَالَّة نفيسة من نفائسه فَإِذا وجدهَا قر قلبه وفرحت نَفسه بوجدانها كَذَلِك الْمُؤمن إِذا وجد ضَالَّة قلبه وروحه الَّتِي هُوَ دَائِما فِي طلبَهَا ونشدانها والتفتيش عَلَيْهَا وَهَذَا من احسن الامثلة فَإِن قلب الْمُؤمن يطْلب الْعلم حَيْثُ وجده اعظم من طلب صَاحب الضَّالة لَهَا الْوَجْه الثَّامِن وَالْخَمْسُونَ قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدثنَا ابو كريب حَدثنَا خلف بن ايوب عَن عَوْف عَن ابْن سِيرِين عَن ابي هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ عَن النَّبِي خصلتان لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مُنَافِق حسن سمت وَفقه فِي الدّين قَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث غَرِيب وَلَا يعرف هَذَا الحَدِيث من حَدِيث عَوْف الا من حَدِيث هَذَا الشَّيْخ خلف بن أَيُّوب العامري وَلم أر احدا يرْوى عَنهُ غير ابي كريب مُحَمَّد بن الْعَلَاء وَلَا أَدْرِي كَيفَ هُوَ وَهَذِه شَهَادَة بَان من اجْتمع فِيهِ حسن السمت وَالْفِقْه فِي الدّين فَهُوَ مُؤمن واحرى بِهَذَا الحَدِيث ان يكون حَقًا وَإِن كَانَ اسناده فِيهِ جَهَالَة فان حسن السمت وَالْفِقْه فِي الدّين من اخص عَلَامَات الايمان وَلنْ يجمعهما الله فِي مُنَافِق فان النِّفَاق ينافيهما وينافيانه الْوَجْه التَّاسِع وَالْخَمْسُونَ قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدثنَا مُسلم ابْن حَاتِم الانصاري حَدثنَا ابوحاتم الْبَصْرِيّ حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله الانصاري عَن ابيه عَن عَليّ بن زيد عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ قَالَ انس بن مَالك رضى الله عَنهُ قَالَ رَسُول الله يَا بني ان قدرت ان تصبح وتمسي وَلَيْسَ فِي قَلْبك غش لَاحَدَّ فافعل ثمَّ قَالَ يَا بني وَذَلِكَ من سنتي وَمن احيا سنتي فقد احبني وَمن احبني كَانَ معي فِي الْجنَّة وَفِي الحَدِيث قصَّة طَوِيلَة قَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب من هَذَا الْوَجْه وَمُحَمّد بن عبد الله الانصاري صَدُوق وابوه ثِقَة وَعلي بن زيد صَدُوق الا انه رُبمَا يرفع الشَّيْء الَّذِي يوقفه غَيره سَمِعت مُحَمَّد بن بِشَارَة يَقُول قَالَ ابو الْوَلِيد قَالَ شُعْبَة حَدثنَا على بن زيد وَكَانَ رفاعا قَالَ التِّرْمِذِيّ وَلَا يعرف لسَعِيد من السميب عَن انس رِوَايَة الا هَذَا الحَدِيث بِطُولِهِ وَقد روى عباد الْمنْقري هَذَا الحَدِيث عَن عَليّ بن زيد عَن انس وَلم يذكر فِيهِ عَن سعيد بن الْمسيب وذاكرت بِهِ مُحَمَّد بن اسمعيل فَلم يعرفهُ وَلم يعرف لسَعِيد بن الْمسيب عَن انس هَذَا الحَدِيث وَلَا غَيره وَمَات انس سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَسَعِيد بن الْمسيب سنة خمس وَتِسْعين بعده بِسنتَيْنِ قلت وَلِهَذَا الحَدِيث شَوَاهِد مِنْهَا مَا رَوَاهُ الدَّارمِيّ عبد الله حَدثنَا مُحَمَّد بن عُيَيْنَة عَن مَرْوَان بن مُعَاوِيَة الْفَزارِيّ عَن كثير ابْن عبد الله عَن ابيه عَن جده ان النَّبِي قَالَ لِبلَال بن الْحَارِث اعْلَم قَالَ مَا أعلم يَا رَسُول الله قَالَ اعْلَم يَا بِلَال قَالَ مَا اعْلَم يَا رَسُول الله قَالَ انه من احيا سنة من سُنَنِي قد اميتت بعدِي كَانَ لَهُ من الاجر مثل من عمل بهَا من غير ان ينقص من اجورهم شَيْء وَمن ابتدع

стр. 75

بِدعَة ضَلَالَة لَا يرضاها الله وَرَسُوله كَانَ عَلَيْهِ مثل آثام من عمل بهَا لَا ينقص ذَلِك من اوزار النَّاس شَيْئا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَنهُ وَقَالَ حَدِيث حسن قَالَ وَمُحَمّد بن عُيَيْنَة مصيصي شَامي وَكثير ابْن عبد الله هُوَ ابْن عَمْرو بن عَوْف الْمُزنِيّ وَفِي حَدِيثه ثَلَاثَة اقوال لاهل الحَدِيث مِنْهُم من يُصَحِّحهُ وَمِنْهُم من يُحسنهُ وهما لِلتِّرْمِذِي وَمِنْهُم من يُضعفهُ وَلَا يرَاهُ حجَّة كالامام احْمَد وَغَيره وَلَكِن هَذَا الاصل ثَابت من وُجُوه كَحَدِيث من دَعَا الى هدى كَانَ لَهُ من الاجر مثل احور من اتبعهُ وَهُوَ صَحِيح من وُجُوه وَحَدِيث من دلّ على خير فَلهُ مثل اجْرِ فَاعله وَهُوَ حَدِيث حسن رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره فَهَذَا الاصل مَحْفُوظ عَن النَّبِي فَالْحَدِيث الضَّعِيف فِيهِ بِمَنْزِلَة الشواهد والمتابعات فَلَا يضر ذكره الْوَجْه السِّتُّونَ ان النَّبِي اوصى بِطَلَبِهِ الْعلم خيرا وَمَا ذَاك الا لفضل مطلوبهم وشرفه قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدثنَا سُفْيَان بن وَكِيع حَدثنَا ابو دَاوُد الْحَفرِي عَن سُفْيَان عَن ابي هرون قَالَ كُنَّا نأتي ابا سعيد فَيَقُول مرْحَبًا بِوَصِيَّة رَسُول الله ان النَّبِي قَالَ ان النَّاس لكم تبع وان رجَالًا يأتونكم من اقطار الارض يتفقهون فِي الدّين فَإِذا اتوكم فَاسْتَوْصُوا بهم خيرا حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا روح بن قيس عَن ابي هرون الْعَبْدي عَن ابي سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي قَالَ يأتيكم رجال من قبل الْمشرق يتعلمون فَإِذا جاؤكم فَاسْتَوْصُوا بهم خيرا فَكَانَ ابو سعيد إِذا رآنا قَالَ مرْحَبًا بِوَصِيَّة رَسُول الله قَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث لانعرفه الا من حَدِيث ابي هرون الْعَبْدي عَن ابي سعيد قَالَ ابو بكر الْعَطَّار قَالَ عَليّ ابْن الْمَدِينِيّ قَالَ يحيى بن سعيد كَانَ شُعْبَة يضعف ابا هرون الْعَبْدي قَالَ يحيى وَمَا زَالَ ابْن عَوْف يرْوى عَن ابي هرون حَتَّى مَاتَ وَأَبُو هرون اسْمه عمَارَة بن جُوَيْن الْوَجْه الْحَادِي وَالسِّتُّونَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابي دَاوُد عَن عبد الله بن سنحبرة عَن سنحبرة عَن النَّبِي قَالَ من طلب الْعلم كَانَ كَفَّارَة لما مضى هَذَا الاصل لم اجد فِيهِ الا هَذَا الحَدِيث وَلَيْسَ بِشَيْء فان ابا دَاوُد هُوَ نفيع الاعمى غير ثِقَة وَلَكِن قد تقدم ان الْعَالم يسْتَغْفر لَهُ من فِي السَّمَوَات وَمن فِي الارض وَقد رويت آثَار عديدة عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة فِي هَذَا الْمَعْنى مِنْهَا مَا رَوَاهُ الثَّوْريّ عَن عبد الْكَرِيم عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس ان ملكا موكلا بطالب الْعلم حَتَّى يردهُ من حَيْثُ ابداه مغفورا لَهُ وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ قطر بن خَليفَة عَن ابي الطُّفَيْل عَن عَليّ مَا انتعل عبد قطّ وَلَا تخفف وَلَا لبس ثوبا ليغدو فِي طلب الْعلم إِلَّا غفرت ذنُوبه حَيْثُ يخطو عِنْد بَاب بَيته وَقد رَوَاهُ ابْن عدي مَرْفُوعا وَقَالَ لَيْسَ يرويهِ عَن قطر غير اسمعيل ابْن يحيى التَّمِيمِي قلت وَقد رَوَاهُ اسمعيل بن يحيى هَذَا عَن الثَّوْريّ حَدثنَا مُحَمَّد بن ايوب الْجوزجَاني عَن مجَالد عَن الشّعبِيّ عَن الاسود عَن عَائِشَة مَرْفُوعا من انتعل ليتعلم خيرا غفر لَهُ قبل ان

стр. 76

يخطو وَقد رَوَاهُ عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْمحَاربي عَن قطر عَن ابي الطُّفَيْل عَن عَليّ وَهَذِه الاسانيد وان لم تكن بمفردها حجَّة فَطلب الْعلم من افضل الْحَسَنَات والحسنات يذْهبن السَّيِّئَات فجدير ان يكون طلب الْعلم ابْتِغَاء وَجه الله يكفر ماضي من السَّيِّئَات فقد دلّت النُّصُوص ان اتِّبَاع السَّيئَة الْحَسَنَة تمحوها فَكيف بِمَا هُوَ من افضل الْحَسَنَات واجل الطَّاعَات فالعمدة على ذَلِك لاعلى حَدِيث ابي دَاوُد وَالله اعْلَم وَقد روى عَن عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ ان الرجل ليخرج من منزله وَعَلِيهِ من الذُّنُوب مثل جبال تهَامَة فَإِذا سمع الْعلم خَافَ وَرجع وَتَابَ فَانْصَرف الى منزله وَلَيْسَ عَلَيْهِ ذَنْب فلاتفارقوا مجَالِس الْعلمَاء الْوَجْه الثَّانِي وَالسِّتُّونَ مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ رضى الله عَنْهُمَا قَالَ خرج رَسُول الله فَإِذا فِي الْمَسْجِد مجلسان مجْلِس يتفقهون ومجلس يدعونَ الله تَعَالَى ويسألونه فَقَالَ كلا المجلسين إِلَى خير اماهؤلاء فَيدعونَ الله وَأما هَؤُلَاءِ فيتعلمون ويفقهون الْجَاهِل هَؤُلَاءِ افضل بالتعليم ارسلت ثمَّ قعد مَعَهم الْوَجْه الثَّالِث وَالسِّتُّونَ ان الله ﵎ يباهي مَلَائكَته بالقوم الَّذين يتذاكرون الْعلم ويذكرون الله ويحمدونه على مَا من عَلَيْهِم بِهِ مِنْهُ قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا مَرْحُوم بن عبد الْعَزِيز الْعَطَّار حَدثنَا ابو نعَامَة عَن ابي عُثْمَان عَن ابي سعيد قَالَ خرج مُعَاوِيَة الى الْمَسْجِد فَقَالَ م يجلسكم قَالُوا جلسنا نذْكر الله قَالَ الله مَا اجلسكم إِلَّا ذَلِك قَالُوا الله مَا اجلسنا إِلَّا ذَلِك قَالَ أما إِنِّي لم استحلفكم تُهْمَة لكم وَمَا كَانَ اُحْدُ بمنزلتي من رَسُول الله اقل حَدِيثا عَنهُ مني ان رَسُول الله ﷺ عَلَيْهِ وَآله وَسلم خرج على حَلقَة من اصحابه قَالَ مَا يجلسكم قَالُوا جلسنا نذْكر الله ونحمده لما هدَانَا للاسلام وَمن علينا بك قَالَ الله مَا اجلسكم إِلَّا ذَلِك قَالُوا الله مَا اجلسنا إِلَّا ذَلِك قَالَ أما إِنِّي لم استحلفكم تُهْمَة لكم انه اتاني جِبْرِيل فَأَخْبرنِي ان الله تَعَالَى يباهي بكم الْمَلَائِكَة قَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب لَا نعرفه الا من هَذَا الْوَجْه وابو نعَامَة السَّعْدِيّ اسْمه عَمْرو بن عِيسَى وَأَبُو عُثْمَان النَّهْدِيّ اسْمه عبد الرَّحْمَن بن مل فَهَؤُلَاءِ كَانُوا قد جَلَسُوا يحْمَدُونَ الله بِذكر اوصافه وآلائه ويثنون عَلَيْهِ بذلك ويذكرون حسن الْإِسْلَام ويعترفون لله بِالْفَضْلِ الْعَظِيم إِذْ هدَاهُم لَهُ وَمن عَلَيْهِم بِرَسُولِهِ وَهَذَا اشرف علم على الاطلاق وَلَا يَعْنِي بِهِ الا الراسخون فِي الْعلم فَإِنَّهُ يتَضَمَّن معرفَة الله وَصِفَاته وافعاله وَدينه وَرَسُوله ومحبة ذَلِك وتعظيمه والفرح بِهِ وَأَحْرَى بأصحاب هَذَا الْعلم ان يباهي الله بهم الْمَلَائِكَة وَقد بشر النَّبِي الرجل الَّذِي كَانَ يحب سُورَة الاخلاص وَقَالَ احبها لانها صفة الرَّحْمَن فَقَالَ حبك اياها ادخلك الْجنَّة وَفِي لفظ آخر اخبروه ان الله يُحِبهُ فَدلَّ على ان من احب صِفَات الله احبه الله وَأدْخلهُ الْجنَّة والجهمية اشد النَّاس نفرة وتنفيرا عَن صِفَاته ونعوت كَمَاله يعاقبون ويذمون من

стр. 77

يذكرهَا ويقرؤها ويجمعها ويعتني بهَا وَلِهَذَا لَهُم المقت والذم عِنْد الامة وعَلى لِسَان كل عَالم من عُلَمَاء الاسلام وَالله تَعَالَى اشد بغضا ومقتا لَهُم جَزَاء وفَاقا الْوَجْه الرَّابِع وَالسِّتُّونَ ان افضل منَازِل الْخلق عِنْد الله منزلَة الرسَالَة والنبوة فَالله يصطفى من الْمَلَائِكَة رسلًا وَمن النَّاس وَكَيف لَا يكون افضل الْخلق عِنْد الله من جعلهم وسائط بَينه وَبَين عباده فِي تَبْلِيغ رسالاته وتعريف اسمائه وَصِفَاته وأفعاله واحكامه ومراضيه ومساخطه وثوابه وعقابه وخصهم بوحيه واختصهم بتفضيله وارتضاهم لرسالته إِلَى عباده وجعلهم ازكى الْعَالمين نفوسا واشرفهم اخلاقا واكملهم علوما واعمالا واحسنهم خلقَة واعظمهم محبَّة وقبولا فِي قُلُوب النَّاس وبرأهم من كل وصم وعيب وكل خلق دنيء وَجعل اشرف مَرَاتِب النَّاس بعدهمْ مرتبَة خلافتهم ونيابتهم فِي اممهم فانهم يخلفونهم على منهاجهم وطريقهم من نصيحتهم للْأمة وارشادهم الضال وتعليمهم الْجَاهِل ونصرهم الْمَظْلُوم واخذهم على يَد الظَّالِم وامرهم بِالْمَعْرُوفِ وَفعله ونهيهم عَن الْمُنكر وَتَركه والدعوة الى الله بالحكمة للمستجيبين وَالْمَوْعِظَة الْحَسَنَة للمعرضين الغافلين والجدال بِالَّتِي هِيَ احسن للمعاندين المعارضين فَهَذِهِ حَال اتِّبَاع الْمُرْسلين وَورثه النَّبِيين قَالَ تَعَالَى قل هَذِه سبيلي ادعو الى الله على بَصِيرَة انا وَمن اتبعني وَسَوَاء كَانَ الْمَعْنى أَنا وَمن اتبعني على بَصِيرَة وانا ادعو الى الله اَوْ الْمَعْنى ادعو الى الله على بَصِيرَة وَالْقَوْلَان متلازمان فَإِنَّهُ لَا يكون من اتِّبَاعه حَقًا إِلَّا من دَعَا الى الله على بَصِيرَة كَمَا كَانَ متبوعه يفعل فَهَؤُلَاءِ خلفاء الرُّسُل حَقًا وورثتهم دون النَّاس وهم أولو الْعلم الَّذين قَامُوا بِمَا جَاءَ بِهِ علما وَعَملا وهداية وارشادا وصبرا وجهادا وَهَؤُلَاء هم الصديقون وهم افضل اتِّبَاع الانبياء ورأسهم وإمامهم الصّديق الاكبر ابو بكر رضى الله عَنهُ قَالَ الله تَعَالَى وَمن يطع الله وَالرَّسُول فَأُولَئِك مَعَ الَّذين انْعمْ الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحسن اولئك رَفِيقًا ذَلِك الْفضل من الله وَكفى بِاللَّه عليما فَذكر مَرَاتِب السُّعَدَاء وَهِي اربعة وَبَدَأَ باعلاهم مرتبَة ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ إِلَى آخر الْمَرَاتِب وَهَؤُلَاء الاربعة هم اهل الْجنَّة الَّذين هم اهلها جعلنَا الله مِنْهُم بمنه وَكَرمه الْوَجْه الْخَامِس وَالسِّتُّونَ ان الانسان إِنَّمَا يُمَيّز على غَيره من الْحَيَوَانَات بفضيلة الْعلم وَالْبَيَان وَإِلَّا فَغَيره من الدَّوَابّ وَالسِّبَاع أَكثر أكلا مِنْهُ واقوى بطشا وَأكْثر جماعا واولادا واطول اعمارا وَإِنَّمَا ميز على الدَّوَابّ والحيوانات بِعِلْمِهِ وَبَيَانه فَإِذا عدم الْعلم بقى مَعَه الْقدر الْمُشْتَرك بَينه وَبَين سَائِر الدَّوَابّ وَهِي الحيوانية الْمَحْضَة فَلَا يبْقى فِيهِ فضل عَلَيْهِم بل قد يبْقى شرا مِنْهُم كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي هَذَا الصِّنْف من النَّاس إِن شَرّ الدَّوَابّ عِنْد الله الصم الْبكم الَّذين لَا يعْقلُونَ فَهَؤُلَاءِ هم الْجُهَّال وَلَو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم أَي لَيْسَ عِنْدهم مَحل قَابل للخير وَلَو كَانَ محلهم قَابلا للخير لاسمعهم أَي

стр. 78

لافهمهم والسمع هَهُنَا سمع فهم والا فَسمع الصَّوْت حَاصِل لَهُم وَبِه قَامَت حجَّة الله عَلَيْهِم قَالَ تَعَالَى وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين قَالُوا سمعنَا وهم لَا يسمعُونَ وَقَالَ تَعَالَى وَمثل الَّذين كفرُوا كَمثل الَّذِي ينعق بمالا يسمع الا دُعَاء ونداء صم بكم عمى فهم لَا يعْقلُونَ وَسَوَاء كَانَ الْمَعْنى وَمثل دَاعِي الَّذين كفرُوا كَمثل الَّذِي ينعق بِمَا لَا يسمع من الدَّوَابّ إِلَّا اصواتا مُجَرّدَة اَوْ كَانَ الْمَعْنى وَمثل الَّذين كفرُوا حِين ينادون كَمثل دَوَاب الَّذِي ينعق بهَا فَلَا تسمع الا صَوت الدُّعَاء والنداء فالقولان متلازمان بل هما وَاحِد وَإِن كَانَ التَّقْدِير الثَّانِي اقْربْ إِلَى اللَّفْظ وأبلغ فِي الْمَعْنى فعلى التَّقْدِيرَيْنِ لم يحصل لَهُم من الدعْوَة إِلَّا الصَّوْت الْحَاصِل للأنعام فَهَؤُلَاءِ لم يحصل لَهُم حَقِيقَة الانسانية الَّتِي يُمَيّز بهَا صَاحبهَا عَن سَائِر الْحَيَوَان والسمع يُرَاد بِهِ ادراك الصَّوْت وَيُرَاد بِهِ فهم الْمَعْنى وَيُرَاد بِهِ الْقبُول والاجابة وَالثَّلَاثَة فِي الْقُرْآن فَمن الاول قَوْله قد سمع الله قَول الَّتِي تُجَادِلك فِي زَوجهَا وتشتكي الى الله وَالله يسمع تحاوركما إِن الله سميع بَصِير وَهَذَا اصرح مَا يكون فِي إِثْبَات صفة السّمع ذكر الْمَاضِي والمضارع وَاسم الْفَاعِل سمع وَيسمع وَهُوَ سميع وَله السّمع كَمَا قَالَت عَائِشَة رضى الله عَنْهَا الْحَمد لله الَّذِي وسع سَمعه الاصوات لقد جَاءَت المجادلة تَشْكُو إِلَى رَسُول الله وَأَنا فِي جَانب الْبَيْت وَأَنه ليخفى على بعض كَلَامهَا فَأنْزل الله قد سمع الله قَول الَّتِي تُجَادِلك فِي زَوجهَا وَالثَّانِي سمع الْفَهم كَقَوْلِه وَلَو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم أَي لافهمهم وَلَو اسمعهم لتولوا وهم معرضون لما فِي قُلُوبهم من الْكبر والاعراض عَن قبُول الْحق ففيهم آفتان إِحْدَاهمَا انهم لَا يفهمون الْحق لجهلهم وَلَو فهموه لتولوا عَنهُ وهم معرضون عَنهُ لكبرهم وَهَذَا غَايَة النَّقْص وَالْعَيْب وَالثَّالِث سمع الْقبُول والاجابة كَقَوْلِه تَعَالَى لَو خَرجُوا فِيكُم مَا زادوكم إِلَّا خبالا وَلَا وضعُوا خلالكم يبغونكم الْفِتْنَة وَفِيكُمْ سماعون لَهُم أَي قابلون مستجيبون وَمِنْه قَوْله سماعون للكذب أَي قابلون لَهُ مستجيبون لاهله وَمِنْه قَول الْمصلى سمع الله لمن حَمده أَي اجاب الله حمد من حَمده وَدُعَاء من دَعَاهُ وَقَول النَّبِي إِذا قَالَ الامام سمع الله لمن حَمده فَقولُوا رَبنَا وَلَك الْحَمد يسمع الله لكم أَي يجيبكم وَالْمَقْصُود ان الانسان إِذا لم يكن لَهُ علم بِمَا يصلحه فِي معاشه ومعاده كَانَ الْحَيَوَان البهيم خيرا مِنْهُ لسلامته فِي الْمعَاد مِمَّا يهلكه دون الانسان الْجَاهِل الْوَجْه السَّادِس وَالسِّتُّونَ إِن الْعلم حَاكم على مَا سواهُ وَلَا يحكم عَلَيْهِ شَيْء فَكل شَيْء اخْتلف فِي وجوده وَعَدَمه وَصِحَّته وفساده ومنفعته ومضرته ورجحانه ونقصانه وكماله ونقصه ومدحه وذمه ومرتبته فِي الْخَيْر وجودته ورداءته وقربه وَبعده وإفضائه إِلَى مَطْلُوب كَذَا وَعدم إفضائه وَحُصُول الْمَقْصُود بِهِ وَعدم حُصُوله إِلَى سَائِر جِهَات المعلومات فَإِن الْعلم حَاكم على ذَلِك كُله فَإِذا حكم الْعلم انْقَطع النزاع وَوَجَب الِاتِّبَاع وَهُوَ الْحَاكِم على الممالك والسياسات والاموال

стр. 79

والاقلام فَملك لَا يتأيد بِعلم لَا يقوم وَسيف بِلَا علم مِخْرَاق لاعب وقلم بِلَا علم حُرْمَة حَرَكَة عابث وَالْعلم مسلط حَاكم على ذَلِك كُله وَلَا يحكم شَيْء من ذَلِك على الْعلم وَقد اخْتلف فِي تَفْضِيل مداد الْعلمَاء على دم الشُّهَدَاء وَعَكسه وَذكر لكل قَول وُجُوه من التراجيح والادلة وَنَفس هَذَا النزاع دَلِيل على تَفْضِيل الْعلم ومرتبته فَإِن الْحَاكِم فِي هَذِه المسئلة هُوَ الْعلم فِيهِ واليه وَعِنْده يَقع التحاكم والتخاصم والمفضل مِنْهُمَا من حكم لَهُ بِالْفَضْلِ فَإِن قيل فَكيف يقبل حكمه لنَفسِهِ قيل وَهَذَا ايضا دَلِيل على تفضيله وعلو مرتبته وشرفه فَإِن الْحَاكِم إِنَّمَا لم يسغْ ان يحكم لنَفسِهِ لاجل مَظَنَّة التُّهْمَة وَالْعلم تلْحقهُ تُهْمَة فِي حكمه لنَفسِهِ فَإِنَّهُ إِذا حكم حكم بِمَا تشهد الْعُقُول وَالنَّظَر بِصِحَّتِهِ وتتلقاه بِالْقبُولِ ويستحيل حكمه لتهمة فَإِنَّهُ إِذا حكم بهَا انْعَزل عَن مرتبته وانحط عَن دَرَجَته فَهُوَ الشَّاهِد الْمُزَكي الْعدْل وَالْحَاكِم الَّذِي لَا يجور وَلَا يعْزل فَإِن قيل فَمَاذَا حكمه فِي هَذِه المسئلة الَّتِي ذكرتموها قيل هَذِه المسئلة كثر فِيهَا الْجِدَال واتسع المجال وأدلى كل مِنْهُمَا بحجته واستعلى بمرتبته وَالَّذِي يفصل النزاع وَيُعِيد المسالة إِلَى مواقع الاجماع الْكَلَام فِي أَنْوَاع مَرَاتِب الْكَمَال وَذكر الافضل مِنْهُمَا وَالنَّظَر فِي أَي هذَيْن الامرين اولى بِهِ واقرب اليه فَهَذِهِ الاصول الثَّلَاثَة تبين الصَّوَاب وَيَقَع بهَا فصل الْخطاب فاما مَرَاتِب الْكَمَال فاربع النُّبُوَّة والصديقية وَالشَّهَادَة وَالْولَايَة وَقد ذكرهَا الله سُبْحَانَهُ فِي قَوْله وَمن يطع الله وَالرَّسُول فَأُولَئِك مَعَ الَّذين انْعمْ الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحسن اولئك رَفِيقًا ذَلِك الْفضل من الله وَكفى بِاللَّه عليما وَذكر تَعَالَى هَؤُلَاءِ الاربع فِي سُورَة الْحَدِيد فَذكر تَعَالَى الايمان بِهِ وبرسوله ثمَّ ندب الْمُؤمنِينَ الى ان تخشع قُلُوبهم لكتابه ووحيه ثمَّ ذكر مَرَاتِب الْخَلَائق شقيهم وسعيدهم فَقَالَ إِن المصدقين والمصدقات واقرضوا الله قرضا حسنا يُضَاعف لَهُم وَلَهُم اجْرِ كريم وَالَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرُسُله اولئك هم الصديقون والشهداءعند رَبهم لَهُم اجرهم ونورهم وَالَّذين كفرُوا وكذبوا بِآيَاتِنَا اولئك اصحاب الْجَحِيم وَذكر الْمُنَافِقين قبل ذَلِك فاستوعبت هَذِه الاية اقسام الْعباد شقيهم وسعيدهم وَالْمَقْصُود انه ذكر فِيهَا الْمَرَاتِب الاربعة الرسَالَة والصديقية وَالشَّهَادَة وَالْولَايَة فأعلا هَذِه الْمَرَاتِب النُّبُوَّة والرسالة ويليها الصديقية فالصديقون هم أَئِمَّة اتِّبَاع الرُّسُل ودرجتهم اعلا الدَّرَجَات بعد النُّبُوَّة فَإِن جرى قلم الْعَالم بالصديقية وسال مداده بهَا كَانَ افضل من دم الشَّهِيد الَّذِي لم يحلقه فِي رُتْبَة الصديقية وان سَالَ دم الشَّهِيد بالصديقية وقطر عَلَيْهَا كَانَ افضل من مداد الْعَالم الَّذِي قصر عَنْهَا فافضلهما صديقهما فان اسْتَويَا فِي الصديقية اسْتَويَا فِي الْمرتبَة وَالله اعْلَم والصديقية هِيَ كَمَال الايمان بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول علما وَتَصْدِيقًا وقياما فَهِيَ رَاجِعَة إِلَى نفس الْعلم فَكل من كَانَ اعْلَم بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول واكمل تَصْدِيقًا لَهُ كَانَ اتم صديقية فالصديقية شَجَرَة اصولها الْعلم وفروعها التَّصْدِيق وثمرتها الْعَمَل فَهَذِهِ كَلِمَات

стр. 80

جَامِعَة فِي مسئلة الْعَالم والشهيد وايهما افضل الْوَجْه السَّابِع وَالسِّتُّونَ ان النُّصُوص النَّبَوِيَّة قد تَوَاتَرَتْ بَان افضل الاعمال إِيمَان بِاللَّه فَهُوَ رَأس الامر والاعمال بعده على مراتبها ومنازلها والايمان لَهُ ركنان احدهما معرفَة مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول وَالْعلم بِهِ وَالثَّانِي تَصْدِيقه بالْقَوْل وَالْعَمَل والتصديق بِدُونِ الْعلم والمعرفة محَال فَإِنَّهُ فرع الْعلم بالشَّيْء الْمُصدق بِهِ فَإِذا الْعلم من الايمان بِمَنْزِلَة الرّوح من الْجَسَد ولاتقوم شَجَرَة الايمان الا على سَاق الْعلم والمعرفة فالعلم إِذا اجل المطالب واسنى الْمَوَاهِب الْوَجْه الثَّامِن وَالسِّتُّونَ ان صِفَات الْكَمَال كلهَا ترجع إِلَى الْعلم وَالْقُدْرَة والارادة والارادة فرع الْعلم فإنهاتستلزم الشُّعُور بالمراد فَهِيَ مفتقرة إِلَى الْعلم فِي ذَاتهَا وحقيقتها وَالْقُدْرَة لَا تُؤثر إِلَّا بِوَاسِطَة الارادة وَالْعلم لايفتقر فِي تعلقه بالمعلوم إِلَى وَاحِدَة مِنْهُمَا وَأما الْقُدْرَة وإلارادة فَكل مِنْهَا يفْتَقر فِي تعلقه بالمراد والمقدور إِلَى الْعلم وَذَلِكَ يدل على فضيلته وَشرف مَنْزِلَته الْوَجْه التَّاسِع وَالسِّتُّونَ ان الْعلم اعم الصِّفَات تعلقا بمتعلقه واوسعها فَإِنَّهُ يتَعَلَّق بِالْوَاجِبِ والممكن والمستحيل والجائز وَالْمَوْجُود والمعدوم فذات الرب سُبْحَانَهُ وَصِفَاته واسماؤه مَعْلُومَة لَهُ وَيعلم الْعباد من ذَلِك مَا علمهمْ الْعَلِيم الْخَبِير وَأما الْقُدْرَة والارادة فَكل مِنْهُمَا خَاص التَّعَلُّق اما الْقُدْرَة فَإِنَّمَا تتَعَلَّق بالممكن خَاصَّة لابالمستحيل وَلَا بِالْوَاجِبِ فَهِيَ اخص من الْعلم من هَذَا الْوَجْه وأعم من الارادة فَإِن الارادة لاتتعلق الا بِبَعْض الممكنات وَهُوَ مَا أُرِيد وجوده فالعلم اوسع وأعم وأشمل فِي ذَاته ومتعلقه الْوَجْه السبعون ان الله سُبْحَانَهُ اخبر عَن اهل الْعلم بِأَنَّهُ جعلهم ائمة يهْدُونَ بأَمْره وياتم بهم من بعدهمْ فَقَالَ تَعَالَى وجعلناهم ائمة يهْدُونَ بامرنا لما صَبَرُوا وَكَانُوا يآياتنا يوقنون وَقَالَ فِي مَوضِع آخر وَالَّذين يَقُولُونَ رَبنَا هَب لنا من ازواجنا وَذُرِّيَّاتنَا قُرَّة اعين واجعلنا لِلْمُتقين إِمَامًا أَي ائمة يقْتَدى بِنَا من بَعدنَا فَأخْبر سُبْحَانَهُ ان بِالصبرِ وَالْيَقِين تنَال الامامة فِي الدّين وَهِي ارْفَعْ مَرَاتِب الصديقين وَالْيَقِين هُوَ كَمَال الْعلم وغايته فبتكميل مرتبَة الْعلم تحصل إِمَامَة الدّين وَهِي ولَايَة آلتها الْعلم يخْتَص الله بهَا من يَشَاء من عباده الْوَجْه الْحَادِي وَالسَّبْعُونَ ان حَاجَة الْعباد إِلَى الْعلم ضَرُورِيَّة فَوق حَاجَة الْجِسْم إِلَى الْغذَاء لَان الْجِسْم يحْتَاج إِلَى الْغذَاء فِي الْيَوْم مرّة اَوْ مرَّتَيْنِ وحاجة الانسان إِلَى الْعلم بِعَدَد الانفاس لَان كل نفس من انفاسه فَهُوَ مُحْتَاج فِيهِ إِلَى ان يكون مصاحبا لايمان اَوْ حِكْمَة فَإِن فَارقه الايمان اَوْ حِكْمَة فِي نفس من انفاسه فقد عطب وَقرب هَلَاكه وَلَيْسَ إِلَى حُصُول ذَلِك سَبِيل إِلَّا بِالْعلمِ فالحاجة إِلَيْهِ فَوق الْحَاجة إِلَى الطَّعَام وَالشرَاب وَقد ذكر الامام احْمَد هَذَا الْمَعْنى بِعَيْنِه فَقَالَ النَّاس احوج إِلَى الْعلم مِنْهُم إِلَى الطَّعَام وَالشرَاب لَان الطَّعَام وَالشرَاب يحْتَاج إِلَيْهِ فِي الْيَوْم مرّة اَوْ مرَّتَيْنِ وَالْعلم يحْتَاج اليه كل وَقت الْوَجْه الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ إِن صَاحب الْعلم اقل تعبا وَعَملا وَأكْثر اجرا وَاعْتبر هَذَا بِالشَّاهِدِ فَإِن الصناع والإجراء يعانون

стр. 81

الاعمال الشاقة بِأَنْفسِهِم والاستاذ الْمعلم يجلس بأمرهم وينهاهم وَيُرِيهمْ كَيْفيَّة الْعَمَل وَيَأْخُذ اضعاف مَا يأخذونه وَقد اشار النَّبِي إِلَى هَذَا الْمَعْنى حَيْثُ قَالَ افضل الاعمال إِيمَان بِاللَّه ثمَّ الْجِهَاد فالجهاد فِيهِ بذل النَّفس وَغَايَة الْمَشَقَّة والايمان علم الْقلب وَعَمله وتصديقه وَهُوَ افضل الاعمال مَعَ ان مشقة الْجِهَاد فَوق مشقته باضعاف مضاعفة وَهَذَا لَان الْعلم يعرف مقادير الاعمال ومراتبها وفاضلها من مفضولها وراجحها من مرجوحها فصاحبه لَا يخْتَار لنَفسِهِ الا افضل الاعمال وَالْعَامِل بِلَا علم يظنّ ان الْفَضِيلَة فِي كَثْرَة الْمَشَقَّة فَهُوَ يتَحَمَّل المشاق وَإِن كَانَ مَا يعانيه مفضولا وَرب عمل فَاضل والمفضول اكثر مشقة مِنْهُ وَاعْتبر هَذَا بِحَال الصّديق فَإِنَّهُ افضل الامة وَمَعْلُوم ان فيهم من هُوَ اكثر عملا وحجا وصوما وَصَلَاة وَقِرَاءَة مِنْهُ قَالَ ابو بكر بن عَيَّاش مَا سبقكم ابو بكر بِكَثْرَة صَوْم وَلَا صَلَاة وَلَكِن بِشَيْء وقر فِي قلبه وَهَذَا مَوْضُوع الْمثل الْمَشْهُور من لي بِمثل سيرك المدلل ... تمشى رويدا وتجي فِي الاول الْوَجْه الثَّالِث وَالسَّبْعُونَ ان الْعلم إِمَام الْعَمَل وقائد لَهُ وَالْعَمَل تَابع لَهُ ومؤتم بِهِ فَكل عمل لَا يكون خلف الْعلم مقتديا بِهِ فَهُوَ غير نَافِع لصَاحبه بل مضرَّة عَلَيْهِ كَمَا قَالَ بعض السّلف من عبد الله بِغَيْر علم كَانَ مَا يفْسد أَكثر مِمَّا يصلح وألاعمال إِنَّمَا تَتَفَاوَت فِي الْقبُول وَالرَّدّ بِحَسب موافقتها للْعلم ومخالفتها لَهُ فَالْعَمَل الْمُوَافق للْعلم هُوَ المقبول والمخالف لَهُ هُوَ الْمَرْدُود فالعلم هُوَ الْمِيزَان وَهُوَ المحك قَالَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي خلق الْمَوْت والحياة ليَبْلُوكُمْ ايكم احسن عملا وَهُوَ الْعَزِيز الغفور قَالَ الفضيل بن عِيَاض هُوَ اخلص الْعَمَل واصوبه قَالُوا يَا ابا عَليّ مَا اخلصه واصوبه قَالَ ان الْعَمَل إِذا كَانَ خَالِصا وَلم يكن صَوَابا لم يقبل وَإِذا كَانَ صَوَابا وَلم يكن خَالِصا لم يقبل حَتَّى يكون خَالِصا وصوابا فالخالص ان يكون لله وَالصَّوَاب ان يكون على السّنة وَقد قَالَ تَعَالَى فَمن كَانَ يَرْجُو لِقَاء ربه فليعمل عملا صَالحا وَلَا يُشْرك بِعبَادة ربه احدا فَهَذَا هُوَ الْعَمَل المقبول الَّذِي لَا يقبل الله من الاعمال سواهُ وَهُوَ ان يكون مُوَافقا لسنة رَسُول الله مرَادا بِهِ وَجه الله وَلَا يتَمَكَّن الْعَامِل من الاتيان بِعَمَل يجمع هذَيْن الوصفين إِلَّا بِالْعلمِ فَإِنَّهُ إِن لم يعلم مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول لم يُمكنهُ قَصده وَإِن لم يعرف معبوده لم يُمكنهُ إِرَادَته وَحده فلولا الْعلم لما كَانَ عمله مَقْبُولًا فالعلم هُوَ الدَّلِيل على الاخلاص وَهُوَ الدَّلِيل على الْمُتَابَعَة وَقد قَالَ الله تَعَالَى إِنَّمَا يتَقَبَّل الله من الْمُتَّقِينَ واحسن مَا قيل فِي تَفْسِير الاية إِنَّه إِنَّمَا يتَقَبَّل الله عمل من اتَّقَاهُ فِي ذَلِك الْعَمَل وتقواه فِيهِ ان يكون لوجهه على مُوَافقَة امْرَهْ وَهَذَا إِنَّمَا يحصل بِالْعلمِ وَإِذا كَانَ هَذَا منزلَة الْعلم وموقعه علم انه اشرف شَيْء واجله وافضله وَالله أعلم الْوَجْه الرَّابِع وَالسَّبْعُونَ ان الْعَامِل بِلَا علم كالسائر بِلَا دَلِيل وَمَعْلُوم ان عطب مثل هَذَا اقْربْ من سَلَامَته

стр. 82

وان قدر سَلَامَته اتِّفَاقًا نَادرا فَهُوَ غير مَحْمُود بل مَذْمُوم عِنْد الْعُقَلَاء وَكَانَ شيخ الاسلام ابْن تَيْمِية يَقُول من فَارق الدَّلِيل ضل السَّبِيل وَلَا دَلِيل إِلَّا بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول قَالَ الْحسن الْعَامِل على غير علم كالسالك على غير طَرِيق وَالْعَامِل على غير علم مَا يفْسد اكثر مِمَّا يصلح فَاطْلُبُوا اللم طلبا لَا تضروا بِالْعبَادَة واطلبوا الْعِبَادَة طلبا لَا تضروا بِالْعلمِ فَإِن قوما طلبُوا الْعِبَادَة وَتركُوا الْعلم حى خَرجُوا بِأَسْيَافِهِمْ على امة مُحَمَّد وَلَو طلبُوا الْعلم لم يدلهم على مَا فعلوا وَالْفرق بَين هَذَا وَبَين مَا قبله ان الْعلم مرتبته فِي الْوَجْه الاول مرتبَة المطاع الْمَتْبُوع المقتدى بِهِ المتبع حكمه المطاع امْرَهْ ومرتبته فِيهِ فيهذا الْوَجْه مرتبَة الدَّلِيل المرشد الى الْمَطْلُوب الْموصل إِلَى الْغَايَة الْوَجْه الْخَامِس وَالسَّبْعُونَ ان النَّبِي ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنهُ انه كَانَ يَقُول اللَّهُمَّ رب جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وإسرافيل فاطر السَّمَوَات والارض عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة انت تحكم بَين عِبَادك فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهدني لما اخْتلف فِيهِ من الْحق باذنك انك تهدى من تشَاء الى صِرَاط مُسْتَقِيم وَفِي بعض السّنَن انه كَانَ يكبر تَكْبِيرَة الاحرام فِي صَلَاة اللَّيْل ثمَّ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاء وَالْهِدَايَة هِيَ الْعلم بِالْحَقِّ مَعَ قَصده وإيثاره على غَيره فالمهتدي هُوَ الْعَامِل بِالْحَقِّ المريد لَهُ وَهِي اعظم نعْمَة لله على العَبْد وَلِهَذَا امرنا سُبْحَانَهُ ان نَسْأَلهُ هِدَايَة الصِّرَاط الْمُسْتَقيم كل يَوْم وَلَيْلَة فِي صلواتنا الْخمس فَإِن العَبْد مُحْتَاج الى معرفَة الْحق الَّذِي يرضى الله فِي كل حَرَكَة غاهرة وباطنة فَإِذا عرفهَا فَهُوَ مُحْتَاج إِلَى من يلهمه قصد الْحق فَيجْعَل إِرَادَته فِي قلبه ثمَّ إِلَى من يقدره على فعله وَمَعْلُوم ان مَا يجهله العَبْد اضعاف اضعاف مَا يُعلمهُ وَإِن كل مَا يعلم انه حق لَا تطاوعه نَفسه على غرادته وَلَو اراده لعجز عَن كثير مِنْهُ فَهُوَ مُضْطَر كل وَقت إِلَى هِدَايَة تتَعَلَّق بالماضي وبالحال والمستقبل أما الْمَاضِي فَهُوَ مُحْتَاج إِلَى محاسبة نَفسه عَلَيْهِ وَهل وَقع على السداد فيشكر الله عَلَيْهِ ويستديمه ام خرج فِيهِ عَن الْحق فيتوب إِلَى الله تَعَالَى مِنْهُ ويتسغفره ويعزم على ان لَا يعود وَأما الْهِدَايَة فِي الْحَال فَهِيَ مَطْلُوبَة مِنْهُ فَإِنَّهُ ابْن وقته فَيحْتَاج ان يعلم حكم مَا هُوَ متلبس بِهِ من الافعال هَل هُوَ صَوَاب ام خطأ وَأما الْمُسْتَقْبل فحاجته فِي الْهِدَايَة اظهر ليَكُون سيره على الطَّرِيق وَإِذا كَانَ هَذَا شَأْن الْهِدَايَة علم ان العَبْد اشد شَيْء اضطرارا اليها وان مَا يُورِدهُ بعض النَّاس من السُّؤَال الْفَاسِد وَهِي انا إِذا كُنَّا مهتدين فَأَي حَاجَة بِنَا ان نسْأَل الله ان يهدينا وَهل هَذَا الا تَحْصِيل الْحَاصِل افسد سُؤال وابعده عَن الصَّوَاب وَهُوَ دَلِيل على ان صَاحبه لم يحصل معنى الْهِدَايَة وَلَا احاط علما بحقيقتها ومسماها فَلذَلِك تكلّف من تكلّف الْجَواب عَنهُ بَان الْمَعْنى ثبتنا على الْهِدَايَة وادمها لنا وَمن احاط علما بحقية الْهِدَايَة وحاجة العَبْد اليها علم ان الَّذِي لم يحصل لَهُ مِنْهَا اضعاف مَا حصل لَهُ انه كل وَقت مُحْتَاج إِلَى هِدَايَة متجددة لاسيما وَالله تَعَالَى خَالق افعال الْقُلُوب والجوارح فَهُوَ كل وَقت مُحْتَاج ان يخلق الله لَهُ هِدَايَة

стр. 83

خَاصَّة ثمَّ ان لم يصرف عَنهُ الْمَوَانِع والصوارف الَّتِي تمنع مُوجب الْهِدَايَة وتصرفها لم ينْتَفع بالهداية وَلم يتم مقصودها لَهُ فَإِن الحكم لَا يَكْفِي فِيهِ وجود مقتضيه بل لَا بُد مَعَ ذَلِك من عدم مانعه ومنافيه وَمَعْلُوم ان وساوس العَبْد وخواطره وشهوات الغي فِي قلبه كل مِنْهَا مَانع وُصُول اثر الْهِدَايَة اليه فَإِن لم يصرفهَا الله عَنهُ لم يهتد هدى تَاما فحاجاته إِلَى هِدَايَة الله لَهُ مقرونة بانفاسه وَهِي اعظم حَاجَة للْعَبد وَذكر النَّبِي فِي الدُّعَاء الْعَظِيم الْقدر من اوصاف الله وربوبيته مَا يُنَاسب الْمَطْلُوب فان فطر السَّمَوَات والارض توسل إِلَى الله بِهَذَا الْوَصْف فِي الْهِدَايَة للفطرة الَّتِي ابْتَدَأَ الْخلق عَلَيْهَا فَذكر كَونه فاطر السَّمَوَات والارض وَالْمَطْلُوب تَعْلِيم الْحق والتوفيق لَهُ فَذكر علمه سُبْحَانَهُ بِالْغَيْبِ وَالشَّهَادَة وان من هُوَ بِكُل شَيْء عليم جدير ان يطْلب مِنْهُ عَبده ان يُعلمهُ ويرشده ويهديه وَهُوَ بِمَنْزِلَة التوسل إِلَى الْغَنِيّ بغناه وسعة كرمه ان يعْطى عَبده شَيْئا من مَاله والتوسل إِلَى الغفور بسعة مغفرته ان يغْفر لعَبْدِهِ ويعفوه ان يعْفُو عَنهُ وبرحمته ان يرحمه ونظائر ذَلِك وَذكر ربوبيته تَعَالَى لجبريل وَمِيكَائِيل وإسرافيل وَهَذَا وَالله اعْلَم لَان الْمَطْلُوب هدى يحيا بِهِ الْقلب وَهَؤُلَاء الثَّلَاثَة الاملاك قد جعل الله تَعَالَى على ايديهم اسباب حَيَاة الْعباد اما جِبْرِيل فَهُوَ صَاحب الْوَحْي الَّذِي يوحيه الله إِلَى الانبياء وَهُوَ سَبَب حَيَاة الدُّنْيَا والاخرة واما مِيكَائِيل فَهُوَ مُوكل بالقطر الَّذِي بِهِ سَبَب حَيَاة كل شَيْء واما إسْرَافيل فَهُوَ الَّذِي ينْفخ فِي الصُّور فيحيى الله الْمَوْتَى بنفخته فَإِذا هم قيام لرب الْعَالمين وَالْهِدَايَة لَهَا ارْبَعْ مَرَاتِب وَهِي مَذْكُورَة فِي الْقُرْآن الْمرتبَة الاولى الْهِدَايَة الْعَامَّة وَهِي هِدَايَة كل مَخْلُوق من الْحَيَوَان والادمي لمصالحه الَّتِي بهَا قَامَ امْرَهْ قَالَ الله تَعَالَى سبح اسْم رَبك الاعلى الَّذِي خلق فسوى وَالَّذِي قدر فهدى فَذكر امورا اربعة الْخلق والتسوية وَالتَّقْدِير وَالْهِدَايَة فسوى خلقه واتقنه وأحكمه ثمَّ قدر لَهُ اسباب مَصَالِحه فِي معاشه وتقلباته وتصرفاته وهداه اليها وَالْهِدَايَة تَعْلِيم فَذكر انه الَّذِي خلق وَعلم كَمَا ذكر نَظِير ذَلِك فِي أول سُورَة انزلها على رَسُوله وَقد تقدم ذَلِك وَقَالَ تَعَالَى حِكَايَة عَن عدوه فِرْعَوْن انه قَالَ لمُوسَى فَمن رَبكُمَا يَا مُوسَى قَالَ رَبنَا الَّذِي اعطى كل شَيْء خلقه ثمَّ هدى وَهَذِه الْمرتبَة اسبق مَرَاتِب الْهِدَايَة وأعمها الْمرتبَة الثَّانِيَة هِدَايَة الْبَيَان وَالدّلَالَة الَّتِي أَقَامَ بهَا حجَّته على عباده وَهَذِه لَا تَسْتَلْزِم الاهتداء التَّام قَالَ تَعَالَى وَأما ثَمُود فهديناهم فاستحبوا الْعَمى على الْهدى يَعْنِي بَينا لَهُم ودللناهم وعرفناهم فآثروا الضَّلَالَة والعمى وَقَالَ تَعَالَى وعادا وَثَمُود وَقد تبين لكم من مساكنهم وزين لَهُم الشَّيْطَان اعمالهم فصدهم عَن السَّبِيل وَكَانُوا مستبصرين وَهَذِه الْمرتبَة اخص من الاولى وأعم من الثَّانِيَة وَهِي هدى التَّوْفِيق والالهام قَالَ الله تَعَالَى وَالله يَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام وَيهْدِي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم فَعم بالدعوة خلقه وَخص بالهداية من شَاءَ مِنْهُم قَالَ تَعَالَى

стр. 84

إِنَّك لَا تهدي من احببت وَلَكِن الله يهدي من يَشَاء مَعَ قَوْله وَإنَّك لتهدي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم فَاثْبتْ هِدَايَة الدعْوَة وَالْبَيَان وَنفي هِدَايَة التَّوْفِيق والامام وَقَالَ النَّبِي فِي نشْهد الْحَاجة من يهد الله فَلَا مضل لَهُ وَمن يضلل فَلَا هادي لَهُ وَقَالَ تَعَالَى إِن تحرص على هدَاهُم فَإِن الله لايهدي من يضل أَي من يضله الله لايهتدي أبدا وَهَذِه الْهِدَايَة الثَّالِثَة هِيَ الْهِدَايَة الْمُوجبَة المستلزمة للاهتداء واما الثَّانِيَة فَشرط لاموجب فَلَا يَسْتَحِيل تخلف الْهدى عَنْهَا بِخِلَاف الثَّالِثَة فَإِن تخلف الْهدى عَنْهَا مُسْتَحِيل الْمرتبَة الرَّابِعَة الْهِدَايَة فِي الاخرة إِلَى طَرِيق الْجنَّة وَالنَّار قَالَ تَعَالَى احشرواالذين ظلمُوا وأزواجهم وَمَا كَانُوا يعْبدُونَ من دون الله فاهدوهم إِلَى صِرَاط الْجَحِيم واما قَول اهل الْجنَّة الْحَمد لله الَّذِي هدَانَا لهَذَا وَمَا كُنَّا لنهتدي لَوْلَا ان هدَانَا الله فَيحْتَمل ان يَكُونُوا ارادوا الْهِدَايَة إِلَى طَرِيق الْجنَّة وَأَن يَكُونُوا ارادوا الْهِدَايَة فِي الدُّنْيَا الَّتِي اوصلتهم إِلَى دَار النَّعيم وَلَو قيل إِن كلا الْأَمريْنِ مُرَاد لَهُم وانهم حمدوا الله على هدايته لَهُم فِي الدُّنْيَا وهدايتهم إِلَى طَرِيق الْجنَّة كَانَ احسن وابلغ وَقد ضرب الله تَعَالَى لمن لم يحصل لَهُ الْعلم بِالْحَقِّ واتباعه مثلا مطابقا لحاله فَقَالَ تَعَالَى قل اندعو من دون الله مَالا ينفعنا وَلَا يضرنا ونرد على اعقابنا بعد إِذْ هدَانَا الله كَالَّذي استهوته الشَّيَاطِين فِي الارض حيران لَهُ اصحاب يَدعُونَهُ إِلَى الْهدى ائتنا قل إِن هدى الله هُوَ الْهدى وأمرنا لنسلم لرب الْعَالمين الْوَجْه السَّادِس وَالسَّبْعُونَ ان فَضِيلَة الشَّيْء وشرفه يظْهر تَارَة من عُمُوم منفعَته وَتارَة من شدَّة الْحَاجة اليه وَعدم الِاسْتِغْنَاء عَن وَتارَة من ظُهُور النَّقْص وَالشَّر بفقده وَتارَة من حُصُول اللَّذَّة وَالسُّرُور والبهجة بِوُجُودِهِ لكَونه محبوبا ملائما فادراكه يعقب غَايَة اللَّذَّة وَتارَة من كَمَال الثَّمَرَة المترتبة عَلَيْهِ وَشرف علته الغائية وافضاله إِلَى اجل المطالب وَهَذِه الْوُجُوه وَنَحْوهَا تنشأ وَتظهر من مُتَعَلقَة فَإِذا كَانَ فِي نَفسه كمالا وشرفا بِقطع النّظر عَن متعلقاته جمع جِهَات الشّرف وَالْفضل فِي نَفسه ومتعلقاته وَمَعْلُوم ان هَذِه الْجِهَات بأسرها حَاصِلَة للْعلم فَإِنَّهُ أَعم شَيْء نفعا واكثره وادومه وَالْحَاجة اليه فَوق الْحَاجة إِلَى الْغذَاء بل فَوق الْحَاجة إِلَى التنفس إِذْ غَايَة مايتصور من فقدهما فقد حَيَاة الْجِسْم وَأما فقد الْعلم فَفِيهِ فقد حَيَاة الْقلب وَالروح فَلَا غنى للْعَبد عَنهُ طرفَة عين وَلِهَذَا إِذا فقد من الشَّخْص كَانَ شرا من الْحمير بل كَانَ شرا من الدَّوَابّ عِنْد الله وَلَا شَيْء انقص مِنْهُ حِينَئِذٍ وَأما حُصُول اللَّذَّة والبهجة بِوُجُودِهِ فَلِأَنَّهُ كَمَال فِي نَفسه وَهُوَ ملائم غَايَة الملاءمة للنفوس فان الْجَهْل مرض وَنقص وَهُوَ فِي غَايَة الايذاء والايلام للنَّفس وَمن لم يشْعر بِهَذِهِ الملاءمة والمنافرة فَهُوَ لفقد حسه وَنَفسه وَمَا لجرح ميت إيلام فحصوله للنَّفس إِدْرَاك مِنْهَا لغاية محبوبها واتصال بِهِ وَذَلِكَ غَايَة لذتها وفرحتها وَهَذَا بِحَسب الْمَعْلُوم فِي نَفسه ومحبة النَّفس لَهُ ولذتها بِقُرْبِهِ والعلوم والمعلومات

стр. 85

متفاوته فِي ذَلِك اعظم التَّفَاوُت وابينه فَلَيْسَ علم النُّفُوس بفاطرها وباريها ومبدعها ومحبته والتقرب اليه كعلمها بالطبيعة واحوالها وعوارضه وصحتها وفسادها وحركاتها وَهَذَا بتبين بِالْوَجْهِ السَّابِع وَالسبْعين وَهُوَ ان شرف الْعلم تَابع لشرف معلومه لوثوق النَّفس بأدلة وجوده وبراهينه ولشدة الْحَاجة إِلَى مَعْرفَته وَعظم النَّفْع بهَا وَلَا ريب ان اجل مَعْلُوم وأعظمه واكبره فَهُوَ الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ رب الْعَالمين وقيوم السَّمَوَات والارضين الْملك الْحق الْمُبين الْمَوْصُوف بالكمال كُله المنزه عَن كل عيب وَنقص وَعَن كل تَمْثِيل وتشبيه فِي كَمَاله وَلَا ريب ان الْعلم بِهِ وباسمائه وَصِفَاته وافعاله اجل الْعُلُوم وافضلها ونسبته إِلَى سَائِر الْعُلُوم كنسبة مَعْلُومَة إِلَى سَائِر المعلومات وكما ان الْعلم بِهِ اجل الْعُلُوم واشرفها فَهُوَ اصلها كلهَا كَمَا ان كل مَوْجُود فَهُوَ مُسْتَند فِي وجوده إِلَى الْملك الْحق الْمُبين ومفتقر اليه فِي تحقق ذَاته وأينيته وكل علم فَهُوَ تَابع للْعلم بِهِ مفتقر فِي تحقق ذَاته اليه فالعلم بِهِ اصل كل علم كَمَا انه سُبْحَانَهُ رب كل شَيْء ومليكه وموجده وَلَا ريب ان كَمَال الْعلم بِالسَّبَبِ التَّام وَكَونه سَببا يسْتَلْزم الْعلم بمسببه كَمَا ان الْعلم بِالْعِلَّةِ التَّامَّة وَمَعْرِفَة كَونهَا عِلّة يسْتَلْزم الْعلم بمعلوله وكل مَوْجُود سوى الله فَهُوَ مُسْتَند فِي وجوده اليه استناد الْمَصْنُوع إِلَى صانعه وَالْمَفْعُول الى فَاعله فالعلم بِذَاتِهِ سُبْحَانَهُ وَصِفَاته وافعاله يسْتَلْزم الْعلم بِمَا سواهُ فَهُوَ فِي ذَاته رب كل شَيْء ومليكه وَالْعلم بِهِ اصل كل علم ومنشؤه فَمن عرف الله عرف مَا سواهُ وَمن جهل ربه فَهُوَ لما سواهُ اجهل قَالَ تَعَالَى وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين نسوا الله فأنساهم انفسهم فَتَأمل هَذِه الاية تَجِد تحتهَا معنى شريفا عَظِيما وَهُوَ ان من نسى ربه انساه ذَاته وَنَفسه فَلم يعرف حَقِيقَته وَلَا مَصَالِحه بل نسى مَا بِهِ صَلَاحه وفلاحه فِي معاشه ومعاده فَصَارَ معطلا مهملا بِمَنْزِلَة الانعام السائبة بل رُبمَا كَانَت الانعام اخبر بمصالحها مِنْهُ لبقائها هداها الَّذِي اعطاها إِيَّاه خَالِقهَا وَأما هَذَا فَخرج عَن فطرته الَّتِي خلق عَلَيْهَا فنسى ربه فأنساه نَفسه وصفاتها وَمَا تكمل بِهِ وتزكوبه وتسعد بِهِ فِي معاشها ومعادها قَالَ الله تَعَالَى وَلَا تُطِع من اغفلنا قلبه عَن ذكرنَا وَاتبع هَوَاهُ وَكَانَ امْرَهْ فرطا فَغَفَلَ عَن ذكر ربه فانفرط عَلَيْهِ امْرَهْ وَقَلبه فَلَا الْتِفَات لَهُ إِلَى مَصَالِحه وكماله وَمَا تزكو بِهِ نَفسه وَقَلبه بل هُوَ مشتت الْقلب مضيعه مفرط الامر حيران لايهتدي سَبِيلا وَالْمَقْصُود ان الْعلم بِاللَّه اصل كل علم وَهُوَ اصل علم العَبْد بسعادته وكماله ومصالح دُنْيَاهُ وآخرته وَالْجهل بِهِ مُسْتَلْزم للْجَهْل بِنَفسِهِ ومصالحها وكمالها وَمَا تزكو بِهِ وتفلح بِهِ فالعلم بِهِ سَعَادَة العَبْد وَالْجهل بِهِ اصل شقاوته يزِيدهُ ايضاحا الْوَجْه الثَّامِن وَالسَّبْعُونَ انه لَا شَيْء اطيب للْعَبد وَلَا الذ وَلَا اهنأ وَلَا انْعمْ لِقَلْبِهِ وعيشه من محبَّة فاطره وباريه ودوام ذكره وَالسَّعْي فِي مرضاته وَهَذَا هُوَ الْكَمَال الَّذِي لاكمال للْعَبد بِدُونِهِ وَله خلق الْخلق ولاجله نزل الْوَحْي وارسلت الرُّسُل وَقَامَت السَّمَوَات والارض وَوجدت الْجنَّة وَالنَّار ولاجله شرعت الشَّرَائِع

стр. 86

وَوضع الْبَيْت الْحَرَام وَوَجَب حجه على النَّاس إِقَامَة لذكره الَّذِي هُوَ من تَوَابِع محبته وَالرِّضَا بِهِ وَعنهُ ولاجل هَذَا امْر بِالْجِهَادِ وَضرب اعناق من اباه وآثر غَيره عَلَيْهِ وَجعل لَهُ فِي الاخرة دَار الهوان خَالِدا مخلدا وعَلى هَذَا الامر الْعَظِيم اسست الْملَّة ونصبت الْقبْلَة وَهُوَ قطب رحى الْخلق والامر الَّذِي مدارهما عَلَيْهِ ولاسبيل إِلَى الدُّخُول إِلَى ذَلِك إِلَّا من بَاب الْعلم فَإِن محبَّة الشَّيْء فرع عَن الشُّعُور بِهِ واعرف الْخلق بِاللَّه اشدهم حبا لَهُ فَكل من عرف الله احبه وَمن عرف الدُّنْيَا واهلها زهد فيهم فالعلم يفتح هَذَا الْبَاب الْعَظِيم الَّذِي هُوَ سر الْخلق وَالْأَمر كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى الْوَجْه التَّاسِع وَالسَّبْعُونَ ان اللَّذَّة بالمحبوب تضعف وتقوى بِحَسب قُوَّة الْحبّ وَضَعفه فَكلما كَانَ الْحبّ اقوى كَانَت اللَّذَّة اعظم وَلِهَذَا تعظم لَذَّة الظمآن بِشرب المَاء الْبَارِد بِحَسب شدَّة طلبه للْمَاء وَكَذَلِكَ الجائع وَكَذَلِكَ من احب شَيْئا كَانَت لذته على قدر حبه إِيَّاه وَالْحب تَابع للْعلم بالمحبوب وَمَعْرِفَة جماله الظَّاهِر وَالْبَاطِن فلذة النّظر إِلَى الله بعد لِقَائِه بِحَسب قُوَّة حبه وإرادته وَذَلِكَ بِحَسب الْعلم بِهِ وبصفات كَمَاله فَإِذا الْعلم هُوَ اقْربْ الطّرق إِلَى اعظم اللَّذَّات وَسَيَأْتِي تَقْرِير هَذَا فِيمَا بعد ان شَاءَ الله تَعَالَى الْوَجْه الثَّمَانُونَ ان كل مَا سوى الله يفْتَقر الى الْعلم لاقوام لَهُ بِدُونِهِ فَإِن الْوُجُود وجودان وجود الْخلق وَوُجُود الامر والخلق وَالْأَمر مصدرهما علم الرب وحكمته فَكل ماضمه الْوُجُود من خلقه وامره صادر عَن علمه وحكمته فَمَا قَامَت السَّمَوَات والارض وَمَا بَينهمَا الا بِالْعلمِ وَلَا بعثت الرُّسُل وأنزلت الْكتب إِلَّا بِالْعلمِ ولاعبد الله وَحده وَحمد واثنى عَلَيْهِ ومجد إِلَّا بِالْعلمِ ولاعرف الْحَلَال من الْحَرَام إِلَّا بِالْعلمِ ولاعرف فضل الاسلام على غَيره الا بِالْعلمِ وَاخْتلف هُنَا فِي مسئلة وَهِي ان الْعلم صفة فعلية اَوْ انفعالية فَقَالَت طَائِفَة هُوَ صفة فَعَلَيهِ لانه شَرط اَوْ جُزْء وَسبب فِي وجود الْمَفْعُول فَإِن الْفِعْل الِاخْتِيَارِيّ يَسْتَدْعِي حَيَاة الْفَاعِل وَعلمه وَقدرته وإرادته وَلَا يتَصَوَّر وجوده بِدُونِ هَذِه الصِّفَات وَقَالَت طَائِفَة هُوَ انفعالي فَإِنَّهُ تَابع للمعلوم مُتَعَلق بِهِ على مَا هُوَ عَلَيْهِ فَإِن الْعَالم يدْرك الْمَعْلُوم على مَا هُوَ بِهِ فادراكه تَابع لَهُ فَكيف يكون مُتَقَدما عَلَيْهِ وَالصَّوَاب ان الْعلم قِسْمَانِ علم فعلى وَهُوَ علم الْفَاعِل الْمُخْتَار بِمَا يُرِيد ان يَفْعَله فَإِنَّهُ مَوْقُوف على ارادته الْمَوْقُوفَة على تصَوره المُرَاد وَعلمه بِهِ فَهَذَا علم قبل الْفِعْل مُتَقَدم عَلَيْهِ مُؤثر فِيهِ وَعلم انفعالي وَهُوَ الْعلم التَّابِع للمعلوم الَّذِي لَا تَأْثِير لَهُ فِيهِ كعلمنا بِوُجُود الانبياء والامم والملوك وَسَائِر الموجودات فَإِن هَذَا الْعلم لَا يُؤثر فِي الْمَعْلُوم وَلَا هُوَ شَرط فِيهِ فَكل من الطَّائِفَتَيْنِ نظرت جزئيا وحكمت كليا وَهَذَا مَوضِع يغلط فِيهِ كثير من النَّاس وكلا الْقسمَيْنِ من الْعلم صفة كَمَال وَعَدَمه من اعظم النَّقْص يُوضحهُ الْوَجْه الْحَادِي وَالثَّمَانُونَ ان فَضِيلَة الشَّيْء تعرف بضده فالضد يظْهر حسنه الضِّدّ وبضدها نتبين الاشياء وَلَا ريب ان الْجَهْل اصل كل فَسَاد وكل ضَرَر يلْحق العَبْد فِي دُنْيَاهُ واخراه فَهُوَ نتيجة

стр. 87

الْجَهْل والا فَمَعَ الْعلم التَّام بَان هَذَا الطَّعَام مثلا مَسْمُوم من اكله قطع امعاءه فِي وَقت معِين لَا يقدم على اكله وان قدر انه قدم عَلَيْهِ لغَلَبَة جوع اَوْ استعجال وَفَاة فَهُوَ لعلمه بموافقة اكله لمقصوده الَّذِي هُوَ احب اليه من الْعَذَاب بِالْجُوعِ اَوْ بِغَيْرِهِ وَهنا اخْتلف فِي مسئلة عَظِيمَة وَهِي ان الْعلم هَل يسْتَلْزم الاهتداء وَلَا يتَخَلَّف عَنهُ الْهدى إِلَّا لعدم الْعلم اونقصه والا فَمَعَ الْمعرفَة الجازمة لَا يتَصَوَّر الضلال وانه لَا يسْتَلْزم الْهدى فقد يكون الرجل عَالما وَهُوَ ضال على عمد هَذَا مِمَّا اخْتلف فِيهِ المتكلمون وارباب السلوك وَغَيرهم فَقَالَت فرقة من عرف الْحق معرفَة لَا يشك فِيهَا اسْتَحَالَ ان لَا يَهْتَدِي وَحَيْثُ ضل فلنقصان علمه وَاحْتَجُّوا من النُّصُوص بقوله تَعَالَى لَكِن الراسخون فِي الْعلم مِنْهُم والمؤمنون يُؤمنُونَ بِمَا أنزل اليك وَمَا انْزِلْ من قبلك فَشهد تَعَالَى لكل راسخ فِي الْعلم بالايمان وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّمَا يخْشَى الله من عباده الْعلمَاء وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى وَيرى الَّذين اوتوا الْعلم الَّذِي انْزِلْ اليك من رَبك هُوَ الْحق وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى شهد الله انه لَا إِلَه الا هُوَ وَالْمَلَائِكَة واولو الْعلم وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى افمن يعلم انما انْزِلْ اليك من رَبك الْحق كمن هُوَ اعمى قسم النَّاس قسمَيْنِ احدهما الْعلمَاء بَان مَا انْزِلْ اليه من ربه هوالحق وَالثَّانِي الْعَمى فَدلَّ على انه لَا وَاسِطَة بَينهمَا وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي وصف الْكفَّار صم بكم عمي فهم لَا يعْقلُونَ وَبِقَوْلِهِ وطبع الله على قُلُوبهم فهم لَا يعلمُونَ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ختم الله على قُلُوبهم وعَلى سمعهم وعَلى ابصارهم غشاوة وَهَذِه مدارك الْعلم الثَّلَاث قد فَسدتْ عَلَيْهِم وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى أَفَرَأَيْت من اتخذ إلهه هَوَاهُ واضله الله على علم وَختم على سَمعه وَقَلبه وَجعل على بَصَره غشاوة فَمن يهديه من بعد الله أَفلا تذكرُونَ وَقَوله واضله الله على علم قَالَ سعيد بن جُبَير على علمه تَعَالَى فِيهِ قَالَ الزّجاج أَي على مَا سبق فِي علمه تَعَالَى انه ضال قبل ان يخلقه وَختم على سَمعه أَي طبع عَلَيْهِ فَلم يسمع الْهدى وعَلى قلبه فَلم يعقل الْهدى وعَلى بَصَره غشاوة فَلَا يبصر اسباب الْهدى وَهَذَا فِي الْقُرْآن كثير مِمَّا يبين فِيهِ مُنَافَاة الضلال للْعلم وَمِنْه قَوْله تَعَالَى وَمِنْهُم من يستمع اليك حَتَّى إِذا خَرجُوا من عنْدك قَالُوا اللَّذين اوتو الْعلم مَاذَا قَالَ آنِفا اولئك الَّذين طبع الله على قُلُوبهم فَلَو كَانُوا علمُوا مَا قَالَ الرُّسُل لم يسْأَلُوا اهل الْعلم مَاذَا قَالَ وَلما كَانَ مطبوعا على قُلُوبهم وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين كذبُوا بِآيَاتِنَا صم وبكم فِي الظُّلُمَات﴾ وَقَالَ تَعَالَى قل آمنُوا بِهِ أَولا تؤمنوا أَن الَّذين اوتو الْعلم من قبله إِذا يُتْلَى عَلَيْهِم يخرون للأذقان سجدا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبنَا ان كَانَ وعد رَبنَا لمفعولا فَهَذِهِ شَهَادَة من الله تَعَالَى لاولى الْعلم بالايمان بِهِ وبكلامه وَقَالَ تَعَالَى عَن اهل النَّار وَقَالُوا لَو كُنَّا نسْمع اونعقل مَا كُنَّا فِي اصحاب السعير فَدلَّ على ان اهل الضلال لاسمع لَهُم وَلَا عقل وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَتلك الْأَمْثَال نَضْرِبهَا للنَّاس وَمَا يَعْقِلهَا إِلَّا الْعَالمُونَ﴾ اخبر تَعَالَى أَنه لَا

стр. 88

يعقل امثاله الا الْعَالمُونَ وَالْكفَّار لَا يدْخلُونَ فِي مُسَمّى الْعَالمين فهم لَا يعقلونها وَقَالَ تَعَالَى ﴿بل اتبع الَّذين ظلمُوا أهواءهم بِغَيْر علم فَمن يهدي من أضلّ الله﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَقَالَ الَّذين لَا يعلمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمنَا الله أَو تَأْتِينَا آيَة﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿قل هَل يَسْتَوِي الَّذين يعلمُونَ وَالَّذين لَا يعلمُونَ﴾ وَلَو كَانَ الضلال بِجَامِع الْعلم لَكَانَ الَّذين لَا يعلمُونَ احسن حَالا من الَّذين يعلمُونَ وَالنَّص بِخِلَافِهِ وَالْقُرْآن مَمْلُوء بسلب الْعلم والمعرفة عَن الْكفَّار فَتَارَة يصفهم بانهم لايعلمون وَتارَة بِأَنَّهُم لَا يعْقلُونَ وَتارَة بانهم لَا يَشْعُرُونَ وَتارَة بانهم لَا يفقهُونَ وَتارَة بِأَنَّهُم لَا يسمعُونَ وَالْمرَاد بِالسَّمْعِ الْمَنْفِيّ سمع الْفَهم وَهُوَ سمع الْقلب لَا إِدْرَاك الصَّوْت وَتارَة بِأَنَّهُم لَا يبصرون فَدلَّ ذَلِك كُله على ان الْكفْر مُسْتَلْزم للْجَهْل منَاف للْعلم لَا يجامعه وَلِهَذَا يصف سحبانه الْكفَّار بانهم جاهلون كَقَوْلِه تَعَالَى وَعباد الرَّحْمَن الَّذين يَمْشُونَ على الارض هونا وَإِذا خاطبهم الجاهلون قَالُوا سَلاما وَقَوله تَعَالَى وَإِذا سمعُوا اللَّغْو اعرضوا عَنهُ وَقَالُوا لنا اعمالنا وَلكم اعمالكم سَلام عَلَيْكُم لانبتغي الْجَاهِلين وَقَوله تَعَالَى خُذ الْعَفو وامر بِالْعرْفِ واعرض عَن الْجَاهِلين وَقَالَ النَّبِي لما بلغ قومه من اذاه ذَلِك الْمبلغ اللَّهُمَّ اغْفِر لقومي فانهم لَا يعلمُونَ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنهُ من يرد الله بِهِ خيرا يفقهه فِي الدّين فَدلَّ على ان الْفِقْه مُسْتَلْزم لارادة الله الْخَيْر فِي العَبْد وَلَا يُقَال الحَدِيث دلّ على ان من اراد الله بِهِ خيرا فقهه فِي الدّين وَلَا يدل على ان كل من فقهه فِي الدّين فقد اراد بِهِ خيرا وَبَينهمَا فرق ودليلكم انما يتم بالتقدير الثَّانِي والْحَدِيث لَا يَقْتَضِيهِ لانا نقُول النَّبِي جعل الْفِقْه فِي الدّين دَلِيلا وعلامة على ارادة الله بِصَاحِبِهِ خيرا وَالدَّلِيل يسْتَلْزم الْمَدْلُول وَلَا يتَخَلَّف عَنهُ فَإِن الْمَدْلُول لَازمه وَوُجُود الْمَلْزُوم بِدُونِ لَازمه محَال وَفِي التِّرْمِذِيّ وَغَيره عَنهُ ﷺ خصلتان لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مُنَافِق حسن سمت وَفقه فِي الدّين فَجعل الْفِقْه فِي الدّين منافيا للنفاق بل لم يكن السّلف يطلقون اسْم الْفِقْه الاعلى الْعلم الَّذِي يَصْحَبهُ الْعَمَل كَمَا سُئِلَ سعد بن إِبْرَاهِيم عَن افقه اهل الْمَدِينَة قَالَ اتقاهم وسال فرقد السنجي الْحسن الْبَصْرِيّ عَن شَيْء فاجابه فَقَالَ إِن الْفُقَهَاء يخالفونك فَقَالَ الْحسن ثكلتك امك فريقد وَهل رَأَيْت بِعَيْنَيْك فَقِيها إِنَّمَا الْفَقِيه الزَّاهِد فِي الدُّنْيَا الرَّاغِب فِي الاخرة البصيربدينه المداوم على عبَادَة ربه الَّذِي لَا يهمز من فَوْقه وَلَا يسخر بِمن دونه وَلَا يبتغى على علم علمه الله تَعَالَى اجرا وَقَالَ بعض السّلف ان الْفَقِيه من لم يقنط النَّاس من رَحْمَة الله وَلم يؤمنهم مكر الله وَلم يدع الْقُرْآن رَغْبَة عَنهُ إِلَى ماسواه وَقَالَ ابْن مَسْعُود رضى الله عَنهُ كفى بخشية الله علما وبالاغترار بِاللَّه جهلا قَالُوا فَهَذَا الْقُرْآن وَالسّنة واطلاق السّلف من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ يدل على ان الْعلم والمعرفة مُسْتَلْزم للهداية وان عدم الْهِدَايَة دَلِيل على الْجَهْل وَعدم الْعلم قَالُوا وَيدل عَلَيْهِ ان الانسان مَا دَامَ عقله مَعَه لَا يُؤثر هَلَاك

стр. 89

نَفسه على نجاتها وعذابها الْعَظِيم الدَّائِم على نعيمها الْمُقِيم وَالْحسن شَاهد بذلك وَلِهَذَا وصف الله سُبْحَانَهُ اهل مَعْصِيَته بِالْجَهْلِ فِي قَوْله تَعَالَى إِنَّمَا التَّوْبَة على الله للَّذين يعْملُونَ السوء بِجَهَالَة ثمَّ يتوبون من قريب فاولئك يَتُوب الله عَلَيْهِم وَكَانَ الله عليما حكيما قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ كل من عمل ذَنبا من خلق الله فَهُوَ جَاهِل كَانَ جَاهِلا اوعالما ان كَانَ عَالما فَمن اجهل مِنْهُ وان كَانَ لَا يعلم فَمثل ذَلِك وَقَوله ثمَّ يتوبون من قريب فَأُولَئِك يَتُوب الله عَلَيْهِم وَكَانَ الله عليما حكيما قَالَ قبل الْمَوْت وَقَالَ ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا ذَنْب الْمُؤمن جهل مِنْهُ قَالَ فتادة اجْمَعْ اصحاب رَسُول الله ان كل شَيْء عصى الله فِيهِ فَهُوَ جَهَالَة وَقَالَ السدى كل من عصى الله فَهُوَ جَاهِل قَالُوا وَيدل على صِحَة هَذَا ان مَعَ كَمَال الْعلم لاتصدر الْمعْصِيَة من العَبْد فَإِنَّهُ لَو رأى صَبيا يتطلع عَلَيْهِ من كوَّة لم تتحرك جوارحه لمواقعة الْفَاحِشَة فَكيف يَقع مِنْهُ حَال كَمَال الْعلم بِنَظَر الله اليه ورؤيته لَهُ وعقابه على الذَّنب وتحريمه لَهُ وَسُوء عاقبته فَلَا بُد من غَفلَة الْقلب على هَذَا الْعلم وغيبته عَنهُ فَحِينَئِذٍ يكون وَقَومه فِي الْمعْصِيَة صادرا عَن جهل وغفلة ونسيان مضاد للْعلم والذنب محفوف بجهلين جهل بِحَقِيقَة الاسباب الصارفة عَنهُ وَجَهل بِحَقِيقَة الْمفْسدَة المترتبة عَلَيْهِ وكل وَاحِد من الجهلين تَحْتَهُ جهالات كَثِيرَة فَمَا عصى الله إِلَّا بِالْجَهْلِ وَمَا اطيع الا بِالْعلمِ فَهَذَا بعض مَا احتجت بِهِ هَذِه الطَّائِفَة وَقَالَت الطَّائِفَة الاخرى الْعلم لَا يسْتَلْزم الْهِدَايَة وَكَثِيرًا مَا يكون الضلال عَن عمد وَعلم لَا يشك صَاحبه فِيهِ بل يُؤثر الضلال وَالْكفْر وَهُوَ عَالم بقبحه ومفسدته قَالُوا وَهَذَا شيخ الضلال وداعي الْكفْر وَإِمَام الفجرة إِبْلِيس عَدو الله قد علم امْر الله لَهُ بِالسُّجُود لادم وَلم يشك فِيهِ فخالفه وعاند الامر وباء بلعنة الله وعذابه الدَّائِم مَعَ علمه بذلك ومعرفته بِهِ واقسم لَهُ بعزته انه يغوى خلقه اجمعين الاعباده مِنْهُم المخلصين فَكَانَ غير شَاك فِي الله وَفِي وحدانيته وَفِي الْبَعْث الآخر وَفِي الْجنَّة وَالنَّار وَمَعَ ذَلِك اخْتَار الخلود فِي النَّار وَاحْتِمَال لعنة الله وغضبه وطرده من سمائه وجنته عَن علم بذلك وَمَعْرِفَة لم يحصل لكثير من النَّاس وَلِهَذَا قَالَ رب فأنظرني الى يَوْم يبعثون وَهَذَا اعْتِرَاف مِنْهُ بِالْبَعْثِ وقرار بِهِ وَقد علم قسم ربه ليملأن جَهَنَّم مِنْهُ وَمن اتِّبَاعه فَكَانَ كفره كفر عناد مَحْض لَا كفر جهل وَقَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَن قوم ثَمُود وَأما ثَمُود فهدينهم فاستحبوا الْعَمى على الْهدى يَعْنِي بَينا لَهُم وعرفناهم فعرفوا الْحق وتيقنوه وآثروا الْعَمى عَلَيْهِ فَكَانَ كفر هَؤُلَاءِ عَن جهل وَقَالَ تَعَالَى حاكيا عَن مُوسَى إِنَّه قَالَ لفرعون لقد علمت مَا انْزِلْ هَؤُلَاءِ الا رب السَّمَوَات والارض بصائر وَإِنِّي لاظنك يَا فِرْعَوْن مثبورا أَي هَالكا على قِرَاءَة من فتح التَّاء وَهِي قِرَاءَة الْجُمْهُور وَضمّهَا الْكسَائي وَحده وَقِرَاءَة الْجُمْهُور احسن واوضح وافخم معنى وَبهَا تقوم الدّلَالَة وَيتم الالزام بتحقق كفر فِرْعَوْن وعناده وَيشْهد

стр. 90

لَهَا قَوْله تَعَالَى إِخْبَارًا عَنهُ وَعَن قومه فَلَمَّا جَاءَتْهُم آيَاتنَا مبصرة قَالُوا هَذَا سحر مُبين وجحدوا بهَا واستيقنتها انفسهم ظلما وعلوا فَانْظُر كَيفَ كَانَ عقابة المفسدين فاخبر سُبْحَانَهُ ان تكذيبهم وكفرهم كَانَ عَن يَقِين وَهُوَ اقوى الْعلم ظلما مِنْهُم وعلوا لَا جهلا وَقَالَ تَعَالَى لرَسُوله ﴿قد نعلم إِنَّه ليحزنك الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُم لَا يكذبُونَك وَلَكِن الظَّالِمين بآيَات الله يجحدون﴾ يَعْنِي انهم قد عرفُوا صدقك وانك غير كَاذِب فِيمَا تَقول وَلَكِن عاندوا وجحدوا بالمعرفة قَالَه ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا والمفسرون قَالَ قَتَادَة يعلمُونَ انك رَسُول وَلَكِن يجحدون قَالَ تَعَالَى وجحدوا بهَا واستقينتها انفسهم ظلماوعلوا وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أهل الْكتاب لم تكفرون بآيَات الله وَأَنْتُم تَشْهَدُون يَا أهل الْكتاب لم تلبسُونَ الْحق بِالْبَاطِلِ وتكتمون الْحق وَأَنْتُم تعلمُونَ﴾ يَعْنِي تكفرون بِالْقُرْآنِ وبمن جَاءَ بِهِ وانتم تَشْهَدُون بِصِحَّتِهِ وبانه الْحق فكفركم كفر عناد وجحود عَن علم وشهود لَاعن جهل وخفاء وَقَالَ تَعَالَى عَن السَّحَرَة من الْيَهُود وَلَقَد علمُوا لمن اشْتَرَاهُ مَاله فِي الاخرة من خلاق أَي علمُوا من اخذ السحر وَقَبله لَا نصيب لَهُ فِي الاخرة وَمَعَ هَذَا الْعلم والمعرفة فهم يشترونه ويقبلونه ويتلعمونه وَقَالَ تَعَالَى الَّذين آتياناهم الْكتاب يعرفونه كَمَا يعْرفُونَ ابناءهم ذكر هَذِه الْمعرفَة عَن اهل الْكتاب فِي الْقبْلَة كَمَا فِي سُورَة الْبَقَرَة وَفِي التَّوْحِيد كَقَوْلِه فِي الانعام ائنكم لتشهدون انالله آلِهَة اخرى قل لَا اشْهَدْ قل إِنَّمَا هُوَ إِلَه وَاحِد وانني بَرِيء مِمَّا تشركون الَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب يعرفونه كَمَا يعْرفُونَ أبنائهم وَفِي الْكتاب انه منزل من عِنْد الله لقَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب يعلمُونَ أَنه منزل من رَبك بِالْحَقِّ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿كَيفَ يهدي الله قوما كفرُوا بعد إِيمَانهم وشهدوا أَن الرَّسُول حق وجاءهم الْبَينَات وَالله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا هم قُرَيْظَة وَالنضير وَمن دَان بدينهم كفرُوا بِالنَّبِيِّ بعد ان كَانُوا قبل مبعثه مُؤمنين بِهِ وشهدوا لَهُ بِالنُّبُوَّةِ وَإِنَّمَا كفرُوا بغيا وحسدا قَالَ الزّجاج اعْلَم الله انه لاجهة لهدايتهم لانهم قد استحقوا ان يضلوا بكفرهم لانهم كفرُوا بعد الْبَينَات وَمعنى كَيفَ يهْدِيهم أَي انه لَا يهْدِيهم لَان الْقَوْم عرفُوا الْحق وشهدوا بِهِ وتيقنوه وَكَفرُوا عمدا فَمن ايْنَ تأتيهم الْهِدَايَة فَإِن الَّذِي ترتجى هدايته من كَانَ ضَالًّا وَلَا يدرى انه ضال بل يظنّ انه على هدى فَإِذا عرف الْهدى اهْتَدَى وَأما من عرف الْحق وتيقنه وَشهد بِهِ قلبه ثمَّ اخْتَار الْكفْر والضلال عَلَيْهِ فَكيف يهدي الله مثل هَذَا وَقَالَ تَعَالَى عَن الْيَهُود ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم مَا عرفُوا كفرُوا بِهِ فلعنة الله على الْكَافرين﴾ ثمَّ قَالَ ﴿بئْسَمَا اشْتَروا بِهِ أنفسهم أَن يكفروا بِمَا أنزل الله بغيا أَن ينزل الله من فَضله على من يَشَاء من عباده﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا لم يكن كفرهم شكا وَلَا اشتباها وَلَكِن بغيا مِنْهُم حَيْثُ صَارَت النُّبُوَّة فِي ولد اسماعيل ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك ﴿وَلما جَاءَهُم رَسُول﴾

стр. 91

من عِنْد الله مُصدق لمامعهم نبذ فريق من الَّذين اوتوا الْكتاب كتاب الله وَرَاء ظُهُورهمْ كانهم لَا يعلمُونَ فَلَمَّا شبههم فِي فعلهم هَذَا بِمن لَا يعلم دلّ على انهم بنذوه عَن علم كَفعل من لَا يعلم تَقول إِذا خاطبت من عصاك عمدا كانك لم تعلم مَا فعلت اَوْ كانك لم تعلم بنهي إياك وَمِنْه على اُحْدُ الْقَوْلَيْنِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن توَلّوا فَإِنَّمَا عَلَيْك الْبَلَاغ الْمُبين يعْرفُونَ نعْمَة الله ثمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرهم الْكَافِرُونَ﴾ قَالَ السدى يعْنى مُحَمَّدًا وَاخْتَارَهُ الزّجاج فَقَالَ يعْرفُونَ أَن امْر مُحَمَّد حق ثمَّ يُنكرُونَ ذَلِك وَأول الاية يشْهد لهَذَا القَوْل وَقَالَ تَعَالَى واتل عَلَيْهِم نبأ الَّذِي آتيناه آيَاتنَا فانسلخ مِنْهَا فَأتبعهُ الشَّيْطَان فَكَانَ من الغاوين وَلَو شِئْنَا لرفعناه بهَا وَلكنه اخلد إِلَى الارض وَاتبع هَوَاهُ فَمثله كَمثل الْكَلْب قَالُوا فَهَل بعد هَذِه الاية بَيَان فَإِن هَذَا آتَاهُ الله آيَاته فانسلخ مِنْهَا وآثر الضلال والغي وقصته مَعْرُوفَة حَتَّى قيل إِنَّه كَانَ اوتى الِاسْم الاعظم وَمَعَ هَذَا فَلم يَنْفَعهُ علمه وَكَانَ من الغاوين فَلَو استلزم الْعلم والمعرفة الْهِدَايَة لاستلزمه فِي حق هَذَا وَقَالَ تَعَالَى ﴿وعادا وَثَمُود وَقد تبين لكم من مساكنهم وزين لَهُم الشَّيْطَان أَعْمَالهم فصدهم عَن السَّبِيل وَكَانُوا مستبصرين﴾ وَهَذَا يدل على ان قَوْلهم ﴿يَا هود مَا جئتنا بِبَيِّنَة وَمَا نَحن بتاركي آلِهَتنَا عَن قَوْلك وَمَا نَحن لَك بمؤمنين﴾ إِمَّا بهت مِنْهُم وجحود وَإِمَّا نفي لايات الاقتراح والعنت وَلَا يجب الاتيان بهَا وَقد وصف سُبْحَانَهُ ثَمُود بانها كفرت عَن علم وبصيرة بِالْحَقِّ وَلِهَذَا قَالَ ﴿وآتينا ثَمُود النَّاقة مبصرة فظلموا بهَا﴾ يَعْنِي بَيِّنَة مضيئة وَهَذَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَجَعَلنَا آيَة النَّهَار مبصرة﴾ أَي مضيئة وَحَقِيقَة اللَّفْظ انها تجْعَل من رَآهَا مبصرا فَهِيَ توجب لَهُ الْبَصَر فتبصره أَي تَجْعَلهُ ذَا بصر فَهِيَ مُوضحَة مبينَة يُقَال بصر بِهِ إِذا رَآهُ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فبصرت بِهِ عَن جنب﴾ وَقَوله ﴿بصرت بِمَا لم يبصروا بِهِ﴾ واما ابصره فَلهُ مَعْنيانِ احدهما جعله باصرا بالشَّيْء أَي ذَا بصر بِهِ كاية النَّهَار وَآيَة ثَمُود وَالثَّانِي بِمَعْنى رَآهُ كَقَوْلِك ابصرت زيدا وَفِي حَدِيث ابي شُرَيْح الْعَدْوى احدثك قولا قَالَ بِهِ رَسُول الله يَوْم الْفَتْح فَسَمعته أذناي ووعاه قلبِي وابصرته عَيْنَايَ حِين تكلم بِهِ وَمِنْه قَوْله تَعَالَى فتول عَنْهُم حَتَّى حِين وأبصرهم فسوق يبصرون قيل الْمَعْنى ابصرهم وَمَا يقْضى عَلَيْهِم من الاسر وَالْقَتْل وَالْعَذَاب فِي الاخرة فَسَوف يبصرونك وَمَا يقْضى لَك من النَّصْر والتأييد وَحسن الْعَاقِبَة وَالْمرَاد تقريب المبصر من الْمُخَاطب حَتَّى كانه نصب عَيْنَيْهِ وَرَأى ناظريه وَالْمَقْصُود ان الاية اوجبت لَهُم البصيرة فآثروا الضلال وَالْكفْر عَن علم ويقين وَلِهَذَا وَالله اعْلَم ذكر قصتهم من بَين قصَص سَائِر الامم فِي سُورَة وَالشَّمْس وَضُحَاهَا لانه ذكر فِيهَا انقسام النُّفُوس الى الزكية الراشدة المهتدية والى الْفَاجِرَة الضَّالة الغاوية وَذكر فِيهَا الاصلين الْقدر وَالشَّرْع فَقَالَ ﴿فألهمها فجورها﴾

стр. 92

﴿وتقواها﴾ فَهَذَا قدره وقضاؤه ثمَّ قَالَ ﴿قد أَفْلح من زكاها وَقد خَابَ من دساها﴾ فَهَذَا امْرَهْ وَدينه وَثَمُود هدَاهُم فاستحبوا الْعَمى على الْهدى فَذكر قصتهم ليبين سوء عَاقِبَة منمن آثر الْفُجُور على التَّقْوَى والتدسية على التَّزْكِيَة وَالله اعْلَم بِمَا أَرَادَ قَالُوا ويكفى فِي هَذَا اخباره تَعَالَى عَن الْكفَّار انهم يَقُولُونَ بعد مَا عاينوا الْعَذَاب ووردوا الْقِيَامَة وراوا مَا اخبرت بِهِ الرُّسُل يَا ليتنا نرد وَلَا نكذب بآيَات رَبنَا ونكون من الْمُؤمنِينَ بل بدا لَهُم مَا كَانُوا يخفون من قبل وَلَو ردوا لعادوا لمانهوا عَنهُ وَإِنَّهُم لَكَاذِبُونَ فأبي علم ابين من علم من ورد الْقِيَامَة وَرَأى مَا فِيهَا وذاق عَذَاب الاخرة ثمَّ ورد إِلَى الدُّنْيَا لاختار الضلال على الْهدى وَلم يَنْفَعهُ مَا قد عاينه وَرَآهُ وَقَالَ تَعَالَى وَلَو اننا نزلنَا اليهم الْمَلَائِكَة وكلمهم الْمَوْتَى وحشرنا عَلَيْهِم كل شَيْء قبلا ماكانوا ليؤمنوا الا ان يَشَاء الله وَلَكِن اكثرهم يجهلون فَهَل بعد نزُول الْمَلَائِكَة عيَانًا وتكليم الْمَوْتَى لَهُم وشهادتهم للرسول بِالصّدقِ وَحشر كل شَيْء فِي الدُّنْيَا عَلَيْهِم من بَيَان وإيضاح للحق وَهدى وَمَعَ هَذَا فَلَا يُؤمنُونَ وَلَا ينقادون للحق وَلَا يصدقون الرَّسُول وَمن نظر فِي سيرة رَسُول الله مَعَ قومه وَمَعَ الْيَهُود علم انهم كَانُوا جازمين بصدقه لَا يَشكونَ انه صَادِق فِي قَوْله انه رَسُول الله وَلَكِن اخْتَارُوا الضلال وَالْكفْر على الايمان قَالَ الْمسور بن مخرمَة رضى الله عَنهُ لابي جهل وَكَانَ خَاله أَي خَال هَل كُنْتُم تتهمون مُحَمَّدًا بِالْكَذِبِ قبل ان يَقُول مقَالَته الَّتِي قَالَهَا قَالَ ابو جهل لَعنه الله تَعَالَى يَا ابْن اخي وَالله لقد كَانَ مُحَمَّد فِينَا وَهُوَ شَاب يدعى الامين مَا جربنَا عَلَيْهِ كذبا قطّ فَلَمَّا وخطه الشيب لم يكن ليكذب على الله قَالَ يَا خَال فَلم لَا تتبعونه قَالَ يَا ابْن اخي تنازعنا نَحن بَنو هَاشم الشّرف فاطعموا وأطعمنا وَسقوا وسقينا وأجاروا وأجرنا فَلم تجاثينا على الركب وَكُنَّا كفرسي رهان قَالُوا منا نَبِي فَمَتَى ندرك هَذِه وَهَذَا امية بن ابي الصَّلْت كَانَ ينتظره يَوْمًا بِيَوْم وَعلمه عِنْده قبل مبعثه وقصته مَعَ ابي سُفْيَان لما سافرا مَعًا مَعْرُوفَة واخباره برَسُول الله ثمَّ لما تيقنه وَعرف صدقه قَالَ لَا اومن بِنَبِي من غير ثَقِيف ابدا وَهَذَا هِرقل تَيَقّن انه رَسُول الله وَلم يشك فِيهِ وآثر الضلال وَالْكفْر اسْتِبْقَاء لملكه وَلما سَأَلَهُ الْيَهُود عَن التسع آيَات البيانات فاخبرهم بهَا قبلوا يَده وَقَالُوا نشْهد انك نَبِي قَالَ فَمَا يمنعكم ان تتبعوني قَالُوا إِن دَاوُد ﵇ دَعَا ان لَا يزَال فِي ذُريَّته نَبِي وَإِنَّا نخشى أَن اتَّبَعْنَاك ان تَقْتُلنَا يهود فَهَؤُلَاءِ قد تحققوا نبوته وشهدوا لَهُ بهَا وَمَعَ هَذَا فآثروا الْكفْر والضلال وَلم يصيروا مُسلمين بِهَذِهِ الشَّهَادَة فَقيل لَا يصير الْكَافِر مُسلما بِمُجَرَّد شَهَادَة ان مُحَمَّدًا رَسُول الله حَتَّى يشْهد لله بالوحدانية وَقيل يصير بذلك مُسلما وَقيل إِن كَانَ كفره بتكذيب الرَّسُول كاليهود صَار مُسلما بذلك وَإِن كَانَ كفره بالشرك مَعَ ذَلِك لم يصر مُسلما إِلَّا بِالشَّهَادَةِ بِالتَّوْحِيدِ

стр. 93

كالنصارى وَالْمُشْرِكين وَهَذِه الاقوال الثَّلَاثَة فِي مَذْهَب الامام احْمَد وَغَيره وعَلى هَذَا فانما لم يحكم لهَؤُلَاء الْيَهُود الَّذين شهدُوا لَهُ بالرسالة بِحكم الاسلام لَان مُجَرّد الاقرار والاخبار بِصِحَّة رسَالَته لَا يُوجب الاسلام إِلَّا ان يلْزم طَاعَته ومتابعته وَإِلَّا فَلَو قَالَ انا اعْلَم انه نَبِي وَلَكِن لَا اتبعهُ وَلَا ادين بِدِينِهِ كَانَ من اكفر الْكفَّار كَحال هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين وَغَيرهم وَهَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ بَين الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وائمة السّنة ان الايمان لَا يَكْفِي فِي قَول اللِّسَان بِمُجَرَّدِهِ وَلَا معرفَة الْقلب مَعَ ذَلِك بل لَا بُد فِيهِ من عمل الْقلب وَهُوَ حبه لله وَرَسُوله وانقياده لدينِهِ والتزامه طَاعَته ومتابعة رَسُوله وَهَذَا خلاف من زعم ان الايمان هُوَ مُجَرّد معرفَة الْقلب واقراره وَفِيمَا تقدم كِفَايَة فِي إبِْطَال هَذِه الْمقَالة وَمن قَالَ ان الايمان هُوَ مُجَرّد اعْتِقَاد صدق الرَّسُول فِيمَا جَاءَ بِهِ وَإِن لم يلْتَزم مُتَابَعَته وعاداه وابغضه وقاتله لزمَه ان يكون هَؤُلَاءِ كلهم مُؤمنين وَهَذَا إِلْزَام لامحيد عَنهُ وَلِهَذَا اضْطربَ هَؤُلَاءِ فِي الْجَواب عَن ذَلِك لما ورد عَلَيْهِم وَأَجَابُوا بِمَا يستحي الْعَاقِل من قَوْله كَقَوْل بَعضهم إِن إِبْلِيس كَانَ مستهزئا وَلم يكن يقر بِوُجُود الله وَلَا بِأَن الله ربه وخالقه وَلم يكن يعرف ذَلِك وَكَذَلِكَ فِرْعَوْن وَقَومه لم يَكُونُوا يعْرفُونَ صِحَة نبوة مُوسَى وَلَا يَعْتَقِدُونَ وجود الصَّانِع وَهَذِه فضائح نَعُوذ بِاللَّه من الْوُقُوع فِي أَمْثَالهَا ونصرة المقالات وتقليد اربابها تحمل على أَكثر من هَذَا ونعوذ بِاللَّه من الخذلان قَالُوا وَقد بَين الْقُرْآن ان الْكفْر اقسام احدها كفر صادر عَن جهل وضلال وتقليد الاسلاف وَهُوَ كفر أَكثر الِاتِّبَاع والعوام الثَّانِي كفر جحود وعناد وَقصد مُخَالفَة الْحق ككفر من تقدم ذكره وغالب مَا يَقع هَذَا النَّوْع فِيمَن لَهُ رياسة علمية فِي قومه من الْكفَّار اَوْ رياسة سلطانية اَوْ من لَهُ ماكل واموال فِي قومه فيخاف هَذَا على رياسته وَهَذَا على مَاله ومأكله فيؤثر الْكفْر على الايمان عمدا الثَّالِث كفر إِعْرَاض مَحْض لَا ينظر فِيمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول وَلَا يُحِبهُ وَلَا يبغضه وَلَا يواليه وَلَا يعاديه بل هُوَ معرض عَن مُتَابَعَته ومعاداته وَهَذَانِ القسمان أَكثر الْمُتَكَلِّمين ينكرونهما وَلَا يثبتون من الْكفْر إِلَّا الاول ويجعلون الثَّانِي وَالثَّالِث كفرا لدلالاته على الاول لَا لِأَنَّهُ فِي ذَاته كفر فَلَيْسَ عِنْدهم الْكفْر إِلَّا مُجَرّد الْجَهْل وَمن تَأمل الْقُرْآن وَالسّنة وسير الانبياء فِي أممهم ودعوتهم لَهُم وَمَا جرى لَهُم مَعَهم جزم بخطأ اهل الْكَلَام فِيمَا قَالُوهُ وَعلم ان عَامَّة كفر الامم عَن تَيَقّن وَعلم وَمَعْرِفَة بِصدق انبيائهم وَصِحَّة دَعوَاهُم وَمَا جاؤا بِهِ وَهَذَا الْقُرْآن مَمْلُوء من الاخبار عَن الْمُشْركين عباد الاصنام انهم كَانُوا يقرونَ بِاللَّه وانه هُوَ وَحده رَبهم وخالقهم وَأَن الارض وَمَا فِيهَا لَهُ وَحده وَأَنه رب السَّمَوَات السَّبع وَرب الْعَرْش الْعَظِيم وانه بِيَدِهِ ملكوت كل شَيْء وَهُوَ يجير وَلَا يجار عَلَيْهِ وَأَنه هُوَ الَّذِي سخر الشَّمْس وَالْقَمَر وَانْزِلْ الْمَطَر واخرج النَّبَات وَالْقُرْآن منادعليهم بذلك مُحْتَج بِمَا أقرُّوا بِهِ من ذَلِك على صِحَة مَا دعتهم اليه رسله

стр. 94

فَكيف يُقَال ان الْقَوْم لم يَكُونُوا مقرين قطّ بَان لَهُم رَبًّا وخالقا وَهَذَا بهتان عَظِيم فالكفر امْر وَرَاء مُجَرّد الْجَهْل بل الْكفْر الاغلظ هُوَ مَا انكره هَؤُلَاءِ وَزَعَمُوا انه لَيْسَ بِكفْر قَالُوا وَالْقلب عَلَيْهِ واجبان لَا يصيره مُؤمنا الا بهما جَمِيعًا وَاجِب الْمعرفَة وَالْعلم وواجب الْحبّ والانقياد والاستسلام فَكَمَا لَا يكون مُؤمنا إِذا لم يَأْتِ بِوَاجِب الْعلم والاعتقاد لَا يكون مُؤمنا إِذا لم يَأْتِ بِوَاجِب الْحبّ والانقياد والاستسلام بل إِذا ترك هَذَا الْوَاجِب مَعَ علمه ومعرفته بِهِ كَانَ اعظم كفرا وابعد عَن الايمان من الْكَافِر جهلا فَإِن الْجَاهِل إِذا عرف وَعلم فَهُوَ قريب إِلَى الانقياد والاتباع وَأما المعاند فَلَا دَوَاء فِيهِ قَالَ تَعَالَى ﴿كَيفَ يهدي الله قوما كفرُوا بعد إِيمَانهم وشهدوا أَن الرَّسُول حق وجاءهم الْبَينَات وَالله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين﴾ قَالُوا فحب الله وَرَسُوله بل كَون الله وَرَسُوله احب الى العَبْد من سواهُمَا لَا يكون العَبْد مُسلما الا بِهِ وَلَا ريب ان الْحبّ امْر وَرَاء الْعلم فَمَا كل من عرف الرَّسُول احبه كَمَا تقدم قَالُوا وَهَذَا لحاسد يحملهُ بغض الْمَحْسُود على معاداته وَالسَّعْي فِي اذاه بِكُل مُمكن مَعَ علمه بفضله وَعلمه وانه لَا شَيْء فِيهِ يُوجب عداوته إِلَّا محاسنه وفضائله وَلِهَذَا قيل الْحَاسِد عَدو للنعم والمكارم فالحاسد لم يحملهُ على معاداة الْمَحْسُود جَهله بفضله وكماله وَإِنَّمَا حمله على ذَلِك إِفْسَاد قَصده وإرادته كَمَا هِيَ حَال الرُّسُل وورثتهم مَعَ الرؤساء الَّذين سلبهم الرُّسُل ووارثوهم رئاستهم الْبَاطِلَة فعادوهم وصدوا النُّفُوس عَن متابعتهم ظنا ان الرياسة تبقى لَهُم وينفردون بهَا وَسنة الله فِي هَؤُلَاءِ ان يسلبهم رياسة الدُّنْيَا والاخرة ويصغرهم فِي عُيُون الْخلق مُقَابلَة لَهُم بنقيض قصدهم ﴿وَمَا رَبك بظلام للعبيد﴾ فَهَذَا موارد احتجاج الْفَرِيقَيْنِ وموقف اقدام الطَّائِفَتَيْنِ فاجلس ايها الْمنصف مِنْهُمَا مجْلِس الْحُكُومَة وتوخ بعلمك وعدلك فصل هَذِه الْخُصُومَة فقد ادلى كل مِنْهُمَا بحجج لَا تعَارض ولاتمانع وَجَاء ببينات لَا ترد وَلَا تدافع فَهَل عنْدك شَيْء غير هَذَا يحصل بِهِ فصل الْخطاب وينكشف بِهِ لطَالب الْحق وَجه الصَّوَاب فيرضى الطَّائِفَتَيْنِ وَيَزُول بِهِ الِاخْتِلَاف من الْبَين وَإِلَّا فَخَل الْمطِي وحاديها واعط النُّفُوس باريها دع الْهوى لِأُنَاس يعْرفُونَ بِهِ ... قد كابدوا الْحبّ حَتَّى لَان اصعبه وَمن عرف قدره وَعرف لذِي الْفضل فَضله فقد قرع بَاب التَّوْفِيق وَالله الفتاح الْعَلِيم فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق كلا الطَّائِفَتَيْنِ مَا خرجت عَن مُوجب الْعلم وَلَا عدلت عَن سنَن الْحق وَإِنَّمَا الِاخْتِلَاف والتباين بَينهمَا من عدم التوارد على مَحل وَاحِد وَمن اطلاق الفاظ مجملة بتفصيل مَعَانِيهَا يَزُول الِاخْتِلَاف وَيظْهر ان كل طَائِفَة مُوَافقَة الاخرى على نفس قَوْلهَا وَبَيَان هَذَا ان الْمُقْتَضى قِسْمَانِ

стр. 95

مُقْتَض لَا يتَخَلَّف عَنهُ مُوجبه وَمُقْتَضَاهُ لقصوره فِي نَفسه بل يستلزمه استلزام الْعلَّة التَّامَّة لمعلولها ومقتض غير تَامّ يتَخَلَّف عَنهُ مُقْتَضَاهُ لقصوره فِي نَفسه عَن التَّمام اَوْ لفَوَات شَرط اقتضائه اَوْ قيام مَانع منع تَأْثِيره فان اريد بِكَوْن الْعلم مقتضيا للاهتداء والاقتضاء التَّام الَّذِي لَا يتَخَلَّف عَنهُ اثره بل يلْزمه الاهتداء بِالْفِعْلِ فَالصَّوَاب قَول الطَّائِفَة الثَّانِيَة وَإنَّهُ لَا يلْزم من الْعلم حُصُول الاهتداء الْمَطْلُوب وَإِن اريد بِكَوْنِهِ مُوجبا انه صَالح للاهتداء مُقْتَض لَهُ وَقد يتَخَلَّف عَنهُ مُقْتَضَاهُ لقصوره اَوْ فَوَات شَرط اَوْ قيام مَانع فَالصَّوَاب قَول الطَّائِفَة الاولى وتفصيل هَذِه الْجُمْلَة ان الْعلم بِكَوْن الشَّيْء سَببا لمصْلحَة العَبْد ولذاته وسروره قد يتَخَلَّف عَنهُ عمله بِمُقْتَضَاهُ لاسباب عديدة السَّبَب الاول ضعف مَعْرفَته بذلك السَّبَب الثَّانِي عدم الاهلية وَقد تكون مَعْرفَته بِهِ تَامَّة لَكِن يكون مَشْرُوطًا بِزَكَاة الْمحل وقبوله للتزكية فَإِذا كَانَ الْمحل غير زكي وَلَا قَابل للتزكية كَانَ كالأرض الصلدة الَّتِي لَا تخالطها المَاء فَإِنَّهُ يمْتَنع النَّبَات مِنْهَا لعدم اهليتها وقبولها فَإِذا كَانَ الْقلب قاسيا حجريا لَا يقبل تَزْكِيَة وَلَا تُؤثر فِيهِ النصائح لم ينْتَفع بِكُل علم يُعلمهُ كَمَا لَا تنْبت الارض الصلبة وَلَو اصابها كل مطر وبذر فِيهَا كل بذر كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي هَذَا الصِّنْف من النَّاس ﴿إِن الَّذين حقت عَلَيْهِم كلمة رَبك لَا يُؤمنُونَ وَلَو جَاءَتْهُم كل آيَة حَتَّى يرَوا الْعَذَاب الْأَلِيم﴾ وَقَالَ تَعَالَى وَلَو اننا نزلنَا اليهم الْمَلَائِكَة وكلمهم الْمَوْتَى وحشرنا عَلَيْهِم كل شَيْء قبلا ماكانوا ليؤمنوا إِلَّا ان يَشَاء الله وَقَالَ تَعَالَى قل انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَات والارض وَمَا تغنى الايات وَالنّذر عَن قوم لَا يُؤمنُونَ وَهَذَا فِي الْقُرْآن كثير فَإِذا كَانَ الْقلب قاسيا غليظا جَافيا لَا يعْمل فِيهِ الْعلم شيئاوكذلك إِذا كَانَ مَرِيضا مهينا مائيا لَا صلابة فِيهِ وَلَا قُوَّة وَلَا عَزِيمَة لم يُؤثر فِيهِ الْعلم السَّبَب الثَّالِث قيام مَانع وَهُوَ إِمَّا حسد أَو كبر وَذَلِكَ مَانع إِبْلِيس من الانقياد لِلْأَمْرِ وَهُوَ دَاء الاولين والاخرين الا من عصم الله وَبِه تخلف الايمان عَن الْيَهُود الَّذين شاهدوا رَسُول الله وَعرفُوا صِحَة نبوته وَمن جرى مجراهم وَهُوَ الذيمنع عبد الله بن ابي من الايمان وَبِه تخلف الايمان عَن ابي جهل وَسَائِر الْمُشْركين فانهم لم يَكُونُوا يرتابون فِي صدقه وان الْحق مَعَه لَكِن حملهمْ الْكبر والحسد على الْكفْر وَبِه تخلف الايمان عَن امية واضرابه مِمَّن كَانَ عِنْده علم بنبوة مُحَمَّد السَّبَب الرَّابِع مَانع الرياسة وَالْملك وان لم يقم بِصَاحِبِهِ حسد وَلَا تكبر عَن الانقياد للحق لَكِن لَا يُمكنهُ ان يجْتَمع لَهُ الانقياد وَملكه ورياسته فيضن بِملكه ورياسته كَحال هِرقل واضرابه من مُلُوك الْكفَّار الَّذين علمُوا نبوته وَصدقه واقروا بهَا بَاطِنا واحبوا الدُّخُول فِي دينه لَكِن خَافُوا على ملكهم وَهَذَا دَاء ارباب الْملك وَالْولَايَة والرياسة وَقل من نجا مِنْهُ الا من عصم الله وَهُوَ دَاء فِرْعَوْن وَقَومه وَلِهَذَا قَالُوا ﴿أنؤمن لبشرين مثلنَا وقومهما لنا عَابِدُونَ﴾ انفوا ان يُؤمنُوا ويتبعوا

стр. 96

مُوسَى وهرون وينقادوا لَهما وَبَنُو إِسْرَائِيل عبيد لَهُم وَلِهَذَا قيل ان فِرْعَوْن لما اراد مُتَابعَة مُوسَى وتصديقه شاور هامان وزيره فَقَالَ بَينا انت اله تعبد تصير عبدا تعبد غَيْرك فَأبى الْعُبُودِيَّة وَاخْتَارَ الرياسة والالهية الْمحَال السَّبَب الْخَامِس مَانع الشَّهْوَة وَالْمَال وَهُوَ الَّذِي منع كثيرا من اهل الْكتاب من الايمان خوفًا من بطلَان مَأْكَلهمْ وَأَمْوَالهمْ الَّتِي تصير اليهم من قَومهمْ وَقد كَانَت كفار قُرَيْش يصدون الرجل عَن الايمان بِحَسب شَهْوَته فَيدْخلُونَ عَلَيْهِ مِنْهَا فَكَانُوا يَقُولُونَ لمن يحب الزِّنَا ان مُحَمَّدًا يحرم الزِّنَا وَيحرم الْخمر وَبِه صدوا الاعشى الشَّاعِر عَن الاسلام وَقد فاوضت غير وَاحِد من اهل الْكتاب فِي الاسلام وَصِحَّته فَكَانَ آخر مَا كلمني بِهِ احدهم انا لَا أترك الْخمر واشربها امنا فَإِذا اسلمت حلتم بيني وَبَينهَا وجلدتموني على شربهَا وَقَالَ آخر مِنْهُم بعد ان عرف مَا قلت لَهُ لي اقارب ارباب اموال وَإِنِّي ان اسلمت لم يصل الي مِنْهَا شَيْء وانا اؤمل ان ارثهم اَوْ كَمَا قَالَ وَلَا ريب ان هَذَا الْقدر فِي نفوس خلق كثير من الْكفَّار فتتفق قُوَّة دَاعِي الشَّهْوَة وَالْمَال وَضعف دَاعِي الايمان فيجيب دَاعِي الشَّهْوَة وَالْمَال وَيَقُول لَا أَرغب بنفسي عَن آبَائِي وسلفي السَّبَب السَّادِس محبَّة الاهل والاقارب وَالْعشيرَة يرى انه اذا اتبع الْحق وَخَالفهُم ابعدوه وطردوه عَنْهُم واخرجوه من بَين اظهرهم وَهَذَا سَبَب بَقَاء خلف كثير على الْكفْر بَين قَومهمْ واهاليهم وعشائرهم السَّبَب السَّابِع محبَّة الدَّار والوطن وان لم يكن لَهُ بهَا عشيرة وَلَا اقارب لَكِن يرى ان فِي مُتَابعَة الرَّسُول خُرُوجه عَن دَاره ووطنه الى دَار الغربة والنوى فيضن بوطنه السَّبَب الثَّامِن تخيل ان فِي الاسلام ومتابعة الرَّسُول إزراء وطعنا مِنْهُ على آبَائِهِ وأجداده وذما لَهُم وَهَذَا هُوَ الَّذِي منع ابا طَالب وامثاله عَن الاسلام استعظموا آبَاءَهُم واجدادهم ان يشْهدُوا عَلَيْهِم بالْكفْر والضلال وان يختاروا خلاف مَا اخْتَار اولئك لانفسهم وَرَأَوا انهم ان اسلموا سفهوا احلام اولئك وضللوا عُقُولهمْ ورموهم باقبح القبائح وَهُوَ الْكفْر والشرك وَلِهَذَا قَالَ اعداء الله لابي طَالب عِنْد الْمَوْت ترغب عَن مِلَّة عبد الْمطلب فَكَانَ آخر مَا كَلمهمْ بِهِ هُوَ على مِلَّة عبد الْمطلب فَلم يَدعه اعداء الله الا من هَذَا الْبَاب لعلمهم بتعظيمه اباه عبد الْمطلب وانه انما حَاز الْفَخر والشرف بِهِ فَكيف يَأْتِي امرا يلْزم مِنْهُ غَايَة تنقيصه وذمه وَلِهَذَا قَالَ لَوْلَا ان تكون مسَبَّة على بني عبد الْمطلب لَا قررت بهَا عَيْنك اَوْ كَمَا قَالَ وَهَذَا شعره يُصَرح فِيهِ بِأَنَّهُ قد علم وَتحقّق نبوة مُحَمَّد ﷺ وَصدقه كَقَوْلِه: وَلَقَد علمت بَان دين مُحَمَّد ... من خير اديان الْبَريَّة دينا لَوْلَا الْمَلَامَة اَوْ حذار مسَبَّة ... لَوَجَدْتنِي سَمحا بِذَاكَ مُبينًا

стр. 97

وَفِي قصيدته اللامية فو الله لَوْلَا ان تكون مسَبَّة ... تجر على اشياخنا فِي المحافل لَكنا اتبعناه على كل حَاله ... من الدَّهْر جدا غير قَول التهازل لقد علمُوا ان ابتنالا مكذب ... لدينا ولايعني بقول إِلَّا بَاطِل ... والمسبة الَّتِي زعم انها تجر على اشياخه شَهَادَته عَلَيْهِم بالْكفْر والضلال وتسفيه الاحلام وتضليل الْعُقُول فَهَذَا هُوَ الَّذِي مَنعه من الاسلام بعدتيقنه السَّبَب التَّاسِع مُتَابعَة من يعاديه من النَّاس للرسول وَسَبقه الى الدُّخُول فِي دينه وتخصصه وقربه مِنْهُ وَهَذَا الْقدر منع كثيرا من اتِّبَاع الْهدى يكون للرجل عَدو وَيبغض مَكَانَهُ وَلَا يحب ارضا يمشي عَلَيْهَا ويقصد مُخَالفَته ومناقضته فيراه قد اتبع الْحق فيحمله قصد مناقضته ومعاداته على معاداة الْحق واهله وان كَانَ لَا عَدَاوَة بَينه وَبينهمْ وَهَذَا كَمَا جرى للْيَهُود مَعَ الانصار فانهم كَانُوا اعدائهم وَكَانُوا يتواعدونهم بِخُرُوج النَّبِي وانهم يتبعونه ويقاتلونهم مَعَه فَلَمَّا بدرهم اليه الانصار واسلموا حملهمْ معاداتهم على الْبَقَاء على كفرهم ويهوديتهم السَّبَب الْعَاشِر مَانع الالف وَالْعَادَة والمنشأ فَإِن الْعَادة قد تقوى حَتَّى تغلب حكم الطبيعة وَلِهَذَا قيل هِيَ طبيعة ثَانِيَة فيربى الرجل على الْمقَالة وينشأ عَلَيْهَا صَغِيرا فيتربى قلبه وَنَفسه عَلَيْهَا كَمَا يتربى لَحْمه وعظمه على الْغذَاء الْمُعْتَاد وَلَا يعقل نَفسه الا عَلَيْهَا ثمَّ يَأْتِيهِ الْعلم وهلة وَاحِدَة يُرِيد إِزَالَتهَا وإخراجها من قلبه وان يسكن موضعهَا فيعسر عَلَيْهِ الِانْتِقَال ويصعب عَلَيْهِ الزَّوَال وَهَذَا السَّبَب وَإِن كَانَ اضعف الاسباب معنى فَهُوَ اغلبها على الامم وأرباب المقالات والنحل لَيْسَ مَعَ اكثرهم بل جَمِيعهم إِلَّا مَا عَسى ان يشذ الاعادة ومربي تربى عَلَيْهِ طفْلا لَا يعرف غَيرهَا وَلَا يحسن بِهِ فدين العوايد هُوَ الْغَالِب على أَكثر النَّاس فالانتقال عَنهُ كالانتقال عَن الطبيعة الى طبيعة ثَانِيَة فصلوات الله وَسَلَامه على انبيائه وَرُسُله خُصُوصا على خاتمهم وافضلهم مُحَمَّد كَيفَ غيروا عوائد الامم الْبَاطِلَة ونقلوهم الى الايمان حَتَّى استحدثوا بِهِ طبيعة ثَانِيَة خَرجُوا بهَا عَن عَادَتهم وطبيعتهم الْفَاسِدَة وَلَا يعلم مشقة هَذَا على النُّفُوس الا من زاول نقل رجل وَاحِد عَن دينه ومقالته الى الْحق فجزى الله الْمُرْسلين افضل مَا جزى بِهِ احدا من الْعَالمين إِذا عرف ان الْمُقْتَضى نَوْعَانِ فالهدى الْمُقْتَضى وَحده لَا يُوجب الاهتداء وَالْهدى التَّام يُوجب الإهتداء فالاول هدى الْبَيَان الدّلَالَة والتعليم وَلِهَذَا يُقَال هدى فَمَا اهْتَدَى وَالثَّانِي هدى الْبَيَان وَالدّلَالَة مَعَ إِعْطَاء التَّوْفِيق وَخلق الارادة فَهَذَا الْهدى الَّذِي يسلتزم الاهتداء وَلَا يتَخَلَّف عَنهُ مُوجبه فَمَتَى وجد السَّبَب وانتفت الْمَوَانِع لزم وجود حكمه وَهَهُنَا دقيقة بهَا ينْفَصل النزاع وَهِي انه هَل يَنْعَطِف من قيام الْمَانِع وَعدم الشَّرْط

стр. 98

على الْمُقْتَضى امْر يُضعفهُ فِي نَفسه ويسلبه اقتصاءه وقوته اَوْ الِاقْتِضَاء بِحَالهِ وَإِمَّا غلب الْمَانِع فَكَانَ التاثير لَهُ وَمِثَال ذَلِك فِي مسئلتنا انه بِوُجُود هَذِه الْمَوَانِع الْمَذْكُورَة اَوْ بَعْضهَا هَل يضعف الْعلم حَتَّى لَا يصير مؤثرا الْبَتَّةَ اَوْ الْعلم بِحَالهِ وَلَكِن الْمَانِع بقوته غلب فَكَانَ الحكم لَهُ هَذَا سر الْمَسْأَلَة وفقهها فَأَما الاول فَلَا شكّ فِيهِ وَلَكِن الشان فِي الْقسم الثَّانِي وَهُوَ بَقَاء الْعلم بِحَالهِ وَالتَّحْقِيق ان الْمَوَانِع تحجبه وتعميه وَرُبمَا قلبت حَقِيقَته من الْقلب وَالْقُرْآن قد دلّ على هَذَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قوم لم تؤذونني وَقد تعلمُونَ أَنِّي رَسُول الله إِلَيْكُم فَلَمَّا زاغوا أزاغ الله قُلُوبهم وَالله لَا يهدي الْقَوْم الْفَاسِقين﴾ فعاقبهم سُبْحَانَهُ بازاغة قُلُوبهم عَن الْحق لما زاغوا عَنهُ ابْتِدَاء وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كَمَا لم يُؤمنُوا بِهِ أول مرّة ونذرهم فِي طغيانهم يعمهون﴾ وَلِهَذَا قيل من عرض عَلَيْهِ حق فَرده فَلم يقبله عُوقِبَ بِفساد قلبه وعقله ورأيه وَمن هُنَا قيل لَا رَأْي لصَاحب هوى فان هَوَاهُ يحملهُ على رد الْحق فَيفْسد الله عَلَيْهِ رَأْيه وعقله قَالَ تَعَالَى ﴿فبمَا نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيَات الله وقتلهم الْأَنْبِيَاء بِغَيْر حق وَقَوْلهمْ قُلُوبنَا غلف﴾ اخبر سُبْحَانَهُ ان كفرهم بِالْحَقِّ بعد ان علموه كَانَ سَببا لطبع الله على قُلُوبهم ﴿بل طبع الله عَلَيْهَا بكفرهم﴾ حَتَّى صَارَت غلفًا والغلف جمع اغلف وَهُوَ الْقلب الَّذِي قد غشيه غلاف كالسيف الَّذِي فِي غلافه وكل شَيْء فِي غلافه فَهُوَ اغلف وَجمعه غلف يُقَال سيف اغلف وقوس غلفاء وَرجل اغلف واقلف اذا لم يختن وَالْمعْنَى قُلُوبنَا عَلَيْهَا غشاوة وغطاء فَلَا تفقه مَا تَقول يَا مُحَمَّد وَلم تع شَيْئا من قَالَ ان الْمَعْنى انها غلف للْعلم وَالْحكمَة أَي اوعية لَهَا فَلَا يحْتَاج الى قَوْلك وَلَا تقبله اسْتغْنَاء بِمَا عِنْدهم لوجوه احدها ان غلف جمع اغلف كقلف واقلف وحمر واحمر وجرد واجرد وَغلب واغلب ونظائره والاغلف من الْقُلُوب هُوَ الدَّاخِل فِي الغلاف هَذَا هُوَ الْمَعْرُوف من اللُّغَة الثَّانِي انه لَيْسَ من الِاسْتِعْمَال السائغ الْمَشْهُور ان يُقَال قلب فلَان غلاف لكذا وَهَذَا لَا يكَاد يُوجد فِي شَيْء من نثر كَلَامهم ولانظمه وَلَا نَظِير لَهُ فِي الْقُرْآن فَيحمل عَلَيْهِ وَلَا هُوَ من التَّشْبِيه البديع المستحسن فَلَا يجوز حمل الاية عَلَيْهِ الثَّالِث ان نَظِير قَول هَؤُلَاءِ قَول الاخرين من الْكفَّار ﴿قُلُوبنَا فِي أكنة مِمَّا تدعونا إِلَيْهِ﴾ والاكنة هَناه هِيَ الغلف الَّتِي قُلُوب هَؤُلَاءِ فِيهَا والاكنة كالاوعية والاغطية الَّتِي تغطى الْمَتَاع وَمِنْه الْكِنَايَة لغلاف السِّهَام الرَّابِع ان سِيَاق الاية لَا يحسن مَعَ الْمَعْنى الَّذِي ذَكرُوهُ وَلَا يحسن مُقَابلَته بقوله ﴿بل طبع الله عَلَيْهَا بكفرهم﴾ وَإِنَّمَا يحسن مَعَ هَذَا الْمَعْنى ان يسلب عَنْهُم الْعلم وَالْحكمَة الَّتِي ادعوها كَمَا قيل لَهُم لما ادعوا ذَلِك ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ من الْعلم إِلَّا قَلِيلا﴾ وَأما هُنَا فَلَمَّا ادعوا ان قُلُوبهم فِي اغطية واغشية لاتفقه قَوْله قوبلوا بَان عرفهم ان كفرهم ونقضهم ميثاقهم وقتلهم الانبياء كَانَ سَببا

стр. 99

لَان طبع على قُلُوبهم وَلَا ريب ان الْقلب اذا طبع عَلَيْهِ اظلمت صُورَة الْعلم فِيهِ وانطمست وَرُبمَا ذهب اثرها حَتَّى يصير السَّبَب الَّذِي يَهْتَدِي بِهِ المهتدون سَببا لضلال هَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يضل بِهِ كثيرا وَيهْدِي بِهِ كثيرا وَمَا يضل بِهِ إِلَّا الْفَاسِقين الَّذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون مَا أَمر الله بِهِ أَن يُوصل ويفسدون فِي الأَرْض أُولَئِكَ هم الخاسرون﴾ فاخبر تَعَالَى ان الْقُرْآن سَبَب لضلال هَذَا الصِّنْف من النَّاس وهوهداه الَّذِي هدى بِهِ رَسُوله وعباده الْمُؤمنِينَ وَلِهَذَا اخبر سُبْحَانَهُ إِنَّه إِنَّمَا يَهْتَدِي بِهِ من اتبع رضوَان الله قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا مَا أنزلت سُورَة فَمنهمْ من يَقُول أَيّكُم زادته هَذِه إِيمَانًا فَأَما الَّذين آمنُوا فزادتهم إِيمَانًا وهم يستبشرون وَأما الَّذين فِي قُلُوبهم مرض فزادتهم رجسا إِلَى رجسهم وماتوا وهم كافرون﴾ وَلَا شَيْء اعظم فَسَادًا لمحل الْعلم من صَيْرُورَته بِحَيْثُ يضل بِمَا يَهْتَدِي بِهِ فنسبته الى الْهدى وَالْعلم نِسْبَة الْفَم الَّذِي قد استحكمت فِيهِ المرارة الى المَاء العذب كَمَا قيل: وَمن يَك ذَا فَم مر مَرِيض ... يجد مرا بِهِ المَاء الزلالا واذا فسد الْقلب فسد إِدْرَاكه وَإِذا فسد الْفَم فسد إِدْرَاكه وَكَذَلِكَ اذا فَسدتْ الْعين واهل الْمعرفَة من الصيارفة يَقُولُونَ ان من خَافَ فِي نَقده نسى النَّقْد وسلبه فَاشْتَبَهَ عَلَيْهِ الْخَالِص بالزغل وَمن كَلَام بعض السّلف يَهْتِف الْعلم بِالْعَمَلِ فان اجابه حل والا ارتحل وَقَالَ بعض السّلف كُنَّا نستعين على حفظ الْعلم بِالْعَمَلِ بِهِ فَترك الْعَمَل بِالْعلمِ من اقوى الاسباب فِي ذَهَابه ونسيانه وايضا فَإِن الْعلم يُرَاد للْعَمَل فَإِنَّهُ يمنزلة الدَّلِيل للسائر فَإِذا لم يسر خلف الدَّلِيل لم ينْتَفع بدلالته فَنزل منزلَة من لم يعلم شَيْئا لَان من علم وَلم يعْمل بِمَنْزِلَة الْجَاهِل الَّذِي لَا يعلم كَمَا ان من ملك ذَهَبا وَفِضة وجاع وعرى وَلم يشتر مِنْهَا مَا يَأْكُل ويلبس فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْفَقِير العادم كَمَا قيل: وَمن ترك الانفاق عِنْد احْتِيَاجه ... مَخَافَة فقر فَالَّذِي فعل الْفقر وَالْعرب تسمى الْفُحْش وَالْبذَاء جهلا اما لكَونه ثَمَرَة الْجَهْل فيسمى باسم سَببه وموجبه وَأما لَان الْجَهْل يُقَال فِي جَانب الْعلم وَالْعَمَل قَالَ الشَّاعِر: الا لَا يجهلن اُحْدُ علينا ... فنجهل فَوق جهل الحاهلينا ... وَمن هَذَا قَول مُوسَى لِقَوْمِهِ وَقد قَالُوا ﴿أتتخذنا هزوا قَالَ أعوذ بِاللَّه أَن أكون من الْجَاهِلين﴾ فَجعل الِاسْتِهْزَاء بِالْمُؤْمِنِينَ جهلا وَمِنْه قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَن يُوسُف انه قَالَ ﴿وَإِلَّا تصرف عني كيدهن أصب إلَيْهِنَّ وأكن من الْجَاهِلين﴾ وَمن هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿خُذ الْعَفو وَأمر﴾

стр. 100

﴿بِالْعرْفِ وَأعْرض عَن الْجَاهِلين﴾ لَيْسَ المُرَاد أعراضه عَمَّن لَا علم عِنْده فَلَا يُعلمهُ وَلَا يرشده وَإِنَّمَا المُرَاد اعراضه عَن جهل من جهل عَلَيْهِ فَلَا يُقَابله وَلَا يعاتبه قَالَ مقَاتل وَعُرْوَة وَالضَّحَّاك وَغَيرهم صن نَفسك عَن مقابلتهم على سفههم وَهَذَا كثير فِي كَلَامهم وَمِنْه الحَدِيث إِذا كَانَ صَوْم احدكم فَلَا يصخب وَلَا يجهل وَمن هذاتسمية الْمعْصِيَة جهلا قَالَ قَتَادَة اجْمَعْ اصحاب مُحَمَّد ان كل من عصى الله فَهُوَ جَاهِل وَلَيْسَ المُرَاد انه جَاهِل بِالتَّحْرِيمِ إِذْ لَو كَانَ جاهلال لم يكن عَاصِيا فَلَا يَتَرَتَّب الْحَد فِي الدُّنْيَا والعقوبة فِي الاخرة على جَاهِل بِالتَّحْرِيمِ بل نفس الذَّنب يُسمى جهلا وَإِن علم مرتكبه بِتَحْرِيمِهِ إِمَّا انه لَا يصدر الا عَن ضعف الْعلم ونقصانه وَذَلِكَ جهل فَسمى باسم سَببه وَإِمَّا تَنْزِيلا لفَاعِله منزلَة الْجَاهِل بِهِ الثَّانِي انهم لما ردوا الْحق وَرَغبُوا عَنهُ عوقبوا بالطبع والرين وسلب الْعقل والفهم كَمَا قَالَ تَعَالَى عَن الْمُنَافِقين ﴿ذَلِك بِأَنَّهُم آمنُوا ثمَّ كفرُوا فطبع على قُلُوبهم فهم لَا يفقهُونَ﴾ الثَّالِث ان الْعلم الَّذِي ينْتَفع بِهِ ويستلزم النجَاة والفلاح لم يكن حَاصِلا لَهُم فسلب عَنْهُم حَقِيقَته وَالشَّيْء قد ينتفى لنفي ثَمَرَته وَالْمرَاد مِنْهُ قَالَ تَعَالَى فِي سَاكن النَّار فَإِن لَهُ نَار جَهَنَّم لَا يَمُوت فِيهَا وَلَا يحيا نفى الْحَيَاة لانْتِفَاء فائدتها وَالْمرَاد مِنْهَا وَيَقُولُونَ لَا مَال إِلَّا مَا انفق وَلَا علم إِلَّا مَا نفع وَلِهَذَا نفى عَنهُ سُبْحَانَهُ عَن الْكفَّار الاسماع والابصار والعقول لما لم ينتفعوا بهَا وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَجَعَلنَا لَهُم سمعا وأبصارا وأفئدة فَمَا أغْنى عَنْهُم سمعهم وَلَا أَبْصَارهم وَلَا أفئدتهم من شَيْء إِذْ كَانُوا يجحدون بآيَات الله﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَد ذرأنا لِجَهَنَّم كثيرا من الْجِنّ وَالْإِنْس لَهُم قُلُوب لَا يفقهُونَ بهَا وَلَهُم أعين لَا يبصرون بهَا وَلَهُم آذان لَا يسمعُونَ بهَا﴾ وَلما لم يحصل لَهُم الْهدى الْمَطْلُوب بِهَذِهِ الْحَواس كَانُوا يمنزلة فاقديها قَالَ تَعَالَى ﴿صم بكم عمي فهم لَا يعْقلُونَ﴾ فالقلب يُوصف بالبصر والعمى والسمع والصمم والنطق والبكم بل هَذِه لَهُ اصلا وللعين والاذن وَاللِّسَان تبعا فَإِذا عدمهَا الْقلب فصاحبه اعمى مَفْتُوح الْعين اصم وَلَا آفَة باذنه ابكم وَإِن كَانَ فصيح اللِّسَان قَالَ تَعَالَى فَإِنَّهَا لاتعمى الابصار وَلَكِن تعمى الْقُلُوب الَّتِي فِي الصُّدُور فَلَا تنَافِي بَين قيام الْحجَّة بِالْعلمِ وَبَين سلبه ونفيه بالطبع والختم والقفل على قُلُوب من لَا يعْمل بِمُوجب الْحجَّة وينقاد لَهَا قَالَ تَعَالَى وَإِذا قَرَأت الْقُرْآن جعلنَا بَيْنك وَبَين الَّذين لايؤمنون بالاخرة حِجَابا مَسْتُورا وَجَعَلنَا على قُلُوبهم اكنة ان يفقهوه وَفِي آذانهم وقرا وَإِذا ذكرت رَبك فِي الْقُرْآن وَحده ولوا على أدبارهم نفورا فَأخْبر سُبْحَانَهُ انه مَنعهم فقه كَلَامه وَهُوَ الادراك الَّذِي ينْتَفع بِهِ من فقهه وَلم يكن ذَلِك مَانِعا لَهُم من الادراك الَّذِي تقوم بِهِ الْحجَّة عَلَيْهِم فانهم لَو لم يفهموه جملَة مَا ولوا على أدبارهم نفورا عِنْد ذكر تَوْحِيد الله فَلَمَّا ولوا عِنْد ذكر التَّوْحِيد دلّ على انهم كَانُوا يفهمون الْخطاب وان الَّذِي غشى قُلُوبهم كَالَّذي غشى آذانهم وَمَعْلُوم انهم لم يعدموا لاسمع جملَة ويصيروا كالاصم وَلذَلِك

стр. 101

ينفى سُبْحَانَهُ عَنْهُم السّمع تَارَة ويثبته اخرى قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم﴾ وَمَعْلُوم انهم قد سمعُوا الْقُرْآن وَأمر الرَّسُول باسماعهم إِيَّاه وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَقَالُوا لَو كُنَّا نسْمع أَو نعقل مَا كُنَّا فِي أَصْحَاب السعير﴾ فَهَذَا السّمع الْمَنْفِيّ عَنْهُم سمع الْفَهم وَالْفِقْه وَالْمعْنَى وَلَو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم سمعا يَنْتَفِعُونَ بِهِ وَهُوَ فقهه الْمَعْنى وعقله والا فقد سَمِعُوهُ سمعا تقوم بِهِ عَلَيْهِم الْحجَّة وَلَكِن لما سَمِعُوهُ مَعَ شدَّة بغضه وكراهته ونفرتهم عَنهُ لم يفهموه وَلم يعقلوه وَالرجل إِذا اشتدت كَرَاهَته للْكَلَام ونفرته عَنهُ لم يفهم مَا يُرَاد بِهِ فَينزل منزلَة من لم يسمعهُ قَالَ تَعَالَى ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السّمع وَمَا كَانُوا يبصرون﴾ نفى عَنهُ استطاعة السّمع مَعَ صِحَة حواسهم وسلامتها وَإِنَّمَا لفرط بغضهم ونفرتهم عَنهُ وَعَن كَلَامه صَارُوا بِمَنْزِلَة من لَا يَسْتَطِيع ان يسمعهُ وَلَا يرَاهُ وَهَذَا اسْتِعْمَال مَعْرُوف للخاصة والعامة يَقُولُونَ لَا اطيق انْظُر الى فلَان وَلَا استطيع ان اسْمَع كَلَامه من بغضه ونفرته عَنهُ وَبَعض الجبرية يحْتَج بِهَذِهِ الاية وَشبههَا على مَذْهَبهم وَلَا دلَالَة فِيهَا إِذْ لَيْسَ المُرَاد سلبهم السّمع وَالْبَصَر الَّذِي تقوم بِهِ الْحجَّة قطعا وَإِنَّمَا المُرَاد سلب السّمع الَّذِي يَتَرَتَّب عَلَيْهِ فَائِدَته وثمرته وَالْقدر حق وَلَكِن الْوَاجِب تَنْزِيل الْقُرْآن مَنَازِله وَوضع الايات موَاضعهَا وَاتِّبَاع الْحق حَيْثُ كَانَ وَمثل هَذَا إِذا لم يحصل لَهُ فهم الْخطاب لَا يعْذر بذلك لَان الافة مِنْهُ وَهُوَ بِمَنْزِلَة من سد اذنيه عِنْد الْخطاب فَلم يسمعهُ فَلَا يكون ذَلِك عذرا لَهُ وَمن هَذَا قَوْلهم ﴿قُلُوبنَا فِي أكنة مِمَّا تدعونا إِلَيْهِ وَفِي آذاننا وقر وَمن بَيْننَا وَبَيْنك حجاب﴾ يعنون انهم فِي ترك الْقبُول مِنْهُ ومحبة الاسماع لما جَاءَ بِهِ وإيثار الاعراض عَنهُ وَشدَّة النفار عَنهُ بِمَنْزِلَة من لَا يعقله وَلَا يسمعهُ وَلَا يبصر الْمُخَاطب لَهُم بِهِ فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَقُولُونَ لَا خُلُود فِي النَّار وَلَو كُنَّا نسْمع اَوْ نعقل مَا كُنَّا فِي اصحاب السعير وَلِهَذَا جعل ذَلِك مَقْدُورًا لَهُم وذنبا اكتسبوه فَقَالَ تَعَالَى ﴿فَاعْتَرفُوا بذنبهم فسحقا لأَصْحَاب السعير﴾ وَالله تَعَالَى يَنْفِي تَارَة عَن هَؤُلَاءِ الْعقل والسمع وَالْبَصَر فانها مدارك الْعلم واسباب حُصُوله وَتارَة ينفى عَنْهُم السّمع وَالْعقل وَتارَة ينفى عَنْهُم السّمع وَالْبَصَر وَتارَة ينفى عَنْهُم الْعقل وَالْبَصَر وَتارَة ينفى عَنْهُم وَحده فنفى الثَّلَاثَة نفي لمدارك الْعلم بطرِيق الْمُطَابقَة وَنفى بَعْضهَا نفي لَهُ بالمطابقة والاخر باللزوم فان الْقلب إِذا فسد فسد السّمع وَالْبَصَر بل اصل فسادهما من فَسَاده وَإِذا فسد السّمع وَالْبَصَر فسد الْقلب فَإِذا اعْرِض عَن سمع الْحق وابغض قَائِله بِحَيْثُ لَا يحب رُؤْيَته امْتنع وُصُول الْهدى الى الْقلب ففسد وَإِذا فسد السّمع وَالْعقل تبعهما فَسَاد الْبَصَر فَكل مدرك من هَذِه يَصح بِصِحَّة الاخر وَيفْسد بفساده فَلهَذَا يَجِيء فِي الْقُرْآن نفي ذَلِك صَرِيحًا ولزوما وَبِهَذَا التَّفْصِيل يعلم اتِّفَاق الادلة من الجانين وَفِي اسْتِدْلَال الطَّائِفَة الثَّانِيَة بقوله ﴿الَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب يعرفونه كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم﴾ ونظائرها نظر فان الله تَعَالَى حَيْثُ قَالَ ﴿الَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب﴾ لم يَكُونُوا إِلَّا ممدوحين مُؤمنين وَإِذا اراد ذمهم وَالْأَخْبَار عَنْهُم بالعناد وايثار الضلال اتى بِلَفْظ

стр. 102

الَّذين اوتوا الْكتاب مَبْنِيا للْمَفْعُول فالاول كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿الَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب من قبله هم بِهِ يُؤمنُونَ وَإِذا يُتْلَى عَلَيْهِم قَالُوا آمنا بِهِ إِنَّه الْحق من رَبنَا إِنَّا كُنَّا من قبله مُسلمين أُولَئِكَ يُؤْتونَ أجرهم مرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ الايات وَكَقَوْلِه تَعَالَى ﴿أفغير الله أَبْتَغِي حكما وَهُوَ الَّذِي أنزل إِلَيْكُم الْكتاب مفصلا وَالَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب يعلمُونَ أَنه منزل من رَبك بِالْحَقِّ فَلَا تكونن من الممترين﴾ فَهَذَا فِي سِيَاق مدحهم والاستشهاد بهم لَيْسَ فِي سِيَاق ذمهم والاخبار بعنادهم وجحودهم كَمَا استشهدهم فِي قَوْله تَعَالَى قل كفى بِاللَّه شَهِيدا ببني وَبَيْنكُم وَمن عِنْده علم الْكتاب وَفِي قَوْله فاسلألوا اهل الذّكر ان كُنْتُم لَا تعلمُونَ وَقَالَ تَعَالَى ﴿الَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب يتلونه حق تِلَاوَته أُولَئِكَ يُؤمنُونَ بِهِ وَمن يكفر بِهِ فَأُولَئِك هم الخاسرون﴾ وَاخْتلف فِي الضَّمِير فِي يتلونه حق تِلَاوَته فَقيل هُوَ ضمير الْكتاب الَّذِي اوتوه قَالَ ابْن مَسْعُود يحلونَ حَلَاله ويحرمون حرَامه ويقرؤنه كَمَا انْزِلْ وَلَا يحرفونه عَن موَاضعه قَالُوا وانزلت فِي مؤمني اهل الْكتاب وَقيل هَذَا وصف للْمُسلمين وَالضَّمِير فِي يتلونه للْكتاب الَّذِي هُوَ الْقُرْآن وَهَذَا بعيد إِذا عرف ان الْقُرْآن يأباه وَلَا يرد على مَا ذكرنَا قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب يعرفونه كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم وَإِن فريقا مِنْهُم ليكتمون الْحق وهم يعلمُونَ﴾ بل هَذَا حجَّة لنا ايضا لما ذكرنَا فَإِنَّهُ أخبر فِي الاول عَن معرفتهم بِرَسُولِهِ وَدينه وقبلته كَمَا يعْرفُونَ ابناءهم اسْتِشْهَادًا بهم على من كفر وثناء عَلَيْهِم وَلِهَذَا ذكر الْمُفَسِّرُونَ انهم عبد الله بن سَلام واصحابه وَخص فِي آخر الاية بالذم طَائِفَة مِنْهُم فَدلَّ على ان الاولين غير مذمومين وكونهم دخلُوا فِي جملَة الاولين بِلَفْظ الْمُضمر لَا يُوجب ان يُقَال آتَيْنَاهُم الْكتاب عِنْد الاطلاق فانهم دخلُوا فِي هَذَا اللَّفْظ ضمنا وتبعا فَلَا يلْزم تنَاوله لَهُم قصدا واختيارا وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الانعام قل ائنكم لتشهدون ان مَعَ الله آلِهَة اخرى قل لَا اشْهَدْ قل إِنَّمَا هُوَ اله وَاحِدَة وإنني برِئ مِمَّا تشركون الَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب يعرفونه كَمَا يعْرفُونَ ابناءهم قيل الرَّسُول وَصدقه وَقيل الْمَذْكُور هُوَ التَّوْحِيد وَالْقَوْلَان متلازما اذ ذَلِك فِي معرض الاستشهاد والاحتجاج على الْمُشْركين لافي معرض ذمّ الَّذين آتَاهُم الْكتاب فَإِن السُّورَة مَكِّيَّة وَالْحجاج كَانَ فِيهَا مَعَ اهل الشّرك والسياق يدل على الِاحْتِجَاج لاذم الْمَذْكُورين من اهل الْكتاب واما الثَّانِي فكقوله وان الَّذين اوتوا الْكتاب ليعلمون انه الْحق من رَبهم وَمَا الله بغافل عَمَّا يعلمُونَ وَلَئِن اتيت الَّذين اوتوا الْكتاب بِكُل آيَة ماتبعوا قبلتك فَهَذَا شَهَادَته سُبْحَانَهُ للَّذين اوتوا الْكتاب والاول شَهَادَته للَّذين آتَاهُم الْكتاب بِأَنَّهُم يُؤمنُونَ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين أُوتُوا الْكتاب آمنُوا بِمَا نزلنَا مُصدقا لما مَعكُمْ من قبل أَن نطمس وُجُوهًا فنردها على أدبارها﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَقل للَّذين أُوتُوا الْكتاب والأميين أأسلمتم﴾ وَهَذَا خطاب لمن لم يسلم مِنْهُم وَإِلَّا فَلم يُؤمر

стр. 103

ان يَقُول هَذَا لمن اسْلَمْ مِنْهُم وَصدق بِهِ وَلِهَذَا لَا يذكر سُبْحَانَهُ الَّذين اوتوا نَصِيبا من الْكتاب الا بالذم ايضا كَقَوْلِه ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين أُوتُوا نَصِيبا من الْكتاب يُؤمنُونَ بالجبت والطاغوت﴾ الاية وَقَالَ تَعَالَى ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين أُوتُوا نَصِيبا من الْكتاب يشْتَرونَ الضَّلَالَة ويريدون أَن تضلوا السَّبِيل﴾ وَقَالَ ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين أُوتُوا نَصِيبا من الْكتاب يدعونَ إِلَى كتاب الله ليحكم بَينهم ثمَّ يتَوَلَّى فريق مِنْهُم وهم معرضون﴾ فالاقسام اربعة الَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب وَهَذَا لَا يذكرهُ سُبْحَانَهُ إِلَّا فِي معرض الْمَدْح وَالَّذين اوتوا نَصِيبا من الْكتاب لَا يكون قطّ الا فِي معرض الذَّم وَالَّذين اوتوا الْكتاب اعم مِنْهُ فانه قد يتناولهما وَلَكِن لَا يفرد بِهِ الممدوحون قطّ وَيَا أهل الْكتاب يعم الْجِنْس كُله ويتناول الممدوح مِنْهُ والمذموم كَقَوْلِه من اهل الْكتاب امة قَائِمَة يَتلون آيَات الله آنَاء اللَّيْل وهم يَسْجُدُونَ يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الاخر الْآيَة وَقَالَ فِي الذَّم ﴿لم يكن الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب وَالْمُشْرِكين منفكين﴾ وَهَذَا الْفَصْل ينْتَفع بِهِ جدا فِي أكبر مسَائِل اصول الاسلام وَهِي مسئلة الايمان وَاخْتِلَاف اهل الْقبْلَة فِيهِ وَقد ذكرنَا فِيهِ نكتا حسانا يَتَّضِح بهَا الْحق فِي الْمَسْأَلَة وَالله اعْلَم الْوَجْه الثَّانِي وَالثَّمَانُونَ ان الله سُبْحَانَهُ فاوت بَين النَّوْع الانساني اعظم تفَاوت يكون بَين المخلوقين فَلَا يعرف اثْنَان من نوع وَاحِد بَينهمَا من التَّفَاوُت مَا بَين خير الْبشر وشرهم وَالله سُبْحَانَهُ خلق الْمَلَائِكَة عقولا بِلَا شهوات وَخلق الْحَيَوَانَات ذَوَات شهوات بِلَا عقول وَخلق الانسان مركبا من عقل وشهوة فَمن غلب عقله شَهْوَته كَانَ خيرا من الْمَلَائِكَة وَمن غلبت شَهْوَته عقله كَانَ شرا من الْحَيَوَانَات وفاوت سُبْحَانَهُ بَينهم فِي الْعلم فَجعل عالمهم معلم الْمَلَائِكَة كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَا آدم أنبئهم بِأَسْمَائِهِمْ﴾ وَتلك مرتبَة لَا مرتبَة فَوْقهَا وَجعل جاهلهم بِحَيْثُ لَا يرضى الشَّيْطَان بِهِ وَلَا يصلح لَهُ كَمَا قَالَ الشَّيْطَان لجاهلهم الَّذِي اطاعه فِي الْكفْر ﴿إِنِّي بَرِيء مِنْك﴾ وَقَالَ لجهلتهم الَّذين عصوا رَسُوله إِنِّي بَرِيء مِنْكُم فَللَّه مَا أَشد هَذَا التَّفَاوُت بَين شَخْصَيْنِ احدهما تسْجد لَهُ الْمَلَائِكَة وَيعلمهَا مِمَّا الله علمه والاخر لَا يرضى الشَّيْطَان بِهِ وليا وَهَذَا التَّفَاوُت الْعَظِيم إِنَّمَا حصل بِالْعلمِ وثمرته وَلَو لم يكن فِي الْعلم الا الْقرب من رب الْعَالمين والالتحاق بعالم الْمَلَائِكَة وصحبة الْمَلأ الاعلى لكفى بِهِ فضلا وشرفا فَكيف وَعز الدُّنْيَا وَالْآخِرَة مَنُوط بِهِ ومشروط بحصوله الْوَجْه الثَّالِث وَالثَّمَانُونَ ان اشرف مَا فِي الانسان مَحل الْعلم مِنْهُ وَهُوَ قلبه وسَمعه وبصره وَلما كَانَ الْقلب هُوَ مَحل الْعلم والسمع رَسُوله الَّذِي ياتيه بِهِ وَالْعين طليعته كَانَ ملكا على سَائِر الاعضاء يأمرها فتاتمر لامره ويصرفها فتنقاد لَهُ طَائِعَة بِمَا خص بِهِ من الْعلم دونهَا فَلذَلِك كَانَ ملكهَا والمطاع فِيهَا وَهَكَذَا الْعَالم فِي النَّاس كالقلب فِي الاعضاء وَلما كَانَ صَلَاح الاعضاء بصلاح ملكهَا ومطاعها وفسادها بفساده كَانَت هَذِه حَال النَّاس مَعَ عُلَمَائهمْ

стр. 104

وملوكهم كَمَا قَالَ بعض السّلف صنفان إِذا صلحا صلح سَائِر النَّاس واذا فسدا فسد سَائِر النَّاس الْعلمَاء والامراء قَالَ عبد الله بن الْمُبَارك: وَهل افسد الدّين الا الملو ... ك واحبار سوء ورهبانها وَلما كَانَ للسمع وَالْبَصَر من الادراك مَا لَيْسَ لغَيْرِهِمَا من الاعضاء كَانَا فِي أشرف جُزْء من الانسان وَهُوَ وَجهه وَكَانَا من افضل مَا فِي الانسان من الاجزاء والاعضاء وَالْمَنَافِع وَاخْتلف فِي الافضل مِنْهُمَا فَقَالَت طَائِفَة مِنْهُم ابو الْمَعَالِي وَغَيره السّمع افضل قَالُوا لَان بِهِ تنَال سَعَادَة الدُّنْيَا والاخرة فانها انما تحصل بمتابعة الرُّسُل وَقبُول رسالاتهم وبالسمع عرف ذَلِك فان من لَا سمع لَهُ لَا يعلم مَا جاؤا بِهِ وايضا فان السّمع يدْرك بِهِ اجل شَيْء وافضله وَهُوَ كَلَام الله تَعَالَى الَّذِي فَضله على الْكَلَام كفضل الله على خلقه وايضا فان الْعُلُوم انما تنَال بالتفاهم والتخاطب وَلَا يحصل ذَلِك الا بِالسَّمْعِ وايضا فان مدركه اعم من مدرك الْبَصَر فانه يدْرك الكليات والجزئيات وَالشَّاهِد وَالْغَائِب وَالْمَوْجُود والمعدوم وَالْبَصَر لَا يدْرك الا بعض المشاهدات والسمع يسمع كل علم فاين احدهما من الاخر وَلَو فَرضنَا شَخْصَيْنِ احدهما يسمع كَلَام الرَّسُول وَلَا يرى شخصه والاخر بَصِير يرَاهُ وَلَا يسمع كَلَامه لصممه هَل كَانَا سَوَاء وايضا ففاقد الْبَصَر انما يفقد ادراك بعض الامور الْجُزْئِيَّة الْمُشَاهدَة ويمكنه مَعْرفَتهَا بِالصّفةِ وَلَو تَقْرِيبًا واما فَاقِد السّمع فَالَّذِي فَاتَهُ من الْعلم لَا يُمكن حُصُوله بحاسة الْبَصَر وَلَو قَرِيبا وايضا فان ذمّ الله تَعَالَى للْكفَّار بِعَدَمِ السّمع فِي الْقُرْآن اكثر من ذمه لَهُم بِعَدَمِ الْبَصَر بل انما يذمهم بِعَدَمِ الْبَصَر تبعا لعدم الْعقل والسمع وايضا فان الَّذِي يُورِدهُ السّمع على الْقلب من الْعُلُوم لَا يلْحقهُ فِيهِ كلال وَلَا سآمة وَلَا تَعب مَعَ كثرته وعظمه وَالَّذِي يُورِدهُ الْبَصَر عَلَيْهِ يلْحقهُ فِيهِ الكلال والضعف وَالنَّقْص وَرُبمَا خشى صَاحبه على ذَهَابه مَعَ قلته ونزارته بِالنِّسْبَةِ الى السّمع وَقَالَت طَائِفَة مِنْهُم ابْن قُتَيْبَة بل الْبَصَر افضل فان اعلا النَّعيم وافضله واعظمه لَذَّة هُوَ النّظر الى الله فِي الدَّار الاخرة وَهَذَا انما ينَال بالبصر وَهَذِه وَحدهَا كَافِيَة فِي تفضيله قَالُوا وَهُوَ مُقَدّمَة الْقلب وطليعته ورائده فمنزلته مِنْهُ اقْربْ من منزلَة السّمع وَلِهَذَا كثيرا مَا يقرن بَينهمَا فِي الذّكر بقوله ﴿فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار﴾ فالاعتبار بِالْقَلْبِ وَالْبَصَر بِالْعينِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كَمَا لم يُؤمنُوا بِهِ أول مرّة﴾ وَلم يقل واسماعهم وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَإِنَّهَا لَا تعمى الْأَبْصَار وَلَكِن تعمى الْقُلُوب الَّتِي فِي الصُّدُور﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿قُلُوب يَوْمئِذٍ واجفة أبصارها خاشعة﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يعلم خَائِنَة الْأَعْين وَمَا تخفي الصُّدُور﴾ وَقَالَ فِي حق رَسُوله ﴿مَا كذب الْفُؤَاد مَا رأى﴾ ثمَّ قَالَ ﴿مَا زاغ الْبَصَر وَمَا طَغى﴾ هَذَا يدل على شدَّة الوصلة والارتباط بَين الْقلب وَالْبَصَر وَلِهَذَا يقْرَأ الانسان مَا فِي قلب

стр. 105

الاخر من عينه وَهَذَا كثير فِي كَلَام النَّاس نظمه ونثره وَهُوَ اكثر من ان نذكرهُ هُنَا وَلما كَانَ الْقلب اشرف الاعضاء كَانَ اشدها ارتباطا بِهِ واشرف من غَيره قَالُوا وَلِهَذَا يأتمنه الْقلب مَالا يأتمن السّمع عَلَيْهِ بل إِذا ارتاب من جِهَة عرض مَا يَأْتِيهِ بِهِ على الْبَصَر ليزكيه ام يردهُ فالبصر حَاكم عَلَيْهِ مؤتمن عَلَيْهِ قَالُوا وَمن هَذَا الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ احْمَد فِي مُسْنده مَرْفُوعا لَيْسَ الْمخبر كالمعاين قَالُوا وَلِهَذَا اخبر الله سُبْحَانَهُ مُوسَى ان قومه افتتنوا من بعده وعبدوا الْعجل فَلم يلْحقهُ فِي ذَلِك مَا لحقه عِنْد رُؤْيَة ذَلِك ومعاينته من القاء الالواح وَكسرهَا لفوت المعاينة على الْخَبَر قَالُوا وَهَذَا إِبْرَاهِيم خَلِيل الله يسْأَل ربه ان يرِيه كَيفَ يحيى الْمَوْتَى وَقد علم ذَلِك بِخَبَر الله لَهُ وَلَكِن طلب افضل الْمنَازل وَهِي طمأنينة الْقلب قَالُوا ولليقين ثَلَاث مَرَاتِب اولها للسمع وَثَانِيها للعين وَهِي الْمُسَمَّاة بِعَين الْيَقِين وَهِي افضل من الْمرتبَة الاولى واكمل قَالُوا وايضا فالبصر يُؤدى الى الْقلب وَيُؤَدِّي عَنهُ فان الْعين مرْآة الْقلب يظْهر فِيهَا مَا يُحِبهُ من الْمحبَّة والبغض والموالاة والمعاداة وَالسُّرُور والحزن وَغَيرهَا وَأما الاذن فَلَا تُؤَدّى عَن الْقلب شَيْئا الْبَتَّةَ وَإِنَّمَا مرتبتها الايصال اليه حسب فالعين اشد تعلقا بِهِ وَالصَّوَاب ان كلا مِنْهُمَا لَهُ خاصية فضل بهَا الاخر فالمدرك بِالسَّمْعِ اعم واشمل والمدرك بالبصر اتم واكمل فالسمع لَهُ الْعُمُوم والشمول وَالْبَصَر لَهُ الظُّهُور والتمام وَكَمَال الادراك واما نعيم اهل الْجنَّة فشيئآن احدهما النّظر الى الله وَالثَّانِي سَماع خطابه وَكَلَامه كَمَا رَوَاهُ عبد الله بن احْمَد فِي الْمسند وَغَيره كَأَن النَّاس يَوْم الْقِيَامَة لم يسمعوا الْقُرْآن اذا سَمِعُوهُ من الرَّحْمَن وَمَعْلُوم ان سَلَامه عَلَيْهِم وخطابه لَهُم ومحاضرته اياهم كَمَا فِي التِّرْمِذِيّ وَغَيره لَا يشبهها شَيْء قطّ وَلَا يكون اطيب عِنْدهم مِنْهَا وَلِهَذَا يذكر سُبْحَانَهُ فِي وَعِيد اعدائه انه لايكلمهم كَمَا يذكر احتجابه عَنْهُم وَلَا يرونه فَكَلَامه اعلا نعيم اهل الْجنَّة وَالله اعْلَم الْوَجْه الرَّابِع وَالثَّمَانُونَ ان الله سُبْحَانَهُ فِي الْقُرْآن يعدد على عباده من نعمه عَلَيْهِم ان اعطاهم آلَات الْعلم فيذكر الْفُؤَاد والسمع والابصار وَمرَّة يذكر اللِّسَان الَّذِي يترجم بِهِ عَن الْقلب فَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَة النعم وَهِي سُورَة النَّحْل الَّتِي ذكر فِيهَا اصول النعم وفروعها ومتمماتها ومكملاتها فعددنعمه فِيهَا على عباده وتعرف بهَا اليهم واقتضاهم شكرها وَاخْبَرْ انه يُتمهَا عَلَيْهِم ليعرفوها ويذكروها ويشكروها فاولها فِي اصول النعم وَآخِرهَا فِي مكملاتها قَالَ تَعَالَى ﴿وَالله أخرجكم من بطُون أُمَّهَاتكُم لَا تعلمُونَ شَيْئا وَجعل لكم السّمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تشكرون﴾ فَذكر سُبْحَانَهُ نعْمَته عَلَيْهِم بَان اخرجهم لَا علم لَهُم ثمَّ اعطاهم الاسماع والابصار والافئدة الَّتِي نالوا بهَا من الْعلم مانالوه وانه فعل بهم ذَلِك

стр. 106

ليشكروه وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَجَعَلنَا لَهُم سمعا وأبصارا وأفئدة فَمَا أغْنى عَنْهُم سمعهم وَلَا أَبْصَارهم وَلَا أفئدتهم من شَيْء﴾ وَقَالَ تَعَالَى الم نجْعَل لَهُ عينين وَلِسَانًا وشفتين وهديناه النجدين فَذكر هُنَا الْعَينَيْنِ الَّتِي يبصر بهما فَيعلم المشاهدات وَذكر هِدَايَة النجدين وهما طَرِيقا الْخَيْر وَالشَّر وَفِي ذَلِك حَدِيث مَرْفُوع ومرسل وَهُوَ قَول اكثر الْمُفَسّرين وتدل عَلَيْهِ الاية الاخرى ﴿إِنَّا هديناه السَّبِيل إِمَّا شاكرا وَإِمَّا كفورا﴾ وَالْهِدَايَة تكون بِالْقَلْبِ والسمع فقد دخل السّمع فِي ذَلِك لُزُوما وَذكر اللِّسَان والشفتين اللَّتَيْنِ هما آلَة التَّعْلِيم فَذكر الات الْعلم والتعليم وَجعلهَا من آيَاته الدَّالَّة عَلَيْهِ وعَلى قدرته ووحدانيته ونعمه الَّتِي تعرف بهَا الى عباده وَلما كَانَت هَذِه الاعضاء الثَّلَاثَة الَّتِي هِيَ اشرف الاعضاء وملوكها والمنصرفة فِيهَا والحاكمة عَلَيْهَا خصها بِالذكر فِي السُّؤَال عَنْهَا فَقَالَ إِن السّمع وَالْبَصَر والفؤاد كل اولئك كَانَ عَنهُ مسؤلا فسعادة الانسان بِصِحَّة هَذِه الاعضاء الثَّلَاثَة وشقاوته بفسادها قَالَ ابْن عَبَّاس يسْأَل الله الْعباد فِيمَا استعملوا هَذِه الثَّلَاثَة السّمع وَالْبَصَر والفؤاد وَالله تَعَالَى اعطى العَبْد السّمع ليسمع بِهِ اوامر ربه ونواهيه وعهوده وَالْقلب ليعقلها ويفقهها وَالْبَصَر ليرى آيَاته فيستدل بهَا على وحدانيته وربوبيته فالمقصود باعطائه هَذِه الالات الْعلم وثمرته وَمُقْتَضَاهُ الْوَجْه الْخَامِس والثامنون ان انواع السَّعَادَة الَّتِي تؤثرها النُّفُوس ثَلَاثَة سَعَادَة خارجية عَن ذَات الانسان بل هِيَ مستعارة لَهُ من غَيره يَزُول باسترداد الْعَارِية وَهِي سَعَادَة المَال والحياة فَبينا الْمَرْء بهَا سعيدا ملحوظا بالعناية مرموقا بالابصار إِذا اصبح فِي الْيَوْم الْوَاحِد اذل من وتد بقاع يشج رَأسه بالفهرواجي فالسعادة والفرح بِهَذِهِ كفرح الاقرع بحمة ابْن عَمه وَالْجمال بهَا كجمال الْمَرْء بثيابه وبزينته فاذا جَاوز بَصرك كسوته فَلَيْسَ وَرَاء عبادان قَرْيَة ويحكى عَن بعض الْعلمَاء انه ركب مَعَ تجار فِي مركب فَانْكَسَرت بهم السَّفِينَة فاصبحوا بعدعز الْغنى فِي ذل الْفقر وَوصل الْعَالم الى الْبَلَد فاكرم وَقصد بانواع التحف والكرامات فَلَمَّا ارادوا الرُّجُوع الى بِلَادهمْ قَالُوا لَهُ هَل لَك الى قَوْمك كتاب اَوْ حَاجَة فَقَالَ نعم تَقولُونَ لَهُم اذا اتخدتم مَالا لَا يغرق اذا انْكَسَرت السَّفِينَة فاتخذوا الْعلم تِجَارَة وَاجْتمعَ رجل ذُو هَيْئَة حَسَنَة ولباس جميل ورواء بِرَجُل عَالم فجس المخاضة فَلم ير شَيْئا فَقَالُوا كَيفَ رايته فَقَالَ رَأَيْت دَارا حَسَنَة مزخرفة وَلَكِن لَيْسَ بهَا سَاكن السَّعَادَة الثَّانِيَة سَعَادَة فِي جِسْمه وبدنه كصحته واعتدال مزاجه وتناسب اعضائه وَحسن تركيبه وصفاء لَونه وَقُوَّة اعضائه فَهَذِهِ الصق بِهِ من الاولى وَلَكِن هِيَ فِي الْحَقِيقَة خَارِجَة عَن ذَاته وَحَقِيقَته فان الْإِنْسَان انسان بِرُوحِهِ وَقَلبه لَا بجسمه وبدنه كَمَا قيل:

стр. 107

يَا خَادِم الْجِسْم كم يشقى بخدمته ... فَأَنت بِالروحِ لَا بالجسم إِنْسَان فنسبة هَذِه الى روحه وَقَلبه كنسبة ثِيَابه ولباسه الى بدنه فان الْبدن ايضا عَارِية للروح وَآلَة لَهَا ومركب من مراكبها فسعادتها بِصِحَّتِهِ وجماله وحسنة سَعَادَة خَارِجَة عَن ذَاتهَا وحقيقتها السَّعَادَة الثَّالِثَة هِيَ السَّعَادَة الْحَقِيقِيَّة وَهِي سَعَادَة نفسانية روحية قلبية وَهِي سَعَادَة الْعلم النافع ثَمَرَته فانها هِيَ الْبَاقِيَة على تقلب الاحوال والمصاحبة للْعَبد فِي جَمِيع اسفاره وَفِي دوره الثَّلَاثَة اعني دَار الدُّنْيَا وَدَار البرزخ وَدَار الْقَرار وَبهَا يترقى معارج الْفضل ودرجات الْكَمَال اما الاولى فانها تصحبه فِي الْبقْعَة الَّتِي فِيهَا مَاله وجاهه وَالثَّانيَِة تعرضه للزوال والتبدل بنكس الْخلق وَالرَّدّ الى الضعْف فَلَا سَعَادَة فِي الْحَقِيقَة الا فِي هَذِه الثَّالِثَة الَّتِي كلما طَال الامد ازدادات قُوَّة وعلوا وَإِذا عدم المَال والجاه فَهِيَ مَال العَبْد وجاهه وَتظهر قوتها وأثرها بعد مُفَارقَة الرّوح الْبدن اذا انْقَطَعت السعادتان الاوليتان وَهَذِه السَّعَادَة لَا يعرف قدرهَا وَيبْعَث على طلبَهَا الا الْعلم بهَا فَعَادَت السَّعَادَة كلهَا الى الْعلم وَمَا تقضيه وَالله يوفق من يَشَاء لَا مَانع لما اعطى وَلَا معطى لما منع وانما رغب اكثر الْخلق عَن اكْتِسَاب هَذِه السَّعَادَة وتحصيلها وعورة طريقها ومرارة مباديها وتعب تَحْصِيلهَا وانها لاتنال الا على جد من التَّعَب فانها لاتحصل الا بالجد الْمَحْض بِخِلَاف الاوليين فانهما حَظّ قد يحوزه غير طَالبه وبخت قد يحوزه غير جالبه من مِيرَاث اَوْ هبة اَوْ غير ذَلِك واما سَعَادَة الْعلم فَلَا يورثك اياها الا بذل الوسع وَصدق الطّلب وَصِحَّة النِّيَّة وَقد احسن الْقَائِل فِي ذَلِك: فَقل لمرجي معالي الامور ... بِغَيْر اجْتِهَاد رَجَوْت المحالا وَقَالَ الآخر لَوْلَا الْمَشَقَّة سَاد للنَّاس كلهم ... الْجُود يفقر والإقدام قتال وَمن طمحت همته الى الامور الْعَالِيَة فَوَاجِب عَلَيْهِ ان يشد على محبَّة اطرق الدِّينِيَّة وَهِي السَّعَادَة وان كَانَت فِي ابتدائها لَا تنفك عَن ضرب من الْمَشَقَّة والكره والتأذي وانها مَتى اكرهت النَّفس عَلَيْهَا وسيقت طَائِعَة وكارهة اليها وَصَبَرت على لاوائها وشدتها افضت مِنْهَا الى رياض مونقة ومقاعد صدق ومقام كريم تَجِد كل لَذَّة دونهَا لعب الصَّبِي بالعصفور بِالنِّسْبَةِ الى لذات الْمُلُوك فَحِينَئِذٍ حَال صَاحبهَا كَمَا قيل: وَكنت ارى ان قدتناهى بِي الْهوى ... الى غَايَة مَا بعْدهَا لي مَذْهَب

стр. 108

فَلَمَّا تلاقينا وعاينت حسنها ... تيقنت اني انما كنت العب ... فالمكارم منوطة بالمكارة والسعادة لَا يعبر اليها الا على جسر الْمَشَقَّة فَلَا تقطعمسافتها الا فِي سفينة الْجد وَالِاجْتِهَاد قَالَ مُسلم فِي صَحِيحه قَالَ يحيى بن ابي كثير لاينال الْعلم براحة الْجِسْم وَقد قيل من طلب الرَّاحَة ترك الرَّاحَة فيا وصل الحبيب اما اليه ... بِغَيْر مشقة ابدا طَرِيق وَلَوْلَا جهل الاكثرين بحلاوة هَذِه اللَّذَّة وَعظم قدرهَا لتجالدوا عَلَيْهَا بِالسُّيُوفِ وَلَكِن حفت بحجاب من المكاره وحجبوا عَنْهَا بحجاب من الْجَهْل ليختص الله لَهَا من يَشَاء من عباده وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم الْوَجْه السَّادِس وَالثَّمَانُونَ ان الله تَعَالَى خلق الموجودات وَجعل لكل شَيْء مِنْهَا كمالا يخْتَص بِهِ هُوَ غَايَة شرفه فَإِذا عدم كَمَاله انْتقل الى الرُّتْبَة الَّتِي دونه وَاسْتعْمل فِيهَا فَكَانَ اسْتِعْمَاله فِيهَا كَمَال امثاله فاذا عدم تِلْكَ ايضا نقل الى مَا دونهَا وَلَا تعطل وَهَكَذَا ابدا حَتَّى اذا عدم كل فَضِيلَة صَار كالشوك وكالحطب الَّذِي لَا يصلح الا للوقود فالفرس اذا كَانَت فِيهِ فروسيته التَّامَّة اعد لمراكب الْمُلُوك واكرم أكرام مثله فَإِذا نزل عَنْهَا قَلِيلا اعد لمن دون الْملك فَإِن ازْدَادَ تَقْصِيره فِيهَا اعد لاحاد الاجناد فان تقاصر عَنْهَا جملَة اسْتعْمل اسْتِعْمَال الْحمار اما حول الْمدَار واما لنقل الزبل وَنَحْوه فان عدم ذَلِك اسْتعْمل اسْتِعْمَال الاغنام للذبح والاعدام كَمَا يُقَال فِي الْمثل ان فرسين التقيا احدهما تَحت ملك والاخر تَحت الروايا فَقَالَ فرس الْملك اما انت صَاحِبي وَكنت انا وانت فِي مَكَان وَاحِد فَمَا الَّذِي نزل بك الى هَذِه الْمرتبَة فَقَالَ مَا ذَاك الا انك هملجت قَلِيلا ونعكست انا وَهَكَذَا السَّيْف اذا نباعما هيء لَهُ وَلم يصلح لَهُ ضرب مِنْهُ فاس اَوْ منشار وَنَحْوه وَهَكَذَا الدّور الْعِظَام الحسان اذا خرجت وتهدمت اتَّخذت حظائر للغنم اَوْ الابل وَغَيرهَا وَهَكَذَا الادمي اذا كَانَ صَالحا لاصطفاء الله لَهُ برسالته ونبوته اتَّخذهُ رَسُولا وَنَبِيًّا كَمَا قَالَ تَعَالَى الله اعْلَم حَيْثُ يَجْعَل رسَالَته فاذا كَانَ جوهره قاصرا عَن هَذِه الدرجَة صَالحا لخلافة النُّبُوَّة وميراثها رشحه لذَلِك وبلغه اياه فَإِذا كَانَ قاصرا عَن ذَلِك قَابلا لدرجة الْولَايَة رشح لَهَا وان كَانَ مِمَّن يصلح للْعَمَل وَالْعِبَادَة دون الْمعرفَة وَالْعلم جعل من اهله حَتَّى يَنْتَهِي الى دَرَجَة عُمُوم الْمُؤمنِينَ فان نقص عَن هَذِه الدرجَة وَلم تكن نَفسه قَابِلَة لشَيْء من الْخَيْر اصلا اسْتعْمل حطبا ووقودا للنار وَفِي اثر اسرائيلي ان مُوسَى سَأَلَ ربه عَن شان من يعذبهم من خلقه فَقَالَ يَا مُوسَى ازرع زرعا فزرعه فاوحى اليه ان احصده ثمَّ اوحى اليه ان أنسفه وذره فَفعل وخلص الْحبّ وَحده والعيدان والعصف وَحده فاوحى اليه اني لاجعل فِي النَّار من الْعباد من لَا خير فِيهِ بِمَنْزِلَة العيدان والشوك الَّتِي لَا يصلح الا للنار وَهَكَذَا الانسان يترقى فِي دَرَجَات الْكَمَال دَرَجَة بعد

стр. 109

دَرَجَة حَتَّى يبلغ نِهَايَة مَا يَنَالهُ امثاله مِنْهَا فكم بَين حَاله فِي اول كَونه نُطْفَة وَبَين حَاله والرب يسلم عَلَيْهِ فِي دَاره وَينظر الى وَجهه بكرَة وعشيا وَالنَّبِيّ فِي اول امْرَهْ لما جَاءَهُ الْملك فَقَالَ لَهُ اقْرَأ فَقَالَ مَا أَنا بقارئ وَفِي آخِره امْرَهْ بقول الله لَهُ الْيَوْم اكملت لكم دينكُمْ واتممت عَلَيْكُم نعمتي وَبِقَوْلِهِ لَهُ خَاصَّة وَانْزِلْ عَلَيْك الْكتاب وَالْحكمَة وعلمك مَا لم تكن تعلم وَكَانَ فضل الله عَلَيْك عَظِيما وَحكى ان جمَاعَة من النَّصَارَى تحدثُوا فِيمَا بَينهم فَقَالَ قَائِل مِنْهُم مَا أقل عقول الْمُسلمين يَزْعمُونَ ان نَبِيّهم كَانَ راعي الْغنم فَكيف يصلح راعي الْغنم للنبوة فَقَالَ لَهُ آخر من بَينهم اما هم فوَاللَّه اعقل منا فان الله بِحِكْمَتِهِ يسترعي النَّبِي الْحَيَوَان البهيم فاذا احسن رعايته وَالْقِيَام عَلَيْهِ نَقله مِنْهُ الى رِعَايَة الْحَيَوَان النَّاطِق حِكْمَة من الله وتدريجا لعَبْدِهِ وَلَكِن نَحن جِئْنَا الى مَوْلُود خرج من امْرَأَة يَأْكُل وَيشْرب ويبول ويبكي فَقُلْنَا هَذَا الهنا الَّذِي خلق السَّمَوَات والارض فامسك الْقَوْم عَنهُ فَكيف يحسن بِذِي همة قد ازاح الله عَنهُ علله وعرفه السَّعَادَة والشقاوة ان يرضى بَان يكون حَيَوَانا وَقد أمكنه ان يصير انسانا وَبَان يكون إنْسَانا وَقد امكنه ان يكون ملكا وَبِأَن يكون ملكا وَقد امكنه ان يكون ملكا فِي مقْعد صدق عِنْد مليك مقتدر فتقوم الْمَلَائِكَة فِي خدمته وَتدْخل عَلَيْهِم من كل بَاب سَلام عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنعم عَقبي الدَّار وَهَذَا الْكَمَال إِنَّمَا ينَال بِالْعلمِ ورعايته وَالْقِيَام بِمُوجبِه فَعَاد الامر الى الْعلم وثمرته وَالله تَعَالَى الْمُوفق واعظم النَّقْص واشد الْحَسْرَة نقص الْقَادِر على التَّمام وحسرته على تقويته كَمَا قَالَ بعض السّلف اذا كثرت طرق الْخَيْر كَانَ الْخَارِج مِنْهَا اشد حسرة وَصدق الْقَائِل: وَلم ار فِي عُيُوب النَّاس عَيْبا ... كنقص القادرين على التَّمام فَثَبت انه لَا شَيْء اقبح بالانسان من ان يكون غافلا عَن الْفَضَائِل الدِّينِيَّة والعلوم النافعة والاعمال الصَّالِحَة فَمن كَانَ كَذَلِك فَهُوَ من الهمج الرعاع الَّذين يكدرون المَاء ويغلون الاسعار ان عَاشَ عَاشَ غير حميد وان مَاتَ مَاتَ غير فقيد فقدهم رَاحَة للبلاد والعباد وَلَا تبْكي عَلَيْهِم السَّمَاء وَلَا تستوحش لَهُم الغبراء الْوَجْه السَّابِع وَالثَّمَانُونَ ان الْقلب يَعْتَرِضهُ مرضان يتواردان عَلَيْهِ اذا استحكما فِيهِ كَانَ هَلَاكه وَمَوته وهما مرض الشَّهَوَات وَمرض الشُّبُهَات هَذَانِ اصل دَاء الْخلق الا من عافاه الله وَقد ذكر الله تَعَالَى هذَيْن المرضين فِي كِتَابه اما مرض الشُّبُهَات وَهُوَ اصعبهما واقتلهما للقلب فَفِي قَوْله فِي حق الْمُنَافِقين فِي قُلُوبهم مرض فَزَادَهُم الله مَرضا وَقَوله وليقول الَّذين فِي قُلُوبهم مرض والكافرون مَاذَا أَرَادَ الله بِهَذَا مثلا وَقَالَ تَعَالَى ﴿ليجعل مَا يلقِي الشَّيْطَان فتْنَة للَّذين فِي قُلُوبهم مرض والقاسية قُلُوبهم﴾ فَهَذِهِ ثَلَاثَة مَوَاضِع المُرَاد بِمَرَض الْقلب فِيهَا مرض الْجَهْل والشبهة واما مرض

стр. 110

الشَّهْوَة فَفِي قَوْله يانساء النَّبِي لستن كَأحد من النِّسَاء ان اتقيتن فَلَا تخضعن بالْقَوْل فيطمع الَّذِي فِي قلبه مرض أَي لَا تلن فِي الْكَلَام فيطمع الَّذِي فِي قلبه فجور وزناء قَالُوا وَالْمَرْأَة يَنْبَغِي لَهَا اذا خاطبت الاجانب ان تغلظ كَلَامهَا وتقويه وَلَا تلينه وتكسره فان ذَلِك ابعد من الرِّيبَة والطمع فِيهَا وللقلب امراض اخر من الرِّيَاء وَالْكبر وَالْعجب والحسد وَالْفَخْر وَالْخُيَلَاء وَحب الرياسة والعلو فِي الارض وَهَذَا مرض مركب من مرض الشُّبْهَة والشهوة فَإِنَّهُ لَا بُد فِيهِ من تخيل فَاسد وارادة بَاطِلَة كالعجب وَالْفَخْر وَالْخُيَلَاء وَالْكبر الْمركب من تخيل عَظمته وفضله وَإِرَادَة تَعْظِيم الْخلق لَهُ ومحمدتهم فَلَا يخرج مَرضه عَن شَهْوَة اَوْ شُبْهَة اَوْ مركب مِنْهُمَا وَهَذِه الامراض كلهَا مُتَوَلّدَة عَن الْجَهْل ودواؤها الْعلم كَمَا قَالَ النَّبِي فِي حَدِيث صَاحب الشَّجَّة الَّذِي افتوه بِالْغسْلِ فَمَاتَ قَتَلُوهُ قَتلهمْ الله الا سَأَلُوا اذ لم يعلمُوا انما شِفَاء العي السُّؤَال فَجعل العي وَهُوَ عي الْقلب عَن الْعلم وَاللِّسَان عَن النُّطْق بِهِ مَرضا وشفاؤه سُؤال الْعلمَاء فأمراض الْقُلُوب اصعب من امراض الابدان لَان غَايَة مرض الْبدن ان يُفْضِي بِصَاحِبِهِ الى الْمَوْت وَأما مرض الْقلب فيفضي بِصَاحِبِهِ الى الشَّقَاء الابدي وَلَا شِفَاء لهَذَا الْمَرَض الا بِالْعلمِ وَلِهَذَا سمى الله تَعَالَى كِتَابه شِفَاء لامراض الصُّدُور وَقَالَ تَعَالَى يَا أَيهَا النَّاس قد جاءتكم موعظة من ربكُم مِنْهُ وشفاء لما فِي الصُّدُور وَهدى وَرَحْمَة للْمُؤْمِنين وَلِهَذَا السَّبَب نِسْبَة الْعلمَاء الى الْقُلُوب كنسبة الاطباء الى الابدان وَمَا يُقَال للْعُلَمَاء اطباء الْقُلُوب فَهُوَ لقدر مَا جَامع بَينهمَا والا فالامر اعظم فان كثيرا من الامم يستغنون عَن الاطباء وَلَا يُوجد الاطباء الا فِي الْيَسِير من الْبِلَاد وَقد يعِيش الرجل عمره اَوْ بُرْهَة مِنْهُ لَا يحْتَاج الى طَبِيب واما الْعلمَاء بِاللَّه وامره فهم حَيَاة الْمَوْجُود وروحه وَلَا يسْتَغْنى عَنْهُم طرفَة عين فحاجة الْقلب الى الْعلم لَيست كالحاجة الى التنفس فِي الْهَوَاء بل اعظم وَبِالْجُمْلَةِ فالعلم للقلب مثل المَاء للسمك اذا فَقده مَاتَ فنسبة الْعلم الى الْقلب كنسبة ضوء الْعين اليها وكنسبة سمع الاذن وكنسبة كَلَام اللِّسَان اليه فَإِذا عَدمه كَانَ كَالْعَيْنِ العمياء والاذن الصماء وَاللِّسَان الاخرس وَلِهَذَا يصف سُبْحَانَهُ اهل الْجَهْل بالعمى والصم والبكم وَذَلِكَ صفة قُلُوبهم حَيْثُ فقدت الْعلم النافع فَبَقيت على عماها وصممها وبكمها قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن كَانَ فِي هَذِه أعمى فَهُوَ فِي الْآخِرَة أعمى وأضل سَبِيلا﴾ وَالْمرَاد عمى الْقلب فِي الدُّنْيَا وَقَالَ تَعَالَى ﴿ونحشرهم يَوْم الْقِيَامَة على وُجُوههم عميا وبكما وصما مأواهم جَهَنَّم﴾ لانهم هَكَذَا كَانُوا فِي الدُّنْيَا وَالْعَبْد يبْعَث على مَا مَاتَ عَلَيْهِ وَاخْتلف فِي هَذَا الْعَمى فِي الاخرة فَقيل هوعمى البصيرة بِدَلِيل اخباره تَعَالَى عَن رُؤْيَة الْكفَّار مَا فِي الْقِيَامَة ورؤية الْمَلَائِكَة ورؤية النَّار وَقيل هُوَ عمي الْبَصَر وَرجح هَذَا بَان الاطلاق ينْصَرف اليه وَبِقَوْلِهِ ﴿قَالَ رب لم حشرتني أعمى وَقد كنت بَصيرًا﴾ وَهَذَا عمي الْعين فان الْكَافِر لم يكن بَصيرًا بحجته واجاب هَؤُلَاءِ عَن رُؤْيَة الْكفَّار
следующие страницы →