← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6840

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط العلمية

ابن القيم

Полный текст (577 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ليشكروه وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَجَعَلنَا لَهُم سمعا وأبصارا وأفئدة فَمَا أغْنى عَنْهُم سمعهم وَلَا أَبْصَارهم وَلَا أفئدتهم من شَيْء﴾ وَقَالَ تَعَالَى الم نجْعَل لَهُ عينين وَلِسَانًا وشفتين وهديناه النجدين فَذكر هُنَا الْعَينَيْنِ الَّتِي يبصر بهما فَيعلم المشاهدات وَذكر هِدَايَة النجدين وهما طَرِيقا الْخَيْر وَالشَّر وَفِي ذَلِك حَدِيث مَرْفُوع ومرسل وَهُوَ قَول اكثر الْمُفَسّرين وتدل عَلَيْهِ الاية الاخرى ﴿إِنَّا هديناه السَّبِيل إِمَّا شاكرا وَإِمَّا كفورا﴾ وَالْهِدَايَة تكون بِالْقَلْبِ والسمع فقد دخل السّمع فِي ذَلِك لُزُوما وَذكر اللِّسَان والشفتين اللَّتَيْنِ هما آلَة التَّعْلِيم فَذكر الات الْعلم والتعليم وَجعلهَا من آيَاته الدَّالَّة عَلَيْهِ وعَلى قدرته ووحدانيته ونعمه الَّتِي تعرف بهَا الى عباده وَلما كَانَت هَذِه الاعضاء الثَّلَاثَة الَّتِي هِيَ اشرف الاعضاء وملوكها والمنصرفة فِيهَا والحاكمة عَلَيْهَا خصها بِالذكر فِي السُّؤَال عَنْهَا فَقَالَ إِن السّمع وَالْبَصَر والفؤاد كل اولئك كَانَ عَنهُ مسؤلا فسعادة الانسان بِصِحَّة هَذِه الاعضاء الثَّلَاثَة وشقاوته بفسادها قَالَ ابْن عَبَّاس يسْأَل الله الْعباد فِيمَا استعملوا هَذِه الثَّلَاثَة السّمع وَالْبَصَر والفؤاد وَالله تَعَالَى اعطى العَبْد السّمع ليسمع بِهِ اوامر ربه ونواهيه وعهوده وَالْقلب ليعقلها ويفقهها وَالْبَصَر ليرى آيَاته فيستدل بهَا على وحدانيته وربوبيته فالمقصود باعطائه هَذِه الالات الْعلم وثمرته وَمُقْتَضَاهُ الْوَجْه الْخَامِس والثامنون ان انواع السَّعَادَة الَّتِي تؤثرها النُّفُوس ثَلَاثَة سَعَادَة خارجية عَن ذَات الانسان بل هِيَ مستعارة لَهُ من غَيره يَزُول باسترداد الْعَارِية وَهِي سَعَادَة المَال والحياة فَبينا الْمَرْء بهَا سعيدا ملحوظا بالعناية مرموقا بالابصار إِذا اصبح فِي الْيَوْم الْوَاحِد اذل من وتد بقاع يشج رَأسه بالفهرواجي فالسعادة والفرح بِهَذِهِ كفرح الاقرع بحمة ابْن عَمه وَالْجمال بهَا كجمال الْمَرْء بثيابه وبزينته فاذا جَاوز بَصرك كسوته فَلَيْسَ وَرَاء عبادان قَرْيَة ويحكى عَن بعض الْعلمَاء انه ركب مَعَ تجار فِي مركب فَانْكَسَرت بهم السَّفِينَة فاصبحوا بعدعز الْغنى فِي ذل الْفقر وَوصل الْعَالم الى الْبَلَد فاكرم وَقصد بانواع التحف والكرامات فَلَمَّا ارادوا الرُّجُوع الى بِلَادهمْ قَالُوا لَهُ هَل لَك الى قَوْمك كتاب اَوْ حَاجَة فَقَالَ نعم تَقولُونَ لَهُم اذا اتخدتم مَالا لَا يغرق اذا انْكَسَرت السَّفِينَة فاتخذوا الْعلم تِجَارَة وَاجْتمعَ رجل ذُو هَيْئَة حَسَنَة ولباس جميل ورواء بِرَجُل عَالم فجس المخاضة فَلم ير شَيْئا فَقَالُوا كَيفَ رايته فَقَالَ رَأَيْت دَارا حَسَنَة مزخرفة وَلَكِن لَيْسَ بهَا سَاكن السَّعَادَة الثَّانِيَة سَعَادَة فِي جِسْمه وبدنه كصحته واعتدال مزاجه وتناسب اعضائه وَحسن تركيبه وصفاء لَونه وَقُوَّة اعضائه فَهَذِهِ الصق بِهِ من الاولى وَلَكِن هِيَ فِي الْحَقِيقَة خَارِجَة عَن ذَاته وَحَقِيقَته فان الْإِنْسَان انسان بِرُوحِهِ وَقَلبه لَا بجسمه وبدنه كَمَا قيل:

стр. 107

يَا خَادِم الْجِسْم كم يشقى بخدمته ... فَأَنت بِالروحِ لَا بالجسم إِنْسَان فنسبة هَذِه الى روحه وَقَلبه كنسبة ثِيَابه ولباسه الى بدنه فان الْبدن ايضا عَارِية للروح وَآلَة لَهَا ومركب من مراكبها فسعادتها بِصِحَّتِهِ وجماله وحسنة سَعَادَة خَارِجَة عَن ذَاتهَا وحقيقتها السَّعَادَة الثَّالِثَة هِيَ السَّعَادَة الْحَقِيقِيَّة وَهِي سَعَادَة نفسانية روحية قلبية وَهِي سَعَادَة الْعلم النافع ثَمَرَته فانها هِيَ الْبَاقِيَة على تقلب الاحوال والمصاحبة للْعَبد فِي جَمِيع اسفاره وَفِي دوره الثَّلَاثَة اعني دَار الدُّنْيَا وَدَار البرزخ وَدَار الْقَرار وَبهَا يترقى معارج الْفضل ودرجات الْكَمَال اما الاولى فانها تصحبه فِي الْبقْعَة الَّتِي فِيهَا مَاله وجاهه وَالثَّانيَِة تعرضه للزوال والتبدل بنكس الْخلق وَالرَّدّ الى الضعْف فَلَا سَعَادَة فِي الْحَقِيقَة الا فِي هَذِه الثَّالِثَة الَّتِي كلما طَال الامد ازدادات قُوَّة وعلوا وَإِذا عدم المَال والجاه فَهِيَ مَال العَبْد وجاهه وَتظهر قوتها وأثرها بعد مُفَارقَة الرّوح الْبدن اذا انْقَطَعت السعادتان الاوليتان وَهَذِه السَّعَادَة لَا يعرف قدرهَا وَيبْعَث على طلبَهَا الا الْعلم بهَا فَعَادَت السَّعَادَة كلهَا الى الْعلم وَمَا تقضيه وَالله يوفق من يَشَاء لَا مَانع لما اعطى وَلَا معطى لما منع وانما رغب اكثر الْخلق عَن اكْتِسَاب هَذِه السَّعَادَة وتحصيلها وعورة طريقها ومرارة مباديها وتعب تَحْصِيلهَا وانها لاتنال الا على جد من التَّعَب فانها لاتحصل الا بالجد الْمَحْض بِخِلَاف الاوليين فانهما حَظّ قد يحوزه غير طَالبه وبخت قد يحوزه غير جالبه من مِيرَاث اَوْ هبة اَوْ غير ذَلِك واما سَعَادَة الْعلم فَلَا يورثك اياها الا بذل الوسع وَصدق الطّلب وَصِحَّة النِّيَّة وَقد احسن الْقَائِل فِي ذَلِك: فَقل لمرجي معالي الامور ... بِغَيْر اجْتِهَاد رَجَوْت المحالا وَقَالَ الآخر لَوْلَا الْمَشَقَّة سَاد للنَّاس كلهم ... الْجُود يفقر والإقدام قتال وَمن طمحت همته الى الامور الْعَالِيَة فَوَاجِب عَلَيْهِ ان يشد على محبَّة اطرق الدِّينِيَّة وَهِي السَّعَادَة وان كَانَت فِي ابتدائها لَا تنفك عَن ضرب من الْمَشَقَّة والكره والتأذي وانها مَتى اكرهت النَّفس عَلَيْهَا وسيقت طَائِعَة وكارهة اليها وَصَبَرت على لاوائها وشدتها افضت مِنْهَا الى رياض مونقة ومقاعد صدق ومقام كريم تَجِد كل لَذَّة دونهَا لعب الصَّبِي بالعصفور بِالنِّسْبَةِ الى لذات الْمُلُوك فَحِينَئِذٍ حَال صَاحبهَا كَمَا قيل: وَكنت ارى ان قدتناهى بِي الْهوى ... الى غَايَة مَا بعْدهَا لي مَذْهَب

стр. 108

فَلَمَّا تلاقينا وعاينت حسنها ... تيقنت اني انما كنت العب ... فالمكارم منوطة بالمكارة والسعادة لَا يعبر اليها الا على جسر الْمَشَقَّة فَلَا تقطعمسافتها الا فِي سفينة الْجد وَالِاجْتِهَاد قَالَ مُسلم فِي صَحِيحه قَالَ يحيى بن ابي كثير لاينال الْعلم براحة الْجِسْم وَقد قيل من طلب الرَّاحَة ترك الرَّاحَة فيا وصل الحبيب اما اليه ... بِغَيْر مشقة ابدا طَرِيق وَلَوْلَا جهل الاكثرين بحلاوة هَذِه اللَّذَّة وَعظم قدرهَا لتجالدوا عَلَيْهَا بِالسُّيُوفِ وَلَكِن حفت بحجاب من المكاره وحجبوا عَنْهَا بحجاب من الْجَهْل ليختص الله لَهَا من يَشَاء من عباده وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم الْوَجْه السَّادِس وَالثَّمَانُونَ ان الله تَعَالَى خلق الموجودات وَجعل لكل شَيْء مِنْهَا كمالا يخْتَص بِهِ هُوَ غَايَة شرفه فَإِذا عدم كَمَاله انْتقل الى الرُّتْبَة الَّتِي دونه وَاسْتعْمل فِيهَا فَكَانَ اسْتِعْمَاله فِيهَا كَمَال امثاله فاذا عدم تِلْكَ ايضا نقل الى مَا دونهَا وَلَا تعطل وَهَكَذَا ابدا حَتَّى اذا عدم كل فَضِيلَة صَار كالشوك وكالحطب الَّذِي لَا يصلح الا للوقود فالفرس اذا كَانَت فِيهِ فروسيته التَّامَّة اعد لمراكب الْمُلُوك واكرم أكرام مثله فَإِذا نزل عَنْهَا قَلِيلا اعد لمن دون الْملك فَإِن ازْدَادَ تَقْصِيره فِيهَا اعد لاحاد الاجناد فان تقاصر عَنْهَا جملَة اسْتعْمل اسْتِعْمَال الْحمار اما حول الْمدَار واما لنقل الزبل وَنَحْوه فان عدم ذَلِك اسْتعْمل اسْتِعْمَال الاغنام للذبح والاعدام كَمَا يُقَال فِي الْمثل ان فرسين التقيا احدهما تَحت ملك والاخر تَحت الروايا فَقَالَ فرس الْملك اما انت صَاحِبي وَكنت انا وانت فِي مَكَان وَاحِد فَمَا الَّذِي نزل بك الى هَذِه الْمرتبَة فَقَالَ مَا ذَاك الا انك هملجت قَلِيلا ونعكست انا وَهَكَذَا السَّيْف اذا نباعما هيء لَهُ وَلم يصلح لَهُ ضرب مِنْهُ فاس اَوْ منشار وَنَحْوه وَهَكَذَا الدّور الْعِظَام الحسان اذا خرجت وتهدمت اتَّخذت حظائر للغنم اَوْ الابل وَغَيرهَا وَهَكَذَا الادمي اذا كَانَ صَالحا لاصطفاء الله لَهُ برسالته ونبوته اتَّخذهُ رَسُولا وَنَبِيًّا كَمَا قَالَ تَعَالَى الله اعْلَم حَيْثُ يَجْعَل رسَالَته فاذا كَانَ جوهره قاصرا عَن هَذِه الدرجَة صَالحا لخلافة النُّبُوَّة وميراثها رشحه لذَلِك وبلغه اياه فَإِذا كَانَ قاصرا عَن ذَلِك قَابلا لدرجة الْولَايَة رشح لَهَا وان كَانَ مِمَّن يصلح للْعَمَل وَالْعِبَادَة دون الْمعرفَة وَالْعلم جعل من اهله حَتَّى يَنْتَهِي الى دَرَجَة عُمُوم الْمُؤمنِينَ فان نقص عَن هَذِه الدرجَة وَلم تكن نَفسه قَابِلَة لشَيْء من الْخَيْر اصلا اسْتعْمل حطبا ووقودا للنار وَفِي اثر اسرائيلي ان مُوسَى سَأَلَ ربه عَن شان من يعذبهم من خلقه فَقَالَ يَا مُوسَى ازرع زرعا فزرعه فاوحى اليه ان احصده ثمَّ اوحى اليه ان أنسفه وذره فَفعل وخلص الْحبّ وَحده والعيدان والعصف وَحده فاوحى اليه اني لاجعل فِي النَّار من الْعباد من لَا خير فِيهِ بِمَنْزِلَة العيدان والشوك الَّتِي لَا يصلح الا للنار وَهَكَذَا الانسان يترقى فِي دَرَجَات الْكَمَال دَرَجَة بعد

стр. 109

دَرَجَة حَتَّى يبلغ نِهَايَة مَا يَنَالهُ امثاله مِنْهَا فكم بَين حَاله فِي اول كَونه نُطْفَة وَبَين حَاله والرب يسلم عَلَيْهِ فِي دَاره وَينظر الى وَجهه بكرَة وعشيا وَالنَّبِيّ فِي اول امْرَهْ لما جَاءَهُ الْملك فَقَالَ لَهُ اقْرَأ فَقَالَ مَا أَنا بقارئ وَفِي آخِره امْرَهْ بقول الله لَهُ الْيَوْم اكملت لكم دينكُمْ واتممت عَلَيْكُم نعمتي وَبِقَوْلِهِ لَهُ خَاصَّة وَانْزِلْ عَلَيْك الْكتاب وَالْحكمَة وعلمك مَا لم تكن تعلم وَكَانَ فضل الله عَلَيْك عَظِيما وَحكى ان جمَاعَة من النَّصَارَى تحدثُوا فِيمَا بَينهم فَقَالَ قَائِل مِنْهُم مَا أقل عقول الْمُسلمين يَزْعمُونَ ان نَبِيّهم كَانَ راعي الْغنم فَكيف يصلح راعي الْغنم للنبوة فَقَالَ لَهُ آخر من بَينهم اما هم فوَاللَّه اعقل منا فان الله بِحِكْمَتِهِ يسترعي النَّبِي الْحَيَوَان البهيم فاذا احسن رعايته وَالْقِيَام عَلَيْهِ نَقله مِنْهُ الى رِعَايَة الْحَيَوَان النَّاطِق حِكْمَة من الله وتدريجا لعَبْدِهِ وَلَكِن نَحن جِئْنَا الى مَوْلُود خرج من امْرَأَة يَأْكُل وَيشْرب ويبول ويبكي فَقُلْنَا هَذَا الهنا الَّذِي خلق السَّمَوَات والارض فامسك الْقَوْم عَنهُ فَكيف يحسن بِذِي همة قد ازاح الله عَنهُ علله وعرفه السَّعَادَة والشقاوة ان يرضى بَان يكون حَيَوَانا وَقد أمكنه ان يصير انسانا وَبَان يكون إنْسَانا وَقد امكنه ان يكون ملكا وَبِأَن يكون ملكا وَقد امكنه ان يكون ملكا فِي مقْعد صدق عِنْد مليك مقتدر فتقوم الْمَلَائِكَة فِي خدمته وَتدْخل عَلَيْهِم من كل بَاب سَلام عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنعم عَقبي الدَّار وَهَذَا الْكَمَال إِنَّمَا ينَال بِالْعلمِ ورعايته وَالْقِيَام بِمُوجبِه فَعَاد الامر الى الْعلم وثمرته وَالله تَعَالَى الْمُوفق واعظم النَّقْص واشد الْحَسْرَة نقص الْقَادِر على التَّمام وحسرته على تقويته كَمَا قَالَ بعض السّلف اذا كثرت طرق الْخَيْر كَانَ الْخَارِج مِنْهَا اشد حسرة وَصدق الْقَائِل: وَلم ار فِي عُيُوب النَّاس عَيْبا ... كنقص القادرين على التَّمام فَثَبت انه لَا شَيْء اقبح بالانسان من ان يكون غافلا عَن الْفَضَائِل الدِّينِيَّة والعلوم النافعة والاعمال الصَّالِحَة فَمن كَانَ كَذَلِك فَهُوَ من الهمج الرعاع الَّذين يكدرون المَاء ويغلون الاسعار ان عَاشَ عَاشَ غير حميد وان مَاتَ مَاتَ غير فقيد فقدهم رَاحَة للبلاد والعباد وَلَا تبْكي عَلَيْهِم السَّمَاء وَلَا تستوحش لَهُم الغبراء الْوَجْه السَّابِع وَالثَّمَانُونَ ان الْقلب يَعْتَرِضهُ مرضان يتواردان عَلَيْهِ اذا استحكما فِيهِ كَانَ هَلَاكه وَمَوته وهما مرض الشَّهَوَات وَمرض الشُّبُهَات هَذَانِ اصل دَاء الْخلق الا من عافاه الله وَقد ذكر الله تَعَالَى هذَيْن المرضين فِي كِتَابه اما مرض الشُّبُهَات وَهُوَ اصعبهما واقتلهما للقلب فَفِي قَوْله فِي حق الْمُنَافِقين فِي قُلُوبهم مرض فَزَادَهُم الله مَرضا وَقَوله وليقول الَّذين فِي قُلُوبهم مرض والكافرون مَاذَا أَرَادَ الله بِهَذَا مثلا وَقَالَ تَعَالَى ﴿ليجعل مَا يلقِي الشَّيْطَان فتْنَة للَّذين فِي قُلُوبهم مرض والقاسية قُلُوبهم﴾ فَهَذِهِ ثَلَاثَة مَوَاضِع المُرَاد بِمَرَض الْقلب فِيهَا مرض الْجَهْل والشبهة واما مرض

стр. 110

الشَّهْوَة فَفِي قَوْله يانساء النَّبِي لستن كَأحد من النِّسَاء ان اتقيتن فَلَا تخضعن بالْقَوْل فيطمع الَّذِي فِي قلبه مرض أَي لَا تلن فِي الْكَلَام فيطمع الَّذِي فِي قلبه فجور وزناء قَالُوا وَالْمَرْأَة يَنْبَغِي لَهَا اذا خاطبت الاجانب ان تغلظ كَلَامهَا وتقويه وَلَا تلينه وتكسره فان ذَلِك ابعد من الرِّيبَة والطمع فِيهَا وللقلب امراض اخر من الرِّيَاء وَالْكبر وَالْعجب والحسد وَالْفَخْر وَالْخُيَلَاء وَحب الرياسة والعلو فِي الارض وَهَذَا مرض مركب من مرض الشُّبْهَة والشهوة فَإِنَّهُ لَا بُد فِيهِ من تخيل فَاسد وارادة بَاطِلَة كالعجب وَالْفَخْر وَالْخُيَلَاء وَالْكبر الْمركب من تخيل عَظمته وفضله وَإِرَادَة تَعْظِيم الْخلق لَهُ ومحمدتهم فَلَا يخرج مَرضه عَن شَهْوَة اَوْ شُبْهَة اَوْ مركب مِنْهُمَا وَهَذِه الامراض كلهَا مُتَوَلّدَة عَن الْجَهْل ودواؤها الْعلم كَمَا قَالَ النَّبِي فِي حَدِيث صَاحب الشَّجَّة الَّذِي افتوه بِالْغسْلِ فَمَاتَ قَتَلُوهُ قَتلهمْ الله الا سَأَلُوا اذ لم يعلمُوا انما شِفَاء العي السُّؤَال فَجعل العي وَهُوَ عي الْقلب عَن الْعلم وَاللِّسَان عَن النُّطْق بِهِ مَرضا وشفاؤه سُؤال الْعلمَاء فأمراض الْقُلُوب اصعب من امراض الابدان لَان غَايَة مرض الْبدن ان يُفْضِي بِصَاحِبِهِ الى الْمَوْت وَأما مرض الْقلب فيفضي بِصَاحِبِهِ الى الشَّقَاء الابدي وَلَا شِفَاء لهَذَا الْمَرَض الا بِالْعلمِ وَلِهَذَا سمى الله تَعَالَى كِتَابه شِفَاء لامراض الصُّدُور وَقَالَ تَعَالَى يَا أَيهَا النَّاس قد جاءتكم موعظة من ربكُم مِنْهُ وشفاء لما فِي الصُّدُور وَهدى وَرَحْمَة للْمُؤْمِنين وَلِهَذَا السَّبَب نِسْبَة الْعلمَاء الى الْقُلُوب كنسبة الاطباء الى الابدان وَمَا يُقَال للْعُلَمَاء اطباء الْقُلُوب فَهُوَ لقدر مَا جَامع بَينهمَا والا فالامر اعظم فان كثيرا من الامم يستغنون عَن الاطباء وَلَا يُوجد الاطباء الا فِي الْيَسِير من الْبِلَاد وَقد يعِيش الرجل عمره اَوْ بُرْهَة مِنْهُ لَا يحْتَاج الى طَبِيب واما الْعلمَاء بِاللَّه وامره فهم حَيَاة الْمَوْجُود وروحه وَلَا يسْتَغْنى عَنْهُم طرفَة عين فحاجة الْقلب الى الْعلم لَيست كالحاجة الى التنفس فِي الْهَوَاء بل اعظم وَبِالْجُمْلَةِ فالعلم للقلب مثل المَاء للسمك اذا فَقده مَاتَ فنسبة الْعلم الى الْقلب كنسبة ضوء الْعين اليها وكنسبة سمع الاذن وكنسبة كَلَام اللِّسَان اليه فَإِذا عَدمه كَانَ كَالْعَيْنِ العمياء والاذن الصماء وَاللِّسَان الاخرس وَلِهَذَا يصف سُبْحَانَهُ اهل الْجَهْل بالعمى والصم والبكم وَذَلِكَ صفة قُلُوبهم حَيْثُ فقدت الْعلم النافع فَبَقيت على عماها وصممها وبكمها قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن كَانَ فِي هَذِه أعمى فَهُوَ فِي الْآخِرَة أعمى وأضل سَبِيلا﴾ وَالْمرَاد عمى الْقلب فِي الدُّنْيَا وَقَالَ تَعَالَى ﴿ونحشرهم يَوْم الْقِيَامَة على وُجُوههم عميا وبكما وصما مأواهم جَهَنَّم﴾ لانهم هَكَذَا كَانُوا فِي الدُّنْيَا وَالْعَبْد يبْعَث على مَا مَاتَ عَلَيْهِ وَاخْتلف فِي هَذَا الْعَمى فِي الاخرة فَقيل هوعمى البصيرة بِدَلِيل اخباره تَعَالَى عَن رُؤْيَة الْكفَّار مَا فِي الْقِيَامَة ورؤية الْمَلَائِكَة ورؤية النَّار وَقيل هُوَ عمي الْبَصَر وَرجح هَذَا بَان الاطلاق ينْصَرف اليه وَبِقَوْلِهِ ﴿قَالَ رب لم حشرتني أعمى وَقد كنت بَصيرًا﴾ وَهَذَا عمي الْعين فان الْكَافِر لم يكن بَصيرًا بحجته واجاب هَؤُلَاءِ عَن رُؤْيَة الْكفَّار

стр. 111

فِي الْقِيَامَة بِأَن الله يخرجهم من قُبُورهم الى موقف الْقِيَامَة بصراء ويحشرون من الْموقف الى النَّار عميا قَالَه الْفراء وَغَيره الْوَجْه الثَّامِن وَالثَّمَانُونَ ان الله سُبْحَانَهُ بِحِكْمَتِهِ سلط على العَبْد عدوا عَالما بطرق هَلَاكه واسباب الشَّرّ الَّذِي يلقيه فِيهِ متفننا فِيهَا خَبِيرا بهَا حَرِيصًا عَلَيْهَا لايفتر يقظة وَلَا مناما وَلَا بُد لَهُ من وَاحِدَة من سِتّ ينالها مِنْهُ احدها وَهِي غَايَة مُرَاده مِنْهُ ان يحول بَينه وَبَين الْعلم والايمان فيلقيه فِي الْكفْر فَإِذا ظفر بذلك فرغ مِنْهُ واستراح فان فَاتَتْهُ هَذِه وَهدى للاسلام حرص على تلو الْكفْر وَهِي الْبِدْعَة وَهِي احب اليه من الْمعْصِيَة فان الْمعْصِيَة يُتَاب مِنْهَا والبدعة لَا يُتَاب مِنْهَا لَان صَاحبهَا يرى انه على هدى وَفِي بعض الاثار يَقُول ابليس اهلكت بني آدم بِالذنُوبِ واهلكوني بالاستغفار وَبلا اله الا الله فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِك بثثت فيهم الاهواء فهم يذنبون وَلَا يتوبون لانهم يحسبون انهم يحسنون صنعا فاذا ظفر مِنْهُ بِهَذِهِ صيره من رعاته وامرائه فان اعجزته شغله بِالْعَمَلِ الْمَفْضُول عَمَّا هُوَ افضل مِنْهُ ليرتج عَلَيْهِ الَّذِي بَينهمَا وَهِي الْخَامِسَة فان اعجزه ذَلِك صَار الى السَّادِسَة وَهِي تسليط حزبه عَلَيْهِ يؤذونه ويشتمونه ويبهتونه ويرمونه بالعظائم ليحزنه ويشغل قلبه عَن الْعلم والارادة وَسَائِر اعماله فَكيف يُمكن ان يحْتَرز مِنْهُ من لَا علم لَهُ بِهَذِهِ الامور وَلَا بعدوه وَلَا بِمَا يحصنه مِنْهُ فانه لَا ينجو من عدوه الا من عرفه وَعرف طَرِيقه الَّتِي يَأْتِيهِ مِنْهَا وجيشه الَّذِي يَسْتَعِين بِهِ عَلَيْهِ وَعرفت دَاخله ومخارجه وَكَيْفِيَّة محاربته وَبِأَيِّ شَيْء يحاربه وبماذا يداوى جراحته وَبِأَيِّ شَيْء يستمد الْقُوَّة لقتاله وَدفعه وَهَذَا كُله لَا يحصل الا بِالْعلمِ فالجاهل فِي غَفلَة وعمى عَن هَذَا الامر الْعَظِيم والخطب الجسيم وَلِهَذَا جَاءَ ذكر الْعَدو وشأنه وَجُنُوده ومكايده فِي الْقُرْآن كثيرا جدا لحَاجَة النُّفُوس الى معرفَة عدوها وطرق محاربته ومجاهدته فلولا ان الْعلم يكْشف عَن هَذَا لما نجا من نجا مِنْهُ فالعلم هُوَ الَّذِي تحصل بِهِ النجَاة الْوَجْه التَّاسِع وَالثَّمَانُونَ ان اعظم الاسباب الَّتِي يحرم بهَا العَبْد خير الدُّنْيَا والاخرة وَلَذَّة النَّعيم فِي الدَّاريْنِ وَيدخل عَلَيْهِ عَدو مِنْهَا هُوَ الْغَفْلَة المضادة للْعلم والكسل المضاد للارادة والعزيمة هَذَانِ اصل بلَاء العَبْد وحرمانه منَازِل السُّعَدَاء وهما من عدم الْعلم اما الْغَفْلَة فمضادة للْعلم مُنَافِيَة لَهُ وَقد ذمّ سُبْحَانَهُ اهلها وَنهى عَن الْكَوْن مِنْهُم وَعَن طاعتهم وَالْقَبُول مِنْهُم قَالَ تَعَالَى ولاتكن من الغافلين وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تُطِع من أَغْفَلنَا قلبه عَن ذكرنَا﴾ وَقَالَ تَعَالَى وَلَقَد ذرأنا لِجَهَنَّم كثيرا من الْجِنّ والانس لَهُم قُلُوب لَا يفقهُونَ بهَا وَلَهُم اعين لَا يبصرون بهَا وَلَهُم آذان لَا يسمعُونَ بهَا اولئك كالانعام بل هم اضل واولئك هم الغافلون وَقَالَ النَّبِي فِي وَصيته لِنسَاء الْمُؤمنِينَ لَا تغفلن فتنسين الرَّحْمَة وَسُئِلَ بعض الْعلمَاء عَن عشق الصُّور فَقَالَ قُلُوب غفلت عَن ذكر الله فابتلاها الله بعبودية غَيره فالقلب الغافل مأوى

стр. 112

الشَّيْطَان فانه وسواس خناس قد الْتَقم قلب الغافل يقْرَأ عَلَيْهِ انواع الوساوس والخيالات الْبَاطِلَة فاذا تذكر وَذكر الله انجمع وانضم وخنس وتضاءل لذكر الله فَهُوَ دَائِما بَين الوسوسة والخنس وَقَالَ عُرْوَة بن رُوَيْم ان الْمَسِيح سَأَلَ ربه ان يرِيه مَوضِع الشَّيْطَان من ابْن آدم فَجلى لَهُ فاذا رَأسه راس الْحَيَّة وَاضع راسه على ثَمَرَة الْقلب فَإِذا ذكر العَبْد ربه خنس وَإِذا لم يذكر وضع رَأسه على ثَمَرَة قلبه فمناه وحدثه وَقد روى فِي هَذَا الْمَعْنى حَدِيث مَرْفُوع فَهُوَ دَائِما يترقب غَفلَة العَبْد فيبذر فِي قلبه بذر الاماني والشهوات والخيالات الْبَاطِلَة فيثمر كل حنظل وكل شوك وكل بلَاء وَلَا يزَال يمده بسقيه حَتَّى يغطى الْقلب ويعميه واما الكسل فيتولد عَنهُ الاضاعة والتفريط والحرمان واشد الندامة وَهُوَ منَاف لاراده والعزيمة الَّتِي هِيَ ثَمَرَة الْعلم فان من علم ان كَمَاله ونعيمه فِي شَيْء طلبه بِجهْدِهِ وعزم عَلَيْهِ بِقَلْبِه كُله فَإِن كل اُحْدُ يسْعَى فِي تَكْمِيل نَفسه ولذته وَلَكِن اكثرهم اخطأ الطَّرِيق لعدم علمه بِمَا يَنْبَغِي ان يَطْلُبهُ فالارادة مسبوقة بِالْعلمِ والتصور فتخلفها فِي الْغَالِب إِنَّمَا يكون لتخلف الْعلم والادراك وَإِلَّا فَمَعَ الْعلم التَّام بَان سَعَادَة العَبْد فِي هَذَا الْمطلب ونجاته وفوزه كَيفَ يلْحقهُ كسل فِي النهوض اليه وَلِهَذَا استعاذ النَّبِي من الكسل فَفِي الصَّحِيح عَنهُ انه كَانَ يَقُول اللَّهُمَّ اني اعوذ بك من الْهم والحزن وَالْعجز والكسل والجبن وَالْبخل وضلع الدّين وَغَلَبَة الرِّجَال فاستعاذ من ثَمَانِيَة اشياء كل شَيْئَيْنِ مِنْهَا قرينان وَالْفرق بَينهمَا ان الْمَكْرُوه الْوَارِد على الْقلب اما ان يكون على مَا مضى اَوْ لما يسْتَقْبل فالاول هُوَ الْحزن وَالثَّانِي الْهم وان شِئْت قلت الْحزن على الْمَكْرُوه الَّذِي فَاتَ وَلَا يتَوَقَّع دَفعه والهم على الْمَكْرُوه المنتظر الَّذِي يتَوَقَّع دَفعه وتأمله وَالْعجز والكسل قرينان فان تخلف مصلحَة العَبْد وكماله ولذته وسروره عَنهُ اما ان يكون مصدره عدم الْقُدْرَة فَهُوَ الْعَجز اَوْ يكون قارا عَلَيْهِ لَكِن تخلف لعدم إِرَادَته فَهُوَ الكسل وَصَاحبه يلام عيه مَالا يلام على الْعَجز وَقد يكون الْعَجز ثَمَرَة الكسل فيلام عَلَيْهِ ايضا فكثيرا مَا يكسل الْمَرْء عَن الشَّيْء الَّذِي هُوَ قَادر عَلَيْهِ وتضعف عَنهُ ارادته فيفضي بِهِ الى الْعَجز عَنهُ وَهَذَا هُوَ الْعَجز الَّذِي يلوم الله عَلَيْهِ فِي قَول النَّبِي ان الله يلوم على الْعَجز وَإِلَّا فالعجز الَّذِي لم تخلق لَهُ قدرَة على دَفعه وَلَا يدْخل معجوزه تَحت الْقُدْرَة لَا يلام عَلَيْهِ قَالَ بعض الْحُكَمَاء فِي وَصيته إياك والكسل والضجر فان الكسل لَا ينْهض لمكرمة والضجر إِذا نَهَضَ اليها لَا يصبر عَلَيْهَا والضجر متولدعن الكسل وَالْعجز فَلم يفرده فِي الحَدِيث بِلَفْظ ثمَّ ذكر الْجُبْن وَالْبخل فان الاحسان المتوقع من العَبْد اما بِمَالِه واما بِبدنِهِ فالبخيل مَانع لنفع مَاله والجبان مَانع لنفع بدنه الْمَشْهُور عِنْد النَّاس ان الْبُخْل مُسْتَلْزم الْجُبْن من غير عكس لَان من بخل بِمَالِه فَهُوَ بِنَفسِهِ ابخل والشجاعة تَسْتَلْزِم الْكَرم من غير عكس لَان من جاد بِنَفسِهِ فَهُوَ بِمَالِه اسمح واجود وَهَذَا الَّذِي

стр. 113

قَالُوهُ لَيْسَ بِلَازِم اكثره فان الشجَاعَة وَالْكَرم واضدادها اخلاق وغرائز قد تجمع فِي الرجل وَقد يعْطى بَعْضهَا دون بعض وَقد شَاهد النَّاس من اهل الاقدام والشجاعة والبأس من هُوَ ابخل النَّاس وَهَذَا كثيرا مَا يُوجد فِي امة التّرْك يكون اشجع من لَيْث وابخل من كلب فالرجل قد يسمح بِنَفسِهِ ويضن بِمَالِه وَلِهَذَا يُقَاتل عَلَيْهِ حَتَّى يقتل فَيبْدَأ بِنَفسِهِ دونه فَمن النَّاس من يسمح بِنَفسِهِ وَمَاله وَمِنْهُم من يبخل بِنَفسِهِ وَمِنْهُم من يسمح بِمَالِه وَيبْخَل بِنَفسِهِ وَعَكسه والاقسام الاربعة مَوْجُودَة فِي النَّاس ثمَّ ذكر ضلع الدّين وَغَلَبَة الرِّجَال فان الْقَهْر الَّذِي ينَال العَبْد نَوْعَانِ احدهما قهر بِحَق وَهُوَ ضلع الدّين وَالثَّانِي قهر بباطل وَهُوَ غَلَبَة الرِّجَال فصلوات الله وَسَلَامه على من اوتي جَوَامِع الْكَلم واقتبست كنوز الْعلم وَالْحكمَة من الفاظة وَالْمَقْصُود ان الْغَفْلَة والكسل اللَّذين هما اصل الحرمان سببهما عدم الْعلم فَعَاد النَّقْص كُله الى عدم الْعلم والعزيمة والكمال كُله الى الْعلم والعزيمة وَالنَّاس فِي هَذَا على اربعة اضْرِب الضَّرْب الاول من رزق علما واعين على ذَلِك بِقُوَّة الْعَزِيمَة على الْعَمَل وَهَذَا الضَّرْب خُلَاصَة الْخلق وهم الموصوفون فِي الْقُرْآن بقوله الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَقَوله اولى الايدي والابصار وَبِقَوْلِهِ افمن كَانَ مَيتا فاحييناه وَجَعَلنَا لَهُ نورا يمشي بِهِ فِي النَّاس كمن مثله فِي الظُّلُمَات لَيْسَ بِخَارِج مِنْهَا فبالحياة تنَال الْعَزِيمَة وبالنور ينَال الْعلم وأئمة هَذَا الضَّرْب هم اولو الْعَزْم من الرُّسُل الضَّرْب الثَّانِي من حرم هَذَا وَهَذَا وهم الموصوفون بقوله إِن شَرّ الدَّوَابّ عِنْد الله الصم الْبكم الَّذين لايعقلون وَبِقَوْلِهِ ام تحسب ان اكثرهم يسمعُونَ اَوْ يعْقلُونَ ان هم الا كالانعام بل هم اضلوا سَبِيلا وَبِقَوْلِهِ انك لَا تسمع الْمَوْتَى وَلَا تسمع الصم الدُّعَاء وَقَوله ﴿وَمَا أَنْت بمسمع من فِي الْقُبُور﴾ وَهَذَا الصِّنْف شَرّ الْبَريَّة يضيقون الديار ويغلون الاسعار وَعند انفسهم انهم يعلمُونَ وَلَكِن ظَاهرا من الْحَيَاة الدُّنْيَا وهم عَن الاخرة هم غافلون ويعلمون وَلَكِن مَا يضرهم وَلَا يَنْفَعهُمْ وينطقون وَلَكِن عَن الْهوى ينطقون ويتكلمون وَلَكِن بِالْجَهْلِ يَتَكَلَّمُونَ ويؤمنون وَلَكِن بالجبت والطاغوت ويعبدون وَلَكِن يعْبدُونَ من دون الله مَالا يضرهم وَلَا يَنْفَعهُمْ ويجادلون وَلَكِن بِالْبَاطِلِ ليدحضوا بِهِ الْحق ويتفكرون ويبيتون وَلَكِن مَالا يرضى من القَوْل يبيتُونَ وَيدعونَ وَلَكِن مَعَ الله الها آخر يدعونَ ويذكرون وَلَكِن إِذا ذكرُوا لَا يذكرُونَ وَيصلونَ وَلَكنهُمْ من الْمُصَلِّين الَّذين هم عَن صلَاتهم ساهون الَّذين هم يراؤن وَيمْنَعُونَ الماعون ويحكمون وَلَكِن حكم الْجَاهِلِيَّة يَبْغُونَ ويكتبون وَلَكِن يَكْتُبُونَ الْكتاب بِأَيْدِيهِم ثمَّ يَقُولُونَ هَذَا من عِنْد الله ليشتروا بِهِ ثمنا قَلِيلا فويل لَهُم مِمَّا كتبت ايديهم وويل لَهُم مِمَّا يسكبون وَيَقُولُونَ إِنَّمَا نَحن مصلحون أَلا انهم هم المفسدون وَلَكِن لَا يَشْعُرُونَ فَهَذَا الضَّرْب نَاس بالصورة وشياطين بِالْحَقِيقَةِ وجلهم إِذا فَكرت فهم حمير اَوْ كلاب اَوْ ذئاب وَصدق البحتري فِي قَوْله:

стр. 114

لم يبْق من جلّ هَذَا النَّاس بَاقِيَة ... ينالها الْوَهم الا هَذِه الصُّور وَقَالَ الاخر لَا تخدعنك اللحاء والصور ... تِسْعَة اعشار من ترى بقر فِي شجر السدر مِنْهُم مثل ... لَهَا رواء وَمَا لَهَا ثَمَر واحسن من هَذَا كُله قَوْله تَعَالَى وَإِذا رَأَيْتهمْ تعجبك اجسامهم وان يَقُولُوا تسمع لقَولهم كَأَنَّهُمْ خشب مُسندَة عالمهم كَمَا قيل فِيهِ: زوامل للأسفار لَا علم عِنْدهم ... يجيدها الا كعلم الاباعر لعمرك مَا يدْرِي الْبَعِير إِذا غَدا ... باوساقه اَوْ رَاح مَا فِي الغرائر واحسن من هَذَا وابلغ واوجز وافصح قَوْله تَعَالَى كَمثل الْحمار يحمل اسفارا بئس مثل الْقَوْم الَّذين كذبُوا بآيَات الله وَالله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين الضَّرْب الثَّالِث من فتح لَهُ بَاب الْعلم وأغلق عَنهُ بَاب الْعَزْم وَالْعَمَل فَهَذَا فِي رُتْبَة الْجَاهِل اَوْ شَرّ مِنْهُ وَفِي الحَدِيث الْمَرْفُوع اشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة عَالم لم يَنْفَعهُ الله بِعِلْمِهِ ثبته ابو نعيم وَغَيره فَهَذَا جَهله كَانَ خيرا لَهُ واخف لعذابه من كمله فَمَا زَاده الْعلم إِلَّا وبالا وَعَذَابًا وَهَذَا لَا مطمع فِي صَلَاحه فَإِن التائه عَن الطَّرِيق يُرْجَى لَهُ الْعود اليها إِذا ابصرها فَإِذا عرفهَا وحاد عَنْهَا عمدا فَمَتَى ترجى هدايته قَالَ تَعَالَى كَيفَ يهدي الله قوما كفرُوا بعد إِيمَانهم وشهدوا ان الرَّسُول حق وجاءهم الْبَينَات وَالله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين الضَّرْب الرَّابِع من رزق حظا من الْعَزِيمَة والارادة وَلَكِن قل نصِيبه من الْعلم والمعرفة فَهَذَا اذا وفْق لَهُ الِاقْتِدَاء بداع من دعاة الله وَرَسُوله كَانَ من الَّذين قَالَ الله فيهم ﴿وَمن يطع الله وَالرَّسُول فَأُولَئِك مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا ذَلِك الْفضل من الله وَكفى بِاللَّه عليما﴾ رزقنا الله من فَضله وَلَا احرمنا بِسوء اعمالنا انه غَفُور رَحِيم الْوَجْه التِّسْعُونَ ان كل صفة مدح الله بهَا العَبْد فِي الْقُرْآن فَهِيَ ثَمَرَة الْعلم ونتيجته وكل ذمّ ذمه فَهُوَ ثَمَرَة الْجَهْل ونتيجته فمدحه بالايمان وَهُوَ راس الْعلم ولبه ومدحه بِالْعَمَلِ الصَّالح الَّذِي هُوَ ثَمَرَة الْعلم النافع ومدحه بالشكر وَالصَّبْر والمسارعة فِي الْخيرَات وَالْحب لَهُ وَالْخَوْف مِنْهُ والرجاء والانابة والحلم وَالْوَقار واللب وَالْعقل والعفة وَالْكَرم والايثار على النَّفس والنصيحة لِعِبَادِهِ وَالرَّحْمَة بهم والرأفة وخفض الْجنَاح وَالْعَفو عَن مسيئهم والصفح عَن جانبهم وبذل الاحسان لكافتهم وَدفع السَّيئَة بِالْحَسَنَة والامر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَالصَّبْر فِي مَوَاطِن الصَّبْر وَالرِّضَا بِالْقضَاءِ واللين للأولياء والشدة على الاعداء والصدق فِي الْوَعْد وَالْوَفَاء بالعهد والاعراض

стр. 115

عَن الْجَاهِلين وَالْقَبُول من الناصحين وَالْيَقِين والتوكل والطمأنينة والسكينة والتواصل والتعاطف وَالْعدْل فِي الاقوال والافعال والاخلاق وَالْقُوَّة فِي امْرَهْ والبصيرة فِي دينه وَالْقِيَام بأَدَاء حَقه واستخراجه من المانعين لَهُ والدعوة اليه وَإِلَى مرضاته وجنته والتحذير عَن سبل اهل الضلال وتبيين طرق الغي وَحَال سالكيها والتواصي بِالْحَقِّ والتواصي بِالصبرِ والحض على طَعَام الْمِسْكِين وبر الْوَالِدين وصلَة الارحام وبذل السَّلَام لكافة الْمُؤمنِينَ الى سَائِر الاخلاق المحمودة والافعال المرضية الَّتِي اقْسمْ الله سُبْحَانَهُ على عظمها فَقَالَ تَعَالَى ﴿ن والقلم وَمَا يسطرون مَا أَنْت بِنِعْمَة رَبك بمجنون وَإِن لَك لأجرا غير ممنون وَإنَّك لعلى خلق عَظِيم﴾ قَالَت عَائِشَة رضى الله عَنْهَا وَقد سُئِلت عَن خلق رَسُول الله فَقَالَت كَانَ خلقه الْقُرْآن فَاكْتفى بذلك السَّائِل وَقَالَ فهمت ان اقوم وَلَا أسَال عَن شَيْء بعْدهَا فَهَذِهِ الاخلاق وَنَحْوهَا هِيَ ثَمَرَة شَجَرَة الْعلم واما شَجَرَة الْجَهْل فتثمر كل ثَمَرَة قبيحة من الْكفْر وَالْفساد والشرك وَالظُّلم وَالْبَغي والعدوان والجزع والهلع والكنود والعجلة والطيش والحدة وَالْفُحْش وَالْبذَاء وَالشح وَالْبخل وَلِهَذَا قيل فِي حد الْبُخْل جهل مقرون بِسوء الظَّن وَمن ثَمَرَته الْغِشّ لِلْخلقِ وَالْكبر عَلَيْهِم وَالْفَخْر وَالْخُيَلَاء وَالْعجب والرياء والسمعة والنفاق وَالْكذب واخلاف الْوَعْد والغلظة على النَّاس والانتقام ومقابلة الْحَسَنَة بِالسَّيِّئَةِ والامر بالمنكر وَالنَّهْي عَن الْمَعْرُوف وَترك الْقبُول من الناصحين وَحب غير الله ورجائه والتوكل عَلَيْهِ وإيثار رِضَاهُ على رضَا الله وَتَقْدِيم امْرَهْ على امْر الله والتماوت عِنْد حق الله والوثوق بِمَا عِنْد حق نَفسه وَالْغَضَب لَهَا والانتصار لَهَا فَإِذا انتهكت حُقُوق نَفسه لم يقم لغضبه شَيْء حَتَّى ينْتَقم بِأَكْثَرَ من حَقه وَإِذا انتهكت محارم الله لم ينبض لَهُ عرق غَضبا لله فَلَا قُوَّة فِي امْرَهْ وَلَا بَصِيرَة فِي دينه وَمن ثَمَرَتهَا الدعْوَة الى سَبِيل الشَّيْطَان وَإِلَى سلوك طرق الْبَغي وَاتِّبَاع الْهوى وايثار الشَّهَوَات على الطَّاعَات وَقيل وَقَالَ وَكَثْرَة السُّؤَال وإضاعة المَال ووأد الْبَنَات وعقوق الامهات وَقَطِيعَة الارحام وإساءة الْجوَار وركوب مركب الخزي والعار وبالحملة فالخير بمجموعه ثَمَر يجتنى من شَجَرَة الْعلم وَالشَّر بمجموعه شوك يجتنى من شَجَرَة الْجَهْل فَلَو ظَهرت صُورَة الْعلم للأبصار لزاد حسنها على صُورَة الشَّمْس وَالْقَمَر وَلَو ظَهرت صُورَة الْجَهْل لَكَانَ منظرها اقبح منظر بل كل خير فِي الْعَالم فَهُوَ من آثَار الْعلم الَّذِي جَاءَت بِهِ الرُّسُل ومسبب عَنهُ وَكَذَلِكَ كل خير يكون الى قيام السَّاعَة وَبعدهَا فِي الْقِيَامَة وكل شَرّ وَفَسَاد حصل فِي الْعَالم وَيحصل الى قيام السَّاعَة وَبعدهَا فِي الْقِيَامَة فسببه مُخَالفَة مَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل فِي الْعلم وَالْعَمَل وَلَو لم يكن للْعلم اب ومرب وسائس ووزير الا الْعقل الَّذِي بِهِ عمَارَة الدَّاريْنِ وَهُوَ الَّذِي ارشد الى طَاعَة الرُّسُل وَسلم

стр. 116

الْقلب والجوارح وَنَفسه اليهم وانقاد لحكمه وعزل نَفسه وَسلم الامر الى اهله لكفى بِهِ شرفا وفضلا وَقد مدح الله سُبْحَانَهُ الْعقل وَأَهله فِي كِتَابه فِي مَوَاضِع كَثِيرَة مِنْهُ وذم من لَا عقل لَهُ وَأخْبر انهم اهل النَّار الَّذين لَا سمع لَهُم وَلَا عقل فَهُوَ آلَة كل علم وميزانه الَّذِي بِهِ يعرف صَحِيحه من سقيمه وراجحه من مرجوحه والمرآة الَّتِي يعرف بهَا الْحسن من الْقَبِيح وَقد قيل الْعقل ملك وَالْبدن روحه وحواسه وحركاته كلهَا رعية لَهُ فَإِذا ضعف عَن الْقيام عَلَيْهَا وتعهدها وصل الْخلَل اليها كلهَا وَلِهَذَا قيل من لم يكن عقله اغلب خِصَال الْخَيْر عَلَيْهِ كَانَ حتفه فِي أغلب خِصَال الشَّرّ عَلَيْهِ وروى انه لما هَبَط آدم من الْجنَّة اتاه جِبْرِيل فَقَالَ ان الله احضرك الْعقل وَالدّين وَالْحيَاء لتختار وَاحِدًا مِنْهَا فَقَالَ اخذت الْعقل فَقَالَ الدّين وَالْحيَاء امرنا ان لَا نفارق الْعقل حَيْثُ كَانَ فانحاز اليه وَالْعقل عقلان عقل غريزة وَهُوَ اب الْعلم ومربيه ومتمره وعقل مكتسب مُسْتَفَاد وَهُوَ ولد الْعلم وثمرته ونتيجته فَإِذا اجْتمعَا فِي العَبْد فَذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء واستقام لَهُ امْرَهْ واقبلت عَلَيْهِ جيوش السَّعَادَة من كل جَانب وَإِذا فقد احدهما فالحيوان البهيم احسن حَالا مِنْهُ واذا انْفَرد انْتقصَ الرجل بِنُقْصَان احدهما وَمن النَّاس من يرجح صَاحب الْعقل الغريزي وَمِنْهُم من يرجح صَاحب الْعقل المكتسب وَالتَّحْقِيق ان صَاحب الْعقل الغريزي الَّذِي لَا علم وَلَا تجربة عِنْده آفته الَّتِي يُؤْتى مِنْهُ الاحجام وَترك انتهاز الفرصة لَان عقله يعقله عَن انتهاز الفرصة لعدم علمه بهَا وَصَاحب الْعقل المكتسب يُؤْتى من الاقدام فان علمه بالفرص وطرقها يلقيه على الْمُبَادرَة اليها وعقله الغريزي لَا يُطيق رده عَنهُ فَهُوَ غَالِبا يُؤْتى من إقدامه والاول من احجامه فَإِذا رزق الْعقل الغريزي عقلا ايمانيا مستفادا من مشكاة النُّبُوَّة لَا عقلا معيشيا نفاقيا يظنّ اربابه انهم على شَيْء الا انهم هم الْكَاذِبُونَ فانهم يرَوْنَ الْعقل ان يرْضوا النَّاس على طبقاتهم ويسالموهم ويستجلبوا مَوَدَّتهمْ ومحبتهم وَهَذَا مَعَ انه لَا سَبِيل اليه فَهُوَ ايثار للراحة والدعة وَمؤنَة الاذى فِي الله والموالاة فِيهِ والمعاداة فِيهِ وَهُوَ وان كَانَ اسْلَمْ عاجلة فَهُوَ الهلك فِي الاجلة فَإِنَّهُ مَا ذاق طعم الايمان من لم يوال فِي الله ويعاد فِيهِ فالعقل كل الْعقل مَا اوصل الى رضَا الله وَرَسُوله وَالله الْمُوفق الْمعِين وَفِي حَدِيث مَرْفُوع ذكره ابْن عبد البر وَغَيره اوحى الله الى نَبِي من انبياء بني اسرائيل قل لفُلَان العابد اما زهدك فِي الدُّنْيَا فقد تعجلت بِهِ الرَّاحَة واما انقطاعك الي فقد اكْتسبت بِهِ الْعِزّ فَمَا عملت فِيمَا لي عَلَيْك قَالَ وَمَا لَك على قَالَ هَل واليت فِي وليا اَوْ عاديت فِي عدوا وَذكر ايضا انه اوحى الله الى جِبْرِيل ان اخسف بقرية كَذَا وَكَذَا قَالَ يَا رب ان فيهم فلَانا العابد قَالَ بِهِ فابدأ انه لم يتمعر وَجهه فِي يَوْمًا قطّ الْوَجْه الْحَادِي وَالتِّسْعُونَ حَدِيث ابْن عمر عَن النَّبِي اذا مررتم برياض الْجنَّة فارتعوا قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا رياض الْجنَّة قَالَ

стр. 117

حلق الذّكر فَإِن لله سيارات من الْمَلَائِكَة يطْلبُونَ حلق الذّكر فاذا اتوا عَلَيْهِم صفوا بهم قَالَ عَطاء مجَالِس الذّكر مجَالِس الْحَلَال وَالْحرَام كَيفَ يشترى وَيبِيع ويصوم وَيُصلي وَيتَصَدَّق وينكح وَيُطلق ويحج ذكره الْخَطِيب فِي كتاب الْفَقِيه والمتفقه وَقد تقدم بَيَانه الْوَجْه الثَّانِي وَالتِّسْعُونَ مَا رَوَاهُ الْخَطِيب ايضا عَن ابْن عمر يرفعهُ مجْلِس فقه خير من عبَادَة سِتِّينَ سنة وَفِي رَفعه نظر الْوَجْه الثَّالِث وَالتِّسْعُونَ مَا رَوَاهُ ايضا من حَدِيث عبد الرحمن بن عَوْف يرفعهُ يسير الْفِقْه خير من كثير من الْعِبَادَة وَلَا يثبت رَفعه الْوَجْه الرَّابِع وَالتِّسْعُونَ مَا رَوَاهُ ايضا من حَدِيث انس يرفعهُ فَقِيه افضل عِنْد الله من ألف عَابِد وَهُوَ فِي التِّرْمِذِيّ من حَدِيث روح ابْن جنَاح عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا وَفِي ثبوتهما مرفوعين نظر وَالظَّاهِر ان هَذَا من كَلَام الصَّحَابَة فَمن دونهم الْوَجْه الْخَامِس وَالتِّسْعُونَ مَا رَوَاهُ ايضا عَن ابْن عمر يرفعهُ افضل الْعِبَادَة الْفِقْه الْوَجْه السَّادِس وَالتِّسْعُونَ مَا رَوَاهُ ايضا من حَدِيث نَافِع عَن ابْن عمر يرفعهُ مَا عبد الله بِشَيْء افضل من فقه فِي دين الْوَجْه السَّابِع وَالتِّسْعُونَ مَا رَوَاهُ عَن عَليّ انه قَالَ الْعَالم اعظم اجرا من الصَّائِم الْقَائِم الْغَازِي فِي سَبِيل الله الْوَجْه الثَّامِن وَالتِّسْعُونَ مَا رَوَاهُ المخلص عَن صاعد حَدثنَا الْقَاسِم بن الْفضل بن بزيع حَدثنَا حجاج بن نصير حَدثنَا هِلَال بن عبد الرحمن الْجعْفِيّ عَن عَطاء بن أبي مَيْمُونَة عَن ابي هُرَيْرَة وَأبي ذرأنهما قَالَا بَاب من الْعلم يتعلمه احب الينا من الف رَكْعَة تَطَوّعا وَبَاب من الْعلم نعلمهُ عمل بِهِ اَوْ لم يعْمل احب الينا من مائَة رَكْعَة تَطَوّعا وَقَالا سمعنَا رَسُول الله يَقُول إِذا جَاءَ الْمَوْت طَالب الْعَالم وَهُوَ على هَذِه الْحَال مَاتَ شَهِيدا وَرَوَاهُ ابْن ابي دَاوُد عَن شَاذان عَن حجاج بِهِ قلت وَشَاهده مَا مر من حَدِيث التِّرْمِذِيّ عَن انس يرفعهُ من خرج فِي طلب الْعلم فَهُوَ فِي سَبِيل الله حَتَّى يرجع الْوَجْه التَّاسِع وَالتِّسْعُونَ مَا رَوَاهُ الْخَطِيب ايضا عَن ابي هُرَيْرَة قَالَ لَان اعْلَم بَابا من الْعلم فِي أَمر اَوْ نهي احب الي من سبعين غَزْوَة فِي سَبِيل الله وَهَذَا ان صَحَّ فَمَعْنَاه احب الي من سبعين غَزْوَة بِلَا علم لَان الْعَمَل بِلَا علم فَسَاده اكثر من صَلَاحه اَوْ يُرِيد علما يتعلمه ويعلمه فَيكون لَهُ اجْرِ من عمل بِهِ الى يَوْم الْقِيَامَة وَهَذَا لَا يحصل فِي الْغَزْو الْمُجَرّد الْوَجْه الْمِائَة مَا رَوَاهُ الْخَطِيب ايضا عَن ابي الدَّرْدَاء انه قَالَ مذاكرة الْعلم سَاعَة خير من قيام لَيْلَة الْوَجْه الْحَادِي وَالْمِائَة مَا رَوَاهُ عَن الْحسن قَالَ لَان الْعلم بَابا من الْعلم فاعلمه مُسلما احب الي من ان يكون لي الدُّنْيَا فِي سَبِيل الله الْوَجْه الثَّانِي وَالْمِائَة قَالَ مَكْحُول مَا عبد الله بِأَفْضَل من الْفِقْه الْوَجْه الثَّالِث وَالْمِائَة قَالَ سعيد بن الْمسيب لَيست عبَادَة الله بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاة وَلَكِن بالفقه فِي دينه وَهَذَا الْكَلَام يُرَاد بِهِ امران احدهما انها لَيست بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاة الخاليين عَن الْعلم وَلَكِن بالفقه الَّذِي يعلم بِهِ كَيفَ الصَّوْم وَالصَّلَاة وَالثَّانِي انها لَيست الصَّوْم وَالصَّلَاة

стр. 118

فَقَط بل الْفِقْه فِي دينه من اعظم عباداته الْوَجْه الرَّابِع وَالْمِائَة قَالَ اسحاق بن عبد الله بن ابي فَرْوَة اقْربْ النَّاس من دَرَجَة النُّبُوَّة الْعلمَاء واهل الْجِهَاد وَالْعُلَمَاء دلوا النَّاس على مَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل وَقد تقدم الْكَلَام فِي تَفْضِيل الْعَالم على الشَّهِيد وَعَكسه الْوَجْه الْخَامِس وَالْمِائَة قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة ارْفَعْ النَّاس عِنْد الله منزلَة من كَانَ بَين الله وَبَين عباده وهم الرُّسُل وَالْعُلَمَاء الْوَجْه السَّادِس وَالْمِائَة قَالَ مُحَمَّد بن شهَاب الزُّهْرِيّ مَا عبد الله بِمثل الْفِقْه وَهَذَا الْكَلَام وَنَحْوه يُرَاد بِهِ انه مَا يعبد الله بِمثل ان يتعبد بالفقه فِي الدّين فَيكون نفس التفقه عبَادَة كَمَا قَالَ معَاذ بن جبل عَلَيْكُم بِالْعلمِ فان طلبه لله عبَادَة وَسَيَأْتِي ان شَاءَ الله ذكر كَلَامه بِتَمَامِهِ وَقد يُرَاد بِهِ انه مَا عبد الله بِعبَادة افضل من عبَادَة يصحبها الْفِقْه فِي الدّين لعلم الْفَقِيه فِي دينه بمراتب الْعِبَادَات ومفسداتها وواجبا وسننها وَمَا يكملها وَمَا ينقصها وكلا الْمَعْنيين صَحِيح الْوَجْه السَّابِع وَالْمِائَة قَالَ سهل بن عبد الله التسترِي من أَرَادَ النّظر الى مجَالِس الانبياء فَلْينْظر الى مجَالِس الْعلمَاء وَهَذَا لَان الْعلمَاء خلفاء الرُّسُل فِي أممهم ووارثوهم فِي علمهمْ فمجالسهم مجَالِس خلَافَة النُّبُوَّة الْوَجْه الثَّامِن وَالْمِائَة ان كثيرا من الائمة صَرَّحُوا بِأَن افضل الاعمال بعد الْفَرَائِض طلب الْعلم فَقَالَ الشَّافِعِي لَيْسَ شَيْء بعد الْفَرَائِض افضل من طلب الْعلم وَهَذَا الَّذِي ذكر اصحابه عَنهُ انه مذْهبه وَكَذَلِكَ قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ وَحَكَاهُ الْحَنَفِيَّة عَن ابي حنيفَة واما الامام احْمَد فَحكى عَنهُ ثَلَاث رِوَايَات احداهن انه الْعلم فَإِنَّهُ قيل لَهُ أَي شَيْء احب اليك اجْلِسْ بِاللَّيْلِ انسخ اَوْ اصلي تَطَوّعا قَالَ نسخك تعلم بِهِ امور دينك فَهُوَ احب الي وَذكر الْخلال عَنهُ فِي كتاب الْعلم نصوصا كَثِيرَة فِي تَفْضِيل الْعلم وَمن كَلَامه فِيهِ النَّاس الى الْعلم احوج مِنْهُم الى الطَّعَام وَالشرَاب وَقد تقدم الرِّوَايَة الثَّانِيَة ان افضل الاعمال بعدالفرائض صَلَاة التَّطَوُّع وَاحْتج لهَذِهِ الرِّوَايَة بقوله وَاعْلَمُوا ان خير اعمالكم الصَّلَاة وَبِقَوْلِهِ فِي حَدِيث ابي ذَر وَقد سَأَلَهُ عَن الصَّلَاة فَقَالَ خيرموضوع وَبِأَنَّهُ اوصى من سَأَلَهُ مُوَافَقَته فِي الْجنَّة بِكَثْرَة السُّجُود وَهُوَ الصَّلَاة وَكَذَلِكَ قَوْله فِي الحَدِيث الاخر عَلَيْك بِكَثْرَة السُّجُود فَإنَّك لَا تسْجد لله سَجْدَة إِلَّا رفعك الله بهَا دَرَجَة وَحط عَنْك بهَا خَطِيئَة وبالاحاديث الدَّالَّة على تَفْضِيل الصَّلَاة وَالرِّوَايَة الثَّالِثَة انه الْجِهَاد فَإِنَّهُ قَالَ لَا اعْدِلْ بِالْجِهَادِ شَيْئا من ذَا يطيقه وَلَا ريب ان اكثر الاحاديث فِي الصَّلَاة وَالْجهَاد وَأما مَالك فَقَالَ ابْن الْقَاسِم سَمِعت مَالِكًا يَقُول ان اقواما ابْتَغوا الْعِبَادَة وأضاعوا الْعلم فَخَرجُوا على امة مُحَمَّد بِأَسْيَافِهِمْ وَلَو ابْتَغوا الْعلم لحجزهم عَن ذَلِك قَالَ مَالك وَكتب ابو مُوسَى الاشعري الى عمر بن الْخطاب انه قرا الْقُرْآن عندنَا عددكذا وَكَذَا فَكتب اليه عمر ان افْرِضْ لَهُم من بَيت المَال فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَام

стр. 119

الثَّانِي كتب اليه انه قد قرا الْقُرْآن عندنَا عدد كثير لأكْثر من ذَلِك فَكتب اليه عمر ان امحهم من الدِّيوَان فَانِي اخاف من ان يسْرع النَّاس فِي الْقُرْآن ان يتفقهوا فِي الدّين فيتأولوه على غير تَأْوِيله وَقَالَ ابْن وهب كنت بَين يَدي مَالك بن انس فَوضعت الواحي وَقمت الى الصَّلَاة فَقَالَ مَا الَّذِي قُمْت اليه بِأَفْضَل من الَّذِي تركته قَالَ شَيخنَا وَهَذِه الامور الثَّلَاثَة الَّتِي فضل كل وَاحِد من الائمة بَعْضهَا وَهِي الصَّلَاة وَالْعلم وَالْجهَاد هِيَ الَّتِي قَالَ فِيهَا عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ لَوْلَا ثَلَاث فِي الدُّنْيَا لما احببت الْبَقَاء فِيهَا لَوْلَا ان احْمِلْ اَوْ اجهز جَيْشًا فِي سَبِيل الله وَلَوْلَا مكابدة هَذَا اللَّيْل وَلَوْلَا مجالسة اقوام ينتقون اطايب الْكَلَام كَمَا ينتقى اطايب التَّمْر لما احببت الْبَقَاء فالاول الْجِهَاد وَالثَّانِي قيام اللَّيْل وَالثَّالِث مذاكرة الْعلم فاجتمعت فِي الصَّحَابَة بكمالهم وَتَفَرَّقَتْ فِيمَن بعدهمْ الْوَجْه التَّاسِع وَالْمِائَة مَا ذكره ابو نعيم وَغَيره عَن بعض اصحاب رَسُول الله انه قَالَ فضل الْعلم خير من نفل الْعَمَل وَخير دينكُمْ الْوَرع وَقد روى هَذَا مَرْفُوعا من حَدِيث عَائِشَة رضى الله عَنْهَا وَفِي رَفعه نظر وَهَذَا الْكَلَام هُوَ فصل الْخطاب فِي هَذِه المسئلة فَإِنَّهُ إِذا كَانَ كل من الْعلم وَالْعَمَل فرضا فَلَا بُد مِنْهُمَا كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاة فَإِذا كَانَا فضلين وهما النفلان المتطوع بهما ففضل الْعلم ونفله خير من فضل الْعِبَادَة ونفلها لَان الْعلم يعم نَفعه صَاحبه وَالنَّاس مَعَه وَالْعِبَادَة يخْتَص نَفعهَا بصاحبها ولان الْعلم تبقى فَائِدَته وَعلمه بعد مَوته وَالْعِبَادَة تَنْقَطِع عَنهُ وَلما مر من الْوُجُوه السَّابِقَة الْوَجْه الْعَاشِر بعدالمائة مَا رَوَاهُ الْخَطِيب وَأَبُو نعيم وَغَيرهمَا عَن معَاذ بن جبل رضى الله عَنهُ قَالَ تعلمُوا الْعلم فَإِن تعلمه لله خشيَة وَطَلَبه عبَادَة ومدارسته تَسْبِيح والبحث عَنهُ جِهَاد وتعليمه لمن لَا يُحسنهُ صَدَقَة وبذله لاهله قربَة بِهِ يعرف الله ويعبد وَبِه يؤحد وَبِه يعرف الْحَلَال من الْحَرَام وتوصل الارحام وَهُوَ الانيس فِي الوحده والصاحب فِي الْخلْوَة وَالدَّلِيل على السَّرَّاء والمعين على الضراء والوزير عِنْد الاخلاء والقريب عِنْد الغرباء ومنار سَبِيل الْجنَّة يرفع الله بِهِ اقواما فيجعلهم فِي الْخَيْر قادة وسَادَة يقْتَدى بهم ادلة فِي الْخَيْر تقتص آثَارهم وترمق افعالهم وترغب الْمَلَائِكَة فِي خلتهم وبأجنحتهم تمسحهم يسْتَغْفر لَهُم كل رطب ويابس حَتَّى حيتان الْبَحْر وَهُوَ امهِ وسباع الْبر وانعامه وَالسَّمَاء ونجومها وَالْعلم حَيَاة الْقُلُوب من الْعَمى وَنور للأبصار من الظُّلم وَقُوَّة للآبدان من الضعْف يبلغ بِهِ العَبْد منَازِل الابرار والدرجات العلى التفكر فِيهِ يعدل بالصيام ومدارسته بِالْقيامِ وَهُوَ إِمَام للْعَمَل وَالْعَمَل تَابعه يلهمه السُّعَدَاء ويحرمه الاشقياء هَذَا الاثر مَعْرُوف عَن معَاذ وروراه ابو نعيم فِي المعجم من حَدِيث معَاذ مَرْفُوعا الى النَّبِي وَلَا يثبت وحسبه ان يصل الى معَاذ الْوَجْه الْحَادِي

стр. 120

عشر بعدالمائة مَا رَوَاهُ يُونُس بن عبد الاعلى عَن ابْن ابي فديك حَدثنِي عَمْرو بن كثير عَن ابي الْعَلَاء عَن الْحسن عَن رَسُول الله قَالَ من جَاءَهُ الْمَوْت وَهُوَ يطْلب الْعلم ليحيى بِهِ الاسلام فبينه وَبَين الانبياء فِي الْجنَّة دَرَجَة النُّبُوَّة وَقد روى من حَدِيث عَليّ بن زيد بن جدعَان عَن سعيد بن الْمسيب عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي وَهَذَا وَإِن كَانَ لَا يثبت اسناده فَلَا يبعد مَعْنَاهُ من الصِّحَّة فَإِن افضل الدَّرَجَات النُّبُوَّة وَبعدهَا الصديقية وَبعدهَا الشَّهَادَة وَبعدهَا الصّلاح وَهَذِه الدَّرَجَات الاربع الَّتِي ذكرهَا الله تَعَالَى فِي كِتَابه فِي قَوْله ﴿وَمن يطع الله وَالرَّسُول فَأُولَئِك مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ فَمن طلب الْعلم ليحيى بِهِ الاسلام فَهُوَ من الصديقين ودرجته بعد دَرَجَة النُّبُوَّة الْوَجْه الثَّانِي عشر بعدالمائة قَالَ الْحسن فِي قَوْله تَعَالَى ﴿رَبنَا آتنا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة﴾ هِيَ الْعلم وَالْعِبَادَة ﴿وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة﴾ هِيَ الْجنَّة وَهَذَا من احسن التَّفْسِير فَإِن اجل حَسَنَات الدُّنْيَا الْعلم النافع وَالْعَمَل الصَّالح الْوَجْه الثَّالِث عشر بعدالمائة قَالَ ابْن مسعودعليكم بِالْعلمِ قبل ان يرفع وَرَفعه هَلَاك الْعلمَاء فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ ليودن رجال قتلوا فِي سَبِيل الله شُهَدَاء ان يَبْعَثهُم الله عُلَمَاء لما يرَوْنَ من كرامتهم وَإِن احدا لم يُولد عَالما وَإِنَّمَا الْعلم بالتعلم الْوَجْه الرَّابِع عشر بعد الْمِائَة قَالَ ابْن عَبَّاس وابو هُرَيْرَة وبعدهما احْمَد بن حَنْبَل تَذَاكر الْعلم بعض لَيْلَة احب الينا من احيائها الْوَجْه الْخَامِس عشر بعدالمائة قَالَ عمر رضى الله عَنهُ ايها النَّاس عَلَيْكُم بِالْعلمِ فَإِن لله سُبْحَانَهُ رِدَاء يُحِبهُ فَمن طلب بَاب من الْعلم رداه الله بردائه فَإِن اذنب ذَنبا استعتبه لِئَلَّا يسلبه رِدَاءَهُ ذَلِك حَتَّى يَمُوت بِهِ قلت وَمعنى استعتاب الله عَبدة ان يطْلب مِنْهُ ان يعتبه أَي يزِيل عَتبه عَلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَار والانابة فَإِذا اناب اليه رفع عَنهُ عتبَة فَيكون قد اعتب ربه أَي ازال عَتبه عَلَيْهِ والرب تَعَالَى قد استعتبه أَي طلب مِنْهُ ان يعتبه وَمن هَذَا قَول ابْن مَسْعُود وَقد وَقعت زَلْزَلَة بِالْكُوفَةِ ان ربكُم يستعتبكم فاعتبوه وَهَذَا هُوَ الاستعتاب الَّذين تقاه سُبْحَانَهُ فِي الاخرة فِي قَوْله ﴿فاليوم لَا يخرجُون مِنْهَا وَلَا هم يستعتبون﴾ أَي لَا نطلب مِنْهُم إِزَالَة عتبنا عَلَيْهِم فَإِن إِزَالَته إِنَّمَا تكون بِالتَّوْبَةِ وَهِي لَا تَنْفَع فِي الاخرة وَهَذَا غير استعتاب العَبْد ربه كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى فَإِن يصبروا فَالنَّار مثوى لَهُم وان يستعتبوا فماهم من المعتبين فَهَذَا مَعْنَاهُ ان يطلبوا إِزَالَة عتبنا عَلَيْهِم وَالْعَفو فماهم من المعتبين أَي ماهم مِمَّن يزَال العتب عَلَيْهِم وَهَذَا الاستعتاب ينفع فِي الدُّنْيَا دون الاخرة الْوَجْه السَّادِس عشر بعدالمائة قَالَ عمر رضى الله عَنهُ موت الف عَابِد اهون من موت عَالم بَصِير بحلال الله وَحَرَامه وَوجه قَول عمر ان هَذَا الْعَالم يهدم على إِبْلِيس كل مَا يبنيه بِعِلْمِهِ وإرشاده واما العابد فنفعه مَقْصُور على نَفسه الْوَجْه السَّابِع عشر بعدالمائة قَول بعض السّلف إِذا اتى على يَوْم

стр. 121

لَا ازْدَادَ فِيهِ علما يقربنِي الى الله فَلَا بورك لي فِي شمس ذَلِك الْيَوْم وَقد رفع هَذَا الى رَسُول الله وَرَفعه اليه بَاطِل وحسبه ان يصل الى وَاحِد من الصَّحَابَة اَوْ التَّابِعين وَفِي مثله قَالَ الْقَائِل إِذا مربي يَوْم وَلم استفد هدى وَلم اكْتسب علما فَمَا ذَلِك من عمري الْوَجْه الثَّامِن عشر بعدالمائة قَالَ بعض السّلف الايمان عُرْيَان ولباسه التَّقْوَى وزينته الْحيَاء وثمرته الْعلم وَقد رفع هَذَا ايضا وَرَفعه بَاطِل الْوَجْه التَّاسِع عشر بعدالمائة إِنَّه فِي بعض الاثار بَين الْعَالم وَالْعَابِد مائَة دَرَجَة بَين كل دَرَجَتَيْنِ حضر الْجواد الْمُضمر سبعين سنة وَقد رفع هَذَا ايضا وَفِي رَفعه نظر الْوَجْه الْعشْرُونَ بعدالمائة مَا رَوَاهُ حَرْب فِي مسَائِله مَرْفُوعا الى النَّبِي يجمع الله تَعَالَى الْعلمَاء يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ يَقُول يَا معشر الْعلمَاء إِنِّي لم اضع علمي فِيكُم إِلَّا لعلمي بكم وَلم اضع علمى فِيكُم لاعذبكم اذْهَبُوا فقد غفرت لكم وَهَذَا وَإِن كَانَ غَرِيبا فَلهُ شَوَاهِد حسان الْوَجْه الْحَادِي وَالْعشْرُونَ بعدالمائة قَول ابْن الْمُبَارك وَقد سُئِلَ من النَّاس قَالَ الْعلمَاء قيل فَمن الْمُلُوك قَالَ الزهاد قيل فَمن السفلة قَالَ الَّذِي يَأْكُل بِدِينِهِ الْوَجْه الثَّانِي الْعشْرُونَ بعدالمائة ان من اِدَّرَكَ الْعلم لم يضرّهُ مَا فَاتَهُ بعد ادراكه اذ هُوَ افضل الحظوظ والعطايا وَمن فَاتَهُ الْعلم لم يَنْفَعهُ مَا حصل لَهُ من الحظوظ بل يكون وبالاعليه وسببا لهلاكه وَفِي هَذَا قَالَ بعض السّلف أَي شَيْء اِدَّرَكَ من فَاتَهُ الْعلم واي شَيْء فَاتَهُ من اِدَّرَكَ الْعلم الْوَجْه الثَّالِث وَالْعشْرُونَ بعدالمائة قَالَ بعض العارفين الْيَسْ الْمَرِيض إِذا منع الطَّعَام وَالشرَاب والدواء يَمُوت قَالُوا بلَى قَالُوا فَكَذَلِك الْقلب إِذا منع عَنهُ الْعلم وَالْحكمَة ثَلَاثَة ايام يَمُوت وَصدق فان الْعلم طَعَام الْقلب وَشَرَابه ودواؤه وحياته مَوْقُوفَة على ذَلِك فَإِذا فقد الْقلب الْعلم فَهُوَ موت لَو كَانَ لَا يشْعر بِمَوْتِهِ كَمَا ان السَّكْرَان الَّذِي قد زَالَ عقله والخائف الَّذِي قد انْتهى خَوفه الى غَايَته والمحب والمفكر قد يبطل احساسهم بألم الْجِرَاحَات فِي تِلْكَ الْحَال فَإِذا صحوا وعادوا الى حَال الِاعْتِدَال ادركوا آلامها هَكَذَا العَبْد إِذا حط عَنهُ الْمَوْت احمال الدُّنْيَا وشواغلها اخْتصَّ بهلاكه وخسرانه فحتام لَا تصحوا وَقد قرب المدى ... وحتام لَا ينجاب عَن قَلْبك السكر بل سَوف تصحو حِين ينْكَشف الغطا ... وتذكر قولي حِين لَا ينفع الذّكر فَإِذا كشف الغطاء وبرح الخفاء وبليت السرائر وبدت الضمائر وبعثر مَا فِي الْقُبُور وَحصل مَا فِي الصُّدُور فَحِينَئِذٍ يكون الْجَهْل ظلمَة على الْجَاهِلين وَالْعلم حسرة على الباطلين الْوَجْه الرَّابِع وَالْعشْرُونَ بعدالمائة قَالَ ابو الدَّرْدَاء من رأى ان الغدو الى الْعلم لَيْسَ بجهاد فقد نقص فِي رَأْيه وعقله وَشَاهد هَذَا قَول معَاذ وَقد تقدم الْوَجْه الْخَامِس وَالْعشْرُونَ بعدالمائة قَول ابي الدَّرْدَاء ايضا لَان اتعلم مسئلة احب الي من قيام لَيْلَة الْوَجْه السَّادِس وَالْعشْرُونَ

стр. 122

بعدالمائة قَوْله ايضا الْعَالم والمتعلم شريكان فِي الاجر وَسَائِر النَّاس همج لَا خير فيهم الْوَجْه السَّابِع وَالْعشْرُونَ بعدالمائة مَا رَوَاهُ ابو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث ابي هُرَيْرَة انه سمع رَسُول الله يَقُول من دخل مَسْجِدنَا هَذَا ليتعلم خيرا اَوْ ليعلمه كَانَ كالمجاهد فِي سَبِيل الله وَمن دخله لغير ذَلِك كَانَ كالناظر الى مَا لَيْسَ لَهُ الْوَجْه الثَّامِن وَالْعشْرُونَ بعدالمائة مَا رَوَاهُ ايضا فِي صَحِيحه من حَدِيث الثَّلَاثَة الَّذين انْتَهوا الى رَسُول الله وَهُوَ جَالس فِي حلقه فَأَعْرض احدهم واستحى الاخر فَجَلَسَ خَلفهم وَجلسَ الثَّالِث فِي فُرْجَة فِي الْحلقَة فَقَالَ النَّبِي اما احدهم فأوى الى الله فآواه الله وَأما الاخر فاستيحا فاستحيا الله مِنْهُ وَأما الاخر فاعرض فاعرض الله عَنهُ فلولم يكن لطَالب الْعلم الا ان الله يؤويه اليه وَلَا يعرض عَنهُ لكفى بِهِ فضلا الْوَجْه التَّاسِع وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة مَا رَوَاهُ كميل بن زِيَاد النَّخعِيّ قَالَ اخذ عَليّ بن ابي طَالب رضى الله عَنهُ بيَدي فاخرجني نَاحيَة الْجَبانَة فَلَمَّا اصحر جعل يتنفس ثمَّ قَالَ يَا كميل بن زِيَاد الْقُلُوب اوعية فَخَيرهَا اوعاها احفظ عني مَا اقول لَك النَّاس ثَلَاثَة فعالم رباني ومتعلم على سَبِيل نجاة وهمج رعاع اتِّبَاع كل ناعق يميلون مَعَ كل ريح لم يستضيئؤوا بِنور الْعلم وَلم يلجئوا الى ركن وثيق الْعلم خير من المَال الْعلم يحرسك وانت تحرس المَال الْعلم يكزكوا على الانفاق وَفِي رِوَايَة على الْعَمَل وَالْمَال تنقصه النَّفَقَة الْعلم حَاكم وَالْمَال مَحْكُوم عَلَيْهِ ومحبة الْعلم دين يدان بهَا الْعلم يكْسب الْعَالم الطَّاعَة فِي حَيَاته وَجَمِيل الاحدوثة بعد وَفَاته وصنيعة المَال تَزُول بزواله مَاتَ خزان الاموال وهم احياء وَالْعُلَمَاء باقون مَا بَقِي الدَّهْر اعيانهم مفقودة وأمثالهم فِي الْقُلُوب مَوْجُودَة هاه هاه إِن هَهُنَا علما واشار بِيَدِهِ الى صَدره لَو اصبت لَهُ حَملَة بل اصبته لقنا غير مَأْمُون عَلَيْهِ يسْتَعْمل آلَة الدّين للدنيا يستظهر حجج الله على كِتَابه وبنعمه على عباده اَوْ منقادا لاهل الْحق لَا بَصِير لَهُ فِي احبائه ينقدح الشَّك فِي قلبه بِأول عَارض من شُبْهَة لاذاو لَا ذَاك اَوْ منهوما للذات سَلس القياد للشهوات اَوْ مغرى بِجمع الاموال والادخار ليسَا من دعاة الدّين اقْربْ شبها بهم الانعام السَّائِمَة لذَلِك يَمُوت الْعلم بِمَوْت حامليه اللَّهُمَّ بك لن تَخْلُو الارض من قَائِم لله بحجته لكيلا تبطل حجج الله وبنياته اولئك الاقلون عددا الاعظمون عِنْد الله قيلا بهم يدْفع الله عَن حججه حَتَّى يؤدوها الى نظرائهم ويزرعوها فِي قُلُوب اشابههم هجم بهم الْعلم على حَقِيقَة الامر فاستلانوا مَا استوعر مِنْهُ المترفون وانسوا بِمَا استوحش مِنْهُ الجاهلون صحبوا الدُّنْيَا بأبدان ارواحها معلقَة بالملأ الاعلى اولئك خلفاء الله فِي ارضه ودعاته الى دينه هاه هاه شوقا الى رُؤْيَتهمْ واستغفر الله لي وَلَك اذا شِئْت فَقُمْ ذكره ابو نعيم فِي الْحِلْية وَغَيره قَالَ ابو بكر الْخَطِيب هَذَا حَدِيث حسن من احسن الاحاديث معنى واشرفها لفظا وتقسيم امير

стр. 123

الْمُؤمنِينَ للنَّاس فِي اوله تَقْسِيم فِي غَايَة الصِّحَّة وَنِهَايَة السداد لَان الانسان لَا يَخْلُو من اُحْدُ الاقسام الَّتِي ذكرهَا مَعَ كَمَال الْعقل وإزاحة الْعِلَل اما ان يكون عَالما اَوْ متعلما اَوْ مغفلا للْعلم وَطَلَبه الْيَسْ بعالم وَلَا طَالب لَهُ فالعالم الرباني هُوَ الَّذِي لَا زِيَادَة على فَضله لفاضل وَلَا منزلَة فَوق مَنْزِلَته لمجتهد وَقد دخل فِي الْوَصْف لَهُ بانه رباني وَصفه بِالصِّفَاتِ الَّتِي يقتضيها الْعلم لاهله وَيمْنَع وَصفه بِمَا خالفها وَمعنى الرباني فِي اللُّغَة الرفيع الدرجَة فِي الْعلم العالي الْمنزلَة فِيهِ وعَلى ذَلِك حملُوا قَوْله تَعَالَى ﴿لَوْلَا ينهاهم الربانيون﴾ وَقَوله ﴿كونُوا ربانيين﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس حكماء فُقَهَاء وَقَالَ ابو رزين فُقَهَاء عُلَمَاء وَقَالَ ابو عمر الزَّاهِد سَالَتْ ثعلبا عَن هَذَا الْحَرْف وَهُوَ الرباني فَقَالَ سَأَلت ابْن الاعرابي فَقَالَ إِذا كَانَ الرجل عَالما عَاملا معلما قيل لَهُ هَذَا رباني فَإِن خرم عَن خصْلَة مِنْهَا لم نقل لَهُ رباني قَالَ ابْن الانباري عَن النَّحْوِيين ان الربانيين منسوبون الى الرب وان الالف وَالنُّون زيدتا للْمُبَالَغَة فِي النّسَب كَمَا تَقول لحياني وجبهاني إِذا كَانَ عَظِيم اللِّحْيَة والجبهة واما المتعلم على سَبِيل النجَاة فَهُوَ الطَّالِب بتعلمه والقاصد بِهِ نجاته من التَّفْرِيط فِي تَضْييع الْفُرُوض الْوَاجِبَة عَلَيْهِ وَالرَّغْبَة بِنَفسِهِ عَن احمالها واطراحها والانفة من مجانسة الْبَهَائِم ثمَّ قَالَ وَقد نفى بعض الْمُتَقَدِّمين عَن النَّاس من لم يكن من اهل الْعلم واما الْقسم الثَّالِث فهم المهملون لانفسهم الراضون بالمنزلة الدنية وَالْحَال الخسيسة الَّتِي هِيَ فِي الحضيض الاسقط والهبوط الاسفل الَّتِي لَا منزلَة بعْدهَا فِي الْجَهْل وَلَا دونهَا فِي السُّقُوط وَمَا احسن مَا شبههم بالهمج الرعاع وَبِه يشبه دناة النَّاس واراذلهم والرعاع المتبدد المتفرق وللناعق الصائح وَهُوَ فِي هَذَا الْموضع الرَّاعِي يُقَال نعق الرَّاعِي بالغنم ينعق اذا صَاح بهَا وَمِنْه قَوْله تَعَالَى وَمثل الَّذين كفرُوا كَمثل الَّذِي ينعق بمالا يسمع الا دعاءا ونداءا صم بكم عمي فهم لَا يعْقلُونَ وَنحن نشِير الى بعض مَا فِي هَذَا الحَدِيث من الْفَوَائِد فَقَوله رضى الله عَنهُ الْقُلُوب اوعية يشبه الْقلب بالوعاء والاناء والوادي لانه وعَاء للخير وَالشَّر وَفِي بعض الاثار ان لله فِي ارضه آنِية وَهِي الْقُلُوب فَخَيرهَا ارقها واصلبها واصفاها فَهِيَ اواني مَمْلُوءَة من الْخَيْر واواني مملوة من الشَّرّ كَمَا قَالَ بعض السّلف قُلُوب الابرار تغلى بِالْبرِّ وَقُلُوب الْفجار تغلى بِالْفُجُورِ وَفِي مثل هَذَا قيل فِي الْمثل وكل إِنَاء بِالَّذِي فِيهِ ينضح وَقَالَ تَعَالَى ﴿أنزل من السَّمَاء مَاء فسالت أَوديَة بِقَدرِهَا﴾ شبه الْعلم بِالْمَاءِ النَّازِل من السَّمَاء والقلوب فِي سعتها وضيقها بالاودية فَقلب كَبِير وَاسع يسع علما كثيرا كواد كَبِير وَاسع يسع ماءا كثيرا وقلب صَغِير ضيق يسع علما قَلِيلا كواد صَغِير ضيق يسع ماءا قَلِيلا وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي لَا تسموا الْعِنَب الْكَرم فَإِن الْكَرم قلب الْمُؤمن فانهم كانوايسمون شجر الْعِنَب الْكَرم لِكَثْرَة مَنَافِعه وخيره وَالْكَرم كَثِيرَة الْخَيْر وَالْمَنَافِع فَأخْبرهُم ان قلب

стр. 124

الْمُؤمن اولى بِهَذِهِ التَّسْمِيَة لِكَثْرَة مَا فِيهِ من الْخَيْر وَالْمَنَافِع وَقَوله فَخَيرهَا اوعاها يُرَاد بِهِ اسرعها وعيا واثبتها وعيا وَيُرَاد بِهِ ايضا احسنها وعيا فَيكون حسن الوعي الَّذِي هُوَ إيعاء لما يُقَال لَهُ فِي قلبه هُوَ سرعته وكثرته وثباته والوعاء من مَادَّة الوعي فَإِنَّهُ آلَة مَا يوعى فِيهِ كالغطاء والفراش والبساط وَنَحْوهَا ويوصف بذلك الْقلب والاذن كَقَوْلِه تَعَالَى إِنَّا لما طَغى المَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَة لنجعلها لكم تذكرة وَتَعيهَا اذن وَاعِيَة قَالَ قَتَادَة اذن سَمِعت وعقلت عَن الله مَا سَمِعت وَقَالَ الْفراء لتحفظها كل اذن فَتكون عظة لمن يَأْتِي بعد فالوعي تُوصَف بِهِ الاذن كَمَا يُوصف بِهِ الْقلب يُقَال قلب واع وَأذن وَاعِيَة لما بَين الاذن وَالْقلب من الارتباط فالعلم يدْخل من الاذن الى الْقلب فَهِيَ بَابه وَالرَّسُول الْموصل اليه الْعلم كَمَا ان اللِّسَان رَسُوله الْمُؤَدى عَنهُ وَمن عرف ارتباط الْجَوَارِح بِالْقَلْبِ علم ان الاذن احقها ان تُوصَف بالوعي وانها إِذا وعت وعي الْقلب وَفِي حَدِيث جَابر فِي الْمثل الَّذِي ضَربته الْمَلَائِكَة للنَّبِي ولأمته وَقَول الْملك لَهُ اسْمَع سَمِعت اذنك وعقل قَلْبك فَلَمَّا كَانَ الْقلب وعاءا والاذن مدْخل ذَلِك الْوِعَاء وبابه كَانَ حُصُول الْعلم مَوْقُوفا على حسن الِاسْتِمَاع وعقل الْقلب وَالْعقل هُوَ ضبط مَا وصل الى الْقلب وإمساكه حَتَّى لايتفلت مِنْهُ وَمِنْه عقل الْبَعِير وَالدَّابَّة والعقال لما يعقل بِهِ وعقل الانسان يُسمى عقلا لانه يعقله عَن اتِّبَاع الغي والهلاك وَلِهَذَا يُسمى حجرا لانه يمْنَع صَاحبه كَمَا يمْنَع الْحجر مَا حواه فعقل الشَّيْء اخص من علمه ومعرفته لَان صَاحبه يعقل مَا علمه فَلَا يَدعه يذهب كَمَا تعقل الدَّابَّة الَّتِي يخَاف شرودها وللادراك مَرَاتِب بَعْضهَا اقوى من بعض فاولها الشُّعُور ثمَّ الْفَهم ثمَّ الْمعرفَة ثمَّ الْعلم ثمَّ الْعقل ومرادنا بِالْعقلِ الْمصدر لَا الْقُوَّة الغريزية الَّتِي ركبهَا الله فِي الانسان فَخير الْقُلُوب مَا كَانَ واعيا للخير ضابطا لَهُ وَلَيْسَ كالقلب القاسي الَّذِي لايقبله فَهَذَا قلب حجري وَلَا كالمائع الاخرق الَّذِي يقبل وَلَكِن لَا يحفظ وَلَا يضْبط فتفهيم الاول كالرسم فِي الْحجر وتفهيم الثَّانِي كالرسم على المَاء بل خير الْقُلُوب مَا كَانَ لينًا صلبا يقبل بلينه مَا ينطبع فِيهِ ويحفظ صورته بصلابته فَهَذَا تفهيمه كالرسم فِي الشمع وَشبهه وَقَوله النَّاس ثَلَاثَة فعالم رباني ومتعلم على سَبِيل النجَاة همج رعاع هَذَا تَقْسِيم خَاص للنَّاس وَهُوَ الْوَاقِع فَإِن العَبْد إِمَّا ان يكون قد حصل كَمَاله من الْعلم وَالْعَمَل اولا فالاول الْعَالم الرباني وَالثَّانِي اما ان تكون نَفسه متحركة فِي طلب ذَلِك الْكَمَال ساعية فِي إِدْرَاكه اولا وَالثَّانِي هُوَ المتعلم على سَبِيل النجَاة الثَّالِث وَهُوَ الهمج الرعاج فالاول هُوَ الْوَاصِل وَالثَّانِي هُوَ الطَّالِب وَالثَّالِث هُوَ المحروم والعالم الرباني قَالَ ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا هُوَ الْمعلم اخذه من التربية أَي يربى النَّاس بِالْعلمِ ويربيهم بِهِ كَمَا يربى الطِّفْل ابوه وَقَالَ سعيد بن جُبَير هُوَ الْفَقِيه الْعَلِيم الْحَكِيم قَالَ سِيبَوَيْهٍ زادوا الْفَا ونونا فِي الرباني إِذا ارادوا تَخْصِيصًا بِعلم الرب ﵎ كَمَا قَالُوا أشعر اني ولحياني ومعني قَول سِيبَوَيْهٍ ﵀ ان هَذَا الْعَالم لما نسب الى علم الرب تَعَالَى الَّذِي بعث بِهِ رَسُوله

стр. 125

وتخصص بِهِ نسب اليه دون سَائِر من علم علما قَالَ الواحدي فالرباني على قَوْله مَنْسُوب الى الرب على معنى التَّخْصِيص بِعلم الرب أَي يعلم الشَّرِيعَة وصفات الرب ﵎ وَقَالَ الْمبرد الرباني الَّذِي يرب الْعلم ويرب النَّاس بِهِ أَي يعلمهُمْ ويصلحهم وعَلى قَوْله فالرباني من رب يرب رَبًّا أَي يربيه فَهُوَ مَنْسُوب الى التربية ويربى علمه ليكمل وَيتم بقيامه عَلَيْهِ وتعاهده إِيَّاه كَمَا يربى صَاحب المَال مَاله يُربي النَّاس بِهِ كَمَا يربى الاطفال اولياؤهم وَلَيْسَ هَذَا من قَوْله ﴿وكأين من نَبِي قَاتل مَعَه ربيون كثير﴾ فالربيون هُنَا الْجَمَاعَات باجماع الْمُفَسّرين قيل إِنَّه من الربة بِكَسْر الرَّاء وَهِي الْجَمَاعَة قَالَ الْجَوْهَرِي الربي وَاحِد الربيين وهم الالوف من النَّاس قَالَ تَعَالَى ﴿وكأين من نَبِي قَاتل مَعَه ربيون كثير فَمَا وهنوا لما أَصَابَهُم﴾ وَلَا يُوصف الْعَالم بِكَوْنِهِ ربانيا حَتَّى يكون عَاملا بِعَمَلِهِ معلما لَهُ فَهَذَا قسم وَالْقسم الثَّانِي متعلم على سَبِيل نجاة أَي قَاصِدا بِعِلْمِهِ النجَاة وَهُوَ المخلص فِي تعلمه المتعلم مَا يَنْفَعهُ الْعَامِل بِمَا علمه فَلَا يكون المتعلم على سَبِيل نجاة الا بِهَذِهِ الامور الثَّلَاثَة فَإِنَّهُ إِن تعلم مَا يضرّهُ ولاينفعه لم يكن على سَبِيل نجاة وَإِن تعلم مَا ينْتَفع بِهِ لَا للنجاة فَكَذَلِك وَإِن تعلمه وَلم يعْمل بِهِ لم يحصل لَهُ النجَاة وَلِهَذَا وَصفه بِكَوْنِهِ على السَّبِيل اي على الطَّرِيق الَّتِي تنجيه وَلَيْسَ حرف على وَمَا عمل فِيهِ مُتَعَلقا بمتعلم إِلَّا على وَجه التَّضْمِين أَي مفتش متطلع على سَبِيل نجاته فَهَذَا فِي الدرجَة الثَّانِيَة وَلَيْسَ مِمَّن تعلمه ليمارى بِهِ السُّفَهَاء اَوْ يجارى بِهِ الْعلمَاء اَوْ يصرف وُجُوه النَّاس اليه فَإِن هَذَا من اهل النَّار كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث وثبته ابو نعيم ايضا قَوْله من تعلم علما مِمَّا يبتغى بِهِ وَجه الله لَا يتعلمه الا ليصيب بِهِ عرضا من الدُّنْيَا لم يجد رَائِحَة الْجنَّة قَالَ وَثَبت ايضا قَوْله اشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة عَالم لم يَنْفَعهُ الله بِعِلْمِهِ فَهَؤُلَاءِ لَيْسَ فيهم من هُوَ على سَبِيل نجاة بل على سَبِيل الهلكة نَعُوذ بِاللَّه من الخذلان الْقسم الثَّالِث المحروم المعرض فَلَا عَالم وَلَا متعلم بل همج رعاع والهمج من النَّاس حمقاؤهم وجهلتهم واصله من الهمج جمع همجة وَهُوَ ذُبَاب صَغِير كالبعوض يسْقط على وُجُوه الْغنم وَالدَّوَاب واعينها فَشبه همج النَّاس بِهِ والهمج ايضا مصدر قَالَ الراجز: قد هَلَكت جارتنا من الهمج ... وان تجع تَأْكُل عتودا اَوْ ثلج والهمج هُنَا مصدر وَمَعْنَاهُ سوء التَّدْبِير فِي أَمر الْمَعيشَة وَقَوْلهمْ همج هامج مثل ليل لايل والرعاع من النِّسَاء الحمقى الَّذين لايعتد بهم وَقَوله اتِّبَاع كل ناعق أَي من صَاح بهم ودعاهم تبعوه سَوَاء دعاهم الى هدى اَوْ الى ضلال فانهم لَا علم لَهُم بِالَّذِي يدعونَ اليه احق هُوَ ام بَاطِل فهم مستجيبون لدعوته وَهَؤُلَاء من اضر الْخلق على الاديان فَإِنَّهُم الاكثرون عددا الاقلون

стр. 126

عِنْد الله قدرا وهم حطب كل فتْنَة بهم توقد ويشب ضرامها فَإِنَّهَا يَهْتَز لَهَا اولو الدّين ويتولاها الهمج الرعاع وسمى داعيهم ناعقا تَشْبِيها لَهُم بالانعام الَّتِي ينعق بهَا الرَّاعِي فتذهب مَعَه ايْنَ ذهب قَالَ تَعَالَى وَمثل الَّذين كفرُوا كَمثل الَّذِي ينعق بِمَا لَا يسمع الا دعاءا ونداءا صم بكم عمي فهم لَا يعْقلُونَ وَهَذَا الَّذِي وَصفهم بِهِ امير الْمُؤمنِينَ هُوَ من عدم علمهمْ وظلمة قُلُوبهم فَلَيْسَ لَهُم نور وَلَا بصيره يفرقون بهَا بَين الْحق وَالْبَاطِل بل الْكل عِنْدهم سَوَاء وَقَوله رضى الله عَنهُ يميلون مَعَ كل ريح وَفِي رِوَايَة مَعَ كل صائح شبه عُقُولهمْ الضعيفة بالغصن الضَّعِيف وَشبه الاهوية والاراء بالرياح والغصن يمِيل مَعَ الرّيّ حَيْثُ مَالَتْ وعقول هَؤُلَاءِ تميل مَعَ كل هوى وكل دَاع وَلَو كَانَت عقولا كَامِلَة كَانَت كالشجرة الْكَبِيرَة الَّتِي لاتتلاعب بهَا الرِّيَاح وَهَذَا بِخِلَاف الْمثل الَّذِي ضربه النَّبِي للْمُؤْمِنين بالخامة من الزَّرْع تفيئه الرّيح مرّة وتقيمه اخرى وَالْمُنَافِق كشجرة الارز الَّتِي لَا تقطع حَتَّى تستحصد فَإِن هَذَا الْمثل ضرب لِلْمُؤمنِ وَمَا يلقاه من عواصف الْبلَاء والاوجاع والاوجال وَغَيرهَا فَلَا يزَال بَين عَافِيَة وبلاء ومحنة ومنحة وَصِحَّة وسقم وَأمن وَخَوف وَغير ذَلِك فَيَقَع مرّة وَيقوم اخرى ويميل تَارَة ويعتدل اخرى فيكفر عَنهُ بالبلاء ويمحص بِهِ ويخلص من كدره وَالْكَافِر كُله خبث وَلَا يصلح الا للوقود فَلَيْسَ فِي إِصَابَته فِي الدُّنْيَا بانواع الْبلَاء من الْحِكْمَة وَالرَّحْمَة مَا فِي اصابة الْمُؤمن فَهَذِهِ حَال الْمُؤمن فِي الِابْتِلَاء واما مَعَ الاهواء ودعاة الْفِتَن والضلال والبدع فَكَمَا قيل: تَزُول الْجبَال الراسيات وَقَلبه ... على الْعَهْد لَا يلوى وَلَا يتَغَيَّر وَقَوله رضى الله عَنهُ لم يستضيئوا بِنور الْعلم وَلم يلجئوا الى ركن وثيق بَين السَّبَب الَّذِي جعلهم بِتِلْكَ المثابة وَهُوَ انه لم يحصل لَهُم من الْعلم نور يفرقون بِهِ بَين الْحق وَالْبَاطِل كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وآمنوا بِرَسُولِهِ يُؤْتكُم كِفْلَيْنِ من رَحمته وَيجْعَل لكم نورا تمشون بِهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَو من كَانَ مَيتا فأحييناه وَجَعَلنَا لَهُ نورا يمشي بِهِ فِي النَّاس كمن مثله فِي الظُّلُمَات لَيْسَ بِخَارِج مِنْهَا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿يهدي بِهِ الله من اتبع رضوانه سبل السَّلَام ويخرجهم من الظُّلُمَات إِلَى النُّور﴾ الاية وَقَوله ﴿وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نورا نهدي بِهِ من نشَاء من عبادنَا﴾ فَإِذا عدم الْقلب هَذَا النُّور صَار بِمَنْزِلَة الحيران الَّذِي لَا يدْرِي ايْنَ يذهب فَهُوَ لحيرته وجهله بطرِيق مَقْصُوده يؤم كل صَوت يسمعهُ وَلم يسكن قُلُوبهم من الْعلم مَا تمْتَنع بِهِ من دعاة الْبَاطِل فَإِن الْحق مَتى اسْتَقر فِي الْقلب قوى بِهِ وَامْتنع مِمَّا يضرّهُ ويهلكه وَلِهَذَا سمى الله الْحجَّة العلمية سُلْطَانا وَتقدم قدم ذَلِك فَالْعَبْد يُؤْتى من ظلمَة بصيرته وَمن ضعف قلبه فاذا

стр. 127

اسْتَقر فِيهِ الْعلم النافع استنارت بصيرته وقوى قلبه وَهَذَانِ الاصلان هما قطب السَّعَادَة اعني الْعلم وَالْقُوَّة وَقد وصف بهما سُبْحَانَهُ الْمعلم الاول جِبْرِيل صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ فَقَالَ ﴿إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى علمه شَدِيد القوى﴾ وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَة التكوير ﴿إِنَّه لقَوْل رَسُول كريم ذِي قُوَّة عِنْد ذِي الْعَرْش مكين﴾ فوصفه بِالْعلمِ وَالْقُوَّة وَفِيه معنى احسن من هَذَا وَهُوَ الاشبه بِمُرَاد على رضى الله عَنهُ وَهُوَ ان هَؤُلَاءِ لَيْسُوا من اهل البصائر الَّذين استضاؤا بِنور الْعلم وَلَا لجئوا الى عَالم مستبصر فقلدوه وَلَا متبعين لمستبصر فَإِن الرجل اما ان يكون بَصيرًا اَوْ اعمى متمسكا ببصير يَقُودهُ اَوْ اعمى يسير بِلَا قَائِد وَقَوله رضى الله عَنهُ الْعلم خير من المَال الْعلم يحرسك وانت تحرس المَال يَعْنِي ان الْعلم يحفظ صَاحبه ويحميه من مواردالهلكة ومواقع العطب فَإِن الانسان لَا يلقى نَفسه فِي هلكة إِذا كَانَ عقله مَعَه وَلَا يعرضهَا لمتلف إِلَّا إِذا كَانَ جَاهِلا بذلك لَا علم لَهُ بِهِ فَهُوَ كمن يَأْكُل طَعَاما مسموما فالعالم بالسم وضرره يَحْرُسهُ علمه وَيمْتَنع بِهِ من اكله وَالْجَاهِل بِهِ يقْتله جَهله فَهَذَا مثل حراسة الْعلم للْعَالم وَكَذَا الطَّبِيب الحاذق يمْتَنع بِعِلْمِهِ عَن كثير مَا يجلب لَهُ الامراض والاسقام وَكَذَا الْعَالم بمخاوف طَرِيق سلوكه ومعاطبها يَأْخُذ حذره مِنْهَا فيحرسه علمه من الْهَلَاك وَهَكَذَا الْعَالم بِاللَّه وبامره وبعدوه ومكائده ومداخله على العَبْد يَحْرُسهُ علمه من وساوس الشَّيْطَان وخطراته والقاء الشَّك والريب وَالْكفْر فِي قلبه فَهُوَ بِعِلْمِهِ يمْتَنع من قبُول ذَلِك فَعلمه يَحْرُسهُ من الشَّيْطَان فَكلما جَاءَ ليأخذه صَاح بِهِ حرس الْعلم والايمان فَيرجع خاسئا خائبا واعظم مَا يَحْرُسهُ من هَذَا الْعَدو الْمُبين الْعلم والايمان فَهَذَا السَّبَب الَّذِي من العَبْد وَالله من وَرَاء حفظه وحراسته وكلاءته فَمَتَى وَكله الى نَفسه طرفَة عين تخطفه عدوه قَالَ بعض العارفين اجْمَعْ العارفون على ان التَّوْفِيق ان لَا يكلك الله الى نَفسك واجمعوا على ان الخذلان ان يخلى بَيْنك وَبَين نَفسك وَقَوله الْعلم يزكوا على الانفاق وَالْمَال تنقصه النَّفَقَة الْعَالم كلما بذل علمه للنَّاس وانفق مِنْهُ تَفَجَّرَتْ بنابيعه فازداد كَثْرَة وَقُوَّة وظهورا فيكتسب بتعليمه حفظ مَا علمه وَيحصل لَهُ بِهِ علم مَا لم يكن عِنْده وَرُبمَا تكون المسئلة فِي نَفسه غير مكشوفة وَلَا خَارِجَة من حيّز الاشكال فَإِذا تكلم بهَا وَعلمهَا اتضحت لَهُ واضاءت وَانْفَتح لَهُ مِنْهَا عُلُوم اخر وايضا فَإِن الْجَزَاء من جنس الْعَمَل فَكَمَا علم الْخلق من جهالتهم جزاه الله بَان كلمة من جهالته كَمَا فِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث عِيَاض بن حمَار عَن النَّبِي انه قَالَ فِي حَدِيث طَوِيل وان الله قَالَ لي انفق انفق عَلَيْك وَهَذَا يتَنَاوَل نَفَقَة الْعلم اما بِلَفْظِهِ وَإِمَّا بتنبيهه وإشارته وفحواه ولزكاء الْعلم وَنَحْوه طَرِيقَانِ احدهما تَعْلِيمه وَالثَّانِي الْعَمَل بِهِ فَإِن الْعَمَل بِهِ ايضا ينميه ويكثره وَيفتح لصَاحبه ابوابه وخباياه وَقَوله وَالْمَال تنقصه النَّفَقَة لَا يُنَافِي قَول النَّبِي مَا نقصت صَدَقَة من مَال فَإِن المَال إِذا تَصَدَّقت مِنْهُ وانفقت ذهب ذَلِك الْقدر

стр. 128

وَخَلفه غَيره وَأما الْعلم فكالقبس من النَّار لَو اقتبس مِنْهَا الْعَالم لم يذهب مِنْهَا شَيْء بل يزِيد الْعلم بالاقتباس مِنْهُ فَهُوَ كَالْعَيْنِ الَّتِي كلما اخذ مِنْهَا قوى ينبوعها وجاش معينها وَفضل الْعلم على المَال يعلم من وُجُوه احدها ان الْعلم مِيرَاث الانبياء وَالْمَال مِيرَاث الْمُلُوك والاغنياء وَالثَّانِي ان الْعلم يحرس صَاحبه وَصَاحب المَال يحرس مَاله وَالثَّالِث ان المَال تذهبه النَّفَقَات وَالْعلم يزكوا على النَّفَقَة الرَّابِع ان صَاحب المَال إِذا مَاتَ فَارقه مَاله وَالْعلم يدْخل مَعَه قَبره الْخَامِس ان الْعلم حَاكم على المَال وَالْمَال لَا يحكم على الْعلم السَّادِس ان المَال يحصل لِلْمُؤمنِ وَالْكَافِر وَالْبر والفاجر وَالْعلم النافع لَا يحصل الا لِلْمُؤمنِ ز السَّابِع ان الْعَالم يحْتَاج اليه الْمُلُوك فَمن دونهم وَصَاحب المَال إِنَّمَا يحْتَاج اليه اهل الْعَدَم والفاقة الثَّامِن ان النَّفس تشرف وتزكو بِجمع الْعلم وتحصيله وَذَلِكَ من كمالها وشرفها وَالْمَال يزكيها وَلَا يكمله وَلَا يزيدها صفة كَمَال بل النَّفس تنقص وتشح وتبخل بجمعه والحرص عَلَيْهِ فحرصها على الْعلم عين كمالها وحرصها على المَال عين نَقصهَا التَّاسِع ان المَال يدعوها الى الطغيان وَالْفَخْر وَالْخُيَلَاء وَالْعلم يدعوها إِلَى التوضع وَالْقِيَام بالعبودية فَالْمَال يدعوها الى صِفَات الْمُلُوك وَالْعلم يدعوها الى صِفَات العبيد الْعَاشِر ان الْعلم جاذب موصل لَهَا الى سعادتها الَّتِي خلقت لَهَا وَالْمَال حجاب بَينهَا وَبَينهَا الْحَادِي عشر ان غَنِي الْعلم اجل من غَنِي المَال فَإِن غَنِي المَال غنى بامر خارجي عَن حَقِيقَة الانسان لَو ذهب فِي لَيْلَة اصبح فَقِيرا معدما وغني الْعلم لَا يخْشَى عَلَيْهِ الْفقر بل هُوَ فِي زايدة ابدا فَهُوَ الْغَنِيّ العالي حَقِيقَة كَمَا قيل غنيت بِلَا مَال عَن النَّاس كلهم ... وان الْغَنِيّ العالي عَن الشَّيْء لَا بِهِ الثَّانِي عشر ان المَال يستعبد محبه وَصَاحبه فَيَجْعَلهُ عبدا لَهُ كَمَا قَالَ النَّبِي تعس عبد الدِّينَار وَالدِّرْهَم الحَدِيث وَالْعلم يستعبده لرَبه وخالقه فَهُوَ لَا يَدعُوهُ إِلَّا الى عبودية الله وَحده الثَّالِث عشر ان احب الْعلم وَطَلَبه اصل كل طَاعَة وَحب الدُّنْيَا وَالْمَال وَطَلَبه اصل كل سَيِّئَة الرَّابِع عشر ان قيمَة الْغَنِيّ مَاله وَقِيمَة الْعَالم علمه فَهَذَا مُتَقَوّم بِمَالِه فَإِذا عدم مَاله عدمت قِيمَته وَبَقِي بِلَا قيمَة والعالم لاتزول قِيمَته بل هِيَ فيضاعف وَزِيَادَة دَائِما الْخَامِس عشر ان جَوْهَر المَال من جنس جَوْهَر الْبدن وجوهر الْعلم من جنس جَوْهَر الرّوح كَمَا قَالَ يُونُس بن حبيب علمك من روحك وَمَالك من بدنك وَالْفرق بَين الامرين كالفرق بَين الرّوح وَالْبدن السَّادِس عشر ان الْعَالم لَو عرض عَلَيْهِ بحظه من الْعلم الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا لم يرضها عوضا من علمه والغني الْعَاقِل إِذا رأى شرف الْعلم وفضله وابتهاجه بِالْعلمِ وكماله بِهِ يود لَو ان لَهُ علمه بغناه اجْمَعْ السَّابِع عشر انه مَا اطاع الله اُحْدُ قطّ الا بِالْعلمِ وَعَامة من يعصيه إِنَّمَا يعصيه بِالْمَالِ الثَّامِن عشر ان الْعَالم يَدْعُو النَّاس الى الله بِعِلْمِهِ وحاله وجامع المَال يَدعُوهُم الى الدُّنْيَا بِحَالهِ وَمَاله التَّاسِع عشر ان غنى المَال قد يكون سَبَب هَلَاك صَاحبه كثيرا فَإِنَّهُ معشوق النُّفُوس فَإِذا رَأَتْ من يستأثر بمعشوقها عَلَيْهَا سعت فِي هَلَاكه كَمَا هُوَ الْوَاقِع وَأما غنى

стр. 129

الْعلم فسبب حَيَاة الرجل وحياة غَيره بِهِ وَالنَّاس إِذا راوا من يستأثر عَلَيْهِم بِهِ ويطلبه احبوه وخدموه واكرموه الْعشْرُونَ إِن اللَّذَّة الْحَاصِلَة من غنى إِمَّا لَذَّة وهمية وَإِمَّا لَذَّة بهيمية فَإِن صَاحبه التذ بِنَفس جمعه وتحصيله فَتلك لَذَّة وهمية خيالية وان التذ بانفاقه فِي شهواته فَهِيَ لَذَّة بهيمية واما لَذَّة الْعلم فلذة عقلية روحانية وَهِي تشبه لَذَّة الْمَلَائِكَة وبهجتها وَفرق مَا بَين اللذتين الْحَادِي وَالْعشْرُونَ ان عقلاء الامم مطبقون على ذمّ الشره فِي جمع المَال الْحَرِيص عَلَيْهِ وتنقصه والازراء بِهِ ومطبقون على تَعْظِيم الشره فِي جمع الْعلم وتحصيله ومدحه ومحبته ورؤيته بِعَين الْكَمَال الثَّانِي وَالْعشْرُونَ انهم مطبقون على تَعْظِيم الزَّاهِد فِي المَال المعرض عَن جمعه الَّذِي لَا يلْتَفت اليه وَلَا يَجْعَل قلبه عبدا لَهُ ومطبقون على ذمّ الزَّاهِد فِي الْعلم الَّذِي لَا يلْتَفت اليه وَلَا يحرص عَلَيْهِ الثَّالِث وَالْعشْرُونَ ان المَال يمدح صَاحبه بتخليه مِنْهُ وإخراجه وَالْعلم إِنَّمَا يمدح يتخليه بِهِ واتصافه بِهِ الرَّابِع وَالْعشْرُونَ ان غنى المَال مقرون بالخوف والحزن فَهُوَ حَزِين قبل حُصُوله خَائِف بعد حُصُوله وَكلما كَانَ اكثر كَانَ الْخَوْف اقوى وغني الْعلم مقرون بالامن والفرح وَالسُّرُور الْخَامِس وَالْعشْرُونَ ان الْغنى بِمَالِه لَا بُد ان يُفَارِقهُ غناهُ ويتعذب ويتألم بمفارقته والغنى بِالْعلمِ لَا يَزُول وَلَا يتعذب صَاحبه لَا يتألم فلذة الْغنى بالماللذة زائلة مُنْقَطِعَة يعقبها الالم وَلَذَّة الْغنى بِالْعلمِ لَذَّة بَاقِيَة مستمرة لَا يلْحقهَا الم السَّادِس وَالْعشْرُونَ ان استلذاذ النَّفس وكمالها بالغني استكمال بعارية مُؤَدَّاة فتجملها بِالْمَالِ تجمل بِثَوْب مستعار لَا بُد ان يرجع الى مَالِكه يَوْمًا مَا واما تجملها بِالْعلمِ وكمالها بِهِ فتجمل بِصفة ثَابِتَة لَهَا راسخة فِيهَا لَا تفارقها السَّابِع وَالْعشْرُونَ ان الْغَنِيّ بِالْمَالِ هُوَ عين فقر النَّفس والغنى بِالْعلمِ هُوَ عين فقر النَّفس والغنى بِالْعلمِ هُوَ غناها بالحقيقي فغناها بعلمها هُوَ الْغَنِيّ غناها بمالها هُوَ الْفقر الثَّامِن وَالْعشْرُونَ ان من قدم وَأكْرم لمَاله إِذا زَالَ مَاله زَالَ تَقْدِيمه وإكرامه وَمن قدم وَأكْرم لعلمه لَا يزْدَاد الا تَقْدِيمًا وإكراما التَّاسِع وَالْعشْرُونَ ان تَقْدِيم الرجل لمَاله هُوَ عين ذمه فانه نِدَاء عَلَيْهِ بنقصه وانه لَوْلَا مَاله لَكَانَ مُسْتَحقّا للتأخر والاهانة واما تَقْدِيمه وإكرامه لعلمه فَإِنَّهُ عين كَمَاله إِذْ هُوَ تَقْدِيم لَهُ بِنَفسِهِ وبصفته الْقَائِمَة بِهِ لَا بِأَمْر خَارج عَن ذَاته الْوَجْه الثَّلَاثُونَ ان طَالب الْكَمَال بغنى المَال كالجامع بَين الضدين فَهُوَ طَالب مَالا سَبِيل لَهُ اليه وَبَيَان ذَلِك ان الْقُدْرَة صفة كَمَال وَصفَة الْكَمَال محبوبة بِالذَّاتِ والاستغناء عَن الْغَيْر ايضا صفة كَمَال محبوبة بِالذَّاتِ فَإِذا مَال الرجل بطبعه الى السخاوة والجود وَفعل المكرمات فَهَذَا كَمَال مَطْلُوب للعقلاء مَحْبُوب للنفوس وَإِذا الْتفت الى ان ذَلِك يقتضى خُرُوج المَال من يَده وَذَلِكَ يُوجب نَقصه واحتياجه الى الْغَيْر وَزَوَال قدرته نفرت نَفسه عَن السخاء وَالْكَرم والجود واصطناع الْمَعْرُوف وَظن ان كَمَاله فِي إمْسَاك المَال وَهَذِه البلية امْر ثَابت لعامة الْخلق لَا ينكفون عَنْهَا فلأجل ميل الطَّبْع الى حُصُول الْمَدْح وَالثنَاء والتعظيم بحب الْجُود والسخاء

стр. 130

والمكارم وَلأَجل فَوت الْقُدْرَة الْحَاصِلَة بِسَبَب اخراجه وَالْحَاجة المنافية لكَمَال الْغنى يحب ابقاء مَاله وَيكرهُ السخاء وَالْكَرم والجود فَيبقى قلبه وَاقِفًا بَين هذَيْن الداعيين يتجاذبانه ويعتور ان عَلَيْهِ فَيبقى الْقلب فِي مقَام الْمُعَارضَة بَينهمَا فَمن النَّاس من يتَرَجَّح عِنْده جَانب الْبَذْل والجود وَالْكَرم فَيُؤْثِرُهُ على الْجَانِب الاخر وَمِنْهُم من يتَرَجَّح عِنْده جَانب الامساك وَبَقَاء الْقُدْرَة والغني فَيُؤْثِرُهُ فهذان نظران للعقلاء وَمِنْهُم من يبلغ بِهِ الْجَهْل والحماقة الى حَيْثُ يُرِيد الْجمع بَين الْوَجْهَيْنِ فيعد النَّاس بالجود والسخاء والمكارم طَمَعا مِنْهُ فِي فوزه بالمدح وَالثنَاء على ذَلِك وَعند حُضُور الْوَقْت لَا يَفِي بِمَا قَالَ فَيسْتَحق الذَّم ويبذل بِلِسَانِهِ ويمسك بِقَلْبِه وَيَده فَيَقَع فِي أَنْوَاع القبائح والفضائح وَإِذا تَأَمَّلت احوال اهل الدُّنْيَا من الاغنياء رَأَيْتهمْ تَحت اسر هَذِه البلية وهم غَالِبا يَبْكُونَ ويشكون وَأما غنى الْعلم فَلَا يعرض لَهُ شَيْء من ذَلِك بل كلما بذله ازْدَادَ ببذلة فَرحا سُرُورًا وابتهاجا وَإِن فَاتَتْهُ لَذَّة اهل الْغنى وتمتعهم باموالهم فهم ايضا قد فَاتَتْهُمْ لَذَّة اهل الْعلم وتمتعهم بعلومهم وابتهاجهم بهَا فَمَعَ صَاحب الْعلم من اسباب اللَّذَّة مَا هُوَ اعظم واقوى وادوم من لَذَّة الْغنى وتعبه فِي تَحْصِيله وَجمعه وَضَبطه اقل من تَعب جَامع المَال فَجَمعه والمه دون المه كَمَا قَالَ تَعَالَى للْمُؤْمِنين تَسْلِيَة لَهُم بِمَا ينالهم من الالم والتعب فِي طَاعَته ومرضاته وَلَا تهنوا فِي ابْتِغَاء الْقَوْم ان تَكُونُوا تألمون فانهم يألمون كَمَا تألمون وترجون من الله مَالا يرجون وَكَانَ الله عليما حكيما الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ ان اللَّذَّة الْحَاصِلَة من المَال والغنى إِنَّمَا هِيَ حَال تجدده فَقَط واما حَال دَوَامه فإمَّا ان تذْهب تِلْكَ اللَّذَّة وَإِمَّا ان تنقص وَيدل عَلَيْهِ ان الطَّبْع يبْقى طَالبا لغنى آخر حَرِيصًا عَلَيْهِ فَهُوَ يحاول تَحْصِيل الزِّيَادَة دَائِما فَهُوَ فِي فقر مُسْتَمر غير منقض وَلَو ملك خَزَائِن الارض ففقره وَطَلَبه وحرصه بَاقٍ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ اُحْدُ المنهومين اللَّذين لَا يشبعان فَهُوَ لَا يُفَارِقهُ الم الْحِرْص والطلب وَهَذَا بِخِلَاف غنى الْعلم وَالْإِيمَان فان لذته فِي حَال بَقَائِهِ مثلهَا فِي حَال تجدده بل ازيد وصاحبها وان كَانَ لَا يزَال طَالبا للمزيد حَرِيصًا عَلَيْهِ فَطَلَبه وحرصه مستصحب للذة الْحَاصِل وَلَذَّة المرجو الْمَطْلُوب وَلَذَّة الطّلب وابتهاجه فرجه بِهِ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ ان غَنِي المَال يَسْتَدْعِي الانعام على النَّاس والاحسان اليهم فصاحبه اما ان يسد على نَفسه هَذَا الْبَاب واما ان يَفْتَحهُ عَلَيْهِ فان سَده على نَفسه اشْتهر عِنْد النَّاس بالبعد من الْخَيْر والنفع فَأَبْغضُوهُ وذموه واحتقروه وكل من كَانَ بغيضا عِنْد النَّاس حَقِيرًا لديهم كَانَ وُصُول الافات والمضرات اليه اسرع من النَّار فِي الْحَطب الْيَابِس وَمن السَّيْل فِي منحدره وَإِذا عرف من الْخلق انهم يمقتونه ويبغضونه وَلَا يُقِيمُونَ لَهُ وزنا تألم قلبه غَايَة التألم واحضر الهموم والغموم والاحزان وان فتح بَاب الاحسان وَالعطَاء فَإِنَّهُ لايمكنه ايصال الْخَيْر والاحسان الى كل اُحْدُ فَلَا بُد من إيصاله الى الْبَعْض وإمساكه عَن الْبَعْض وَهَذَا

стр. 131

يفتح عَلَيْهِ بَاب الْعَدَاوَة والمذمة من المحروم والمرحوم اما المحروم فَيَقُول كَيفَ جاد على غَيْرِي وبخل عَليّ واما المرحوم فَإِنَّهُ يلتذ ويفرح بِمَا حصل لَهُ من الْخَيْر والنفع فَيبقى طامعا مستشرفا لنظيره على الدَّوَام وَهَذَا قد يتَعَذَّر غَالِبا فيفضى ذَلِك الى الْعَدَاوَة الشَّدِيدَة والمذمة وَلِهَذَا قيل اتَّقِ شَرّ من احسنت اليه وَهَذِه الافات لَا تعرض فِي غنى الْعلم فَإِن صَاحبه يُمكنهُ بذله للْعَالم كلهم واشتراكهم فِيهِ وَالْقدر المبذول مِنْهُ بَاقٍ لاخذه لَا يَزُول بل يتجربه فَهُوَ كالغني إِذا اعطى الْفَقِير رَأس مَال يتجربه حَتَّى يصير غَنِيا مثله الْوَجْه الثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ ان جمع المَال مقرون بِثَلَاثَة انواع من الافات والمحن نوع قبله وَنَوع عِنْد حُصُوله وَنَوع بعدمفارقته فَأَما النَّوْع الاول فَهُوَ المشاق والانكاد والالام الَّتِي لَا يحصل الا بهَا واما النَّوْع الثَّانِي فمشقة حفظه وحرساته حراسته وَتعلق الْقلب بِهِ فَلَا يصبح الا مهموما وَلَا يُمْسِي الا مغموما فَهُوَ بِمَنْزِلَة عاشق مفرط الْمحبَّة قد ظفر بمعشوقته والعيون من كل جَانب ترمقه والالسن والقلوب ترشقه فَأَي عَيْش وَلَذَّة لمن هَذِه حَاله وَقد علم ان اعداءه وحساده لَا يفترون عَن سَعْيهمْ فِي التَّفْرِيق بَينه وَبَين معشوقه وَإِن لم يظفروا هم بِهِ دونه وَلَكِن مقصودهم ان يزيلوا اخْتِصَاصه بِهِ دونهم فَإِن فازوا بِهِ والا اسْتَووا فِي الحرمان فَزَالَ الِاخْتِصَاص المؤلم للنفوس وَلَو قدرُوا على مثل ذَلِك مَعَ الْعَالم لفعلوه وَلَكنهُمْ لما علمُوا انه لَا سَبِيل الى سلب علمه عَمدُوا الى جَحده وانكاره ليزيلوا من الْقُلُوب محبته وتقديمه وَالثنَاء عَلَيْهِ فَإِن بهر علمه وَامْتنع عَن مُكَابَرَة الْجُحُود والانكار رَمَوْهُ بالعظائم ونسبوه الى كل قَبِيح ليزيلوا من الْقُلُوب محبته ويسكنوا موضعهَا النفرة عَنهُ وبغضه وَهَذَا شغل السَّحَرَة بِعَيْنِه فَهَؤُلَاءِ سحرة بالسنتهم فَإِن عجزوا لَهُ عَن شَيْء من القبائح الظَّاهِرَة رَمَوْهُ بالتلبيس والتدليس والدوكرة والرياء وَحب الترفع وَطلب الجاه وَهَذَا الْقدر من معاداة اهل الْجَهْل وَالظُّلم للْعُلَمَاء مثل الْحر وَالْبرد لَا بُد مِنْهُ فَلَا يَنْبَغِي لمن لَهُ مسكة عقل ان يتَأَذَّى بِهِ إِذْ لَا سَبِيل لَهُ الى دَفعه بِحَال فليوطن نَفسه عَلَيْهِ كَمَا يوطنها على برد الشتَاء وحر الصَّيف وَالنَّوْع الثَّالِث من آفَات الْغنى مَا يحصل للْعَبد بعد مُفَارقَته من تعلق قلبه بِهِ وَكَونه قد حيل بَينه وَبَينه والمطالبة بحقوقه والمحاسبة على مقبوضه ومصروفه من ايْنَ اكْتَسبهُ وَفِيمَا ذَا انفقه وغنى الْعلم والايمان مَعَ سَلَامَته من هَذِه الافات فَهُوَ كَفِيل بِكُل لَذَّة وفرحة وسرور وَلَكِن لَا ينَال الا على جسر من التَّعَب وَالصَّبْر وَالْمَشَقَّة الرَّابِع وَالثَّلَاثُونَ ان لَذَّة الْغَنِيّ بِالْمَالِ مقرونة بخلطة النَّاس وَلَو لم يكن الا خدمه وازواجه وسراريه واتابعه إِذْ لَو انْفَرد الْغَنِيّ بِمَالِه وَحده من غير ان يتَعَلَّق بخادم اَوْ زوجه اَوْ اُحْدُ من النَّاس لم يكمل انتفاعه بِمَالِه وَلَا التذاذه بِهِ وَإِذا كَانَ كَمَال لذته بغناه مَوْقُوفا على اتِّصَاله بِالْغَيْر فَذَلِك منشأ الافات والالام وَلَو لم يكن الا اخْتِلَاف النَّاس وطبائعهم وارادتهم فقبيح هَذَا حسن ذَاك ومصلحة ذَاك مفْسدَة

стр. 132

هَذَا وَمَنْفَعَة هَذَا مضرَّة ذَاك وَبِالْعَكْسِ فَهُوَ مبتلى بهم فَلَا بُد من وُقُوع النفرة والتباغض والتعادي بَينهم وَبَينه فان ارضاءهم كلهم محَال وَهُوَ جمع بَين الضدين وارضاء بَعضهم واسخاط غَيره سَبَب الشَّرّ والمعاداة وَكلما طَالَتْ المخالطة ازدادت اسباب الشَّرّ والعداوة وقويت وَبِهَذَا السَّبَب كَانَ الشَّرّ الْحَاصِل من الاقارب والعشراء اضعاف الشَّرّ الْحَاصِل من الاجانب والبعداء وَهَذِه المخالطة انما حصلت من جَانب الْغَنِيّ بِالْمَالِ اما إِذا لم يكن فِيهِ فَضِيلَة لَهُم فانهم يتجنبون مخالطته ومعاشرته فيستريح من اذى الْخلطَة وَالْعشرَة وَهَذِه الافات مَعْدُودَة فِي الْغنى بِالْعلمِ الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ ان المَال لَا يُرَاد لذاته وعينه فَإِنَّهُ لَا يحصل بِذَاتِهِ شَيْء من الْمَنَافِع اصلا فَإِنَّهُ لَا يشْبع وَلَا يرْوى وَلَا يدفء وَلَا يمتع وَإِنَّمَا يُرَاد لهَذِهِ الاشياء فَإِنَّهُ لما كَانَ طَرِيقا اليها اريد ارادة الْوَسَائِل وَمَعْلُوم ان الغايات اشرف من الْوَسَائِل فَهَذِهِ الغايات اذا اشرف مِنْهُ وَهِي مَعَ شرفها بِالنِّسْبَةِ اليه نَاقِصَة دنيئة وَقد ذهب كثير من الْعُقَلَاء الى انها لَا حَقِيقَة لَهَا وانما هِيَ دمع الالم فَقَط فَإِن لبس الثِّيَاب مثلا إِنَّمَا فَائِدَته دفع التألم بِالْحرِّ وَالْبرد وَالرِّيح وَلَيْسَ فِيهَا لَذَّة زَائِدَة على ذَلِك وَكَذَلِكَ الاكل إِنَّمَا فَائِدَته دفع الم الْجُوع وَلِهَذَا لَو لم يجد الم الْجُوع لم يستطب الاكل وَكَذَلِكَ الشّرْب مَعَ الْعَطش والراحة مَعَ التَّعَب وَمَعْلُوم ان فِي مزاولة ذَلِك وتحصيله الما وضررا وَلَكِن ضَرَره وألمه اقل من ضَرَر مَا يدْفع بِهِ وألمه فَيحْتَمل الانسان اخف الضررين دفعا لاعظمهما وَحكى عَن بعض الْعُقَلَاء انه قيل لَهُ وَقد تنَاول قدحا كريها من الدَّوَاء كَيفَ حالك مَعَه قَالَ اصبحت فِي دَار بليات ادافع آفَات بآفات وَفِي الْحَقِيقَة فلذات الدُّنْيَا من المآكل والمشارب واللبس والمسكن والمنكح من هَذَا الْجِنْس واللذة الَّتِي يُبَاشِرهَا الْحس ويتحرك لَهَا الْجَسَد وَهِي الْغَايَة الْمَطْلُوبَة لَهُ من لَذَّة المنكح والمأكل شهوتي الْبَطن والفرج لَيْسَ لَهما ثَالِث الْبَتَّةَ الا مَا كَانَ وَسِيلَة اليهما وطريقا الى تحصيلهما وَهَذِه اللَّذَّة منغصة من وُجُوه عديدة مِنْهَا ان تصور زَوَالهَا وانقضائها وفنائها يُوجب تنغصها وَمِنْهَا انها ممزوجة بالافات ومعجونة بالالام محتاطة بالمخاوف وَفِي الْغَالِب لاتفي الامها بطيبها كَمَا قيل: قايست بَين جمَالهَا وفعالها ... فَإِذا الملاحة بالقباحة لاتفي وَمِنْهَا ان الاراذل من النَّاس وَسَقَطهمْ يشاركون فِيهَا كبراءهم وعقلاءهم بل يزِيدُونَ عَلَيْهِم فِيهَا اعظم زِيَادَة وافحشها فنسبتهم فِيهَا الى الافاضل كنسبة الْحَيَوَانَات الْبَهِيمَة اليهم فمشاركة الاراذل وَأهل الخسة والدناءة فِيهَا زيادتهم على الْعُقَلَاء فِيهَا مِمَّا يُوجب النفرة والاعراض عَنْهَا وَكثير من النَّاس حصل لَهُ الزّهْد فِي المحبوب والمعشوق مِنْهَا بِهَذِهِ الطَّرِيق هَذَا كثير فِي أشعار النَّاس ونثرهم كَمَا قيل

стр. 133

سأترك حبها من غير بغض ... وَلَكِن لِكَثْرَة الشُّرَكَاء فِيهِ إِذا وَقع الذُّبَاب على طَعَام ... رفعت يَدي وَنَفْسِي تشتيه وتجتنب الاسود ورودماء ... إِذا كَانَ الْكلاب يلغن فِيهِ وَقيل لزاهد مَا الَّذِي زهدك فِي الدُّنْيَا فَقَالَ خسة شركائها وَقلة وفائها وَكَثْرَة جفائها وَقيل لاخر فِي ذَلِك فَقَالَ مَا مددت يَدي الى شَيْء مِنْهَا إِلَّا وجدت غَيْرِي قد سبقني اليه فَاتْرُكْهُ لَهُ وَمِنْهَا ان الالتذاذ بموقعها إِنَّمَا هُوَ بِقدر الْحَاجة اليها والتألم بمطالبة النَّفس لتناولها وَكلما كَانَت شَهْوَة الظفر بالشَّيْء اقوى كَانَت اللَّذَّة الْحَاصِلَة بِوُجُودِهِ اكمل فَلَمَّا لم تحصل تِلْكَ الشَّهْوَة لم تحصل تِلْكَ اللَّذَّة فمقدار اللَّذَّة الْحَاصِلَة فِي الْحَال مسَاوٍ لمقدار الْحَاجة والالم والمضرة فِي الْمَاضِي وَحِينَئِذٍ يتقابل اللَّذَّة الْحَاصِلَة والالم الْمُتَقَدّم فيتساقطان فَتَصِير اللَّذَّة كانها لم تُوجد وَيصير بِمَنْزِلَة من شقّ بطن رجل ثمَّ خاطه وداواه بالمراهم اَوْ بِمَنْزِلَة من ضربه عشرَة اسواط واعطاه عشرَة دَرَاهِم وَلَا تخرج لذات الدُّنْيَا غَالِبا عَن ذَلِك وَمثل هَذَا لَا يعد لَذَّة وَلَا سَعَادَة وَلَا كمالا بل هُوَ بِمَنْزِلَة قَضَاء الْحَاجة من الْبَوْل وَالْغَائِط فَإِن الانسان يتَضَرَّر بثقله فَإِذا قضى حَاجته استراح مِنْهُ فاما ان يعد ذَلِك سَعَادَة وبهجة وَلَذَّة مَطْلُوبَة فَلَا وَمِنْهَا ان هَاتين اللذتين اللَّتَيْنِ هما اثر اللَّذَّات عِنْد النَّاس وَلَا سَبِيل الى نيلهما الا بِمَا يقْتَرن بهما قبلهمَا وبعدهما من مُبَاشرَة القاذورات والتالم الْحَاصِل عقبيهما مثل لَذَّة الاكل فَإِن الْعَاقِل لَو نظر الى طَعَامه حَال مخالطته رِيقه وعجنه بِهِ لنفرت نَفسه مِنْهُ وَلَو سقت تِلْكَ اللُّقْمَة من فِيهِ لنفر طبعه من اعادتها اليه ثمَّ ان لذته بِهِ إِنَّمَا تحصل فِي مجْرى نَحْو الاربع الاصابع فَإِذا فصل عَن ذَلِك المجرى زَالَ تلذذه بِهِ فَإِذا اسْتَقر فِي معدته وخالطه الشَّرَاب وَمَا فِي الْمعدة من الاجزاء الفضلية فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يصير فِي غَايَة الخسة فَإِن زَاد على مِقْدَار الْحَاجة اورث الادواء الْمُخْتَلفَة على تنوعها وَلَوْلَا ان بَقَاءَهُ مَوْقُوف على تنَاوله لَكَانَ تَركه وَالْحَالة هَذِه اليق بِهِ كَمَا قَالَ بَعضهم: لَوْلَا قَضَاءَهُ جرى نزهت انملتي ... عَن ان تلم بمأكول ومشروب وَأما لَذَّة الوقاع قدرهَا ابين من ان نذْكر آفاته وَيدل عَلَيْهِ ان اعضاء هَذِه اللَّذَّة هِيَ عَورَة الانسان الَّتِي يستحيا من رؤيتها وَذكرهَا وسترها امْر فطر الله عَلَيْهِ عباده وَلَا تتمّ لَذَّة المواقعة الا بالاطلاع عَلَيْهَا وإبرازها والتلطخ بالرطوبات المستقذرة المتولدة مِنْهَا ثمَّ إِن تَمامهَا إِنَّمَا يحصل بانفصال النُّطْفَة وَهِي اللَّذَّة الْمَقْصُودَة من الوقاع وزمنها يشبه الان الَّذِي لَا يَنْقَسِم فصعوبة تِلْكَ المزاولة والمحاولة والمطاولة والمراوضة والتعب لاجل لَذَّة لَحْظَة كمد الطّرف فَأَيْنَ مقايسة بَين هَذِه اللَّذَّة وَبَين التَّعَب فِي طَرِيق تَحْصِيلهَا وَهَذَا يدل على ان هَذِه

стр. 134

اللَّذَّة لَيست من جنس الْخيرَات والسعادات والكمال الَّذِي خلق لَهُ العَبْد وَلَا كَمَال لَهُ بِدُونِهِ بل ثمَّ امروراء ذَلِك كُله قد هيء لَهُ العَبْد وَهُوَ لَا يفعلن لَهُ لِغَفْلَتِه عَنهُ وإعراضه عَن التفتيش على طَرِيقه حَتَّى يصل اليه يسوم نَفسه مَعَ الانعام السَّائِمَة: قد هيؤك لأمر لَو فطنت لَهُ ... فاربأ نَفسك ان ترعى مَعَ الهمل وموقع هَذِه اللَّذَّات من النَّفس كموقع لَذَّة البرَاز من رجل احْتبسَ فِي مَوضِع لَا يُمكنهُ الْقيام الى الْخَلَاء وصارمضطرا اليه فَإِنَّهُ يجد مشقة شَدِيدَة وبلاء عَظِيما فَإِذا تمكن منالذهاب الى الْخَلَاء وَقدر على دفع ذَلِك الْخَبيث المؤذي وجد لَذَّة عَظِيمَة عِنْد دَفعه وإرساله وَلَا لَذَّة هُنَاكَ الا رَاحَته من حمل مَا يُؤْذِيه حمله فَعلم ان هَذِه اللَّذَّات إِمَّا ان تكون دفع آلام وَإِمَّا ان تكون لذات ضَعِيفَة خسيسة مقترنة بآفات ترى مضرتها عَلَيْهِ وَهَذَا كَمَا يعقب لَذَّة الوقاع من ضعف الْقلب وخفقان الْفُؤَاد وَضعف القوى الْبَدَنِيَّة والقلبية وَضعف الارواح واستيلاء العفونة على كل الْبدن واسرع الضعْف والخور اليه واستيلاء الاخلاط عَلَيْهِ لضعف الْقُوَّة عَن دَفعهَا وقهرها وَمِمَّا يدل على ان هَذِه اللَّذَّات لَيست خيرات وسعادات وكمالا ان الْعُقَلَاء من جَمِيع الامم مطبقون على ذمّ من كَانَت هِيَ نهمته وشغله ومصرف همته وإرادته والإزراء بِهِ وتحقير شَأْنه والحاقه بالبهائم ولايقيمون لَهُ وزنا وَلَو كَانَت خيرات وكمالا لَكَانَ من صرف اليها همته اكمل النَّاس وَمِمَّا يدل على ذَلِك ان الْقلب الَّذِي قد وَجه قَصده وإرادته الى هَذِه اللَّذَّات لَا يزَال مُسْتَغْرقا فِي الهموم والغموم والاحزان وَمَا يَنَالهُ من اللَّذَّات فِي جنب هَذِه الالام كقطرة فِي مجركما قيل سروره وزن حَبَّة وحزنه قِنْطَار فَإِن الْقلب يجرى مجْرى مرْآة مَنْصُوبَة على جِدَار وَذَلِكَ الْجِدَار ممر لانواع المشتهيات والملذوذات والمكروهات وَكلما مر بِهِ شَيْء من ذَلِك ظهر فِيهِ أَثَره فَإِن كَانَ محبوبا مشتهيا مَال طبعه اليه فَإِن لم يقدر على تَحْصِيله تألم وتعذب بفقده وَإِن قدر على تَحْصِيله تالم فِي طَرِيق الْحُصُول بالتعب وَالْمَشَقَّة ومنازعة الْغَيْر لَهُ ويتألم حَال حُصُوله خوفًا من فِرَاقه وَبعد فِرَاقه خوفًا على ذَهَابه وَإِن كَانَ مَكْرُوها لَهُ وَلم يقدر على دَفعه تألم بِوُجُودِهِ وَإِن قدر على دَفعه اشْتغل بِدَفْعِهِ ففاتته مصلحَة راجحة الْحُصُول فيتالم لفواتها فَعلم ان هَذَا الْقلب ابدا مُسْتَغْرق فِي بحار الهموم والغموم والاحزان وَإِن نَفسه تضحك عَلَيْهِ وترضيه بِوَزْن ذرة من لذته فيغيب بهَا عَن شُهُوده القناطير من المه وعذابه فَإِذا حيل بَينه وَبَين تِلْكَ اللَّذَّة وَلم يبْق لَهُ اليها سَبِيل تجرد ذَلِك الالم واحاط بِهِ وَاسْتولى عَلَيْهِ من كل جهاته فَقل مَا شِئْت فِي حَال عبد قد غيب عَنهُ سعده وحظوظه وافراحه واحضر شقوته وهمومه وغمومه واحزانه وَبَين العَبْد وَبَين هَذِه الْحَال ان ينْكَشف الغطاء وَيرْفَع السّتْر وينجلى الْغُبَار وَيحصل

стр. 135

مَا فِي الصُّدُور فَإِذا كَانَت هَذِه غَايَة اللَّذَّات الحيوانية الَّتِي هِيَ غَايَة جمع الاموال وطلبها فَمَا الظَّن بِقدر الْوَسِيلَة وَأما غنى الْعلم والايمان فدائم اللَّذَّة مُتَّصِل الفرحة مُقْتَض لانواع المسرة والبهجة لايزول فيحزن وَلَا يُفَارق فيؤلم بل اصحابه كَمَا قَالَ الله تَعَالَى فيهم ﴿لَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ السَّادِس وَالثَّلَاثُونَ ان غنى المَال يبغض الْمَوْت ولقاء الله فَإِنَّهُ لحبه لمَاله يكره مُفَارقَته وَيُحب بَقَاءَهُ ليتمتع بِهِ كَمَا شهد بِهِ الْوَاقِع وَأما الْعلم فَإِنَّهُ يحبب للْعَبد لِقَاء ربه ويزهده فِي هَذِه الْحَيَاة النكدة الفانية السَّابِع وَالثَّلَاثُونَ ان الاغنياء يَمُوت ذكرهم بموتهم وَالْعُلَمَاء يموتون وَيبقى ذكرهم كَمَا قَالَ امير الْمُؤمنِينَ فِي هَذَا الحَدِيث مَاتَ خزان الاموال وهم احياء وَالْعُلَمَاء باقون مَا بَقِي الدَّهْر فخزان الاموال احياء كاموات وَالْعُلَمَاء بعدموتهم اموات كأيحاء الثَّامِن وَالثَّلَاثُونَ ان نِسْبَة الْعلم الى الرّوح كنسبة الرّوح الى الْبدن فالروح ميتَة حَيَاتهَا بِالْعلمِ كَمَا ان الْجَسَد ميت حَيَاته بِالروحِ فالغني بِالْمَالِ غَايَته ان يزِيد فِي حَيَاة الْبدن واما الْعلم فَهُوَ حَيَاة الْقُلُوب والارواح كَمَا تقدم تَقْرِيره التَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ ان الْقلب ملك الْبدن وَالْعلم زينته وعدته وَمَاله وَبِه قوام ملكه وَالْملك لَا بُد لَهُ من عدد وعدة وَمَال وزينة فالعلم هُوَ مركبه وعدته وجماله واما المَال فغايته ان يكون زِينَة وجمالا للبدن إِذا انفقه فِي ذَلِك فَإِذا خزنه وَلم يُنْفِقهُ لم يكن زِينَة وَلَا جمالا بل نقصا ووبالا وَمن الْمَعْلُوم ان زِينَة الْملك بِهِ وَمَا بِهِ قوام ملكه اجل وافضل من زِينَة رَعيته وجمالهم فقوام الْقلب بِالْعلمِ كَمَا ان قوام الْجِسْم بالغذاء الْوَجْه الاربعون ان الْقدر الْمَقْصُود من المَال هُوَ مَا يَكْفِي العَبْد ويقيمه وَيدْفَع ضَرُورَته حَتَّى يتَمَكَّن من قَضَاء جهازه وَمن التَّزَوُّج لسفره الى ربه عزوجل فَإِذا زادعلى ذَلِك شغله وقطعه عَن السّفر وَعَن قَضَاء جهازه وتعبية زَاده فَكَانَ ضَرَره عَلَيْهِ أَكثر من مصْلحَته وَكلما ازاداد غناهُ بِهِ ازْدَادَ تثبطا وتخلفا عَن التجهز لما امامه وَأما الْعلم النافع فَكلما ازْدَادَ مِنْهُ ازْدَادَ فِي تعبية الزَّاد وَقَضَاء الجهاز واعداد عدَّة الْمسير وَالله الْمُوفق وَبِه الِاسْتِعَانَة وَلَا حول وَلَا قُوَّة الا بِهِ فَعدَّة هَذَا السّفر هُوَ الْعلم وَالْعَمَل وعدة الاقامة جمع الاموال والادخار وَمن اراد شَيْئا هيأ لَهُ عدته قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو أَرَادوا الْخُرُوج لأعدوا لَهُ عدَّة وَلَكِن كره الله انبعاثهم فَثَبَّطَهُمْ وَقيل اقعدوا مَعَ القاعدين﴾ قَوْله محبَّة الْعلم اَوْ الْعَالم دين يدان بهَا لَان الْعلم مِيرَاث الانبياء وَالْعُلَمَاء ورثتهم فمحبة الْعلم واهله محبَّة لميراث الانبياء وورثتهم وبغض الْعلم وَأَهله بغض لميراث الانبياء وورثتهم فمحبة الْعلم من عَلَامَات السَّعَادَة وبغض الْعلم من عَلَامَات الشقاوة وَهَذَا كُله إِنَّمَا هُوَ فِي علم الرُّسُل الَّذِي جاؤا بِهِ وورثوه للامة لَا فِي كل مَا يُسمى علما وايضا فَإِن محبَّة الْعلم تحمل على تعلمه واتباعه وَذَلِكَ هُوَ الدّين وبغضه ينْهَى عَن تعلمه واتباعه

стр. 136

وَذَلِكَ هُوَ الشَّقَاء والضلال وايضا فَإِن الله سُبْحَانَهُ عليم يحب كل عليم وَإِنَّمَا يضع علمه عِنْد من يُحِبهُ فَمن احب الْعلم واهله فقد احب مَا احب الله وَذَلِكَ مِمَّا يدان بِهِ قَوْله الْعلم يكْسب الْعَالم الطَّاعَة فِي حَيَاته وَجَمِيل الاحدوثة بعد مماته يكسبه ذَاك أَي يَجعله كسبا لَهُ ويورثه إِيَّاه وَيُقَال كَسبه ذَلِك عزا وَطَاعَة واكسبه لُغَتَانِ وَمِنْه حَدِيث خَدِيجَة رضى الله عَنْهَا إِنَّك لتصل الرَّحِم وَتصدق الحَدِيث وَتحمل الْكل وتكسب الْمَعْدُوم روى بِفَتْح التَّاء وَضمّهَا وَمَعْنَاهُ تكسب المَال والغنى هَذَا هُوَ اصواب وَقَالَت ائفة من رَوَاهُ بضَمهَا فَذَلِك من اكسبه مَالا وَعزا وَمن رَوَاهُ بِفَتْحِهَا فَمَعْنَاه تكسب انت المَال الْمَعْدُوم بمعرفتك وحذقك بِالتِّجَارَة ومعاذ الله من هَذَا الْفَهم وَخَدِيجَة اجل قدرا من تكلمها بِهَذَا فِي هَذَا الْمقَام الْعَظِيم ان تَقول لرَسُول الله اُبْشُرْ فوَاللَّه لَا يخزيك الله إِنَّك تكسب الدِّرْهَم وَالدِّينَار وتحسن التِّجَارَة وَمثل هَذِه التحريفات انما تذكر لِئَلَّا يغتربها فِي تَفْسِير كَلَام الله وَرَسُوله وَالْمَقْصُود ان قَوْله الْعلم يكْسب الْعَالم الطَّاعَة فِي حَيَاته أَي يَجعله مُطَاعًا لَان الْحَاجة الى الْعلم عَامَّة لكل اُحْدُ للملوك فَمن دونهم فَكل اُحْدُ مُحْتَاج إِلَى طَاعَة الْعَالم فَإِنَّهُ يامر بِطَاعَة الله وَرَسُوله فَيجب على الْخلق طَاعَته قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم﴾ وَفسّر اولى الامر بالعلماء قَالَ ابْن عَبَّاس هم الْفُقَهَاء وَالْعُلَمَاء اهل الدّين الَّذين يعلمُونَ النَّاس دينهم اوجب الله تَعَالَى طاعتهم وَهَذَا قَول مُجَاهِد وَالْحسن وَالضَّحَّاك احدى الرِّوَايَتَيْنِ عَن الامام احْمَد وفسروا بالامراء وَهُوَ قَول ابْن زيد احدى الرِّوَايَتَيْنِ عَن ابْن عَبَّاس وَأحمد والاية تتناولها جَمِيعًا فطاعة وُلَاة الامر وَاجِبَة إِذا امروا بِطَاعَة الله وَرَسُوله وَطَاعَة الْعلمَاء كَذَلِك فالعالم بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول الْعَامِل بِهِ اطوع فِي اهل الارض من كل اُحْدُ فَإِذا مَاتَ احيا الله ذكره وَنشر لَهُ فِي الْعَالمين احسن الثَّنَاء فالعالم بعد وَفَاته ميت وَهُوَ حَيّ بَين النَّاس وَالْجَاهِل فِي حَيَاته حَيّ وَهُوَ ميت بَين النَّاس كَمَا قيل وَفِي الْجَهْل قبل الْمَوْت موت لأَهله ... واجسامهم قبل الْقُبُور قُبُور وارواحهم فيوحشة من جسومهم ... وَلَيْسَ لَهُم حَتَّى النشور نشور وَقَالَ الاخر قد مَاتَ قوم وَمَا مَاتَت مكارمهم ... وعاش قوم وهم فِي النَّاس اموات وَقَالَ آخر وَمَا دَامَ ذكر العَبْد بِالْفَضْلِ بَاقِيا ... فَذَلِك حى وَهُوَ فِي الترب هَالك

стр. 137

وَمن تَأمل احوال ائمة الاسلام كأئمة الحَدِيث وَالْفِقْه كَيفَ هم تَحت التُّرَاب وهم فِي الْعَالمين كانهم احياء بَينهم لم يفقدوا مِنْهُم الا صورهم والا فَذكرهمْ وحديثهم وَالثنَاء عَلَيْهِم غير مُنْقَطع وَهَذِه هِيَ الْحَيَاة حَقًا حَتَّى عد ذَلِك حَيَاة ثَانِيَة كَمَا قَالَ المتنبي ذكر الْفَتى عيشه الثَّانِي وَحَاجته ... مَا فَاتَهُ وفضول الْعَيْش اشغال قَوْله وصنيعة المَال تَزُول بزواله يَعْنِي ان كل صَنِيعَة صنعت للرجل من اجل مَاله من إكرام ومحبة وخدمة وَقَضَاء حوائج وَتَقْدِيم واحترام وتولية وَغير ذَلِك فَإِنَّهَا إِنَّمَا هِيَ مُرَاعَاة لما لَهُ فَإِذا زَالَ مَاله وفارقه زَالَت تِلْكَ الضائع كلهَا حَتَّى إِنَّه رُبمَا لَا يسلم عَلَيْهِ من كَانَ يدأب فِي خدمته وَيسْعَى فِي مَصَالِحه وَقد اكثر النَّاس من هَذَا الْمَعْنى فِي اشعارهم وَكَلَامهم وَفِي مثل قَوْلهم من ودك لأمر ملك عِنْد انقضائه قَالَ بعض الْعَرَب وَمن هَذَا مَا قيل إِذا اكرمك النَّاس لمَال اَوْ سُلْطَان فَلَا يعجبنك ذَلِك فَإِن زَوَال الْكَرَامَة يزوالهما وَلَكِن ليعجبك ان اكرموك لعلم اَوْ دين وَهَذَا امْر لَا يُنكر فِي النَّاس حَتَّى انهم ليكرمون الرجل لثيابه فَإِذا نَزعهَا لم ير مِنْهُم تِلْكَ الْكَرَامَة وَهُوَ هُوَ قَالَ مَالك بَلغنِي ان أَبَا هُرَيْرَة دعى الى وَلِيمَة فَأتى فحجب فَرجع فَلبس غير تِلْكَ الثِّيَاب فَادْخُلْ فَلَمَّا وضع الطَّعَام ادخل كمه فِي الطَّعَام فعوتب فِي ذَلِك فَقَالَ إِن هَذِه الثباب هِيَ الَّتِي ادخلت فَهِيَ تَأْكُل حَكَاهُ ابْن مزين الطليطلي فِي كِتَابه وَهَذَا بِخِلَاف صَنِيعَة الْعلم فانها لَا تَزُول ابدا بل كل مآلها فِي زِيَادَة مالم يسلب ذَلِك الْعَالم علمه وضيعه الْعلم وَالدّين اعظم من صَنِيعَة المَال لانها تكون بِالْقَلْبِ وَاللِّسَان والجوارح فَهِيَ صادرة عَن حب وإكرام لاجل مَا أودعهُ الله تَعَالَى أَيَّاهُ من علمه وفضله بِهِ على غَيره وايضا فصنيعة الْعلم تَابِعَة لنَفس الْعَالم وذاته وصنيعة المَال تَابِعَة لمَاله الْمُنْفَصِل عَنهُ وايضا فصنيعة المَال صَنِيعَة مُعَاوضَة وصنيعه الْعلم وَالدّين صَنِيعَة حب وتقرب وديانة وايضا فصنيعه المَال تكون مَعَ الْبر والفاجر وَالْمُؤمن وَالْكَافِر واما صَنِيعَة الْعلم وَالدّين فَلَا تكون الا مَعَ اهل ذَلِك وَقد يُرَاد من هَذَا ايضا معنى آخر وَهُوَ ان من اصطنعت عِنْده صَنِيعَة بِمَالك إِذا زَالَ ذَلِك المَال وفارقه عدمت صنيعتك عِنْده واما من اصطنعت اليه صَنِيعَة علم وَهدى فَإِن تِلْكَ الصنيعة لَا تُفَارِقهُ ابدا بل ترى فِي كل وَقت كَأَنَّك اسديتها اليه حِينَئِذٍ قَوْله مَاتَ خزان الاموال وهم احياء تقدم بَيَانه وَكَذَا قَوْله وَالْعُلَمَاء باقون مَا بَقِي الدَّهْر وَقَوله اعيانهم مفقودة وامثالهم فِي الْقُلُوب مَوْجُودَة المُرَاد بامثالهم صورهم العلمية ووجودهم المثالي أَي وان فقدت ذواتهم فصورهم وامثالهم فِي الْقُلُوب لَا تفارقها وَهَذَا هُوَ الْوُجُود الذهْنِي العلمي لَان محبَّة النَّاس لَهُم واقتداءهم بهم وانتفاعهم بعلومهم

стр. 138

يُوجب ان لَا يزَالُوا نصب عيونهم وقبلة قُلُوبهم فهم موجودون مَعَهم وحاضرون عِنْدهم وان غَابَتْ عَنْهُم اعيانهم كَمَا قيل وَمن عجب اني احن اليهم ... واسال عَنْهُم من لقِيت وهم معي وتطلبهم عَيْني وهم فِي سوادها ... ويشتاقهم قلبِي وهم بَين اضلعي وَقَالَ آخر وَمن عجب ان يشكو الْبعد عاشق ... وَهل غَابَ عَن قلب الْمُحب حبيب خيالك فِي عَيْني وذكرك فِي فمي ... ومثواك فِي قلبِي فَأَيْنَ تغيب قَوْله آه إِن هَا هُنَا علما واشار الى صَدره يدل على جَوَاز اخبار الرجل بِمَا عِنْده من الْعلم وَالْخَيْر ليقتبس مِنْهُ ولينتفع بِهِ وَمِنْه قَول يُوسُف الصّديق ﵇ اجْعَلنِي على خَزَائِن الارض إِنِّي حفيظ عليم فَمن اخبر عَن نَفسه بِمثل ذَلِك ليكْثر بِهِ مَا يُحِبهُ الله وَرَسُوله من الْخَيْر فَهُوَ مَحْمُود وَهَذَا غير من اخبر بذلك ليتكثر بِهِ عِنْد النَّاس ويتعظم وَهَذَا يجازيه الله بمقت النَّاس لَهُ وصغره فِي عيونهم والاول يكثره فِي قُلُوبهم وعيونهم وَإِنَّمَا الاعمال بِالنِّيَّاتِ وَكَذَلِكَ إِذا اثنى الرجل على نَفسه ليخلص بذلك من مظْلمَة وَشر اَوْ ليستوفى بذلك حَقًا لَهُ يحْتَاج فِيهِ الى التَّعْرِيف بِحَالهِ اَوْ ليقطع عَنهُ اطماع السفلة فِيهِ اوعند خطبَته الى من لَا يعرف حَاله والاحسن فِي هَذَا ان يُوكل من يعرف بِهِ وبحاله فَإِن لِسَان ثَنَاء الْمَرْء على نَفسه قصير وَهُوَ فِي الْغَالِب مَذْمُوم لما يقْتَرن بِهِ من الْفَخر والتعاظم ثمَّ ذكر اصناف حَملَة الْعلم الَّذين لايصلحون لحمله وهم اربعة احدهم من لَيْسَ هُوَ بمأمون عَلَيْهِ وَهُوَ الَّذِي اوتى ذكاء وحفظا وَلَكِن مَعَ ذَلِك لم يُؤْت زكاء فَهُوَ يتَّخذ الْعلم الَّذِي هُوَ آلَة الدّين آلَة الدُّنْيَا يستجلبها بِهِ ويتوسل بِالْعلمِ اليها وَيجْعَل البضاعة الَّتِي هِيَ متجر الاخرة متجر الدُّنْيَا وَهَذَا غير امين على مَا حمله من الْعلم وَلَا يَجعله الله إِمَامًا فِيهِ قطّ فَإِن الامين هُوَ الَّذِي لاغرض لَهُ وَلَا إِرَادَة لنَفسِهِ الا اتِّبَاع الْحق وموافقته فَلَا يَدْعُو الى إِقَامَة رياسته وَلَا دُنْيَاهُ وَهَذَا الَّذِي قد اتخذ بضَاعَة الاخرة ومتجرها متجرا للدنيا قد خَان الله وخان عباده وخان دينه فَلهَذَا قَالَ غير مَأْمُون عَلَيْهِ وَقَوله يستظهر بحجج الله على كِتَابه وبنعمه على عباده هَذِه صفة هَذَا الخائن إِذا انْعمْ الله عَلَيْهِ استظهر بِتِلْكَ النِّعْمَة على النَّاس وَإِذا تعلم علما استظهر بِهِ على كتاب الله وَمعنى استظهاره بِالْعلمِ على كتاب الله تحكيمه عَلَيْهِ وتقديمه وإقامته دونه وَهَذِه حَال كثير مِمَّن يحصل لَهُ علم فَإِنَّهُ يسْتَغْنى بِهِ ويستظهر بِهِ ويحكمه وَيجْعَل كتاب الله تبعا لَهُ يُقَال استظهر فلَان على كَذَا بِكَذَا أَي ظهر عَلَيْهِ بِهِ وَتقدم وَجعله وَرَاء ظَهره وَلَيْسَت هَذِه حَال الْعلمَاء فَإِن الْعَالم

стр. 139

حَقًا يستظهر بِكِتَاب الله على كل مَا سواهُ فَيقدمهُ ويحكمه ويجعله عيارا على غَيره مهيمنا عَلَيْهِ كَمَا جعله الله تَعَالَى كَذَلِك فالمستظهر بِهِ موفق سعيد والمستظهر عَلَيْهِ مخذول شقي فَمن استظهر على الشَّيْء فقد جعله خلف ظَهره مقدما عَلَيْهِ مَا استظهر بِهِ وَهَذَا حَال من اشْتغل بِغَيْر كتاب الله عَنهُ وَاكْتفى بِغَيْرِهِ مِنْهُ وَقدم غَيره واخره والصنف الثَّانِي من حَملَة الْعلم المنقاد الَّذِي لم يثلج لَهُ صَدره وَلم يطمئن بِهِ قلبه بل هُوَ ضَعِيف البصيرة فِيهِ لكنه منقاد لأَهله وَهَذِه حَال اتِّبَاع الْحق من مقلديهم وَهَؤُلَاء وَإِن كَانُوا على سَبِيل نجاة فليسوا من دعاة الدّين وَإِنَّمَا هم من مكثري وَسَوَاد الْجَيْش لَا من امرائه وفرسانه والمنقاد منفعل من قَادَهُ يَقُودهُ وَهُوَ مُطَاوع الثلاثي واصله منقيد كمكتسب ثمَّ اعلت الْيَاء الْفَا لحركتها بعد فَتْحة فصارمن قادت تَقول قدته فانقاد أَي لم يمْتَنع والاحناء جَمِيع حنو بِوَزْن علم وَهِي الجوانب والنواحي وَالْعرب تَقول ازجر احناء طيرك أَي امسك نواحي خفتك وطيشك يَمِينا وَشمَالًا واماما وخلفا قَالَ لبيد فَقلت ازدجر احناء طيرك واعلمن ... بانك ان قدمت رجلك عاثر وَالطير هُنَا الخفة والطيش وَقَوله ينقدح الشَّك فِي قلبه بِأول عَارض من شُبْهَة هَذَا لضعف علمه وَقلة بصيرته إِذا وَردت على قلبه ادنى شُبْهَة قدحت فِيهِ الشَّك والريب بِخِلَاف الراسخ فِي الْعلم لَو وَردت عَلَيْهِ من الشّبَه بِعَدَد امواج الْبَحْر مَا ازالت يقينه وَلَا قدحت فِيهِ شكا لانه قد رسخ فِي الْعلم فَلَا تستفزه الشُّبُهَات بل إِذا وَردت عَلَيْهِ ردهَا حرس الْعلم وجيشه مغلولة مغلوبة والشبهة وَارِد يرد على الْقلب يحول بَينه وَبَين انكشاف الْحق لَهُ فَمَتَى بَاشر الْقلب حَقِيقَة الْعلم لم تُؤثر تِلْكَ الشُّبْهَة فِيهِ بل يقوى علمه ويقينه بردهَا وَمَعْرِفَة بُطْلَانهَا وَمَتى لم يُبَاشر حَقِيقَة الْعلم بِالْحَقِّ قلبه قدحت فِيهِ الشَّك بِأول وهلة فان تداركها والا تَتَابَعَت على قلبه امثالها حَتَّى يصير شاكا مُرْتَابا وَالْقلب يتوارده جيشان من الْبَاطِل جَيش شهوات الغي وجيش شُبُهَات الْبَاطِل فأيما قلب صغا اليها وركن اليها تشربها وامتلأ بهَا فينضح لِسَانه وجوارحه بموجبها فَإِن اشرب شُبُهَات الْبَاطِل تَفَجَّرَتْ على لِسَانه الشكوك والشبهات والايرادات فيظن الْجَاهِل ان ذَلِك لسعة علمه وَإِنَّمَا ذَلِك من عدم علمه ويقينه وَقَالَ لي شيخ الاسلام رضى الله عَنهُ وَقد جعلت اورد عَلَيْهِ غيرادا بعد إِيرَاد لات جعل قَلْبك للايرادات والشبهات مثل السفنجة فيتشربها فَلَا ينضح الا بهَا وَلَكِن اجْعَلْهُ كالزجاجة المصمتة تمر الشُّبُهَات بظاهرها وَلَا تَسْتَقِر فِيهَا فيراها بصفائه ويدفعها بصلابته وَإِلَّا فاذا اشربت قَلْبك كل شُبْهَة تمر عَلَيْهَا صَار مقرا للشبهات اَوْ كَمَا قَالَ فَمَا اعْلَم اني انتفعت بِوَصِيَّة فِي دفع الشُّبُهَات كانتفاعي بذلك وَإِنَّا سميت الشُّبْهَة شُبْهَة لاشتباه الْحق بِالْبَاطِلِ فِيهَا فانها تلبس ثوب الْحق على جسم الْبَاطِل وَأكْثر النَّاس اصحاب حسن ظَاهر فَينْظر النَّاظر فِيمَا البسته من اللبَاس فيعتقد صِحَّتهَا واما صَاحب الْعلم وَالْيَقِين

стр. 140

فانه لَا يغتر بذلك بل يُجَاوز نظره الى بَاطِنهَا وماتحت لباسها فينكشف لَهُ حَقِيقَتهَا وَمِثَال هَذَا الدِّرْهَم الزائف فَإِنَّهُ يغتر بِهِ الْجَاهِل بِالنَّقْدِ نظرا الى مَا عَلَيْهِ من لِبَاس الْفضة والناقد الْبَصِير يُجَاوز نظره الى مَا وَرَاء ذَلِك فَيطلع على زيفه فاللفظ الْحسن الفصيح هُوَ للشُّبْهَة بِمَنْزِلَة اللبَاس من الْفضة على الدِّرْهَم الزائف وَالْمعْنَى كالنحاس الَّذِي تَحْتَهُ وَكم قد قتل هَذَا الِاعْتِذَار من خلق لَا يحصيهم الا الله وَإِذا تَأمل الْعَاقِل الفطن هَذَا الْقدر وتدبره رأى اكثر النَّاس يقبل الْمَذْهَب والمقالة بِلَفْظ ويردها بِعَينهَا بِلَفْظ آخر وَقد رايت انا من هَذَا فِي كتب النَّاس مَا شَاءَ الله وَكم رد من الْحق بتشنيعه بلباس من اللَّفْظ قَبِيح وَفِي مثل هَذَا قَالَ ائمة السّنة مِنْهُم الامام احْمَد وَغَيره لَا نزيل عَن الله صفة من صِفَاته لاجل شناعة شنعت فَهَؤُلَاءِ الْجَهْمِية يسمون إِثْبَات صِفَات الْكَمَال لله من حَيَاته وَعلمه وَكَلَامه وسَمعه وبصره وَسَائِر مَا وصف بِهِ نَفسه تَشْبِيها وتجسيما وَمن اثْبتْ ذَلِك مشبها فَلَا ينفر من هَذَا الْمَعْنى الْحق لاجل هَذِه التَّسْمِيَة الْبَاطِلَة الا الْعُقُول الصَّغِيرَة القاصرة خفافيش البصائر وكل اهل نحلة ومقالة يكسون نحلتهم ومقالتهم احسن مَا يقدرُونَ عَلَيْهِ من الالفاظ ومقالة مخالفيهم اقبح مَا يقدرُونَ عَلَيْهِ من الالفاظ وَمن رزقه الله بَصِيرَة فَهُوَ يكْشف بِهِ حَقِيقَة مَا تَحت تِلْكَ الالفاظ من الْحق وَالْبَاطِل وَلَا تغتر بِاللَّفْظِ كَمَا قيل فِي هَذَا الْمَعْنى تَقول هَذَا جنى النَّحْل تمدحه ... وان نَشأ قلت ذَا قيء الزنابير مدحا وذما وَمَا جَاوَزت وصفهما ... وَالْحق قد يَعْتَرِيه سوء تَعْبِير فَإِذا اردت الِاطِّلَاع على كنه الْمَعْنى هَل هُوَ حق اَوْ بَاطِل فجرده من لِبَاس الْعبارَة وجرد قَلْبك عَن النفرة والميل ثمَّ اعط النّظر حَقه نَاظرا بِعَين الانصاف وَلَا تكن مِمَّن ينظر فِي مقَالَة اصحابه وَمن يحسن ظَنّه نظرا تَاما بِكُل قلبه ثمَّ ينظر فِي مقَالَة خصومه وَمِمَّنْ يسيء ظَنّه بِهِ كنظر الشزر والملاحظة فالناظر بِعَين الْعَدَاوَة يرى المحاسن مساوئ والناظر بِعَين الْمحبَّة عَكسه وَمَا سلم من هَذَا الا من اراد الله كرامته وارتضاه لقبُول الْحق وَقد قيل: وَعين الرِّضَا عَن كل عيب كليلة ... كَمَا ان عين السخط تبدي المساويا وَقَالَ آخر نظرُوا بِعَين عَدَاوَة لَو انها ... عين الرِّضَا الاستحسنوا مَا استقبحوا فَإِذا كَانَ هَذَا فِي نظر الْعين الَّذِي يدْرك الحسوسات وَلَا يتَمَكَّن من المكابرة فِيهَا فَمَا الظَّن بِنَظَر الْقلب الَّذِي يدْرك الْمعَانِي الَّتِي هِيَ عرضة المكابرة وَالله الْمُسْتَعَان على معرفَة الْحق وقبوله ورد الْبَاطِل وَعدم الاغترار بِهِ وَقَوله بِأول عَارض من شُبْهَة هَذَا دَلِيل ضعف عقله ومعرفته اذ

стр. 141

تُؤثر فِيهِ البداآت ويستفز باوائل الامور بِخِلَاف الثَّابِت التَّام الْعَاقِل فَإِنَّهُ لَا تستفزه البداآت وَلَا تزعجه وتقلقله فان الْبَاطِل لَهُ دهشة وروعة فِي اوله فَإِذا ثَبت لَهُ الْقلب رد على عَقِبَيْهِ وَالله يحب من عِنْده الْعلم والاناة فَلَا يعجل بل يثبت حَتَّى يعلم ويستيقن مَا ورد عَلَيْهِ وَلَا يعجل بِأَمْر من قبل استحكامه فالعلجة والطيش من الشَّيْطَان فَمن ثَبت عِنْد صدمة البداآت اسْتقْبل امْرَهْ بِعلم وَجزم وَمن لم يثبت لَهَا استقبله بعجله وطيش وعاقبته الندامة وعاقبة الاول حمدامره وَلَكِن للْأولِ آفَة مَتى قرنت بالحزم والعزم نجا مِنْهَا وَهِي الْفَوْت فَإِنَّهُ لَا يخَاف من التثبيت الا الْفَوْت فَإِذا اقْترن بِهِ الْعَزْم والحزم تمّ امْرَهْ وَلِهَذَا فِي الدُّعَاء الَّذِي وَرَاه الامام احْمَد وَالنَّسَائِيّ عَن النَّبِي اللَّهُمَّ اني اسالك الثَّبَات فِي الامر والعزيمة على الرشد وَهَاتَانِ الكلمتان هما جماع الْفَلاح وَمَا اتى العَبْد الا من تضييعهما اَوْ تَضْييع احدهما فَمَا اتى اُحْدُ الا من بَاب العجلة والطيش واستفزاز البداآت لَهُ أَو من بَاب التهاون والتمات وتضييع الفرصة بعد مواتاتها فَإِذا حصل الثَّبَات اولا والعزيمة ثَانِيًا افلح كل الْفَلاح وَالله ولي التَّوْفِيق الصِّنْف الثَّالِث رجل نهمته فِي نيل لذته فَهُوَ منقاد لداعي الشَّهْوَة ايْنَ كَانَ وَلَا ينَال دَرَجَة وراثة النُّبُوَّة مَعَ ذَلِك وَلَا وَلَا ينَال الْعلم الا بهجر اللَّذَّات وتطليق الرَّاحَة قَالَ مُسلم فِي صَحِيحه قَالَ يحيى بن أبي كثير لَا ينَال الْعلم براحة الْجِسْم وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ اجْمَعْ عقلاء كل امة ان النَّعيم لَا يدْرك بِالنعَم وَمن آثر الرَّاحَة فَاتَتْهُ الرَّاحَة فَمَا لصَاحب اللَّذَّات وَمَا لدرجة وراثة الانبياء فدع عَنْك الْكِتَابَة لست مِنْهَا ... وَلَو سودت وَجهك بالمداد فان الْعلم صناعَة الْقلب وشغله فَمَا لم تتفرغ لصناعته وشغله لم تنلها وَله وجهة وَاحِدَة فَإِذا وجهت وجهته الى اللَّذَّات والشهوات انصرفت عَن الْعلم وَمن لم يغلب لَذَّة إِدْرَاكه الْعلم وشهوته على لَذَّة جِسْمه وشهوة نَفسه لم ينل دَرَجَة الْعلم ابدا فَإِذا صَارَت شَهْوَته فِي الْعلم ولذته فِي كل إِدْرَاكه رجى لَهُ ان يكون من جملَة اعلة وَلَذَّة الْعلم لَذَّة عقلية روحانية من جنس لَذَّة الْمَلَائِكَة وَلَذَّة شهوات الاكل وَالشرَاب وَالنِّكَاح لَذَّة حيوانية يُشَارك الانسان فِيهَا الْحَيَوَان وَلَذَّة الشروالظلم وَالْفساد والعلوى فِي الارض شيطانية يُشَارك صَاحبهَا فِيهَا ابليس وَجُنُوده وَسَائِر اللَّذَّات تبطل بمقارفة الرّوح الْبدن الا لَذَّة الْعلم والايمان فَإِنَّهَا تكمل بعد الْمُفَارقَة لَان الْبدن وشواغله كَانَ ينقصها ويقللها ويحجبها فَإِذا انطوت الرّوح عَن الْبدن التذت لَذَّة كَامِلَة بِمَا حصلته من الْعلم النافع وَالْعَمَل الصَّالح فَمن طلب اللَّذَّة الْعُظْمَى وآثر النَّعيم والمقيم فَهُوَ فِي الْعلم والايمان اللَّذين بهما كَمَال سَعَادَة الانسان وايضا فَإِن تِلْكَ اللَّذَّات سريعة الزَّوَال وَإِذا انْقَضتْ اعقبت هما وغما وَألا يحْتَاج صَاحبهَا ان يداويه بِمِثْلِهَا دفعا للألمه وَرُبمَا كَانَ معاودته لَهَا مؤلما لَهُ كريها اليه لَكِن يحملهُ عَلَيْهِ مدواة ذَلِك الْغم والهم فَأَيْنَ هَذَا من لَذَّة الْعلم وَلَذَّة الايمان بِاللَّه ومحبته والاقبال عَلَيْهِ والتنعم بِذكرِهِ فَهَذِهِ هِيَ اللَّذَّة الْحَقِيقِيَّة

стр. 142

الصِّنْف الرَّابِع من حرصه وهمته فِي جمع الاموال وتثميرها وادخارها فقد صَارَت لذته فِي ذَلِك وفتى بهَا عَمَّا سواهُ فَلَا يرى شَيْئا اطيب لَهُ مِمَّا هُوَ فِيهِ فَمن ايْنَ هَذَا ودرجة الْعلم فَهَؤُلَاءِ الاصناف الاربعة لَيْسُوا من دعاة الدّين وَلَا من ائمة الْعلم وَلَا من طلبته الصَّادِقين فِي طلبه وَمن تعلق مِنْهُم بِشَيْء مِنْهُ فَهُوَ من المتسلقين عَلَيْهِ المتشبهين بحملته وَأَهله المدعين لوصاله المبتونين من حباله وفتنة هَؤُلَاءِ فتْنَة لكل مفتون فان النَّاس يتشبهون بهم لما يظنون عِنْدهم من الْعلم وَيَقُولُونَ لسنا خيرا مِنْهُم وَلَا نرغب بِأَنْفُسِنَا عَنْهُم فهم حجَّة لكل مفتون وَلِهَذَا قَالَ فيهم بعض الصَّحَابَة الْكِرَام احْذَرُوا فتْنَة الْعَالم الْفَاجِر وَالْعَابِد الْجَاهِل فَإِن فتنتهما فتْنَة لكل مفتون وَقَوله اقْربْ شبها بهم الانعام السَّائِمَة وَهَذَا التَّشْبِيه مَأْخُوذ من قَوْله تَعَالَى ان هم كالأنعام بل هم اضل سَبِيلا فَمَا اقصر سُبْحَانَهُ على تشبيههم بالانعام حَتَّى جعلهم اضل سَبِيلا مِنْهُم والسائمة الراعية وَشبه امير الْمُؤمنِينَ هَؤُلَاءِ بهَا لَان همتهم فِي سعي الدُّنْيَا وحطامها وَالله تَعَالَى يشبه اهل الْجَهْل والغي تَارَة بالانعام وَتارَة بالحمر وَهَذَا تَشْبِيه لمن تعلم علما وَلم يعقله وَلم يعْمل بِهِ فَهُوَ كالحمار الَّذِي يحمل اسفارا وَتارَة بالكلب وَهَذَا لمن انْسَلَخَ عَن الْعلم واخلد الى الشَّهَوَات والهوى وَقَوله كَذَلِك يَمُوت الْعلم بِمَوْت حامليه هَذَا من قَول النَّبِي فِي حَدِيث عبد الله بن عمر وَعَائِشَة رضى الله عَنْهُم وَغَيرهمَا ان الله لَا يقبض الْعلم انتزاعا ينتزعه من صُدُور الرِّجَال وَلَكِن يقبض الْعلم بِقَبض الْعلمَاء فَإِذا لم يبْق عَالم اتخذ النَّاس رُؤَسَاء جُهَّالًا فسئلوا فأفتوا بِغَيْر علم فضلوا واضلوا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه فذهاب الْعلم إِنَّمَا هُوَ بذهاب الْعلمَاء قَالَ ابْن مَسْعُود يَوْم مَاتَ عمر رضى الله عَنهُ اني لاحسب تِسْعَة اعشار الْعلم الْيَوْم قد ذهب وَقد تقدم قَول عمر رضى الله عَنهُ موت الف عَابِد اهون من موت عَالم بَصِير بحلال الله وَحَرَامه وَقَوله اللَّهُمَّ بلَى لن تَخْلُو الارض من مُجْتَهد قَائِم لله بحجج الله وَيدل عَلَيْهِ الحَدِيث الصَّحِيح عَن النَّبِي لَا تزَال طَائِفَة من امتي على الْحق لَا يضرهم من خذلهم وَلَا من خالفهم حَتَّى يَأْتِي امْر الله وهم على ذَلِك وَيدل عَلَيْهِ ايضا مارواه التِّرْمِذِيّ عَن قُتَيْبَة حَدثنَا حَمَّاد بن يحيى الابح عَن ثَابت عَن انس قَالَ قَالَ رَسُول الله مثل امتي مثل الْمَطَر لَا يدرى اوله خير ام آخِره قَالَ هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب ويروى عَن عبد الرحمن بن مهْدي انه كَانَ يثبت حَمَّاد بن يحيى الابح وَكَانَ يَقُول هُوَ من شُيُوخنَا وَفِي الْبَاب عَن عمار وَعبد الله بن عَمْرو فَلَو لم يكن فِي اواخر الامة قَائِم بحجج الله مُجْتَهد لم يَكُونُوا موصوفين بِهَذِهِ الْخَيْرِيَّة وايضا فَإِن هَذِه الامة اكمل الامم وَخير امة اخرجت للنَّاس ونبيها خَاتم النَّبِيين لَا نَبِي بعده فَجعل الله الْعلمَاء فِيهَا كلما هلك عَالم خلقه عَالم لِئَلَّا تطمس معالم الدّين وتخفى اعلامه وَكَانَ بَنو اسرائيل كلما هلك نَبِي خَلفه نَبِي فَكَانَت تسوسهم الانبياء وَالْعُلَمَاء لهَذِهِ الامة كالانبياء فِي بني اسرائيل وَأَيْضًا فَفِي الحيدث الاخر يحمل هَذَا الْعلم من كل خلف عَدو لَهُ ينفون عَنهُ تَحْرِيف الغالين

стр. 143

وانتحال المبطلين وتاويل الْجَاهِلين وَهَذَا يدل على انه لَا يزَال مَحْمُولا فِي الْقُرُون قرنا بعد قرن وَفِي صَحِيح ابي حَاتِم من حَدِيث الْخَولَانِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله لَا يزَال الله يغْرس فِي هَذَا الدّين غرسا يستعملهم فِي طَاعَته وغرس الله هم اهل الْعلم وَالْعَمَل فَلَو خلت الارض من عَالم خلت من غرس الله وَلِهَذَا القَوْل حجج كَثِيرَة لَهَا مَوضِع آخر وَزَاد الكذابون فِي حَدِيث على إِمَّا ظَاهرا مَشْهُورا وَإِمَّا خفِيا مَسْتُورا وظنوا ان ذَلِك دَلِيل لَهُم على القَوْل بالمنتظر وكلن هَذِه الزِّيَادَة من وضع بعض كَذَا بيهم والْحَدِيث مَشْهُور عَن عَليّ لم يقل اُحْدُ عَنهُ هَذِه الْمقَالة الا كَذَّاب وحجج اله لَا تقوم بخفي مَسْتُور لَا يَقع الْعَالم لَهُ على خبر وَلَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ فِي شَيْء اصلا فَلَا جَاهِل يتَعَلَّم مِنْهُ وَلَا ضال يَهْتَدِي بِهِ وَلَا خَائِف يَأْمَن بِهِ وَلَا ذليل يتعزز بِهِ فَأَي حجَّة لله قَامَت بِمن لَا يرى لَهُ شخص وَلَا يسمع مِنْهُ كلمة وَلَا يعلم لَهُ مَكَان وَلَا سِيمَا على أصُول الْقَائِلين بِهِ فَإِن الَّذِي دعاهم الى ذَلِك انهم قَالُوا لَا بُد مِنْهُ فِي اللطف بالمكلفين وَانْقِطَاع حجتهم عَن الله فيالله الْعجب أَي لطف حصل بِهَذَا الْمَعْدُوم لَا الْمَعْصُوم وَأي حجَّة اثبتم لِلْخلقِ على رَبهم باصلكم الْبَاطِل فَإِن هَذَا الْمَعْدُوم إِذا لم يكن لَهُم سَبِيل قطّ الى لِقَائِه والاهتداء بِهِ فَهَل فِي تَكْلِيف مَالا يُطَاق ابلغ من هَذَا وَهل فِي الْعذر وَالْحجّة ابلغ من هَذَا فَالَّذِي فررتم مِنْهُ وَقَعْتُمْ فِي شَرّ مِنْهُ وكنتم فِي ذَلِك كَمَا قيل: المستجير بِعَمْرو عِنْد كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنَّار وَلَكِن ابي الله الا ان يفضح من تنقص بالصحابة الاخيار وبسادة هَذِه الامة وان يرى النَّاس عَوْرَته ويغريه بكشفها ونعوذ بِاللَّه من الخذلان وَلَقَد احسن الْقَائِل: مَا آن للسرداب ان يلد الَّذِي ... حملتموه بزعمكم مَا آنا فعلى عقولكم العفاء فانكم ... ثلثتم العنقاء والغيلانا وَلَقَد بطلت حجج استودعها مثل هَذَا الْغَائِب وضاعت اعظم ضيَاع فانتم ابطلتم حجج الله من حَيْثُ زعمتم حفظهَا وَهَذَا تَصْرِيح من امير الْمُؤمنِينَ رضى الله عَنهُ بَان حَامِل حجج الله فِي الارض بِحَيْثُ يُؤَدِّيهَا عَن الله ويبلغها الى عباده مثله رضى الله عَنهُ وَمثل إخوانه من الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَمن اتبعهم الى يَوْم الْقِيَامَة وَقَوله لكيلا تبطل حجج الله وبيناته أَي لكيلا تذْهب من بَين يَدي النَّاس وَتبطل من صُدُورهمْ والا فالبطلان محَال عَلَيْهَا لانها ملزوم مَا يَسْتَحِيل عَلَيْهِ الْبطلَان فَإِن قيل فَمَا الْفرق بَين الْحجَج والبينات قيل الْفرق بَينهمَا ان الْحجَج هِيَ الادلة العلمية الَّتِي يَعْقِلهَا الْقلب وَتسمع بالاذن قَالَ تَعَالَى فِي مناظرة إِبْرَاهِيم لِقَوْمِهِ وتبيين بطلَان مَا هم عَلَيْهِ بِالدَّلِيلِ العلمي وَتلك حجتنا آتَيْنَاهُم إِبْرَاهِيم على قومه نرفع دَرَجَات من نشَاء قَالَ ابْن زيد بِعلم الْحجَّة وَقَالَ تَعَالَى فان حاجوك فَقل اسلمت وَجْهي لله وَمن اتبعني وَقَالَ

стр. 144

تَعَالَى ﴿وَالَّذين يحاجون فِي الله من بعد مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حجتهم داحضة عِنْد رَبهم﴾ وَالْحجّة هِيَ اسْم لما يحْتَج بِهِ من حق وباطل قَالَ تَعَالَى لِئَلَّا يكون للنَّاس علكيم حجَّة الا الَّذين ظلمُوا مِنْهُم فانهم يحتجون عَلَيْكُم بِحجَّة بَاطِلَة ﴿فَلَا تخشوهم واخشوني﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا تتلى عَلَيْهِم آيَاتنَا بَيِّنَات مَا كَانَ حجتهم إِلَّا أَن قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ وَالْحجّة المضافة الى الله هِيَ الْحق وَقد تكون الْحجَّة بِمَعْنى الْمُخَاصمَة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿فَلذَلِك فَادع واستقم كَمَا أمرت وَلَا تتبع أهواءهم وَقل آمَنت بِمَا أنزل الله من كتاب وَأمرت لأعدل بَيْنكُم الله رَبنَا وربكم لنا أَعمالنَا وَلكم أَعمالكُم لَا حجَّة بَيْننَا وَبَيْنكُم﴾ أَي قد وضح الْحق واستبان وَظهر فَلَا خُصُومَة بَيْننَا بعد ظُهُوره وَلَا مجادلة فان الْجِدَال شَرِيعَة مَوْضُوعَة للتعاون على إِظْهَار الْحق فَإِذا ظهر الْحق وَلم يبْق بِهِ خَفَاء فَلَا فَائِدَة فِي الْخُصُومَة والجدال على بَصِيرَة مخاصمة الْمُنكر ومجادلته عناء لَا غنى فِيهِ هَذَا معنى هَذِه الاية وَقد يَقع فِي وهم كثير من الْجُهَّال ان الشَّرِيعَة لَا احتجاج فِيهَا وان الْمُرْسل بهَا صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ لم يكن يحْتَج على خصومه وَلَا يجادلهم ويظن جهال المنطقيين وفروخ اليونان ان الشَّرِيعَة خطاب لِلْجُمْهُورِ وَلَا احتجاج يها فيوان الانبياء دعوا الْجُمْهُور بطرِيق الخطابة والحجج للخواص وهم اهل الْبُرْهَان يعنون نُفُوسهم وَمن سلك طريقتهم وكل هَذَا من جهلهم بالشريعة وَالْقُرْآن فَإِن الْقُرْآن مَمْلُوء من الْحجَج والادلة والبراهين فِي مسَائِل التَّوْحِيد واثبات الصَّانِع والمعاد وإرسال الرُّسُل وحدوث الْعَالم فَلَا يذكر المتكلمون وَغَيرهم دَلِيلا صَحِيحا على ذَلِك الا وَهُوَ فِي الْقُرْآن بافصح عبارَة واوضح بَيَان وَأتم معنى وابعده عَن الايرادات والاسئلة وَقد اعْترف بِهَذَا حذاق الْمُتَكَلِّمين من الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين قَالَ ابو حَامِد فِي اول الاحياء فَإِن قلت فَلم لم تورد فِي اقسام الْعلم الْكَلَام والفلسفة وَتبين انهما مذمومان اَوْ ممدوحان فَاعْلَم ان حَاصِل مَا يشْتَمل عَلَيْهِ الْكَلَام من الادلة الَّتِي ينْتَفع بهَا فالقرآن والاخبار مُشْتَمِلَة عَلَيْهِ وَمَا خرج عَنْهُمَا فَهُوَ إِمَّا مجادلة مذمومة وَهِي من الْبدع كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه واما مشاغبة بالتعلق بمناقضات الْفرق وَتَطْوِيل بِنَقْل المقالات الَّتِي اكثرها ترهات وَهَذَا يانات تزدريها الطباع وتمجها الاسماع وَبَعضهَا خوض فِيمَا لَا يتَعَلَّق بِالدّينِ وَلم يكن شَيْء مِنْهُ مألوفا فِي الْعَصْر الاول وَلَكِن تغير الان حكمه إِذا حدثت الْبدع الصارفة عَن مُقْتَضى الْقُرْآن وَالسّنة لفقت لَهَا شبها ورتبت لَهَا كلَاما مؤلفا فَصَارَ ذَلِك الْمَحْظُور بِحكم الضَّرُورَة مَأْذُونا فِيهِ وَقَالَ الرَّازِيّ فِي كِتَابه اقسام اللَّذَّات لقد تَأَمَّلت الْكتب الكلامية والمناهج الفلسفية فَمَا رَأَيْتهَا تروي غليلا وَلَا تشفى عليلا ورايت اقْربْ الطّرق طَريقَة الْقُرْآن اقرا فِي الاثبات اليه يصعدالكلم الطّيب ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ واقرا فِي النَّفْي ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ وَمن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي وَهَذَا الَّذِي اشار اليه بِحَسب مافتح لَهُ من

стр. 145

دلَالَة الْقُرْآن بطرِيق الْخَبَر وَإِلَّا فدلالته البرهانية الْعَقْلِيَّة الَّتِي يُشِير اليها ويرشد اليها فَتكون دَلِيلا سمعيا عقليا امْر تميز بِهِ الْقُرْآن وَصَارَ الْعَالم بِهِ من الراسخين فِي الْعلم وَهُوَ الْعلم الَّذِي يطمئن اليه الْقلب وتسكن عِنْده النَّفس ويزكو بِهِ الْعقل وتستنير بِهِ البصيرة وتقوى بِهِ الْحجَّة وَلَا سَبِيل لَاحَدَّ من الْعَالمين الى قطع من حَاج بِهِ بل من خَاصم بِهِ فلجت حجَّته وَكسر شُبْهَة خَصمه وَبِه فتحت الْقُلُوب واستجيب لله وَلِرَسُولِهِ وَلَكِن اهل هَذَا الْعلم لاتكاد الاعصار تسمح مِنْهُم الا بِالْوَاحِدِ بعد الْوَاحِد فدلالة الْقُرْآن سمعية عقلية قَطْعِيَّة يقينية لَا تعترضها الشُّبُهَات وَلَا تتداولها الِاحْتِمَالَات وَلَا ينْصَرف الْقلب عَنْهَا بعد فهمها ابدا وَقَالَ بعض الْمُتَكَلِّمين افنيت عمري فِي الْكَلَام اطلب الدَّلِيل وانا لاأزداد الا بعدا عَن الدَّلِيل فَرَجَعت الى الْقُرْآن اتدبره واتفكر فِيهِ واذا انا بِالدَّلِيلِ حَقًا معي وانا لَا أشعر بِهِ فَقلت وَالله مَا مثلي الا كَمَا قَالَ الْقَائِل: وَمن الْعَجَائِب والعجائب جمة ... قرب الحبيب وَمَا اليه وُصُول كالعيش فِي الْبَيْدَاء يَقْتُلهَا الظما ... ولاماء فَوق ظُهُورهَا مَحْمُول ... قَالَ فَلَمَّا رجعت الى الْقُرْآن إِذا هُوَ الحكم وَالدَّلِيل وَرَأَيْت فِيهِ من ادلة الله وحججه وبراهينه وبيناته مَا لَو جمع كل حق قَالَه المتكلمون فِي كتبهمْ لكَانَتْ سُورَة من سور الْقُرْآن وافية بمضمونه مَعَ حسن الْبَيَان وفصاحة اللَّفْظ وتطبيق الْمفصل وَحسن الِاحْتِرَاز والتنبيه على مواقع الشّبَه والارشاد الى جوابها وَإِذا هُوَ كَمَا قيل بل فَوق مَا قيل: كفى وشفى مَا فِي الْفُؤَاد فَلم يدع ... لذِي ارب فِي القَوْل جدا وَلَا هزلا وَجعلت جيوش الْكَلَام بعد ذَلِك تفد الى كَمَا كَانَت وتتزاحم فِي صَدْرِي وَلَا ياذن لَهَا الْقلب بِالدُّخُولِ فِيهِ وَلَا تلقى مِنْهُ إقبالا وَلَا قبولا فترجع على ادبارها وَالْمَقْصُود ان الْقُرْآن مَمْلُوء بالاحتجاج وَفِيه جَمِيع انواع الادلة والاقيسة الصَّحِيحَة وَأمر الله تَعَالَى رَسُوله فِيهِ بِإِقَامَة الْحجَّة والمجادلة فَقَالَ تَعَالَى ﴿وجادلهم بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾ وَقَالَ ﴿وَلَا تجادلوا أهل الْكتاب إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾ وَهَذِه مناظرات الْقُرْآن مَعَ الْكفَّار مَوْجُودَة فِيهِ وَهَذِه مناظرات رَسُول الله واصحابه لخصومهم وَإِقَامَة الْحجَج عَلَيْهِم لَا يُنكر ذَلِك الا جَاهِل مفرط فِي الْجَهْل وَالْمَقْصُود الْفرق بَين الْحجَج والبينات فَنَقُول الْحجَج الادلة العلمية والبيانات جمع بَيِّنَة وَهِي صفة فِي الاصل يُقَال آيَة بَيِّنَة وَحجَّة بَيِّنَة وَالْبَيِّنَة اسْم لكل مَا يبين الْحق من عَلامَة مَنْصُوبَة اَوْ أَمارَة اَوْ دَلِيل علمي قَالَ تَعَالَى لقد ارسلنا رسلنَا بالبيانات وانزلنا مَعَهم الْكتاب وَالْمِيزَان فالبينات الايات الَّتِي اقامها الله دلَالَة على صدقهم من المعجزات وَالْكتاب هُوَ الدعْوَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن أول بَيت وضع للنَّاس للَّذي ببكة مُبَارَكًا وَهدى للْعَالمين فِيهِ آيَات بَيِّنَات مقَام إِبْرَاهِيم﴾ ومقام إِبْرَاهِيم آيَة جزئية مرئية بالابصار
следующие страницы →