Полный текст (234 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله رب الْعَالمين وَلَا عدوان إِلَّا على الظَّالِمين وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا مُحَمَّد سيد الْمُرْسلين وَإِمَام الْمُتَّقِينَ وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ (أما بعد) فَهَذَا كتاب مُشْتَمل على ذكر جمل فِي الْكَبَائِر والمحرمات والمنهيات
الْكَبَائِر
مَا نهى الله وَرَسُوله عَنهُ فِي الْكتاب وَالسّنة والأثر عَن السلف الصَّالِحين وَقد ضمن الله تَعَالَى فِي كِتَابه الْعَزِيز لمن اجْتنب الْكَبَائِر والمحرمات أَن يكفر عَنهُ الصَّغَائِر من السَّيِّئَات لقَوْله تَعَالَى ﴿إِن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ نكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ وَنُدْخِلكُمْ مدخلاً كَرِيمًا﴾ فقد تكفل الله تَعَالَى بِهَذَا النَّص لمن اجْتنب الْكَبَائِر أَن يدْخلهُ الْجنَّة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين يجتنبون كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش وَإِذا مَا غضبوا هم يغفرون﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿الَّذين يجتنبون كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إِلَّا اللمم إِن رَبك وَاسع الْمَغْفِرَة﴾
стр. 2
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ الصَّلَوَات الْخمس () وَالْجُمُعَة إِلَى الْجُمُعَة ورمضان إِلَى رَمَضَان مكفرات () لما بَينهُنَّ إِذا اجْتنبت الْكَبَائِر فَتعين علينا الفحص عَن الْكَبَائِر مَا هِيَ لكَي يجتنبها الْمُسلمُونَ () فَوَجَدنَا الْعلمَاء رَحِمهم الله تَعَالَى قد اخْتلفُوا فِيهَا فَقيل هِيَ سبع وَاحْتَجُّوا بقول النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وعَلى آله وَسلم اجتنبوا السَّبع الموبقات فَذكر مِنْهَا الشرك بِاللَّه وَالسحر وَقتل النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَأكل مَال الْيَتِيم وَأكل الرِّبَا والتولي يَوْم الزَّحْف وَقذف الْمُحْصنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات مُتَّفق عَلَيْهِ () وَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ هِيَ إِلَى السّبْعين أقرب مِنْهَا إِلَى السَّبع وَصدق وَالله ابْن عَبَّاس () وَأما الحَدِيث فَمَا فِيهِ حصر الْكَبَائِر وَالَّذِي يتَّجه وَيقوم عَلَيْهِ الدَّلِيل أَن من ارْتكب شَيْئا من هَذِه العظائم مِمَّا فِيهِ حد فِي الدُّنْيَا كَالْقَتْلِ وَالزِّنَا وَالسَّرِقَة أَو جَاءَ فِيهِ وَعِيد فِي الْآخِرَة من عَذَاب أَو غضب أَو تهديد أَو لعن فَاعله على لِسَان نَبينَا مُحَمَّد ﷺ فَإِنَّهُ كَبِيرَة () وَلَا بُد من تَسْلِيم أَن بعض الْكَبَائِر
стр. 3
أكبر من بعض أَلا ترى أَنه ﷺ عد الشرك بِاللَّه من الْكَبَائِر مَعَ أَن مرتكبه مخلد فِي النَّار وَلَا يغْفر لَهُ أبداً قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾
الْكَبِيرَة الأولى الشرك بِاللَّه
فأكبر الْكَبَائِر الشرك بِاللَّه تَعَالَى وَهُوَ نَوْعَانِ أَحدهمَا أَن يَجْعَل لله نداً ويعبد غَيره من حجر أَو شجر أَو شمس أَو قمر أَو نَبِي أَو شيخ أَو نجم أَو ملك أَو غير ذَلِك وَهَذَا هُوَ الشرك الْأَكْبَر الَّذِي ذكره الله قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الشرك لظلم عَظِيم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّه من يُشْرك بِاللَّه فقد حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة ومأواه النَّار﴾ والآيات فِي ذَلِك كَثِيرَة فَمن أشرك بِاللَّه ثمَّ مَاتَ مُشْركًا فَهُوَ من أَصْحَاب النَّار قطعاً كَمَا أَن من آمن بِاللَّه وَمَات مُؤمنا فَهُوَ من أَصْحَاب الْجنَّة وَإِن عذب بالنَّار وَفِي الصَّحِيح أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ أَلا أنبئكم بأكبر الْكَبَائِر ثَلَاثًا قَالُوا بلَى يَا رَسُول الله قَالَ الإشراك بِاللَّه وعقوق الْوَالِدين وَكَانَ مُتكئا فَجَلَسَ فَقَالَ أَلا وَقَول الزُّور أَلا وَشَهَادَة الزُّور فَمَا زَالَ يكررها حَتَّى قُلْنَا ليته سكت () وَقَالَ ﷺ اجتنبوا السَّبع الموبقات فَذكر مِنْهَا الشرك بِاللَّه وَقَالَ ﷺ من بدل دينه فَاقْتُلُوهُ الحَدِيث ()
стр. 4
وَالنَّوْع الثَّانِي من الشرك الرِّيَاء بِالْأَعْمَالِ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَمن كَانَ يَرْجُو لِقَاء ربه فليعمل عملاً صَالحا وَلَا يُشْرك بِعبَادة ربه أحداً﴾ أَي لَا يرائي بِعَمَلِهِ أحداً وَقَالَ ﷺ إيَّاكُمْ والشرك الْأَصْغَر قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا الشرك الْأَصْغَر قَالَ الرِّيَاء يَقُول الله تَعَالَى يَوْم يجازي الْعباد بأعمالهم اذْهَبُوا إِلَى الَّذين كُنْتُم تراءونهم بأعمالكم فِي الدُّنْيَا فانظروا هَل تَجِدُونَ عِنْدهم جَزَاء وَقَالَ ﷺ يَقُول الله من عمل عملاً أشرك معي فِيهِ غَيْرِي فَهُوَ للَّذي أشرك وَأَنا مِنْهُ برِئ وَقَالَ من سمع سمع الله بِهِ وَمن رايا رايا الله بِهِ وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم قَالَ رب صَائِم لَيْسَ لَهُ من صَوْمه إِلَّا الْجُوع والعطش وَرب قَائِم لَيْسَ لَهُ من قِيَامه إِلَّا السهر يَعْنِي أَنه إِذا لم يكن الصَّلَاة وَالصَّوْم لوجه الله تَعَالَى فَلَا ثَوَاب لَهُ كَمَا رُوِيَ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ مثل الَّذِي يعْمل للرياء والسمعة كَمثل الَّذِي يمْلَأ كيسه حَصى ثمَّ يدْخل السُّوق ليَشْتَرِي بِهِ فَإِذا فَتحه قُدَّام البَائِع فَإِذا هُوَ حَصى وَضرب بِهِ وَجهه وَلَا مَنْفَعَة لَهُ فِي كيسه سوى مقَالَة النَّاس لَهُ مَا أملا كيسه وَلَا يُعْطي بِهِ شَيْئا فَكَذَلِك الَّذِي يعْمل للرياء والسمعة فَلَيْسَ لَهُ
стр. 5
من عمله سوى مقَالَة النَّاس وَلَا ثَوَاب لَهُ فِي الْآخِرَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَقدمنَا إِلَى مَا عمِلُوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً﴾ يَعْنِي الْأَعْمَال الَّتِي عملوها لغير وَجه الله تَعَالَى أبطلنا ثَوَابهَا وجعلناها كالهباء المنثور وَهُوَ الْغُبَار الَّذِي يرى فِي شُعَاع الشَّمْس وروى عدي ابْن حَاتِم الطَّائِي ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يُؤمر بفئام أَي جماعات من النَّاس يَوْم الْقِيَامَة إِلَى الْجنَّة حَتَّى إِذا دنوا مِنْهَا واستنشقوا رائحتها ونظروا إِلَى قُصُورهَا وَإِلَى مَا أعد الله لأَهْلهَا فِيهَا نُودُوا أَن اصرفوهم عَنْهَا فَإِنَّهُم لَا نصيب لَهُم فِيهَا فيرجعون بحصرة وندامة مَا رَجَعَ الْأَولونَ وَالْآخرُونَ بِمِثْلِهَا فَيَقُولُونَ رَبنَا لَو أدخلتنا النَّار قبل أَن ترينا مَا أريتنا من ثَوَاب مَا أَعدَدْت لأوليائك كَانَ أَهْون علينا فَيَقُول الله تَعَالَى ذَلِك مَا أردْت بكم كُنْتُم إِذا خلوتم بارزتموني بالعظائم وَإِذا لَقِيتُم النَّاس لقيتموهم مخبتين تراءون النَّاس بأعمالكم خلاف مَا تعطوني من قُلُوبكُمْ هبتم النَّاس وَلم تهابوني وأجللتم النَّاس وَلم تجلوني وتركتم للنَّاس وَلم تتركوا لي يَعْنِي لأجل النَّاس فاليوم أذيقكم أَلِيم عقابي مَعَ مَا حرمتكم من جزيل ثوابي وَسَأَلَ رجل رَسُول الله مَا النجَاة فَقَالَ ﷺ أَن لَا تخادع الله قَالَ وَكَيف يُخَادع الله قَالَ أَن تعْمل عملاً أَمرك الله وَرَسُوله بِهِ وتريد بِهِ غير وَجه الله وَاتَّقِ الرِّيَاء فَإِنَّهُ الشرك الْأَصْغَر وَإِن الْمرَائِي يُنَادى عَلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة على رُؤُوس الْخَلَائق بأَرْبعَة أَسمَاء يَا مرائي يَا غادر يَا فَاجر يَا خاسر ضل عَمَلك وَبَطل أجرك فَلَا أجر لَك عندنَا اذْهَبْ فَخذ أجرك مِمَّن كنت تعْمل لَهُ يَا مخادع وَسُئِلَ بعض الْحُكَمَاء ﵏ من المخلص فَقَالَ المخلص الَّذِي يكتم حَسَنَاته كَمَا يكتم سيئاته وَقيل لبَعْضهِم مَا غَايَة الْإِخْلَاص قَالَ أَن لَا تحب محمدة النَّاس وَقَالَ الفضيل بن عِيَاض ﵁ ترك الْعَمَل لأجل النَّاس رِيَاء وَالْعَمَل لأجل النَّاس شرك والاخلاص أَن يعافيك الله مِنْهُمَا اللَّهُمَّ عافنا مِنْهُمَا وأعف عَنَّا
стр. 6
الْكَبِيرَة الثَّانِيَة قتل النَّفس
قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا وَغَضب الله عَلَيْهِ ولعنه وَأعد لَهُ عذَابا عَظِيما﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين لَا يدعونَ مَعَ الله إِلَهًا آخر وَلَا يقتلُون النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يزنون وَمن يفعل ذَلِك يلق أثاماً يُضَاعف لَهُ الْعَذَاب يَوْم الْقِيَامَة ويخلد فِيهِ مهاناً إِلَّا من تَابَ وآمن وَعمل عملاً صَالحا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿من أجل ذَلِك كتبنَا على بني إِسْرَائِيل أَنه من قتل نفساً بِغَيْر نفس أَو فَسَاد فِي الأَرْض فَكَأَنَّمَا قتل النَّاس جَمِيعًا وَمن أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاس جَمِيعًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا الموؤودة سُئِلت بِأَيّ ذَنْب قتلت﴾ وَقَالَ النَّبِي ﷺ اجتنبوا السَّبع الموبقات فَذكر قتل النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَقَالَ رجل للنَّبِي ﷺ أَي الذَّنب أعظم عِنْد الله تَعَالَى قَالَ أَن تجْعَل لله نداً وَهُوَ خلقك قَالَ ثمَّ أَي قَالَ أَن تقتل ولدك خشيَة أَن يطعم مَعَك قَالَ ثمَّ أَي قَالَ أَن تُزَانِي حَلِيلَة جَارك فَأنْزل الله تَعَالَى تصديقها ﴿وَالَّذين لَا يدعونَ مَعَ الله إِلَهًا آخر وَلَا يقتلُون النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يزنون﴾
стр. 7
الْآيَة وَقَالَ ﷺ إِذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فِي النَّار قيل يَا رَسُول الله هَذَا الْقَاتِل فَمَا بَال الْمَقْتُول قَالَ لِأَنَّهُ كَانَ حَرِيصًا على قتل صَاحبه قَالَ الإِمَام أَبُو سُلَيْمَان ﵀ هَذَا إِنَّمَا يكون كَذَلِك إِذا لم يَكُونَا يقتتلان على تَأْوِيل إنما يقتتلان على عَدَاوَة بَينهمَا وعصبية أَو طلب دنيا أَو رئاسة أَو علو فَأَما من قَاتل أهل الْبَغي على الصفة الَّتِي يجب قِتَالهمْ بهَا أَو دفع عَن نَفسه أَو حريمه فَإِنَّهُ لَا يدْخل فِي هَذِه لِأَنَّهُ مَأْمُور بِالْقِتَالِ للذب عَن نَفسه غير قَاصد بِهِ قتل صَاحبه إِلَّا إِن كَانَ حَرِيصًا على قتل صَاحبه وَمن قَاتل بَاغِيا أَو قَاطع طَرِيق من الْمُسلمين فَإِنَّهُ لَا يحرص على قَتله إِنَّمَا يَدْفَعهُ عَن نَفسه فَإِن انْتهى صَاحبه كف عَنهُ وَلم يتبعهُ فَإِن الحَدِيث لم يرد فِي أهل هَذِه الصفة فَأَما من خَالف هَذَا النَّعْت فَهُوَ الَّذِي دخل فِي هَذَا الحَدِيث الَّذِي ذكرنَا وَالله أعلم وَقَالَ رَسُول الله ﷺ لَا ترجعوا بعدِي كفَّارًا يضْرب بَعْضكُم رِقَاب بعض وَقَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يزَال العَبْد فِي فسحة من دينه مَا لم يصب دَمًا حَرَامًا وَقَالَ ﷺ أول مَا يقْضى بَين النَّاس يَوْم الْقِيَامَة فِي الدِّمَاء وَفِي الحَدِيث أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لقتل مُؤمن أعظم عِنْد الله من زَوَال الدُّنْيَا وَقَالَ ﷺ الْكَبَائِر الْإِشْرَاك بِاللَّه وَقتل النَّفس وَالْيَمِين
стр. 8
الْغمُوس وَسميت غموساً لِأَنَّهَا تغمس صَاحبهَا فِي النَّار وَقَالَ ﷺ لَا تقتل نفس ظلماً إِلَّا كَانَ على ابْن آدم الأول كفل من دَمهَا لِأَنَّهُ أول من سن الْقَتْل مخرج فِي الصَّحِيحَيْنِ وَقَالَ ﷺ من قتل معاهداً لم يرح رَائِحَة الْجنَّة وَإِن رائحتها لتوجد من مسيرَة أَرْبَعِينَ عَاما أخرجه البُخَارِيّ فَإِذا كَانَ هَذَا فِي قتل الْمعَاهد وَهُوَ الَّذِي أعْطى عهداً من الْيَهُود وَالنَّصَارَى فِي دَار الْإِسْلَام فَكيف يقتل الْمُسلم وَقَالَ ﷺ أَلا وَمن قتل نفساً معاهدة لَهَا ذمَّة الله وَذمَّة رَسُوله فقد أَخْفَر ذمَّة الله وَلَا يرح رَائِحَة الْجنَّة وَإِن رِيحهَا ليوجد من مسيرَة خمسين خَرِيفًا صَححهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ ﷺ من أعَان على قتل مُسلم بِشَطْر كلمة لَقِي الله مَكْتُوب بَين عَيْنَيْهِ آيس من رَحْمَة الله تَعَالَى رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد وَعَن مُعَاوِيَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ كل ذَنْب عَسى الله أَن يغفره إِلَّا الرجل يَمُوت كَافِرًا أَو الرجل يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا نسْأَل الله الْعَافِيَة
الْكَبِيرَة الثَّالِثَة فِي السحر
لِأَن السَّاحر لَا بُد وَأَن يكفر قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَكِن الشَّيَاطِين كفرُوا يعلمُونَ النَّاس السحر﴾ وَمَا للشَّيْطَان الملعون غَرَض فِي تَعْلِيمه الْإِنْسَان السحر إِلَّا ليشرك بِهِ قَالَ الله تَعَالَى مخبراً عَن هاروت وماروت
стр. 9
﴿وَمَا يعلمَانِ من أحد حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحن فتْنَة فَلَا تكفر فيتعلمون مِنْهُمَا مَا يفرقون بِهِ بَين الْمَرْء وزوجه وَمَا هم بضارين بِهِ من أحد إِلَّا بِإِذن الله ويتعلمون مَا يضرهم وَلَا يَنْفَعهُمْ وَلَقَد علمُوا لمن اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة من خلاق﴾ أَي من نصيب فترى خلقاً كثيراً من الضلال يدْخلُونَ فِي السحر ويظنونه حَرَامًا فَقَط وَمَا يَشْعُرُونَ أَنه الْكفْر فَيدْخلُونَ فِي تَعْلِيم السيمياء وعملها وَهِي مَحْض السحر وَفِي عقد الرجل عَن زَوجته وَهُوَ سحر وَفِي محبَّة الرجل للْمَرْأَة وبغضها لَهُ وَأَشْبَاه ذَلِك بِكَلِمَات مَجْهُولَة أَكْثَرهَا شرك وضلال وحد السَّاحر الْقَتْل لِأَنَّهُ كفر بِاللَّه أَو مضارع الْكفْر قَالَ النَّبِي ﷺ اجتنبوا السَّبع الموبقات فَذكر مِنْهَا السحر والموبقات المهلكات فليتق العَبْد ربه وَلَا يدْخل فِيمَا يخسر بِهِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَجَاء عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ حد السَّاحر ضربه بِالسَّيْفِ وَالصَّحِيح أَنه من قَول جُنْدُب وَعَن بجالة ابْن عَبدة أَنه قَالَ أَتَانَا كتاب عمر ﵁ قبل مَوته بِسنة أَن اقْتُلُوا كل سَاحر وساحرة وَعَن وهب بن مُنَبّه قَالَ قَرَأت فِي بعض الْكتب يَقُول الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا لَيْسَ مني من سحر وَلَا من سحر لَهُ وَلَا من تكهن وَلَا من تكهن لَهُ وَلَا من تطير وَلَا من تطير لَهُ وَعَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ثَلَاثَة لَا يدْخلُونَ الْجنَّة مدمن خمر وقاطع رحم ومصدق بِالسحرِ رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده وَعَن ابْن مَسْعُود
стр. 10
رَضِي الله عَنهُ مَرْفُوعا قَالَ الرقي والتمائم والتولة شرك التمائم جمع تَمِيمَة وَهِي خَرَزَات وحروز يعلقها الْجُهَّال على أنفسهم وَأَوْلَادهمْ ودوابهم يَزْعمُونَ أَنَّهَا ترد الْعين وَهَذَا من فعل الْجَاهِلِيَّة وَمن اعْتقد ذَلِك فقد أشرك والتولة بِكَسْر التَّاء وَفتح الْوَاو نوع السحر وَهُوَ تحبيب الْمَرْأَة إِلَى زَوجهَا وَجعل ذَلِك من الشرك لاعتقاد الْجُهَّال أَن ذَلِك يُؤثر بخلاق مَا قدر الله تَعَالَى قَالَ الْخطابِيّ ﵀ وَأما إِذا كَانَت الرقية بِالْقُرْآنِ أَو بأسماء الله تَعَالَى فَهِيَ مُبَاحَة لِأَن النَّبِي ﷺ كَانَ يرقي الْحسن الْحُسَيْن ﵄ فَيَقُول أُعِيذكُمَا بِكَلِمَات الله التَّامَّة من كل شَيْطَان وَهَامة وَمن كل عين لَامة وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَان وَعَلِيهِ التكلان
стр. 11
الْكَبِيرَة الرَّابِعَة فِي ترك الصَّلَاة
قَالَ الله تَعَالَى ﴿فخلف من بعدهمْ خلف أضاعوا الصَّلَاة وَاتبعُوا الشَّهَوَات فَسَوف يلقون غياً إِلَّا من تَابَ وآمن وَعمل صَالحا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ لَيْسَ معنى أضاعوها تركوها بِالْكُلِّيَّةِ وَلَكِن أخروها عَن أَوْقَاتهَا وَقَالَ سعيد بن الْمسيب إِمَام التَّابِعين ﵀ هُوَ أَن لَا يُصَلِّي الظّهْر حَتَّى يَأْتِي الْعَصْر وَلَا يُصَلِّي الْعَصْر إِلَى الْمغرب وَلَا يُصَلِّي الْمغرب إِلَى الْعشَاء وَلَا يُصَلِّي الْعشَاء إِلَى الْفجْر وَلَا يُصَلِّي الْفجْر إِلَى طُلُوع الشَّمْس فَمن مَاتَ وَهُوَ مصر على هَذِه الْحَالة وَلم يتب وعده الله بغي وَهُوَ وَاد فِي جَهَنَّم بعيد قَعْره خَبِيث طعمه وَقَالَ الله تَعَالَى فِي آيَة أُخْرَى ﴿فويل للمصلين الَّذين هم عَن صلَاتهم ساهون﴾ أَي غافلون عَنْهَا متهاونون بهَا وَقَالَ سعد بن أبي وَقاص ﵁ سَأَلت رَسُول الله ﷺ عَن الَّذين هم عَن صلَاتهم ساهون قَالَ هُوَ تَأْخِير الْوَقْت أَي تَأْخِير الصَّلَاة عَن وَقتهَا سماهم مصلين لكِنهمْ لما تهاونوا وأخروها عَن وَقتهَا وعدهم بويل وَهُوَ شدَّة الْعَذَاب وَقيل هُوَ وَاد فِي جَهَنَّم لَو سيرت فِيهِ جبال الدُّنْيَا لذابت من شدَّة حره وَهُوَ مسكن من يتهاون بِالصَّلَاةِ ويؤخرها عَن وَقتهَا إِلَّا أَن يَتُوب إِلَى الله تَعَالَى ويندم على مَا فرط وَقَالَ الله تَعَالَى فِي آيَة أُخْرَى
стр. 12
﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تلهكم أَمْوَالكُم وَلَا أَوْلَادكُم عَن ذكر الله وَمن يفعل ذَلِك فَأُولَئِك هم الخاسرون﴾ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ المُرَاد بِذكر الله فِي هَذِه الْآيَة الصَّلَوَات الْخمس فَمن اشْتغل بِمَالِه فِي بَيْعه وشرائه ومعيشته وضيعته وَأَوْلَاده عَن الصَّلَاة فِي وَقتهَا كَانَ من الخاسرين وَهَكَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ أول مَا يُحَاسب بِهِ العَبْد يَوْم الْقِيَامَة من عمله الصَّلَاة فَإِن صلحت فقد أَفْلح وأنجح وَإِن نقصت فقد خَابَ وخسر وَقَالَ الله تَعَالَى مخبراً عَن أَصْحَاب الْجَحِيم ﴿مَا سلككم فِي سقر قَالُوا لم نك من الْمُصَلِّين وَلم نك نطعم الْمِسْكِين وَكُنَّا نَخُوض مَعَ الخائضين وَكُنَّا نكذب بِيَوْم الدين حَتَّى أَتَانَا الْيَقِين فَمَا تنفعهم شَفَاعَة الشافعين﴾ وَقَالَ النَّبِي ﷺ الْعَهْد الَّذِي بَيْننَا وَبينهمْ الصَّلَاة فَمن تَركهَا فقد كفر وَقَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ بَين العَبْد وَبَين الْكفْر ترك الصَّلَاة حديثان صَحِيحَانِ
стр. 13
وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من فَاتَتْهُ صَلَاة الْعَصْر حَبط عمله وَفِي السّنَن أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من ترك الصَّلَاة مُتَعَمدا فقد بَرِئت مِنْهُ ذمَّة الله وَقَالَ ﷺ أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله ويقيموا الصَّلَاة ويؤتوا الزَّكَاة فَإِذا فعلوا ذَلِك عصموا مني دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وحسابهم على الله مُتَّفق عَلَيْهِ وَقَالَ ﷺ من حَافظ عَلَيْهَا كَانَت لَهُ نوراً وبرهاناً وَنَجَاة يَوْم الْقِيَامَة وَمن لم يحافظ عَلَيْهَا لم تكن لَهُ نوراً وَلَا برهاناً وَلَا نجاة يَوْم الْقِيَامَة وَكَانَ يَوْم الْقِيَامَة مَعَ فِرْعَوْن وَقَارُون وهامان وَأبي بن خلف وَقَالَ عمر ﵁ أما أَنه لَا حَظّ لأحد فِي الْإِسْلَام أضاع الصَّلَاة قَالَ بعض الْعلمَاء ﵏ وَإِنَّمَا يحْشر تَارِك الصَّلَاة مَعَ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة لِأَنَّهُ إِنَّمَا يشْتَغل عَن الصَّلَاة بِمَالِه أَو بِملكه أَو بوزارته أَو بتجارته فَإِن اشْتغل بِمَالِه حشر مَعَ قَارون وَإِن اشْتغل بِملكه حشر مَعَ فِرْعَوْن وَإِن اشْتغل بوزارته حشر مَعَ هامان وَإِن اشْتغل بتجارته حشر مَعَ أبي بن خلف تَاجر الْكفَّار بِمَكَّة وروى الإِمَام أَحْمد عَن معَاذ بن جبل ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من ترك صَلَاة مَكْتُوبَة مُتَعَمدا فقد بَرِئت مِنْهُ ذمَّة الله عز وَجل
стр. 14
وروى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ أَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله أَي الْأَعْمَال أحب إِلَى الله تَعَالَى فِي الْإِسْلَام قَالَ الصَّلَاة لوَقْتهَا وَمن ترك الصَّلَاة فَلَا دين لَهُ وَالصَّلَاة عماد الدين وَلما طعن عمر بن الْخطاب ﵁ قيل لَهُ الصَّلَاة يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ نعم أما أَنه لَا حَظّ لأحد فِي الْإِسْلَام أضاع الصَّلَاة وَصلى ﵁ وجرحه يثعب دَمًا وَقَالَ عبد الله بن شَقِيق التَّابِعِيّ ﵁ كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ لَا يرَوْنَ شَيْئا من الْأَعْمَال تَركه كفر غير الصَّلَاة وَسُئِلَ عَليّ ﵁ عَن امْرَأَة لَا تصلي فَقَالَ من لم يصل فَهُوَ كَافِر وَقَالَ ابْن مَسْعُود ﵁ من لم يصل فَلَا دين لَهُ وَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ من ترك صَلَاة وَاحِدَة مُتَعَمدا لَقِي الله تَعَالَى وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان وَقَالَ رَسُول الله ﷺ من لَقِي الله وَهُوَ مضيع للصَّلَاة لم يعبأ الله بِشَيْء من حَسَنَاته أَي مَا يفعل وَمَا يصنع بحسناته إِذا كَانَ مضيعاً للصَّلَاة وَقَالَ ابْن حزم لَا ذَنْب بعد الشرك أعظم من تَأْخِير الصَّلَاة عَن وَقتهَا وَقتل مُؤمن بِغَيْر حق وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ من ترك الصَّلَاة فقد كفر وَقَالَ أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ مثل ذَلِك وَقَالَ عون بن عبد الله إِن العَبْد إِذا أَدخل قَبره سُئِلَ عَن الصَّلَاة أول شَيْء يسْأَل عَنهُ فَإِن جَازَت لَهُ نظر فِيمَا دون ذَلِك من عمله وَإِن لم تجز لَهُ لم ينظر فِي شَيْء من عمله بعد وَقَالَ ﷺ إِذا صلى العَبْد الصَّلَاة فِي أول الْوَقْت صعدت إِلَى السَّمَاء وَلها نور حَتَّى تَنْتَهِي إِلَى الْعَرْش فتستغفر لصَاحِبهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
стр. 15
وَتقول حفظك الله كَمَا حفظتني وَإِذا صلى العَبْد الصَّلَاة فِي غير وَقتهَا صعدت إِلَى السَّمَاء وَعَلَيْهَا ظلمَة فَإِذا انْتَهَت إِلَى السَّمَاء تلف كَمَا يلف الثَّوْب الْخلق وَيضْرب بهَا وَجه صَاحبهَا وَتقول ضيعك الله كَمَا ضيعتني وروى أَبُو دَاوُد فِي سنَنه عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ثَلَاثَة لَا يقبل الله مِنْهُم صلَاتهم من تقدم قوماً وهم لَهُ كَارِهُون وَمن استعبد محرراً وَرجل أَتَى الصَّلَاة دباراً والدبار أَن يَأْتِيهَا بعد أَن تفوته وَجَاء عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ من جمع بَين صَلَاتَيْنِ من غير عذر فقد أَتَى بَابا عَظِيما من أَبْوَاب الْكَبَائِر فنسأل الله التَّوْفِيق والإعانة إِنَّه جواد كريم وأرحم الرَّاحِمِينَ
فصل مَتى يُؤمر الصَّبِي بِالصَّلَاةِ
روى أَبُو دَاوُد فِي السّنَن أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مروا الصَّبِي بِالصَّلَاةِ إِذا بلغ سبع سِنِين فَإِذا بلغ عشر سِنِين فَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا وَفِي رِوَايَة مروا أَوْلَادكُم بِالصَّلَاةِ وهم أَبنَاء سبع وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وهم أَبنَاء عشر وَفرقُوا بَينهم فِي الْمضَاجِع قَالَ الإِمَام أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ ﵀ هَذَا الحَدِيث يدل على إغلاظ الْعقُوبَة لَهُ إِذا بلغ تَارِكًا لَهَا
стр. 16
وَكَانَ بعض أَصْحَاب الإِمَام الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى يحْتَج بِهِ فِي وجوب قَتله إِذا تَركهَا مُتَعَمدا بعد الْبلُوغ وَيَقُول إِذا اسْتحق الضَّرْب وَهُوَ غير بَالغ فَيدل على أَنه يسْتَحق بعد الْبلُوغ من الْعقُوبَة مَا هُوَ أبلغ من الضَّرْب وَلَيْسَ بعد الضَّرْب شَيْء أَشد من الْقَتْل وَقد اخْتلف الْعلمَاء ﵏ فِي حكم تَارِك الصَّلَاة فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد ﵏ تَارِك الصَّلَاة يقتل ضرباً بِالسَّيْفِ فِي رقبته ثمَّ اخْتلفُوا فِي كفره إِذا تَركهَا من غير عذر حَتَّى يخرج وَقتهَا فَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ وَعبد الله بن الْمُبَارك وَأحمد بن حَنْبَل وَإِسْحَق بن رَاهْوَيْةِ هُوَ كَافِر وَاسْتَدَلُّوا بقول النَّبِي ﷺ الْعَهْد الَّذِي بَيْننَا وَبينهمْ الصَّلَاة فَمن تَركهَا فقد كفر وَبِقَوْلِهِ ﷺ بَين الرجل وَبَين الْكفْر ترك الصَّلَاة
стр. 17
فصل
وَقد ورد فِي الحَدِيث أَن من حَافظ على الصَّلَوَات الْمَكْتُوبَة أكْرمه الله تَعَالَى بِخمْس كرامات يرفع عَنهُ ضيق الْعَيْش وَعَذَاب الْقَبْر وَيُعْطِيه كِتَابه بِيَمِينِهِ ويمر على الصِّرَاط كالبرق الخاطف وَيدخل الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب وَمن تهاون بهَا عاقبه الله بِخمْس عشرَة عُقُوبَة خمس فِي الدُّنْيَا وَثَلَاث عِنْد الْمَوْت وَثَلَاث فِي الْقَبْر وَثَلَاث عِنْد خُرُوجه من الْقَبْر فَأَما اللَّاتِي فِي الدُّنْيَا فَالْأولى ينْزع الْبركَة من عمره وَالثَّانيَِة يمحي سيماء الصَّالِحين من وَجهه وَالثَّالِثَة كل عمل يعمله لَا يأجره الله عَلَيْهِ وَالرَّابِعَة لَا يرفع لَهُ دُعَاء إِلَى السَّمَاء وَالْخَامِسَة لَيْسَ لَهُ حَظّ فِي دُعَاء الصَّالِحين وَأما اللَّاتِي تصيبه عِنْد الْمَوْت فَإِنَّهُ يَمُوت ذليلاً وَالثَّانيَِة يَمُوت جائعاً وَالثَّالِثَة يَمُوت عطشاناً وَلَو سقِِي بحار الدُّنْيَا مَا رُوِيَ من عطشه وَأما اللَّاتِي تصيبه فِي قَبره فَالْأولى يضيق عَلَيْهِ قَبره حَتَّى تخْتَلف فِيهِ أضلاعه وَالثَّانيَِة يُوقد عَلَيْهِ الْقَبْر نَارا يتقلب على الْجَمْر لَيْلًا وَنَهَارًا وَالثَّالِثَة يُسَلط عَلَيْهِ فِي قَبره ثعبان اسْمه الشجاع الْأَقْرَع عَيناهُ من نَار وأظفاره من حَدِيد طول كل ظفر مسيرَة يَوْم يكلم الْمَيِّت فَيَقُول أَنا الشجاع الْأَقْرَع وصوته مثل الرَّعْد القاصف يَقُول أَمرنِي رَبِّي أَن أضربك على تَضْييع صَلَاة الصُّبْح إِلَى طُلُوع الشَّمْس وأضربك على تَضْييع صَلَاة الظّهْر إِلَى الْعَصْر وأضربك على
стр. 18
تَضْييع صَلَاة الْعَصْر إِلَى الْمغرب وأضربك على تَضْييع صَلَاة الْمغرب إِلَى الْعشَاء وأضربك على تَضْييع صَلَاة الْعشَاء إِلَى الصُّبْح فَكلما ضربه ضَرْبَة يغوص فِي الأَرْض سبعين ذِرَاعا فَلَا يزَال فِي الأَرْض معذباً إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَأما اللَّاتِي تصيبه عِنْد خُرُوجه من قَبره فِي موقف الْقِيَامَة فشدة الْحساب وَسخط الرب وَدخُول النَّار وَفِي رِوَايَة فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة وعَلى وَجهه ثَلَاثَة أسطر مكتوبات السطر الأول يَا مضيع حق الله السطر الثَّانِي يَا مَخْصُوصًا بغضب الله السطر الثَّالِث كَمَا ضيعت فِي الدُّنْيَا حق الله فآيس الْيَوْم من رَحْمَة الله وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة يُؤْتى بِالرجلِ فَيُوقف بَين يَدي الله فيأمر بِهِ إِلَى النَّار فَيَقُول يَا رب لماذا فَيَقُول الله تَعَالَى لتأخير الصَّلَاة عَن أَوْقَاتهَا وحلفك بِي كَاذِبًا وَعَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ يَوْمًا لأَصْحَابه اللَّهُمَّ لَا تدع فِينَا شقياً وَلَا محروماً ثمَّ قَالَ ﷺ أَتَدْرُونَ من الشقي المحروم قَالُوا من هُوَ يَا رَسُول الله قَالَ تَارِك الصَّلَاة وَرُوِيَ أَنه أول من يسود يَوْم الْقِيَامَة وُجُوه تاركي الصَّلَاة وَإِن فِي جَهَنَّم وَاديا يُقَال لَهُ الملحم فِيهِ حيات كل حَيَّة ثخن رَقَبَة الْبَعِير طولهَا مسيرَة شهر تلسع تَارِك الصَّلَاة فيغلي سمها فِي جِسْمه سبعين سنة ثمَّ يتهرى لَحْمه
حِكَايَة
رُوِيَ أَن امْرَأَة من بني إِسْرَائِيل جَاءَت إِلَى مُوسَى ﵇ فَقَالَت يَا رَسُول الله إِنِّي أذنبت ذَنبا عَظِيما وَقد تبت مِنْهُ إِلَى الله تَعَالَى فَادع الله أَن يغْفر لي ذَنبي وَيَتُوب عَليّ فَقَالَ لَهَا مُوسَى ﵇ وَمَا ذَنْبك قَالَت يَا نَبِي الله إِنِّي زَنَيْت وَولدت ولداً فَقتلته فَقَالَ لَهَا مُوسَى ﵇ اخْرُجِي
стр. 19
يَا فاجرة لَا تنزل نَار من السَّمَاء فتحرقنا بشؤمك فَخرجت من عِنْده منكسرة الْقلب فَنزل جِبْرِيل ﵇ وَقَالَ يَا مُوسَى الرب تَعَالَى يَقُول لَك لم رددت التائبة يَا مُوسَى أما وجدت شراً مِنْهَا قَالَ مُوسَى يَا جِبْرِيل وَمن هُوَ شَرّ مِنْهَا قَالَ تَارِك الصَّلَاة عَامِدًا مُتَعَمدا
حِكَايَة أُخْرَى
عَن بعض السلف أَنه أَتَى أُخْتا لَهُ مَاتَت فَسقط كيس مِنْهُ فِيهِ مَال فِي قبرها فَلم يشْعر بِهِ أحد حَتَّى انْصَرف عَن قبرها ثمَّ ذكره فَرجع إِلَى قبرها فنبشه بَعْدَمَا انْصَرف النَّاس فَوجدَ الْقَبْر يشعل عَلَيْهَا نَارا فَرد التُّرَاب عَلَيْهَا وَرجع إِلَى أمه باكياً حَزينًا فَقَالَ يَا أُمَّاهُ أَخْبِرِينِي عَن أُخْتِي وَمَا كَانَت تعْمل قَالَت وَمَا سؤالك عَنْهَا قَالَ يَا أُمِّي رَأَيْت قبرها يشتعل عَلَيْهَا نَارا قَالَ فَبَكَتْ وَقَالَت يَا وَلَدي كَانَت أختك تتهاون بِالصَّلَاةِ وتؤخرها عَن وَقتهَا فَهَذَا حَال من يُؤَخر الصَّلَاة عَن وَقتهَا فَكيف حَال من لَا يُصَلِّي فنسأل الله تَعَالَى إِن يعيننا على الْمُحَافظَة عَلَيْهَا فِي أَوْقَاتهَا إِنَّه جواد كريم
فصل
فِي عُقُوبَة من ينقر الصَّلَاة وَلَا يتم ركوعها وَلَا سجودها وَقد رُوِيَ فِي تَفْسِير قَول الله تَعَالَى ﴿فويل للمصلين الَّذين هم عَن صلَاتهم ساهون﴾ أَنه الَّذِي ينقر الصَّلَاة وَلَا يتم ركوعها وَلَا سجودها وَثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رجلاً دخل الْمَسْجِد وَرَسُول الله ﷺ جَالس فِيهِ فصلى الرجل ثمَّ جَاءَ فَسلم على النَّبِي ﷺ فَرد ﵇ ثمَّ قَالَ لَهُ ارْجع فصل فَإنَّك لم تصل فَرجع فصلى كَمَا صلى ثمَّ جَاءَ فَسلم على النَّبِي ﷺ فَرد ﵇ ثمَّ قَالَ ارْجع فصل فَإنَّك لم تصل فَرجع فصلى كَمَا صلى ثمَّ جَاءَ فَسلم على النَّبِي ﷺ فَرد ﵇ وَقَالَ ارْجع فصل فَإنَّك لم تصل ثَلَاث مَرَّات فَقَالَ فِي الثَّالِثَة وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ يَا رَسُول الله مَا أحسن غَيره فعلمني فَقَالَ النَّبِي ﷺ إِذا قُمْت إِلَى الصَّلَاة فَكبر ثمَّ اقْرَأ مَا تيَسّر مَعَك من الْقُرْآن ثمَّ اركع حَتَّى تطمئِن رَاكِعا ثمَّ ارْفَعْ حَتَّى تعتدل قَائِما ثمَّ اسجد حَتَّى تطمئِن سَاجِدا ثمَّ اجْلِسْ حَتَّى تطمئِن جَالِسا ثمَّ اسجد حَتَّى تطمئِن سَاجِدا وَافْعل ذَلِك فِي صَلَاتك كلهَا وروى
стр. 20
الإِمَام أَحْمد ﵁ عَن البدري ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تُجزئ صَلَاة لَا يُقيم الرجل فِيهَا صلبه فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَفِي رِوَايَة أُخْرَى حَتَّى يُقيم ظَهره فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود وَهَذَا نَص عَن النَّبِي ﷺ فِي أَن من صلى وَلم يقم ظَهره بعد الرُّكُوع وَالسُّجُود كَمَا كَانَ فَصلَاته بَاطِلَة وَهَذَا فِي صَلَاة الْفَرْض وَكَذَا الطُّمَأْنِينَة أَن يسْتَقرّ كل عُضْو فِي مَوْضِعه وَثَبت عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ أَشد النَّاس سَرقَة الَّذِي يسرق من صلَاته قيل وَكَيف يسرق من صلَاته قَالَ لَا يتم ركوعها وَلَا سجودها وَلَا الْقِرَاءَة فِيهَا وروى الإِمَام أَحْمد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا ينظر الله إِلَى رجل لَا يُقيم صلبه بَين رُكُوعه وَسُجُوده وَقَالَ ﷺ تِلْكَ صَلَاة الْمُنَافِق يجلس يرقب الشَّمْس حَتَّى إِذا كَانَت بَين قَرْني شَيْطَان قَامَ فَنقرَ أَرْبعا لَا يذكر الله فِيهَا إِلَّا قَلِيلا وَعَن أبي مُوسَى قَالَ صلى رَسُول الله ﷺ يَوْمًا بِأَصْحَابِهِ ثمَّ جلس فَدخل رجل فَقَامَ يُصَلِّي فَجعل يرْكَع وينقر سُجُوده فَقَالَ رَسُول الله ﷺ ترَوْنَ هَذَا لَو مَاتَ مَاتَ على غير مِلَّة مُحَمَّد ﷺ ينقر صلَاته كَمَا ينقر الْغُرَاب الدَّم أخرجه أَبُو بكر بن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَعَن عمر بن الْخطاب ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مَا من مصل
стр. 21
إِلَّا وَملك عَن يَمِينه وَملك عَن يسَاره فَإِن أتمهَا عرجا بهَا إِلَى الله تَعَالَى وَإِن لم يُتمهَا ضربا بهَا وَجهه وروى الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ عَن عبَادَة بن الصَّامِت أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من تَوَضَّأ أحسن الْوضُوء ثمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاة فَأَتمَّ ركوعها وسجودها وَالْقِرَاءَة فِيهَا قَالَت الصَّلَاة حفظك الله كَمَا حفظتني ثمَّ صعد بهَا إِلَى السَّمَاء وَلها ضوء وَنور ففتحت لَهَا أَبْوَاب السَّمَاء حَتَّى يَنْتَهِي بهَا إِلَى الله تَعَالَى فتشفع لصَاحِبهَا وَإِذا لم يتم ركوعها وَلَا سجودها وَلَا الْقِرَاءَة فِيهَا قَالَت الصَّلَاة ضيعك الله كَمَا ضيعتني ثمَّ صعد بهَا إِلَى السَّمَاء وَعَلَيْهَا ظلمَة فأغلقت دونهَا أَبْوَاب السَّمَاء ثمَّ تلف كَمَا يلف الثَّوْب الْخلق فَيضْرب بهَا وَجه صَاحبهَا وَعَن سلمَان الْفَارِسِي ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الصَّلَاة مكيال فَمن وَفِي وَفِي لَهُ وَمن طفف فقد علمْتُم مَا قَالَ الله فِي المطففين قَالَ الله تَعَالَى ﴿ويل لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ والمطفف هُوَ المنقص للكيل أَو الْوَزْن أَو الذِّرَاع أَو الصَّلَاة وعدهم الله بويل وَهُوَ وَاد فِي جَهَنَّم تستغيث جَهَنَّم من حره نَعُوذ بِاللَّه مِنْهُ وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِذا سجد أحدكُم فليضع وَجهه وَأَنْفه وَيَديه على الأَرْض فَإِن الله تَعَالَى أوحى إِلَيّ أَن أَسجد على سَبْعَة أَعْضَاء الْجَبْهَة وَالْأنف وَالْكَفَّيْنِ والركبتين وصدور الْقَدَمَيْنِ وَأَن لَا أكف شعراً وَلَا ثوباً فَمن صلى وَلم يُعْط كل عُضْو مِنْهَا حَقه لَعنه ذَلِك الْعُضْو
стр. 22
حَتَّى يفرغ من صلَاته وروى البُخَارِيّ عَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان ﵁ أَنه رأى رجلا يُصَلِّي وَلَا يتم رُكُوع الصَّلَاة وَلَا سجودها فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَة صليت وَلَو مت وَأَنت تصلي هَذِه الصَّلَاة مت على غير فطْرَة مُحَمَّد ﷺ وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد أَنه قَالَ مُنْذُ كم تصلي هَذِه الصَّلَاة قَالَ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سنة قَالَ مَا صليت مُنْذُ أَرْبَعِينَ سنة شَيْئا وَلَو مت مت على غير فطْرَة مُحَمَّد ﷺ وَكَانَ الْحسن الْبَصْرِيّ يَقُول يَا ابْن آدم أَي شَيْء يعز عَلَيْك من دينك إِذا هَانَتْ عَلَيْك صَلَاتك وَأَنت أول مَا تسْأَل عَنْهَا يَوْم الْقِيَامَة كَمَا تقدم من قَول النَّبِي ﷺ أول مَا يُحَاسب العَبْد يَوْم الْقِيَامَة من عمله صلَاته فَإِن صلحت فقد أَفْلح وأنجح وَإِن فَسدتْ فقد خَابَ وخسر فَإِن انْتقصَ من الْفَرِيضَة شَيْء يَقُول الله تَعَالَى انْظُرُوا هَل لعبدي من تطوع فيكمل بِهِ مَا انْتقصَ من الْفَرِيضَة ثمَّ يكون سَائِر عمله كَذَلِك فَيَنْبَغِي للْعَبد أَن يستكثر من النَّوَافِل حَتَّى يكمل بِهِ مَا انْتقصَ من فَرَائِضه وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
فصل
فِي عُقُوبَة تَارِك الصَّلَاة (فِي جمَاعَة) مَعَ الْقُدْرَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَوْم يكْشف عَن سَاق وَيدعونَ إِلَى السُّجُود فَلَا يَسْتَطِيعُونَ خاشعة أَبْصَارهم ترهقهم ذلة وَقد كَانُوا يدعونَ إِلَى السُّجُود وهم سَالِمُونَ﴾
стр. 23
وَذَلِكَ يَوْم الْقِيَامَة يَغْشَاهُم ذل الندامة وَقد كَانُوا فِي الدُّنْيَا يدعونَ إِلَى السُّجُود قَالَ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ يَعْنِي إِلَى الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَة وَقَالَ سعيد بن الْمسيب كَانُوا يسمعُونَ حَيّ على الصَّلَاة حَيّ على الْفَلاح فَلَا يجيبون وهم أصحاء سَالِمُونَ وَقَالَ كَعْب الْأَحْبَار وَالله مَا نزلت هَذِه الْآيَة إِلَّا فِي الَّذين تخلفوا عَن الْجَمَاعَة فَأَي وَعِيد أَشد وأبلغ من هَذَا لمن ترك الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة مَعَ الْقُدْرَة على إتيانها وَأما من السنة فَمَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لقد هَمَمْت أَن آمُر بِالصَّلَاةِ فتقام ثمَّ آمُر رجلاً فيؤم النَّاس ثمَّ أَنطلق معي بِرِجَال مَعَهم حزم من حطب إِلَى قوم لَا يشْهدُونَ الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة فَأحرق بُيُوتهم عَلَيْهِم بالنَّار وَلَا يتوعد بحرق بُيُوتهم عَلَيْهِم إِلَّا على ترك وَاجِب مَعَ مَا فِي الْبيُوت من الذُّرِّيَّة وَالْمَتَاع وَفِي صَحِيح مُسلم أَن رجلاً أعمى أَتَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله لَيْسَ لي قَائِد يقودني إِلَى الْمَسْجِد وَسَأَلَ النَّبِي ﷺ أَن يرخص لَهُ أَن يُصَلِّي فِي بَيته فَرخص لَهُ فَلَمَّا ولى دَعَاهُ فَقَالَ هَل تسمع النداء بِالصَّلَاةِ قَالَ نعم قَالَ فأجب وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن عَمْرو بن أم مَكْتُوم أَنه أَتَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله إِن الْمَدِينَة كَثِيرَة الْهَوَام وَالسِّبَاع وَأَنا ضَرِير الْبَصَر شاسع الدَّار أَي بعيد الدَّار ولي قَائِد لَا يلائمني فَهَل لي رخصَة أَن أُصَلِّي فِي بَيْتِي فَقَالَ هَل تسمع النداء قَالَ نعم قَالَ فأجب فَإِنِّي لَا أجد لَك رخصَة فَهَذَا رجل ضَرِير الْبَصَر شكى مَا يجد من الْمَشَقَّة فِي مَجِيئه إِلَى الْمَسْجِد وَلَيْسَ لَهُ قَائِد يَقُودهُ إِلَى الْمَسْجِد وَمَعَ هَذَا لم يرخص لَهُ النَّبِي ﷺ فِي الصَّلَاة فِي بَيته فَكيف بِمن يكون صَحِيح الْبَصَر سليماً لَا عذر لَهُ وَلِهَذَا لما سُئِلَ ابْن عَبَّاس ﵄ عَن رجل يَصُوم النَّهَار وَيقوم اللَّيْل وَلَا يُصَلِّي فِي جمَاعَة وَلَا يجمع فَقَالَ إِن مَاتَ على هَذَا فَهُوَ فِي النَّار
стр. 24
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة ﵁ لِأَن تمتلئ أذن ابْن آدم رصاصا مذاباً خير لَهُ من أَن يسمع النداء وَلَا يُجيب وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من سمع الْمُنَادِي بِالصَّلَاةِ فَلم يمنعهُ من اتِّبَاعه عذر قيل وَمَا الْعذر يَا رَسُول الله قَالَ خوف أَو مرض لم تقبل مِنْهُ الصَّلَاة الَّتِي صلى يَعْنِي فِي بَيته وَأخرج الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ وَثَلَاثَة لعنهم الله من تقدم قوماً وهم لَهُ كَارِهُون وَامْرَأَة باتت وَزوجهَا عَلَيْهَا ساخط وَرجل سمع حَيّ على الصَّلَاة حَيّ على الْفَلاح ثمَّ لم يجب وَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ لَا صَلَاة لِجَار الْمَسْجِد إِلَّا فِي الْمَسْجِد قيل وَمن جَار الْمَسْجِد قَالَ من سمع الْأَذَان وروى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ من سره أَن يلقى الله غَدا مُسلما يَعْنِي يَوْم الْقِيَامَة فليحافظ على هَؤُلَاءِ الصَّلَوَات الْخمس حَيْثُ يُنَادي بِهن فَإِن الله شرع لنبيكم سنَن الْهدى وإنهن من سنَن الْهدى وَلَو أَنكُمْ صليتم فِي بُيُوتكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا المتخلف فِي بَيته لتركتم سنة نَبِيكُم وَلَو تركْتُم سنة نَبِيكُم لَضَلَلْتُمْ وَلَقَد رَأَيْتنَا وَمَا يتَخَلَّف عَنْهَا إِلَّا مُنَافِق مَعْلُوم النِّفَاق أومريض وَلَقَد كَانَ الرجل يُؤْتى بِهِ يهادى بَين رجلَيْنِ حَتَّى يُقَام فِي الصَّفّ أَو حَتَّى يَجِيء إِلَى الْمَسْجِد لأجل صَلَاة الْجَمَاعَة
стр. 25
وَكَانَ الربيع بن خَيْثَم قد سقط شقَّه فِي الفالج فَكَانَ يخرج إِلَى الصَّلَاة يتَوَكَّأ على رجلَيْنِ فَيُقَال لَهُ يَا أَبَا مُحَمَّد قد رخص لَك أَن تصلي فِي بَيْتك أَنْت مَعْذُور فَيَقُول هُوَ كَمَا تَقولُونَ وَلَكِن أسمع الْمُؤَذّن يَقُول حَيّ على الصَّلَاة حَيّ على الْفَلاح فَمن اسْتَطَاعَ أَن يجِيبه وَلَو زحفاً أَو حبوا فَلْيفْعَل وَقَالَ حَاتِم الْأَصَم فاتتني مرة صَلَاة الْجَمَاعَة فعزاني أَبُو إسحاق البُخَارِيّ وَحده وَلَو مَاتَ لي ولد لعزاني أَكثر من عشرَة آلَاف إِنْسَان لِأَن مُصِيبَة الدين عِنْد النَّاس أَهْون من مُصِيبَة الدُّنْيَا وَكَانَ بعض السلف يَقُول مَا فَاتَت أحداً صَلَاة الْجَمَاعَة إِلَّا بذنب أَصَابَهُ وَقَالَ ابْن عمر خرج عمر يَوْمًا إِلَى حَائِط لَهُ فَرجع وَقد صلى النَّاس الْعَصْر فَقَالَ عمر إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون فاتتني صَلَاة الْعَصْر فِي الْجَمَاعَة أشهدكم أَن حائطي على الْمَسَاكِين صَدَقَة ليَكُون كَفَّارَة لما صنع عمر ﵁ والحائط الْبُسْتَان فِيهِ النخل
فصل
وَيكون اعتناؤه بِحُضُور صَلَاة الْعشَاء وَالْفَجْر أَشد فَإِن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن هَاتين الصَّلَاتَيْنِ أثقل الصَّلَوَات على الْمُنَافِقين يَعْنِي الْعشَاء وَالْفَجْر وَلَو يعلمُونَ مَا فيهمَا من الْأجر لأتوهما وَلَو حبوا وَقَالَ ابْن عمر كُنَّا إِذا تخلف منا إِنْسَان فِي صَلَاة الْعشَاء وَالصُّبْح فِي الْجَمَاعَة أسأنا بِهِ الظَّن أَن يكون قد نَافق
حِكَايَة
عَن عبيد الله بن عمر القواريري ﵁ قَالَ لم تكن تفوتني صَلَاة الْعشَاء فِي الْجَمَاعَة قط فَنزل بِي لَيْلَة ضيف فشغلت بِسَبَبِهِ وفاتتني صَلَاة
стр. 26
الْعشَاء فِي الْجَمَاعَة فَخرجت أطلب الصَّلَاة فِي مَسَاجِد الْبَصْرَة فَوجدت النَّاس كلهم قد صلوا وعلقت الْمَسَاجِد فَرَجَعت إِلَى بَيْتِي وَقلت قد ورد فِي الحَدِيث إِن صَلَاة الْجَمَاعَة تزيد على صَلَاة الْفَرد بِسبع وَعشْرين دَرَجَة فَصليت الْعشَاء سبعاً وَعشْرين مرة ثمَّ نمت فَرَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَنِّي مَعَ قوم على خيل وَأَنا أَيْضا على فرس وَنحن نَسْتَبِق وَأَنا أركض فرسي فَلَا ألحقهم فَالْتَفت إِلَى أحدهم فَقَالَ لي لَا تتعب فرسك فلست تلحقنا قلت وَلم قَالَ لأَنا صلينَا الْعشَاء فِي جمَاعَة وَأَنت صليت وَحدك فانتبهت وَأَنا مغموم حَزِين لذَلِك فنسأل الله المعونة والتوفيق إِنَّه جواد كريم
الْكَبِيرَة الْخَامِسَة منع الزَّكَاة
قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا يَحسبن الَّذين يَبْخلُونَ بِمَا آتَاهُم الله من فَضله هُوَ خيراً لَهُم بل هُوَ شَرّ لَهُم سيطوقون مَا بخلوا بِهِ يَوْم الْقِيَامَة﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وويل للْمُشْرِكين الَّذين لَا يُؤْتونَ الزَّكَاة﴾ فسماهم الْمُشْركين وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيل الله فبشرهم بِعَذَاب أَلِيم يَوْم يحمى عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم فتكوى بهَا جباههم وجنوبهم وظهورهم هَذَا مَا كنزتم لأنفسكم فَذُوقُوا مَا كُنْتُم تكنزون﴾
стр. 27
وَثَبت عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (مَا من صَاحب ذهب وَلَا فضَّة لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقّهَا إِلَّا إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة صفحت لَهُ صَفَائِح من نَار فأحمي عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم فيكوى بهَا جَبينه وجنبيه وظهره كلما بردت أُعِيدَت لَهُ فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خمسين ألف سنة حَتَّى يقْضِي الله بَين النَّاس فَيرى سَبيله إِمَّا إِلَى الْجنَّة وَأما إِلَى النَّار قيل يَا رَسُول الله فالإبل قَالَ وَلَا صَاحب إبل لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقّهَا إِلَّا إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة بطح لَهَا بقاع قرقر أوفر مَا كَانَت لَا يفقد مِنْهَا فصيلاً وَاحِدًا تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها كلما مر عَلَيْهِ أَولهَا رد عَلَيْهِ آخرهَا فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خمسين ألف سنة حَتَّى يقْضِي الله بَين النَّاس فَيرى سَبيله إِمَّا إِلَى الْجنَّة وَأما إِلَى النَّار قيل يَا رَسُول الله فالبقر وَالْغنم قَالَ (وَلَا صَاحب بقر وَلَا غنم لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقّهَا إِلَّا إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة بطح لَهَا بقاع قرقر لَيْسَ فِيهَا عقصاء وَلَا جلحاء وَلَا عضباء تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها كلما مر عَلَيْهِ أولاها رد عَلَيْهِ أخراها فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خمسين ألف سنة حَتَّى يقْضِي الله بَين النَّاس فَيرى سَبيله إِمَّا إِلَى الْجنَّة وَأما إِلَى النَّار وَقَالَ ﷺ أول ثَلَاثَة يدْخلُونَ النَّار أَمِير مسلط وَذُو ثروة من مَال لَا يُؤَدِّي حق الله تَعَالَى من مَاله وفقير فخور وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ من كَانَ لَهُ مَال يبلغهُ حج بَيت الله تَعَالَى وَلم يحج أَو تجب فِيهِ الزَّكَاة وَلم يزك سَأَلَ الرّجْعَة عِنْد الْمَوْت فَقَالَ لَهُ رجل اتَّقِ
стр. 28
الله يَا ابْن عَبَّاس فَإِنَّمَا يسْأَل الرّجْعَة الْكفَّار فَقَالَ ابْن عَبَّاس سأتلو عَلَيْك بذلك قُرْآنًا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وأنفقوا من مَا رزقناكم من قبل أَن يَأْتِي أحدكُم الْمَوْت فَيَقُول رب لَوْلَا أخرتني إِلَى أجل قريب فَأَصدق﴾ أَي أؤدي الزَّكَاة (وأكن من الصَّالِحين) أَي أحج قيل لَهُ فَمَا يُوجب الزَّكَاة قَالَ إِذا بلغ المَال مِائَتي دِرْهَم وَجَبت فِيهِ الزَّكَاة قيل فَمَا يُوجب الْحَج قَالَ الزَّاد وَالرَّاحِلَة وَلَا تجب الزَّكَاة فِي الْحلِيّ الْمُبَاح إِذا كَانَ معداً للاستعمال فَإِن كَانَ معداً للْقنية أَو الْكِرَاء وَجَبت فِيهِ الزَّكَاة وَتجب فِي قيمَة عرُوض التِّجَارَة وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من آتَاهُ الله مَالا فَلم يؤد زَكَاته مثل لَهُ يَوْم الْقِيَامَة شجاعاً أَقرع لَهُ زَبِيبَتَانِ يطوقه يَوْم الْقِيَامَة فَيَأْخُذ بلهزميته (أَي بشدقيه) فَيَقُول أَنا مَالك أَنا كَنْزك ثمَّ تَلا هَذِه الْآيَة ﴿وَلَا يَحسبن الَّذين يَبْخلُونَ بِمَا آتَاهُم الله من فَضله هُوَ خيراً لَهُم بل هُوَ شَرّ لَهُم سيطوقون مَا بخلوا بِهِ يَوْم الْقِيَامَة﴾ أخرجه البُخَارِيّ وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ فِي قَول الله تَعَالَى فِي مانعي الزَّكَاة ﴿يَوْم يحمى عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم فتكوى بهَا جباههم وجنوبهم وظهورهم﴾ قَالَ لَا يوضع دِينَار على دِينَار وَلَا دِرْهَم على دِرْهَم وَلَكِن يُوسع جلدَة حَتَّى يوضع كل دِينَار وَدِرْهَم على حِدته فَإِن قيل لم خص الجباه والجنوب والظهور بالكي قيل لِأَن الْغَنِيّ الْبَخِيل
стр. 29
إِذا رأى الْفَقِير عبس وَجهه وزوى مَا بَين عَيْنَيْهِ وَأعْرض بجنبه فَإِذا قرب مِنْهُ ولي بظهره فَعُوقِبَ بكي هَذِه الْأَعْضَاء ليَكُون الْجَزَاء من جنس الْعَمَل وَقَالَ ﷺ خمس بِخمْس قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا خمس بِخمْس قَالَ مَا نقض قوم الْعَهْد إِلَّا سلط الله عَلَيْهِم عدوهم وَمَا حكمُوا بِغَيْر مَا أنزل الله إِلَّا فَشَا فيهم الْفقر وَمَا ظَهرت فيهم الْفَاحِشَة إِلَّا فَشَا فيهم الْمَوْت وَلَا طَفَّفُوا الْمِكْيَال وَالْمِيزَان إِلَّا منعُوا النَّبَات وَأخذُوا بِالسِّنِينَ وَلَا منعُوا الزَّكَاة إِلَّا حبس عَنْهُم الْقطر
موعظة
قل للَّذين شغلهمْ فِي الدُّنْيَا غرورهم إِنَّمَا فِي غَد ثبورهم مَا نفعهم مَا جمعُوا إِذا جَاءَ محذورهم يَوْم يحمى عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم فتكوى بهَا جباههم وجنوبهم وظهورهم فَكيف غَابَتْ عَن قُلُوبهم وعقولهم يَوْم يحمى عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم فتكوى بهَا جباههم وجنوبهم وظهورهم أَخذ المَال إِلَى دَار ضرب الْعقَاب فَجعل فِي بودقة ليحمي ليقوي الْعَذَاب فصفح صَفَائِح كي يعم الكي الإهاب ثمَّ جِيءَ بِمن عَن الْهدى قد غَابَ يسْعَى إِلَى مَكَان لَا مَعَ قوم يسْعَى نورهم ثمَّ يحمى عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم فتكوى بهَا جباههم وجنوبهم وظهورهم إِذا لَقِيَهُمْ الْفَقِير لَقِي الْأَذَى فَإِن طلب مِنْهُم شَيْئا طَار مِنْهُم لَهب الْغَضَب كالجذا فَإِن لطفوا بِهِ قَالُوا أعنتكم ذَا وسؤال هَذَا لذا وَلَو شَاءَ رَبك لأغنى الْمُحْتَاج وأعوز ذَا ونسوا حِكْمَة الْخَالِق فِي غنى ذَا وفقر ذَا وَاعجَبا كم يلقاهم من غم
стр. 30
إِذا ضمتهم قُبُورهم يَوْم يحمى عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم فتكوى بهَا جباههم وجنوبهم وظهورهم سيأخذها الْوَارِث مِنْهُم من غير تَعب وَيسْأل عَنْهَا الْجَامِع من أَيْن اكْتسب مَا اكْتسب أَلا إِن الشوك لَهُ وللوارث الرطب أَيْن حرص الجامعين أَيْن عُقُولهمْ يَوْم يحمى عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم فتكوى بهَا جباههم وجنوبهم وظهورهم لَو رَأَيْتهمْ فِي طَبَقَات النَّار يَتَقَلَّبُونَ على جمرات الدِّرْهَم وَالدِّينَار وَقد غلت الْيَمين مَعَ الْيَسَار لما بخلوا مَعَ الإيسار لَو رَأَيْتهمْ فِي الْجَحِيم يسقون من الْحَمِيم وَقد ضج صبورهم يَوْم يحمى عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم فتكوى بهَا جباههم وجنوبهم وظهورهم كَمَا كَانُوا يوعظون فِي الدُّنْيَا وَمَا فيهم من يسمع كم خوفوا من عِقَاب الله وَمَا فيهم من يفزع كم أنبئوا بِمَنْع الزَّكَاة وَمَا فيهم من يدْفع فكأنهم بالأموال وَقد انقلبت شجاعاً أَقرع فَمَا هِيَ عصى مُوسَى وَلَا طورهم يَوْم يحمى عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم فتكوى بهَا جباههم وجنوبهم وظهورهم
حِكَايَة
رُوِيَ عَن مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ قَالَ خرجت أَنا وَجَمَاعَة من أَصْحَابِي فِي زِيَارَة أبي سِنَان ﵀ فَلَمَّا دَخَلنَا عَلَيْهِ وَجَلَسْنَا عِنْده قَالَ قومُوا بِنَا نزور جاراً لنا مَاتَ أَخُوهُ ونعزيه فِيهِ فقمنا مَعَه ودخلنا على ذَلِك الرجل فوجدناه كثير الْبكاء والجزع على أَخِيه فَجَلَسْنَا نسليه ونعزيه وَهُوَ لَا يقبل تَسْلِيَة وَلَا تَعْزِيَة فَقُلْنَا أما تعلم أَن الْمَوْت سَبِيل لَا بُد مِنْهُ قَالَ بلَى وَلَكِن أبْكِي على مَا أصبح وَأمسى فِيهِ أخي من الْعَذَاب فَقُلْنَا لَهُ هَل أطلعك الله على الْغَيْب قَالَ لَا وَلَكِن لما دَفَنته وسويت عَلَيْهِ التُّرَاب وَانْصَرف النَّاس جَلَست عِنْد قَبره إِذْ صَوت من قَبره يَقُول آه أقعدوني وحيداً أقاسي الْعَذَاب قد كنت أُصَلِّي قد كنت أَصوم قَالَ فأبكاني كَلَامه فنبشت عَنهُ التُّرَاب لأنظر حَاله وَإِذا الْقَبْر يشتعل عَلَيْهِ
стр. 31
نَارا وَفِي عُنُقه طوق من نَار فحملتني شَفَقَة الْأُخوة ومددت يَدي لأرفع الطوق عَن رقبته فاحترقت أصابعي ويدي ثمَّ أخرج إِلَيْنَا يَده فَإِذا هِيَ سَوْدَاء محترقة قَالَ فَرددت عَلَيْهِ التُّرَاب وانصرفت فَكيف لَا أبْكِي على حَاله وأحزن عَلَيْهِ فَقُلْنَا فَمَا كَانَ أَخُوك يعْمل فِي الدُّنْيَا قَالَ كَانَ لَا يُؤَدِّي الزَّكَاة من مَاله قَالَ فَقُلْنَا هَذَا تَصْدِيق قَول الله تَعَالَى ﴿وَلَا يَحسبن الَّذين يَبْخلُونَ بِمَا آتَاهُم الله من فَضله هُوَ خيراً لَهُم بل هُوَ شَرّ لَهُم سيطوقون مَا بخلوا بِهِ يَوْم الْقِيَامَة﴾ وأخوك عجل لَهُ الْعَذَاب فِي قَبره إِلَى يَوْم الْقِيَامَة قَالَ ثمَّ خرجنَا من عِنْده وأتينا أَبَا ذَر صَاحب رَسُول الله ﷺ وَذكرنَا لَهُ قصَّة الرجل وَقُلْنَا لَهُ يَمُوت الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ وَلَا نرى فيهم ذَلِك فَقَالَ أُولَئِكَ لَا شك أَنهم فِي النَّار وَإِنَّمَا يريكم الله فِي أهل الْإِيمَان لتعتبروا قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَمن أبْصر فلنفسه وَمن عمي فعلَيْهَا وَمَا أَنا عَلَيْكُم بحفيظ﴾ فنسأل الله الْعَفو والعافية إِنَّه جواد كريم
الْكَبِيرَة السَّادِسَة إفطار يَوْم من رَمَضَان بِلَا عذر
قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كتب عَلَيْكُم الصيام كَمَا كتب على الَّذين من قبلكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون أَيَّامًا معدودات فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا أَو على سفر فَعدَّة من أَيَّام أخر﴾ وَثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ بني الْإِسْلَام على خمس
стр. 32
شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وإقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وَحج الْبَيْت وَصَوْم رَمَضَان وَقَالَ ﷺ من أفطر يَوْمًا من رَمَضَان بِلَا عذر لم يقضه صِيَام الدَّهْر وَإِن صَامَهُ وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ عرى الْإِسْلَام وقواعد الدين ثَلَاث شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَالصَّلَاة وَصَوْم رَمَضَان فَمن ترك وَاحِدَة مِنْهُنَّ فَهُوَ كَافِر نَعُوذ بِاللَّه من ذَلِك
الْكَبِيرَة السَّابِعَة فِي ترك الْحَج مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ
قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ وَقَالَ النَّبِي ﷺ من ملك زاداً وراحلة تبلغه حج بَيت الله الْحَرَام وَلم يحج فَلَا عَلَيْهِ أَن يَمُوت يَهُودِيّا أَو نَصْرَانِيّا وَذَلِكَ لِأَن الله تَعَالَى يَقُول ﴿وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ وَقَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ لقد هَمَمْت أَن أبْعث رجَالًا إِلَى هَذِه الْأَمْصَار فينظروا كل من لَهُ جدة وَلم يحج فليضربوا عَلَيْهِم الْجِزْيَة وَمَا هم بمسلمين
стр. 33
وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ مَا من أحد لم يحج وَلم يؤد زَكَاة مَاله إِلَّا سَأَلَ الرّجْعَة عِنْد الْمَوْت فَقيل لَهُ إِنَّمَا يسْأَل الرّجْعَة الْكفَّار قَالَ وَإِن ذَلِك فِي كتاب الله تَعَالَى ﴿وأنفقوا من مَا رزقناكم من قبل أَن يَأْتِي أحدكُم الْمَوْت فَيَقُول رب لَوْلَا أخرتني إِلَى أجل قريب فَأَصدق﴾ أَي أؤدي الزَّكَاة وأكن من الصَّالِحين أَي أحج ﴿وَلنْ يُؤَخر الله نفساً إِذا جَاءَ أجلهَا وَالله خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ قيل فيمَ تجب الزَّكَاة قَالَ بِمِائَتي دِرْهَم وَقيمتهَا من الذَّهَب قيل فَمَا يُوجب الْحَج قَالَ الزَّاد وَالرَّاحِلَة وَعَن سعيد بن جُبَير ﵁ قَالَ مَاتَ لي جَار مُوسر لم يحج فَلم أصل عَلَيْهِ
الْكَبِيرَة الثَّامِنَة عقوق الْوَالِدين
قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَقضى رَبك أَلا تعبدوا إِلَّا إِيَّاه وبالوالدين إحسانا﴾ أَي براً بهما وشفقة وعطفاً عَلَيْهِمَا ﴿إِمَّا يبلغن عنْدك الْكبر أَحدهمَا أَو كِلَاهُمَا فَلَا تقل لَهما أُفٍّ وَلَا تنهرهما﴾ أَي لَا تقل لَهما بتبرم إِذا كبرا وأسنا وَيَنْبَغِي أَن تتولى خدمتهما مَا توليا من خدمتك على أَن الْفضل للمتقدم وَكَيف يَقع التَّسَاوِي وَقد كَانَا يحْملَانِ أذاك راجين حياتك وَأَنت إِن حملت أذاهما رَجَوْت مَوْتهمَا ثمَّ قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَقل لَهما قولاً كَرِيمًا﴾ أَي ليناً لطيفاً ﴿واخفض لَهما جنَاح الذل من الرَّحْمَة وَقل رب ارحمهما كَمَا ربياني صَغِيرا﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن اشكر لي ولوالديك إِلَيّ الْمصير﴾
стр. 34
فَانْظُر رَحِمك الله كَيفَ قرن شكرهما بشكره قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ ثَلَاث آيَات نزلت مقرونة بِثَلَاث لَا تقبل مِنْهَا وَاحِدَة بِغَيْر قرينتها أَي (إِحْدَاهمَا) قَول الله تَعَالَى ﴿أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول﴾ فَمن أطَاع الله وَلم يطع الرَّسُول لم يقبل مِنْهُ (الثَّانِيَة) قَول الله تَعَالَى ﴿وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة﴾ فَمن صلى وَلم يزك لم يقبل مِنْهُ (الثَّالِثَة) قَول الله تَعَالَى ﴿إِن اشكر لي ولوالديك﴾ فَمن شكر الله وَلم يشْكر لوَالِديهِ لم يقبل مِنْهُ وَلذَا قَالَ النَّبِي ﷺ رضى الله فِي رضى الْوَالِدين وَسخط الله فِي سخط الْوَالِدين وَعَن ابْن عَمْرو ﵄ قَالَ جَاءَ رجل يسْتَأْذن النَّبِي ﷺ فِي الْجِهَاد مَعَه فَقَالَ النَّبِي ﷺ أَحَي والداك قَالَ نعم قَالَ ففيهما فَجَاهد مخرج فِي الصَّحِيحَيْنِ فَانْظُر كَيفَ فضل بر الْوَالِدين وخدمتهما على الْجِهَاد وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ أَلا أنبئكم بأكبر الْكَبَائِر الْإِشْرَاك بِاللَّه وعقوق الْوَالِدين فَانْظُر كَيفَ قرن الْإِسَاءَة إِلَيْهِمَا وَعدم الْبر وَالْإِحْسَان بالإشراك وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضا أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا يدْخل الْجنَّة عَاق وَلَا منان وَلَا مدمن خمر وَعنهُ ﷺ قَالَ لَو علم الله شَيْئا أدنى من الأف لنهى عَنهُ فليعمل الْعَاق مَا شَاءَ أَن يعْمل فَلَنْ يدْخل الْجنَّة وليعمل الْبَار مَا شَاءَ أَن يعْمل فَلَنْ يدْخل النَّار وَقَالَ ﷺ لعن الله الْعَاق
стр. 35
لوَالِديهِ وَقَالَ ﷺ لعن الله من سب أَبَاهُ لعن الله من سب أمه وَقَالَ ﷺ كل الذُّنُوب يُؤَخر الله مِنْهَا مَا شَاءَ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا عقوق الْوَالِدين فَإِنَّهُ يعجل لصَاحبه يَعْنِي الْعقُوبَة فِي الدُّنْيَا قبل يَوْم الْقِيَامَة وَقَالَ كَعْب الْأَحْبَار ﵀ إِن الله ليعجل هَلَاك العَبْد إِذا كَانَ عاقاً لوَالِديهِ ليعجل لَهُ الْعَذَاب وَإِن الله ليزِيد فِي عمر العَبْد إِذا كَانَ باراً بِوَالِديهِ ليزيده براً وَخيرا وَمن برهما أَن ينْفق عَلَيْهِمَا إِذا احتاجا فقد جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله إِن أبي يُرِيد أَن يحتاح مَالِي فَقَالَ ﷺ أَنْت وَمَالك لأَبِيك وَسُئِلَ كَعْب الْأَحْبَار عَن عقوق الْوَالِدين مَا هُوَ قَالَ هُوَ إِذا أقسم عَلَيْهِ أَبوهُ أَو أمه لم يبر قسمهما وَإِذا أمره بِأَمْر لم يطع أَمرهمَا وَإِذا سألاه شَيْئا لم يعطهما وَإِذا ائتمناه خانهما وَسُئِلَ ابْن عَبَّاس ﵄ عَن أَصْحَاب الْأَعْرَاف من هم وَمَا الْأَعْرَاف فَقَالَ أما الْأَعْرَاف فَهُوَ جبل بَين الْجنَّة وَالنَّار وَإِنَّمَا سمي الْأَعْرَاف لِأَنَّهُ مشرف على الْجنَّة وَالنَّار وَعَلِيهِ أَشجَار وثمار وأنهار وعيون وَأما الرِّجَال الَّذين يكونُونَ عَلَيْهِ فهم رجال خَرجُوا إِلَى الْجِهَاد بِغَيْر رضَا آبَائِهِم وأمهاتهم فَقتلُوا فِي الْجِهَاد فَمَنعهُمْ الْقَتْل فِي سَبِيل الله عَن دُخُول النَّار ومنعهم عقوق الْوَالِدين عَن دُخُول الْجنَّة فهم على الْأَعْرَاف حَتَّى يقْضِي الله فيهم أمره
стр. 36
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن رجلاً جَاءَ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله من أَحَق النَّاس مني بِحسن الصُّحْبَة قَالَ أمك قَالَ ثمَّ من قَالَ أمك قَالَ ثمَّ من قَالَ أمك قَالَ ثمَّ من قَالَ أَبوك ثمَّ الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب فحض على بر الْأُم ثَلَاث مَرَّات وعَلى بر الْأَب مرة وَاحِدَة وَمَا ذَاك إِلَّا لِأَن عناءها أَكثر وشفقتها أعظم مَعَ مَا تقاسيه من حمل وطلق وولادة ورضاعة وسهر ليل رأى ابْن عمر ﵄ قد حمل أمه على رقبته وَهُوَ يطوف بهَا حول الْكَعْبَة فَقَالَ يَا ابْن عمر أَترَانِي جَازَيْتهَا قَالَ وَلَا بِطَلْقَة وَاحِدَة من طلقاتها وَلَكِن قد أَحْسَنت وَالله يثيبك على الْقَلِيل كثيراً وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَرْبَعَة نفر حق على الله أَن لَا يدخلهم الْجنَّة وَلَا يذيقهم نعيمها مدمن خمر وآكل الرِّبَا وآكل مَال الْيَتِيم ظلماً والعاق لوَالِديهِ إِلَّا أَن يتوبوا وَقَالَ ﷺ الْجنَّة تَحت أَقْدَام الْأُمَّهَات وَجَاء رجل إِلَى أبي الدَّرْدَاء ﵁ فَقَالَ يَا أَبَا الدَّرْدَاء إِنِّي تزوجت امْرَأَة وَإِن أُمِّي تَأْمُرنِي بِطَلَاقِهَا فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول الْوَالِد أَوسط أَبْوَاب الْجنَّة فَإِن شِئْت فأضع ذَلِك الْبَاب أَو احفظه وَقَالَ ﷺ ثَلَاث دعوات مستجابات لَا شك فِيهِنَّ دَعْوَة الْمَظْلُوم ودعوة الْمُسَافِر ودعوة الْوَالِد على وَلَده وَقَالَ
стр. 37
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْخَالَة بِمَنْزِلَة الْأُم أَي فِي الْبر وَالْإِكْرَام والصلة وَالْإِحْسَان وَعَن وهب بن مُنَبّه قَالَ إِن الله تَعَالَى أوحى إِلَيّ مُوسَى صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ يَا مُوسَى وقر والديك فَإِن من وقر وَالِديهِ مددت فِي عمره ووهبت لَهُ ولداً يوقره وَمن عق وَالِديهِ فصرت فِي عمره ووهبت لَهُ ولداً يعقه وَقَالَ أَبُو بكر بن أبي مَرْيَم قَرَأت فِي التَّوْرَاة أَن من يضْرب أَبَاهُ يقتل وَقَالَ وهب قَرَأت فِي التَّوْرَاة على من صك وَالِده الرَّجْم وَعَن عَمْرو بن مرة الْجُهَنِيّ قَالَ جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله أَرَأَيْت إِذا صليت الصَّلَوَات الْخمس وَصمت رَمَضَان وَأديت الزَّكَاة وَحَجَجْت الْبَيْت فَمَاذَا لي فَقَالَ رَسُول الله ﷺ من فعل ذَلِك كَانَ مَعَ النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ إِلَّا أَن يعق وَالِديهِ وَقَالَ ﷺ لعن الله الْعَاق وَالِديهِ وَجَاء عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ رَأَيْت لَيْلَة أسرِي بِي أَقْوَامًا فِي النَّار معلقين فِي جُذُوع من نَار فَقلت يَا جِبْرِيل من هَؤُلَاءِ قَالَ الَّذين يشتمون آبَاءَهُم وأمهاتهم فِي الدُّنْيَا وَرُوِيَ أَنه من شتم وَالِديهِ ينزل عَلَيْهِ فِي قَبره جمر من نَار بِعَدَد كل قطر ينزل من السَّمَاء إِلَى الأَرْض ويروى أَنه إِذا دفن عَاق وَالِديهِ عصره الْقَبْر حَتَّى تخْتَلف فِيهِ أضلاعه وَأَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة ثَلَاثَة الْمُشرك وَالزَّانِي والعاق لوَالِديهِ وَقَالَ بشر مَا من رجل يقرب من أمه حَيْثُ يسمع كَلَامهَا إِلَّا كَانَ أفضل من الَّذِي يضْرب بِسَيْفِهِ فِي سَبِيل الله وَالنَّظَر إِلَيْهَا أفضل من كل شَيْء وَجَاء رجل وَامْرَأَة إِلَى رَسُول الله ﷺ يختصمان فِي صبي لَهما فَقَالَ الرجل يَا رَسُول
стр. 38
الله وَلَدي خرج من صلبي وَقَالَت الْمَرْأَة يَا رَسُول الله حمله خفاً وَوَضعه شَهْوَة وَحَمَلته كرهاً وَوَضَعته كرهاً وأرضعته حَوْلَيْنِ كَامِلين فَقضى بِهِ رَسُول الله ﷺ لأمه
موعظة
أَيهَا المضيع لآكد الْحُقُوق المعتاض من بر الْوَالِدين العقوق النَّاسِي لما يجب عَلَيْهِ الغافل عَمَّا بَين يَدَيْهِ بر الْوَالِدين عَلَيْك دين وَأَنت تتعاطاه بِاتِّبَاع الشين تطلب الْجنَّة بزعمك وَهِي تَحت أَقْدَام أمك حَملتك فِي بَطنهَا تِسْعَة أشهر كَأَنَّهَا تسع حجج وكابدت عِنْد الْوَضع مَا يذيب المهج وأرضعتك من ثديها لَبَنًا وأطارت لِأَجلِك وسنا وغسلت بِيَمِينِهَا عَنْك الْأَذَى وآثرتك على نَفسهَا بالغذاء وصيرت حجرها لَك مهداً وأنالتك إحساناً ورفداً فَإِن أَصَابَك مرض أَو شكاية أظهرت من الأسف فَوق النِّهَايَة وأطالت الْحزن والنحيب وبذلت مَالهَا للطبيب وَلَو خيرت بَين حياتك وموتها لطلبت حياتك بِأَعْلَى صَوتهَا هذاوكم عاملتها بِسوء الْخلق مرَارًا فدعَتْ لَك بالتوفيق سراً وجهاراً فَلَمَّا احْتَاجَت عِنْد الْكبر إِلَيْك جَعلتهَا من أَهْون الْأَشْيَاء عَلَيْك فشبعت وَهِي جائعة وَرويت وَهِي قانعة وقدمت عَلَيْهَا أهلك وأولادك بِالْإِحْسَانِ وقابلت أياديها بِالنِّسْيَانِ وصعب لديك أمرهَا وَهُوَ يسير وَطَالَ عَلَيْك عمرها وَهُوَ قصير هجرتهَا وَمَالهَا سواك نصير هَذَا ومولاك قد نهاك عَن التأفف وعاتبك فِي حَقّهَا بعتاب لطيف ستعاقب فِي دنياك بعقوق الْبَنِينَ وَفِي أخراك بالبعد من رب الْعَالمين يناديك بِلِسَان التوبيخ والتهديد ذَلِك بِمَا قدمت يداك وَأَن الله لَيْسَ بظلام للعبيد
لأمك حق لَو علمت كثير
كثيرك يَا هَذَا لَدَيْهِ يسير ... فكم لَيْلَة باتت بثقلك تَشْتَكِي
لَهَا من جواها أنة وزفير ... وَفِي الْوَضع لَو تَدْرِي عَلَيْهَا مشقة
فَمن غصص مِنْهَا الْفُؤَاد يطير
стр. 39
وَكم غسلت عَنْك الْأَذَى بِيَمِينِهَا
وَمَا حجرها إِلَّا لديك سَرِير ... وتفديك مِمَّا تشتكيه بِنَفسِهَا
وَمن ثديها شرب لديك نمير ... وَكم مرة جاعت وأعطتك قوتها
حناناً وإشفاقا وَأَنت صَغِير ... فآها لذِي عقل وَيتبع الْهوى
وآها لأعمى الْقلب وَهُوَ بَصِير ... فدونك فارغب فِي عميم دعائها
فَأَنت لما تَدْعُو إِلَيْهِ فَقير
حُكيَ أَنه كَانَ فِي زمن النَّبِي ﷺ شَاب يُسمى عَلْقَمَة وَكَانَ كثير الاجتهاد فِي طَاعَة الله فِي الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالصَّدَََقَة فَمَرض وَاشْتَدَّ مَرضه فَأرْسلت امْرَأَته إِلَى رَسُول الله ﷺ إِن زَوجي عَلْقَمَة فِي النزع فَأَرَدْت أَن أعلمك يَا رَسُول الله بِحَالهِ فَأرْسل النَّبِي ﷺ عماراً وصهيباً وبلالاً وَقَالَ امضوا إِلَيْهِ ولقنوه الشَّهَادَة فَمَضَوْا إِلَيْهِ ودخلوا عَلَيْهِ فوجدوه فِي النزع فَجعلُوا يلقنونه (لَا إِلَه إِلَّا الله) وَلسَانه لَا ينْطق بهَا فأرسلوا إِلَى رَسُول الله ﷺ يخبرونه أَنه لَا ينْطق لِسَانه بِالشَّهَادَةِ فَقَالَ النَّبِي ﷺ هَل من أَبَوَيْهِ أحد حَيّ قيل يَا رَسُول الله أم كَبِيرَة السن فَأرْسل إِلَيْهَا رَسُول الله ﷺ وَقَالَ للرسول قل لَهَا إِن قدرت على الْمسير إِلَى رَسُول الله ﷺ وَإِلَّا فقري فِي الْمنزل حَتَّى يَأْتِيك قَالَ فجَاء إِلَيْهَا الرَّسُول فَأَخْبرهَا بقول رَسُول الله ﷺ فَقَالَت نَفسِي لنَفسِهِ فدَاء أَنا أَحَق بإتيانه فتوكأت وَقَامَت على عَصا وَأَتَتْ رَسُول الله ﷺ فَسلمت فَرد ﵍ وَقَالَ لَهَا يَا أم عَلْقَمَة أصدقيني وَإِن كذبتي جَاءَ الْوَحْي من الله
стр. 40
تَعَالَى كَيفَ كَانَ حَال ولدك عَلْقَمَة قَالَت يَا رَسُول الله كثير الصَّلَاة كثير الصيام كثير الصَّدَقَة قَالَ رَسُول الله ﷺ فَمَا حالك قَالَت يَا رَسُول الله أَنا عَلَيْهِ ساخطة قَالَ وَلم قَالَت يَا رَسُول كَانَ يُؤثر عَليّ زَوجته ويعصيني فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن سخط أم عَلْقَمَة حجب لِسَان عَلْقَمَة عَن الشَّهَادَة ثمَّ قَالَ يَا بِلَال انْطلق واجمع لي حطباً كثيراً قَالَت يَا رَسُول الله وَمَا تصنع قَالَ أحرقه بالنَّار بَين يَديك قَالَت يَا رَسُول الله وَلَدي لَا يحْتَمل قلبِي أَن تحرقه بالنَّار بَين يَدي قَالَ يَا أم عَلْقَمَة عَذَاب الله أَشد وَأبقى فَإِن سرك أَن يغْفر الله لَهُ فارضي عَنهُ فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ لَا ينْتَفع عَلْقَمَة بِصَلَاتِهِ وَلَا بصيامه وَلَا بِصَدَقَتِهِ مَا دمت عَلَيْهِ ساخطة فَقَالَت يَا رَسُول الله إِنِّي أشهد الله تَعَالَى وَمَلَائِكَته وَمن حضرني من الْمُسلمين أَنِّي قد رضيت عَن وَلَدي عَلْقَمَة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ انْطلق يَا بِلَال إِلَيْهِ وَانْظُر هَل يَسْتَطِيع أَن يَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله أم لَا فَلَعَلَّ أم عَلْقَمَة تَكَلَّمت بِمَا لَيْسَ فِي قَلبهَا حَيَاء مني فَانْطَلق فَسمع عَلْقَمَة من دَاخل الدَّار يَقُول (لَا إِلَه إِلَّا الله) فَدخل بِلَال فَقَالَ يَا هَؤُلَاءِ إِن سخط أم عَلْقَمَة حجب لِسَانه عَن الشَّهَادَة وَأَن رِضَاهَا أطلق لِسَانه ثمَّ مَاتَ عَلْقَمَة من يَوْمه فحضره رَسُول الله ﷺ فَأمر بِغسْلِهِ وكفنه ثمَّ صلى عَلَيْهِ وَحضر دَفنه ثمَّ قَامَ على شَفير قَبره وَقَالَ يَا معشر الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار من فضل زَوجته على أمه فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ لَا يقبل الله مِنْهُ صرفاً وَلَا عدلاً إِلَّا أَن يَتُوب إِلَى الله وَيحسن إِلَيْهَا وَيطْلب رِضَاهَا فرضى الله فِي رِضَاهَا وَسخط الله فِي سخطها فنسأل الله أَن يوفقنا لرضاه وَأَن يجنبنا سخطه إِنَّه جواد كريم رؤوف رَحِيم
следующие страницы →